← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فرضه لا يسقط بمثل نية إمامه، فأشبه المفترض خلف [من يصلي] (١) على جنازة؛ [ولأنه لا يجوز أن يبني إحدى الصلاتين على الأخرى في حق نفسه، فكذلك مع إمامه] (٢)، كالظهر مع الجمعة. والذي روي أن معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ ثم يصلي بقومه (٣)، فإنه كان يتنفل خلف رسول الله ﷺ [ويؤدي الفريضة بقومه اتباعًا لأمره ﷺ ]، ولهذا قال له: "إما أن تخفف بهم، وإلا فاجعل صلاتك معنا" (٤)، فدل على أن صلاته المفروضة لم تكن معه. ٣٢٥ - [فَصْل: صلاة النذر خلف مصلي النذر] وقد قالوا: في مصلي النذر خلف مصلي النذر أن أسباب الوجوب إذا اختلفت، لم يجز الاقتداء، مثل النذرين من رجلين لا يقتدي أحدهما بصاحبه، وكذلك إن أفسد صلاة دخل فيها، ثم اقتدى برجل يصلي نافلة، لم يجزه؛ وذلك لأن اختلاف النذرين كاختلاف الفرضين [المفترقين]، ومن أفسد ما دخل فيه، وجب عليه، فلم يجز أن يقتدي فيه بالمتنفل ولو اشتركا في نافلة، ثم

стр. 352

أفسداها، فاقتدى أحدهما بصاحبه حال القضاء، جاز؛ لأنها صلاة واحدة وجبت من جهة واحدة. ٣٢٦ - [فَصْل: صلاة البالغ خلف الصبي] وعلى هذا الأصل قالوا: لا يصلي البالغ خلف الصبي؛ لأن أكثر أحوال الصَّبِيِّ أن يكون متنفلًا، وصلاة المفترض لا يجوز خلف مصلي النفل؛ ولأن الصبي لا يصح منه أداء الفرض، كالكافر. ٣٢٧ - [فَصْل: إدراك الإمام والدخول معه] قال: وفي أي حال أدرك الإمام، فينبغي أن يدخل معه فيه، لقوله ﵊: "ما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا" (١)، وقال معاذ للنبي ﷺ : "ما كنت لأجدك على حالة إلا اتبعتك عليها". قال: ويفتتح الصلاة قائمًا، ويكبر أخرى للانحطاط إذا لم يكن الإمام قائمًا، أما الافتتاح فإنه لا يحصل داخلًا في الصلاة إلّا به، فإن كان الإمام قائمًا فقد شاركه، ولم يحتج إلى تكبير آخر، وإن لم يكن قائمًا، فعليه أن يشارك الإمام في الحالة التي هو عليها، فينتقل من القيام إلى تلك الحالة بتكبيرة، كالمدرك لأول الصلاة. قال: ويشارك الإمام في الفعل الذي أدركه فيه، ويقول في ذلك الفعل من الذكر ما سُنَّ فيه من تسبيح أو تشهد، لقوله ﵊: "ما أدركتم فصلّوا"، وهذا يفيد الأمر بالمشاركة، وإذا شاركه في الفعل أتى بالذكر الموضوع فيه كالمدرك.

стр. 353

قال: وإن كان فعلًا لا ذِكْرَ فيه لم يذكر شيئًا، مثل أن يدركه [فيما بين] السجدتين أو بعد رفع رأسه من الركوع؛ وذلك لأنه لو كان مدركًا، لم يأت في هذه الحالة بذِكْرٍ، فالمسبوق مثله. قال: إلا أنه لا يزيد في التشهد الأول على قوله: وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤخر الدعاء إلى آخر التشهد الذي يكون منه؛ وذلك لأن من حكم الدعاء أن يؤخر إلى القعدة الأخيرة، وهذه القعدة الأولى لهذا المؤتم، فلا يدعو فيها. قال الشيخ: وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: لا أعرف هذه المسألة إلا في هذا الموضع، ويجوز أن يقال خلاف ذلك؛ لأن المنع من الدعاء في القعدة الأولى؛ لأجل أن (١) المأموم وغيره مأمور بفعل فرائض الصلاة، فالاشتغال بالفرض أولى من الشغل بالدعاء (٢). وأما هذا فممنوع من القيام إلى تتميم الصلاة حتى يفرغ الإمام، فجاز له الدعاء. وكان شيخنا أبو بكر الخوارزمي يحكي عن ابن شجاع: أنه يكرر التشهد - هذا المقتدي - مرة بعد مرة حتى يسلم الإمام؛ لأنه ممنوع من الزيادة عليه فيكرره (٣).

стр. 354

بَابْ: ما يفعله المصلي في صلاته بعد الافتتاح ٣٢٨ - [وضع الأيدي في الصلاة] قال أبو الحسن: وإذا افتتح المصلي الصلاة على ما ذكرت، وضع يمينه على يساره أسفل السرة، روينا ذلك عن علي وابن عباس وإبراهيم (١). وقال مالك: يرسلهما (٢). وقد روى أبو جحيفة عن علي ﵁ أنه قال: (من السنة وضع الأيدي على الأيدي في الصلاة) (٣)، وعن الزبير، والنخعي، والحسن أنهم كانوا يرسلون أيديهم (٤). وقال الأوزاعي: إن شاء فعل، وإن شاء ترك. لنا: ما روى سماك بن حرب، عن قبيصة بن المهلّب (٥) عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يضع إحدى يديه على الأخرى في صلاته" (٦).

стр. 355

وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال نبي الله ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نقبض بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا" (١)، وروى وائل بن حجر وغيره مثل ذلك؛ ولأنه أشبه بالخشوع، وهو فعل المسلمين في سائر الأعصار. ٣٢٩ - [فَصْل: صفة وضع الأيدي في الصلاة] وأما صفة الوضع فقد ذكر في كتاب الآثار: أنه يضع بطن كفه اليمنى على رسغه الأيسر تحت السرة، ويكون الرسغ وسط الكف. [وروي عن النخعي: أنه كان يضع يده اليسرى تحت السرة قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. قال عمرو بن أبي عمرو: سألت محمدًا عن وضع الرجل يده اليمنى على اليسار في الصلاة أين هو؟ فقال: قال أبو حنيفة: تحت السرة، وروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف مثله]. أما صفة الوضع فقد روى وائل بن حجر: "أن رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد" (٢)، وروي عن أنس عن رسول الله ﷺ مثله، وعن علي أنه كان إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه، فلا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أنه يصلح ثوبه أو يحك جسده، [وعن عمرو بن ميمون أنه كان يضع يده اليسرى عند المفصل في يمناه في الصلاة، قال

стр. 356

أبو إسحاق: رأيت الأسود وعمرو بن ميمون وذكوان إذا صلوا وضعوا أيمانهم على شمائلهم الكف على الساعد]. وأما موضع الوضع [فروى أبو جحيفة عن عليّ: أن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة] (١)، وروى النعمان بن سعد عن عليّ: أن من أخلاق الأنبياء وضع الأكف تحت السرة، وهذا لا يعرف إلا من طريق التوقيف، ومثله عن أبي هريرة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وبه قال النخعي، وابن جبير، وابن سيرين. وعن عطاء، ونافع، والشعبي: يضع يده عند صدره، وهو قول الشافعي، وكل ما ذكرناه عن علي وأبي هريرة دليل عليه؛ ولأن هذا أشق وأقرب إلى ستر العورة، وأبعد من فعل أهل الكتاب. ٣٣٠ - [فَصْل: في دعاء الاستفتاح] ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك [ولا إله غيرك]، إمامًا كان أو مأمومًا، وقال أبو يوسف: يجمع بين هذا وبين قوله ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ويقدم أيهما شاء، وفي الإملاء في الصلاة: وأحب إليّ أن يزيد في الافتتاح وجهت وجهي، (وروى علقمة والأسود عن ابن مسعود مثله) (٢)، وروى عمرو بن ميمون عن عمر أنه صلّى [الصبح] بذي

стр. 357

الحليفة، فلما كبّر قال: سبحانك اللهم إلى آخره، [روى سليم بن موسى: أن أبا بكر وعمر وابن مسعود كانوا إذا افتتحوا الصلاة قالوا ذلك] (١)، وبه قال الثوري والأوزاعي، ومالك في المؤتم كذلك، فأما الإمام فيكبّر ثم يقرأ، وقال الشافعي: يفتتح [الصلاة] بوجَّهْتُ وجهي (٢). وجه قولنا: ما روى عمر، وابن مسعود، وعائشة، والخدري، وجابر، وأنس، وزيد قالوا: "كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك … إلى آخره" (٣)؛ ولأنه ركن يصير مدركه مدركًا للركعة، فكان من سنته التسبيح [كالركوع]. وجه قول أبي يوسف: حديث محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمر قال: "كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: وجهت وجهي .. إلى آخره" (٤)، [وقال: "سبحانك اللهم وبحمدك .. إلى آخره"]، وزاد فيه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]؛ ولأنه روي عن النبي ﷺ الأمران، فكان الجمع بينهما أولى، وأما الذي فرق مالك بين الإمام والمؤتم، ففاسد [لأن فعل عمر حصل وهو إمام تحضره الجماعة]؛ ولأنه استفتاح للصلاة، فاستوى فيه الإمام والمؤتم، وليس كذلك التعوذ؛ لأنه استفتاح للقراءة، فلا يثبت في حق المؤتم؛ إذ لا قراءة عليه.

стр. 358

٣٣١ - [فَصْل: التعوذ في الصلاة] قال: ويتعوذ إن كان إمامًا أو مصليًا وحده، ولا تعوّذ على المؤتم؛ لأنه لا قراءة عليه، لما روى الحسن: "أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبّر ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم" (١)، وروى قتادة أن أبا الدرداء قام إلى الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : "تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن"، فقال: يا رسول الله للإنس شياطين؟!، قال: "نعم" (٢)، [وروى أبو المتوكل الماحي عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ كان يقول قبل القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (٣)، فهذه الأخبار] تدلّ على ثبوت التعوذ خلاف ما قال مالك، ويدل على بطلان قول نُفَاة (٤) القياس: أن التعوذ بعد الفراغ من القراءة ما روت عائشة: "أن النبي ﷺ قام في قصة الإفك فكشف الرداء عن وجهه، وقال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، إن الذين جاؤوا بالإفك .. " (٥)، (فتعوَّذَ قبل القراءة) (٦)؛ ولا يصح تعلقهم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ لأن الفاء يذكر ويراد بها الحال، كقولنا إذا رأيت الأسد (٧) فتأهب له؛ ولأن المراد بها إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ [بالله]، وقد دل على ذلك إجماع الأمة [على هذا الفعل].

стр. 359

وقد روي عن ابن سيرين: الاستعاذة بعد الفاتحة، وما ذكرناه [من الأخبار] يسقط قوله، وروي عنه: الاستعاذة في كل ركعة، وهذا فاسد؛ لأن الصلاة كفعل واحد، فيكتفى فيها [بتعوّذ] (١) واحد. [وقد حكي عن عطاء وجوب الاستعاذة عن كل قراءة في الصلاة وغيرها، وهذا قول مخالف لإجماع من تقدمه ومن تأخر عنه؛ ولأنه استفتاح كذكر الله تعالى في ابتداء الأمور، وإنما قلنا: إن المؤتم لا يتعوذ لأنه لا قراءة عليه، والتعوذ لافتتاح القراءة]. ٣٣٢ - [فَصْل: في صفة البسملة] قال: ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم [سرًا]، وقال مالك: لا يقرأها لا سرًا ولا جهرًا، وقال: إن كان في قيام رمضان افتتح بها السورة، ولا يقرأها في الفاتحة (٢). لنا: ما روي في حديث أنس قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فكانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم" (٣)؛ ولأنها افتتاح للقراءة، ولهذا كتبت في المصحف، فيبتدئ بها كما يبتدئ بها في سائر الأمور. ٣٣٣ - [فَصْل: البسملة آية من الفاتحة] والكلام يقع أولًا في أنها ليست من فاتحة الكتاب، وقد قال معلى:

стр. 360

سألت محمدًا عن بسم الله الرحمن الرحيم أهي من القرآن؟، فقال: ما بين الدفتين كله قرآن، قلت: فلم نُسرّها؟ فلم يجبني، وكان أبو الحسن يقول: لا أعرف هذه المسألة عن متقدمي أصحابنا بعينها، وأمرهم بإخفائها دليل على أنها ليست من السورة؛ لامتناع أن يجهر ببعض السورة دون بعض. [وذكر ابن شجاع: أنها ليست من أوائل السور، ولم يضفه إلى أحد بعينه]. وقال الأوزاعي: ما أنزل في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلا في النمل. وعن الحسن: أنه لم يجعلها من الفاتحة، وقال: لم يقرأها رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ويُعد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ آية ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] آية أخرى. وكان الزهري يفتتح ببسم الله، ويقول: هي آية من القرآن، تركها الناس. وقال ابن المبارك: من ترك التسمية فقد ترك مائة وثلاثة عشر آية من القرآن، وقال الشافعي: هي آية من أول كل سورة (١). لنا: أن إثباتها من السورة لا يجوز إلا بنقل متواتر، يثبت بمثله القرآن، ولو ثبت ذلك النقل، لوقع لنا به العلم، فلما لم يقع العلم، دلّ على أن النقل لم يوجد؛ ولأن القُرَّاء اتفقوا على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، فلو كانت بسم الله منها عدوها أربع آيات (٢). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن في القرآن سورة وهي ثلاثون آية

стр. 361

تشفع لصاحبها يوم القيامة ألا وهي سورة الملك" (١) (٢)، ويروى تنجيه من عذاب القبر، [وهذا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست منها؛ لأنها ثلاثون آية سواها] (٣). ٣٣٤ - [فَصْل: البسملة فصل بين السورتين] وقد كان أبو بكر الرازي يقول: هي آية بين كل سورتين للفصل ليست من واحدة منهما؛ لأن ما بين الدفتين قرآن، وهذا قول يخالف الإجماع، كما أن قول من قال إنها من كل سورة يخالف إجماع مَنْ تقدم؛ لأنه لم يقل أحد أنها من جميع السور، [فكذلك لم يقل أحد من السلف بهذا القول]. ٣٣٥ - [فَصْل: الإخفاء في البسملة] والسنة فيها الإخفاء، وهو قول عليّ، وعبد الله بن مسعود، وابن المغفل، وقال ابن عباس: الجهر بها قراءة الأعراب (٤)، يعني جهل، وروي

стр. 362

عن عمر (١)، وعمار، وابن الزبير الإسرار بها، وقال النخعي: الجهر بها بدعة، وقال الشافعي: يجهر بها (٢). لنا: حديث أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. وروي عنه أنه قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله" (٣)، وهذا الحديث في الصحيح، وروى أبو الجوزاء عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، وروى أبو حنيفة عن أبي سفيان، عن عبد الله بن يزيد بن المغفل، عن أبيه أنه سمعه يجهر بالتسمية في صلاته، فقال: (يا بني إياك والحدث في الإسلام، صليت خلف النبي وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع منهم أحدًا يجهر بها) (٤)؛ ولأن الجهر بها لو صَحّ لنقل فعل النبي ﷺ مع الفاتحة على وجه واحد نقلًا واحدًا، فلما نقل الجهر بالفاتحة نقل استفاضة، ولم ينقل في بسم الله إلا نقل آحاد، دلّ على أنهما لم يتساويا، وإذا صَحّ نقلهم كان على وجه التعليم (٥)، أو إسماعه نفسه ﵊؛ ولأنها افتتاح للأشياء، فصارت كافتتاح

стр. 363

الصلاة بسبحانك اللهم. ٣٣٦ - [فَصْل: في تكرار البسملة] أما الكلام في تكرارها، فروى مُعَلَّى وابن الجعد، عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: لا تتعوّذ إلا في أول ركعة، واقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في كل ركعة، وأخفِ ذلك، ولا تُعِدْ قراءتها في تلك الركعة. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يقرؤها في أول (١) ركعة، ولا يعيدها قبل السورة التي بعد الفاتحة، وإن قرأها مع كل سورة فحسن. وعن أبي يوسف: أنه يقرؤها في كل ركعة مرة، وقال ابن أبي رجاء عن محمد: إن كان يريد أن يقرأ سورًا، قرأها عند افتتاح كل سورة إن كان يخفي القراءة، وإن كان يجهر بها، لم يقرأها إلا عند فاتحة الكتاب. أما الرواية التي قال يقرأها في كل ركعة فلحديث ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم" (٢)، وهذا يتناول كل ركعة؛ ولأن كل ركعة تنفرد بقراءة، [والبسملة] (٣) لافتتاح القراءة، فيلزمه تكرارها لوجوب سببها، ولا يكررها عند السورة؛ لأن القراءة في كل ركعة في حكم الفعل الواحد، فمتى ذكرت [والبسملة] (٤) في ابتدائها، فقد حصل المسنون كسائر الأفعال.

стр. 364

وجه الرواية الأخرى: أن الصلاة الواحدة كفعل واحد، بدليل أنّ ما يؤثر في فساد أولها يؤثر في [فساد] آخرها، والفعل الواحد لا يستحقّ التسمية إلا في ابتدائه مرة. وجه قول محمد: أن التلاوة تقع على مثل ما كتبت في المصحف، والتسمية في المصحف عند كل سورة، إلا أنه إذا كان يجهر لو [قرأها لأخفاها ولو أخفاها] (١) لقطع نظم القراءة، ومن حكم القراءة في الركعة الواحدة أن [تكون متصلة] (٢). ٣٣٧ - [فَصْل: القراءة في الركعتين الأوليين] ثم يقرأ: الحمد لله، وسورة في الفجر والجمعة، وفي كل أوليين من كل فريضة، وهو مخير فيما بعد الأوليين: إن شاء قرأ، وإن شاء سبّح، وإن شاء سكت، والكلام في هذا الموضع يقع في وجوب القراءة في الصلاة في الجملة، فعندنا أنها واجبة، وعند ابن عُلية والأصم: لا تجب. وقد بينا ذلك لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله ﵊: "لا صلاة إلا بقراءة" (٣)؛ ولأن الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، (ثم من الأفعال ما هو واجب، فمن الأذكار كذلك) (٤).

стр. 365

٣٣٨ - فَصْل: [قراءة الفاتحة في الصلاة] وأما الكلام في فاتحة الكتاب: فعندنا [أنها] لا تجب في الصلاة، وقال الشافعي: هي واجبة، وإن ترك منها حرفًا واحدًا بطلت صلاته (١). لنا: (قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وفي إيجابها إبطال التخيير، فلا يجب) (٢)، ولقوله ﵊: "لا صلاة إلا بقرآن"، ويقرأ فيها فاتحة الكتاب أو غيرها، (وهو نص) (٣)؛ ولأنها سورة من القرآن، فلا يتعين وجوبها في الصلاة، كسائر السور. ٣٣٩ - [فَصْل: مقدار الواجب من القراءة] وأما الكلام في مقدار الواجب من القراءة فذكر في الأصل عن أبي حنيفة: آية تامة، وروي عنه أدنى ما يتناوله الاسم، وروي عنه ثلاث آيات قصار أو آية طويلة كآية الدَّين، وهو قولهما، والصحيح [أن الواجب] قدر ما يتناوله الاسم (٤). ووجهه: أنه أتى بما يتناوله الاسم فأجزأه، كما لو طول؛ ولأنه مقدار لا يجوز للجنب مسه ولا قراءته كالسورة (٥). وجه رواية الأصل: أن ما دون الآية يذكر [على غير] (٦) وجه القراءة،

стр. 366

كقولنا عند الأكل أو غيره: بسم الله والحمد لله، والآية لا تقرأ إلا على وجه القراءة، فصارت كالطويلة. وجه الرواية الثالثة: أن القرآن انفصل عن غيره بالإعجاز، وذلك يقع بالسورة، وأقصر السور ثلاث آيات، والآية الطويلة كآية الدين، وكآية الكرسي مما يقع بها الإعجاز أيضًا، فصارت كالسورة. ٣٤٠ - [فَصْل: السُّنَّةُ في القِرَاءَة] والسنة: أن يقرأ فاتحة الكتاب ومعها غيرها؛ لأن النبي ﵊ داوم على ذلك، والمداومة تدل على المسنون، ولهذا قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" (١)، أي: ناقصة، وقال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها" (٢). ٣٤١ - فَصْل: [محل وجوب القراءة] وأما الكلام في [محل الوجوب] (٣): فإن كل تحريمة توجب القراءة في ركعتين عندنا، إلا الوتر [فإن القراءة تجب في جميع ركعاتها] (٤)، فإن كانت الصلاة ركعتين: كالفجر، والجمعة، وركعتي النفل فيقرأ فيهما، وإن كانت رباعية: كالظهر فالأفضل أن يقرأ في الأوليين، فإن قرأ في الأخريين، أو في

стр. 367

الثانية والثالثة جاز، وروى الحارث عن عليّ: أنه لا يقرأ في الأخريين شيئًا. وعن أبي إسحاق: كان علي وابن مسعود يُسَبِّحَان في الأخريين، وروي عن عمر أنه صلّى المغرب، فسها عن القراءة في الركعة الأولى من المغرب، فلما قام إلى الثانية قرأ بأم القرآن وسورة، وعن عثمان أنه نسي القراءة في الأوليين من العشاء، فقرأ في الأخريين وجهر، وسجد للسهو. قال الحسن: تجب القراءة في ركعة واحدة من الصلاة، وقال مالك: في ثلاث ركعات، وقال الشافعي: في جميع الركعات (١). أما وجوبها في الثانية خلاف الحسن؛ فلأن القراءة في الثانية ساوت الأولى في المقدار والصفة، فساوتها في الوجوب. وأما الثالثة فإنما لم تجب فيها؛ لأنها كالرابعة في المقدار والإخفاء، فاستويا في الحكم؛ ولأنها صلاة مفروضة فلا تتكرر القراءة الواجبة فيها أكثر من مرتين كالفجر. وأما الكلام على الشافعي فقوله مخالف للإجماع؛ لأن عثمان (٢) فعل ما ذكرناه بحضرة الصحابة من غير خلاف، ولما روى مطرف الوراق عن شهر بن حوشب قال: (اجتمع الأشعريون فأتوا أبا مالك الأشعري، فقالوا له: صلِّ لنا صلاة رسول الله ﷺ ، فقال: أفيكم أحد من غيركم؟، قالوا: ابن أخت لنا، فقال ابن أخت القوم منهم، فقام وقرأ في الركعتين الأوليين، ولم يقرأ في الأخريين

стр. 368

شيئًا) (١)؛ ولأن القراءة في الأخريين ذِكْرٌ، سُنّ فيه الإخفاء في صلاة يجهر فيها بالقراءة، كالتسبيحات؛ ولأنها صلاة فرض، ولا تجب القراءة فيها أكثر من مرتين، كالظهر في السفر؛ ولأنه ذكر لو تركه الإمام لم تبطل صلاة المأموم، كالتسبيحات. ٣٤٢ - [فَصْل: القراءة في الركعتين] وإذا ثبت أن القراءة تجب في ركعتين من الصلاة، فالأفضل أن يعينها في الأوليين؛ لأن النبي ﵊ داوم على ذلك، وهذا يدل على الفضيلة، فإن لم يقرأ في الأوليين قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب [وسورة]؛ لحديث عثمان وذلك بحضرة الصحابة. ٣٤٣ - فَصْل: [القراءة في الأخريين] الأفضل أن يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب] لحديث أبي قتادة: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورة، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) (٢). وروى معلى عن أبي يوسف: أنه قال: يقرأ بالحمد، وسورة معها في الأوليين في كل صلاة إذا كانت فريضة، وهو بالخيار في الأخريين: إن شاء قرأ، وإن شاء سَبَّح، وإن شاء سكت.

стр. 369

وقال الحسن عن أبي حنيفة: إن لم يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر أو العصر بفاتحة الكتاب، وسبّح في كل ركعة ثلاث تسبيحات أجزأه [ذلك]، فإن قرأ بفاتحة الكتاب فهو أفضل، وإن لم يقرأ بشيء من ذلك ولم يسبح، أجزأته صلاته، وكان مسيئًا إن كان متعمدًا، وإن كان ساهيًا فعليه سجدتا سهو. وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يرى من ترك التسبيح في هذه الركعات حَرَجًا، ولا يوجب على تاركه سجدتي سهو، وهذا هو الصحيح، وإنما خيره بين القراءة والتسبيح، لما روى أبو إسحاق قال: كان علي وعبد الله يسبحان في الأخريين؛ ولأنه ثبت أن القراءة غير واجبة في الأخريين، وإذا ثبت ذلك كان مخيرًا فيهما بين القراءة والتسبيح؛ لأن أحدًا لا يفرق بين الأمرين. والذي رواه الحسن من كراهة ترك الذكر في الأخريين؛ لأن كل ركن من الصلاة فيه [ذكر]: إما أن يكون واجبًا أو مسنونًا؛ ولأن القيام أدخل في الأذكار من الركوع، فإذا كان يكره ترك الذكر في الركوع ففي القيام أولى. وأما الرواية التي لم يكره فيها ترك الذكر؛ فلأنه قيام سقط فيه وجوب الذكر، كقيام المؤتم (١). ٣٤٤ - فَصْل: [التأمين في الصلاة] قال: وإذا فرغ من فاتحة الكتاب قال: آمين، وأخفى صوته بها، روى الإخفاء بها عن رسول الله ﷺ وائلُ بن حجر (٢)، وهو قول عليّ، وابن مسعود.

стр. 370

والسنة عندنا: أن يقول الإمام والمؤتم: آمين عند قول الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. وقال مالك: يقولها المؤتم دون الإمام، ومن الناس من امتنع من ذكرها (١). فقد روى التأمين عن النبي ﷺ عليّ ووائل، وأبو هريرة، وجماعة: فمنهم من روى الإخفاء، ومنهم من حكى الجهر، فمن منع منه فقد خالف السنة. وروى الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فمن وافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢). وروى أنس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى أعطاني آمين، ولم يعطها أحدًا قبلي إلا أن يكون أعطاهن هارون حين دعا موسى وأمّن هارون ﵉" (٣). وأما فرق مالك بين الإمام والمؤتم، فلا يصح؛ لأن وائل روى أن النبي ﷺ أخفى بها صوته، ويروى (٤) مدّ بها صوته؛ ولأنه دعاء، ولا يختلف فيه الإمام والمؤتم، [كالتشهد؛ ولأن الإمام أدخل في الأذكار من المؤتم]. وقوله ﵊: "إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين" (٥)، لا ينفي أن

стр. 371

يقولها الإمام؛ بدلالة ما روي في خبر أبي هريرة: "إذا أمّن الإمام فأمّنوا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، وروي أنه ﵊ قال: "إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين (٢)، فإن الإمام يقولها". ٣٤٥ - [فَصْل: الإخفاء في التأمين] والسنة عندنا: الإخفاء [بها]، روى علقمة، والأسود عن أبي مسعود أنه قال: يخفي الإمام آمين، وروى الحكم عن عمر وعليّ مثله. وروي الجهر بها عن أبي هريرة، وابن الزبير، وبه قال الشافعي (٣). لنا: حديث ابن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام ولا الضالين: فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول آمين والإمام يقولها، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، ولو كان الإمام يجهر بآمين لم يكن لهذا التفهم (٤) معنى. وعن وائل الحضرمي: "أنه صلّى مع رسول الله ﷺ فلما قال: ولا الضالين، قال: آمين، وخفض بها صوته" (٥)؛ ولأنه دعاء، .........................

стр. 372

وقد قال الحسن (١): معناها اللهم [أجب]، هكذا، وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقوله [﵊]: "إذا أمّن الإمام فأمّنوا"، فلا دلالة فيه على الجهر؛ لأنه يعلم أنه يقول ذلك عقيب الفاتحة. ٣٤٦ - فَصْل: [الجهر بالحمد والسورة] ويجهر بالحمد والسورة، يعني: الإمام في سائر الصلوات المفروضة إلا في الظهر والعصر، ولا يجهر فيما بعد الأوليين. [قال الشيخ رحمه الله تعالى]: وجملة هذا أن كل ذكر واجب للصلاة، فإن الجهر يجوز أن يتعلق به، وما ليس بواجب فعلى ضربين، أحدهما: ما وضع للعلامة فيجهر به، وما لم يوضع للعلامة، إن كان يختص ببعض الصلوات جهر به كالقنوت وتكبير العيدين، وما سوى ذلك لا يتعلق به جهر، مثل التشهد [وآمين] والتسبيحات. وأما القراءة فكل صلاة من شرطها الجماعة، فمن سنة القراءة فيها الجهر، كالجمعة والعيدين، وكذلك الصلاة المفعولة في صدر النهار، وصلاتا (٢) الليل من سنتهما الجهر: وذلك المغرب والعشاء [وصلاة الفجر]، وصلاتا (٣) النهار من سنتهما الإخفاء: وهي الظهر والعصر، أما الظهر والعصر؛ فلما روي عن أبي معمر قال: "سألت خبَّابًا هل كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر؟ قال: نعم، قلنا:

стр. 373

من أي شيء تعلمون ذلك؟ قال: من تحريك لحيته) (١). وروى أبو قتادة قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر ويسمعنا الآية والآيتين أحيانًا" (٢). وروى النضر بن أنس عن أبيه قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي النهار (٣) فجهر بالقراءة، فقيل يا رسول الله أحدث في هذا شيء! فقال: لا، ولكن أردت أن أوقت لكم دينكم" (٤)، وهذا يدل أنه كان يخفي. وقال ابن عباس: "علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر شيئًا أم لا؟ " (٥)، فلو كان يجهر فيهما لم يخف ذلك عليه، وروي أنه ﵊ قال: "صلاة النهار عجماء" (٦). وأما الفجر فروى ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر الم تنزيل، وهل أتى" (٧). وعن جابر: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بقاف ونحوها" (٨)، وكذلك روي (أنه ﵊ جهر في المغرب والعشاء [وداوم على ذلك)، وهو فعل الأمة.

стр. 374

وروى عبد الله ابن الحضرمي عن أبي هريرة قال: (جهر رسول الله ﷺ بالمغرب والعشاء] (١) الآخرة والفجر، ولم يجهر في الظهر ولا في العصر). وأما الجمعة والعيدان فقد جهر فيهما النبي ﷺ ، ونقل ذلك، ومقدار قراءته، وهو فعل الأمة. وأما المنفرد فيجهر إن شاء، ويسمع نفسه في صلوات الجهر. قال أبو الحسن: وإن شاء جهر بقدر ما يسمع أذنيه، ولا يزيد على ذلك؛ لما روي أن النبي ﷺ سمع أبا موسى [الأشعري] يجهر في صلاته ليلًا، فقال: "لقد أوتي مزمارًا كمزمار آل داود" (٢)، ولم ينكر ذلك. وروي "أنه سأل أبا بكر وعمر عن قراءتهما بالليل، فقال أبو بكر: "إني أخافت لئلا أوذي جاري"، وقال عمر: "إني لأجهر لكي أوقظ جاري"، فقال ﵊ لأبي بكر: "زد في صوتك"، وقال لعمر: "اخفض من صوتك" (٣). وعن أبي هريرة قال: "كانت قراءة رسول الله ﷺ بالليل يرفع طورًا ويخفض طورًا" (٤).

стр. 375

وأما الصلوات التي لا يجهر فيها، فإن المنفرد لا يجهر فيها أيضًا، وذكر أبو يوسف في الإملاء: إن زاد على قدر ما يسمع أذنيه فقد أساء، وذلك لقوله ﵊: "صلاة النهار عجماء" (١)؛ ولأن الإمام أدخل في الجهر منه، فإذا لم يجز له أن يجهر في هذه الصلوات، فالمنفرد أولى. ٣٤٧ - فَصْل: [قراءة المنفرد في الجهرية] وأما الصلوات التي من سنتها الجهر، فالمنفرد مخيّر فيها: إن شاء جهر وإن شاء لم يجهر؛ لما ذكرناه من حديث أبي بكر وعمر، إلا أنه لا يبالغ في الجهر، كما يفعل الإمام؛ لأن الإمام يسمع المؤتمين، والمنفرد لا يوجد فيه هذا المعنى (٢)، فلا فائدة في التكلف. قال محمد في الأصل: وإن كان وحده جهر في صلاة الجهر إن شاء أو أسمع نفسه، [وروى بِشر عن أبي يوسف أنه قال: ولا يجهر في الظهر والعصر، وإن كان منفردًا أسمع أذنيه فيما يجهر فيه، وليس عليه أن يجهر، وإن جهر فقد أساء]، وروى معلى وابن الجعد، عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة في الذي يجهر فيه الإمام أيسمع القوم أو بعضهم؟، قال: يسمعهم ولا يجهد نفسه، وإن كان وحده فلا يجهر يتكلم بذلك، ويسمع أذنيه، وقال في الإمام في الصلاة التي لا يجهر فيها: يحرك لسانه ويسمع أذنيه، [وكذلك الذي يصلي وحده، وهو قول يعقوب]، فإن لم يحرك لسانه بالقراءة، فهو بمنزلة من لم يقرأ، والأصل في هذا:

стр. 376

أن الأفضل في الأذكار: الإخفاء، بدلالة الدعاء [وإنما يجهر الإمام ليسمع من خلفه، وهذا لا يوجد في المنفرد]؛ ولأنه لا يجهر بالتكبير، فكذلك بالقراءة؛ لأن كل واحد منهما ذكر واجب. ٣٤٨ - [فَصْل: محل الجهر في الجهرية] وأما ما يباح فيه الجهر: فإن السنة الجهر في الأوليين والإخفاء فيما سواهما، إلا الوتر فإنه يجهر في جميعها؛ لأن النبي ﷺ لم يجهر إلا في الأوليين؛ ولأن الجهر من سنة القراءة الواجبة، وقد بيّنا أن القراءة [فيما بعد الأوليين] غير واجبة. وأما الوتر فالقراءة واجبة في جميعها (١)، فلذلك تساوت في الجهر. [قال]: وليس في سائر الصلوات قراءة سورة بعينها، تُخْتَصُّ بها الصلاة، ويداوم عليها، وكان يكره أن يتخذ شيئًا من القرآن مهجورًا؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن [تحزيب القرآن] (٢)، وعن النخعي أنه قال: إنهم كانوا يكرهون أن يتخذ الرجل شيئًا من القرآن مهجورًا؛ ولأنه إذا داوم عليها اعتقد الناس أنها مشروعة دون غيرها، فيلحق بالشريعة ما ليس منها. [ولا تلزم مداومة فاتحة الكتاب في كل ركعة؛ لأنها مشروعة على هذا الوجه] (٣) (٤).

стр. 377

٣٤٩ - [فَصْل: التكبير في الرفع والخفض] قال: فإذا فرغ من القرآن (١) كبّر ولم يرفع يديه، وركع ووضع يديه على ركبتيه، وفرق بين أصابعه، وبسط ظهره، ولم ينكِّس رأسه، ولم يرفعه، أما التكبير: فهو سنة عندنا في كل خفض ورفع. [وعن ابن عمر أنه كان ينقص التكبير إذا انحط بعد الركوع ليسجد، وإذا سجد الثانية لم يكبّر، وهو قول القاسم وسالم بني أمية. لنا: حديث البراء قال: "كان رسول الله ﷺ يكبّر في كل خفض ورفع"] (٢)، وروى ابن مسعود: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يكبّرون عند كل رفع ووضع"، [وقال عمّار بن ياسر: لو لم يدرك عليّ بن أبي طالب من الفضل بعد رسول الله ﷺ إلا [إيحاءه] التكبيرين إذا ركع وإذا رفع (٣). وعن أنس: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان لا ينقصون التكبير" (٤). وروى الأسود عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود"] (٥). وروى فعل ذلك عن رسول الله ﷺ أبو مالك

стр. 378

الأشعري، وابن عمر وأبو هريرة، وابن عباس، والخدري (١) ووائل، [وقال أبو قتادة: إن أول من نقص التكبير الوليد بن عقبة]، فقال عبد الله: "نقصوها نقصهم الله، لقد صليت خلف رسول الله ﷺ فكان يكبّر كلما رفع وكلما وضع" (٢)، وعن عكرمة أنه قال لابن عباس: "صليت وراء شيخ أحمق صلاة الظهر، فكبّر فيها اثنتين وعشرين تكبيرة، يكبر فيها إذا سجد وإذا رفع رأسه، قال لا أم لك تلك صلاة أبي القاسم ﷺ " (٣). [وعن سعيد بن الحارث قال: صلّى بنا أبو سعيد الخدري فأتم التكبير، فقيل له: اختلف الناس في صلاتك، فقال: ما أبالي اختلفت صلاتهم أو لم تختلف، هكذا رأينا رسول الله ﷺ يصلي (٤). وعن إبراهيم: أن أول من نقص التكبير زياد. وقد روى سالم عن ابن عمر: (أنه كان يكبر كلما رفع وكلما خفض) (٥)، فيجوز أن يكون رجع إلى هذا عما روي عنه (أنه كان ينقص التكبير إذا سجد وإذا رفع فلا يكبر)؛ ولأن الانتقال من حال إلى حال يخالف الأولى في الصلاة، فشرع فيه التكبير كالتكبيرة الأولى. ٣٥٠ - [فَصْل: رفع اليدين في التكبيرات] وأما رفع اليدين فعندنا لا ترفع اليد إلّا في التكبيرة الأولى: وروى أبو مقاتل

стр. 379

قال: صليت إلى جنب أبي حنيفة ﵁ فكنت أرفع يدي في الصلاة في كل رفع وخفض من الركوع، فلما سلّم قال: يا أبا مقاتل لعلك من أصحاب المراوح (١)، وقد روي مثل قولنا عن علي وابن مسعود والبراء، وهو قول مالك. وقال الشافعي: يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، ومن الناس من قال: إنه يرفع يديه مع كل تكبيرة (٢). لنا: ما روى نافع عن ابن عمر والحكم عن مقسم عن ابن عباس قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال القبلة، وعند الصفا والمروة، والموقفين والجمرتين، والعيدين، والقنوت" (٣). وعن ابن مسعود قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر، فكانوا لا يرفعون أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة" (٤)؛ ولأنها تكبيرة للانتقال كتكبيرة السجود؛ ولأن التكبيرة التي أجمعوا على رفع اليد فيها، وهي الأولى، لا ترفع اليد في مثلها من الثانية، فالتكبيرة المختلف في الرفع فيها في الأولى أولى أن لا ترفع اليد فيها في الثانية.

стр. 380

والذي روي في الرفع من الأخبار فهي حكاية للفعل الأول، وروي عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في كل تكبيرة (١) ثم صار إلى الافتتاح خاصة"؛ ولأن معناه فعلًا وقولًا، فكان أولى، وقال أبو بكر بن عياش: أنا نصف الإسلام - وكان له نيف وتسعون سنة - ما رأيت فقيهًا يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى (٢). ٣٥١ - [فَصْل: الركوع في الصلاة] وأما قوله: وركع، فلقوله ﵊ للأعرابي: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا" (٣)، والركوع واجب لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؛ ولأنه ﵊ ركع، وفعله بيان للآية. ٣٥٢ - [فَصْل: وضع اليدين في الركوع] وأما قوله: "ووضع يديه على ركبتيه" فهو قول عمر، وعلي، وسعد، وابن عمر [والفقهاء]. وعن ابن مسعود والأسود وأبي عبيدة: أنهم كانوا يطبقون (٤). لنا: ما روي عن مصعب بن سعد قال: ركعت فطبقت، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه.

стр. 381

وروى نافع عن ابن عمر في التطبيق قال: "إنما فعله رسول الله ﷺ مرة" (١)، وعن أبي هريرة: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إن تفريج الأيدي يشق علينا في الصلاة، فأمرهم أن يستعينوا بالركب. وعن أنس أن النبي ﷺ قال له: "وإذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك" (٢)؛ ولأنه آخر الفعلين، وهو إجماع بعد ابن مسعود فسقط خلافه. ٣٥٣ - [فَصْل: تفريق الأصابع في الركوع] وأما قوله: (وفرق بين أصابعه) فلحديث أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا قمت إلى الصلاة فتوجه إلى القبلة، وارفع يديك، وكبّر واقرأ ما بدا لك، فإذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك، وفرق بين أصابعك، فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى يقع كل عضو منك مكانه، وإذا سجدت فأمكن كفيك من الأرض، فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك، وإذا جلست فاجعل عقبيك تحت إليتيك فإنها من سنتي، ومن تبع سنتي فقد تبعني، ومن تبعني فهو معي في الجنة" (٣). [وعن أبي حميد قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، اتبعت ذلك من رسول الله ﷺ : "كبّر للركوع ورفع يديه، ثم أمكن يديه من ركبتيه كالقابض

стр. 382

عليهما، ولم يقنع رأسه ولم يصوّبه" (١). وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فرّج أصابعك ثم امكث حتى يأخذ كل عضو مأخذه" (٢). وروى أبو هريرة: "أن النبي ﷺ علّم رجلًا الصلاة، فقال: أثبت راحتيك على ركبتيك، وفرّق بين أصابعك". ووصف أبو مسعود البدري صلاةَ رسول الله ﷺ قال: (فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه وفرّج بين أصابعه، وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه) (٣)؛ ولأن هذا أمكن في الوضع، فكان أولى. ٣٥٤ - [فَصْل: الاعتدال في الركوع] وأما قوله: (وبسط ظهره، ولم ينكس رأسه، ولم يرفعه)؛ فلما روى أبو حنيفة عن أبي سفيان (٤) عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ركع أحدكم فلا يدبح تدبيح (٥) الحمار، ولكن يقيم صلبه، وإذا سجد أحدكم

стр. 383

فليمد صلبه فإن الإنسان يسجد على سبعة أعظم: جبهته، وكفّيه، وركبتيه، وصدور قدميه، وإذا جلس فلينصب رجله اليمنى وليضجع اليسرى" (١)، وعن البراء: "أن النبي ﷺ كان إذا صلّى بنا حج حجًّا، يعني: تمدد في سجود وركوعه"، وروى أبو الجوزاء عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك"، وعن أبي برزة الأسلمي قال: "كان النبي ﷺ إذا ركع لو صب على ظهره قطرة من ماء ما انصب" (٢)، [وعن أبي ليلى قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو وضع على ظهره قدح فيه ماء لم يهراق" (٣). وقد روى الحسن عن أبي حنيفة قال: إذا ركع وضع كفيه على ركبتيه، ويصير ظهره مستويًا مع رأسه، ولا يرفع صدره فوق وركه، ولا يطأطئ دون وركه]. ٣٥٥ - [فَصْل: تسبيحات الركوع] ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وإن زاد فهو أفضل، وإن كان إمامًا لم يطول على من خلفه، أما الذي يقوله في ركوعه فقد اختلفت الصحابة فيه: فروي عن عليّ أنه قال: "إذا كانت لأحدكم حاجة فقال في ركوعه: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، فقد أجزئ عنه" (٤)، وعن ابن مسعود أنه كان يقول في ركوعه: "اللهم اغفر لي".

стр. 384

وعن أبي بكر الصديق أنه كان يقول في ركوعه: "سبحان الله مرتين"، وعن ابن عباس أنه قال في ركوعه: "اللهم لك ركعت" (١)، وعن حذيفة أنه كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحان ربي الأعلى"، وعن علي وابن مسعود مثل قولنا (٢). لنا: حديث حذيفة أنه صلّى مع رسول الله ﷺ ، فكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا" (٣)، وروى عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في سجودكم"، ولما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، قال: "اجعلوها في ركوعكم" (٤) وهذا أمر، فأقل أحواله (٥) أن يفيد الندب. قال عقبة: وكان رسول الله ﷺ إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات" (٦). وفي خبر ابن مسعود كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: "اللهم لك

стр. 385

ركعت، فلما نزل قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، قال: اجعلوها في ركوعكم". وهذا بيان للتاريخ؛ ولأن القول أولى من الفعل بالإجماع. ٣٥٦ - فَصْل: [تقدير عدد التسبيحات في الركوع والسجود] وأما تقديره بالثلاث فقد روى الحسن عن أبي حنيفة قال: وينبغي له أن يمكث راكعًا قدر ثلاث تسبيحات، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: وأدنى ذلك ثلاث مرات، وإن زاد فحسن ما لم يبلغ التثقيل على القوم. وقال الثوري: يستحب للإمام أن يقولها خمسًا في الركوع والسجود حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات. وحكى القاسم عن مالك: أنه أنكر سبحان ربي العظيم، وقال: لا أعرفه، ولم [يُثْبِت فيه] دعاءً مؤقتًا (١). [لنا: ما رواه يزيد الرقاشي عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان إذا ركع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات] (٢)، وروى عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ركع أحدكم وقال سبحان ربي العظيم ثلاثًا فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد وقال سبحان ربي الأعلى ثلاثًا فقد تم سجوده، وذلك أدناه" (٣)، [وعن

стр. 386

ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من سجد فقال في سجوده ثلاث مرات سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه". وعن جبير بن مطعم: "أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا"] (١). ٣٥٧ - [فَصْل: الزيادة على الثلاثة] وإنما قلنا: إنّ الزيادة على الثلاثة أفضل لقوله ﵊: "وذلك أدناه" (٢). ٣٥٨ - فَصْل: [التخفيف في صلاة الجماعة] وإنما قلنا: (إنه لا يطول إذا كان إمامًا؛ لأن التطويل يؤدي إلى تنفير المؤتمين عن الجماعة) (٣)] لقوله ﵊ لمعاذ حين طول القراءة: "أفتّان أنت يا معاذ صلّ بهم صلاة أضعفهم" (٤). ٣٥٩ - [فَصْل: حكم ذكر هذه التسبيحات] وهذه التسبيحات غير واجبة، [وقد روي عن ابن مسعود: إذا أمكن يديه من ركبتيه، والأرض من جبهته أجزأه، وعن سعيد: يكفيك إذا وضعت يديك على ركبتيك، وروي نحو قولنا عن محمد بن علي وابن المسيب وابن سيرين

стр. 387

ومجاهد وسعيد وعطاء]، وروى أشهب عن مالك أنها واجبة، وإن تركها عمدًا بطلت صلاته (١). لنا: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وإيجاب الذكر فيه زيادة، وفي تعليم (٢) أنس والأعرابي الصلاة لم يذكر فيه أذكار الركوع ولو كانت واجبة لذكرها حال التعليم؛ ولأن الذكر لو وجب في هذا الركن لاختص بالقراءة كالقيام. ٣٦٠ - [فَصْل: الطمأنينة في الركوع] [قال:] وإذا اطمأن راكعًا رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، ولم يرفع يديه، وقد بيّنا [وجوب الركوع]. فأما قدر الواجب من الركوع والسجود فما يتناوله الاسم، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا ركع فطأطأ رأسه قليلًا، ثم رفع رأسه فكان إلى تمام الركوع أقرب منه إلى القيام، أجزأه، وإن كان إلى القيام أقرب [منه إلى تمام الركوع]، لم يجزه. وقال الشافعي: الطمأنينة واجبة (في الركوع والسجود) (٣).

стр. 388

لنا: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع عبارة عن الميلان، يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وإذا عبّر بالاسم عن الميلان، فمتى حصل أدنى ذلك أجزأه؛ ولأن الركوع فرض في الصلاة متكرر، فالواجب منه أدنى ما يتناوله الاسم، كالقيام؛ ولأنه أتى بما يتناوله اسم الركوع، كمن طوّل. ٣٦١ - [فَصْل: القيام من الرفع من الركوع] وأما رفع رأسه من الركوع وعوده إلى القيام فليس بواجب عندنا، إلا رواية عن أبي يوسف أنه قال: الرفع واجب، وهو قول الشافعي (١). لنا: قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وظاهره يقتضي جوازهما من غير قيام بينهما؛ ولأن القيام ركن قبل الركوع، فلا يتكرر في ركعة، كالقراءة بخلاف السجود؛ ولأنه ركن يكون [مدركه] مدركًا به للركعة، فلم يتكرر وجوبه في ركعة، كالركوع وجه قول أبي يوسف: قوله ﵊ للأعرابي: "ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا"، وفي حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة امرئ لا يقيم فيها صلبه من الركوع" (٢)، (وهذا محمول عندنا على) (٣) الأولى والأفضل.

стр. 389

٣٦٢ - [فَصْل: ما يقول الإمام والمؤتم في حال الرفع من الركوع] وأما قوله: (سمع الله لمن حمده) فعند أبي حنيفة: الإمام يقولها ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، ولا يشارك أحدهما الآخر، وقال أبو يوسف ومحمد: يقول الإمام سمع الله لمن حمده، ثم يقول في نفسه: ربنا لك الحمد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، [وروى معلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة:] ويقتصر المؤتم على قوله ربنا لك الحمد. وروى معلى عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: في المنفرد يقول سمع الله لمن حمده لا يزيد عليها، وكذلك روى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المنفرد يجمع بينهما، وقال يعقوب: إن قال [المصلي] (١) وحده الأمرين فحسن، وإن اكتفى بقوله سمع الله لمن حمده أجزأه. وقال الشافعي: يجمع الإمام والمؤتم بينهما (٢). لنا: ما روى أنس أن النبي ﷺ قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" (٣)، وإفراد كل واحد منهما بذكر يقتضي التفريق بينهما، وكذلك رواه أبو هريرة وأبو موسى؛ ولأنه علامة للرفع، فلا يجمع فيه بين ذكرين، كالتكبير؛ ولأن أحد الذكرين جعل مقابلة للذكر الآخر، كتشميت العاطس في مقابلة حمده، وأما أخبارهم فمضطربة.

стр. 390

روى ابن عباس وأبو جحيفة: "أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد" (١). وروى حذيفة: "أن النبي ﷺ لما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال: الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" (٢)، [وعن ابن عمر وأبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد"، وعن أنس: "أنه كان يقول: سمع الله لمن حمده"]، وإذا ورد الفعل مختلفًا، كان الرجوع إلى القول المتفق أولى. وجه قولهما: أنه ليس في الأصول ذكر يأتي به المؤتم، ولا يأتي به الإمام، وفي الأصول ذكر يأتي به الإمام خاصة وهو القراءة؛ فلذلك جمع الإمام بين الذكرين، واقتصر المؤتم على أحدهما. وأما وجه الرواية التي قال يجمع بينهما [المنفرد] فلحديث عليّ: "أن رسول الله ﷺ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده" (٣)، ثم يتبعها "اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد"؛ ولأن قوله: "سمع الله لمن حمده" إخبار عن حامد، وليس هناك حامد غيره. وجه الرواية الأخرى: أنّ هذا الذكر علامة للرفع، فلو جمع بين الذكرين
следующие страницы →