له فيه حق.
وإنما قالوا: ينتقل الحق إلى القيمة إذا قتلت أو نقصت المنافع بالجناية؛ لأن حقه في خدمتها تعلقت بالتركة، فصار كما إذا أوصى له بخدمة عبد مطلق، وليس هذا كولد [الجارية] (١)؛ لأن الحق ليس بمستقر في رقبتها، بدلالة أن للمالك أن ينقله إلى ذمته ويتصرف فيها.
وأما قوله: إن النماء ليس بمضمون على المرتهن؛ فلأنه دخل في العقد على طريق التبع، فلا يسقط بهلاكه شيء، كولد المبيعة.
قال: ويقسم الدين على قيمة الرهن يوم وقع [العقد] عليه وعلى ما نما منه يوم يفتك، هذه حقيقة القسمة، فما وقع من القسمة قبل ذلك فإنما هو على الظاهر إلى أن ينظر ما تؤول إليه قيمة النماء يوم الفكاك، وإنما اعتبر في [القسمة بقيمة] (٢) الرهن يوم القبض؛ لأنه دخل في ضمانه بالقبض، فتعتبر قيمته عند القبض كالغصب، والمقبوض على سوم البيع، فأمّا النماء [فإنما يتبيّن] (٣) حصته من الضمان بالفكاك، ألا ترى أنه لو هلك قبل ذلك هلك بغير شيء، فاعتبرت قيمته حين حصلت له الحصة.
وهذا كما قالوا في نماء المبيع، أن الثمن ينقسم على قيمة المبيع يوم البيع؛ لأنه صار مضمونًا بالعقد، وعلى قيمة النماء يوم القبض؛ لأنه يدخل في ضمان المشتري بالقبض.
стр. 3257
فأما قوله: وما وقع من القسمة قبل ذلك فإنما هو على الظاهر، فإنما يريد به أن المرهونة إذا كانت قيمتها ألف درهم وهي رهن بألف، فولدت ولدًا قيمته ألف، فالدين ينقسم في الظاهر نصفين، ويجوز أن تزيد قيمة الولد أو تنقص، فتتغير هذه القسمة (١) ولا يتغير نقصان قيمة الرهن من سعر ولا بدن ولا زيادة؛ وذلك لأن المعتبر بقيمته يوم القبض، فما حدث بعد ذلك لا [يغير] (٢) الضمان.
وأما الولد فإنما تعتبر قيمته يوم الفكاك، فلذلك تغير حكمه بالزيادة والنقصان.
قال: ويعتبر ذلك: رجل رهن رجلًا أمةً قيمتها ألف درهم بألف ردهم، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، فالدين الآن في الظاهر نصفان، نصف فيها ونصف في ولدها، وهذا على ما بيّنا.
قال: فإن مات الولد ذهب بغير شيء، وكانت الأم رهنًا بجميع الدين؛ لما بيّنا أن الولد دخل على طريق التبع، فلا يسقط بهلاكه شيء، فصار بعد الهلاك كأنّه لم يكن.
قال: فإن [ماتت] (٣) بعد موت الولد ذهبت بجميع الدين، وإن ماتت قبل الولد ذهبت بنصف الدين، وافتك الراهن الولدَ بنصف الدين؛ [وذلك] لأنها إذا ماتت بعد موت الولد، فكأن الولد لم يكن، فيسقط الدين بهلاك الأم، وإن ماتت قبله فقد صار للولد حصة بالفكاك فيسقط من الدين بقدر قيمة الأم وهو النصف.
стр. 3258
قال: فإن لم يفكه الراهن حتى مات بعد أمه [فقد] ذهب بغير شيء، وصار كأنّه لم يكن، وذهبت الأم بجميع الدين؛ [وذلك] لما بيّنا أنه لا حصة للولد قبل الفكاك، فإذا مات فكأن لم يكن، فيحكم بأن الأم هلكت بالدين.
قال: فإن لم يمت واحد منهما حتى جاء الراهن يفتك الرهن، وقد نقصت قيمة الأم في السعر أو في البدن، فصارت تساوي خمسمائة، أو زادت فصارت تساوي ألفين وقيمة الولد على حالها، فالولد بنصف الدين على ما كان، والأم بنصفه، ولا يلتفت إلى زيادة قيمة الأم بالشعر ولا غيره؛ وهذا لما بيّنا أن قيمة الأم تعتبر يوم القبض، فما حدث بعد ذلك فلا يعتبر.
قال: فإن كانت الأم على حالها الأولى أو على حالها في نقصان السعر وزيادته، وجاء الراهن يفتك قيمة الولد يومئذٍ خمسمائة لنقصان في السعر أو لعيب دخله في بدنه، عور أو شلل أو مرض: فإن [قيمته في] (١) الدين الثلث، وفي الأم الثلثان؛ وهذا على ما بيّنا أن قيمة الولد تعتبر يوم الفكاك، فإذا كانت خمسمائة [وقيمة] الأم يوم القبض ألف، انقسم الدين على ذلك، فكان أثلاثًا، ولم يعتبر الاختلاف في غيرها بين الحالتين.
قال: وإن كانت قيمته زائدة يوم الفكاك، فصارت ألفين بسعر وبدن، كان في الولد ثلثا الدين، وفي الأم الثلث؛ ذلك لأن الاعتبار في الولد بحال الفكاك، فإذا كانت قيمته ألفين وقيمة الأم يوم القبض ألفًا ففي الولد الثلثان، وفي الأم الثلث.
قال: فإن كانت الأم لما ولدت الولد وقيمته مثل قيمتها، اعورت بعد الولادة أو كانت اعورت قبلها، ذهب من الدين بعَوَرها [ربعه] وقيمته مائتان
стр. 3259
وخمسون؛ [وذلك] لأن قيمة الولد لما ساوت قيمتها انقسم الدين فيهما نصفين، والعين منها النصف، فذهب نصف ما فيها، وهو ربع الدين.
وإنما استوى في العور أن يكون قبل الولادة أو بعدها؛ لأن نقصان الرهن يوجب الاستيفاء، [والاستيفاء] الفسخ إذا وقع بمباشرة، كمن قبض دينه فوجده زيوفًا فرده، فكذلك الاستيفاء إذا وقع (١) من طريق الحكم يجوز أن يلحقه الفسخ.
فإذا كان كذلك فالاعورار قبل الولادة كالاعورار بعدها [سواء]؛ لأن ما يتعلق [به من] الاستيفاء يجوز أن [يتغير] (٢) بحدوث الولادة، وليس هذا كالمبيعة؛ لأنهم قالوا: إذا باع جارية بألف تساوي ألفًا فاعورت ثم ولدت ولدًا يساوي ألفًا، فإن الولد بثلث الألف، والأم بسدسها؛ [وذلك] لأنه سقط بالعور نصف الثمن، فلما ولدت ولدًا قيمته ألفًا انقسم ما بقي بينهما أثلاثًا.
ولو كانت ولدت ولدًا ثم اعورت وذهب بالعور ربع [الثمن] (٣)؛ لأن ما فيها انقسم بينها وبين ولدها، فذهب بعورها نصف ما فيها (٤).
وإنما [فارق] (٥) البيع الرهن إن كان العور قبل الولادة؛ لأن العور ينفسخ فيه البيع، وما انفسخ في البيع لا يعود بعد ذلك؛ فلهذا لم يتغير حكمه بالولادة، وهلاك الرهن يقع به الاستيفاء، وذلك يجوز أن يتغير.
стр. 3260
قال: فإن مات الولد وقد اعورت الأم قبل الولادة أو بعدها ذهب نصف الدين؛ لأن الولد صار كأن لم يكن، فيبقى جميع الدين في الأم، فيسقط بعورها نصفه.
قال: فإن اعور الولد لم يذهب بعوره شيء؛ لأنه لو هلك لم يسقط بهلاكه شيء، فكذلك بنقصانه، إلا أن ثلث الدين في الظاهر في الولد؛ لأن قيمته نصف قيمة الأم.
قال: فإن كانت قد اعورت قبل الولادة أو بعدها أو قبل اعورار الولد أو بعده ذهب باعورارها أيضًا ثلث الدين؛ لأن قيمتها يوم العقد ألف، وقيمة الولد يوم يفتك وهو أعور خمسمائة، ففيها ثلثا الدين، فلما اعورت ذهب نصف ذلك، وهذا ثلث الدين، فيفتكها وولدها بثلثي الدين.
قال: وإن ولدت الأمة الرهن ولدين، أو ثلاثة معًا أو واحدهم بعد الآخر، فالقسمة على قيمتها (١) يوم العقد وعلى قيمتهم يوم الفكاك، [وهم] والولد الواحد سواء؛ لأنهم نماء منها، فحكم الجماعة حكم (٢) الواحد [سواء].
فإن ولدت الأمة ولدًا ثم ولدت الولد ولدًا، فكأنهما في الحكم ولدان [للأولى] (٣)، يقسم الدين على ذلك، ولا يقسم على الجدة، وعلى الولد الأول، ثم يقسم ما في الولد الأول عليه وعلى ولده؛ وذلك لأن الولد ليس بمضمون فيتبعه ولده في حكمه، وإنما الأم هي المضمونة، فولد [ها وولد] ولدها تابع لها.
стр. 3261
قال: فإن رهن أمة بألف قيمتها ألف فولدت ولدًا يساوي ألفًا، ثم إن الراهن زاد المرتهن مع الولد عبدًا يساوي ألفًا، فذلك جائز، وهو رهن مع الولد خاصة، وما في الولد مقسوم على الولد وعلى العبد الزيادة؛ [وذلك] لأن الزيادة في الرهن جائزة عندنا استحسانًا، والكلام فيها يأتي في باب الزيادة، والولد داخل في الرهن.
فإن زاد فيه جاز كما لو زاد في الأصل، ولا تدخل الزيادة مع الأم؛ لأن الراهن لم يرض بدخولها معها، وإنما رضي بدخولها مع الولد، وليس هذا كولدها؛ لأنه يدخل حكمًا فيلحق بالأصل المضمون في الحقيقة، وهاهنا يدخل شرطًا فيثبت على الوجه الذي شرط.
وإذا ثبت أنه داخل مع الولد خاصة، نظرت إلى قيمة الولد يوم الفكاك وقيمة الأم يوم القبض، فقسمت الدين على ذلك، فما أصاب الولد قسمته على قيمته يوم الفكاك وعلى قيمة الزيادة يوم قبضها؛ لأنها دخلت في الضمان بالقبض.
قال: وإن مات الولد بعد الزيادة بطلت الزيادة لما بيّنا أن الولد إذا هلك خرج من العقد [وصار] كأن لم يكن، والزيادة لا تصح إلا مع صحة المزيد عليه، فإذا بطل بطلت.
قال: فإن كانت الزيادة مع الأم فكانت معها دون الولد؛ لما بيّنا أن الراهن لم يرض أن (يدخلها إلا في جملة) (١) الأصل فيثبت على الوجه المشروط، ويقسم الدَّين على قيمة الأم يوم القبض وعلى قيمة الزيادة يوم قبضها، فما أصاب
стр. 3262
الأم قسم عليها وعلى ولدها؛ لأن الزيادة لما أدخلت على الأم، فكأنّها كانت في أصل العقد [معها]، فتقسم حصتها [عليهما] ويكون الولد داخلًا في حصة الأم خاصة.
قال: فإن ماتت الأم بعد الزيادة ذهب ما كان فيها [خاصة] وتبقى الزيادة والولد مما فيهما؛ لأن موت الأم لا يوجب بطلان العقد فيها، وإنما موتها إتمام للعقد؛ لأن الاستيفاء يقع به، وإذا تم العقد فيها لم تبطل الزيادة عليها.
قال: فإن مات الولد بعد الزيادة ذهب بغير شيء، وكأن العبد زيد في الأمة، ولا ولدها [معها]، ففيه من الدين على قدر قيمته يوم زيد، وقيمة الأم يوم وقع العقد عليها، لأن هلاك الولد يجعله كأن لم يكن، فيسقط حكمه من العقد، وتبقى الأم والزيادة. والله تعالى أعلم.
стр. 3263
بَابْ: في تسليم الرهن عند قبض المال
قال أبو الحسن: وإذا كان لرجل على رجل آخر ألف درهم فرهنه بها جارية، فلما حلَّ المال أراد صاحب المال قبض ماله من الراهن، فأبى الراهن أن يدفع المال حتى يحضر المرتهن الجارية، فذلك للراهن، ويقال للمرتهن: أحضر الرهن، فإذا أحضره قيل للراهن: سَلِّم الدين أولًا ثم اقبض الجارية، وهذا بمنزلة البيع.
قال: والأصل في هذا أن تسليم الدين يجب تقديمه على تسليم الرهن؛ لأن الرهن وثيقة للاستيفاء، فلو سلمناه قبل الاستيفاء بطل معنى الوثيقة المقصودة منه؛ ولأن من حق المرتهن أن يكون أولى بالرهن من سائر الغرماء، فإذا سَلَّم الرهن جاز أن يموت الراهن في الحال، فيصير المرتهن أسوة الغرماء، وفي هذا إبطال حقه، إلا أن الراهن لا يلزمه تسليم الدين إلا بعد إحضار الرهن؛؛ لأنه يجوز أنه قد هلك وسقط الدين ولا يتعين وجوب تسليم الدين إلا بعد إحضار الرهن، ولأنّ الراهن إذا دفع الدين وجب أن يقبض الرهن، فإذا لم يكن حاضرًا تأخر حقه، وهذا لا يصح.
وعلى هذا قال أصحابنا في البيع: إن المشتري يلزمه تسليم الثمن أولًا، إلا أنه لا يسلمه حتى يحضر [البائع] المبيع؛ لجواز أن يكون قد هلك وسقط الثمن، ولجواز أن يكون دخله عيب يثبت للمشتري الخيار.
стр. 3264
قال: ولو كان الراهن سلط المرتهن في عقد الرهن على بيع الرهن عند محلّ المال، فباعه المرتهن عند محل المال بمائة دينار، وقبضها ليصرفها ويقبض دينه، ثم إن المرتهن أخذ الرهن بماله، فأبى الراهن أن يدفع إليه الألف، وقال: ادفع إليّ المائة دينار والتي قبضت، وقال: لا أدفع الألف حتى تدفع إلي المائة دينار، فأبى الراهن أن لا يدفع حتى يحضر الدنانير؛ وذلك لأن الرهن تحول من الجارية إلى الثمن، فصارت الدنانير هي الرهن، ولهذا يسقط الدين بهلاكها، فوجب إحضارها وتقديم تسليم الدين على تسليمها على ما بيناه في أصل الرهن.
قال: ولو أن رجلًا قتل الجارية الرهن ولم يكن المرتهن باعها، فقضى القاضي على عاقلة القاتل بقيمتها في ثلاث سنين، وحَلَّ المال، فطلب المرتهن أخذ دينه من الراهن، فأبى الراهن أن يدفعه إليه حتى يدفع إليه قيمة الجارية، أو يحضر ذلك، فإذا قبض دينه دفع القيمة، والقيمة التي قضى بها القاضي دنانير، فإنه ليس للمرتهن أن يقبض [دينه] حتى يحضر القيمة، فإذا قبض دينه دفع القيمة؛ وذلك لأن القيمة قامت مقام الجارية، فحكمها حكمها؛ ولأنها بدل عنها كالثمن.
قال: ولو كانا جعلا الرهن على يدي عدل، وجعلا للعدل أن يضعه عند من أحب، فاختصما وقد جعله العدل عند رجل، فطلب الذي له المال أخذ المال من الراهن، فأبى الراهن أن يدفع إليه المال حتى يرد عليه الرهن، فإن الراهن يدفع [إليه] المال، ولا يكلف الذي له المال أن يدفع إليه شيئًا لم يدفع (١) إليه؛ وذلك لأن الراهن لم يرض بيد المرتهن، ولا يجوز أن يلزمه تسليم ما ليس في يده.
стр. 3265
قال محمد: ألا ترى أن المرتهن لو أخذ الجارية من العدل فهلكت في يده، ضمن قيمتها بالغة ما بلغت، (فكيف يلزمه) (١) الحاكم تسليم شيء لو أخذه كان غاصبًا.
قال: ولو كانت الجارية في يد المرتهن لم يجعلاها على يد عدل، فالتقى الراهن والمرتهن في بلدٍ آخر وقد حَلَّ المال، فطالبه المرتهن بدينه، وأبى الراهن أن يسلم إليه الدين حتى يحضر الرهن، فإن الراهن يؤمر بدفع المال إلى المرتهن؛ وذلك لأن المرتهن لا يلزمه أن يسافر بالرهن، ألا ترى أنه يضمن بالسفر في قول بعض الفقهاء، [ويلزمهم] (٢) المؤونة في النقل، وإذا لم يجب عليه تسليم الرهن هاهنا لم يطالب به.
فأمّا الدَّين فإذا حَلَّ لم يختص تسليمه بمكان دون مكان إذا كان مما لا حمل له [ولا مؤونة] ولذلك وجب أداؤه.
قال في الكتاب من قبل: أنه لو حمله وله حمل ومؤونة كان ضامنًا، وهذا على الرواية التي قال أبو يوسف: أن المُوْدَع لا يسافر بالوديعة إن كان لها حمل [ومؤونة].
قال: ولو أن الراهن ادعى أن الجارية قد ماتت وأنه قد برئ من الدين، وقال المرتهن: لم تمت، [وهي على حالها]، فإن المرتهن يحلف البتة ما ماتت، ولا يقبل منه اليمين على علمه، وإنما وجب عليه اليمين؛ لأن الراهن يدَّعي الإيفاء والمرتهن يجحد، واليمين على البتات؛ لأن الراهن يدعي عليه الاستيفاء بفعله،
стр. 3266
ألا ترى أن الرهن إذا هلك صار المرتهن مستوفيًا بالقبض، فلذلك كانت اليمين على البتات.
قال: ولو كانت الجارية على يد عدل فادّعى الراهن أنها قد ماتت، وقال المرتهن أنها لم تمت، فإن المرتهن يحلف على علمه في [هذا الوجه و] هذا كله رواية عن محمد؛ لأن الراهن يدعي على المرتهن الاستيفاء بقبض العدل، فصار كمن ادعى على صاحب الدين أنه وَفّى وكيله، فيحلف على علمه، كذلك هذا. والله تعالى أعلم.
стр. 3267
بَابْ: جناية الرهن
قال أبو الحسن: وإذا رهن الرجل عبدًا قيمته ألف درهم بألف درهم، فقتل العبد قتيلًا خطأً، فضمان الجناية على المرتهن؛ لأن العبد كله في ضمانه، فيقال للمرتهن: افده من الجناية، فإن فداه صَحَّ رهنه، وكان دينه على الراهن على حاله، وليس للمرتهن دفع العبد على حال.
وإنما ابتدئ في الجناية بالمرتهن؛ لأنا لو خاطبنا الراهن في الجناية لجاز أن يختار الدفع، فيمنعه المرتهن من ذلك؛ لأن حقه أن يقول: أنا أفدي حتى أصلح رهني، فلهذا وجبت البداية به في الخطاب.
فإذا فدى فقد أسقط الجناية عن رقبة العبد، فكأنها لم تكن، فبقي الدين في الرهن على حاله، ولا يرجع على الراهن بشيء من الفداء؛ لأن العبد كله مضمون، وجناية المضمون كجناية الضامن.
ولو رجع على الراهن رجع الراهن عليه، وإنما لم يملك المرتهن الدفع؛ لأن الدفع تمليك الرقبة، وهو لا يملك الرقبة.
قال: فإن أبى المرتهن أن يفدي، قيل للراهن: ادفع العبد أو افده بالدية؛ لأنه مالك للرقبة، والخطاب بحكم الجناية يتوجه إلى المالك، وإنما بدأنا بالمرتهن لما له في الفداء من الحق، فإذا امتنع من الفداء طولب الراهن بحكم الجناية، ومن حكمها التخيير بين الدفع والفداء.
стр. 3268
فإن اختار الدفع سقط دينه؛ لأن العبد استحق بسبب كان في يد المرتهن، فسقط الدين بالهلاك، وكذلك إن فداه؛ لأنه استحق عليه بدل العبد، واستحقاق البدل كاستحقاق المبدل.
قال: ولو استهلك العبد الرهن مالًا يستغرق رقبته (١)، فإن أدى المرتهن الدين الذي لزم العبد فدينه على حاله، وإن أبى أن يؤدي قيل للراهن: بعه في دينه، إلا أن يختار أن يؤدي عنه الدين، فإن أدى الراهن الدين الذي لزم العبد، بطل دين المرتهن [عن الراهن].
وإن لم يؤد بِيعَ العبد في دينه [الذي لحقه]، فيأخذ صاحب الدين الثمن بدينه، فإن كان ما أخذ غريم العبد من ثمن العبد مثل دين المرتهن على الراهن أو أكثر بطل دين المرتهن، وكان ما بقي من ثمن العبد للراهن، وإن كان دين المرتهن أكثر من دين الغريم استوفى [الغريم] (٢) دينه، وما [فضل] (٣) من ثمن العبد للمرتهن إن كان الدين حالًا، وإلا أمسك ما فضل من ثمن العبد رهنًا في يده إلى أن يحلَّ الدين، فيأخذه قصاصًا بدينه.
وإنما قلنا: إن حق ولي الجناية وحق ولي دين العبد يقدم على حق المرتهن؛ لأن حقهما يقدم على حق (المالك، وهو أقوى من حق المرتهن؛ فلأن يقدم على حق) (٤) المرتهن أولى.
[وإنما] خوطب المرتهن بأداء الدين؛ لأنا لو خاطبنا الراهن به جاز أن يختار
стр. 3269
البيع فيمنعه المرتهن، ويقول: أنا أُؤَدّي الدين ليحصل (١) لي الرهن؛ [فلذلك بدأنا به]، فإن أدى الدين فقد سقطت المطالبة، فكأنّ الدين لم يكن، فبقي رهنه بحاله، وإن لم يؤد سقط [حقه وعاد الخطاب بأداء الدين] (٢) إلى المالك.
فإن باع العبد في دينه ودينه مثل دين المرتهن أو أكثر، فقد استحقت الرقبة بسبب كان في يد المرتهن، فسقط دينه، وإن أدى الدين سقط حق المرتهن؛ لأن ذلك استحق عليه بسبب كان في يد المرتهن، فكأن الرقبة (٣) استحقت.
وأما إذا كان دين العبد أقل من دين المرتهن، سقط من دين المرتهن بقدر دين العبد؛ لأن ذلك استحق بسبب كان في يد المرتهن، وما بقي من ثمن العبد لا دين فيه، فيبقى في يد المرتهن رهنًا بما بقي من حقه.
فإن كان دينه قد حَلَّ فلا يحبس (٤) الدراهم بالدراهم، فيستوفيه، وإن كان دينه لم يحلّ يمسك الباقي حتى يحل دينه.
قال: وإن كان ثمن العبد لا يفي بدين [الغريم] (٥)، أخذ الثمن ولم يكن له أن يرجع بما بقي من الدين على أحد حتى يعتق العبد، فإذا عتق رجع عليه ولم يرجع العبد على أحد بشيء؛ وذلك لأن المستحق على المولى في ديون العبد رقبة العبد، إلا أن يختار قضاء الدين، فإذا استوفيت الرقبة لم يبق عليه حق.
ولا يمكن مطالبة العبد في يد المشتري؛ لأن الدين سقط عن رقبته فتأخر
стр. 3270
الباقي إلى حال الحرية، فإذا أداه العبد لم يرجع به على أحد؛ لأنه أدى دين نفسه الواجب بفعله.
قال: فإن كانت قيمة العبد ألفين وهو رهن بألف، صار نصف الجناية في ضمان الراهن، ونصفها في ضمان المرتهن، فيقال لهما: افديا، فإن فديا كان العبد رهنًا على حاله؛ [وذلك] لأن نصف العبد مضمون ونصفه أمانة، وحكم الجناية في الأمانة يلزم المالك للرقبة كما يلزم المودع، وحكمها في المضمون متعلق بالراهن (١)؛ فلذلك قيل لهما: افديا.
قال: وإن أجمعا على الدفع، دفعا وبطل دين المرتهن؛ [وذلك] لأن الرقبة استحقت بسبب كان في يده.
وقوله: دفعا تجوّز؛ لأن الدفع تمليك، ولا يملكه المرتهن، وإنما يعني [به أن] المرتهن رضي بالدفع حين امتنع من الفداء، فدفع الراهن وأضاف الدفع إليهما؛ لأنه تم باختيارهما، وإن لم يتم بفعلهما.
قال: وإن تشاحًا، فقال المرتهن: أنا أفدي، وقال الراهن: أنا أدفع، فللمرتهن أن يفدي ويمسك العبد، فإن فداه بالدين فهو متطوع [فيما فدى] فيما كان يلزم الراهن في قول أصحابنا جميعًا؛ وذلك لأن الراهن بالدفع يسقط حق المرتهن، والمرتهن بالفداء يحفظ حقه ولا يسقط حقًّا للراهن، فكان اختياره أولى، ويكون متطوعًا في حصة الأمانة؛ [وذلك] لأنه التزم الفداء في حصة الأمانة لحفظ حقه في المضمون، وقد كان يقدر أن لا يلتزم الفداء حتى يخاطب الراهن [به]، فلما التزمه صار متبرعًا، وهذا على الرواية التي يقول فيها: إنه إذا
стр. 3271
فدى مع غيبة الراهن رجع عليه بحصة الأمانة، وإذا فدى مع حضوره لم يرجع.
فأما على الرواية الأخرى: فينبغي أن يرجع عليه بحصة الأمانة؛ لأنه لا يقدر على إصلاح حقه في المضمون إلا بفداء الأمانة.
قال: فإن قال الراهن: أنا أفدي، وقال المرتهن: أنا أدفع، فليس الدفع إلى المرتهن، وللراهن أن يفديه ويبطل دين المرتهن، ويخرج العبد من الرهن، ويأخذه الراهن؛ [وذلك] لأن اختيار المرتهن للدفع مع اختيار الراهن الفداء لا فائدة فيه للمرتهن؛ لأن دينه يسقط بالدفع كما يسقط بالفداء، إلا أنه بالدفع يسقط حق الراهن عن الرقبة، وقد يكون للراهن غرض في التزام الفداء حتى تسلم له الرقبة، فلم يجز للمرتهن تفويت ذلك الغرض من غير فائدة ترجع إليه.
قال: فإن أبى المرتهن أن يفدي، وفدى الراهن فإنه يحتسب على المرتهن نصف الفداء من دينه، (فإن كان نصف الفداء مثل دينه أو أكثر، بطل دينه وخرج العبد من الرهن) (١)، وإن كان نصف الفداء أقل من الدين سقط من الدين بقدر نصف الفداء [من دينه]، وكان جميع العبد رهنًا بما بقي من الدين (٢)؛ وذلك لأن الراهن ليس بمتطوع في الفداء؛ لأن حكم الجناية يلزمه شاء أو أبى، وفي الدفع والفداء إسقاط حق المرتهن على وجه واحد، [قد يكون] الفداء أنفع إذا كان أقل من الدين؛ لأن حق المرتهن يبقى في الفاضل، فلذلك لم يكن متبرعًا، ومقدار الفداء مستحق عليه بسبب كان في يد المرتهن فهو من ضمانه، وما بقي من دين المرتهن يحبس به جميع العبد، كما لو استوفى بعض دينه بالقبض [وبقي بعضه].
стр. 3272
قال: فإن كان الراهن غائبًا والمسألة على حالها، ففداه المرتهن، فليس بمتطوع في قول أبي حنيفة، وإن كان حاضرًا فهو متطوع على الراهن، روى ذلك أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، ورواه أيضًا الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
وروى زفر عن أبي حنيفة: أن الراهن إذا كان حاضرًا لم يكن متطوعًا.
فأما في قول أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن: فالمرتهن متطوع، غائبًا كان الراهن أو حاضرًا.
وجه رواية أبي يوسف: أن الراهن إذا كان حاضرًا أمكن استيفاء الجناية منه ومخاطبته بها، ولم يلزم المرتهن حكمها، فإذا فدى فقد تبرع على الراهن فصار كالأجنبي، وليس كذلك إذا كان غائبًا؛ لأنه لا يمكن استيفاء الجناية منه، فلم يبق إلا أن يخاطب بها المرتهن، وهو لا يقدر على إصلاح المضمون [منه] إلا بإصلاح الأمانة، فكان مأذونًا في ذلك من طريق الحكم كالمشتريين إذا غاب أحدهما فأدّى الآخر جميع الثمن، وكصاحب العُلُو والسُّفْل إذا بنى صاحب العلو.
وجه رواية زفر: أن الراهن إذا كان غائبًا لم يخاطب المرتهن بحكم الجناية؛ لأنه غير مالك للرقبة، فإذا التزم الفداء فيما لم يخاطب به كان متبرعًا، وليس كذلك إذا حضر الراهن؛ لأن الخطاب بالجناية توجه إليه، ويجوز أن يدفع فيسقط حق المرتهن، فكان له أن يفدي ليصلح حقه.
وجه قول أبي يوسف ومحمد وزفر: أن المرتهن فدى ملك غيره بغير أمره
стр. 3273
كالأجنبي، ولأنه أصلح بالفداء حق نفسه، فلم يرجع به على غيره.
قال: وإذا رهن الرجل [عند الرجل] جارية بألف قيمتها ألف، أو قيمتها ألفان، فولدت ولدًا في يد المرتهن، فقتل الولد رجلًا خطأً فلا ضمان على المرتهن فيه، وضمان الجناية على الراهن، ويقال له: ادفعه أو افده، فإن دفعه خرج من الرهن، ولم يذهب من الدين شيء، وكانت الأم رهنًا بجميع الدين.
وإن فداه الراهن فهو رهن مع أمه على حاله؛ وذلك لأن الولد ليس بمضمون على [المرتهن] (١)؛ لأنه لا يسقط بهلاكه شيء من [دينه]، فصار كعبد الوديعة، فجنايته على مولاه، فإن دفعه فقد زال ملكه عنه وبطل الرهن فيه، فلم يسقط شيء من الدين كما لا يسقط بهلاكه، وإن فداه سقطت الجناية عنه، فكأن لم يكن، فيبقى في الرهن.
وكذلك إن لحقه دين فباعه الراهن [فيه]، خرج من الرهن، فإن أدّى دينه بقي في الرهن لما ذكرنا، فإن اختار الراهن في مسألة الجناية الدفع، فقال المرتهن: أنا أفدي، أو اختار في مسألة الدين البيع، فقال المرتهن: أنا أقضي الدين، فله ذلك؛ لأن الولد وإن لم يكن مضمونًا فهو [في وثيقة المرتهن] (٢)، ألا ترى أنه يقوم مقام الأم عند هلاكها، ويستوفي الدين من ثمنه، ويكون أحق به من سائر الغرماء، وكان له أن يصلح حقه في الإمساك بالفداء أو قضاء الدين، وفي ذلك منفعة للراهن من غير ضرر. وبالله التوفيق (٣).
стр. 3274
بَابْ: جناية الرهن بعضه على بعض
قال: الأصل في هذا الباب: أن العبدين إذا كانا رهنًا لواحد عند واحد، فلا يخلو إما أن يكونا رهنًا بعقد واحد أو بعقدين، فإن كانا بعقدٍ واحدٍ فجناية أحدهما على الآخر على أربعة أوجه:
جناية الفارغ على الفارغ هدر، وجناية المشغول على الفارغ هدر، وجناية المشغول على المشغول هدر؛ إلّا أن الدين في المجني عليه يسقط، وجناية الفارغ على المشغول تثبت، وينتقل ما في المشغول من الدين إلى الفارغ، فيصير رهنًا مكانه.
وإنما كان كذلك؛ لأن جناية ملك الإنسان على ملكه لو لم يكن رهنًا هدر، ألا ترى أنّ ماله لو جنى بعضه على بعض فلا فائدة لإثبات حكم الجناية، وإنما يثبت حكمها لتعلق حق المرتهن بالرهن؛ لأنه يجعل المالك فيه كالأجنبي؛ ولذلك لو أتلف الراهن الرهن يضمن، فكذلك يجوز أن يجعل عند الراهن كعبد الأجنبي.
وإذا كانت الجناية لا حكم لها لولا الرهن، فما كان في إثباته حق للمرتهن يثبت، وما لا حق له فيه تصير كجناية غير الرهن، فلا يثبت.
وإذا ثبت هذا قلنا: جناية الفارغ على الفارغ كجناية عبد الوديعة على عبد الوديعة إذا كان مالكهما واحدًا؛ لأنه لا حق للمرتهن في مقدار الأمانة، فلا
стр. 3275
يثبت حكم الجناية.
وأما جناية المشغول على الفارغ فلا يثبت حكمها أيضًا؛ لأنه لا فائدة للمرتهن في ثبوتها، فلو ثبت لثبت لحق الراهن، وماله [إذا جنى] بعضه على بعض لا يثبت حكم جنايته، ولا يجوز أن يجعل جناية المشغول على الفارغ كجناية عبد الغصب على عبد الوديعة إذا كان مالكهما واحدًا؛ لأن المغصوب مضمون في الحقيقة ضمانًا يتعلق به حق التمليك، فصار جناية الغصب كجناية الغاصب.
وأما عبد الرهن فليس بمضمون في الحقيقة، وإنما يسقط الدين بهلاكه حكمًا، ولا يتملك بالدين، فصار في حق [المرتهن] (١) كالوديعة.
[وأما جناية المشغول على المشغول فليس في ثبوتها حق للمرتهن، وقد بيّنا أن الجناية] لا تثبت لحق الراهن، فسقطت وصار المجنيُّ عليه كالتالف بآفة من السماء، فيسقط ما فيه من الدين.
وأمّا جناية الفارغ على المشغول فيثبت حكمها، ويصير كعبد الوديعة إذا جنى على عبد الرهن، فيقال للراهن: ادفعه أو افد؛ وذلك لأن الراهن لو جنى على المشغول [لثبتت جنايته، فكذلك إذا جنى عبده، وإذا ثبت حكم الجناية، انتقل ما في المشغول] إلى الفارغ وقام مقامه.
وأما إذا رهن عبدين في صفقتين، فلا يخلو إما أن يكون فيهما (٢) فضل عن الدين أولا يكون، فإن كان فيهما فضل عن الدين فقتل أحدهما الآخر ثبت حكم
стр. 3276
الجناية، وقيل للراهن: ادفع القاتل مكان المقتول؛ لأنهما لما حُبسا بصفقتين صار الحق المتعلق بأحدهما غير متعلق بالآخر، فكأنّهما رهنا عند اثنين.
وليس كذلك إذا كانا في صفقة واحدة؛ لأن الحق المتعلق بأحدهما هو المتعلق بالآخر، ألا ترى أن المالك إذا قضى حصة (١) أحدهما لم يكن له أخذه.
وأما إذا لم يكن فيهما فضل عن الدين، فقد روى ابن سماعة وعلي ابن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يسقط ما في المجني عليه ولا يثبت حكم الجناية؛ وذلك لأن قيمة كل واحد منهما إذا كانت مثل قيمة الآخر، والدين الذي رهنا به سواء، فلا فائدة في الدفع للمرتهن.
وإذا ثبتت هذه الأصول، قال أبو الحسن: إذا رهن رجل رجلًا عبدين [يساوي] كل واحد منهما ألف درهم بألفي درهم، وقبضهما المرتهن، ثم إن أحد العبدين قتل [العبد] الآخر أو جنى عليه جناية فيما دون النفس، قليل أرشها أو كثير، فإنه لا يلحق الجاني من ذلك شيء، فكأنّه مات أو دخل ذلك النقص بغير فعل أحد، فيذهب من دين المجني عليه بقدر ذلك، هذا في قولهم جميعًا؛ وذلك لأن كل واحد من العبدين مشغول بالدين، وقد بيّنا أن جناية المشغول على المشغول لا يثبت حكمها، [إلا أنه] يسقط ما في المجني عليه، كما لو ذهب بآفة من السماء.
قال: وإن كانت قيمة كل واحد منهما ألفًا وهما رهن بألف، فقتل أحدها الآخر فلا دفع في هذا ولا فداء، ويكون القاتل هنا بسبعمائة وخمسين؛ وذلك لأن كل واحد من هذين العبدين نصفه مشغول (على نصف فارغ، فإذا
стр. 3277
قتل أحدهما الآخر فقد جنى النصف المشغول) على نصف مشغول وعلى نصف فارغ، فجنايته على الفارغ هدر، وجنايته على المشغول يسقط بها الدين، فيسقط مائتان وخمسون، وقد جنى النصف الفارغ [على نصف مشغول ونصف فارغ، وجناية الفارغ على الفارغ هدر، وجناية الفارغ] على المشغول يثبت حكمها، فينتقل ما في المشغول إلى الفارغ، فيصير في القاتل [مائتان وخمسون]، فاجتمع في القاتل ما كان فيه [بعقد] (١) الرهن -وهو خمسمائة- ما انتقل إليه بالجناية وهو مائتان وخمسون، فذلك سبعمائة وخمسون، وبطل من الدين مائتان وخمسون (٢).
وإنما لم يثبت في هذه الجناية دفع ولا فداء؛ لأنهما جميعًا مال لواحد، ورهن بعقد واحد، فلا فائدة في الدفع، ولا يلزم الراهن الفداء؛ لأنه لو لزمه لحق المرتهن رجع به عليه.
قال: وإن فقأ أحد العبدين عين صاحبه والمسألة على حالها، فنصف الجاني فارغ، وقد سقط من دين المجني عليه نصفه، فيكون الجاني رهنًا بستمائة وخمسة وعشرين؛ لأن العين من العبد نصفه في حكم الجناية، وقيمتها خمسمائة، ففيها من الدين مائتان وخمسون، استوفاها نصف مشغول ونصف فارغ، فجناية المشغول على المشغول والفارغ هدر؛ إلا أن حصة المشغول على المشغول تسقط من الدين بحسابه، وذلك ربع العين، وجناية الفارغ على الفارغ هدر، وجناية الفارغ على المشغول يثبت حكمها، وينتقل ما فيها إلى الجاني، فقد انتقل إلى الجاني نصف ما كان في العين، وهو مائة وخمسة وعشرون، وسقط
стр. 3278
نصف ما فيها بجناية المشغول على المشغول، وهو مائة وعشرون، فصار الفاقئ رهنًا بستمائة وخمسة وعشرين، والمفقوءة عينه رهنًا بمائتين وخمسين.
قالوا: ولو ارتهن عبدين كل واحد منهما بخمسمائة، وقيمة كل واحد منهما ألف، ارتهن كل واحد منهما على حدة، فقتل أحدهما صاحبه، فإنه يخير الراهن والمرتهن: فإن شاءا جعلا القاتل مكان المقتول وبطل ما كان في القاتل، وإن شاءا فديا القاتل بقيمة المقتول، فيكون الفداء رهنًا مكان المقتول، والقاتل رهنًا على حاله؛ لأنهما إذا كانا رهنا بعقدين فقد تعلق بكل واحد منهما حق مخالف لحق الآخر، ألا ترى أن الراهن إذا قضى ما في أحدهما من الدين (١) كان له أخذه، فصار كالرهن عند اثنين.
قالوا: ولو أن أحدهما فقأ عين الآخر، قيل لهما: ادفعا أو افديا بأرش عين الآخر، فإن دفعاه بطل ما فيه من الدين، وإن فدياه كان الفداء عليهما نصفين، وكان رهنًا على حاله، والفداء رهن مع المفقوءة عينه؛ [وذلك] لما بيّنا أن حكم الجناية ثابت، فكأنّ عبد الرهن جنى على عبد أجنبي، فإن اختار الدفع قام مقام المجني عليه، وإن اختار الفداء كان عليهما؛ لأن نصف العبد مضمون، ونصفه أمانة (٢).
قال: فإن قال المرتهن: لا أفدي في الجناية، وإنما أدع الرهن على حاله، فله ذلك، ويكون الفاقئ رهنًا مكانه [على حاله]، وقد ذهب نصف ما في المفقوءة عينه من الدين؛ [وذلك] لأن حكم هذه الجناية ثبت لحق المرتهن، ولا يثبت لحق
стр. 3279
الراهن، ألا ترى أنه لولا حق المرتهن لم يثبت حكمها، فإذا لم يطالب المرتهن بحكمها لم يجز أن يثبت لحق الراهن.
قال: فإن قال الراهن أنا أفدي وقال المرتهن: لا أفدي، فإن للراهن أن يفدي بأرش الجناية، وسقط من دين المرتهن [مما] في الجاني قدر نصف الفداء، وهذا إنما يكون إذا طالب بحكم الجناية والتمس الدفع، فاختار الراهن الفداء، فله ذلك؛ لأنه ليس للمرتهن أن [يعيّن] (١) عليه حكم الجناية، وهي ثابتة على التخيير.
قال: فإن أبى الراهن الفداء، وقال المرتهن: أنا أفدي، والراهن حاضر كان أو غائب، فهو على ما عرفتك في العبد الواحد إذا اختار المرتهن أن يفدي فيما يكون به متطوعًا أو لا يكون، على اختلافهم في ذلك؛ [وذلك] لأن للمرتهن حقًّا في اختيار الفداء، ألا ترى أن الراهن إذا دفع سقط أحد [الدَّينين] (٢)، فإذا فدى المرتهن بقي الدينان جميعًا، وله حق في ذلك.
فأما الاختلاف الذي ذكره: فهو فيما يرجع به من الفداء في حصة الأمانة على الروايتين اللتين ذكرناهما.
قال: وإن كانت قيمة كل واحد منهما ألفًا وهما رهن بألفين [وهما رهنان] مفترقان، فقتل أحدهما صاحبه، فإن دفعاه بالجناية فإنه يقوم مقام المقتول، وبطل الدَّين الذي في القاتل؛ لأن رقبته استحقت بسبب كان في يد المرتهن، وإن قالا: نفدي، فالفِدَاءُ هاهنا كله على المرتهن، فإن شاء فداه بألف، فإذا حَلَّ الدين دفع
стр. 3280
الراهن ألفًا وأخذ عبده، فكان الألف الأخرى التي عليه قصاصًا بهذه الألف التي فدياها إن كان المال واحدًا، وإن كان مختلفًا دفع ألفًا وأخذ الفداء؛ وذلك لأن كل واحد منهما مضمون لا (١) أمانة فيه، فالفداء على المرتهن؛ لأنه يصلح به حقه (٢)، فإذا قضى الدين فلا معنى لدفع ألفين وأخذ الألف، وهما على صفة واحدة، فيدفع ألفًا ويأخذ العبد القاتل وتصير الألف [بالألف] الأخرى قصاصًا.
قال: وإن كان الرهن حيوانًا غير بني آدم فقتل بعضها بعضه فالمقتول بما فيه، ولا يصير على الآخر شيء، وكذلك ما جنى بعضها على بعض من عور أو غير ذلك، ذهب من الدين بحساب ذلك، كأنه ذهب بغير فعل أحد؛ وذلك لأن جناية البهائم هدر لا يثبت حكمها لقوله ﷺ : "العُجْمَاء جُبَار" (٣)، وإذا لم يثبت حكم الجناية صارت كالآفة من السماء، فيسقط بها الدين.
قال: وإن كان الرهن عبدًا أو دابة، فقتلت الدابة العبد، أو جنت عليه، فذلك هدر، وكأنه ذهب بغير فعل أحد لما بيّنا أن جناية البهيمة لا يثبت حكمها، وإن قتل العبد الدابة وهما رهن واحد لرجل واحد، فما بطل من دين الدابة بالجناية، ينتقل إلى العبد على حسب ما فيه من الفراغ على ما وصفت لك؛ لأن جناية الآدمي يثبت حكمها على الآدمي وغير الآدمي.
وقال ابن سماعة وعَلِيُّ بن الجعد، عن أبي يوسف: لو أن عبدين رهنا عند رجل، كل واحد منهما بألف، وقيمة كل واحد منهما ألف، وهما لرجل واحد،
стр. 3281
[ففقأ] (١) أحدهما عين الآخر، فإنه يذهب من المفقوءة عينه نصف الدين الذي فيه، ولا يلزم الفاقئ جناية في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: المرتهن بالخيار: إن شاء طلب الجناية، فإن دفعه المولى بهذا كانا جميعًا بألف الذي كان في المفقوءة عينه، وبطل الذي كان في الفاقئ من الدين، وخير المرتهن أن يدفعه على حاله، فيكون هذا بألف وهذا بخمسمائة، قال: وهذا إن كان يريد به أنهما رهن واحد.
فقول أبي حنيفة ظاهر؛ لأن جناية المشغول في الرهن الواحد لا يثبت حكمها، ويسقط من الدين بحسابها، ويكون جواب أبي يوسف خلاف المشهور.
وإن كان وضع المسألة على رهنين مختلفين، فقول أبي يوسف ظاهر؛ لأن للمرتهن حقًّا في تبقية أحد الدينين وإسقاط الآخر، فكذلك كان له المطالبة بالدفع أو الفداء.
فأما جواب أبي حنيفة، فهو خلاف المشهور، ووجهه: أن الدين إذا كان مستغرقًا لهما وقيمتهما سواء، سقط من الدين بالدفع ما يسقط منه إذا لم يدفع، فلا يكون في المطالبة [بالجناية] فائدة، فيسقط حكمها (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3282
بَابْ: جناية الرهن على الراهن والمرتهن
قال أبو الحسن: وإذا رهن الرجل عبدًا بألف درهم وقيمته ألف، فجنى على الراهن في ماله أو نفسه جناية توجب مالًا، فهو هدر في قولهم جميعًا؛ وذلك لأن المولى لا يثبت له على عبده مال، وحكم جناية الخطأ حكم الدين، ألا ترى أن المولى يملك أن يقر عليه بكل واحد من الأمرين، ولا يقبل إقرار العبد بهما، فإذا لم يثبت أحدهما لم يثبت الآخر.
وليس كذلك جناية العمد؛ لأنها تثبت بإقرار العبد، ولا تثبت بإقرار المولى عليه، فصار المولى معه فيها كأجنبي؛ ولأن الرهن على ملك الراهن، وإنما تثبت جنايته لحق المرتهن؛ لأن تعلق حقه جعل المولى كالأجنبي، ولا فائدة للمرتهن في ثبوت هذه الجناية، فلا تثبت.
وليس هذا كجناية المغصوب على المولى؛ لأن المغصوب مضمون [ضمانًا] يتعلق به التمليك، فصار كعبد الغاصب، والرهن ليس بمضمون في قول أبي (١) حنيفة. والله أعلم.
٢٣٦٧ - فَصْل [جناية الرهن على المرتهن]
قال: وإن جَنَى على المرتهن، فهو هدر في قول أبي حنيفة.
стр. 3283
وقال أبو يوسف ومحمد: جنايته على المرتهن ثابتة إذا كانت في بني آدم، فإن شاء الراهن والمرتهن أبطلا الرهن ودفعاه بالجناية إلى المرتهن، وإن شاء المرتهن قال: لا [أطالب بالجناية] (١)، فيكون رهنًا على حاله.
لأبي حنيفة: أنا لو أثبتنا حكم هذه الجناية وطولب الراهن بها رجع بها على المرتهن؛ لأنها حصلت والعبد في ضمانه، فمن حيث يثبت حكم الجناية يسقط؛ ولأن جناية المضمون في يد الضامن كجناية الضامن، أصله: إذا جنى على أجنبي؛ ولأنه لو جنى في مال المرتهن لم يثبت حكم بجنايته بالاتفاق، وكذلك إذا جنى في نفسه؛ لأن موجب كل واحدة من الجنايتين المال.
ووجه قولهما: أن فى ثبوت هذه الجناية فائدة للمرتهن، ألا ترى أن المولى لو اختار [الدفع] (٢) فيملك المرتهن العبد، ويجوز أن يكون له غرض في تملكه وإن سقط دينه، ويجوز أن يكون تبقية دينه وإسقاط حكم الجناية أنفع له؛ فلذلك خير بين الأمرين.
وليس كذلك إذا جنى في المال؛ لأنه لا يملك العبد بإتلاف العبد، وإنما يجب له أن يرجع له عليه، ولا فائدة في ذلك (٣).
٢٣٦٨ - فَصْل: [المقدار الذي يثبت فيه حكم الجناية]
قال محمد: وهذا إذا كانت قيمته والدين سواء لا فضل فيه، ولم يذكر قول أبي حنيفة إذا كان في قيمته فضل.
стр. 3284
وقد روي عنه: أن حكم الجناية يثبت في مقدار الأمانة؛ لأنه ليس في ضمانه، فيصير كعبد الوديعة.
وقال في الرواية الأخرى: لا يثبت حكم الجناية؛ لأن مقدار الأمانة رهن في يده، فصار كمقدار المضمون.
وقال محمد: وإن أفسد متاعًا للمرتهن وقيمته ألفان وهو رهن بألف، فطلب المرتهن أن يأخذه بقيمة المتاع، فإنه يعرض على الراهن، إن شاء قضى عنه نصف ذلك الدين وجعل نصفه على المرتهن، وإن كره أن يقضي، بِيع العبد في ذلك كله، فإن بقي شيء بعد فكاك [الدين] (١) أخذ الراهن نصفه، والمرتهن نصفه؛ وذلك لأن القيمة إذا زادت على الدين فالزيادة أمانة، فيثبت حكم جنايتها على المالك (٢).
فإن اختار المولى قضاء الدين قيل له: اقض نصفه؛ لأن حصة الأمانة ثابتة، وحصة المضمون ليست بثابتة على ما قدمنا من قولهم، فإذا قضى المولى النصف زال الدين فبقي العبد رهنًا بحاله، وإن اختار البيع، بِيع العبد.
قال محمد: فإن جنى على المرتهن في نفسه أو رقيقه، قيل لمولاه: ادفعه أو افده، فإن دفعه وقَبِلَه المرتهن بذلك كان عبدًا له، وبطل الدين والرهن، وإن فداه كان على الراهن نصف الفداء، ويكون رهنًا على حاله؛ لأن المولى [له اختيار الدفع]، وإذا اختار الدفع فقد ملكه المرتهن من غير فكاك، وزال ملك الراهن عنه بسببٍ كان في حال الضمان، فيسقط الدين كما لو دفعه بالجناية إلى أجنبي.
стр. 3285
وليس كذلك إذا باعه الراهن من المرتهن، أن الدين لا يسقط؛ لأن ملك الراهن زال عنه بعد الفكاك، ألا ترى أنهما إذا تراضيا بالبيع خرج العبد من الرهن [قبل] (١) أن ينفذ فيه البيع، فيصير كما لو تفاسخا الرهن ثم باعه.
وأما إذا اختار الفداء، فدى النصف؛ لأن حصة المضمون لو فداه رجع به على المرتهن، فلا فائدة لإثبات الفداء، فلم يبق إلا مقدار الأمانة، فكان عليه أن يفديه.
قال الحسن، عن أبي يوسف: في رجل ارتهن جارية تساوي ألفين بألف، فجنت على المرتهن بِشَجَّةٍ أو قطعت يده، فإن أبا يوسف قال: نصف الجناية هدر؛ لأن نصف الجارية كان مضمونًا في يد المرتهن، ويقال للراهن: ادفع النصف الذي كان المرتهن فيه مؤتمنًا، أو افده، وهذا على ما بيّنا في إحدى الروايتين، أن جناية مقدار الأمانة ثابتة.
قال: فإن فداه صار الفداء للمرتهن، وكانت رهنًا على حالها بالألف؛ لأن الجناية سقطت عن رقبتها، وإن قال: أنا أدفع، يدفع النصف للمرتهن بالجناية، وخرج النصف الآخر من الرهن، فيأخذ الراهن ذلك النصف فيصير له، وتصير الألف التي كانت الجارية بها رهنًا دينًا للمرتهن على الراهن.
قال الحسن: وفيها قول آخر: إن النصف يكون رهنًا على حاله بالألف، وبه نأخذ.
قال أبو الحسن: والذي حكاه الحسن عن أبي يوسف من بطلان الرهن في
стр. 3286
النصف هو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع فقال: هو رهن على حاله، حكى رجوعه ابن سماعة في نوادره، وهذه مسألة الإشاعة في حال البقاء، وقد بيّنا وجه كل واحدة من الروايتين فيما تقدم.
قال الحسن: قال زفر: إذا جَنَتْ الجارية على المرتهن فشجته شجة أو قطعت يده، وهي تساوي ألفين، وهي رهن بألف، قيل للمرتهن: أنت بالخيار: إن شئت أبطلت نصف الجناية بالنصف الذي كان رهنًا، وقيل للراهن: ادفع النصف أو افده على ما وصفناه، وإن شئت أبطلت الرهن، وقيل للراهن: ادفع الجارية كلها بالجناية أو افدها بجميع الجناية.
وكذلك لو قتلت [الجاريةُ] المرتهنَ، أو قتلت غلامًا له، أو ابنًا له؛ [وذلك] لأن المرتهن له أن يبطل الرهن بغير اختيار الراهن، فإذا أبطله صارت الجارية كأنها لم تكن رهنًا، فيثبت حكم جنايتها، وإذا لم يبطل الرهن يثبت مقدار الأمانة من الجناية، وسقط مقدار المضمون، فأما ما ذكر من الجناية على ابن المرتهن، فهو موضوع على أن المرتهن هو الوارث، فصار المستحق لأرش الجناية [عليه هو]، فكأن الجناية عليه (١).
٢٣٦٩ - فَصْل: [توارث جناية الرهن]
وحكى الحسن عن أبي حنيفة: أن جناية الرهن على الراهن أو على من هو وارثه كالجناية عليه، وكذلك الجناية على المرتهن أو من وارثه مثل الجناية عليه.
وقال [محمد] في الأصل: إن جناية الرهن على ابن الراهن أو ابن المرتهن
стр. 3287
كالجناية على الأجنبي (١).
وجه رواية الحسن: أن الوارث هو المستحق للأرش، فصارت الجناية على مورثه كالجناية عليه.
وجه رواية محمد: أن جناية الرهن إنما لم تثبت على الراهن؛ لأنه لا يثبت له دين، على عبده، فأما ابن الراهن فيجوز أن يثبت له على عبد أبيه دين، فتثبت جنايته عليه كالأجنبي، وإنما لم تثبت جناية الراهن على المرتهن عند أبي حنيفة؛ لأنه في ضمانه، وهذا المعنى غير موجود في ابنه، فصار كالأجنبي.
قال أبو الحسن: وما رواه الحسن في جناية المضمون من الرهن أنه يبطل في قول أبي يوسف، خلاف ما رواه محمد.
وقال محمد: إذا جنى الرهن على المرتهن ونصفه مضمون قيل للراهن: ادفع أو افده (٢).
وقال الحسن، عن أبي يوسف: يقال للراهن: ادفع النصف أو افده، فكل واحد منهما روى ما هو قياس روايته عن أبي يوسف.
وقال بِشْرٌ وعَلِيٌّ، عن أبي يوسف: لو أن رجلًا رهن عند رجل عبدًا بألف قيمته ألف، فجنى على مولاه الراهن، أو على عبد له، أو أكل له طعامًا، أو أخرق له ثوبًا، فإنه لا يلزمه من ذلك شيء.
وقال أبو حنيفة: إذا جنى على المرتهن فهو مثل ذلك إذا كانت قيمته والدين
стр. 3288
سواء، وهذا على ما قدمنا.
وقال أبو يوسف: الخيار في ذلك إلى المرتهن: فإن شاء طلب بالجناية، فإن دفع المولى العبد بها إليه بطل الدين الذي كان به رهنًا، وإن فداه المولى وكان أكثر الجناية أكثر من قيمته بطل الدين أيضًا وخرج من الرهن، وإنما أبطل أبو حنيفة جنايته من هذا الوجه.
قال أبو يوسف: وقولي في الأول مثل قول أبي حنيفة، وإنما جعل الخيار إلى المرتهن؛ لأن له حَقَّ إسقاط الجناية لبقاء الرهن، وله حق في المطالبة بها؛ لأن ما يحصل له بها أنفع من دينه، فكان الخيار في أحد الأمرين. والله تعالى أعلم (١).
стр. 3289
بَابْ: الرهن يُقتل عمدًا
قال أبو الحسن ﵀: الأصل في هذا الباب أن عبد الرهن إذا قُتل عمدًا فليس للراهن القصاص؛ إلا أن يجتمع المرتهن معه على ذلك، فإن اجتمعا فله القصاص عند أبي حنيفة.
وقال محمد: ليس لهما القصاص وإن اجتمعا.
وروى ابن سماعة، عن أبي يوسف مثل ذلك، وروي عنه في موضع آخر: أنهما إذا اختلفا فأدّى الراهن الدين قبل إبطال القاضي القصاص فله أن يقبض، فإن اجتمعا على القصاص ففيه القصاص.
وروى هشام، عن محمد، عن أبي حنيفة وأبي يوسف: في عبد الرهن إذا قتل، قالا: [لا] يقتل القاتل وتؤخذ القيمة، فتكون رهنًا مكانه، إلا أن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: إن اجتمع الراهن والمرتهن على قتل القاتل فلهما ذلك.
وقال محمد: لا قود (١)، اجتمعا أو لم يجتمعا.
وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: في عبد الرهن إذا كانت قيمته مثل الدين أو أقل أو أكثر، فإن اتفق للراهن والمرتهن على القصاص فذلك لهما، وإن اختلفا فلهما القيمة، يكون رهنًا مكانه، وهو قول أبي حنيفة
стр. 3290
وأبي يوسف.
وجه قولهما: أن الرهن ملك للراهن، وإنما لم يجز له أن ينفرد بالقصاص لما في ذلك من إسقاط حق المرتهن، ألا ترى أن له حقًّا في أخذ القيمة لتكون رهنًا بدينه، فإذا [رضي] (١) بالقصاص فقد أسقط حق نفسه؛ ولأن الملك للراهن، وللمرتهن حق الاستيفاء، فإذا أسقط حقه بالرضا ثبت القصاص كعبد الإجارة إذا قتل؛ لما يسقط حق المستأجر بانفساخ العقد فثبت القصاص.
وعلى هذا قالوا في العبد الموصى بخدمته إذا قتل لم يكن للورثة قصاص؛ لأن للموصى له حق أخذ القيمة يشتري بها عبدًا آخر، فإذا اجتمع مع الورثة على القصاص فقد أسقط حقه، [فسقط] ويثبت القصاص، وليس هذا كعبد المكاتب إذا قتل، فاجتمع المولى والمكاتب على القصاص؛ لأن المستحق للملك غير معلوم، فلم يجز ثبوت القصاص لمجهول.
وجه قول محمد: أن حق المرتهن مستغرق في الرقبة، وينتقل إلى القيمة، فيصير [كحق أحد] (٢) الشريكين، فهو لا يملك القصاص، وكذلك المولى لا يملكه.
وأما قول أبي يوسف: أن المولى والمرتهن إذا اختلفا فأدى الراهن الدين كان له القصاص؛ لأن حق المرتهن سقط بالاستيفاء، فلم يبق إلا حق الراهن، وأمّا إذا اختلفا فأبطل القاضي القصاص، ثم قضى الراهن الدين بلا قصاص؛ لأن حكم القصاص كان مراعى، فلما قضى القاضي بإبطاله سقط، فلم يعد إلا بعود سببه.
стр. 3291
فأما قوله: إنهما إذا اجتمعا على القصاص سقط الدين؛ فلأن العبد تلف بسبب كان في يد المرتهن.
وأما قوله في الرواية التي قال: لا قصاص للراهن والمرتهن إذا عفيا ورجع المرتهن على الراهن بدينه؛ فلأن القيمة ملك للراهن، وإنما للمرتهن فيها حق، فلا يملك الراهن العفو؛ لما فيه من إسقاط حق المرتهن، فإذا اجتمعا على العفو، فإنما سقطت القيمة لعفو المولى، ورضا المرتهن له أثر في إسقاط حقه عن القيمة، فصار كما لو وهب الراهن الرهن، فأجاز المرتهن الهبة، لم يسقط دينه، كذلك هذا. والله أعلم (١).
стр. 3292
بَابْ: عبد الرهن يَقتلُ عمدًا
(١) قال أبو الحسن: وإذا كان العبد رهنًا، فقتل رجلًا عمدًا، فإنه يقتل ويبطل الدين الذي كان فيه؛ [وذلك] لأن حق المرتهن لا يمنع وجوب القصاص في الرهن كحق المالك، فإذا اقتصَّ منه فقد تلف الرهن بسبب كان في يد المرتهن، فيسقط الدين كموت الرهن.
قال: فإن قتل الراهنَ أو المرتهنَ عمدًا، فإن محمدًا قال في الأصل: [هذا لا يشبه] (٢) الخطأ، وعليه القصاص في الوجهين، ويبطل الدين (٣)، وإنما وجب القصاص للراهن؛ لأنه حق ثبت للمولى على عبده، ألا ترى أن المولى لا يملكه منه، فصار العبد فيه كالأجنبي، وليس كذلك جناية الخطأ؛ [لأن] (٤) موجبها المال، وذلك لا يثبت للمولى على عبده.
وأما وجوب القصاص للمرتهن؛ فلأن حقه أكثر أحواله أن يجعل كحق المالك، فإذا وجب للمالك القصاص فكذلك المرتهن.
وإنما يسقط الدين؛ لأن الرهن تلف سبب كان في يد المرتهن. والله أعلم.
стр. 3293
بَاب الرهن يُجْنَى عليه وهو رهن
قال أبو الحسن: إذا استهلك الرهنَ مستهلك، [فوجبت قيمته على من استهلكه، غرم القيمة] (١) وقبضها المرتهن، وكانت في يده رهنًا على سبيل ما كان عليه الرهن المستهلك، وحقوق المرتهن فيها كحقوقه في الرهن المأخوذ؛ وذلك لأن القيمة قائمة مقام العين، فتعلق بها من الحق ما يتعلق بالأصل؛ ولأن الغاصب أزال يد المرتهن، فكان عليه إعادتها كيد المالك؛ لأن الرهن حق مستقر في الرقبة، بدلالة أنه يسري إلى الولد، ويستحقه الوارث، فصار كحق المالك.
قال: وإن استهلك المرتهن الرهنَ والدين إلى أجل، غرم قيمة الرهن، فكانت في يده رهنًا إلى أن يحلّ الدين، فإن حلَّ الدين وهي من جنس الدين، ومثل له في الصفة قبض المرتهن حقه منها، فإن بقي شيء من القيمة كان للراهن؛ وذلك لأن المرتهن أتلف ملك غيره، ومن أتلف مِلكًا تامًّا (٢) وجب عليه بدله؛ ولأن الرهن إن اعتبرناه بالأمانات، فإتلافه يتعلق به الضمان كالوديعة، وإن اعتبرناه بالمضمونات فإتلافه يؤكد الضمان كالغصب.
وإنما كانت القيمة التي تؤخذ منه رهنًا؛ لأنها بدل عن الرهن كالقيمة المأخوذة من الأجنبي، وإنما حبسها بالدين المؤجل؛ فلأنّ الأجل حق للراهن، ولا يجوز إسقاطه إلا برضاه.
стр. 3294
وأما إذا أجَّل الدين وهو على صفة القيمة استوفى المرتهن حقه منها؛ لأنه وجد جنس حقه، فأخذه لا يقف على الرضا، وإنما رَدَّ الفضل على الراهن؛ لأنه استوفى حقه، فصار كما لو استوفى دينه والرهن في يده، وجب رَدّه.
قال: وإن عجزت القيمة عن الدين نظرت: فإن كانت قيمة الرهن الأول مثل الدين يوم قبضه المرتهن، بطل باقي الدين عن الراهن؛ وذلك لأن الرهن مضمون بالقبض؛ فإذا تلف في يد المرتهن اعتبرت قيمته يوم القبض، ولا يقال: إن نقصان السعر في الرهن ليس بمضمون؛ لأنه لا يضمن مع بقاء عين الرهن.
فأما إذا تلفت العين فالضمان يتعلق بقبضها، كأنه استوفى مقدار قيمتها يوم القبض، وإنما لم يجب عليه بالإتلاف إلا قيمته يوم أتلف؛ لأن الضمان المتعلق بالإتلاف من غير جنس الضمان المتعلق بقبض الرهن، فاعتبرت القيمة فيه عند الإتلاف، ووجب فضل القيمة بالقبض السابق بحكم ضمان الرهن.
قال: فإن كانت قيمة الرهن يوم قبضه ما غرم عنه؛ رجع ببقية دينه على الراهن؛ وذلك لأنه استوفى جميع الرهن، فما زاد على مقداره في ذمة الراهن.
قال: فإن كان الدين حَالًّا في حال مما استهلك المرتهن الرهن، وحكم الحاكم عليه بمثل دينه، كان مقدار الرهن قصاصًا، فإن فضل له دين رجع به إذا كان ما لزمه من الغرم مثل قيمة الرهن.
وهذا على أصلنا: أن كل دَيْنَيْن من جنس واحد التقيا في الذمة، والمَقَاصَّةُ بينهما لا تؤدي إلى فساد عقد، صار أحدهما قصاصًا بالآخر وإن لم يتقاصّا؛ لأنه لا فائدة لأخذ الدين منه ورده إليه في الحال.
стр. 3295
قال أبو الحسن: وتفسير ذلك: رجل رهن رجلًا عبدًا قيمته ألف درهم بألف درهم، فنقصت قيمته حتى صار يساوي خمسمائة، ثم قتله قاتل أو غصبه فمات في يده، فعليه قيمته يوم قتله، ويوم غصبه، ولا ينظر إلى قيمته قبل ذلك.
فأمّا المرتهن فهو ضامن لجميع قيمته، فإذا جنى عليه المرتهن وقد صارت قيمته خمسمائة فغرم خمسمائة، فالعجز في القيمة مضمون على المرتهن بالدين، فقبض الرهن دون الاستهلاك، وباقي العبد مضمون على المرتهن في الوجهين جميعًا، وهذا على ما قدمناه أن ضمان الرهن يتعلق بقبضه.
فأما ضمان الاستهلاك فهو جنس آخر من الضمان، يعتبر فيه القيمة يوم الاستهلاك، ولا يعتبر ما قبل ذلك، فإذا كان المرتهن هو المستهلك فنقصان القيمة مضمون عليه بالرهن خاصة؛ لأن الاستهلاك [لم يحصل فيه، وبقية العبد مضمونة عليه بسببين: بقبض الرهن، والاستهلاك]، ألا ترى أن المستهلك لو كان غيره فتَوِيت القيمة عليه سقط دينه.
قال: وإن قتل العبدُ الرهن وهو رهن بألفٍ وقيمته ألف عبدًا قيمته مائة درهم، فدفع به، قام المدفوع مقام المقتول، ولم يذهب من الدين شيء، ويقال للراهن: أدِّ جميع [الدين] وخذ العبد المدفوع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال زفر: يأخذ الراهن العبد المدفوع ويؤدي قدر قيمته ويبطل عنه الباقي.
وقال محمد: الراهن بالخيار، إن شاء أخذ العبد المدفوع وأدّى جميع الدين، وإن شاء تركه على المرتهن بالدين الذي رهنه به.