← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

فأما قوله: إنهما إذا اجتمعا على القصاص سقط الدين؛ فلأن العبد تلف بسبب كان في يد المرتهن. وأما قوله في الرواية التي قال: لا قصاص للراهن والمرتهن إذا عفيا ورجع المرتهن على الراهن بدينه؛ فلأن القيمة ملك للراهن، وإنما للمرتهن فيها حق، فلا يملك الراهن العفو؛ لما فيه من إسقاط حق المرتهن، فإذا اجتمعا على العفو، فإنما سقطت القيمة لعفو المولى، ورضا المرتهن له أثر في إسقاط حقه عن القيمة، فصار كما لو وهب الراهن الرهن، فأجاز المرتهن الهبة، لم يسقط دينه، كذلك هذا. والله أعلم (١).

стр. 3292

بَابْ: عبد الرهن يَقتلُ عمدًا (١) قال أبو الحسن: وإذا كان العبد رهنًا، فقتل رجلًا عمدًا، فإنه يقتل ويبطل الدين الذي كان فيه؛ [وذلك] لأن حق المرتهن لا يمنع وجوب القصاص في الرهن كحق المالك، فإذا اقتصَّ منه فقد تلف الرهن بسبب كان في يد المرتهن، فيسقط الدين كموت الرهن. قال: فإن قتل الراهنَ أو المرتهنَ عمدًا، فإن محمدًا قال في الأصل: [هذا لا يشبه] (٢) الخطأ، وعليه القصاص في الوجهين، ويبطل الدين (٣)، وإنما وجب القصاص للراهن؛ لأنه حق ثبت للمولى على عبده، ألا ترى أن المولى لا يملكه منه، فصار العبد فيه كالأجنبي، وليس كذلك جناية الخطأ؛ [لأن] (٤) موجبها المال، وذلك لا يثبت للمولى على عبده. وأما وجوب القصاص للمرتهن؛ فلأن حقه أكثر أحواله أن يجعل كحق المالك، فإذا وجب للمالك القصاص فكذلك المرتهن. وإنما يسقط الدين؛ لأن الرهن تلف سبب كان في يد المرتهن. والله أعلم.

стр. 3293

بَاب الرهن يُجْنَى عليه وهو رهن قال أبو الحسن: إذا استهلك الرهنَ مستهلك، [فوجبت قيمته على من استهلكه، غرم القيمة] (١) وقبضها المرتهن، وكانت في يده رهنًا على سبيل ما كان عليه الرهن المستهلك، وحقوق المرتهن فيها كحقوقه في الرهن المأخوذ؛ وذلك لأن القيمة قائمة مقام العين، فتعلق بها من الحق ما يتعلق بالأصل؛ ولأن الغاصب أزال يد المرتهن، فكان عليه إعادتها كيد المالك؛ لأن الرهن حق مستقر في الرقبة، بدلالة أنه يسري إلى الولد، ويستحقه الوارث، فصار كحق المالك. قال: وإن استهلك المرتهن الرهنَ والدين إلى أجل، غرم قيمة الرهن، فكانت في يده رهنًا إلى أن يحلّ الدين، فإن حلَّ الدين وهي من جنس الدين، ومثل له في الصفة قبض المرتهن حقه منها، فإن بقي شيء من القيمة كان للراهن؛ وذلك لأن المرتهن أتلف ملك غيره، ومن أتلف مِلكًا تامًّا (٢) وجب عليه بدله؛ ولأن الرهن إن اعتبرناه بالأمانات، فإتلافه يتعلق به الضمان كالوديعة، وإن اعتبرناه بالمضمونات فإتلافه يؤكد الضمان كالغصب. وإنما كانت القيمة التي تؤخذ منه رهنًا؛ لأنها بدل عن الرهن كالقيمة المأخوذة من الأجنبي، وإنما حبسها بالدين المؤجل؛ فلأنّ الأجل حق للراهن، ولا يجوز إسقاطه إلا برضاه.

стр. 3294

وأما إذا أجَّل الدين وهو على صفة القيمة استوفى المرتهن حقه منها؛ لأنه وجد جنس حقه، فأخذه لا يقف على الرضا، وإنما رَدَّ الفضل على الراهن؛ لأنه استوفى حقه، فصار كما لو استوفى دينه والرهن في يده، وجب رَدّه. قال: وإن عجزت القيمة عن الدين نظرت: فإن كانت قيمة الرهن الأول مثل الدين يوم قبضه المرتهن، بطل باقي الدين عن الراهن؛ وذلك لأن الرهن مضمون بالقبض؛ فإذا تلف في يد المرتهن اعتبرت قيمته يوم القبض، ولا يقال: إن نقصان السعر في الرهن ليس بمضمون؛ لأنه لا يضمن مع بقاء عين الرهن. فأما إذا تلفت العين فالضمان يتعلق بقبضها، كأنه استوفى مقدار قيمتها يوم القبض، وإنما لم يجب عليه بالإتلاف إلا قيمته يوم أتلف؛ لأن الضمان المتعلق بالإتلاف من غير جنس الضمان المتعلق بقبض الرهن، فاعتبرت القيمة فيه عند الإتلاف، ووجب فضل القيمة بالقبض السابق بحكم ضمان الرهن. قال: فإن كانت قيمة الرهن يوم قبضه ما غرم عنه؛ رجع ببقية دينه على الراهن؛ وذلك لأنه استوفى جميع الرهن، فما زاد على مقداره في ذمة الراهن. قال: فإن كان الدين حَالًّا في حال مما استهلك المرتهن الرهن، وحكم الحاكم عليه بمثل دينه، كان مقدار الرهن قصاصًا، فإن فضل له دين رجع به إذا كان ما لزمه من الغرم مثل قيمة الرهن. وهذا على أصلنا: أن كل دَيْنَيْن من جنس واحد التقيا في الذمة، والمَقَاصَّةُ بينهما لا تؤدي إلى فساد عقد، صار أحدهما قصاصًا بالآخر وإن لم يتقاصّا؛ لأنه لا فائدة لأخذ الدين منه ورده إليه في الحال.

стр. 3295

قال أبو الحسن: وتفسير ذلك: رجل رهن رجلًا عبدًا قيمته ألف درهم بألف درهم، فنقصت قيمته حتى صار يساوي خمسمائة، ثم قتله قاتل أو غصبه فمات في يده، فعليه قيمته يوم قتله، ويوم غصبه، ولا ينظر إلى قيمته قبل ذلك. فأمّا المرتهن فهو ضامن لجميع قيمته، فإذا جنى عليه المرتهن وقد صارت قيمته خمسمائة فغرم خمسمائة، فالعجز في القيمة مضمون على المرتهن بالدين، فقبض الرهن دون الاستهلاك، وباقي العبد مضمون على المرتهن في الوجهين جميعًا، وهذا على ما قدمناه أن ضمان الرهن يتعلق بقبضه. فأما ضمان الاستهلاك فهو جنس آخر من الضمان، يعتبر فيه القيمة يوم الاستهلاك، ولا يعتبر ما قبل ذلك، فإذا كان المرتهن هو المستهلك فنقصان القيمة مضمون عليه بالرهن خاصة؛ لأن الاستهلاك [لم يحصل فيه، وبقية العبد مضمونة عليه بسببين: بقبض الرهن، والاستهلاك]، ألا ترى أن المستهلك لو كان غيره فتَوِيت القيمة عليه سقط دينه. قال: وإن قتل العبدُ الرهن وهو رهن بألفٍ وقيمته ألف عبدًا قيمته مائة درهم، فدفع به، قام المدفوع مقام المقتول، ولم يذهب من الدين شيء، ويقال للراهن: أدِّ جميع [الدين] وخذ العبد المدفوع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر: يأخذ الراهن العبد المدفوع ويؤدي قدر قيمته ويبطل عنه الباقي. وقال محمد: الراهن بالخيار، إن شاء أخذ العبد المدفوع وأدّى جميع الدين، وإن شاء تركه على المرتهن بالدين الذي رهنه به.

стр. 3296

وجه قولهما: أن المدفوع قام مقام المقتول، فكان المقتول بحاله، وقد نقص في السعر فيفتَكُّه الراهن بكل الدين. وأما زفر: فمن أصله أن المقتول لو كان باقيًا فنقصت قيمته احتسب نقصانها من دين المرتهن، وأدّى الباقي، فكذلك المدفوع لما قام مقامه. وجه قول محمد: أن الرهن مضمون على المرتهن كالغصب، ومعلوم أن العبد المغصوب إذا قتله عبد في يد الغاصب، فدفع به وقيمته ناقصة عن قيمة المقتول، كان للمغصوب منه المطالبة بجميع قيمة عبده، كذلك هاهنا، له أن يلزم المرتهن العبد المدفوع [بجميع دينه] (١). قال: وكذلك لو كان العبد الرهن [لو] نقص في السعر حتى يساوي خمسمائة أو مائة، فقتله عند قيمته مائة، فدفع به، فهذا والأول سواء. الجواب فيه واحد على ما ذكرت لك من الاختلاف؛ لأن القاتل قام مقام المقتول، وهو ناقص القيمة، فكأنّ الأول كان باقيا، وقد نقصت قيمته لم يسقط من الدين شيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويسقط عند زفر. وأما محمد فقد وافقهما أن المقتول لو كان باقيًا ونقصت قيمته لم يسقط شيء من الدين، إلا أنه يقول: إن من حق الراهن أن يقول: قد تغير عين الرهن فلي الخيار لتغيّر العين، لا لنقصان القيمة. قال: ولو قتل العبد الرهن وهو رهن بألف، وقيمته ألف بعد أن نقصت فصارت خمسمائة أو أقلَّ من ذلك، فغرم القاتل قيمته يوم قتله على النقصان، أو

стр. 3297

غصبه، وقد نقصت قيمته في السعر، فقضي عليه بقيمته ناقصة يوم غصبه دراهم كالدين (١)، كانت الدراهم بمثلها من الدين، وبطل ما بقي من دين المرتهن في قولهم جميعًا؛ [وذلك] لأن الدراهم لا يجوز أن يستوفى بأكثر منها، فلم يتعلق بها حق الاستيفاء إلا بقدرها، فصار الباقي من الرهن تاويًا، ويسقط به بقية الدين. وليس هذا كأخذ العبد القاتل؛ لأن عين العبد يجوز أن يستوفى منها جميع الدين وإن كانت ناقصة عنه، بأن تزيد قيمته؛ فلذلك يحبس بجميع الدين. وعلى هذا، لو قضى بقيمته من غير جنس الدين مثل أن يقضي بالدنانير، كانت رهنًا بجميع الدين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الدنانير يجوز أن تستوفى منها الدراهم وإن كثرت لزيادة سعرها، فصارت كالعبد، فلم يسقط شيء من الدين. والله أعلم (٢).

стр. 3298

بَاب الرهن يهلك في يد المرتهن بغير ضمان قال أبو الحسن: وإذا ارتهن الرجل عبدًا بألف درهم وهو قيمته وقبضه، ثم إن المرتهن أبرأ الراهن من الدين أو وهبه منه، ثم مات الرهن في يد المرتهن ولم يحدث فيه منعًا بعد الهبة والبراءة، فإنه يهلك بغير شيء، ولا ضمان على المرتهن فيه استحسانًا، والقياس أن يضمن. وجه القياس: أن هلاك الرهن يوجب استيفاء الدين، فكأنه أبرأه ثم استوفى؛ ولأن قبض الرهن وقع على وجه الضمان، وكل قبض أوجب الضمان لم [يزل] (١) الضمان مع بقاء القبض الموجب إلّا بإبراء المالك كالغصب. ولهذا قالوا: إنه لو أعطى رهنًا مكان الرهن الأول ولم يقبض الأول حتى هلك كان مضمونًا؛ لأن القبض الموجب لضمانه باقٍ. وجه الاستحسان أن الهبة والبراءة (٢) لا توجب ضمانًا على الواهب والمبرئ لأجلها، ألا ترى أنهم قالوا: لو استحقت العين (٣) الموهوبة وقد هلكت في يد الموهوب له، ضمن قيمتها ولم يرجع على الواهب، ولو وهب البائع الثمن للمشتري ثم هلك المبيع في يده لم يضمن، وإذا ثبت أن الهبة والبراءة لا توجب الضمان لأجلها، ومعلوم أن هذا الرهن لو هلك قبل البراءة والهبة سقط الدين

стр. 3299

بهلاكه، ولم يضمن المرتهن شيئًا، ولو ضمنّاه لضمنّاه لأجل الهبة والبراءة، وهذا لا يصح؛ ولأن الرهن إذا تلف في يد المرتهن صار مستوفيًا بقبضه لا بهلاكه، أنه تري لو قبض وقيمته مثل الدين ثم نقصت قيمته وهلك، صار المرتهن مستوفيًا لجميع دينه، فاعتبرت قيمته يوم القبض، فدل على أنه في الحكم كالمستوفي بالقبض، والبراءة بعد ذلك، فكأنه استوفى دينه ثم أبرأ، فلا يتعلق بالبراءة حكم، ولا يلزمه ضمان. قال: وكذلك كل وجه بطل فيه الدين عن الراهن بغير قبض من المرتهن، أو عقد يوجب عليه ضمان الدين؛ [وذلك لأنه إذا بطل بسبب لا يتعلق به ضمان، صار كبطلانه بالبراءة، وإذا أحدث المرتهن] بعد سقوط الدين فيما ذكرنا منعًا في الرهن، ثم تلف في يده ضمن قيمته كلها؛ وذلك لأن الدين لما سقط صار مانعًا بغير حق، فهو كالغاصب؛ ولأن الرهن بعد البراءة من الدين في حكم الأمانة؛ بدلالة أنه يهلك بغير شيء، والأمانة إذا منعها عن صاحبها ضمنها. ٢٣٧٠ - فَصْل [الضمان في هلاك الصداق من الرهن] قال: وكذلك امرأة أخذت رهنًا بصداقها، ثم طلقها زوجها قبل أن يدخل بها، ثم هلك الرهن في يدها، فلا ضمان عليها في نصف الصداق الذي سقط بالطلاق؛ [وذهب] (١) الرهن بما بقي من الصداق. وكذلك لو ارتدت قبل الدخول ثم هلك الرهن في يدها، لم يكن عليها ضمان؛ وذلك أن الطلاق يسقط نصف المهر على وجه لا يتعلق به ضمان، فصار ذلك كسقوطه بالبراءة. والله أعلم.

стр. 3300

٢٣٧١ - فَصْل: [حبس الزوجة الرهن بالمتعة] (١) قال: فإن تزوجها على غير صداق مسمّى فأخذت منه رهنًا، ثم طلقها قبل الدخول بها، بطل مهرها المثل، ووجب لها المتعة، فليس لها أن تحبس الرهن بالمتعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في قوله الآخر. وإن هلك الرهن في يدها ولم [يمتعها بالمتعة] (٢) هلك بغير شيء، ورجعت على الزوج بالمتعة. وقال محمد: أستحسن أن يحبس الرهن بالمتعة، وإن هلك في يدها هلك بالمتعة. وجه القياس: وهو قول أبي يوسف الآخر، ولم يذكر قول أبي حنيفة في الأصل، وإنما ذكره أبو الحسن في أنّ المتعة دين حادث ليس ببدل عن مهر المثل، [ولا جزء] (٣) منه؛ بدلالة أنهما جميعًا بدلان عن [البُضْعِ]، ولا [يجوز أن يكون] (٤) أحدهما بدلًا عن الآخر؛ [بدلالة أنّ] أحدهما من جنس الأثمان، والآخر من [جنس] الثياب، فلا يكون جزءًا منه. والرهن بالدين لا يكون رهنًا بدين آخر حادث ليس ببدل عن الأول، ولا بجزءٍ منه، وليس كذلك الرهن بالمسلم فيه إذا تفاسخا أنه يكون رهنًا برأس المال

стр. 3301

استحسانًا؛ لأن رأس المال بدل عن المُسَلَّمِ فيه، والرهن بالمُبْدَلِ يكون رهنًا ببدله، كمن أخذ رهنًا بالعين المغصوبة، فتلفت صار رهنًا بقيمتها؛ ولأن الرهن بمهر المثل لو صار رهنًا بالمتعة لهلك بمهر المثل، ولم يهلك بالمتعة؛ لأن قبضه وقع موجبًا لضمان مهر المثل. ألا ترى أن الرهن بالمسلم فيه لما صار رهنًا برأس المال، هلك بالمسلم فيه الذي أوجبه القبض، فلما لم يجعله هالكًا بمهر المثل، دَلَّ على أنه ليس بمضمون. لمحمد - وهو قول أبي يوسف الأول -: أن الرهن مقبوض بموجب العقد، وبموجب العقد مهر المثل قبل الطلاق، والمتعة بعده، فكان رهنًا بكل واحد منهما، ألا ترى أن الرهن بالمسلم فيه رهن بموجب العقد، وذلك تارة يكون بالمسلم فيه وتارة برأس المال. وإنما جعله محمد هالكًا بالمتعة ولم يجعله هالكًا بمهر المثل؛ لأن مهر المثل يسقط بسبب لا يوجب الضمان، فلم يجز أن يصير الرهن مضمونًا به، وليس كذلك الرهن بالمسلم فيه إذا هلك بعد الإقالة، أنه يكون هالكًا بالمسلم فيه؛ لأنه يسقط بالإقالة، وهو بسبب موجب للضمان. والله تعالى أعلم. ٢٣٧٢ - فَصْل: [حبس الرهن بقبض المبيع] قال: ولو أسلم رجل إلى رجل في كُرّ حنطة سَلَمًا صحيحًا وأخذ بالطعام رهنًا ثم تقايلا، كان له في قولهم جميعًا أن يحبس الرهن برأس المال، [فإن هلك الرهن في يده، هلك بالطعام في قولهم؛ لأن رأس المال] بدل عن المسلم فيه، والرهن بالشيء يجوز أن يكون رهنًا ببدله، كالرهن بالعين المغصوبة إذا

стр. 3302

هلكت، كان رهنًا بقيمتها؛ ولهذا قالوا في المستأجر إذا عَجَّل الأجرة ثم انتقضت الإجارة: إنه يحبس العين المستأجرة بالأجرة، وإن كانت قبل الفسخ محبوسة في يده بالمنافع (التي هي المبدل. وإنما هلك الرهن بالمسلم فيه؛ لأنه قبضه بضمانه) (١)، والهلاك يقع على الوجه الذي اقتضاه، القبض، إلَّا أن يكون سقوط الدين بسبب لا يوجب الضمان. قال: وكذلك كل بيع انتقض فكان في يد أحد المتبايعين شيء مما قبضه بالعقد، فله حبسه حتى يأخذ بدله الذي دفعه، وكذلك إن كان قد أخذ به رهنًا قبل الانتقاض، فله حبس الرهن بالبدل، فإن هلك الرهن هلك بضمان ما قبضه رهنًا لا ببدله على ما وصفت لك في السَّلَم. أمّا انتقاض البيع الذي ذكره فصورته: أن يتقابض المتبايعان ثم يتفاسخا، فللمشتري أن يحبس المبيع حتى يستوفي الثمن؛ لأن حقه مع البائع عند الفسخ كحق البائع معه عند العقد. وأما قوله: فكذلك إن كان أخذ به رهنًا قبل الانتقاض، فكالبائع إذا سَلَّمَ المبيع وأخذ بالثمن رهنًا ثم تقايلا، كان له أن يحبس الرهن بقبض المبيع؛ لأنه كان محبوسًا ببدله، وإن هلك في يده هلك بالثمن على ما قدمنا. ٢٣٧٣ - فَصْل [الضمان في موت المرتهن المستعير] قال وإذا استعار المرتهن من الراهن الرهن ليعمل به عملًا، فمات قبل أن يأخذ في العمل، مات على ضمان الرهن، وكذلك إن مات بعد الفراغ من العمل.

стр. 3303

فإن مات في العمل مات بغير ضمان؛ وذلك لأن يد المستعير مخالفة ليد المرتهن؛ لأن العارية لا يتعلق بقبضها ضمان، والرهن يتعلق بقبضه الضمان، فإذا أذن الراهن للمرتهن، أن يستعمل الرهن فما لم يستعمله فيد الرهن باقية، فإذا هلك هلك على الضمان. وكذلك إذا استعمله ثم فرغ من العمل فقد زالت يد العارية فعادت يد الضمان، وإذا هلك في حال العمل، فقد [هلك] بعد زوال [حكم] الرهن وقبضه وحدوث قبض آخر غير مضمون، فإذا هلك في هذه الحال، هلك على الأمانة. قال: وكذلك إذا استعاره الراهن من المرتهن لخدمته، أو ليعمل [له] عملًا فإنه يخرج من ضمان المرتهن حين يقبضه أو يستعمله في ذلك العمل. والرهن في [حال] العارية في الوجهين [جميعًا] خارج من ضمان الرهن غير خارج من عقد الرهن، وحقوق الرهن كلها باقية غير الضمان؛ وذلك لأن الراهن إذا استعاره وقبضه فقد زال القبض الموجب للضمان، [فزال الضمان]. وإنما لم يبطل العقد؛ لأن قبض العارية لا يتعلق به الاستحقاق، وللمرتهن إبطاله متى شاء، ومتى لم يستحق به (١) المرتهن لم يبطل عقد الرهن. قال: وكذلك إن أعاره الراهن برضا المرتهن، أو المرتهن برضا الراهن من رجل أجنبي فقبضه فهو خارج من ضمان الرهن وليس بخارج من عقده، ولكل واحد من الراهن والمرتهن أن يبطل العارية ويرده رهنًا كما كان؛ وذلك لأن المستعير إذا قبض برضا الراهن والمرتهن، فقد زال القبض الموجب للضمان،

стр. 3304

وحدثت يد أمانة. فإذا هلك لم يسقط شيء من الدين ولا يبطل الرهن لما بيّنا أن [يد] المستعير ليست بمستحقة، وللمرتهن أن يسترجع الرهن [متى شاء]؛ لأن الإمساك حق له فهو [كالمالك] (١) في إبطال العارية، وكذلك للراهن أن يطالب برده إلى يد المرتهن؛ لأن له حقًّا في ذلك، ألا ترى أنه قبل الرد يهلك على الأمانة، وبعده يهلك على الضمان. قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل رهن أمةً بألف قيمتها ألف، فاستعارها الراهن فهلكت في يده، فإن الدين عليه على حاله، ولا يبطل، وهذا على ما بيّنا، ولو لم تمت حتى ولدت ولدًا يساوي ألفًا ثم ماتت ثم قبضه المرتهن، فإن المال ثابت على الراهن لا يبطل منه شيء بموت الأم، والبنت رهن بجمع المال؛ [وذلك] لأن الأم هلكت بعد زوال ضمان المرتهن (٢)، فتهلك على الأمانة، إلا أن عقد الرهن بحاله، والاستحقاق يتعلق به، فيتعلق بالولد؛ فلذلك كان للمرتهن أن يحبس الولد بجميع الدين. قال: وكذلك لو ولدت البنت بنتا أخرى تساوي ألفًا فإنهما رهن بجميع المال، فإن ماتتا لم تحتسب بهما؛ وذلك لأن الولد ليس بمضمون فلا يتعلق بهلاكه ضمان. وليس هذا كما لو هلكت الأم في يد المرتهن، ثم هلك ولدها؛ لأنا نحكم بانتقال الضمان الذي في الولد إلى الأم، فكأنها هلكت به.

стр. 3305

فأما أن يسقط بهلاك الولد شيء فلا، ومتى نقلنا ما في الولد في مسألتنا إلى الأم فقد هلكت الأم غير مضمونة، فلم يجز أن يسقط بهلاكها الدين. ولا يسقط بهلاك الولد [شيء]؛ لأنه تبع، فبقي الدين بحاله. قال: ولا يفتك الراهن واحدة منهما دون الأخرى حتى يؤدي المال كله؛ وذلك لأنهما جميعًا دخلا في الرهن، والراهن لا يملك تفريق [الصفقة] (١) على المرتهن. قال أبو الحسن: وهذه المسألة على صحة ما قلناه أنها تخرج من ضمان الرهن، ولا تخرج من عقده، ولو خرجت من [عقد] الرهن لم يكن الولد المولود في يد الراهن، هي عارية في يده داخلة في الرهن. وقد حكى أبو عمرو حفص بن صالح، عن محمد في [مسائل] (٢) الجملة التي ذكرناها قال: فإذا أعار (٣) المرتهن الرهن للراهن أو غيره بأمره فقد خرج من ضمان المرتهن، وهو رهن كما كان، وله أن يعيده في الرهن إذا شاء عند قاضٍ أو غيره. وهذا على ما بيّنا أن العارية لا يتعلق بها الاستحقاق، والرهن قد تعلق به الاستحقاق، فكان له أن يعيد [هـ إلى] قبضه. قال: فإن هلك الراهن قبل أن يعيده في الرهن، فالمرتهن أحق به من بقية

стр. 3306

الغرماء؛ [وذلك] لأن العارية لا تبطل حكم الرهن، ومن أحكام الرهن أن يقدم المرتهن فيه على الغرماء. قال: فإن أوجب في الرهن حقًّا لغيره كالإجارة والبيع والهبة، فإن ذلك يخرجه من الرهن ولا يقدر أن يعيده فيه أبدًا إلا بعقد مستأنف، فإن مات الراهن بعد ذلك وعليه دين لغير المرتهن، فهو أسوة الغرماء؛ وذلك لأن هذه العقود إذا تمت تعلق بها الاستحقاق، فإذا رضي المرتهن بها انفسخ الرهن؛ لاستحالة أن يبقى مع انتقال ملك الراهن أو مع استحقاق المستأجر لليد (١). وليس كذلك العارية؛ لأن الاستحقاق لا يتعلق بها، فلم يبطل الرهن، وإذا بطل الرهن بهذه العقود ثم انفسخت لم يعد الرهن إلا بعقد وقبض؛ لأنه انفسخ بطريان ما يوجب الاستحقاق عليه. والله تعالى أعلم (٢).

стр. 3307

بَاب الزيادة في الرهن قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا في رجل رهن عبدًا يساوي ألفًا بألف، ثم زاد أمة في الرهن تساوي ألفًا، فإن الزيادة جائزة عندهم جميعًا، ويقسم الدين الذي هو رهن به على قيمة الأول يوم قبضه، وقيمة الزيادة (١) يوم قبضت، (وإن كانت قيمة الزيادة خمسمائة كان في الزيادة ثلث الدين، وفي الأصل ثلثاه) (٢)، وإن كانت قيمة الزيادة مائتين، ففيها سدس الدين (٣). أما جواز الزيادة في الرهن فهو استحسان، والقياس أن لا يجوز، وهو قول زفر، وما ذكره أبو الحسن أنه قول أصحابنا جميعًا، يعني به: الثلاثة. وجه القياس -[وهو قول زفر]-: أن الزيادة توجب تغيير الضمان الذي أوجبه القبض؛ وذلك لا يجوز مع بقاء القبض كالغصب. وجه الاستحسان: أن الزيادة تلحق على وجه لو كانت موجودة في الابتداء صحّت، ألا ترى أنه لو رهن العبدين ابتداءً بالدين جاز، فكذلك إذا ألحق أحدهما بالآخر، كالزيادة في المبيع. وليس كذلك الزيادة في الدين؛ لأنها تلحق على وجه لو كانت موجودة في

стр. 3308

الابتداء لم يصحَّ، ألا ترى أنها في التسمية منفردة عن الأولى، فكأنه قال: رهنتك بعض هذا العبد بكذا، وبعضه بكذا، ولأن الرهن وثيقة فجاز أن يلحق به وثيقة أخرى كالكفيل بعد الكفيل بدين [واحد] (١)؛ ولأن الزيادة في الرهن زيادة فيما وقع عليه العقد، كالزيادة في المبيع والثمن. فأمّا الزيادة في الدين فزيادة فيما لم يقع عليه العقد، ألا ترى أن الدين يثبت بعقد المداينة لا بعقد الرهن، والزيادة تلحق بما لم يثبت بالعقد. [قال]: فإذا ألحقت الزيادة اعتبرت قيمة الأصل يوم قُبض وقيمة الزيادة يوم قبضها؛ لأن كل واحد منهما دخل في الضمان بالقبض، وينقسم الدين على [قدر] (٢) القيمتين. قال: ولا يعتبر نقصان قيمة الأول في السعر؛ وذلك لما بيّنا أن الضمان تعلق بالقبض، فالمعتبر بالقيمة يوم القبض. قال: ولو نقص الأصل في بدنه ذهب من الدين بقدر النقصان، فإن [زاده] (٣) الراهن بعد ذلك رهنًا آخر قسمت ما بقي من الدين في الأول على قيمة الباقي منه وعلى قيمة الزيادة [فيه] يوم قبضت، وكان الدين فيهما على قدر ذلك. وهذا كرجل رهن رجلًا جارية تساوي ألف درهم بألف درهم، فاعورَّت ثم زاده [الراهن] عبدًا يساوي ألفًا فقد ذهب باعورارها نصف الدين، وبقي فيها خمسمائة، فتقسم الخمسمائة الباقية من الدين على قيمة الأمة عوراء وعلى قيمة

стр. 3309

العبد الزيادة صحيحًا يوم قبضه، فيكون في العبد الزيادة ثلثا الخمسمائة، وهو ثلث الألف إن هلك هلك بثلث الألف، وإن هلكت العوراء ذهب بهلاكها ثلث الخمسمائة، وقد ذهب بالعور خمسمائة؛ وذلك لأن الجارية لما اعورّت سقط نصف الدين بعورها. فإذا زاد في الرهن فالزيادة فيما بقي من الدين، فوجب قسمة الباقي - وهو خمسمائة - على ما بقي من الأمة - وهو خمسمائة - وعلى العبد الزيادة، وهو ألف، فيكون ما بقي من الدين [فيهما] أثلاثًا. وليس هذا كما لو ولدت بعدما اعورت ولدًا يساوي ألفًا، أن الدين يقسم على قيمتها صحيحة وعلى قيمة الولد يوم الفكاك، فما أصاب الأم سقط بالعور نصفه؛ وذلك لأن الولد متولد منها ومن تابع لها، والزيادة منها يجوز أن تجعل كالموجودة في الأصل، وليس كذلك الزيادة من غيرها؛ لأنها غير تابعة لها، فلم [يعتبر] حكم النقص الحاصل فيها. وقد قالوا فيما يشاكل هذه المسألة: إذا رهن [رجل من رجل] جارية بألف، ثم قضى الراهن [المرتهن] خمسمائة، ثم إن الراهن زاد [المرتهن] في الرهن عبدًا قيمته ألف، فإن هذه الزيادة تلحق الخمسمائة الباقية من الدين، ويقسم الدين الباقي وهو خمسمائة على قيمة الزيادة وهو ألف، وعلى نصف قيمة الأمة الأولى، وهو خمسمائة، فقسمت الخمسمائة على الزيادة وهي ألف وعلى نصف الأمة وهو خمسمائة، فتصير الزيادة رهنًا بثلثي الخمسمائة، و [تصير] الأمة رهنًا نصفها بثلث هذه الخمسمائة، ونصفها الآخر كأنه مرهون بخمسمائة. فإن ماتت الزيادة ماتت بثلثي الخمسمائة، وإن ماتت الأمة الأولى ماتت

стр. 3310

بالخمسمائة التي قضى المرتهن وبثلث الخمسمائة، فتموت بستمائة وستة وستين وثلثين؛ وذلك لأن الزيادة بعد قضاء الدين تلحق ما بقي منه، ولا تلحق بما قضى، ألا ترى أنه لو قضاه كل الدين ثم زاده كانت الزيادة باطلة، وإذا ألحقت بما بقي وهو نصف الدين صارت الزيادة في نصف الرهن، فينقسم ما بقي من الدين على قيمة الزيادة يوم القبض، وعلى قيمة نصف الجارية، فيجعل في الزيادة ثلثا ما بقي، وفي نصف الرهن الجارية الثلث. فأما النصف الآخر من الجارية فقد قضى الراهن ما كان فيه من الدين، إلا أن ضمانه باقٍ لبقاء القبض، فبقي مضمونًا بالخمسمائة التي اقتضاها القبض الأول؛ فلذلك قال: إن الجارية إذا هلكت يذهب نصفها بخمسمائة، ونصفها بثلث خمسمائة. قالوا: فإن لم يزد الراهن [المرتهن في] الرهن شيئًا حتى قضى [الراهن] المرتهن خمسمائة من الدين، ثم إن الجارية اعورَّت، فإن المرتهن كأنه استوفى بالاعورار خمسمائة فتصير هذه الخمسمائة التي استوفاها مائتين وخمسين مما كان وقع عليه القضاء، ومائتين وخمسين مما بقي مما لم يقبض. فإن زاد الراهن المرتهن في الرهن عبدًا قيمته ألف درهم نظرت، فإذا في الأمة العوراء مائتين وخمسين مما لم يقبض، وتلحق الزيادة هذه المائتين والخمسين، فينقسم الباقي وهو مائتان وخمسون على قدر الزيادة وعلى نصف الأمة العوراء، فيكون المائتان وخمسون بينهما على خمس، فما أصاب أربعة أخماس مائتين وخمسين فهو [في] الزيادة، وما أصاب الخمسين فهو في الأمة العوراء. والله تعالى أعلم.

стр. 3311

بَاب الزيادة في الرهن بعد الولادة قال ابن سماعة عن محمد في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل رهن عند رجل أمةً بألف قيمتها ألف، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، ثم [إن الراهن] زاده في الرهن عبدًا يساوي ألفًا. قال: فإنّ العبد يكون رهنًا بنصف الألف، ولا يحتسب بالولد؛ وذلك لأن الزيادة تلحق العقد، وتصير كالموجودة فيه، كأنه رهن الأمة والعبد بألف ثم ولدت الأمة، فإن الدين ينقسم على الأمة والعبد، فما أصاب الأمة انقسم فيها وفي ولدها فصار في العبد الزيادة من الدين خمسمائة، وفي الجارية وولدها خمسمائة، فإن مات الولد لم يلتفت إليه، ولم ينقص مما كان في العبد الزيادة من الدين شيء، ولم يزد فيه. وكذلك لو لم يمت الولد ولكن زادت قيمته فصار يساوي ألفين، أو ولد للولد ولدٌ يساوي ألفًا، أو ولدت الأمة ولدًا آخر يساوي ألفًا، فإن الدين (١) في العبد الزيادة لا تتغير؛ وذلك لما بيّنا أن الولد داخل في حصة الأم، فلا يتغير بنقصانه ولا بموته ولا بزيادته حكم العبد الذي لم يدخل معه، وإنما يختلف به حكم الأمة، فإن مات عاد ما فيه إليها، وإن زادت قيمته انتقل إليه بعض ما فيها، وإن نقصت قيمته انتقل بعض ما فيه إلى الأم (٢).

стр. 3312

قال: ولو ماتت الأم وبقي ولدها وقيمته ألف مثل قيمة الأم، فإن الأم تذهب بمائتين وخمسين؛ وذلك لأن الدين انقسم فيها وفي الزيادة نصفين، فأصابها خمسمائة انقسمت فيها وفي ولدها نصفين. قال: ولو زادت قيمة الأم لم يتغير ما في الزيادة ولم ينقص ولم يزد؛ وذلك لأن قيمة الأم تعتبر يوم القبض، وما [يتجدد] (١) بعده من الزيادة والنقصان لا يغيّر حكم القسمة. [قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وكذلك إن زاده عبدًا مع الجارية قبل الولادة ثم ولدت الأمة، فهذا والأول سواء؛ لأن الولد إذا دخل في حصة الأم خاصة، فلا فرق بين حدوثه قبل الزيادة وبعدها] (٢). قال: والزيادة في الرهن يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والحسن. قال في الأصل: يجوز استحسانًا، والقياس أن لا يجوز، وقد بيّنا هذه المسألة بخلاف زفر. والله أعلم. ٢٣٧٤ - فَصْل: [زيادة الراهن في الدين بالزيادة في الرهن] قال: وإن زاده الراهن في الدين على أن تكون الزيادة في الرهن، فإن ذلك لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقال أبو يوسف والحسن بن زياد: هو جائز. وجه قولهم: أن الزيادة في الدين تلحق على وجه لا يجوز في الابتداء، ألا ترى أن كل الرهن مشغول بالدين الأول، فإذا زاد مثله انتقل الدين الأول إلى

стр. 3313

نصف الرهن، والثاني إلى نصفه، ولو رهنه ابتداءً نصف العبد بدين ونصفه بدين آخر لا يجوز، فكذلك في الثاني؛ ولأن الزيادة في العقود إما تجوز في المعقود عليه، والدين لم يثبت بعقد الرهن، وإنما يثبت بالمداينة، فالزيادة فيه زيادة فيما لم يقع عليه العقد، فلا تلحق به، ولهذا جوّزوا الزيادة في الرهن؛ لأنه زيادة في المعقود عليه. لأبي يوسف: أن الزيادة تلحق بالعقد، وتصير كالموجود فيه، فكأنه رهنه ابتداءً بالدين، ولأن الرهن في مقابلة الدين، ومضمون كالمبيع والثمن، فلما جازت الزيادة في الرهن، كذلك فيما هو مضمون به، كما جازت في المبيع والثمن. والله أعلم. ٢٣٧٥ - فَصْل: [إلحاق الزيادة بما هو معقود عليه] وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل رهن عند رجل أمة بألف قيمتها ألف، فجاءت بولد قيمته ألف، ثم ماتت الأم، فإن الولد رهن بخمسمائة، فإن زاده الراهن عبدًا قيمته ألف، فإن الولد والعبد رهن جميعًا بخمسمائة، فإن مات العبد افتك الولد بمائتين وخمسين؛ [وذلك] لأن الزيادة في مسألتنا لاحقة بالولد دون الأم، ألا ترى أن الأم خرجت من العقد بالموت، والزيادة إنما تلحق بما هو معقود عليه ولا يبطل العقد فيه، وإذا دخلت الزيادة مع الولد خاصة انقسم ما فيه على قدر قيمته وقيمة الزيادة، فكان فيه نصفها، فإذا مات مات بذلك. قال: فإن مات الولد ولم يمت العبد، أخذ العبد بغير شيء؛ لأن موت الولد لا يتعلق به سقوط شيء من الدين، وإنما يرجع ما فيه إلى الأم، فكأنّها لم تلد، فيحكم بأنها ماتت بكل الدين وبطلت الزيادة؛ لأنها دخلت على ما لا ضمان

стр. 3314

فيه، فيأخذ العبد بغير شيء. قال محمد: ألا ترى أن الولد لو زادت قيمته فصار يساوي ألفي درهم بعد موت أمه، أنه يكون فيه وفي العبد الزيادة ستمائة وستة وستون وثلثان أثلاثًا، في العبد الزيادة ثلث ذلك، وتكون الأم قد ذهبت بثلث الألف. وكذلك لو نقص الولد حتى صار يساوي خمسمائة، كان فيه وفي العبد الزيادة ثلث الألف أثلاثًا، في العبد ثلثا ذلك، وفي الولد الثلث. فكلَّما نقصت قيمة الولد، يعتبر ما فيها من الدين، وكذلك إن زادت قيمته، [نقص] (١) ما في العبد الزيادة من الدين، وكذلك إن مات الولد ولم يصر فيه شيء من الدين، صار العبد الزيادة بغير رهن، يأخذه صاحبه بغير شيء، وهذا على ما قدمنا أن قيمة الولد في القسمة تعتبر يوم الفكاك، فيزيد ما فيه بزيادة قيمته، وينقص بنقصانها. وإنما ذكر محمد هذين الاستشهادين ليبيّن أن ما في الولد غير مستقر، فإذا مات فكأنّه لم يكن، فتبطل الزيادة التي دخلت عليه. قال: ولو مات العبد الزيادة بعد موت الولد قبل أن يقبضه الراهن لم يكن من ضمانه على المرتهن شيء قليل ولا كثير؛ لأنه ليس برهن، ألا ترى أنه قبضه ولا دين هناك، ولا يقال: إنه قبضه على دين مضمون في الظاهر؛ لأنه وإن كان كذلك فقد ثبت بهلاك الولد سقوط الدين في الظاهر، فصار كمن دفع رهنًا بدين يظنه عليه ثم تصادقا أن لا دين، ثم هلك الرهن.

стр. 3315

وقال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة في رجل ارتهن جارية بألف تساوي ألفًا، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، ثم إنّ الراهن زاد المرتهن غلامًا يساوي ألفًا فقال: هذه الزيادة لك مع الأم، كان الغلام رهنًا بخمسمائة، وكانت الأم وولدها رهنًا بخمسمائة، فإن مات الولد صارت الأم رهنًا بخمسمائة، وإن زاد الولد حتى يساوي ألفين صار رهنًا بثلثي خمسمائة؛ وذلك لأنه لو أطلق الزيادة لحقت بالأم على ما قدمنا، فإذا اشترط ذلك أولى، فإذا دخلت مع الأم انقسم الدين عليهما، ثم انقسم ما في الأم عليها وعلى ولدها، تحتسب قيمته يوم الفكاك. قال: ولو لم يزد الغلام مع الأم، [ولكنه] زاده مع الولد، فقال: هذا زيادة في الولد بما في [غير] (١) الولد من الدين، ثم زاد الولد حتى صار يساوي ألفين، كان هو والغلام رهنًا بثلثي الألف، فإن مات الولد صار الغلام رهنًا بغير شيء، ورده على الراهن، وإنما جازت [الزيادة] في الولد؛ لأن له حصة من الدين (٢) في الظاهر، وللراهن غرض في إدخال الزيادة على الولد دون أمه، فيدخل معه، وانقسم ما في الولد على قيمته وقيمة الزيادة، فإذا مات الولد عاد ما فيه [من الدين] إلى الأم، فصار كأنّه لم يكن، فالزيادة دخلت على غير رهن فيسقط حكمها. والله تعالى أعلم.

стр. 3316

بَاب رهن الفضة بالفضة قال ﵀: هذا الباب يختص [برهن] كلِّ شيء يقع فيه الربا بجنسه، وهو مبني على أصول منها: أنه إذا رهن فضة بفضة، أو ذهبًا بذهب، أو حنطة بحنطة، أو شعيًرا بشعير، فهلك الرهن وقيمته مثل الدين، وقدره كقدره، هلك بالدين في قولهم؛ لأن هلاك الرهن يقع به الاستيفاء، واستيفاء [الدين بهذا الرهن] (١) جائز، فإن كانت قيمته أكثر من قيمة الدَّيْن، وقدره مثل قدر الدين، [فإن هلك] هلك بالدين في قولهم؛ لأن من أصل أبي حنيفة: أن الجودة إذا لاقت جنسها فيما يثبت فيه الربا لا قيمة لها، فكأنه مثل الدين. وعلى قول أبي يوسف: أن الجودة كزيادة وزن، ولو كان الوزن زائدًا هلك بعضه بالدين، وبعضه على الأمانة. وأمّا إذا كانت قيمته أقل من قيمة الدين فهلك، ذهب بالدَّيْن عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يغرم المرتهن بمثله إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن له مثل من غير جنسه، ويرجع بالدين. قال: وهذه المسألة مبنية على اختلافهم فيمن له على رجل دراهم جياد فاستوفى منه رديئة، وهو لا يعلم فأنفقها.

стр. 3317

قال أبو حنيفة: لا يرجع بشيء، وقا [لا] (١): يرد مثل الزيوف، ويأخذ الجياد. لأبي حنيفة: أن الفسخ لا يجوز أن يقع على ما لم يقع عليه القبض، كما لا يفسخ العقد على ما لم يقع عليه العقد، ولا يجوز أن يرجع بالنقصان لما فيه من الربا، فلم يبق إلا أن يسقط حقه. وجه قولهما: أن حقه في الوزن والجودة، وقد استوفى أحدهما، فبقي [الحق] الآخر، ولا يمكن استيفاؤه إلا بغرامة مثل المقبوض والرجوع بالحق. وإذا ثبت هذا [في مسألة الدين] قال أبو حنيفة: هلاك الرهن استيفاء من طريق الحكم، فهو كالاستيفاء من طريق المباشرة، فلا يرجع بشيء. [وقالا] (٢): يغرم ما استوفاه، ويرجع بحقه، فإن قيل: لا تشبه مسألة الرهن بما ذكرتم من قبض الدين؛ لأن تلك المسألة موضوعة على أنه قبض الزيوف وهو لا يعلم، ولو قبضها وهو عالم بها لم يكن له الرجوع، وفي مسألتنا: قبض الرهن أدون من حقه وهو عالم به. والجواب (٣): أنه لم يقبض الرهن [ليملك] (٤) حتى يصير راضيًا بالاستيفاء، وإنما قبضه للحبس؛ فلذلك لم يلزم هذا السؤال (٥).

стр. 3318

٢٣٧٦ - فَصْل: [الضمان بحصول النقص في الرهن] وأما إذا دخل في الرهن نقص بغير فعل المرتهن، فقد ذكر في الأصل عن أبي حنيفة: أنه يضمن قيمته، فيكون رهنًا، وإن كان وزنه أكثر من الدين ضمن منه بقدر الدين. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الأمالي وفي نوادره: أنه لا ضمان على المرتهن، وهي رواية بِشْر في الأمالي وفي نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وكذلك روى عليّ بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، والحسن بن زياد عن أبي حنيفة. وقال محمد في الزيادات: هو قياس قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كانت قيمته مثل الدين ضمنه المرتهن، وإن كانت قيمته أكثر من الدين ووزنه كوزن الدين فقد اختلفت الرواية عن أبي [يوسف] (١). وروي عن محمد عن أبي يوسف رواية الأصل: أن الرهن مضمون بالقبض، كالغصب، ومعلوم أن الغصب يستوي فيه أن يكون النقص بفعل الغاصب أو بغير فعله، فكذلك الرهن. وجه الرواية الأخرى: أن الرهن مضمون بغيره كالمبيع في يد البائع، ومعلوم أن النقص إذا حصل بغير فعل البائع لم يضمن، وكذلك هذا. وأما وجه رواية محمد عن أبي يوسف: أن الرهن إذا [كان] وزنه مثل الدين

стр. 3319

وقيمته أكثر، ضمن منه مقدار الدين من قيمته؛ ولأن زيادة الجودة عنده كزيادة الوزن. وأما وجه رواية بشر عنه: أن الجودة تبع للعين، فإذا كان وزن العين مثل الدين ضمن مثل جميعها، كما لو كانت مثل الدين [في الجودة]. والله أعلم. ٢٣٧٧ - فَصْل: [الضمان إذا كان الرهن مثل الدين أو أجود منه] وقد قال أبو حنيفة: إن الرهن إذا كان مثل [وزن] (١) الدين، وهو أجود من الدين، فجميعه مضمون، ولا اعتبار بالجودة؛ لأنها إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا لا قيمة لها. وقال أبو يوسف: زيادة الجودة كزيادة الوزن؛ لأن لها قيمة، بدلالة أن من كسر إناء مصوغًا (٢) ضمن الجودة كما يضمن الوزن. وأما محمد: فجعل الجودة تابعة للوزن، وجعل المضمون من الوزن، إلا أن يكون الدين أكثر من الوزن، فيجعل المضمون منهما لأجل الضرورة، فلم يتعلق بالتبع حكم عند عدم الحاجة، وعلق به الحكم عند الحاجة إليه. والله أعلم. ٢٣٧٨ - فَصْل [دخول العيب في الرهن] وقد قال محمد في الرهن: إذا دخله عيب وجودته مثل الدين أو أكثر، أن للراهن أن يتركه على المرتهن بدينه، ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف ذلك؛ لأن قبض الرهن لا يتعلق به التمليك كقبض الوديعة (٣)، وليس كذلك قبض الغاصب

стр. 3320

لأنه وقع موجبًا للتمليك، فكان للمالك اختيار التمليك عند النقص. وأما محمد فقال: بأنه ضمان يتعلق بالقبض كالغصب. وإذا ثبتت هذه الأصول قلنا: إنه لا يخلو إما أن يكون وزن الرهن مثل الدين أو أقل أو أكثر. فإن كان مثل الدين فلا يخلو أن يكون مثله في الجودة أو أدون أو أجود. فإن كان وزنه أكثر من الدين فلا يخلو [إما] (أن تكون قيمته أكثر من وزنه، أو مثل وزنه، أو أقل من وزنه، ومثل الدين أو أقل من الدين أو أكثر) (١). فإن كان وزنه أقل من وزن الدين، فلا يخلو أن تكون قيمته أقل من وزنه، أو أكثر من وزنه، أو مثل وزنه، (ولا يخلو أن يكون) (٢) أقل من الدين أو مثل الدين، أو أكثر من الدين. فهذه ثلاثة عشر فصلًا، كل واحد منها لا يخلو الرهن فيه من هلاك أو انكسار (٣)، فذلك ستة وعشرون فصلًا: فالقسم الأول: إذا كان وزن الرهن مثل الدين، وقيمته كذلك: وهو أن يكون الدين عشرة، ووزن الرهن عشرة، وقيمته عشرة، فلا يخلو إما أن يهلك أو ينكسر، فإن هلك هلك بالدين في قولهم؛ لأنه مثل وزنه وجودته، فوقع به الاستيفاء، وإن انكسر ضمن قيمته بالانكسار في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة،

стр. 3321

وهو قول أبي يوسف وقال محمد: للراهن أن يملكه بدينه على الأصل الذي قدمنا. وإن كان وزنه مثل الدين وقيمته أقل: وهو أن يكون قيمته ثمانية، فإن هلك هلك بالدين عند أبي حنيفة؛ لأن الجودة لا قيمة لها، فيصير مستوفيًا للفضة الرديئة بالجيدة، وعلى قولهما: يضمن قيمته من الذهب، ويرجع بدينه. وأما إذا انكسر ضمن قيمته عند أبي حنيفة في إحدى الروايتين، وهو قول أبي يوسف، ولا يمكن التمليك عند محمد؛ لأنه أدون من حق المرتهن، إلا أن يرضى المرتهن بذلك فيكون راضيًا بأقلّ من حقه، (وإذا تعذر التمليك عنده لم يبق إلا الضمان) (١). وأما إن كانت قيمته أكثر من الوزن مثل أن يكون اثني عشر، فإن هلك هلك بالدين عند أبي حنيفة؛ لأن الجودة لا قيمة لها عنده، وعند محمد: أن الجودة لا اعتبار بها هاهنا؛ لأنها فاضلة عن الدين، فهي أمانة. وأما على قول أبي يوسف: فالجودة مضمونة كالوزن، [وقد] قيل على قوله: يهلك خمسة أسداسه بالدين، وسدسه بالأمانة، وكان الوزن اثني عشر، وفي هذا شبهة؛ لأنه يصير مستوفيًا لثمانية ودانقين بعشرة، وهذا ربا، أم يجاب (٢) عنه بأن الاستيفاء من طريق الحكم يجوز فيه ما لا يجوز في الاستيفاء بالمباشرة؛ بدلالة أن المسلم فيه لا يجوز أن يستوفى [بغيره] (٣)، ولو هلك الرهن به صار مستوفيًا.

стр. 3322

وقد قيل على قوله: يضمن المرتهن خمسة أسداسه القُلب من الذهب، ويرجع بدينه حتى لا يؤدي ذلك إلى الربا. وأما إذا انكسر فله ثلاثة أحوال: إما أن يذهب بالانكسار بعض الجودة، فتبقى قيمته أحد عشر، أو كل الجودة فتبقى قيمته عشرة، أو أكثر من الجودة، فتبقى قيمته ثمانية، وفي جميع الأحوال عند أبي حنيفة يضمن جميعه؛ (لأنّ المضمون عنده الوزن؛ لأن الجودة لا اعتبار بها) (١). وعند أبي يوسف في إحدى الروايتين: يضمن [خمسة أسداسه؛ لأنه يجعل زيادة الجودة كزيادة الوزن، وفي الرواية الأخرى: يضمن] (٢) جميعه؛ لأن الوزن مثل الدين، والجودة تبع. وأما على قول محمد: فإن نقص من قيمته درهم أو درهمان فلا ضمان على المرتهن، ويفتكه الراهن بجميع دينه؛ لأن عنده الجودة الفاضلة عن مقدار الدين أمانة، وإن نقصت القيمة عن الوزن كان للراهن أن يملكه المرتهن بدينه؛ لأنه يدفع إليه أجود من حقه، وله أن يفتكه بجميع الدين ويسقط حكم (٣) الانكسار. وقد قيل على قوله: أن له أن يضمنه؛ لأن في التمليك إسقاط حقه من الجودة، فصار قوله كقول أبي حنيفة. وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الدين عشرة، والوزن ثمانية، وهي خمسة فصول:

стр. 3323

إن كانت قيمته أقل من وزنه مثل أن يكون ستة، فإن هلك هلك بثمانية عند أبي حنيفة، وفي قولهما: يغرم قيمته من الذهب ويرجع بدينه، وهذا على ما قدمنا. وإن انكسر ضمن قيمته في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، فأمّا محمد فلا يمكنه أن يخيره في التمليك؛ لأنه لا يجوز أن يملك المرتهن بدينه أدون منه إلّا برضاه، فلا بد من التضمين على قوله. وأما إذا كانت قيمته مثل وزنه فهلك، هلك بمثل وزنه في قولهم، وإن انكسر ضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: له أن يملكه [بثمنه من الدين]؛ لأنه مثل الدين في الوزن والجودة. وإن كانت قيمته أكثر من وزنه وأقل من الدين مثل أن تكون تسعة، فهلك، هلك بثمانية عند أبي حنيفة؛ لأن الجودة لا معتبر بها [عنده]. وعلى قولهما: يضمن قيمته لحق الراهن حتى لا يستوفي منه [أكثر] (١) من حقه. وإن انكسر ضمنه قيمته في قولهم؛ لأن جميعه مضمون، إلا أن يرضى الراهن أن يجعله بثمانية من دينه (٢)، فيجوز ذلك عند محمد. وإن كانت قيمته مثل الدين: وهو أن يكون عشرة، فالكلام في الهلاك والانكسار كالكلام فيه إذا كانت قيمته تسعة. وإن كانت قيمته أكثر من الدين: وهو أن يكون اثني عشر، [فإن] هلك هلك

стр. 3324

بثمانية عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر عنده الوزن. وأمّا أبو يوسف فمن أصله: أن المضمون خمسة أسداسه، فقد قيل يهلك خمسة أسداسه بالدين، وإن كان أقل من الدين وزنًا على ما بيّنا في الاستيفاء من طريق الحكم، وقد قيل عنه: أنه يضمن قيمة خمسة أسداسه من الذهب، ويرجع بدينه حتى لا يؤدي إلى الربا. وأمّا إن انكسر، فجميعه مضمون عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر الوزن، وقال أبو يوسف: يضمن خمسة أسداسه؛ لأن الجودة عنده معتبرة كالوزن، وعلى رواية بشر: يضمن جميعه؛ لأن الجودة تبع للوزن، وأما محمد فقال: إن نقص بالانكسار درهم أو درهمان لم يضمن؛ لأن ما زاد على الدين أمانة عنده، وإن نقص أكثر من ذلك ضمن، إلا أن يختار تمليكه بدينه، إسقاط الجودة. وأما القسم الثالث: إذا كان وزنه أكثر من الدين وهو أن يكون اثني عشر، فإن كانت قيمته مثل وزنه فهلك، ذهب خمسة أسداسه بالدين، وسدسه أمانة في قولهم. وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: له أن يملكه خمسة أسداسه بالدين؛ لأنه مثل حقه. وأما إن كانت قيمته أقل من وزنه وأكثر من الدين، مثل أن يكون وزنه اثني عشر وقيمته أحد عشر، فإن هلك هلك بالدين خمسة أسداسه عند أبي حنيفة، ولا رواية عنهما في هذا الفصل. وقد قيل: ينبغي أن يضمن خمسة أسداسه ويرجع بدينه، وقيل على قياس

стр. 3325

قولهما: يهلك بالدين، وهو غلط؛ لأنا إن جعلنا جميعه هالكًا بالدين أدّى إلى أن يستوفي أكثر من حقه، وإن جعلنا بعضه هالكًا بالدين وهو مثل وزنه أدى إلى استيفاء أقل من حقه. وأمّا إن انكسر ضمن خمسة أسداسه عند أبي حنيفة؛ لأنه يعتبر بالجودة، وهكذا يجب أن يكون [على] قول أبي يوسف؛ لأنه لا جودة في الرهن، فيعتبر الوزن، وعلى قول محمد: لا يجوز التمليك؛ لأن الوزن أدون من الدين. وقد قيل على قياس قولهما: يغرم عشرة أجزاء من أحد عشر جزءًا من الدين (١)؛ لأنه قدر المضمون، وهذا يؤدي إلى إسقاط الوزن، واعتبار الأمانة في القيمة. وأما إن كانت قيمته بمثل الدين عشرة فهلك، هلك خمسة أسداسه بالدين عند أبي حنيفة؛ لأن المعتبر عنده بالوزن، وقالا: يغرم خمسة أسداسه ويرجع بحقه، وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه عند أبي حنيفة، وعندهما يغرم جميع قيمته، والتمليك لا يمكن عند محمد. وقد قيل على قولهما: يغرم خمسة أسداسه، وأما إن كانت قيمته أقل من الدين، مثل أن يكون ثمانية، فإن هلك ذهب خمسة أسداسه بالدين عند أبي حنيفة. وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه، وعندهما: يغرم قيمته في الحالين، وقد قيل: إنه يغرم خمسة أسداسه. وأمّا إن كانت قيمته خمسة عشر، فهلك خمسة أسداسه بالدين عند أبي

стр. 3326

حنيفة، وعلى قولهما: يحتمل أن يقال: يضمن خمسة أسداسه أيضًا؛ لأن محمدًا يجعل فضل القيمة إذا لم تدع الضرورة إليها أمانة، [وقد قيل: إن على قول أبي يوسف] (١) يعتبر الوزن، والجودة تبع، وقد قيل: إنه يضمن مقدار الدين من القيمة، و [يجيء] على قول محمد: أن يملكه إن اختار؛ لأنه أجود من حقه. وإن انكسر ضمن عند أبي حنيفة خمسة أسداسه، وعند أبي يوسف: يضمن ثلثه؛ لأنه يجعل الجودة كالوزن، وعلى الرواية الأخرى يضمن خمسة أسداسه، وعند محمد: إن نقص مقدار الجودة لم يعتد به، وإن نقص من الوزن: فإن شاء ملكه خمسة أسداسه بالدين، وإن شاء افتكه بجميع الدين، وإن شاء غرمه قيمة خمسة أسداسه، حتى لا يسقط حقه في الجودة. وقد أتت هذه (٢) الأحوال على ما ذكره أبو الحسن في الباب، وبقي الكلام في فصل واحد: وهو أن كل موضع ضمن المرتهن بعض القلب بالانكسار ملك ما ضمن [منه] بالضمان، وصار شريكًا في بقية الرهن. فعلى الرواية التي قال: إن الإشاعة في حال البقاء تبطل الرهن، يقطع القلب فيعود منه ما ملكه المرتهن ويكون باقيه مع القيمة التي غرمها المرتهن حتى لا يؤدي إلى الإشاعة. وعلى الرواية التي قال: إن الإشاعة في حال البقاء لا تؤثر، لا يحتاج إلى القطع، ويكون المرتهن شريك الراهن في القلب. والله أعلم.

стр. 3327

بَاب الرجل يستعير ما يرهن قال أبو الحسن: وإذا استعار الرجل من الرجل شيئًا ليرهنه ثوبًا أو عبدًا أو غير ذلك من العروض، فأعاره، فله أن يرهنه بأي شيء من الدين، وبما شاء منه قليلًا كان ذلك أو كثيرًا إذا لم يسمّ له ما يرهنه به، فله أن يرهنه بأي صنف من الدين شاء، وإن سمّى له قدرًا من الدين (فليس له أن يرهنه بأقل من ذلك، ولا أكثر، وكذلك إن سمّى له صنفًا من الدين) (١)، فليس له أن يرهنه بصنف غيره. قال: والأصل في جواز الاستعارة للرهن أن المالك رضي بتعليق دين المستعير بماله، وهو يملك ذلك [كما يملك] أن يعلقه بذمته بالكفالة، وكما لو أمر عبده أن يتكفل عنه جاز، وفي ذلك تعليق الدين برقبة العبد الذي هو على ملكه؛ فلذلك إذا أذن له أن يرهنه فقد علق الدين برقبته، ولأن الرهن للاستيفاء، والمالك يملك أن يأذن للمستعير في إيفاء دينه من ماله. وإذا ثبت جواز الرهن قلنا: إن أطلق الإذن فللمستعير أن يرهنه بالقليل والكثير، وبأي جنس شاء؛ لأن إذنه في رهنه عام في كل قدر وفي كل جنس، ومن حكم اللفظ أن يحمل على العموم، إلا أن يمنع من ذلك مانع. فأما إذا سمّى له قدرًا لم يجز له أن يرهنه بأكثر منه؛ لأنه لم يرض أن يستوفي من ماله إلا ذلك القدر؛ ولأن [المعير] (٢) يتوصل إلى أخذ عاريته لقضاء دين

стр. 3328

المرتهن، فإذا أذن [له] في مقدار يتمكن من أدائه لم يجز أن يرهن بأكثر [من ذلك] (١)، فلا يتمكن منه. وكذلك لا يجوز أن يرهنه بأقلّ من القدر الذي سمّى؛ لأن [المعير] (٢) رضي بأن يجعله مضمونًا بذلك القدر حتى إذا هلك رجع به، فإذا جعل مضمونًا بأقل منه لم يحصل له الغرض من الضمان. وكذلك إذا سمّى جنسًا لم يجز [له] أن يرهنه بغيره؛ لأنه قد يسهل عليه أن يؤدي جنسًا دون جنس، فلم [يجز أن] يلزمه ما لم يرض به. قال: فإن رهنه بغير ما سمّى من القدر أو من صنف الدين فهو ضامن لقيمة الثوب إذا هلك في يد المرتهن؛ وذلك لأنه تصرف [في ملكِ غيره] (٣) على وجه لم يأذن له فيه، فصار غاصبًا. قال: وللمعير أن يأخذه من يد المرتهن ويفسخ الرهن فيه إذا كان معلومًا أنه إعارة من صاحبه؛ وذلك لأنه لما لم يأذن في هذا الرهن، صار كأنه [رهن] ملكه بغير أمره، فله أن يسترده (٤) من يد المرتهن. قال: وكذلك إن استعاره ليرهنه عند رجل بعينه فرهنه عند غيره؛ لأن المالك رضي بيد مخصوصة ولم يرض بغيرها، وكذلك لو قال: أرهنه بالكوفة فرهنه بالبصرة، كان ضامنًا لما بيّنا أنه أذن له في تصرف [مخصوص] بصفةٍ، فإذا

стр. 3329

تصرف على غير تلك الصفة فكأنه ابتدأ التصرف من غير إذن. قال: وإذا قبضه المستعير ليرهنه فهلك في يده قبل أن يرهنه فلا ضمان عليه، وكذلك إن رهنه ثم افتكه [قبل أن يرده] (١) فهلك في يده بعد قبضه لم يضمن شيئًا [للمعير] (٢)؛ لأن قبض المستعير ليس بمضمون، وإنما يتعلق الضمان باستيفاء الدين منه، ولم يستوف منه شيء؛ ولأن المعير أذن له أن يوفي دينه من ماله، وإذا لم يوف لم يضمن. قال: فإن هلك في يد المرتهن وقد رهنه على الوجه الذي استعاره غير مخالف في ذلك، ضمن الراهن للمعير قدر ما سقط عنه بهلاك الرهن من الدين؛ لأنه وفى دينه من مال غيره بأمره، فكان لصاحب المال الرجوع عليه. قال: وكذلك لو دخل العبد عيب في يد المرتهن فذهب من الدين بقدر حصة العيب (٣)، ثم افتك الراهن الرهن، رجع صاحب العبد على الراهن بقدر ما سقط من الدين بذلك العيب؛ لأنه وفّى ذلك القدر من ماله. قال أبو الحسن: والمعير في هذا بمنزلة رجل أذن لرجل أن يقضي دينه بوديعة له في يده، فما قضى من دينه بها أو ببعضها رجع به صاحب الوديعة على المودع، وقد بيّنا هذا. قال: فإن عجز الراهن عن فكاكه وافتكه رب العبد، رجع بما كان الرهن يملك به، ولا يرجع بأكثر من ذلك، وهو متطوع فيما زاد على ذلك، وإنما كان

стр. 3330

للمعير (١) أن يفتك العبد؛ لأنه لا يتوصل إلى ماله إلا بالفكاك، فكان مأذونًا [له] فيه، ولا يكون متطوعًا (٢)؛ لأنه يتوصل بقضاء دين غيره إلى سلامة ملكه، فصار كالوارث إذا قضى دين الميت [أنه] يرجع به في التركة، وكصاحب العلو إذا بنى السفل، إلا أنه جعل له الرجوع بمقدار المضمون الذي كان يصير المرتهن مستوفيًا [له] بهلاك الرهن. وبيان ذلك: أنه إذا أعاره عبدًا قيمته مائة، وأذن له أن يرهنه بمائتين، فافتكه المعير بمائتين، رجع بمائة؛ لأن العبد لو هلك في يد المرتهن صار مستوفيًا لهذا القدر، ولم يكن للراهن أن يرجع بأكثر [منه]، وكذلك إذا قضى بنفسه لم يرجع بأكثر منه، ويكون متطوعًا في الزيادة التي قضاها. ولا يقال: فهو لا يتوصل إلى خلاص عبده إلا بقضاء الجميع؛ وذلك لأن استيفاء المرتهن بالهلاك كاستيفائه بالمباشرة، فلا يرجع المعير إذا وفّى بالمباشرة إلّا بما يرجع به إذا وفّى من طريق الحكم. قال: فإن أبى المرتهن أن يقبل الفكاك من رب العبد لم يكن له ذلك؛ وأجبره على أن يقبض منه دينه ويسلم الرهن؛ وذلك لأن [المعِير له] حق [القضاء] لتخليص ماله، فلم يكن للمرتهن أن يمتنع منه، كما ليس له أن يمتنع إذا قضاه الراهن، وليس هذا كما لو تبرع رجل بقضاء الدين عن الراهن، أن للمرتهن أن يمتنع من القبض؛ لأنه لا حق للمتبرع في القضاء. قال: فإن اختلف الراهن والمعير وقد هلك الرهن، فقال صاحب العبد:
следующие страницы →