← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

حنيفة، وعلى قولهما: يحتمل أن يقال: يضمن خمسة أسداسه أيضًا؛ لأن محمدًا يجعل فضل القيمة إذا لم تدع الضرورة إليها أمانة، [وقد قيل: إن على قول أبي يوسف] (١) يعتبر الوزن، والجودة تبع، وقد قيل: إنه يضمن مقدار الدين من القيمة، و [يجيء] على قول محمد: أن يملكه إن اختار؛ لأنه أجود من حقه. وإن انكسر ضمن عند أبي حنيفة خمسة أسداسه، وعند أبي يوسف: يضمن ثلثه؛ لأنه يجعل الجودة كالوزن، وعلى الرواية الأخرى يضمن خمسة أسداسه، وعند محمد: إن نقص مقدار الجودة لم يعتد به، وإن نقص من الوزن: فإن شاء ملكه خمسة أسداسه بالدين، وإن شاء افتكه بجميع الدين، وإن شاء غرمه قيمة خمسة أسداسه، حتى لا يسقط حقه في الجودة. وقد أتت هذه (٢) الأحوال على ما ذكره أبو الحسن في الباب، وبقي الكلام في فصل واحد: وهو أن كل موضع ضمن المرتهن بعض القلب بالانكسار ملك ما ضمن [منه] بالضمان، وصار شريكًا في بقية الرهن. فعلى الرواية التي قال: إن الإشاعة في حال البقاء تبطل الرهن، يقطع القلب فيعود منه ما ملكه المرتهن ويكون باقيه مع القيمة التي غرمها المرتهن حتى لا يؤدي إلى الإشاعة. وعلى الرواية التي قال: إن الإشاعة في حال البقاء لا تؤثر، لا يحتاج إلى القطع، ويكون المرتهن شريك الراهن في القلب. والله أعلم.

стр. 3327

بَاب الرجل يستعير ما يرهن قال أبو الحسن: وإذا استعار الرجل من الرجل شيئًا ليرهنه ثوبًا أو عبدًا أو غير ذلك من العروض، فأعاره، فله أن يرهنه بأي شيء من الدين، وبما شاء منه قليلًا كان ذلك أو كثيرًا إذا لم يسمّ له ما يرهنه به، فله أن يرهنه بأي صنف من الدين شاء، وإن سمّى له قدرًا من الدين (فليس له أن يرهنه بأقل من ذلك، ولا أكثر، وكذلك إن سمّى له صنفًا من الدين) (١)، فليس له أن يرهنه بصنف غيره. قال: والأصل في جواز الاستعارة للرهن أن المالك رضي بتعليق دين المستعير بماله، وهو يملك ذلك [كما يملك] أن يعلقه بذمته بالكفالة، وكما لو أمر عبده أن يتكفل عنه جاز، وفي ذلك تعليق الدين برقبة العبد الذي هو على ملكه؛ فلذلك إذا أذن له أن يرهنه فقد علق الدين برقبته، ولأن الرهن للاستيفاء، والمالك يملك أن يأذن للمستعير في إيفاء دينه من ماله. وإذا ثبت جواز الرهن قلنا: إن أطلق الإذن فللمستعير أن يرهنه بالقليل والكثير، وبأي جنس شاء؛ لأن إذنه في رهنه عام في كل قدر وفي كل جنس، ومن حكم اللفظ أن يحمل على العموم، إلا أن يمنع من ذلك مانع. فأما إذا سمّى له قدرًا لم يجز له أن يرهنه بأكثر منه؛ لأنه لم يرض أن يستوفي من ماله إلا ذلك القدر؛ ولأن [المعير] (٢) يتوصل إلى أخذ عاريته لقضاء دين

стр. 3328

المرتهن، فإذا أذن [له] في مقدار يتمكن من أدائه لم يجز أن يرهن بأكثر [من ذلك] (١)، فلا يتمكن منه. وكذلك لا يجوز أن يرهنه بأقلّ من القدر الذي سمّى؛ لأن [المعير] (٢) رضي بأن يجعله مضمونًا بذلك القدر حتى إذا هلك رجع به، فإذا جعل مضمونًا بأقل منه لم يحصل له الغرض من الضمان. وكذلك إذا سمّى جنسًا لم يجز [له] أن يرهنه بغيره؛ لأنه قد يسهل عليه أن يؤدي جنسًا دون جنس، فلم [يجز أن] يلزمه ما لم يرض به. قال: فإن رهنه بغير ما سمّى من القدر أو من صنف الدين فهو ضامن لقيمة الثوب إذا هلك في يد المرتهن؛ وذلك لأنه تصرف [في ملكِ غيره] (٣) على وجه لم يأذن له فيه، فصار غاصبًا. قال: وللمعير أن يأخذه من يد المرتهن ويفسخ الرهن فيه إذا كان معلومًا أنه إعارة من صاحبه؛ وذلك لأنه لما لم يأذن في هذا الرهن، صار كأنه [رهن] ملكه بغير أمره، فله أن يسترده (٤) من يد المرتهن. قال: وكذلك إن استعاره ليرهنه عند رجل بعينه فرهنه عند غيره؛ لأن المالك رضي بيد مخصوصة ولم يرض بغيرها، وكذلك لو قال: أرهنه بالكوفة فرهنه بالبصرة، كان ضامنًا لما بيّنا أنه أذن له في تصرف [مخصوص] بصفةٍ، فإذا

стр. 3329

تصرف على غير تلك الصفة فكأنه ابتدأ التصرف من غير إذن. قال: وإذا قبضه المستعير ليرهنه فهلك في يده قبل أن يرهنه فلا ضمان عليه، وكذلك إن رهنه ثم افتكه [قبل أن يرده] (١) فهلك في يده بعد قبضه لم يضمن شيئًا [للمعير] (٢)؛ لأن قبض المستعير ليس بمضمون، وإنما يتعلق الضمان باستيفاء الدين منه، ولم يستوف منه شيء؛ ولأن المعير أذن له أن يوفي دينه من ماله، وإذا لم يوف لم يضمن. قال: فإن هلك في يد المرتهن وقد رهنه على الوجه الذي استعاره غير مخالف في ذلك، ضمن الراهن للمعير قدر ما سقط عنه بهلاك الرهن من الدين؛ لأنه وفى دينه من مال غيره بأمره، فكان لصاحب المال الرجوع عليه. قال: وكذلك لو دخل العبد عيب في يد المرتهن فذهب من الدين بقدر حصة العيب (٣)، ثم افتك الراهن الرهن، رجع صاحب العبد على الراهن بقدر ما سقط من الدين بذلك العيب؛ لأنه وفّى ذلك القدر من ماله. قال أبو الحسن: والمعير في هذا بمنزلة رجل أذن لرجل أن يقضي دينه بوديعة له في يده، فما قضى من دينه بها أو ببعضها رجع به صاحب الوديعة على المودع، وقد بيّنا هذا. قال: فإن عجز الراهن عن فكاكه وافتكه رب العبد، رجع بما كان الرهن يملك به، ولا يرجع بأكثر من ذلك، وهو متطوع فيما زاد على ذلك، وإنما كان

стр. 3330

للمعير (١) أن يفتك العبد؛ لأنه لا يتوصل إلى ماله إلا بالفكاك، فكان مأذونًا [له] فيه، ولا يكون متطوعًا (٢)؛ لأنه يتوصل بقضاء دين غيره إلى سلامة ملكه، فصار كالوارث إذا قضى دين الميت [أنه] يرجع به في التركة، وكصاحب العلو إذا بنى السفل، إلا أنه جعل له الرجوع بمقدار المضمون الذي كان يصير المرتهن مستوفيًا [له] بهلاك الرهن. وبيان ذلك: أنه إذا أعاره عبدًا قيمته مائة، وأذن له أن يرهنه بمائتين، فافتكه المعير بمائتين، رجع بمائة؛ لأن العبد لو هلك في يد المرتهن صار مستوفيًا لهذا القدر، ولم يكن للراهن أن يرجع بأكثر [منه]، وكذلك إذا قضى بنفسه لم يرجع بأكثر منه، ويكون متطوعًا في الزيادة التي قضاها. ولا يقال: فهو لا يتوصل إلى خلاص عبده إلا بقضاء الجميع؛ وذلك لأن استيفاء المرتهن بالهلاك كاستيفائه بالمباشرة، فلا يرجع المعير إذا وفّى بالمباشرة إلّا بما يرجع به إذا وفّى من طريق الحكم. قال: فإن أبى المرتهن أن يقبل الفكاك من رب العبد لم يكن له ذلك؛ وأجبره على أن يقبض منه دينه ويسلم الرهن؛ وذلك لأن [المعِير له] حق [القضاء] لتخليص ماله، فلم يكن للمرتهن أن يمتنع منه، كما ليس له أن يمتنع إذا قضاه الراهن، وليس هذا كما لو تبرع رجل بقضاء الدين عن الراهن، أن للمرتهن أن يمتنع من القبض؛ لأنه لا حق للمتبرع في القضاء. قال: فإن اختلف الراهن والمعير وقد هلك الرهن، فقال صاحب العبد:

стр. 3331

هلك في يد المرتهن، وقال: الراهن هلك قبل أن أراهنه، أو بعد ما فككته هلك في يدي، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ [وذلك] لأن المعير يدَّعي عليه إيفاء دينه من ماله [وهو ينكر]، فالقول قوله أنه لم يوف، كما لو قال [له]: اقضِ دينك من وديعتي، ثم قال المُودَع: قد هلكت قبل أن أوفي، فالقول قوله، فإن [قيل] هذا صحيح إذا زعم إذا زعم المستعير أنه هلك قبل أن يرهنه، فأما إذا اعترف بالرهن وادعى الفكاك فقد صار الرهن مضمونًا [عليه]، وهو يدعي البراءة من الضمان. قلنا: ليس بصحيح؛ لأن المستعير (١) لا يضمن بالرهن، إنما يضمن بالهلاك، وإنما المرتهن هو الذي يضمن بالرهن، فلم يعترف المستعير بضمان [ثم] ادعى البراءة منه، وإنما نفى الضمان من [أصله]. قال: وإذا وكَّلَ الراهن بقبض الرهن من المرتهن رجلًا، أو وكلَّه برده على المُعِير، فإن كان [ذلك] الرجل في عيال الراهن لم يضمن، وإن لم يكن في عياله ضمن إذا قبض إن هلك في يد القابض، وهو بمنزلة الوديعة في ذلك؛ لأن المالك رضي بيده ولم يرض بيد غيره، فإن كان الوكيل في عياله فيده كيده؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا به، وإن لم يكن في عياله فالمالك لم يرض بيده، فيضمن (٢). قال: وليس للمستعير أن يستخدم الرهن ولا يركبه إن كان دابة، ولا يلبسه إن كان ثوبًا، ولا يستعمل الرهن في شيء غير أن يرهنه وحسب، ولا يفعل ذلك قبل الرهن، ولا بعد فكاكه، فإن فعل ضمن؛ وذلك لأن المعير أذن له في الرهن،

стр. 3332

ولم يأذن في غيره من التصرف، فإذا فعله صار متصرفًا في ملك غيره بغير إذنه. قال: فإن فعل قبل أن يرهنه [ثم رهنه] بمثل قيمته من الدين ثم قضى المال وقبضه برئ من الضمان. وقال في الأصل: [يبرأ من الضمان حين رهنه (١)، وإنما قلنا: إنه] برئ من الضمان إذا أزال التعدي؛ لأنه في حكم المودَع، ألا ترى أنه لم يقبض العين لينتفع بها، وإنما قبضها ليوفي دينه منها، فصار كمن دفع إلى رجل دراهم وقال: اقض بها دينك، وإذا كان في حكم المودع زال ضمانه بزوال التعدي، وليس كذلك إذا استعار العين لينتفع بها؛ لأن يده ليست بقائمة مقام [يد] المالك، وإنما هي لنفسه، فلا يبرأ بزوال التعدي. وأما اختلاف الرواية التي ذكرها [فيجوز] (٢) أن يكون الاختلاف في وضع المسألة، فإذا تعدى بالركوب فأقام على التعدي حتى رهن وسلم زال الضمان؛ لأنه أزال التعدي وتصرف على الوجه المأذون فيه، والمسألة الأخرى محمولة على أنه رهن على وجه لم يأذن فيه المالك، فيكون متعديًا بالرهن أيضًا، فلا يبرأ [به] من الضمان، فإذا فكّه وردَّه إلى يده فقد أزال التعدي، فبرئ من الضمان (٣). وما ذكره بعد هذا في الباب فقد دخل فيما ذكرنا. والله أعلم.

стр. 3333

بَاب اختلاف الراهن والمرتهن قال أبو الحسن: وإذا رهن الرجل (١) جارية ثم اختلفا في الرهن، فقال الراهن: رهنتها عندك بخمسمائة، وقال المرتهن: بألف، كان القول [قول] الراهن مع يمينه، ولم يكن رهنًا إلا بخمسمائة، وكذلك إن كان الألف على الراهن فاختلفا على ما وصفت لك؛ [وذلك] لأن الراهن لم يعترف أنه علق بعين الرهن إلا خمسمائة، وادعى المرتهن أنه تعلق بالعين أكثر من ذلك، فالقول قول الأول (٢) في قدر ما تعلق بملكه؛ لأنه لو قال: لم أرهنها، كان القول قوله، فكذلك إذا قال: رهنتها بقدر دون قدر، كان القول قوله. فإن قال الراهن: رهنتها منك بجميع الدين الذي لك وهو ألف، وقال المرتهن: ارتهنتها بخمسمائة، والجارية تساوي ألفًا، فإن الحسن روى عن أبي حنيفة: أن القول قول الراهن، ويتحالفان، ويترادان؛ وذلك لأنهما اختلفا فيما وقع عليه العقد، وهو مما يلحقه الفسخ ولا يقصد به التبرع، فصار كالبيع؛ ولأن الراهن لم يرض أن يهلك رهنه إلا بجميع دينه، فله في ذلك غرض صحيح، فلم أن يلزمه العقد على وجه لم يرض به. قال: فإن هلك الرهن قبل أن يتحالفا كان على ما قال المرتهن؛ لأنه لم يعترف إلا بمقدار من الضمان، فلم يجز أن يلزمه أكثر منه.

стр. 3334

قال أبو الحسن: ولو اتفقا على أن الجارية رهن بألف، واختلفا في قيمة الجارية وقد هلكت في يد المرتهن، فقال المرتهن: قيمتها خمسمائة، وقال الراهن: قيمتها ألف، فالقول قول المرتهن مع يمينه. وكذلك لو كانا ثوبين فهلك أحدهما، كان القول قول المرتهن في قيمة الهالك؛ لأن الضمان يجب عليه بالهلاك، فالقول قوله في قدره كالغاصب. فإن أقام الراهن بَيِّنَةً على أكثر من ذلك، فالبينة بينته؛ لأنه ادعى زيادة الضمان وأقام عليها البينة، قال: وكذلك إن ادعى المرتهن أنه رهنه هذين الثوبين بألف، وقال الراهن رهنتك هذا لأحدهما بألف، لم تقبل دعوى واحد منهما على صاحبه، ويحلف كل واحد منهما على دعوى الآخر؛ لأنهما اختلفا في المعقود عليه، فصار كالاختلاف في البيع. وقال في الأصل: إذا اختلف الراهن والمرتهن، فقال الراهن: رهنتك هذا الثوب وقبضته مني وأعطيتني [غيره] (١)، وأقام البينة على ذلك، وقال المرتهن: بل رهنتهما جميعًا وأقام البينة، فالبينة بينة المرتهن، وهما جميعًا رهن بما ادعى؛ لأنه لا تنافي بين البينتين، ألا ترى أنه قد يرهنه أحدهما ويزيده الآخر (٢). وكذلك لو قال الراهن: رهنتك هذا الثوب، وقال المرتهن: رهنتني هذا الآخر، وأقاما على ذلك البينة بالقبض، فإني آخذ ببيّنة المرتهن؛ لأن الرهن حق للمرتهن، وقد ادّعاه مع جحود الراهن، وأقام البينة، وأثبت له الراهن حقًّا آخر ردّ إقراره فيه، فيبطل، وهذا كمن ادّعى على غيره عشرة دراهم وأقام [عليه]

стр. 3335

البينة، واعترف الآخر بدينار فرد [عليه] اعترافه. قال: وإن اختلف الراهن والمرتهن، فقال الراهن قبضتَ مني الرهنَ فهلك في يدك، وقال المرتهن قبضته مني بعد الرهن فهلك في يدك، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على دخوله في ضمان المرتهن، وادّعى المرتهن زوال الضمان، فلا يقبل قوله. وإذا أقاما جميعًا البينة على ما قالا أخذت ببيّنة الراهن؛ [وذلك] لأن بيّنة الراهن تثبت قضاء الدين (١)، وبينة المرتهن تنفي ذلك، فإن قال المرتهن: هلك في يد الراهن قبل أن أقبضه وقال الراهن: هلك في يد المرتهن، فالقول قول (المرتهن؛ لأنه لم يعترف بدخول الرهن في ضمانه، فلم يقبل قول) (٢) الراهن في إيجاب الضمان، فإن أقاما البينة أخذت بينة الراهن؛ لأنها تثبت الضمان، وبينة المرتهن تنفيه. وإن قال المرتهن: رهنتني هذين الثوبين، وقبضتهما، وقال الراهن: رهنتك أحدهما بعينه، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنه لو جحد الرهن أصلًا كان القول قوله، [كذلك إذا] اعترف بشيء دون شيء كان القول قوله، فإن أقاما جميعًا البينة أخذت ببيّنة المرتهن؛ لأنها تثبت الزيادة في الاستحقاق. قال: وإن كان العبد رهنًا والدين ألف والعبد يساوي ألفًا فاعور، فقال الراهن: كانت هذه قيمته يوم رهنتك، وقد ذهب نصف دينك، وقال المرتهن: بل كانت قيمته خمسمائة يوم رهنتني، وإنما زاد بعد ذلك، وإنما ذهب ربع

стр. 3336

حقي، كان القول قول الراهن مع يمينه؛ لأن الحال تشهد لدعواه، ومن صدق قوله الظاهر فالقول قوله، فإن أقاما جميعًا البينة على ما ادعياه أخذت ببينة الراهن؛ لأنها تثبت زيادة من الضمان تنفيها بينة المرتهن، فهي أولى. والله أعلم (١).

стр. 3337

بَاب الرهن يجعل مكانه رهنًا آخر قال أبو الحسن: إذا ارتهن الرجل عبدًا بألف يساوي ألفًا وقبضه المرتهن، ثم جاء الراهن بجارية تساوي ألفًا فقال: خذ هذه الجارية رهنًا مكان العبد، ورد إلي العبد، فقبل ذلك المرتهن، فذلك جائز، والرهن هو الأول ما كانت يد المرتهن قائمة عليه، والثاني أمانة، فإذا قبض الراهن العبد الأول صار الثاني في يد المرتهن، فقد خرج الأول من الرهن، والثاني هو الرهن. قال: والأصل في جواز نقل الرهن إلى غيره: أن الحق لهما، فإذا تراضيا على إسقاط الحق عن الأول وإثباته في الثاني جاز، ألا ترى أنهما يملكان فسخ الرهن الأول، ويملكان استئناف الرهن الثاني، فكذلك يملكان الجمع بين الأمرين. وإنما لم يسقط ضمان الأول بالعقد على الثاني؛ لأن البراءة لأن البراءة من ضمان الرهن مع بقاء اليد لا تصح، وإذا لم يصح سقوط الضمان بصريح البراءة فبيّنا العقد على غيره أولى، وإنما كان الأول مضمونًا وإن (١) قبض الثاني؛ لأن ضمانه تعلق بذلك القبض، فيبقى ببقاء القبض، وإنما كان الثاني أمانة؛ لأن الراهن لم يرض بجعلهما رهنًا، وإنما رضي بأحدهما، فإذا لم يخرج الأول من ضمان الراهن لم يتعلق الضمان بالثاني، وإذا أخذ الراهن العبد الأول صار الثاني هو المضمون؛ لأنهما أقاماه مقام الأول، ونقلا إليه ما كان فيه، فإذا أزال ضمان

стр. 3338

الأول تعلق الضمان بالثاني. قال: ولو [هلكا] (١) بعد قبض المرتهن الأمة والأول في يده، كان الأول [هالكًا] (٢) بالدين، والثاني هلك بغير شيء، ولو ماتت الأمة وحدها ذهبت بغير شيء، وإن مات العبد ذهب بالدين، وهذا على ما قدمنا. قال: فإن قبض الراهن العبدَ وسَلَّم الجارية، فماتت في يد المرتهن، ذهبت بالدين؛ لأن الضمان انتقل إليها وسقط عن العبد، فصار هلاكها كهلاك العبد قبل تسلمه (٣). قال: فإن كانت قيمة العبد - وهو الرهن - الأول خمسمائة، وهو رهن بألف، وكانت قيمة الجارية ألفًا، فماتت في يد المرتهن بعدما سلّم المرتهن العبد إلى الراهن، فإنها تموت بالألف. وروى هذا الحسن في نسق روايته عن أبي حنيفة، ثم قال: وهذا كله على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر؛ لأن الرهن الثاني رهن مستقل، وليس ببدل عن الرهن الأول، وإنما لم يصح اجتماعهما في الضمان؛ لأن الراهن لم يرض بذلك، فاعتبرت قيمة كل واحد منهما على حياله. وقد روى هشام، عن محمد مثل رواية الحسن. وقال في الجامع الصغير، عن أبي حنيفة: في رجل رهن [رجلًا] عبدًا يساوي

стр. 3339

ألفًا بألف، ثم أعطاه عبدًا آخر يساوي ألفًا، وقال: خذ هذا مكان ذلك، فأخذه، قال: الأول رهن على حاله حتى يدفعه إلى الراهن، وهو في الآخر أمين حتى يجعله مكان الأول (١)، وهذا على ما بينا. قال أبو الحسن: فإن كانت قيمة الأول ألفًا، وهو رهن بألف، فأعطاه عبدًا [آخر] يساوي خمسمائة مكان الأول، فقبض الراهن الأول وقبض المرتهن الثاني، فالثاني هو الرهن، وللمرتهن أن يحبسه حتى يستوفي ألفًا، فإن هلك في يده هلك بخمسمائة؛ لما بيّنا أن الرهن الثاني ليس ببدل عن الأول، وإنما هو رهن مستقل (٢)، فيضمن [بحسب] (٣) قيمته. والله أعلم.

стр. 3340

بَاب العبد يعتقه الراهن قال أبو الحسن: وإذا رهن الرجل [عند الرجل] عبدًا يساوي ألفًا بألف إلى أجل، أو [يساوي] خمسمائة، ثم إن المولى أعتق العبد، فالعبد حر، وقد خرج من الرهن، فإن كان المعتق موسرًا فلا شيء على العبد، وإن أعسر الراهن بعد ذلك قبل أن يؤدي المال فلا شيء على العبد، من سعاية ولا غيرها. وإنما جاز عتق الراهن خلاف ما قاله الشافعي؛ لأن الراهن قبل الرهن مالك لعتق العبد، ومن ملك عتق عبد لم يزل ملكه عن عتقه إلا بزوال ملكه عن رقبته، أو بحدوث معنى في المالك يؤثر في صحة قوله؛ ولأنه محبوس للاستيفاء، كالمبيع في يد البائع. فإذا أثبت جواز العتق، فإن كان المعتق موسرًا والدين حالًا طولب بالدين؛ لأنه لا معنى لإلزام قيمة العبد مع حلول الدين، فيطالب بالدين، وإن كان مؤجلًا غرم الراهن قيمة العبد، فكانت رهنًا مكانه؛ لأنّ تعلق حق الغير بملك [الإنسان] يجعل المالك كالأجنبي، بدلالة العبد الموصى بخدمته إذا أتلفه الوارث، والمأذون إذا لحقه ديون فأعتقه المولى؛ ولأنه بعتقه أبطل حق المرتهن من الوثيقة، ولا يمكن استدراك حقه إلا بالتضمين. وكذلك إن أعسر المعتق بعد العتق، فلا ضمان على العبد؛ لأنّ العتق وقع غير موجب للضمان عليه، فلا يجب ذلك في الثاني بتغير (١) حال الراهن.

стр. 3341

فأمّا إذا كان المعتق معسرًا، فللمرتهن أن يستسعي العبد في الأقل من قيمته ومن الدين؛ لأن الدين كان متعلقًا برقبته، وقد سلمت له رقبته بالعتق، فإذا تعذر استيفاء الضمان من الراهن، لزم العبد ما سلم له كغاصبَ الغاصب لما سلم له المغصوب لزمه ضمانه. وليس هذا كالمبيع في يد البائع إذا أعتقه المشتري وهو معسر أنه ليس للبائع أن يستسعيه؛ لأن الثمن لم يكن متعلقًا برقبة العبد وإن حبس به. وإنما سقط الثمن بهلاكه؛ لأنّ البيع انفسخ، لا لتعلقه برقبته، فإذا سلمت الرقبة للعبد وليس هناك دين متعلق بها لم يضمن. وقد ذكر الحاكم في المنتقى عن أبي يوسف أن قوله الآخر: إن العبد المبيع يسعى إذا كان المشتري معسرًا كعبد الرهن، وإنما ضمن الأقل؛ لأن الدين إذا كان أقل من قيمته فلا حق للمرتهن إلا فيه، وإن كانت القيمة أقل فلم يسلم للعبد أكثر من ذلك، فلم يضمن ما لم يسلمه له. وأما قوله: إن العبد قد خرج من الرهن [بالعتق]؛ فلأنه صار حرًّا، والحر لا يصح فيه الرهن ابتداءً، فكذلك لا يصح بقاؤه. والله أعلم. ٢٣٧٩ - فَصْل: [السعاية في الرهن] قال: وهذا الذي ذكروه من السعاية لا خلاف فيه إذا كان الرهن معلومًا، فأما إذا قال المولى لعبده: قد رهنتك عند فلان وكذبه العبد، ثم أعتقه المولى وهو معسر، لزم العبد السعاية عندنا. وقال: زفر لا سعاية عليه.

стр. 3342

لنا: أن المولى أقر بتعلق الدين برقبة العبد في حال تملك الرقبة، ويملك تعليق الدين بها بالإقرار فلا يلتفت إلى تكذيب العبد، وصار هذا كالدين المعلوم، وليس هذا كما لو أعتقه ثم أقرّ أنه كان رهنه؛ لأنه أقر عليه في حال لا يملك رقبته، فلا يملك تعليق الدين [بها]، فلم ينفذ إقراره. وجه قول زفر أن المولى لا يملك إيجاب الضمان على العبد بقوله بعد الحرية، كما لو أقرّ بالرهن بعد العتق. قال: وكل شيء [يسعى] (١) العبد فيه من ذلك رجع به على المولى؛ لأنه لزمه قضاء دين غيره من طريق الحكم، وهو حر، فيرجع به كما لو لزمه القضاء بالعقد، وليس كذلك إذا تكفل العبد عن مولاه ثم أعتقه، فأدى الكفالة؛ [فإنه] (٢) لا يرجع عليه؛ لأن عقد الكفالة وقع غير موجب للرجوع، فلم يجب بالأداء، كمن تكفل عن رجل بغير أمره. قال: ولو لم يكن الراهن أعتق العبد ولكن دبّره، فقد خرج العبد من الرهن، وصار مدبرًا، وللمرتهن أن يأخذ بدينه كله [أيهما] (٣) شاء: إن شاء العبد، وإن شاء الراهن، موسرًا كان الراهن أو معسرًا، وله أن يأخذ العبد بدينه بالغًا ما بلغ. وإنما جاز تدبيره؛ لأنه لا يلحقه الفسخ كالعتق، وإنما بطل الرهن؛ لأن المدَبَّر لا يجوز رهنه ابتداءً، فلم يجز بقاء الرهن فيه، فأما الضمان، فلما بيّنا أنه أبطل بتدبيره حق الوثيقة.

стр. 3343

وأما السعاية في المدبر فهي مخالفة للسعاية في [المعتق] (١) من ثلاثة أوجه: أحدها: أن المدبر يسعى مع يسار المولى؛ لأن أكسابه على ملكه، فجاز لصاحب الدين أن يستوفي منها، كما جاز أن يستوفي من سائر أموال الراهن. والثاني: أنه يسعى في الدين بالغًا ما بلغ؛ لأن أكسابه ملك [لمولاه] (٢)، ودين الإنسان إذا قضي من ماله لم يقض بعضه دون بعض، وليس كذلك المعتق؛ لأن كسبه لنفسه، وإنما لزمه أن يسعى في قدر ما سلّم له. والوجه الثالث: أن المدبر لا يرجع على مولاه، والمعتق يرجع؛ لأن كسب المدبر للمولى، فقد قضى دينه في ماله، فلا يرجع به عليه، وكسب المعتق لنفسه، فلذلك يرجع بما يقضي من دينه. وقد قالوا: إن الرهن إذا دبّره الراهن، أو كانت أمة فاستولدها سعت في جميع الدين إن كان حالًا، وإن كان مؤجلًا لم تسع إلا في مقدار قيمتها؛ لأن [الدين] المؤجل لا يجب قضاؤه، وإنما يجب رد عوض الرهن ليكون وثيقة في يد المرتهن، وهذا المعنى موجود في قدر القيمة. وأمّا إذا كان حالًا فقضاؤه واجب، فلم يختص القضاء من مال الراهن (٣) ببعض الدين دون البعض. قال: وإذا دبره المولى فقضى القاضي بأن يسعى في الدين كاملًا، والدين

стр. 3344

أكثر من قيمة رقبته، أو لم يقض عليه حتى أعتق المولى بعد التدبير، فكأنّه أعتقه قبل أن يدبره، ولا يلزمه من الدين إلا مقدار قيمة رقبته، وما بقي من الدين فهو على مولاه؛ [وذلك] لأنه لما (١) أعتقه زال ملكه عن رقبته واكتسابه، فلم يجز أن يستوفي منه إلا مقدار ما سلّم له، فكأنّه أعتقه ابتداءً، إلا أنه يفارق العتق المبتدأ من وجه: وهو أن ما سعى فيه قبل العتق لا يرجع به على المولى؛ لأنه أدّاه من كسب على ملكه. قال: ولو كان الرهن أمة فحملت فأقرّ الراهن أنه منه وهي حامل، كان هذا والتدبير (٢) سواء في جميع ما وصفت لك؛ لأن الاستيلاد معنى لا يلحقه الفسخ، فنفذ في الرهن كالعتق، ويلزمها السعاية في حال اليسار والإعسار؛ لأن الكسب للمولى. قال: فإن ولدت بعد ذلك ولدًا والراهن موسرٌ أو معسرٌ لم يكن على الولد من السعاية قليل ولا كثير؛ [لأنه] لما ثبت نسبه قبل الوضع لم يدخل في الرهن، فلم يلزمه السعاية، وليس هذا كما لو ادعاه بعدما ولدته: أن الراهن إن كان موسرًا أخذ منه الدين، ولم يكن على الولد سعاية، وإن شاء استسعى الأم. وإن كان الراهن معسرًا قسم الدين على قيمة الأم والولد، فما أصاب الولد سعى في الأقل منه ومن قيمته، وسعت الأم فيما بقي بالغًا ما بلغ؛ وذلك لأن الولد دخل في الرهن بانفصاله، فلما (٣) ادعاه عتق بالدعوى، فصار

стр. 3345

كأنه أوقع العتق عليه، فلا يلزمه سعاية مع يسار المعتق، وإن كان معسرًا لزمه أن يسعى في الأقل من قيمته ومن حصته من الدين؛ لأن ذلك القدر هو المتعلق برقبته. قال: فإن لم يسع الولد في شيء حتى مات، فكأنه لم يكن، وللمرتهن أن يستسعي الأم في جميع الدين؛ لأن الولد تبع في الرهن، فإذا هلك عاد ما فيه إلى الأم، فكأنه لم يكن. وقال في الجامع الكبير: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فرهنه بها عبدًا يساوي ألفًا، فنقص في السعر حتى صار يساوي خمسمائة، ثم إن الراهن أعتق العبد وهو معسر لا يقدر على أداء الدين، فإن العبد يسعى في قيمته يوم أعتقه، وهي خمسمائة، ويضمن المولى لصاحب الدين خمسمائة؛ وذلك لأن القدر الذي يسلم للعبد بالعتق هو قدر قيمة عند العتق، وذلك داخل في ضمان المرتهن، فلزمه أن يسعى فيه دون ما تعلق به الضمان في الأصل؛ لأن ذلك لم يسلم له. قال: ولو لم ينقص العبد في السعر، ولكنه قتله عبدٌ قيمته مائة، فأخذه مكانه، [فإن الثاني] (١) رهن مكان الأول بجميع الدين، فإن هلك هلك بجميع الدين، وإن أعتقه الراهن وهو معسر سعى الغلام في قيمته مائة، لا يسعى في غير ذلك؛ [وذلك] لأن العبد المدفوع قام مقام المقتول، فكأن الأول موجود وقد نقص في السعر، فإذا اعتقه الراهن لم يلزمه إلا مقدار ما سلم له. قال: وإن كانت أمة رهنًا تساوي ألفًا وهي رهن بألفين، فزادت في بدنها أو في سعرها حتى صارت تساوي ألفين، فإن المولى لا يفتكها إلا بجميع الدين،

стр. 3346

ولو هلكت هلكت بألف، فإذا أعتقها المولى وهو معسر سعت في الألف، ولا تسعى في غير ذلك؛ لأن العبد إنما يسعى في مقدار ما يسلم له بالعتق مما دخل في ضمان المرتهن، والزيادة على القيمة لم تدخل في ضمانه، ألا ترى أن الأمة لو هلكت زائدة لم تهلك إلا بألف، فلم يضمن العبد (١) أكثر من ذلك. قال: ولو لم تزد قيمتها ولكن ولدت ولدًا يساوي ألف (٢) درهم، فأعتقهما المولى وهو معسر، سعيا في الألف، ولم يسعيا في أكثر من ذلك، لما بيّنا أن ما زاد على الألف وإن سلم لهما فليس بمضمون على المرتهن، فلا يلزمهما ضمانه. قال: ولو أن الأمة لم تزد ولم تلد، ولكن قتلها عبد يساوي ألفين، فدفع بها فأعتقه المولى وهو معسر، سعى العبد في ألف درهم، ولا يسعى في أكثر من ذلك، ولا ينظر إلى قيمته، وإنما ينظر فيما لزمه، فيسعى في الأقل من ذلك ومن قيمته؛ وذلك لأن المدفوع قام مقام المقتول، فكأنه باقٍ وقد زادت قيمته. والله أعلم.

стр. 3347

بَابْ: الرهن يأذن للمرتهن الراهنُ في استعماله قال أبو الحسن: وإذا رهن الرجل ثوبًا يساوي عشرة دراهم بعشرة دراهم، ثم أذن الراهن للمرتهن في لبسه، فقد خرج الثوب من ضمان المرتهن، وللمرتهن أن يرده إلى يده، فإذا رده إلى يده عاد إلى ضمانه. أما جواز الاستعمال؛ فلأنه ممنوع منه لحق الراهن، فإذا أذن له فيه جاز، ولا يبطل الرهن لما قدمنا أن يد المستعير ليست بمستحقة، وللمرتهن أن يرده في الرهن (١)؛ لأن [العارية] (٢) لما لم يتعلق بها الاستحقاق جاز فسخها، فإذا ردها عاد إلى ضمان [المرتهن] (٣)؛ لأن المعنى المسقط للضمان استعماله على وجه العارية، وقد زال ذلك. قال: فإن جاء الراهن يفتك الثوب فوجد فيه خرقًا، فقال الراهن: كان هذا في يد المرتهن قبل أن يلبسه أو بعدما لبسه ورده إلى يده، وقال المرتهن: بل حدث هذا الخرق بالثوب في حال لبسي [له]، فالقول في ذلك قول المرتهن مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على خروج الثوب من الضمان بلبس المرتهن، ثم اختلفا فيما عاد إلى ضمانه، فكان القول قول المرتهن في مقدار ما [عاد] (٤).

стр. 3348

ولو قال الراهن: لم يلبسه ولكنه تخرق، وقال المرتهن: لبسته فتخرق، فالقول قول الراهن؛ لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان (صحيحًا، ولم يعترف الراهن بخروجه من الضمان) (١)، فلا يقبل قول المرتهن في ذلك. قال: وإن أذن الراهن للمرتهن فلم يلبسه حتى حدث به خرق، ذهب قدر الخرق بحصته من الدين؛ [وذلك] لأن ضمان الرهن إنما يزول باللبس الذي يرفع ضمان الرهن، و [ذلك] لم يوجد. قال: فإن أقام الراهن بينة أنه تخرق في ضمان المرتهن في شيء من هذه الوجوه، وأقام المرتهن بينة أنه تخرق بعد خروجه من الضمان، فالبينة بينة الراهن؛ و [ذلك] لأن بينة الراهن تثبت الاستيفاء، وبينة المرتهن تنفي ذلك. قال: وإذا كان الرهن شاة رهنت بعشرة دراهم، وهي تساوي عشرة، فقال الراهن للمرتهن: احلب الشاة، فما حلبت من شيء فكله فهو لك حلال، فجعل المرتهن يحلبها ويأكل لبنها (٢)، فلا ضمان عليه في شيء من ذلك، ويفتكها الراهن بعشرة دراهم، لا يُحط من ذلك شيء عنه؛ لأن اللبن على ملك الراهن، وقد أباح للمرتهن تناوله، والإباحة تجوز أن تتعلق بالشرط كمن قال لغيره: إذا جاء غد فكل طعامي. وإنما لم يسقط شيء من الدين؛ لأن اللبن تبع، والأتباع إذا تلفت في يد المرتهن من غير تعدٍ لم يسقط بتلفها شيء من الدين. قال: فإن لم يفتك الراهن الشاة حتى نفقت في يد المرتهن، فإنها تنفق

стр. 3349

بحصتها من الدين، ويرجع المرتهن على الراهن بحصة اللبن الذي أكله المرتهن من الدين، يقسم العشرة الدين على قيمة اللبن [الذي أكله المرتهن]، وعلى قيمة الشاة، فما أصاب الشاة من الدين بطل من الرهن (١)، وما أصاب اللبن أخذه المرتهن من الراهن؛ لأن الشاة إذا ماتت صار للبن حصة من الدين، فإذا أكله المرتهن بإذن الراهن فكأن الراهن أخذه، فيجب عليه من الدين بقدر حصته. قال: وكذلك ولد الشاة إذا أذن الراهن للمرتهن في أكله، وكذلك جميع النماء الذي يحدث على هذا القياس (٢). وكذا روى هذه المسائل الحسنُ عن أبي حنيفة، كما حكيت عن محمد. والله أعلم.

стр. 3350

بَابْ: تصرف المرتهن وما يكون به ضامنًا وما لا يكون به ضامنًا قال أبو عمر حفص بن صالح، عن محمد: في رجل ارتهن من رجل خاتمًا فجعله في خنصره، قال: هو ضامن؛ لأن هذا لبس، واليمنى واليسرى في ذلك سواء، ولو جعله في بقية الأصابع كان رهنًا بما فيه، وكذلك الطيلسان. قال: والأصل في هذا: أن المرتهن مأذون في الحفظ غير مأذون في الاستعمال، ولبس الخاتم في الخنصر استعمال له، وذلك موجب للضمان، ولبسه في غير الخنصر ليس بلبس، ألا ترى أنه لا يقصد به في العادة، فهو حفظ، فلم يضمن به. وكذلك الطيلسان إذا لبسه كما يلبسه الطيالسة، ضمن؛ لأن هذا استعمال وليس بحفظ، وإن وضعه على غير الوجه الذي يفعله الناس فليس بلبس، وإنما هو حفظ. وقال هشام عن محمد: في رجل رهن عند رجلٍ سيفين أو ثلاثة، فتقلدها، قال: لا يضمن في الثلاثة، ويضمن في السيفين. قال: أنظر في السيفين وشكّ؛ وذلك لأن تقلد السيف الواحد استعمال وليس بحفظ، وكذلك السيفين؛ لأن الناس قد يتقلدون بالسيفين في الحرب، فأما الثلاثة فلم تجر العادة بتقلدها، فكان ذلك حفظًا. قال: وسمعت محمدًا قال في الخاتم: إذا تختم به في يمينه ضمن؛ لأن في

стр. 3351

الناس من يتجمل بذلك. وقال محمد: إن لبس في الخنصر اليسرى فوق خاتم عليه، قال: لا يضمن. قلت: ولم؟ وربما يتختم الإنسان، وذكرت له بعض السلاطين ولبسه الخاتم فوق الخاتم، قال: ذلك يلبسه للتختم. قال هشام في معنى قوله، كأنه لا يرى الضمان في ذلك إلّا على من كان له سلطان، والمرجع في هذا إلى العادة، فإن كان اللابس (١) ممن يتجمل بلبس الخاتمين ضمن، وإن كان ممن لا يتجمل بذلك، فهذا حفظ وليس بلبس، فلا يضمن. والله أعلم (٢). [تمّ كتاب الرهن ولله الحمد والمِنَّة، والصلاة على خير الأمّة] (٣).

стр. 3352

[٥٧] كتابُ الشفعةِ قال الشيخ ﵁: الشفعة مأخوذة من الضَّمِّ، ومنه الشَّفْع: الذي هو ضد الوتر؛ لأنه ضمُّ عددٍ إلى عدد، أو شيءٍ إلى شيء، والشفاعة سمّيت بذلك؛ لأنها ضم المشفوع له إلى أهل الثواب. فلما كان حق الشفعة يضم به الشفيع الملك المشفوع إلى ملكه، سمّي ذلك شفعة؛ (لانضمام ملك البائع والمشتري إلى ملكه، وكانت من أحكام الجاهلية، فأقرّت في الشرع) (١). قال: والأصل في وجوب الشفعة قوله ﷺ : "الشفعة في كل شيء رَبْع أو عَقَار"، وقال: "الشفعة للشريك الذي لم يقاسم" (٢)، وقال: "الجار أحق بشفعة الدار ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" (٣)، وقال: "الجار أحق بجواره"، ويروى: "بسقبه" (٤). ومن أصحابنا من قال: هذه الأخبار وردت بخلاف القياس؛ لأن ملك

стр. 3353

المُشتري لا يجوز أن يستحق عليه بغير رضاه؛ ولأنا لو أوجبناها لنفي الضرر عن الشفيع، أضررنا بالمشتري. وكان أبو بكر الرازي ﵁ يُنكر هذه الطريقة، ويقول: وجوب الشفعة أصل من الأصول مجمع عليه، فلا يقال: إنه استحسان، كسائر الأصول المقطوع بها. ٢٣٨٠ - [فَصْل: الشفعة في العقار وغيرها] (١) وأما الكلام فيما تثبت (٢) فيه الشفعة: فإنها تثبت عندنا في العقار خاصة (٣)، وقال مالك: تثبت في السفن أيضًا (٤). لنا قوله ﵇: "لا شفعة إلا في رَبْع أو حائط" (٥)؛ ولأن السفن تنتقل وتحول كالعروض؛ ولأنه لا يخشى فيها التأذي على وجه الدوام كالعروض. وقول مالك: إنها تسكن كالعقار، ليس بصحيح؛ لأن العقار يجب فيه الشفعة سُكن أو لم يسكن، لخوف التأذي على وجه الدوام. وقد قال مالك: إن الضَّيْعَة إذا بيعت ببقرها ومماليك فيها يعملون، استحقوا بالشفعة معها. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحيوان ليس بعقار ولا يتصل بعقار، فلا يجب فيه الشفعة، كما لو أفرد بالبيع (٦).

стр. 3354

٢٣٨١ - فَصْل: [السبب الذي يستحق به الشفعة] قال: وأما الكلام في السبب الذي يستحق به الشفعة، فإنما يستحق عندنا في الملك المنتقل بعقد البيع، وما في معنى البيع من الصلح والهبة على مال، ولا يجب في المملوك في مقابلة المنافع، مثل المهر والأجرة. وقال الشافعي: تجب الشفعة في ذلك (١). لنا: أنه مملوك بسبب لا يثبت فيه خيار الشرط، فلا تجب به الشفعة كالمملوك بالوصية والميراث؛ ولأنه سبب كالهبة لا يستحق [به الجار] (٢) الشفعة، فلم يستحق به الشريك كالهبة؛ ولأنه نقل ملك بالثمن الأول، فلم يصح في المهر كالمرابحة والتولية. ٢٣٨٢ - [فَصْل: الشفعة في جزء المهر] وقد قال أبو حنيفة: إنَّ من تزوَّج امرأة على دار على أن يرد عليه ألفًا، فلا شفعة في شيء من ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: تجب الشفعة في حصة الألف. لأبي حنيفة: أن إيجاب الشفعة لا يمكن إلا بتقويم البُضع، فينقسم الدار عليه وعلى الألف، وهذا المعنى مانع من الشفعة، كما لو كانت الدار كلها مهرًا؛ ولأنه لو استحقت الشفعة في حصة الألف لتبعض الملك تبعيضًا فيه ضرر، وهذا

стр. 3355

المعنى لا يملكه الشفيع، كما لا يملك أن يأخذ من المشتري نصيب أحد البائعين. وجه قولهما: أن حصّة الألف من الدار عقد بيع، بدلالة أنه يرد بالعيب اليسير، ويثبت فيه خيار الرؤية، فيجب فيه الشفعة كما لو أفرده بالعقد. وقد قال أصحابنا: إن الشفعة تجب في العقار الذي تجوز قسمته كالحمّام والرَّحى والبئر والنهر والدور الصغار. وقال الشافعي: لا يجب في ذلك شفعة (١). لنا: حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: "الشفعة في كل شيء ربع أو حائط"؛ ولأن كل عَرْصَة (٢) تجب فيها الشفعة إذا بيعت بعد هدم البناء يجبُ قبله، أصله الدور الكبار؛ ولأنه سبب تمليك ما يقسم، فجاز أن يملك به ما لا يقسم كالبيع. وهذه المسألة فرع على أن الشفعة عندنا تجب لخوف التأذي على وجه الدوام. والدليل على هذا الأصل: وجوبها في العَقَار لهذا المعنى، وانتفاؤها في العروض التي لا تبقى على وجه الدوام. وقال الشافعي: العلة للضرر الذي يلحق الشريك بأجر المقاسمة (٣). وهذا فاسد؛ لأن هذا المعنى موجود في الشركة في العروض، ولا شفعة فيها. قال أبو الحسن ﵀: الشفعة واجبة في جميع ما بيع من العقار دون غيره

стр. 3356

لسنّة رسول الله ﷺ ، الدور والمنازل، والحوانيت والخانات، والقناة والمزارع والبساتين، والأقرحة والحمامات، وسائر العقار إذا وقع البيع على عَرصةٍ إن كانت في مصر، أو قرية، أو سواد، أو غير ذلك من أراضي الإسلام، إذا كان ذلك مملوكًا يجوز بيع مالكه فيه، وكان البيع بيعًا قاطعًا ليس فيه خيار الشرط. قال: وهذه الجملة قد دخلت فيما ذكرناه. والدليل على وجوب الشفعة في جميعها: قوله ﷺ : "لا شفعة إلا في رَبع أو عقار"، وقوله: "الجار أحق بسقبه" (١) وهو عام. وإنما شرط أن يكون المبيع مملوكًا؛ لأن ما ليس بمملوك لا يصح بيعه، فلا تجب فيه الشفعة. وأما البيع المشروط فيه الخيار للبائع، فلا شفعة فيه؛ لأن خيار البائع يمنع من خروج الشيء من ملكه، والشفعة تجب بخروج الشيء من ملك البائع؛ ولأن البائع لم يزل ملكه عما باع، فصار كوجود الإيجاب منه بغير قبولٍ. فإن أسقط البائع خياره، وجبت الشفعة؛ لأن الملك وقع بالعقد، فوجبت الشفعة؛ ولأن المانع من وجوبها إنما كان لأن (٢) البائع لم يرغب عن ملكه، فإذا أسقط خياره، فقد رغب عن ملكه، فوجبت الشفعة. وأما الخيار المشروط [للمشتري]، فلا يمنع من ثبوت الشفعة؛ لأن المبيع خرج من ملك البائع بالاتفاق، وإنما اختلف أصحابنا، هل دخل في ملك المشتري

стр. 3357

أو لم يدخل، والشفعة إنما تجب برغبة البائع عن ملكه؛ بدلالة أنه لو ادعى أنه باع داره من زيد، فجحد زيد ذلك وجبت الشفعة؛ لاعترافه بخروجه (١) عن ملكه، وإن لم يحكم بدخوله في ملك المشتري. ٢٣٨٣ - [فَصْل: ما لا يمنع الشفعة] قال: وخيار الرؤية والعيب لا يمنع الشفعة؛ لأنه لا يمنع من خروج المبيع من ملك البائع، وهذا المعنى هو سبب الشفعة. ٢٣٨٤ - [فَصْل: الشفعة في البيع الفاسد] قال: ولا شفعة في [البيع] (٢) إذا كان فاسدًا إن كان مما يملك بالقبض، (قبض أو لم يقبض) (٣) ما دام حق البائع في النقض قائمًا فيما يملك منه؛ وذلك لأن البيع الفاسد إذا كان مما لا يملك بالقبض، فالملك لم ينتقل بالبيع، وهذا المعنى يمنع من وجوب الشفعة في البيع الصحيح، ففي الفاسد أولى. وأما إذا كان مما يملك بالقبض، فحق الفسخ فيه مستحق لحق الله سبحانه، وفي إيجاب الشفعة إسقاط الفسخ، وتقرير البيع الفاسد، وهذا لا يجوز. [قال]: فإن سقط حق البائع في التعرض (٤)، كان للشفيع أن يأخذ ما يملك منه بقيمته يوم قبض؛ وذلك لأن البيع الفاسد عندنا يملك المبيع فيه بالقبض، وإنما لم تجب الشفعة لثبوت حق الفسخ، فإذا سقط الفسخ إما لاتصال المبيع

стр. 3358

بزيادة، أو بزوال ملك المشتري، فقد زال المعنى المانع من وجوب الشفعة، فوجبت الشفعة، كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع إذا أسقط خياره. وإنما وجبت الشفعة بالقيمة؛ لأن البيع الفاسد لا يجب فيه المسمّى، وإنما يملك بالقيمة، والشفعة تجب بمثل العوض الذي لزم المشتري. قال: فإن باع المشتري لما اشتراه شراءً فاسدًا بيعًا صحيحًا، فلا سبيل للبائع على نقض البيع الثاني، والشفيع بالخيار: إن شاء أخذ بالشفعة بالبيع الثاني بالثمن الذي سمّى فيه، وإن شاء نقض البيع الثاني، ويأخذه بالبيع الأول بقيمته؛ وذلك لأن البيع يسقط حق الفسخ، وهذا المعنى يوجب تقرير الشفعة، إلا أنه اجتمع معنيان (١)، كل واحد منهما يوجب الشفعة، فكان الشفيع بالخيار في الأخذ بأيهما شاء، كما لو اشترى شراء صحيحًا ثم باع فله الخيار، فإن أخذه بالبيع الثاني، أخذه بالثمن؛ لأن المشتري ملك بالثمن، وإن أخذه بالبيع الأول، أخذه بالقيمة؛ لأن المشتري ملك المبيع بها. وينفسخ البيع الثاني؛ لأن الشفيع استحق المبيع بسببٍ سابق لحق المشتري الثاني. فإن قيل: إذا فسخ البيع الثاني، عاد المبيع الأول على ما كان عليه، فسقطت الشفعة. فالجواب: إن فسخ البيع الثاني إنما هو بمقتضى الشفعة، فلم يجز أن يسقط به؛ لأن في سقوطها عود البيع الثاني، وذلك يوجب عود الشفعة.

стр. 3359

[قال]: وكذلك إن بناه المشتري، فقد بطل حق البائع في النقض في قول أبي حنيفة، وللشفيع الشفعة. وقالا: حق البائع في النقض قائم، ولا شفعة للشفيع. وهذا فرع على أن المشتري إذا بنى سقط حق الفسخ في البيع الفاسد عند أبي حنيفة، وسقوط حق البائع يوجب الشفعة. وعلى قولهما: لا يسقط [حق الفسخ بالبناء] (١)، فلا تجب الشفعة؛ لبقاء حق المالك فيه (٢). ٢٣٨٥ - [فَصْل: الشفعة فيما يملك بغير بدل] قال: وكل ما ملك بغير بدل، أو ملك ببدل ليس بمال فلا شفعة فيه. أما المملوك بغير بدل كالهبة والصدقة، فلا شفعة فيهما، وقال ابن أبي ليلي: فيها الشفعة بقيمة الموهوب، يعني الشقص. لنا: أنه نقل ملك بغير عوض كالميراث؛ ولأنه نقل للملك بمثل البدل، فلا يثبت في الهبة كالمرابحة والتولية. وأما الميراث، فلا شفعة فيه؛ لأن الوارث تملك على حكم ملك الميت؛ ولهذا يرد على بائعه بالعيب، فكأن ملك الميت لم يزل. وأما المملوك بالوصية فلا شفعة فيه؛ لأنه تمليك يتعلق بالموت، فلا شفعة

стр. 3360

فيه كالميراث. وأما المملوك ببدل ليس بمال، كالمهر، وبدل الخلع، والإجارة، والصلح من دم العمد [فلا شفعة فيه]، وقد بينا ذلك في مسألة النكاح. وأما الهبة على عوض، فإن تقابضا وجبت الشفعة، وإن قبض أحدهما دون الآخر، فلا شفعة. وقال زفر: تجب الشفعة بالعقد. وهذا فرع على حكم هذا العقد، فعندنا: أن عقده عقد هبة، وجوازه جواز بيع، فلا يتعلق بعقده الشفعة كما لا يتعلق بالهبة بغير عوض، فإن تقابضا، صارت في حكم البيع، فوجبت الشفعة. وعلى قول زفر: عقده عقد بيع، وجوزاه جواز بيع، فيتعلق به الشفعة. والكلام في هذه المسألة في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى. وعلى هذا الأصل قال أصحابنا: إذا وهب نصف دار بعوض فلا شفعة فيه؛ لأن هبة (١) المشاع فيما ينقسم لا يجوز. وقال زفر: فيه الشفعة؛ لأن الهبة بعوض عقدها عقد بيع، فتجوز في المشاع، قال: وإذا وجبت الشفعة في البيع أو في الهبة بعد التقابض، فإن كان البدل مما له مثل وجبت الشفعة بمثله، وإن كان مما لا مثل له وجبت (الشفعة في البيع، أو في الهبة بعد التقابض بمثله، فإن كان مما لا مثل له وجبت الشفعة) (٢) بقيمته.

стр. 3361

وقال أهل المدينة: إذا لم يكن للبدل مثل أخذها بقيمة الدار؛ وذلك لأن الشفيع إنما يستحق المبيع على الوجه الذي استحقه المشتري، فإذا استحقه بمكيل أو موزون أو معدود غير متفاوت، استحق الشفيع بمثل ذلك؛ لأن المثل أعدل من القيمة (١). ولو كان البدل مما لا مثل له، فالقيمة فيه أعدل من المثل، فكان للشفيع الأخذ بالقيمة؛ ولأن الشفيع إن أخذها من ملك المشتري، فقد استحق عليه المبيع، وصار كأنّه أتلف عليه الثمن، فإن كان له مثل وجب مثله، وإلا وجبت قيمته، كما يجب في الإتلاف. وإن استحق من يد البائع، فقد أسقط حق البائع من الثمن الذي لزم [على] المشتري، فكأنَّه أتلفه عليه (٢). والذي قاله أهل المدينة فاسد. لأن من اشترى دارًا قيمتها ألف [درهم] بعوض قيمته ألفان، فلو أوجبنا الشفعة بقيمة الدار استحققناها على البائع ببدل لم يرض به، وهذا لا يصح. ولا يقال: فالبائع لم يرض إلا بالعوض، ولم يرض بالقيمة؛ لأن القيمة مثل فيما لا مثل له، وقد استحقت الشفعة بمثل البدل (٣). ٢٣٨٦ - [فَصْل: الشفعة في الهبة] قال: وإن وهب رجل لرجل عقارًا على غير شرط عوض، ثم عوضه بعد

стр. 3362

ذلك، فلا شفعة في الهبة ولا فيما عوض عنها؛ وذلك لأن العوض الملحق بالهبة ليس بعوض عن (١) الموهوب، وإنما هو لإسقاط الرجوع؛ بدلالة أنه لو وهب له عشرة فعوضه بهما خمسة، جاز، ولو كان عوضًا عن العشرة لم يجز، وإذا لم يكن هذا عوضًا عن الموهوب، لم تجب فيه الشفعة. ٢٣٨٧ - [فَصْل: الشفعة في العلو دون السفل] قال: وإذا بيع سفل [عَقَار] (٢) دون علوه، أو علوه دون سفله، أو هما جميعًا، وجبت فيه الشفعة جميعًا، أو كل واحد منهما على انفراده. وقال أبو يوسف: وجوب الشفعة في السفل والعلو استحسان، روى ذلك عنه ابن سماعة، وبشر بن الوليد، وعلي بن الجعد. أما إذا بيعا جميعًا؛ فلا شبهة فيه؛ لأنه باع العرصة بحقوقها، فتتعلق الشفعة بجميع ذلك. وأما إذا باع السفل دون العلو، لقوله ﵇: "لا شفعة إلا في رَبْعٍ"؛ ولأن التأذي يخاف فيها على وجه الدوام كالدُّوْر. وأما إذا باع العلو؛ فلأنه حق متعلق بالبقعة على التأبيد، فهو كنفس [البقعة] (٣). والذي قاله أبو يوسف في الاستحسان إنما هو في العلو؛ لأن القياس ألا

стр. 3363

يجب فيه الشفعة؛ لأنه لا يبقى على وجه الدوام، وإنما استحسنوا؛ لأن حق الوضع متأبد، فهو كالعَرَصَة. وقال محمد في الزيادات: إن العلو إذا انهدم، ثم بيع السفل، فالشفعة واجبة لصاحب العلو عند أبي يوسف، ولا شفعة فيه عند محمد؛ فأجرى أبو يوسف حق الوضع -وإن لم يكن هناك [بناء] (١) - مجرى الملك؛ لأنه حق ثابت على التأبيد كنفس الملك. وقال محمد: الشفعة إنما تجب بالمجاورة، فإذا لم يكن هناك بناء، لم توجد المجاورة، فلم تجب الشفعة. وذكر محمد بن الحسن في الزيادات: أن من باع عُلوًا فاحترق قبل التسليم بطل البيع، ولم يحك خلافًا، وقال ابن شاهويه: هذا ينبغي أن يكون قوله خاصة. فأما على قول أبي يوسف: فيجب أن لا يبطل البيع؛ لبقاء حق الوضع، ألا ترى أنه أجراه مجرى العَرْصَة في إيجاب الشفعة فيه. ٢٣٨٨ - [فَصْل: الشفعة فيما لا يجوز بيعه] قال: وما كان في العقار مما لا يجوز بيعه، ولا يملك بالبيع على حال، فلا شفعة فيه، مثل بيع الأوقاف والخانات المُسبلة، والسقايات، والآبار التي [للسبيل] (٢)، فلا شفعة في شيء من ذلك عند من يرى تسبيله جائزًا أو وقفه، ومن لم يَرَ ذلك جائزًا، فهو وسائر العَقَارات سواء، وفيه الشفعة؛ وذلك لأن من

стр. 3364

صحَّحَ الوقف منع من انتقال الملك بالبيع، فلم تجب فيه الشفعة، ومن لم يصحح الوقفَ جوّز البيع وأوجب فيه الشفعة. قال: وأجمع المسلمون على بُطلان بيع المساجد؛ وذلك لأنه إذا صُلِّي فيها فقد زال ملكه عنها بالإجماع، (فصار الملك لله تعالى) (١)، فلم يجز بيعها (٢). قال: وما بيع من العقار مشاعًا من سائر ما ذكرنا لك مما يجوز بيعه، ففيه الشفعة، [وكذلك إن بيع بعض منه معلوم، ففيه الشفعة]، ووجوب الشفعة في البعض وفي الكل واحد مشاعه ومتعينه، وما لا يجوز بيعه فأبعاضه كذلك؛ وذلك لأن وجوب الشفعة في الشقص المشاع مجمع عليه، ووجوبها في الجملة مختلف فيه. قال: من أجاز بيع دور مكة، ففيها الشفعة، ومن لم يجز البيع في الأرض وأجازه في البناء خاصة دون العَرْصَة، فلا شفعة في ذلك؛ وذلك لأن من أجاز البيع فقد نقل الملك في البقعة، فتعلق بها الشفعة، ومن لم يجز البيع في البقعة لم ينقل الملك فيها، فلم تجز (٣) الشفعة. وأما البناء إذا بيع دون الأرض، فلا شفعة فيه؛ لأنه مما ينقل ويحول كالعروض. وقال الحسن عن أبي حنيفة: شراء دور مكة جائز، وبيعها جائز (٤)، وفيها

стр. 3365

الشفعة، وكذلك بيع أراضي الخراج؛ وذلك لأنها مملوكة عندنا؛ لأن عمر ﵁ أقرّ أهل السواد عليها في أملاكهم، فصح بيعهم، فتجب فيها الشفعة. قال: وأرض (١) الخراج على قول من قال أن عمر وقف السواد، فينبغي أن لا يجوز بيعها، ولا تجب فيها الشفعة. قال: وأرض القطيعة، والإكارات، والإخاذات، والإجارات، إذا باعها صاحب الأرض، فالبيع جائز، وفيها الشفعة، فإن باع الذي له إجارتها أو إكارتها [أو إخاذتها]، فالبيع باطل، ولا تتعلق به شفعة. أما القطائع: فهي المواضع التي أقطعها الإمام من الموات، فملكت بالإقطاع، فبيعها جائز. وأما الإِجَارات: فهي الأرض المملوكة إذا أجرها أربابها لمن يبني فيها أو يغرس. [والإكَارات] (٢): هي الأرض المملوكة يدفعها أربابها إلى الأَكرَةِ فيزرعونها ويعمرونها. والإخاذات: قيل: إنها الأرض يدفعها رجل وهي [خراب] (٣) إلى من يعمرها ويستخرجها. فإذا باع مالك الأرض في هذه الوجوه فبيعه جائز، والشفعة واجبة، وإذا
следующие страницы →