وقال أهل المدينة: إذا لم يكن للبدل مثل أخذها بقيمة الدار؛ وذلك لأن الشفيع إنما يستحق المبيع على الوجه الذي استحقه المشتري، فإذا استحقه بمكيل أو موزون أو معدود غير متفاوت، استحق الشفيع بمثل ذلك؛ لأن المثل أعدل من القيمة (١).
ولو كان البدل مما لا مثل له، فالقيمة فيه أعدل من المثل، فكان للشفيع الأخذ بالقيمة؛ ولأن الشفيع إن أخذها من ملك المشتري، فقد استحق عليه المبيع، وصار كأنّه أتلف عليه الثمن، فإن كان له مثل وجب مثله، وإلا وجبت قيمته، كما يجب في الإتلاف.
وإن استحق من يد البائع، فقد أسقط حق البائع من الثمن الذي لزم [على] المشتري، فكأنَّه أتلفه عليه (٢).
والذي قاله أهل المدينة فاسد. لأن من اشترى دارًا قيمتها ألف [درهم] بعوض قيمته ألفان، فلو أوجبنا الشفعة بقيمة الدار استحققناها على البائع ببدل لم يرض به، وهذا لا يصح.
ولا يقال: فالبائع لم يرض إلا بالعوض، ولم يرض بالقيمة؛ لأن القيمة مثل فيما لا مثل له، وقد استحقت الشفعة بمثل البدل (٣).
٢٣٨٦ - [فَصْل: الشفعة في الهبة]
قال: وإن وهب رجل لرجل عقارًا على غير شرط عوض، ثم عوضه بعد
стр. 3362
ذلك، فلا شفعة في الهبة ولا فيما عوض عنها؛ وذلك لأن العوض الملحق بالهبة ليس بعوض عن (١) الموهوب، وإنما هو لإسقاط الرجوع؛ بدلالة أنه لو وهب له عشرة فعوضه بهما خمسة، جاز، ولو كان عوضًا عن العشرة لم يجز، وإذا لم يكن هذا عوضًا عن الموهوب، لم تجب فيه الشفعة.
٢٣٨٧ - [فَصْل: الشفعة في العلو دون السفل]
قال: وإذا بيع سفل [عَقَار] (٢) دون علوه، أو علوه دون سفله، أو هما جميعًا، وجبت فيه الشفعة جميعًا، أو كل واحد منهما على انفراده.
وقال أبو يوسف: وجوب الشفعة في السفل والعلو استحسان، روى ذلك عنه ابن سماعة، وبشر بن الوليد، وعلي بن الجعد.
أما إذا بيعا جميعًا؛ فلا شبهة فيه؛ لأنه باع العرصة بحقوقها، فتتعلق الشفعة بجميع ذلك.
وأما إذا باع السفل دون العلو، لقوله ﵇: "لا شفعة إلا في رَبْعٍ"؛ ولأن التأذي يخاف فيها على وجه الدوام كالدُّوْر.
وأما إذا باع العلو؛ فلأنه حق متعلق بالبقعة على التأبيد، فهو كنفس [البقعة] (٣).
والذي قاله أبو يوسف في الاستحسان إنما هو في العلو؛ لأن القياس ألا
стр. 3363
يجب فيه الشفعة؛ لأنه لا يبقى على وجه الدوام، وإنما استحسنوا؛ لأن حق الوضع متأبد، فهو كالعَرَصَة.
وقال محمد في الزيادات: إن العلو إذا انهدم، ثم بيع السفل، فالشفعة واجبة لصاحب العلو عند أبي يوسف، ولا شفعة فيه عند محمد؛ فأجرى أبو يوسف حق الوضع -وإن لم يكن هناك [بناء] (١) - مجرى الملك؛ لأنه حق ثابت على التأبيد كنفس الملك.
وقال محمد: الشفعة إنما تجب بالمجاورة، فإذا لم يكن هناك بناء، لم توجد المجاورة، فلم تجب الشفعة.
وذكر محمد بن الحسن في الزيادات: أن من باع عُلوًا فاحترق قبل التسليم بطل البيع، ولم يحك خلافًا، وقال ابن شاهويه: هذا ينبغي أن يكون قوله خاصة.
فأما على قول أبي يوسف: فيجب أن لا يبطل البيع؛ لبقاء حق الوضع، ألا ترى أنه أجراه مجرى العَرْصَة في إيجاب الشفعة فيه.
٢٣٨٨ - [فَصْل: الشفعة فيما لا يجوز بيعه]
قال: وما كان في العقار مما لا يجوز بيعه، ولا يملك بالبيع على حال، فلا شفعة فيه، مثل بيع الأوقاف والخانات المُسبلة، والسقايات، والآبار التي [للسبيل] (٢)، فلا شفعة في شيء من ذلك عند من يرى تسبيله جائزًا أو وقفه، ومن لم يَرَ ذلك جائزًا، فهو وسائر العَقَارات سواء، وفيه الشفعة؛ وذلك لأن من
стр. 3364
صحَّحَ الوقف منع من انتقال الملك بالبيع، فلم تجب فيه الشفعة، ومن لم يصحح الوقفَ جوّز البيع وأوجب فيه الشفعة.
قال: وأجمع المسلمون على بُطلان بيع المساجد؛ وذلك لأنه إذا صُلِّي فيها فقد زال ملكه عنها بالإجماع، (فصار الملك لله تعالى) (١)، فلم يجز بيعها (٢).
قال: وما بيع من العقار مشاعًا من سائر ما ذكرنا لك مما يجوز بيعه، ففيه الشفعة، [وكذلك إن بيع بعض منه معلوم، ففيه الشفعة]، ووجوب الشفعة في البعض وفي الكل واحد مشاعه ومتعينه، وما لا يجوز بيعه فأبعاضه كذلك؛ وذلك لأن وجوب الشفعة في الشقص المشاع مجمع عليه، ووجوبها في الجملة مختلف فيه.
قال: من أجاز بيع دور مكة، ففيها الشفعة، ومن لم يجز البيع في الأرض وأجازه في البناء خاصة دون العَرْصَة، فلا شفعة في ذلك؛ وذلك لأن من أجاز البيع فقد نقل الملك في البقعة، فتعلق بها الشفعة، ومن لم يجز البيع في البقعة لم ينقل الملك فيها، فلم تجز (٣) الشفعة.
وأما البناء إذا بيع دون الأرض، فلا شفعة فيه؛ لأنه مما ينقل ويحول كالعروض.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: شراء دور مكة جائز، وبيعها جائز (٤)، وفيها
стр. 3365
الشفعة، وكذلك بيع أراضي الخراج؛ وذلك لأنها مملوكة عندنا؛ لأن عمر ﵁ أقرّ أهل السواد عليها في أملاكهم، فصح بيعهم، فتجب فيها الشفعة.
قال: وأرض (١) الخراج على قول من قال أن عمر وقف السواد، فينبغي أن لا يجوز بيعها، ولا تجب فيها الشفعة.
قال: وأرض القطيعة، والإكارات، والإخاذات، والإجارات، إذا باعها صاحب الأرض، فالبيع جائز، وفيها الشفعة، فإن باع الذي له إجارتها أو إكارتها [أو إخاذتها]، فالبيع باطل، ولا تتعلق به شفعة.
أما القطائع: فهي المواضع التي أقطعها الإمام من الموات، فملكت بالإقطاع، فبيعها جائز.
وأما الإِجَارات: فهي الأرض المملوكة إذا أجرها أربابها لمن يبني فيها أو يغرس.
[والإكَارات] (٢): هي الأرض المملوكة يدفعها أربابها إلى الأَكرَةِ فيزرعونها ويعمرونها.
والإخاذات: قيل: إنها الأرض يدفعها رجل وهي [خراب] (٣) إلى من يعمرها ويستخرجها.
فإذا باع مالك الأرض في هذه الوجوه فبيعه جائز، والشفعة واجبة، وإذا
стр. 3366
باع المستأجر أو الإكار، أو صاحب الإخاذة، فبيعه باطل؛ لأنه لا يملك (١) البقعة، وإنما له فيها حق العمارة، فلا يصح بيعه.
قال: وبيع الأرض المُحْياة بإذن الإمام جائز، وإن كان بغير إذن الإمام لم يجز، روى هذا النمر بن جداد عن الحسن عن أبي حنيفة، وهي رواية الحسن في المجرّد وكتاب الشفعة للحسن؛ وذلك لأن من أصل أبي حنيفة أن الإحياء لا يكون إلا بإذن الإمام، فإن أحياه بإذنه ملكه، فجاز بيعه، وإن أحياه بغير إذنه لم يملك، فلم يجز بيعه.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد: فيملكه بالإحياء في الحالين، فيجوز بيعه.
وقال أبو حنيفة: لا (٢) يجوز بيع دُوْرِ بغداد، وحوانيت أهل السوق التي للسلطان عليها غلة لا يجوز، وليس فيها شفعة.
قال: وهذه مواضع من بغداد أذن المنصور للناس في بنائها ووضع عليهم خراجًا على عراصها، فلم يملكهم البقعة، فلا يجوز بيعهم [فيها].
قال: وبيع دور الدَّهاقين التي للدهاقين عليها غَلَّة إذا باعها الذي هو فيها ساكن، لا يجوز؛ [وذلك] لأن الدِّهْقان (٣) إذا أذن للناس في البناء (٤) لم يزل ملكه عن البقعة، فلم يجز بيع الساكن فيها.
стр. 3367
قال: وإن باع بناءها لم يجب فيها الشفعة، وهذا على ما بيّنا.
قال: وإن باع الدهقان الأرضَ فهو جائز، وفيها الشفعة؛ [وذلك] لأن الدهاقين يملكون البقعة، فيجوز بيعهم [فيها].
قال: وأهلُ الإسلام في استحقاق الشفعة، وأهلُ الذمة والمستأمنون من أهل الحرب، والعبيدُ المأذون لهم في التجارة، والأحرار، والمكاتبون، والمعتق بعضه، في وجوب الشفعة سواءٌ، لهم وعليهم.
أمّا الكافر: فله الشفعة، وقال ابن شبرمة: لا شفعة له، وقد روي أن شريحًا قضى لذمي على مسلم بالشفعة، وكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأجازه؛ ولأنه حق يتعلق بالمبيع (١)، فاستوى فيه المسلم والذمي، كالرد بالعيب.
وأما المأذون: فهو في حقوق عقد البيع كالحر، وكذلك المكاتب، وأما المعتق بعضه: فهو مكاتب عند أبي حنيفة، وعندهما حرّ عليه دين.
وكذلك النساء والصبيان فيما وجب لهم و [يجب] عليهم من ذلك سواء؛ لقوله ﷺ : "الجارُ أحقُ بسقبه" (٢)، ولم يفصل؛ ولأن حقوق البيع يستوي فيها النساء والصبيان، كالرَّدِّ بالعيب.
قال: والخصمُ فيما يجب على الصبيان آباؤهم، فإن لم يكونوا فأوصياء الآباء، فإن لم يكونوا فالأجداد [فيه] من قِبَل الأب، فإن لم يكونوا فأوصياء الأجداد، فإن لم يكونوا فالإمام أو الحاكم يقيم لهم من ينوب عنهم فيه؛ لأن
стр. 3368
الصبي عاجز عن استيفاء حقوقه بنفسه، فقام وليه مقامه في ذلك، والذي يلي عليه (١) هم هؤلاء الذين ذكرناهم على الترتيب.
قال: وأهل العدل وأهل البغي في الشفعة سواء؛ لأن الباغي مسلم (٢)، فالمعصية لا تسقط حقه كالعتيق؛ ولأن البغي ليس بأكثر من كفره، والشفعة تجب للكافر على ما بيّناه (٣).
٢٣٨٩ - [فَصْل: الشفعة على رؤوس العدد]
قال: والشفعة عند أصحابنا جميعًا على عدد الرؤوس، قلّت الأنصباء أو كثرت، وكذلك كل ما يجاور به قَلَّ أو كثر، وقال الشافعي: الشفعة على قدر الأنصباء (٤).
لنا: قوله ﷺ : "الشفعة للشريك الذي لم يقاسم"، فعلقها بالاسم، وقد تساووا في الاسم؛ ولأن كل واحد منهم لو انفرد استحق الجميع [بالسبب الذي يستحق صاحبه]، فإذا اشتركا تساويا فيه كالاثنين في الميراث؛ ولأنهما شفيعان تساويا في استحقاق الشفعة (٥)، فتساويا في قدر الاستحقاق، أصله إذا كانت الأنصباء سواء.
٢٣٩٠ - [فَصْل: الجار المستحق للشفعة]
قال: والجار المستحق للشفعة عندهم جميعًا [الملاصق] (٦)؛ وذلك لأن
стр. 3369
الشفيع يستحق الشفعة لاتصال ملكه بالشقص المبيع، وهذا لا يوجد في غير الملاصق؛ ولأن الشفعة تثبت له ليزيل الضرر عن نفسه، ويجعل المِلْكَيْن ملكًا واحدًا، وهذا لا يكون (١) إلا مع الملاصقة.
[قال]: ولا يستحق الشفعة عندهم بالأبواب وقربها؛ وذلك لقوله ﷺ : "الجار أحق بسَقَبِه"، والسقبُ: القرب، فمن كان جارًا (٢) فله الشفعة.
قال: ومن باع دارًا وهو شفيعها فلا شفعة له، لنفسه باعها أو لغيره.
ومن اشترى دارًا وهو شفيعها فله الشفعة؛ وذلك لأن بائع الدار لو وجبت له الشفعة لفسخ بها بيعه، وهو لا يملك فسخ ما باع.
وأما المشتري، فوجوب الشفعة له إتمام للشراء، وهو مأمور بإتمامه.
وعلى هذا، قال أصحابنا في الوكيل بالبيع إذا باع وهو شفيع: فلا شفعة له، ولا يأخذه بالشفعة؛ لأن أخذه بالشفعة إبطال لبيعه، وهو موكل بإتمامه، وقائم مقام الموكل.
ولو باع الموكل بنفسه، لم يجز له أن يأخذه بالشفعة، فكذلك إذا باع وكيله.
وقد قالوا في الوكيل بالشراء إذا كان شفيعًا فله [أن يأخذ بالشفعة] (٣)؛ لأنه ليس في أخذها إبطال الشراء؛ ولأنه قائم مقام الموكِّل.
ولو اشترى الموكل لنفسه لم تسقط شفعته، فكذلك وكيله.
стр. 3370
وقالوا فيمن باع عقارًا وشرط الخيار لغيره، فأمضى البيع وهو شفيع، أنه لا شفعة له؛ لأنه قائم مقام البائع في إتمام البيع، فلم تجب [له] الشفعة كالبائع.
ولو شرط المشتري الخيار لغيره، فأجاز البيع وهو شفيع، فله الشفعة؛ لأنه قائم مقام المشتري في إتمام البيع، فوجبت له الشفعة كالمشتري (١)(٢).
стр. 3371
بَابْ: ما يستحقُّ به الشفعةُ
قال أبو الحسن رحمهُ الله تعالى: الشفعة تستحق عند أصحابنا بثلاثة معانٍ: بالشركة فيما وقع عليه عقد البيع، أو بالشركة في حقوق ذلك، أو بالجوار الأقرب فالأقرب.
أما وجوب الشفعة بالشركة؛ فلقوله ﵇: "الشفعة فيما لم يقسم" (١)؛ ولأن الضرر يخشى في ذلك على الدوام، وهذا المعنى يثبت [به] للشفيع حق الجمع بين المِلْكين حتى يصيرا كالمِلْك الواحد فينفى عنه الضرر.
وأمّا الشركة في حقوق المبيع، كالشِّرْب والطَّرِيق، فيتعلق بها الشفعة عندنا، وقال الشافعي: لا يتعلق بها شفعة (٢).
لنا: قوله ﵇: "الشفعة للشريك الذي لم يقاسم"، وقال: "جار الدار أحق بالدار، ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" (٣)، وروي عنه أنه قال: "الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من غيره" (٤)، وهذا يدل على ترتيب
стр. 3372
المعنى الذي يتعلق به الشفعة.
وأما الجوار، فيتعلق به الشفعة عندنا، وعند الشافعي لا يتعلق به الشفعة (١).
لنا: حديث سمرة، أن النبي ﵇ قال: "جارُ الدار أحق بشفعة الدار والأرض"، وذكر أبو داود في هذا الخبر: "جار الدار أحق بدار الجار والأرض" (٢)؛ ولأنه معنى يملك بالثمن، فلا يختص بالمشاع كالبيع؛ ولأن كل سبب جاز أن يملك به بعض الدار، جاز أن يملك به جميعها، كالبيع.
ولا يلزم القسمة؛ لأنه يجوز أن يملك بها جميع الدار إذا تراضوا بقسمة العقار بعضه في بعض؛ ولأن خوف التأذي على وجه الدوام سببٌ لاستحقاق الشفعة بالملك، (وهو موجود في الجار) (٣)، أصله المِلْك المشترك.
وإذا ثبت أن الشفعة تتعلق بأحد هذه المعاني الثلاثة، قال أصحابنا: إذا اجتمعت المعاني، فأولاهم الشريك في نفس المبيع؛ وذلك لأنه أخصُّ بالضرر من الجار ومن الشريك في الطريق والشِّرب، فكان أولى بالشفعة.
ثم الشريك في حقوق المبيع أولى من الجار؛ لأنه أخص بالضرر من الجار؛ لمكان شركته في طريقها، ثم الجار بعد ذلك.
وقد قالوا في الشريك إذا سَلَّم الشفعة، وجبت الشفعة للشريك في الطريق، فإن سلّمها وجبت للجار.
стр. 3373
وروي عن أبي يوسف: أن الشفعاء إذا اجتمعوا، فسلم للشريك الشفعة، فلا شفعة لغيره.
وجه قولهم المشهور: أن السبب الذي يتعلق به حق الشفعة لكل واحد منهم موجود عند عقد البيع، وإنما تقدم حق بعضهم لتأكد [حقه]، فإذا أسقط حقه، كان لغيره أن يستوفيه، كغريم الصحة (١) مع غريم المرض، والدَّينِ الذي به رهن والذي لا رهن به إذا أسقط المرتهن حقه.
وجه قول أبي يوسف: هو أن عقد البيع وقع غير موجب للشفعة للجار، ألا ترى أنه لا يملك المطالبة بها، فلا يثبت حقه إلا بتجديد بيع أصله إذا استحدث جوارًا.
وقال بشر بن الوليد، وعلي بن الجعد: سمعت أبا يوسف قال: قال بعض أصحابنا: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم نصيبه، وقال عامتهم: للجار الشفعة، وكلٌّ قد روى حديثًا فيما قال عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، فكان أحسن ما رأينا في ذلك أن للجار الشفعة من قبل ما يدخل [بين] الجيران بعضهم من بعض من الأذى والشرّ، فلا نرى -والله أعلم- أن الشفعة وضعت في الأصل إلا لهذا.
وكذلك الشريك الشائع نصيبه في الدار، لم يجعل له الشفعة إلا لما يدخل في ذلك من التضييق لبعضهم على بعض، وسوء الاختلاف (٢).
قال: وليس المنازل والأرضون المؤبدّة كالدابة والمملوك والشاة، لم
стр. 3374
يختلف أحد في الرقيق والحيوان والثياب، أنه لا [شفعة] (١) فيها، وعلى هذا جميع أصحابنا.
وليس الجار الذي يقضى له بالشفعة إلا الملازق، وهذا قول أبي حنيفة، وكان ابن أبي ليلى يقول: للجار الشفعة، ثم رجع عن ذلك، وقال: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم، فيحتمل أن يكون ما حكاه أبو يوسف عن بعض أصحابنا، أنه أراد به ابن أبي ليلى، وقد نبّه أبو يوسف على العلة [المذكورة] (٢)، وهي خوف التأذي على وجه الدوام.
وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: أن شريحًا كان يقضي بالشفعة للجيران بأقرب الأبواب إلى باب الدار، وقد قال أبو حنيفة بخلاف ذلك، وقال: الجار الذي يقضى له بالشفعة الملاصق، وهو الصحيح؛ لأن قُرب الباب وبُعْد الباب ليس له تأثير، وإنما التأثير للضرر، وذلك موجود في الملاصق دون غيره (٣).
وروى أبو يوسف عن أشعب بن سوار عن محمد بن سيرين عن شريح قال: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار أحق من غيره.
قال أبو يوسف: وتفسير ذلك عندنا -والله أعلم-: أن الشريك الذي لم يقاسم: هو الخليط، وهو أحق من الشفيع، والشفيع: الشريك في الطريق والمنازل مقسومة، والجار الذي لا شرك له في منزل ولا طريق.
стр. 3375
وقد روى ابن سماعة عن محمد في تفسير هذا الحديث مثل ذلك، وقال أبو يوسف في دارٍ بين رجلين، ولرجل فيها طريق، فباع أحدهما نصيبه من الدار، فشريكه في الدار أحق بالشفعة في ذلك، ولا شفعة لصاحب الطريق.
وكذلك دار بين رجلين لأحدهما حائط في الدار بينه وبين رجل [آخر بأرضه]، فباع الذي له شرك في الحائط نصيبه من الدار والحائط، قال: فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار ولا شفعة للشريك في الحائط في الدار، وله الشفعة في الحائط وأرضه، وأما الطريق في الدار، فصاحبه شريك في حق المبيع، والشريك في نفس المبيع أولى من غيره.
وأما الشريك في الحائط فهو أولى بالحائط؛ لأنه شريك فيه، وهو جار في بقية الدار، فكان الشريك فيها أولى منه.
قال: وكذلك دار بين رجلين، ولأحدهما بئر في الدار بينه وبين رجل آخر، فباع الذي له شرك في البئر نصيبه من الدار والبئر، فالشريك في الدار أحق بشفعةِ الدار، ولا شفعة للشريك في البئر في الدار، وله شفعة في البئر؛ وذلك لأنه شريك في البئر، والشريك في الدار جار البئر، فالشريك أولى من الجار، والشريك في البئر جار في بقية الدار، فالشريك في الدار أولى منه.
قال أبو يوسف: ليس (١) له شفعة فيما يسكن إذا كان شريكًا فيما لا يسكن، بمنزلة الطريق والبئر والحائط، وهذا صحيح في الحائط والبئر؛ لأنها ليست من حقوق الدار؛ لأن الدار لا شرك فيها.
стр. 3376
فأما الطريق فهي من حقوق الدار، والشريك فيه شفيع في الدار بالدار، إلا
أن الشريك في الدار أولى بها منه.
قال: وكذلك سفل بين رجلين ولأحدهما عليه علو بينه وبين آخر، فباع
الذي له نصيب في العلو والسفل نصيبه من رجل، فلشريكه في السفل الشفعة في
السفل، ولا شفعة له في العلو، ولشريكه في العلو الشفعة في العلو، ولا شفعة
له في السفل؛ لأن صاحب السفل شريك فيه، وجار العلو والشريك في العلو
شريك فيه وجار السفل، فالشريك أولى من الجار (١).
قال بشر بن الوليد وعلي بن الجعد سمعنا أبا يوسف قال: في رجل له
مسكن علو في الدار وطريقه فيها، وبقيّة الدار لآخر، فباع صاحب العلو منزله
بطريقه، فأراد صاحبُ بقية الدار أن يأخذه بالشفعة، فله ذلك استحسانًا، وليس
بقياس من قِبَلِ أنّ العلو لا يعرف له حق في الأرض، وهو القياس، ولكني تركت
القياس واستحسنت الأخذ بالشفعة؛ لأنه يسكن العُلْو، ويُبَاع، ويوهَبُ،
ويورث، ويجوز فيه الوصيّة، وليس لصاحب الأصل أن يهدمه، ولا يحوله عن
حاله، فهو حق لازم له ثابت.
وليس هذا كبناء بناه رجل في أرض غيره ثم باعه، هذا لا شفعة فيه.
وجه القياس: أن العلو ينقل ويحول، فلا يبقى هناك [غير] (٢) محل البناء.
وجه الاستحسان: أن حق الوضع متعلق بالبقعة على التأبيد، فصار كنفس
البقعة.
стр. 3377
قال: ولو أن رجلا له علو في دار، وطريقه في دار أخرى إلى جنبها، فباع صاحب العلو علوه، فأصحاب الدار التي فيها الطريق أولى بالشفعة؛ وذلك لأنهم شركاء في الطريق، وصاحب الدار التي فيها العلو جار، والشريك في الطريق أولى من الجار.
قال: ولو ترك صاحب الطريق الشفعة، وللعلو جار ملاصق أخذه بالشفعة مع صاحب السفل (١)؛ (لأن كل واحد منهما جار للعلو، والتساوي في الجوار يوجب التساوي في الشفعة.
قال: فإن كان جار الدار ليس بملاصق، وبين العلو وبين مسكنه طائفة من الدار، فصاحب السفل أولى بالشفعة؛ وذلك) (٢) لأن الجوار هو الملاصقة، (فمن لا ملاصقة) (٣) له لا يستحق الشفعة بالجوار.
قال: ولو لم يبع صاحب العُلْو وباع صاحب السفل، كان لصاحب العلو أخذ ذلك بالشفعة بمنزلة الجوار لا بالشركة؛ وذلك لأنه لا حق له إلا المجاورة، وحق الموضع ليس بشركة كدارين متجاورين لأحدهما خشب على حائط الآخر، أن صاحب الخشب لا يستحقها إلا بالجوار.
قال: ولو بيعت الدار التي فيها الطريق، أخذها صاحب العلو بالشركة في الطريق؛ لأن له فيها معنًى زائدًا على الجوار، فكان أولى من الجار (٤).
стр. 3378
بَابْ: طلب الشفعةِ
قال أبو الحسن ﵀: وإذا بيعت الدار ولها شفيع، فبلغ ذلك الشفيع، فإن محمدًا قال في الأصل: إن لم يطلب مكانه، بطلت الشفعة، وهذا يقتضي أن الطلب على المجلس (١).
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إن لم يطلب حين بلغه، بطلت شفعته، وقال في موضع آخر: فلم يُشهد (٢) ساعته، بطلت شفعته.
فهذا يقتضي أن الطلب على الفور، وهذا قول أبي حنيفة [وأبي يوسف] (٣).
وقال ابن رستم عن محمد: إذا بلغت الشفعة صاحبها فسكت فهو رضًا وهو ترك للشفعة، وهذا يدل على أنها على الفور.
وقال هشام عن محمد في نوادره: إذا بلغه فسكت هُنَيْهة ثم ادّعاها من ساعته، فهو على شفعته، وهذا [يفيد] (٤) أنها على المجلس.
قال الشيخ ﵁: كان أصحابنا يقولون: إن الإشهاد في إحدى الروايتين على الفور، وفي الأخرى على المجلس.
стр. 3379
وقال ابن أبي ليلى: إن ترك الطلب ثلاثة أيام بطلت شفعته، وقال الشعبي: إن تركها بطلت.
وقال شريك: لا تبطل أبدًا حتى يُبطلها بقوله.
وقد ذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى: أن هذا ليس باختلاف رواية، وإنما هو على المجلس كخيار المخيرة وكخيار القبول، فكأنه حمل رواية ابن سماعة على أنه لم يتشاغل عن الطلب.
وذكر هشام عن محمد قال: سألت محمدًا عن رجل قيل إن فلانًا باع داره وهو شفيعها، فقال: الحمد لله، قد ادّعيت شفعتها، أو قال: سبحان الله، أو قال: الله أكبر، قد ادّعيت شفعتها، ولقي صاحبه الذي يدعي الشفعة قبله، فبدأه بالسلام قبل أن يدّعي الشفعة، ثم ادّعاها، أو قال حين أخبر بالبيع: من اشتراها، أو بكم باعها، أو عطس صاحبه فشمّته قبل أن يدّعي الشفعة، ثم ادّعاها، قال محمد: هو في ذلك على شفعته.
قلت لمحمد: فمن قال إذا لقيه فسلّم عليه، بطلت شفعته فأنكر ذلك أشدّ الإنكار.
وقال محمد: إذا بلغه فسكت هُنيهةً، ثم ادعى من ساعته، فهو على شفعته.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وما حكاه هشام يدل على صحة ما تأولنا.
وأما وجه الرواية التي اعتبرت الفور: قوله ﷺ : "الشفعة لمن واثبها" (١)، وقوله: "الشفعة كنشطة عقال، إن قيّدتها ثبتت، وإلا ذهبت" (٢).
стр. 3380
وأما وجه الرواية التي اعتُبر المجلس فيها؛ فلأنه خيار يملك (١)، فكان على المجلس كخيار القبول والمخيرة؛ ولأنه يرتأى لينظر هل يصلح له [الأخذ] أم لا يصلح، وهذا لا يكون على الفور.
وإذا ثبت أنها على المجلس، وهو أصح الروايتين، كان على شفعته ما لم يقم أو يتشاغل بغير الطلب كالمخيرة.
فإن قيل: إذا قال: الحمد لله، أو سبحان الله، فهو إعراض.
قيل له: هذا يذكر لافتتاح الكلام، فلم يدل على الإعراض، وكذلك [السلام] (٢) وتشميت العاطس، ليس بعمل يدل على الإعراض، ولذلك لا يبطل به خيار المخيّرة.
وأما قوله: من ابتاعها؟ وبكم ابتاعها؟ فليس بإعراض، وإنما هو سبب للطلب، ألا ترى أنها قد تصلح له بثمن دون ثمن، وبمجاورة (٣) رجل دون غيره، فالمسألة من ذلك لا تسقط الشفعة؛ لأنها من أسباب الشفعة.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا بلغه البيع وليس بحضرته من يشهده، فقال: إني مطالب بالشفعة، ثم نهض إلى من يشهده، لم يبطل حقه (٤). وهذا صحيح؛ لأن الشفعة إنما تثبت بالطلب، وإنما يشهد؛ لأنه لا يصدّق على الطلب بغير بيّنة، فإذا لم يكن هناك من [يشهده طلب] (٥) الشفعة،
стр. 3381
حتى لا تسقط فيما بينه وبين الله سبحانه.
وقال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: لو أن رجلًا باع دارًا ولها شفيع غائب، فإن علم بالبيع وهو غائب، فأشهد حين علم أو وَكَّل من يأخذ له بالشفعة، كان على شفعته، وكان جائزًا، وإن لم يشهد ولم يوكِّل حين بلغه، ففرط في ذلك ساعة أو يومًا أو أكثر من ذلك، لم يكن له بعد ذلك شفعة؛ وذلك لأن حق الشفعة [يثبت] (١) بالمطالبة، والغائب يقدر على الإشهاد على المطالبة، كما يقدر الحاضر، فجريا مجرًى واحدًا.
وإنما جعل توكيله بمنزلة مطالبته؛ لأن التوكيل بالمطالبة مطالبة وزيادة، فقام مقام صريح (٢) المطالبة.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى، وقول أصحابنا في الغائب إذا علم بالشفعة مثل قولهم في الحاضر في صحة الطلب، ولكن له من الأجل في القدوم من بعد ذلك مقدار المسافة، فإن لم يقدم ولم يوكل من يأخذ له بالشفعة بطلت شفعته؛ وذلك لأن الحاضر إذا أشهد في المجلس كان عليه أن يشهد بعد ذلك على مطالبة البائع إن كان المبيع في يده، أو يشهد على المشتري، أو على العقار على ما سنبيّنه بعده.
فإذا أشهد الغائب في مجلسه، صار كالحاضر إذا أشهد، فلا بد له بعد ذلك من مطالبة البائع أو المشتري، أو الإشهاد عند العقار وقت (٣) زواله من المقدار
стр. 3382
ما يتمكن فيه من المسير حتى يحضر فيطالب أو يحضر وكيله، فإن لم يفعل ذلك عند الإمكان، صار كالحاضر إذا أشهد ثم لم يطالب البائع ولا المشتري، ولا أشهد عند العقار، ولا طلب عنده فتسقط شفعته (١).
قال بِشر وعليّ عن أبي يوسف: وإن كان الشفيع غائبًا، فإذا علم، فله من الأجل بقدر المسافة، إما أن يقدم أو يبعث وكيلًا في طلبها، وذلك بعد أن يشهد حين علم أنه على شفعته، ويسمّي الدار والأرض والموضع بحدوده، حتى [يستوثق] (٢) لنفسه.
وقال محمد في كتاب الأصل: إذا اشترى الرجل دارًا والشفيع غائب فعلم بالشراء، فله من الأجل (٣) بعد أن يعلم على قدر المسير، فإن مضى ذلك الأجل قبل أن يطلب أو يبعث من يطلب فلا شفعة له، وهذا على ما قدمنا (٤).
وإنما شرط أبو يوسف تسمية المبيع وتحديده؛ لأن المطالبة لا تصح إلا في معلوم، فإذا أشهد على الطلب ولم يبيّن المطلوب، لم يكن للمطالبة اختصاص لمبيع دون مبيع، فلا يتعلق بها حكم.
قال: وإذا بلغ الشفيعَ بيع الدار التي هو شفيعها، فأشهد على طلبه الشفعة، ثم ترك الخصومة فيها بعد إشهاده، فإن ابن سماعة قال: إن محمدًا سمعته يقول في رجل اشترى دارًا فطلب الشفيعُ الشفعةَ، وأشهد على المشتري بذلك، فهو
стр. 3383
على شفعته أبدًا في قول أبي حنيفة، وقال محمد: أستحسن إذا ترك ذلك شهرًا من غير [عذر] (١) أن تبطل شفعته، وهو قول زفر.
وقال بشر وعليّ بن الجعد عن أبي يوسف: إذا علم فأشهد ثم كفّ عن الطلب شهرًا أو أكثر، لم يكن له شفعة، إلا أن يكون القاضي معزولًا (٢) أو غائبًا، وهذا قياس قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف، وبه نأخذ.
وقال النمر عن أبي يوسف: أنه على شفعته ما لم يمكنه التقدم إلى القاضي بقدر ما يخرج (٣) رقعته، قال: وهذا قول أبي يوسف، وقال زفر: ما بينه وبين شهر.
قال النمر: وروي عن أبي حنيفة أنه على شفعته أبدًا إذا أشهد.
وقال ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف: في الشفيع إذا أشهد على طلب الشفعة، ثم لم يخاصم ولم يَقْدُم إلى القاضي في الشفعة في مثل ما نَعْذُر على التقدم إلى القاضي فيه، بطلت شفعته.
وإن أشهد على الشفعة، ثم تقدم إلى القاضي مرّة أو مرتين فهو على شفعته.
وقال ابن رستم عن محمد: إذا أشهد ثم سكت شهرًا، بطلت شفعته إلا من عذر حبس أو مرض لا يقدر أن يوكل، ولا يصدّق على العذر بقوله، إلا أن يعلم ذلك.
стр. 3384
وقال هشام: سألت محمدًا عن قول أبي حنيفة فيمن طلب الشفعة عند غير قاض ثم سكت، قال: كان يقول: هو على شفعته أبدًا ما لم يقل باللسان قد تركتها، وكذا قول أبي يوسف.
قال محمد: وأما في قولي، فإن سكت بعد الطلب شهرًا بطلت الشفعة.
قال هشام: سألت أبا يوسف عن رجل أشهد على شفعته ثم غاب عنه شهرًا وأقام، فلم يطلبها، ثم طلبها بعد ذلك، هل له شفعة؟ قال: أمّا الغائبُ فلا، وأما المقيم، فإذا كان حبسه بعد ارتفاعه إلى الحاكم وإثباته حقه ونحوه، فهو على شفعته، فقلت: فهل يوقت في هذا وقتًا، قال: لا، إلا قدر إثباته حقه وارتفاعه إلى الحاكم.
فحصل من هذه الروايات أن عند أبي حنيفة: [أنه] إذا أشهد، لم تسقط الشفعة بالتأخير، إلا أن يسقطها بلسانه، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف.
وقال في الرواية الأخرى: إذا ترك المخاصمة إلى القاضي في زمان يقدر على المخاصمة فيه، بطلت شفعته، ولم يوقت.
وقال محمد وزفر: إذا أخّر المطالبة بعد الإشهاد شهرًا من غير عذر، بطلت شفعته.
وقال الحسن: هو قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وجه قول أبي حنيفة: أن المطالبة حق متعلق بعقد البيع، فإذا استقر بالإشهاد لم يسقط بالتأخير، كالرد بالعيب.
стр. 3385
وجه قول محمد [وزفر]: أن الشفعة تثبت لإزالة الضرر [عن الشفيع]، فلو جوّزنا له تأخير الخصومة أبدًا أضرّ ذلك بالمشتري؛ لأنه لا يقدر على البناء، ولا على الغرس؛ مخافة أن يأخذها الشفيع (ويهدم عليه، ويقلع ملكه) (١)، فلم يجز إلحاق الضرر بواحد منهما.
وقدّر ذلك محمد بالشهر؛ لأنه جعل في حكم الكثير، ألا ترى أنه يجعل أجلًا في الديون؟ وما سواه جعل في حكم القليل، فلم يعتد به، واعتبر شهرًا من حين (٢) العذر؛ لأن العذر المانع من المخاصمة ليس بتفريط، فلا تسقط الشفعة.
ولم يقدّر أبو يوسف التأخير بمقدار، وإنما جعله على قدر ما يرى القاضي؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال.
والجواب عمّا قالاه: أن دفع الضرر عن الشفيع يجب وإن أدّى ذلك إلى إلحاق الضرر بالمشتري، ألا ترى أن أخذ ملك المشتري بعدما تصرف ضررٌ بالمشتري فيجوز لإزالة ضرر الشفيع.
وأمّا قولهما: إنه لا يقدر على البناء والغرس، فلا يلزم أبا يوسف؛ لأن عنده أن الشفيع يأخذه بالثمن، وبقيمة البناء والغرس، فلا يمنع من ذلك.
وأما أبو حنيفة يقول: هذا ضرر، ألزمه المشتري حين دخل في عقد فيه شفيع.
وقال ابن شجاع عن الحسن، والنمر بن حراز عن الحسن عن أبي يوسف:
стр. 3386
إذا اشترى الرجل دارًا فبلغ الشفيع، فعليه أن يشهد إذا بلغه [ذلك] حرًا كان المخبرُ أو عبدًا صبيًا أو امرأة، عدلًا كان أو غير عدل، إذا كان الخبر حقًا.
وكذلك رواه محمد عن أبي يوسف، وهو قوله، ورواه هشام عن محمد، قال: فأما في قياس قول أبي حنيفة: (يخبر بخبره رجلان أو رجل عدل، وقال ابن شجاع عن الحسن: قال أبو حنيفة وزفر) (١): حتى يخبره بذلك رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان عدول، وهذا نظير قولهم في [المولى إذا بلغه أن عبده قد جنى] (٢)، قال أبو حنيفة: اعتبر في الخبر أحد [شرطي] (٣) الشهادة: إما [العدد] (٤)، وإما العدالة.
قال أبو يوسف ومحمد: إذا أخبره واحد فلم يُشهد، بطلت شفعته، وكذلك إذا أخبره بجناية عبده فأعتقه، صار مختارًا، عدلًا كان المخبِرُ أو غير عدل.
لأبي حنيفة: أن هذا الخبر أخذ شبهًا من أصلين من الشهادة؛ لأنه يوجب ضمانًا على المولى ويسقط حق الشفيع، وشبهًا من الإخبار؛ لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة، فألحق بالشبهين، (واعتبر فيه قول الواحد، عدلًا كان أو غير عدل، كسائر أخبار المعاملات) (٥)، فاعتبر أحد الشرطين إما العدد وإما العدالة، [فلا يلحق بأخبار المعاملات ولا بالشهادات] (٦).
стр. 3387
وفي قولهما: [إنه] من أخبار المعاملات، فيقبل فيه قول الواحد عدلًا كان أو غير عدل، كسائر أخبار المعاملات.
وأما الذي رواه الحسن عن أبي حنيفة: من اعتبار أحد شرطي الشهادة؛ فلأنه يسقط به حق الشفيع، فلا تُجزِ إلا بقولِ مَن يثبت بقوله الحق، كالشهادة على البراءة.
وقد قالوا في المخيّرة إذا بلغها التخيير: لم يعتبر في المخبر أحد شرطي الشهادة؛ لأن ذلك لا يتعلق به إيجاب ضمان عليها.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المشتري إذا قال للشفيع قد اشتريت، فسكت، بطلت شفعته، وإن لم يكن للمشتري أحد صفات الشهادة؛ لأنه ليس بمخبر، وإنما هو خصم، والدعوى في الخصومة لا يعتبر فيها العدالة (١).
стр. 3388
بَابْ: أين تطلبُ الشفعةُ؟
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا بيعت الدار في مصرٍ، والبائع والمشتري والشفيع في ذلك المصر، أو في مدينة، أو في قرية، وهم جميعًا حضور في ذلك الموضع الذي فيه المبيع، فإن الشفيع إن قصد إلى الدار المبيعة، أو إلى الأرض، فأشهد عندها وأعلن، كان ذلك جائزًا.
فإن قصد البائع أو المشتري والدار غير مقبوضة فأشهد، صح ذلك.
فإن قبضت الدار، فلا خصومة بينه وبين البائع ولا عُلْقة، فإن أشهد عند الدار صَحَّ، وإن أشهد عند المشتري صح.
قال الشيخ ﵁: والأصل في هذا: أن الشفعة تتعلق بعقد البيع، وتستقر بالإشهاد، (وتملك بالأخذ.
وإنما تعلقت بالبيع؛ لأنها تجب لرغبة البائع عن ملكه، وإنما استقرت بالإشهاد) (١)؛ لأنها حق ضعيف، يسقط بالإعراض عنه، ولا يعلم أنه مطالب وليس بمُعْرِض إلا بالإشهاد، وإنما تملك بالحكم؛ لأنه نقل ملك، فلا بد فيه من التراضي أو حكم الحاكم، وقد بيّنا صفة الإشهاد في المجلس الذي يعلم فيه الشفيع بالبيع، إلا أن المطالبة لا تكون إلا بمطالب، والإشهاد في المجلس إنما
стр. 3389
هو حتى يعلم أنه ليس بمعرض، ثم (١) تحصل مطالبة المطلوب بعد ذلك من غير تشاغل بشيء (٢) مع القدرة.
فإن كان المبيع في يده لم يقبض، فهو بالخيار: بين مطالبة البائع أو المشتري، أو الإشهاد عند العقار؛ لأن الشفيع تثبت له مخاصمة البائع ما دام المبيع في يده، فصحّت مطالبته.
وكذلك يطالب المشتري؛ لأن الملك له، وحقه متعلق به، وكذا إن أشهد عند العقار؛ لأن حقه متعلق بعين العَقَار، فكان له أن يشهد على ما تعلق حقه به.
فأمّا إذا سلّم البائع المبيع، لم يصح الإشهاد عليه؛ لأنه خرج من الخصومة، ألا ترى أنه لم يبق له يد على المبيع ولا ملك، فصار كالأجنبي.
قال: وإن كان البائع والمشتري عقدا البيع في غير الموضع الذي فيه الدار، وعلم الشفيع أنهما ببلد آخر، فليس عليه أن يأتيهما حيث هما، ويشهد عند الدار.
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل باع دارًا، والدار بالكوفة، والبائع والمشتري في غير الكوفة، والشفيع بالكوفة، قال: على الشفيع أن يأتي الدار فيشهد عندها ويعلن بطلب الشفعة.
قال: قلت لمحمد: فلو لم يأت الدار عند ذلك، أتبطل شفعته؟ قال: نعم، قال محمد: وإذا أشهد على الشفعة عند الدار، فليس عليه أن يتبع المشتري، ولا
стр. 3390
يبعث وكيلًا في طلبه إذا كان غائبًا عن المصر، وهذا على ما بيّنا أنه مخيّر: بين الإشهاد على أحد المتبايعين أو عند العقار، فإذا أشهد (١) عند العقار فقد استقر حقه، فلا يسقط بترك الإشهاد على أحد المتبايعين.
قال: قلت: فإن كان الشفيع في غير المصر الذي بيعت فيه الدار، قال عليه أن يذهب في طلبها، أو يبعث وكيلًا، فإن لم يفعل بطلت شفعته؛ وذلك لأن الواجب [إذا أشهد] (٢) في مجلسه فلا بد [له] من الإشهاد على أحد المتبايعين، أو على العقار؛ لما بيّنا أن المطالبة لا تكون إلا لمطلوب، فإذا لم يطلب، فقد أعرض عنها، فبطلت شفعته (٣).
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا صحّ الإشهاد على ما ذكرناه، وأراد أن يقضي له بالدار بشفعته، فإن كانت الدار لم تقبض، أحضر البائع والمشتري جميعًا، ولا يقضي له [بشفعته] حتى يحضرا جميعًا، فإذا حضر أحدهما دون الآخر، لم يحكم له.
أما ثبوت مخاصمة البائع؛ فلأن له في الدار يدًا مستحقةً، فكانت الخصومة معه [قِبَله] ثابتة كالمالك؛ ولأن حق الشفيع يثبت بخروج [البيع] (٤) من ملك البائع قبل دخوله في ملك المشتري، فصار كمن ادعى أنه اشترى هذه الدار قبل هذا المشتري، فيثبت له مخاصمة البائع، إلا أن القاضي لا يحكم بينهما إلا بحضور المشتري؛ لأن القضاء على البائع بالشفعة فسخ لملك المشتري، فلا
стр. 3391
يجوز إلا بحضوره أو حضور من قام مقامه؛ ولأن له حقًا في الحضور ليدلي بحجته، فتوقف الحكم على حضوره.
وأما إذا كانت الدار قد قبضت، فالخصم هو المشتري وحده، فإذا أحضره حكم عليه؛ وذلك لأن البائع لا ملك له ولا يد، فصار بعد التسليم كالأجنبيّ، فلا يعتبر حضوره في صحة الحكم.
قال: وإذا حكم الحاكم بالشفعة على ما ذكرنا، والدار في يد البائع، (انتقض البيع الذي كان بين البائع والمشتري، وسلم الشفيع الثمن إلى البائع، وكانت عهدة الشفيع على البائع) (١)، ورجع المشتري على البائع بالثمن إن كان قد نقده.
أما فسخ البيع، فهو المشهور من قولهم، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أن البيع لا ينتقض (٢).
وجه قولهم المشهور: أن حقَّ الشفيع سابق لحق المشتري، فإذا قضي له بالملك لحق سابق، انفسخ ملك المشتري، كما لو قضي للمستحق؛ ولأن القضاء للشفيع يسقط قبض المشتري، وما أسقط القبض، أبطل البيع، كهلاك المبيع.
وجه قول أبي يوسف: أن الشفعة إنما تجب بسبب الشراء، فصارت من حقوقه، وحقوق الشيء لا تنافيه؛ ولأن الشفعة لما تعلقت بعقد البيع، لم يجز أن يفسخ بها؛ لأن ذلك يؤدي إلى سقوطها.
стр. 3392
قال أبو يوسف: وقياس قول أبي حنيفة في جواز بيع العقار قبل القبض يقتضي أن لا ينفسخ البيع بأخذ الشفيع؛ لأن الشيء مأخوذ من ملكه، فكأنه باعه.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن [قبض] المشتري من المشتري الأول يقوم مقام قبض الأول، فلا يؤدي ذلك إلى إسقاط قبض الأول، وقبض الشفيع لا يقوم مقام قبض المشتري، فيؤدي ذلك إلى إسقاط القبض.
[قال]: وإن أخذ الدار بالشفعة من يد المشتري، فالبيع الأول صحيح، فيدفع الشفيع الثمن إلى المشتري؛ وذلك لأن الملك قد انتقل من ملك المشتري، فلم يوجب ذلك فسخ بيعه، كما لو باعه.
فإن قيل: إذا كان الشفيع يستحق بسبب سابق لحق المشتري، فإذا أخذ الشيء من يد (١) المشتري، انفسخ ملك المشتري، كما ينفسخ إذا أخذه من يد البائع، (أصله: المستحق إذا أخذ من يد المشتري.
قيل له) (٢): إنّ أخذ الشفيع من يد المشتري لو كان فسخًا لم يجز أن يُقْضى عليه إلا بحضور البائع، فلما اتفقوا أنه يقضى على المشتري بالشفعة بغير محضر البائع، دلّ على أن الأخذ منه ليس بفسخ، ويفارق هذا الاستحقاق؛ لأنا نتبيّن بالاستحقاق أن البائع لم يكن مالكًا (لما باعه، فإذا لم يُجِز المستحق بطل البيع، وفي مسألة الشفعة لا نتبيّن أن البائع لم يكن مالكًا) (٣)، وإنما فسخنا البيع إذا أخذ من يد البائع لسقوط القبض، وهذا لا يوجد إذا أخذها من المشتري.
стр. 3393
وإذا ثبت ما ذكرنا، قلنا: إن كانت الدار أخذت من يد البائع، فالعهدة عليه؛ لأن العهدة ضمان الثمن عند الاستحقاق، والبائع هو القابض للثمن، فكان عليه ردّه؛ ولأن الدفع انفسخ بين البائع والمشتري، وانتقل المبيع من ملك البائع إلى ملك الشفيع، فكانت عهدته عليه.
وأما إذا أخذت من المشتري، فالعهدة عليه؛ لأنه [هو] القابض للثمن، فالعهدة عليه؛ ولأن الشيء انتقل من ملكه إلى ملك الشفيع.
وروى ابن سماعة وبشر بن الوليد عن أبي يوسف: أن المشتري إن كان نقد الثمن ولم يقبض الدار حتى قُضي للشفيع بالشفعة بمحضر من البائع والمشتري، فإن الشفيع يقبض الدار من البائع، وينقد المشتري الثمن، وعهدته عليه.
وإن لم ينقد [المشتري الثمن] يدفع الثمن إلى البائع، وعهدته عليه؛ وذلك لأن البائع إذا قبض الثمن لم يبق له حق في إمساك المبيع، والقضاء عنده ليس بفسخ لملك المشتري، وإنما هو استحقاق عليه، فكان الثمن له.
وأما إذا لم يقبض البائع الثمن، فللبائع حبس المبيع حتى يستوفي الثمن فلم يتوصل الشفيع إلى أخذ الدار إلا بدفع الثمن إلى البائع.
وقال في الأصل: إذا كان الشفيع بالكوفة حيث الدار والبائع والمشتري بالسواد، فلم يُشهد على طلب الشفعة، وشَخَص إلى المشتري، فهذا تسليم منه حيث ترك أن يشهد على طلبه.
وكذلك لو كان بحضرة المشتري والبائع، فشَخَص إلى موقع الدار، ولم يشهد على البائع والمشتري، فهذا تسليم؛ وذلك لأنه يقدر على المطالبة في
стр. 3394
مكانه، فإذا تركها مع القدرة، بطلت شفعته، وإنما يخيّر بين الأشياء الثلاثة إذا جمعها موضع واحد.
قال: وإذا كان في غير مصرٍ البائعُ والمشتري والدارُ، فإلى أيّهم شخص ليطلب شفعته إلى المشتري، أو إلى البائع، أو إلى الدار، فهو على شفعته؛ وذلك لأنه لا بُدَّ له من المطالبة في إحدى المواضع الثلاثة، ولا يمكنه أن يجمعها بذهاب (١) واحد مع اختلافها، فلم يبقَ إلى أن يقصد أحدها، فلا تبطل بقصده الشفعة، كما لو كانوا في مصر واحد، فقصد أحدهم.
قال أبو الحسن: إن حال بين الشفيع وبين الإشهاد عند الدار، أو على البائع أو على المشتري أو على أحدهما حائل لا يستطيع الشفيع أن يصل إلى ذلك معه، ولا أن يبعث وكيلًا، فهو على شفعته إلى أن يزول الحائل المانع له، ثم يعود الأمر بينهم على ما ذكرنا؛ [وذلك] لأن ترك المطالبة تسقط الشفعة، ويدل على الإعراض، فإذا كان هناك مانع من المطالبة، فالظاهر أنه ترك (٢) الطلب لمانع، فلا تسقط شفعته (٣).
стр. 3395
بَابْ: ما يحدثُه الشفيع مِمَّا يُبطل شفعته أو لا يُبطلها
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا اشترى الرجل دارًا ولها شفيع، [فساوم] (١) الشفيع المشتري، أو سأله أن يوليه إياها، أو استأجرها الشفيع من المشتري، أو كانت أرضًا فأخذها مزارعةً، أو كان في الأرض نخل فأخذها الشفيع معاملة، وذلك كله بعد علمه بالشراء، فذلك كله تسليم منه للشفعة.
وكذلك لو راوضه على ذلك مراوضة، ولم يقع بينهما عقد؛ وذلك لأن الشفعة حق ضعيف؛ بدلالة أنه يبطل بالسكوت والإعراض، فما يستدل به من الأفعال على الإعراض يسقط، أصله: خيار المعتقة والمخيَّرة (٢).
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لبريرة: "إن وطئك زوجك، فلا خيار لك" (٣)، فجعل تمكينها له من الوطء دلالة على اختيار تبقية النكاح، فإذا ساوم الشفيع المشتري، فقد التمس الشراء منه، وذلك تقرير لملكه، فبطلت شفعته.
فأما إذا استأجر، أو أخذ الأرض مزارعة، أو النخل معاملة، فكل متعاقدين دخلا في عقد فدخولهما فيه رضًا بتبقيته، والعقد لا يبقى بينهما إلا مع ترك الشفعة، فصار دخول المشتري مع الشفيع في العقد إسقاطًا للشفعة في مدة الإجارة والمزارعة، فسقط فيما بعدها أيضًا.
стр. 3396
قال: ولو صالح المشتري الشفيع في الشفعة على دراهم أو عرض فالصلح باطل، ويرد ذلك على المشتري، وتبطل شفعته؛ وذلك لأن الشفعة لا يصح لأحد أخذ العوض على إسقاطها؛ لأن المشتري يملك المبيع (١) قبل إسقاط الشفعة وبعد إسقاطها على وجه واحد، فلا يكون في ذلك معنى تملكه المشتري بإزاء العوض، فصار أكل مال بالباطل.
وعلى هذا، قال أصحابنا: إذا قال الزوج للمخيّرة: اختاري بألف، أو قال العِنِّيْنُ ذلك لامرأته، أو قال: اختاري ترك الفسخ بألف، فاختارت، لم يثبت العوض؛ لأنه ملك بُضْعها قبل اختيارها وبعده على وجه واحدٍ، فصار هذا أكل مال بباطل.
فإذا ثبت أن الشفعة لا يصح أخذ العوض [عن إسقاطها، وسقوطها لا يفتقر إلى العوض، فبطلان العوض فيها] من طريق الحكم لا يمنع من سقوطها، كالمسلم إذا طلق امرأته على خمر، بطلت الخمر من طريق الحكم، ولم يبطل الطلاق.
وقد اختلفت الرواية في الكفالة بالنفس إذا أبطلها بعوض، فقال في إحدى الروايتين: الكفالة باطلة، والعوض باطل، وسوّى بينها وبين الشفعة؛ لأن إسقاط الحق فيها لا يقف على عوض، فبطلان العوض من طريق الحكم لا يمنع من بطلانها.
وقال في الرواية الأخرى: لا تسقط؛ لأنها حق أقوى من الشفعة، بدلالة أنها لا تبطل بالسكوت والإعراض، وهو لم يرض بإسقاطها إلا بعوض، فإذا لم يسلم له العوض لم يسقط.
стр. 3397
قال: وكذلك إن باع الشفيع داره التي تشفع بها بعد شراء المشتري، وهو يعلم بالشراء أو لا يعلم، فقد بطلت شفعته؛ لأنه يستحقها بالجوار، وقد زالت المجاورة، وإن رجعت إلى ملكه وقد فسخ البيع [بعيب] بقضاء أو بغير قضاء، أو بخيار رؤية، أو شرط، فليس له أن يأخذها بالشفعة؛ لأن شفعته بطلت ببيعه، فلا تعود إلا بعود سببها، وهو البيع.
قال: وإن باع الشفيع داره على أنه بالخيار بعد شراء المشتري، فهو على شفعته ما لم يرض بالبيع؛ لأن ملكه لم يزل عمّا يشفع به.
[قال]: فإن طالب في مدة الخيار الشفعةَ، كان ذلك منه نقضًا للبيع؛ لأن طلب الشفعة يدل على اختياره تبقية المبيع على ملكه، وذلك سبب مسقط لخيار البائع.
قال: ولو باع الشفيع الدار بيعًا فاسدًا، وقبض المشتري، والبيع فاسد من البيوع التي تملك [بالقبض]، بطلت شفعته، فإن نقض البيع الفاسد وردت عليه فلا شفعة له؛ وذلك لأن البيع الفاسد إذا اتصل به القبض أزال الملك كالصحيح (١).
قال: ولو أن الشفيع باع نصف داره، أو ثلثها، أو أكثر من ذلك بعد أن يبقى منها شيء، وما باع شائع، فله الشفعة بما بقي؛ وذلك لأن الباقي على ملكه من الدار، لو كان موجودًا في الابتداء لاستحق به الشفعة، وكذلك في حال البقاء يستحق به.
قال: ولو باع منها بيتًا أو حجرةً، وليس ما باع مما يلي الدار التي يطلب
стр. 3398
شفعتها، فهو على شفعته؛ وذلك لأنه يستحق بالجوار، وهو موجود فيما بقي من الدار.
وإن باع مما يلي الدار، قال أبو يوسف: وهو على وجهين: إن كانت قد استغرقت حد الدار التي فيها الشفعة فلا شفعة للبائع، وإن كان بقي من حدها شيء ملازق لما بقي (١) من الدار، فهو على شفعته؛ لأنه إذا استغرق الحدَّ بالبيع، فلم يبق له جوار، فسقطت شفعته.
وإذا لم يستغرق الحد، فقد بقي ما لو كان موجودًا في الابتداء استحقت به الشفعة، فكذلك [في] البقاء.
قال: ولو كان الشفيع شريكًا وجارًا فباع نصيبه [من الشركة] الذي يشفع به، كان له أن يطالب بالشفعة بالجوار (٢).
وهي أيضًا رواية الإملاء، رواها علي بن الجعد عن أبي يوسف؛ لأنه يستحق الشفعة بسببين، فإذا باع الشقص فقد بقي السبب الآخر، وهو مما يستحق به الشفعة في الابتداء، فكذلك في حال البقاء.
قال ابن الجعد: وسألت أبا يوسف في رجل اشترى دارًا ولها شفيع، فقال الشفيع: آخذ نصفها بالشفعة، فقال له المشتري، هذا منك تسليم، قال أبو يوسف: ليس هذا بتسليم.
وقال محمد في مثل هذا: هو تسليم.
стр. 3399
وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل اشترى دارًا، فأتاه شفيعها فقال: سلم لي نصفها بشفعتي، فأبى المشتري أن يُعطيه نصفها، فذلك له، وقد بطلت شفعته؛ لأن هذا تسليم منه للنصف الذي لم يطلب، فإذا سلم النصف لم يكن له على النصف الآخر سبيل إلا أن يشاء المشتري.
وكذلك لو قال الشفيع: أعطني نصفها وأسلم لك النصف، أو أعطني نصفها على أن أسلم لك النصف، فإن هذا كله تسليم من الشفيع، إلا أن يكون الشفيع طلب من المشتري الدار كلها بالشفعة، فلم يسلم المشتري له، فقال: أعطني نصفها على أن أسلم لك النصف، أو أعطني نصفها وأسلم لك النصف، فإن هذا لا يكون تسليمًا، [وهذا كله في قول أبي يوسف: لا يكون تسليمًا وإن كان الشفيع قاله مبتدئًا].
[وجه] قول أبي يوسف: أنه سلم الشفعة في النصف بعوض يجوز أن يستحقه بالشفعة، فإذا لم يسلم له لم يصح إسقاطه، كمن طلق امرأته على ألف فلم تسلم له، لم يقع الطلاق.
وليس كذلك إذا سلم الدار على دراهم؛ لأنه أسقط حقه على عوضٍ لا يجوز أن يستحقه بالإسقاط، فصار كالمسلم إذا طلق امرأته على خمر فقبلت، أن الطلاق يقع ويبطل الخمر.
وجه قول محمد: أن الشفيع لما أسقط حقه في النصف، فكأنه ترك المطالبة بشفعته، فسقطت شفعته فيه، كما لو ترك المطالبة بالجميع.
فإذا سقطت في النصف، سقطت في الباقي؛ لأن [الشفيع] (١) لا
стр. 3400
يملك تبعيض الصفقة على المشتري.
وليس كذلك إذا أشهد ابتداءً ثم قال ذلك؛ لأنه ترك المطالبة بالنصف، وذلك لا يسقط شفعته، كما لو ترك المطالبة بالكل بعد الإشهاد.
قال: وإذا سَلَّم الشفيع الشفعة وهو لا يعلم [بالشراء] (١)، فالتسليم جائز غائبًا كان المشتري أو حاضرًا، بعد أن يكون التسليم بعد البيع؛ وذلك لأن التسليم صريح في إسقاط الحق، فيستوي فيه العلم والجهل، كالطلاق والعتاق والبراءة من العيب والدين.
وعلى هذا، جعل بيع الشفيع لداره إبطالًا للشفعة، علم بها أو لم يعلم؛ لأن المعنى الذي به تعلق الاستحقاق زال.
وقال في مساومة الشفيع للمشتري أو استئجاره: إن كان ذلك بعد العلم سقطت شفعته، وإلَّا لم تسقط؛ لأنه ليس بصريح إسقاط، وإنما يستدل به على الإعراض، وذلك لا يكون إلا بعد العلم حق يسقط الشفعة، وإلا لم يَسقط.
قال: وإن كان التسليم قبل عقده البيع فالتسليم باطل؛ لأنه إسقاط حق قبل وجوبه، وقبل وجود سبب وجوبه، إلا أنه لا يُصدَّق أنه لم يعلم؛ لأنه أسقط الحق في الظاهر، وإنما يتصوّر ذلك إذا صدقه المشتري أنه أسقطه قبل البيع، [والله أعلم] (٢).