← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

قال: ولو صالح المشتري الشفيع في الشفعة على دراهم أو عرض فالصلح باطل، ويرد ذلك على المشتري، وتبطل شفعته؛ وذلك لأن الشفعة لا يصح لأحد أخذ العوض على إسقاطها؛ لأن المشتري يملك المبيع (١) قبل إسقاط الشفعة وبعد إسقاطها على وجه واحد، فلا يكون في ذلك معنى تملكه المشتري بإزاء العوض، فصار أكل مال بالباطل. وعلى هذا، قال أصحابنا: إذا قال الزوج للمخيّرة: اختاري بألف، أو قال العِنِّيْنُ ذلك لامرأته، أو قال: اختاري ترك الفسخ بألف، فاختارت، لم يثبت العوض؛ لأنه ملك بُضْعها قبل اختيارها وبعده على وجه واحدٍ، فصار هذا أكل مال بباطل. فإذا ثبت أن الشفعة لا يصح أخذ العوض [عن إسقاطها، وسقوطها لا يفتقر إلى العوض، فبطلان العوض فيها] من طريق الحكم لا يمنع من سقوطها، كالمسلم إذا طلق امرأته على خمر، بطلت الخمر من طريق الحكم، ولم يبطل الطلاق. وقد اختلفت الرواية في الكفالة بالنفس إذا أبطلها بعوض، فقال في إحدى الروايتين: الكفالة باطلة، والعوض باطل، وسوّى بينها وبين الشفعة؛ لأن إسقاط الحق فيها لا يقف على عوض، فبطلان العوض من طريق الحكم لا يمنع من بطلانها. وقال في الرواية الأخرى: لا تسقط؛ لأنها حق أقوى من الشفعة، بدلالة أنها لا تبطل بالسكوت والإعراض، وهو لم يرض بإسقاطها إلا بعوض، فإذا لم يسلم له العوض لم يسقط.

стр. 3397

قال: وكذلك إن باع الشفيع داره التي تشفع بها بعد شراء المشتري، وهو يعلم بالشراء أو لا يعلم، فقد بطلت شفعته؛ لأنه يستحقها بالجوار، وقد زالت المجاورة، وإن رجعت إلى ملكه وقد فسخ البيع [بعيب] بقضاء أو بغير قضاء، أو بخيار رؤية، أو شرط، فليس له أن يأخذها بالشفعة؛ لأن شفعته بطلت ببيعه، فلا تعود إلا بعود سببها، وهو البيع. قال: وإن باع الشفيع داره على أنه بالخيار بعد شراء المشتري، فهو على شفعته ما لم يرض بالبيع؛ لأن ملكه لم يزل عمّا يشفع به. [قال]: فإن طالب في مدة الخيار الشفعةَ، كان ذلك منه نقضًا للبيع؛ لأن طلب الشفعة يدل على اختياره تبقية المبيع على ملكه، وذلك سبب مسقط لخيار البائع. قال: ولو باع الشفيع الدار بيعًا فاسدًا، وقبض المشتري، والبيع فاسد من البيوع التي تملك [بالقبض]، بطلت شفعته، فإن نقض البيع الفاسد وردت عليه فلا شفعة له؛ وذلك لأن البيع الفاسد إذا اتصل به القبض أزال الملك كالصحيح (١). قال: ولو أن الشفيع باع نصف داره، أو ثلثها، أو أكثر من ذلك بعد أن يبقى منها شيء، وما باع شائع، فله الشفعة بما بقي؛ وذلك لأن الباقي على ملكه من الدار، لو كان موجودًا في الابتداء لاستحق به الشفعة، وكذلك في حال البقاء يستحق به. قال: ولو باع منها بيتًا أو حجرةً، وليس ما باع مما يلي الدار التي يطلب

стр. 3398

شفعتها، فهو على شفعته؛ وذلك لأنه يستحق بالجوار، وهو موجود فيما بقي من الدار. وإن باع مما يلي الدار، قال أبو يوسف: وهو على وجهين: إن كانت قد استغرقت حد الدار التي فيها الشفعة فلا شفعة للبائع، وإن كان بقي من حدها شيء ملازق لما بقي (١) من الدار، فهو على شفعته؛ لأنه إذا استغرق الحدَّ بالبيع، فلم يبق له جوار، فسقطت شفعته. وإذا لم يستغرق الحد، فقد بقي ما لو كان موجودًا في الابتداء استحقت به الشفعة، فكذلك [في] البقاء. قال: ولو كان الشفيع شريكًا وجارًا فباع نصيبه [من الشركة] الذي يشفع به، كان له أن يطالب بالشفعة بالجوار (٢). وهي أيضًا رواية الإملاء، رواها علي بن الجعد عن أبي يوسف؛ لأنه يستحق الشفعة بسببين، فإذا باع الشقص فقد بقي السبب الآخر، وهو مما يستحق به الشفعة في الابتداء، فكذلك في حال البقاء. قال ابن الجعد: وسألت أبا يوسف في رجل اشترى دارًا ولها شفيع، فقال الشفيع: آخذ نصفها بالشفعة، فقال له المشتري، هذا منك تسليم، قال أبو يوسف: ليس هذا بتسليم. وقال محمد في مثل هذا: هو تسليم.

стр. 3399

وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل اشترى دارًا، فأتاه شفيعها فقال: سلم لي نصفها بشفعتي، فأبى المشتري أن يُعطيه نصفها، فذلك له، وقد بطلت شفعته؛ لأن هذا تسليم منه للنصف الذي لم يطلب، فإذا سلم النصف لم يكن له على النصف الآخر سبيل إلا أن يشاء المشتري. وكذلك لو قال الشفيع: أعطني نصفها وأسلم لك النصف، أو أعطني نصفها على أن أسلم لك النصف، فإن هذا كله تسليم من الشفيع، إلا أن يكون الشفيع طلب من المشتري الدار كلها بالشفعة، فلم يسلم المشتري له، فقال: أعطني نصفها على أن أسلم لك النصف، أو أعطني نصفها وأسلم لك النصف، فإن هذا لا يكون تسليمًا، [وهذا كله في قول أبي يوسف: لا يكون تسليمًا وإن كان الشفيع قاله مبتدئًا]. [وجه] قول أبي يوسف: أنه سلم الشفعة في النصف بعوض يجوز أن يستحقه بالشفعة، فإذا لم يسلم له لم يصح إسقاطه، كمن طلق امرأته على ألف فلم تسلم له، لم يقع الطلاق. وليس كذلك إذا سلم الدار على دراهم؛ لأنه أسقط حقه على عوضٍ لا يجوز أن يستحقه بالإسقاط، فصار كالمسلم إذا طلق امرأته على خمر فقبلت، أن الطلاق يقع ويبطل الخمر. وجه قول محمد: أن الشفيع لما أسقط حقه في النصف، فكأنه ترك المطالبة بشفعته، فسقطت شفعته فيه، كما لو ترك المطالبة بالجميع. فإذا سقطت في النصف، سقطت في الباقي؛ لأن [الشفيع] (١) لا

стр. 3400

يملك تبعيض الصفقة على المشتري. وليس كذلك إذا أشهد ابتداءً ثم قال ذلك؛ لأنه ترك المطالبة بالنصف، وذلك لا يسقط شفعته، كما لو ترك المطالبة بالكل بعد الإشهاد. قال: وإذا سَلَّم الشفيع الشفعة وهو لا يعلم [بالشراء] (١)، فالتسليم جائز غائبًا كان المشتري أو حاضرًا، بعد أن يكون التسليم بعد البيع؛ وذلك لأن التسليم صريح في إسقاط الحق، فيستوي فيه العلم والجهل، كالطلاق والعتاق والبراءة من العيب والدين. وعلى هذا، جعل بيع الشفيع لداره إبطالًا للشفعة، علم بها أو لم يعلم؛ لأن المعنى الذي به تعلق الاستحقاق زال. وقال في مساومة الشفيع للمشتري أو استئجاره: إن كان ذلك بعد العلم سقطت شفعته، وإلَّا لم تسقط؛ لأنه ليس بصريح إسقاط، وإنما يستدل به على الإعراض، وذلك لا يكون إلا بعد العلم حق يسقط الشفعة، وإلا لم يَسقط. قال: وإن كان التسليم قبل عقده البيع فالتسليم باطل؛ لأنه إسقاط حق قبل وجوبه، وقبل وجود سبب وجوبه، إلا أنه لا يُصدَّق أنه لم يعلم؛ لأنه أسقط الحق في الظاهر، وإنما يتصوّر ذلك إذا صدقه المشتري أنه أسقطه قبل البيع، [والله أعلم] (٢).

стр. 3401

بَابْ: الشفيع يُخبر بعقدِ البيع فيسلّم ثم يعلم أن البيعَ بخلافِهِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا أُخبر الشفيع أن دارًا بيعت بألف درهم، وهو شفيعها، فسلم الشفعة، ثم علم أنه اشتراها بأكثر من ألف درهم، فالتسليم جائز، وإن كانت بيعت بأقل من ألف، فالتسليم باطل، وله الشفعة (١). قال رحمه الله تعالى: والأصل في ذلك أن الغرض [بالشفعة] يختلف باختلاف الثمن وجنسه، ويختلف باختلاف المشتري، وبصفة المبيع، فيكون للشفيع غرض في بعض الوجوه دون بعض، فإذا سلم على بعض الوجوه، فبان أن الشراء وقع على وجه آخر، [فكأنّ التسليم وقع بالشرط الذي أخبر به، فإذا] لم يكن التسليم واقعًا على الشرط الذي أخبر به، فتبقى له الشفعة بحالها. وإذا ثبت هذا قلنا: إذا قيل له: إن الدار بيعت بألف، فإنما سلم لأنها لم تصلح له بهذا القدر من الثمن، فإذا كان المبيع بأكثر من ألف، فأولى أن لا تصلح له، وليس كذلك إذا بان أنها بيعت بأقلَّ من ألف؛ لأنه إنما سلم للشفعة بالألف استعظامًا للثمن، فإذا بان أنه أقل، صلحت له الدار به، فكأنه قال: سلمت شفعتي إن كان الثمن ألفًا. وأما إذا سلم الشفعة وقد أخبر أن الثمن ألف، فإذا هو مائة دينار، فإن كانت

стр. 3402

قيمتها ألفًا أو أكثر، صَحَّ التسليم، وإن كانت قيمتها أقل من ألف، فله الشفعة. وقال زفر: له الشفعة في الوجهين. وجه قولهم: أن الدراهم والدنانير في حكم الجنس الواحد؛ لأنهما أثمان الأشياء، فوجب أن يعتبر اختلاف القدر فيهما، كما يعتبر في الجنس الواحد؛ ولأنه لا ينتقل بنقل أحدهما إلى الآخر، فلم يجز أن يكون التسليم لمعنى يعود إلى الجنس، فلم يبق إلا أن يكون للقدر. وليس هذا كما لو أخبر أنها بيعت بحنطة فسلّم، ثم بان أنها بيعت بشعير قيمته مثل الحنطة أو أقل، فله الشفعة؛ وذلك لأن هذه الأجناس لم تجر مجرى الجنس الواحد، وتنقل على الإنسان نقل بعضها إلى بعض، فيجوز أن يكون سَلّم لأنه لا يقدر على الحنطة، وعنده شعير، فيسهل عليه الأخذ به، فلم يكن ذلك تسليمًا. وجه قول زفر: أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان، يجب الشفعة بهما، فإذا سلم في أحدهما لم يكن تسليمًا في الآخر، كالمكيلات. وأما إذا بلغه أنها بيعت بألف، فسلم، ثم علم أنها بيعت بمكيل أو موزون غير الدراهم والدنانير، أو [بمعدود] (١) غير متفاوت، فشفعته باقية، وتسليمه باطل؛ لأنه يجوز أن يكون سلم لأنه لا يقدر على الدراهم، ويقدر على الجنس الذي بيعت به، فكأنه سلم إن كان البيع [وقع] بالدراهم. وأما إذا بان أن الشراء بعرض من العروض مما لا تجب الشفعة بمثله إنما

стр. 3403

تجب بقيمته، [فإن كانت قيمته مثل الألف أو أكثر، فهو تسليم، وإن كانت أقل فليس بتسليم؛ لأن العرض لا تجب الشفعة بمثله، وإنما تجب بقيمته]، والقيمة من جنس الدراهم، فكأنه سلم وقد بلغه قدر من الدراهم، وبان قدر آخر، فإن كان أكثر صَحّ التسليم، وإن كان أقل فليس بتسليم. وأما إذا بلغه أن الثمن عَرَض مسلم، ثم وجد الثمن من صنف آخر مما تجب الشفعة في مثله، فله الشفعة؛ لأن الشفيع هاهنا إنما سلمها لأن الجنس الذي بلغه لا يقدر عليه، ويجوز أن يتيسر عليه جنس آخر. وأما إذا بلغه أنه اشترى نصف الدار، ثم علم أنه اشترى جميعها (١)، فله الشفعة. ولو قيل له: إنها اشتريت كلها، فسلم الشفعة، ثم بان أنه اشترى نصفها، كان التسليم جائزًا عليه، وذكر النمر بن حزار ضد هذا، فقال: إذا قيل له: إنها بيعت كلها، (فسلم، ثم بان أن نصفها بيع، فله الشفعة، فإن قيل له: إنها بيع نصفها، فسلم، فبان أنها بيعت كلها) (٢)، فلا شفعة له. ووجه الرواية الأولى، وهو المشهور: أنه إذا بلغه بيع النصف، فإنما أسقط حقه عن النصف، ولم يسقط حقه عن الباقي، فلم يجز أن يلزمه إسقاط الحق في بقية الدار؛ ولأنه سلم في النصف كيلًا يستضر بالشركة؛ لأنها عيب، فإذا بيعت كلها فلا عيب ولا ضرر بالشركة، فتثبت له الشفعة. وأما إذا سلم الشفعة في جميعها، فقد سلّم في كل جزء منها؛ ولأنه إذا

стр. 3404

سلم مع عدم العيب والضرر بالشركة، فتسليمه مع وجودهما أولى. أما وجه رواية النمر: فلأن الإنسان قد يسلم الشفعة في الجميع؛ لأنه لا يجد مقدار ثمنه، ويصلح له البعض؛ لأنه يتمكن من ثمنه. وأما إذا سلم في البعض، فقد سلم لعجزه، فهو عن جميعه أعجز. وأما إذا أخبر أن المشتري زيد، فسلم، ثم علم أن المشتري عمرو، فهو على شفعته؛ وذلك لأن الإنسان قد يصلح له مجاورة واحد ولا يصلح له مجاورة آخر، فلم يكن التسليم لواحد تسليمًا لغيره؛ ولأنه أسقط حقه قِبَلَ زيد، فبقي حقه قِبَلَ عمرو بحاله. وأما إذا أخبر أن المشتري زيد، فسلم، ثم بان أن المشتري زيد وعمرو، أخذ نصيب عمرو وسلم لزيد نصيبه؛ لأنه لما سلّم لزيد الشفعة في جميع الدار كان ذلك تسليمًا لكل جزء منها، ولم يسلم لعمرو شيئًا، فجاز له أخذ نصيبه؛ لأن الشفيع يملك أخذ نصيب أحد الشريكين، والمشتريين دون الآخر. وقد قالوا في الشفيع: إذا أخبر أن الدار بيعت بألف فسلم الشفعة، ثم إن البائع حط عن المشتري خمسمائة، فقبل الحط، كان للشفيع الشفعة؛ لأن الحط يلحق العقد عندنا، والشفيع إنما سلم لكثرة الثمن، فإذا نقص الثمن في حقه، صار كما لو بان له أن الثمن كان ناقصًا في الابتداء، ولو لم يقبل المشتري الحطّ لم تجب الشفعة؛ لأن صفة الثمن لا تتغير عن القدر الذي سلم به الدراهم (١).

стр. 3405

بَابْ: الشفيع يُطالب أن يُحكم له بالشفعةِ كيف ينبغي للحاكم أن يحكم والمال حاضر أو غير حاضر قال ابن سماعة: سألت محمدًا، قلت: أرأيت الشفيع إذا طلب الشفعة، أيقضي له بها القاضي على أن يدفع الثمن من ساعته، أرأيت إن قضى له بالشفعة وأمره أن يدفع الثمن إلى المشتري من ساعته؟ فقال: لا أنفذه إلى يوم أو يومين، أو قال: إلى شهر، فأبى المشتري أن يقبل ذلك، أيفسخ قضاؤه إن كان قضى له بها، أم لا؟ وما القول في ذلك إن كان لم يقض له بها. قال محمد: ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة حتى يحضر الشفيعُ المال، فيقضي له بالشفعة، ويدفع إلى المشتري الثمن. فإن طلب الشفيع أجلًا في المال، أجابه إليه يومًا أو يومين أو ثلاثة، فإن أحضر المال وإلَّا أبطل شفعته. وإن عزل القاضي، فقضى [له] بالشفعة [وقضى له بالثمن] ثم أبى الشفيع أن يدفع الثمن، حبسه في السجن حتى يدفع المال، ولا ينقض الأخذ بالشفعة، ألا ترى هذا بمنزلة الشراء من البائع للمشتري، وقد ذكر في الأصل أن للمشتري أن يحبس الدار حتى يستوفي الثمن من الشفيع، وكذلك من ورثته إن مات. وهذا يدل على أن القاضي يقضي بالشفعة قبل إحضار الثمن، فيكون ما ذكره محمد قوله وحده، وظاهر رواية الأصل قول أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 3406

وذكر أبو الحسن في هذا الباب عن الحسن، عن أبي حنيفة مثل قول محمد: أن القاضي لا يقضي حتى يحضر الشفيعُ الثمنَ. وجه قولهما المشهور: أن الثمن إنما يجب بعد انتقال الملك إلى الشفيع، وإنما ينتقل (الملك بالقضاء، فلم يجب على الشفيع إحضار ثمن لم يلزمه، كما لا يجب على المشتري ذلك قبل البيع؛ ولأن البيع ينتقل من المشتري إلى الشفيع كما ينتقل) (١) من البائع إلى المشتري، فإذا لم يقف انتقال أحدهما على إحضار الثمن، فكذلك الآخر. ووجه قول محمد: أن الشفعة تجب لإزالة الضرر عن الشفيع، فلم يجز إلحاق الضرر بالمشتري، ولو قضى القاضي قبل إحضار الثمن له بالشفعة، لم يأمن أن يكون الشفيع مفلسًا، فيتعجل [مِلك] (٢) الدار ويتأخر الثمن عن المشتري، وهذا لا يجوز. وليس كذلك البيع؛ لأن الملك ينتقل فيه برضا البائع، فلذلك استوى ما فيه ضرر وما لا ضرر فيه. وأما قول محمد: إن الشفيع إذا طلب من القاضي أن يؤجله بالثمن، أجله إلى يومين أو ثلاثة؛ فلأن الثلاثة أقصى مدة وضعت في الشرع للارتياء، وهو خيار الشرط، فيؤجله هذا القدر، فإن أحضر فيه الثمن وإلا بطل حق شفعته؛ لأن في تبقيتها مع تعذر الثمن إضرار بالمشتري. وأمّا قوله: إن القاضي إذا عجل، فقضى، يحبس الشفيع في السجن إن امتنع

стр. 3407

من دفع الثمن؛ لأنه حق وجب عليه، فإذا امتنع من أدائه حُبس كما يُحبس المشتري إذا امتنع من أداء الثمن. قال ابن سماعة: سمعت محمدًا قال في رجل اشترى دارًا فجاء الشفيع وطلب أخذها بالشفعة، فقال المشتري: هات الثمن وخذها بشفعتك، قال: نعم، أو قال: آتيك به، ثمَّ لم يخاصمه الشفيع ولم يأت بالثمن حتى مضى شهر، قال: أُبطل شفعته، أستحسن ذلك في شهرٍ. ولو خاصمه الشفيع إلى القاضي، فأقَرَّ المشتري أنه شفيع، وقال: هات الثمن وخذها، فأمره الحاكم أن يدفع الثمن إليه ويأخذ منه الدار، فله ذلك. فإن أخّر دفعه شهرًا أو أكثر من ذلك لم تبطل شفعته. وينبغي للقاضي إذا تقدم إليه في هذا: أن يؤجل الشفيع أجلًا، ويقول له: إذا لم تأت بالثمن إلى هذا الأجل، فلا شفعة لك. أمّا إذا لم يخاصم حتى مضى شهرًا، بطلت شفعته عند محمد استحسانًا، ولم تبطل في قولهما إذا كان أشهد، وقد قدمنا هذه المسألة. وأما إذا خاصم في الشهر إلى القاضي، وطالبه بالشفعة، فقال القاضي: ادفع الثمن، فأخّره، لم تبطل شفعته عند محمد؛ لأنه يجعل ترك الخصومة في الشهر إعراضًا عن الشفعة، فإذا خاصم فيها إلى القاضي، فلم يعرض، فلا تبطل شفعته. وهذا [يوجب] (١) أن يؤجل القاضي الشفيع (هذا القدر من الأجل) (٢)،

стр. 3408

حتى لا يستضر المشتري بتأخير الشفيع، يعني يومين أو ثلاثة. وأما إذا ضرب القاضي للشفيع أجلًا، وقال له: إن لم تأت بالثمن إلى وقت كذا فلا شفعة لك، فلم يأت به بطلت شفعته؛ لأنه لما لم يحضره مع التأجيل، فقد أعرض عن شفعته، فصار ذلك إسقاطًا لها. ويجوز أن يقال: إن إسقاط الشفعة يتعلق بالشرط؛ لأنه إسقاط حق ليس فيه معنى المال، فجاز أن يتعلق بالشرط كالطلاق؛ ولهذا قالوا في براءة الكفيل: إنها تتعلق بالشرط في إحدى الروايتين. وقال ابن رستم: عن محمد إذا طلب الشفيع من المشتري الشفعة، [فقال المشتري: سلّم المال]، فقال له الشفيع: إن لم أعطك إلى ثلاثة أيام أو أجل رضيا به [فأنا] (١) بريء من الشفعة، فلم يعطه المال في (٢) الأجل، قال: بطلت شفعته. وكذلك لو كان القاضي هو أجله؛ وذلك لأنه علق إسقاط الشفعة بشرط، وقد بيّنا أن ذلك جائز كالطلاق. وقال ابن شجاع: إذا لقي المشتري الشفيع فأعلمه أنه قد اشتراها، وقال: هات ثمنها وخذها، فمكث ثلاثًا لا يجيئه بالمال ولا يطلب، بطلت شفعته، ولم يضف ابن شجاع هذا القول إلى أحد من أصحابنا، فيجوز أن يكون قوله، فإن كان يعني بذلك أن الشفيع لم يشهد، فحقه لم يستقر، فإذا أخّر الأخذ فقد دل

стр. 3409

على الإعراض، فسقط [حقه]، وإن كان يعني بذلك إذا أشهد [فقد] قدر ترك الخصومة ثلاثة أيام، كما قدرها محمد [بالسفر] (١)؛ لأن الثلاثة [الأيام أقصى] مدة الارتياء، فيسقط الحق بمضيّها كما يسقط الخيار (٢).

стр. 3410

بَابْ: الدارُ تُباعُ ولها شُفعاء قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا بيعت الدار ولها شفعاء جماعة بجوارٍ أو شركةٍ، فحضروا جميعًا، فهي بين الشركاء (١) على عددهم دون أنصبائهم (٢). فإن سلَّم الشركاء كلهم إلا واحدًا، فله أن يأخذ جميع الدار، وكذلك إن سلم بعضهم وبقي بعضهم، فالدار كلها بين مَنْ لَمْ يسلم على قدر عددهم. فإن سَلَّم الشركاء [كلهم] فللجيران الشفعة على [قدر] عددهم. أما كون الشفعة على [عدد] (٣) الرؤوس؛ فقد بيّناه. وأمّا إذا أسقط أحدهم (٤) حقه، فللباقين الشفعة؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد، ثبت له حق أخذ الجميع. وإنما يسقط حقه عن بعضها بالمزاحمة، فإذا سقطت المزاحمة بقي حقه في الجميع بحاله، وهذا كالغرماء إذا تخاصموا (٥) في التركة، فأسقط بعضهم [حقه]، سلمت التركة للباقين.

стр. 3411

وعلى هذا، [قالوا] في قاتل الاثنين: إذا عفا ولي أحدهما فللآخر القصاص؛ لأنَّ حقه ثبت في الجميع. فإذا [ترك] (١) الآخر، فكأنه لم يكن. وليس هذا كالعبد إذا قتل اثنين خطأً فعفا ولي أحدهما، أن ولي الآخر يبقى حقه في نصف العبد، ويقال لمولاه: إما أن تدفع إليه نصف العبد أو تفديه؛ وذلك لأن جناية الخطأ مال، فإذا تعلقت الجنايات بالرقبة، تضايقت فيها، فيثبت لكل واحد منهما النصف، فإذا سلم الآخر لم يعد حق الباقي، وليس كذلك الشفعة؛ لأنها حق ليس بمال، فهي بدم العمد أشبه. وأما إذا سَلَّم الشركاء، وقد كان الجيران أشهدوا عند البيع، فلهم الشفعة، وهذا خلاف [قول] أبي يوسف، وقد بيّنا. فإن كان بعضهم غُيّبًا وبعضهم حضورًا حكم بالدار بين الحاضرين على عددهم، ولا معتبر بمن غاب؛ وذلك لأن الحاضر يثبت له حق في الجميع، وإنما يسقط حقه بالمزاحمة، والغائب يجوز أن يطالب ويجوز أن لا يطالب، فلم يجز إسقاط حق الحاضر بالشك (٢). قال: وإن جعل بعضهم نصيبه لبعض لم يصح ذلك [له]، ويسقط حق الجاعل، وقسمت على عدد من بقي؛ وذلك لأن حق الشفعة لا يصح نقله إلى غير الشفيع، ولهذا يسقط بالموت، ولا ينتقل إلى الوارث، فإذا جعله الشفيع

стр. 3412

لغيره، فقد أسقطه ونقله إلى غيره، فيصح إسقاطه، ويبطل نقله. قال: وإذا كان لها شفيعان فحضر أحدهما، حكم له بجميعها، فإن حكم له ثم جاء شفيع آخر، أخذ منه نصف الدار، فإن جاء ثالث، فله أن يأخذ من يد كل واحد منهما ثلث ما في يده، حتى تكون الدار بينهما أثلاثًا على عددهم؛ وذلك لأن حق الغائب متعلق بالدار، لا يسقط بغيبته، وإنما يُقضى بها للحاضر؛ لأنه لا مزاحم له. فإذا حضر الغائب كان له المطالبة بحقه؛ ليساوي الحاضر (١) فيه. [قال]: فإن قَدِمَ [الغائب] (٢) فقال: أنا آخذ النصف فحسب، وقال الحاضر الذي أخذ الدار كلها: أنا أسلم لك الكُلَّ، فإما أن تأخذ الكل وإما أن تدع، فله أن يأخذ النصف، وليس للذي كان حاضرًا أن يلزمه أكثر من ذلك؛ وذلك لأن حكم الحاكم للحاضر إسقاط لحق الغائب عن مقدار نصيب الحاضر، فإذا أسقط حقه عن النصف، لم يلزمه أن يأخذ إلَّا [ما] تعلق حقه به. وليس كذلك إذا لم يحكم الحاكم، فترك أحدهما نصيبه؛ لأنّ القاضي لم يسقط حق الآخر عما تعلق به، فإذا سقطت المزاحمة بقي حقه في الجميع، فكأنه لم يكن إلا هو، فلا يجوز له أخذ البعض. وهذا كما قالوا: في رجلين ادعى كل واحد منهما دارًا في يد رجل، [وأقاما البيّنة أنها لهما] (٣)، ثم [لو] أبرأه أحدهما من الدعوى قبل الحكم، قضى

стр. 3413

القاضي بجميع الدار (للآخر. ولو حكم بالبينتين) (١) ثم أبرأ أحدهما من الدعوى، لم يكن للآخر إلا النصف؛ لأن حكم الحاكم لهما إسقاط لحق كل واحد منهما عما قضي به للآخر، (إلا أن العين تضايقت للمزاحمة، فإذا سقطت المزاحمة، كان الكل للباقي) (٢). قال: وإذا بيعت دار ولها شفيعان، فحضر أحدهما وحكم الحاكم له بها، فاطلع الشفيع على عيب بعد الحكم قبل القبض أو بعد القبض، فرد الدار بقضاء قاضٍ أو بغير قضاء، ثم قدم الغائب، فليس له أن يأخذ بالبيع الأول إلا نصف الدار. وإن أراد الغائب أن يأخذها برد الحاضر [لها] ويدع البيع الأول، فإن كان الرد بقضاء قاضٍ، فليس له أن يأخذ بالرد، وإن كان الرد بغير قضاء قاض، فإن شاء أخذها كلها بالرد، وإن شاء أخذ النصف بالبيع الأول؛ وذلك لما بيّنا أن الحكم للحاضر إسقاط لحق الغائب عن النصف، فإذا ردها بغير قضاء، فهذا كبيع مبتدأ فيما بينهما، فيثبت للشفيع به الشفعة، وإذا ثبت له [حقّ الآخر] من وجهين، فإن شاء أخذ بالسبب الأول النصف لسقوط حقه عن النصف الآخر، وإن شاء أخذ بالسبب الثاني الجميع. [قال]: ولو كان الشفيع الأول خاصم فيها، ثم ظهر على عيب قبل الحكم، فردّها وسلّم الشفعة فيها، ثم حضر الغائب، أخذها كلها إن شاء، وإن شاء ترك؛ وذلك لأن الحاكم لما لم يحكم له بالشفعة، لم يسقط حق الغائب عن شيء منها، فإذا أسقط الحاضر حقه، بقي حق الغائب في الجميع.

стр. 3414

قال: ولو حضر الشفيعان في مسألتنا هذه، وقد كان رد الشفيع الحاضر بعد الحكم، أخذ ثلثي الدار بالشفعة؛ لأن حكم الحاكم إسقاط لحق الغائب عن قدر نصيب الحاضر، وهو الثلث على ما بيّنا. قال: ولو كان الشفيع الحاضر اشتراها من المشتري شراءً، ثم حضر الغائب: فإن شاء أخذها كلها بالبيع الأول، وإن شاء أخذها كلها بالبيع الثاني. أما بالبيع الأول؛ فلأن الشفعة ثبتت لهما، فإذا اشترى أحدهما، فشراؤه إسقاط للشفعة، فيبقى حق الآخر في الجميع. وأما الشراء الثاني؛ فلأن المشتري كان له حق المطالبة بالشفعة، فلما عدل عنها إلى الشراء كان ذلك إسقاطًا لما تعلق [له] بالعقد الأول، فلم يثبت له حق الشفعة مع إعراضه عنه. قال: ولو كان المشتري الأول شفيعًا للدار، فاشتراها الشفيع الحاضر منه، ثم قدم الغائب، فإن شاء أخذ بالبيع الأول نصفها، وإن شاء أخذ [الدار] كلها بالبيع الثاني، وشراء الشفيع مثل حكم الحاكم له بالشفعة، ويسقط ما يخص المشتري من الشفعة، ولا يكون في قدر ذلك لمن حضر من الشفعاء شفعة هنا؛ لأن المشتري [الأول] لم يثبت له حق قبل الشراء حتى يكون بابتياعه معرضًا عنه، فيثبت له بهذا العقد حق وللغائب، فلم يكن للغائب أن يأخذ بهذا العقد إلا مقدار ما يخصه بالمزاحمة. وأما العقد الثاني، فقد ثبت للشفيع حق الشفعة قبله، فلما اشترى أسقط حقه عن العقد الأول، ولم يتعلق بعقده مع إعراضه، فكان للغائب أن يأخذ بالعقد الثاني كل الدار.

стр. 3415

وإنما قالوا: إن شراء الشفيع للدار ابتداءً يسقط حق الشفيع الآخر عن مقدار نصيب المشتري؛ لأن ابتياعه يملك الدار مع ثبوت شفعته، فهو كحكم الحاكم الموجب لنقل الملك، فيسقط حق الغائب عن نصيب الحاضر. قال: وإن كان المشتري الأول أجنبيًا، اشتراها بألف [درهم]، فباعها من أجنبي بألفين، ثم حضر الشفيع والمشتريان حاضران، فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بالبيع الأول، ويسلم الثمن إلى المشتري الأول وكانت عهدته عليه، وإن شاء أخذها بالبيع الثاني وكانت عهدته على الثاني؛ وذلك لأن كل واحد من العقدين سبب يثبت به الشفعة، ومن ثبت له حق من أحد وجهين، كان له الخيار في أن يأخذ بأيهما شاء. [قال]: فإن جاء الشفيع والمشتري [الأول] غائب، فخاصم الثاني وأراد أن يأخذ الدار بالبيع الأول، فلا خصومة بينه وبين الثاني في قول أبي حنيفة ومحمد. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: يأخذها من الذي هي في يده من غير أن يحضر المشتري الأول، ويدفع إليه ألف درهم، ويقال له: اطلب صاحبك الذي باعك فخذ منه ألفًا آخر. وقال محمد: لا خصومة بينهما حتى يحضر الأول، فإذا حضر، رد البيع الأول ثم أخذها بالثمن الأول من الأول، وردّ المشتري الأول على المشتري الثاني ما قبضه منه. وإن أراد الشفيع أن يأخذها بالبيع الثاني، فله أن يأخذها من المشتري الثاني، وهو خصم في قولهم جميعًا، وكذلك رواها الحسن عن أبي حنيفة وزفر.

стр. 3416

وقال أبو يوسف (١): إن الثاني لا يكون خصمًا إذا كان الأول غائبًا. وجه قول أبي حنيفة ومحمد وزفر: أن أخذ الدار بالبيع الأول يتضمن فسخ البيع بين المشتري الثاني والمشتري الأول، وذلك لا يجوز مع غيبة الأول؛ لأن القضاء على الغائب لا يجوز إلا بحضوره أو بحضور من قام مقامه، فلم يبق إلا نفاذ الحكم. وليس كذلك إذا أراد أخذها بالبيع الثاني؛ لأن الأخذ لا يتضمن فسخ البيع الثاني، وإنما ينتقل الشيء إليه من ملك المشتري، فلذلك كان خصمًا فيه. وجه قول أبي يوسف: أن حق الشفيع سابق لحق المشتري، فصار الشفيع كالمستحق، ولو أن رجلًا اشترى دارًا من غائب، فحضر رجل وأقام البينة أنها له، قضي على المشتري مع غيبة بائعه، كذلك هذا. وإنما قال أبو يوسف: إن الشفيع يدفع إلى المشتري الثاني الألف؛ (لأنها حق لبائعه، وقد ثبت له على بائعه ألفان، فكان له أن يأخذ الألف قصاصًا، ويرجع المشتري الثاني) (٢) على الأول بألف؛ لأن الملك يُستحق بسبب كان في يده، وسلامة الثمن موقوفة على سلامة المبيع. قال: ولو كان المشتري لم يبعها، ولكنه وهبها أو تصدق بها على رجل، وقبضها الموهوب له، ثم حضر الشفيع، فإن ابن سماعة روى عن أبي يوسف: أن للشفيع أن يأخذها من يد الموهوب له والمتصدق عليه، ويدفع الثمن إلى

стр. 3417

المشتري، ولا يكون الثمن للموهوب له، فإن كان المشتري غائبًا، استوثق من الشفيع في الثمن حتى يقدم المشتري، فيدفع إليه. وقال هشام عن محمد في هذه المسألة: يأخذ الشفيع الدار من الموهوب له، ويأخذ الحاكم الثمن من الشفيع، فيضعه على يدي عدل حتى يقدم الواهب (١). وكذلك كل تمليك يكون من المشتري في الدار فللشفيع أن يبطله ويأخذ الدار بالبيع الأول في قول أبي يوسف، ولا يكون الذي في يده الدار خصمًا في قول أبي حنيفة ومحمد؛ وذلك لأن أخذ الدار من الموهوب له فسخ الهبة بينه وبين المشتري، ولا يجوز فسخ الهبة في حق الغائب إلا بحضور من قام مقامه، وأبو يوسف [يقول]: حق الشفيع سابق لحق الموهوب له، فصار كحق المستحق. فأما الثمن: فلا يجوز دفعه إلى الموهوب له؛ لأن الهبة انفسخت، ولا حق للموهوب له على الواهب حتى يأخذ الثمن به، فعلى رواية ابن سماعة: يستوثق القاضي من الشفيع بكفيل احتياطًا لحق الغائب، وعلى رواية هشام عن محمد [عن أبي يوسف]: أن القاضي يأخذ الثمن فيجعله على يدي عدل، وهذا ليس باختلاف رواية، وإنما هو بحسب ما يرى من المصلحة [للغائب]؛ لأن في كلا الوجهين فائدة، ألا ترى أنه إذا استوثق من الشفيع [بكفيل] فالثمن في ضمانه، فإذا قبضه وجعله على يدي عدل، فهو في ضمان الغائب، والمصلحة في ذلك تختلف، فكان للقاضي اختيار أصلح الأمرين. وقد ذكر في المنتقى نظير هذه المسائل، قال: إذا اشترى الرجل دارًا بألف

стр. 3418

ثم باعها بألفين، فعلم الشفيع بالبيع الثاني، ولم يعلم بالأول، فخاصم فيها وأخذ شفعته بالبيع الثاني بحكم أو بغير حكم، ثم علم بالبيع الأول، فليس له أن ينقض أخذه، وقد بطلت شفعته في البيع الأول. وكذلك لو باعها صاحبها بألف، ثم ناقضه المشتري وردها، ثم اشتراها الشفيع بألفين، وهو لا يعلم بيعه إياها، ثم علم به، لم يكن أن ينقض شراءه؛ وذلك لأن الدار على ملك الشفيع، وأخذها بالعقد الأول فسخ لملكه، فلا يجوز له ذلك إلا من عيب، كما ليس للمشتري أن يفسخ البيع إلا بحق متعلق بهذا [العقد] (١) دون غيره؛ ولأن الأخذ بالشراء الثاني (يسقط الشفعة في البيع الأول لو كان عالمًا به، فكذلك إذا لم يعلم؛ لأن نقل الملك) (٢) المسقط للشفعة يستوي فيه العلم والجهل، كما لو باع الشفيع ملكه الذي يشفع به. قال: وإذا اشتراها بألف، وتقابضا، ثم زاده في الثمن ألفًا أخرى من غير أن يناقضا [البيع]، ثم علم الشفيع بالألفين ولم يعلم بالألف، وأخذها الشفيع بالألفين بحكم أو بغير حكم، قال: إن كان أخذها بحكم أبطله القاضي، فله أن يأخذها بألف، وإن كان أخذها بغير حكم، لم ينقض؛ وذلك لأنه ليس هاهنا سبب تتعلق به الشفعة، إلا سبب واحد، فقد حكم الحاكم بما لا يجوز به؛ لأن الزيادة لا تثبت في حق الشفيع، فكان عليه أن ينقض حكمه. وأما إذا أخذها الشفيع بغير حكم، فهذا كالشراء المبتدأ، فلا يجوز فسخه إلا بسبب في العقد يقتضي الفسخ، ولم يوجد.

стр. 3419

قال: ولو كان المشتري حين اشتراها بألف ناقضه البيع، ثم اشتراها بألفين، ثم علم الشفيع بالبيع الذي هو بألفين، ولم يعلم بالبيع الذي كان بألف، فأخذها بحكم أو بغير حكم، لم يكن له أن ينقض أخذه؛ لأنه اجتمع سببان، كل واحد منهما يوجب الشفعة، فالأخذ بأحدهما إسقاط للآخر. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال الحسن بن زياد: إذا أخرج المشتري الدار من ملكه، فإن جعلها مسجدًا، أو مقبرة ودفن فيها، أو صلّى في المسجد جماعة، فليس فيها شفعة لأحد. وهذه المسألة قد ذكرها في الأصل، وقال: الشفعة فيها واجبة، والوجه فيه: أن حق الشفيع سابق لحق المشتري، وقد بنى [المسجد] مع تعلق حق الغير بالشفعة، فصار كما لو بناها مسجدًا ثم استحقت؛ ولأن تعلق حق الآدمي بالبقعة يمنع كونها مسجدًا، كحق أحد الشريكين. وجه قول أبي الحسن: أنه تصرف في ملكه تصرفًا لا يلحقه الفسخ مع ثبوت حق الغير، فأسقط ذلك الحق كمن أعتق عبده المرهون، وكمن اشترى عبدًا مأسورًا يثبت لمولاه أخذه [منه]، ولو أعتقه المشتري سقط حق المولى، كذلك هذا. والجواب: أنّ هذا غير مسلم؛ لأن من مذهب محمد أن المسجد يلحقه الفسخ إذا خرب ما حواليه ويستغنى عنه، وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لو حكم حاكم بمذهب محمد، ثبت (١) حكمه، فإذن المسجد يلحقه الفسخ في قولهم جميعًا؛ فلذلك فارق العتق؛ ولأنهم قالوا: إن حق الغير يمنع حق الشريك

стр. 3420

من العتق، ويمنع من بناء المسجد (١). قال: ولو مات المشتري وأوصى بالدار لرجل، فللشفيع أن ينقض الوصية ويأخذ الدار بالشفعة من الورثة، والعهدة عليهم؛ وذلك لأن حق الشفيع سابق لحق الموصى له، فصار كالمستحق. قال: ولو أن رجلًا شرع في داره (٢) مسجدًا وأفرده منها، وجعل بابه إلى الطريق، فبيعت دار إلى جنب المسجد، لم يكن لمن جعل المسجد أن يأخذها بالشفعة لمجاورة المسجد في قولهم؛ لأن حق الشفعة إنما يثبت لمالك (٣) الشقص، والمسجد قد زال ملكه الثاني عنه، فلم يجز أن يأخذه بالشفعة ولا جوار له. قال هشام: سألت محمدًا عن رجل أوصى بغَلَّة داره أبدًا في المساكين، جعلها وقفًا، فبيعت دار إلى جنبها، فجاء ورثة الميت يَدَّعون شفعتها بهذه الدار، فلا شفعة لهم؛ وذلك لأن الوقف المحكوم بصحته قد زال ملك [الواقف] (٤) عنه ولم يملكه أحد، فلا يجوز أن يستحق به الشفعة كالمسجد. قال: وإذا اشترى رجل من رجل نصف دار، ثم قاسم المشتري البائع، ثم حضر الشفيع، فالقسمة ماضية، ويأخذ النصف مقسوما أو يدع، وسواء كانت القسمة بقضاء أو بغير قضاء، روى ذلك عليّ بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي

стр. 3421

حنيفة؛ وذلك لأن البائع إذا كان مالكًا لجميع الدار، فقد كان يملك أن يقسم ثم يبيع النصف مقسومًا، فلما باعه مشاعًا لا مقسومًا، فقد ملك المشتري ما كان يملكه البائع من القسمة، فصار ذلك من حقوق عقده. والمشتري إذا تصرف تصرفًا أوجبه العقد، لم يكن للشفيع فسخه، كما لو قبض المبيع، [وإن أراد] (١) الشفيع أن يفسخ القبض ويرد الدار إلى يد البائع ليأخذها منه، لم يكن له ذلك. وليس هذا كدار مشتركة بين شريكين باع أحدهما نصيبه وقاسم المشتري الذي لم يبع، ثم حضر الشفيع، فله أن يفسخ القسمة؛ وذلك لأن البائع لم يكن مالكًا للقسمة، ألا ترى أنه كان لا يقدر عليها إلا بحكم أو رضى، فلما باع لم يوجب للمشتري ما يملك، فصارت القسمة مما استفادها المشتري بحق الملك، لا بحكم العقد، وتصرف المشتري بحكم ملكه يثبت [للشفيع نقضه] (٢)، كما لو باع أو وهب. وقد ذكر علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن النصف الذي أصاب المشتري وقع في جانب الدار المشفوع بها، [وهذا التفصيل عائد إلى المسألة الأولى إذا كان مالكًا لجملة الدار]. وهذا صحيح؛ لأنه إذا وقع في غير جنسه، وهو لا يقدر على بعض القسمة، فليس بجار، فلا يستحق الشفعة. [والله أعلم] (٣).

стр. 3422

بَابْ: الشفيع يطلبُ الشفعة في بعضِ ما وقعَ عليه العقدُ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال أصحابنا [جميعًا] رحمة الله عليهم: إذا اشترى الرجل دارًا بألف درهم صفقة واحدة، فأراد الشفيع أن يأخذ بعضها دون بعض، أو أراد أن يأخذ ما يليه من الدار دون بقيتها، فليس له ذلك، وإنما له أن يأخذ الكل أو يدع؛ وذلك لأن الملك ينتقل إلى الشفيع من المشتري، كما ينتقل من البائع إلى المشتري، فإذا لم يملك المشتري تفريق الصفقة على البائع فيما ثبت حقه فيه، فكذلك الشفيع. قال: وإذا اشترى الرجل من الرجلين دارًا، وقبض أو لم يقبض، فأراد الشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين، فليس له ذلك. وإن كان البائع واحدًا والمشتري اثنين، كان له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر، أيّ النصيبين شاء، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، قاله محمد في إملائه؛ وذلك لأن المشتري الواحد مَلَك الدار بقبول واحد، فلم يملك الشفيع أخذ بعض ما تعلق به حقه دون بعض، كما لو كان البائع واحدًا [والمشتري واحدًا؛ ولأنه إذا أخذ بعض الدار، فرق الصفقة على المشتري على وجه يضر بالشركة، وهذا لا يجوز، كما لو كان البائع واحدًا]. وأمّا إذا اشترى اثنان من واحد، فلا ضرر على كل واحد منهما في أخذ نصيب الآخر؛ لأنه قد رضي بضرر الشركة، فلا فرق بين ضرر شركة الشفيع أو

стр. 3423

المشترى؛ لأنه يأخذ منه جميع ما ملكه بالعقد، فلا يلحق به ضرر كما لو اشترى وحده. وقد روي عنهم خلاف هذا: وهو أن الواحد إذا اشترى من اثنين، فإن [أخذ] الشفيع قبل القبض كان له أن يأخذ نصيب أحد البائعين، وإن أخذ بعد القبض، لم يكن له أن يأخذ نصيب أحدهما؛ لأنه إذا أخذ قبل القبض، انفسخ ملك المشتري، فصار الآخر ملك البائع، وقد أخذ جميع ما خرج من ملك البائع، فلم يكن فيه ضرر عليه، وليس كذلك بعد القبض؛ لأنه يأخذ من ملك المشتري فيتبعض عليه الملك، فلا يجوز. وقالوا: إذا اشترى اثنان من واحد، فإن أخذ الشفيع قبل القبض، لم يكن له أن يأخذ إلا الجميع؛ لأن ملك المشتري ينفسخ، فإن أخذ البعض يفرق الصفقة على البائع، وهذا لا يجوز. وإن أخذ بعد القبض، جاز أن يأخذ نصيب أحدهما؛ لأنه يأخذ من ملك المشتري فلم يتبعض الملك عليه. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وسواء سمّى لكل نصف ثمنًا معلومًا أو كان الثمن جملة بعد أن يكون البيع في صفقةٍ [واحدة]؛ وذلك لأن الحكم يتعلق بتفريق الصفقة، فلا فرق بين ذكر الثمن جملة أو جملتين. قال: وكذلك إن كان الشراء بوكالة، فوكَّل رجل رجلين بشراء دار ولها شفيع، فللشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشتريين، وإن كان الموكل رجلين والوكيل [رجلًا] واحدًا لم يكن له أن يأخذ نصيب أحد الموكلين.

стр. 3424

قال ابن سماعة عن محمد: إنما أنظر إلى المشتري [ولا أنظر إلى المشترى] له. قال محمد: وكذلك لو [اشترى] رجل لعشرة، فليس له أن يأخذ شيئًا دون شيء. ولو اشترى عشرة لرجل، كان للشفيع أن يأخذ من واحد ويدع الآخرين، أو يأخذ من اثنين أو ثلاثة ويدع البقية. وكذلك روى هشام عن محمد في نوادره؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد دون المعقود له، فإذا كان الوكيل واحدًا، لم يجز تفريق الصفقة عليه، كما لو اشترى لنفسه، وإن كانوا جماعة والموكل واحدًا فحقوق العقد تتعلق بهم دونه، فكأنهم اشتروا لأنفسهم. وإذا اشترى الرجل دارين صفقة واحدة، فجاء الشفيع لهما جميعًا، فأراد أن يأخذ إحداهما دون الأخرى، فليس له ذلك (١). وقال الحسن عن زفر: هو بالخيار: إن شاء أخذ إحداهما أو [كلتيهما] (٢). وجه قولهم: أن المشتري مَلَكَ الدار صفقة واحدةً، وتعلق حق الشفيع بهما، فلم يملك أن يُفرد بالآخر بعض ما تعلق به حقه دون بعض كالدار الواحدة. وقد ذكر أبو الحسن عن محمد: ما يدل على أنه لا فرق بين الدارين المتلاصقتين أو المتفرقتين.

стр. 3425

وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف: أنهما إذا كانتا في مصر واحد أو مصرين فهما سواء. وجه قول زفر: أن [أخذ] إحدى الدارين لا يؤدي إلى إضرار بالمشتري بالشركة، فصار كما لو كان شفيع إحداهما. قال: وإن كان الشفيع شفيعًا لإحداهما دون الأخرى، ووقع البيع عليهما صفقة واحدة، فإن ابن أبي مالك روى عن أبي حنيفة: أنه ليس له إلا أن يأخذ التي تجاورها بالحصّة، وكذلك روى ابن سماعة عن أبي يوسف. وروى هشام عن محمد: في رجل اشترى دارين متلاصقتين وله جار يلي إحداهما، قال: فإنه يأخذ التي تليه بالشفعة، ولا شفعة له في الأخرى؛ وذلك لأن حق الشفعة تعلق بإحدى الدارين دون الأخرى، والصفقة إذا اجتمعت بين ما يتعلق به الشفعة وما لا يتعلق به الشفعة أخذ ما تعلق به الشفعة بالحصّة، كما لو اشترى دارًا وسيفًا صفقة واحدة. قال هشام: قلت لمحمد: ما تقول في عشرة أقرحة (١) متلاصقة لرجل، تلي واحدة منها أرض إنسان، فبيعت العشرة الأقرحة، قال: للشفيع أن يأخذ القراح التي تليه، وليس [له] في بقيتها شفعة. قلت له: لِمَ؟ قال: لأن كل قراح على حدة، قلت: ليس بينهما طريق ولا نهر، إنما هي مُدَوّر أو مسناة (٢)، قال: لا شفعة له إلا فيما يليه؛ وذلك لأن الأقرحة المتميّزة بالمرور كالدور المتجاورة، فلا يثبت للشفيع إلا فيما يجاوره خاصة.

стр. 3426

قال هشام: قلت لمحمد في قرية خالصةٍ لرجل باعها، والقرية عندنا على ما فيها من الدور والأرضين والكرم، قال محمد: لا، ولكن القرية عندنا على بيوت القرية خاصة. قلت لمحمد: إن باع رجل هذه القرية بدورها وكرومها وأرضها، وكل واحد منها يلي إنسان؟ قال محمد: للشفيع أن يأخذ القَراح الذي يليه. قلت: فلكل شفيع أن يأخذ القراح الذي يليه؟ فأوشك أن يأخذوا حواشي القرية، وذلك أردأ أرضها، ويبقى وسط القرية للمشتري، فلم ينكر ذلك محمد، ورأيته به يقول. قال الشيخ ﵁: قد اشتمل هذا الكلام على ثلاثة فصول: أحدها: أن القرية اسم للبيوت دون الأقرحة [أو البيوت والأقرحة]، والمرجع في هذا إلى العادة دون غيرها. والثاني: وجوب الشفعة للمتجاورين في الأقرحة التي تليهم خاصة، وهذا صحيح على ما بيّنا أن الأقرحة المعتبرة كالدور المختلفة، والمجاورة لبعضها لا تكون مجاورة لنفسها. والفصل الثالث: أن الشفعاء يأخذون حواشي القرية، وهي أردؤها، ويبقى للمشتري وسط القرية، وهي أجودها، وهذا غير ممتنع؛ لأن الشفيع يأخذ باختياره، فكان له أن يلتزم الضرر أو لا يلتزم. وحكى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: في رجل اشترى قريةً بأرضها وأرَضُوها أقرحة متفرقة، ولإحدى الأقرحة جار، قال: يأخذ القرية كلها بالشفعة،

стр. 3427

وليس له أن يأخذ القَراح ويدع ما سواه. وذكر ابن أبي مالك عن أبي يوسف: أن أبا حنيفة كان يقول فيه: إنه ليس له أن يأخذ إلا القراح التي هي ملازقة [له]؛ لأن هذه الأقرحة مختلفة. قال: والذي يجيء على قياسه: أن هذه الأقرحة إذا كانت من ضيعة واحدة، أو قرية واحدة، فهي كقَراح واحد ودار واحدة، وهذا يدل على أن قول أبي حنيفة مثل قول محمد أوّلًا، ثم رجع وقال: يأخذ الجميع؛ لأنه يستضر بتفريقه، فصار كالدار الواحدة. [والله تعالى أعلم].

стр. 3428

بَابْ: الرجل يشتري الدارَ فيهدم بناءها أو يهدمُه المشتري ثم يجيء الشفيعُ قال بشر بن الوليد وعليّ بن الجعد: سمعت أبا يوسف يقول: في رجل اشترى دارًا فهدم بناءها [أو باعه]، ثم جاء شفيعها، فإنه يقسم الثمن على قيمة البناء مبنيًا وعلى قيمة الأرض، [فما أصاب الأرض] يأخذها الشفيع بذلك، هكذا قال أبو حنيفة، وكذلك لو نزع باب الدار وباعه. ولو احترق البناء حتى ذهب أو غرق من غير فعله، فلم يبق منه شيء، فإن أبا حنيفة [قال] في ذلك: يأخذ الشفيع بجميع الثمن أو يترك. فإن انهدم البناء فصارَ على وجه الأرض مهدومًا، فإن الثمن يقسم على قيمة البناء مهدومًا وعلى قيمة الأرض، فيأخذ الشفيع الأرض بما أصابها، ولا سبيل له على البناء إذا زايل الأرض. أما وجوب الشفعة في البناء المتصل؛ فلأنه في حكم جزء من العَرْصَة (١)، بدلالة دخوله في العقد من غير شرط (٢)، وأما إذا هدم فلا شفعة فيه عندنا. ومن أصحاب الشافعي من قال: إن الشفيع يأخذه مع الدار (٣).

стр. 3429

وهذا فاسد؛ لأنه منفصل عمّا تعلقت به الشفعة، فلم يكن للشفيع أخذه كالثمن. وأمّا إذا هدمه المشتري أو هدمه أجنبي أو انهدم بنفسه، ولم يهلك (١)، فإن الشفيع يأخذ الدار بحصتها. وإن احترق بغير فعل أحد، أخذها الشفيع بجميع الثمن، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أنه يأخذها بجميع الثمن في الجميع، والآخر: أنه يأخذها بالحصة في الجميع. أمّا إذا احترق البناء؛ فلأن حق الشفيع مع المشتري كحق المشتري مع البائع، ومعلوم أن البناء إذا احترق في يد البائع، كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء ترك، فكذلك [الشفيع] هاهنا؛ ولأنه نقص داخل في المبيع بغير فعل الآدمي، فصار كما لو وهى (٢) البناء، أو تداعى (٣) الحائط وسقط. وأما إذا هدمه المشتري، فالأتباع لا حصة لها بالعقد، ولها حصة بالقبض؛ ولهذا لو هدمَ البائعُ البناءَ سقطت عن المشتري حصته [وكذلك إذا هدمه أجنبي؛ لأن العوض لما سلم للمشتري]، فكأنه باعه. وكذلك لو انهدم بنفسه ولم يهلك؛ لأن الشفعة سقطت عنه وهي عين قائمة، فلا يجوز أن يسلم للمشتري بغير شيء، إلا أنه قال في المشتري إذا هدمه

стр. 3430

أو هدمه أجنبي: أن الثمن ينقسم على قيمته قائمًا؛ لأنه دخل في ضمان المشتري بالإتلاف وهو على هذه الصفة. وأما إذا انهدم بنفسه، فلم يدخل في ضمان أحدهما، فاعتبرت قيمته على حاله مهدومًا. وقد ادعى الشافعي على أبي حنيفة في هذه المسألة مناقضة، فقال: قال بعض الناس: إذا هدم المشتري البناء سقطت حصته، وإن احترق لم تسقط، ثم ناقض فقال: إذا غلب الماء على بعض الأرض أخذ المشتري الباقي بحصته (١). وهذا غلط؛ لأن الأرض ليس بعضها تبعًا لبعض، فإذا لم يسلم للشفيع، سقطت حصتها بكل حال، والبناء تبع للأرض، فإذا سلم للمشتري سقطت حصته، وإن لم يسلم له لم تسقط. قال أبو الحسن: ولو أن المشتري الأول باع بناء الأرض بغير أرض، ولم يهدمه حتى طلب الشفيع الشفعة، فإن الشفيع أحق بالأرض والبناء بالثمن الأول. وينتقض بيع مشتري البناء؛ وذلك لأنه ما دام متصلًا، فحق الشفيع متعلق به، فكان له إبطال تصرف المشتري. قال: وكذلك النبات والنخل في الأرض، والثمر في النخل، وكل شيء من هذا لم يزايل الأرض، فالشفيع أولى به بالثمن الأول. وما زايل من ذلك عن الأرض، فإن الثمن يقسم على قيمته مهدومًا، وعلى قيمة الأرض، فإن كان زايل الأرض بفعل المشتري أو بفعل مشتريه منه، قسم

стр. 3431

الثمن على قيمته صحيحًا قبل أن يُزايل، وعلى قيمة الأرض، وإن سقط ذلك من غير فعل أحد، فعلى الشفيع قيمته ساقطًا من الأرض، ما خلا خصلة واحدة: الثمرة إن كانت أثمرت في يد المشتري، فصرمَ الثمر، فباعه، فإن الشفيع يأخذ بجميع الثمن، ولا [يرجع] (١) له بحصة الثمن؛ لأنه لم يكن في أصل البيع. وإن كان الثمر في أصل البيع، فهو كما وصفنا في البناء في النخل، إلّا أن الثمرة إذا كانت موجودة حال العقد، فيفارق البناء من وجه، [وهي أنها] إذا ذهبت بآفة من السماء، وسقطت عن المشتري حصتها؛ لأنها [نفسها] في بقيتها غير تابعة، ألا ترى أنها لا تدخل فيه إلا بتسمية، وليس كذلك البناء؛ لأنه تبع، ألا ترى أنه يدخل في البيع بغير تسمية، فإذا هلك لم يسقط في مقابلته شيء، وكذلك قال في الأصل من الكتاب، وقد بيّنا حكم البناء المنفصل، فالثمرة إذا انفصلت مثله. فأمّا الثمرة الجارية في يد المشتري، فلا حصة لها؛ لأنه لم يقع عليها العقد، ولا وقع عليها التسليم الموجب بالعقد. قال: وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الأجنبي إذا هدم البناء، فلم يقدر عليه، أخذ الشفيع ذلك بجميع الثمن إن شاء، [وإن شاء] ترك، فإن قدر على الأجنبي فأخذ منه قيمة البناء سقط عن الشفيع حصة البناء من الثمن، وكذلك ما خرج منه يسقط بحساب ما خرج؛ وذلك لأن الأجنبي لم يقدر عليه، فلم يسلم للمشتري البناء ولا عوضه، فصار كأنه تلف بآفة من السماء، فإذا خرج منه شيء فمقدار ما خرج منه قد سلم له، فسقط عن الشفيع حصته. [والله أعلم] (٢).

стр. 3432

بَابْ: الرجل يشتري الأرضَ والنخل وفيه ثمرٌ أو يُثمر بعد البيع ثم يجيء الشفيعُ والأرض والثمرةُ قائمةٌ أو مستهلكةٌ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل أرضًا فيها نخل، وشجر فيه ثمر، واشترط ثمرته في البيع، ثم جاء الشفيع والثمرة [قائمة] في النخل والشجر، فله أن يأخذ ذلك أجمع. قال الشيخ ﵁: وقد كان القياس عندهم: أن لا تجب الشفعة في الثمر، وهو قول الشافعي (١)؛ وذلك لأنها لا تدخل في البيع إلا بتسمية، فصارت كمتاع موضوع، وإنما استحسنوا فقالوا: فيها الشفعة؛ لأنها متصلة بما تعلقت به الشفعة، فصارت كالبناء، وليس يمتنع أن يدخل في البيع بالشرط، ويتعلق به الشفعة كالشِّرب الخارج، والطريق الخارج. قال: وإن جاء وقد جزره (٢) البائع أو المشتري، أو رجل أجنبي، فلا شفعة في الثمرة، ويأخذ الشفيع الأرض والنخل والشجر بما يخصها من الثمن، ويسقط عنه ما يخص الثمرة، ويقسم الثمن على قيمة الأرض والنخل والشجر والثمر [من] يوم العقد في ذلك كله، فما أصاب الثمر سقطت حصته عن الشفيع، وقيل

стр. 3433

له: خذ الأرض والنخل والشجر بحصتها إن شئت؛ وذلك لأن القياس يمنع من تعلق حق الشفيع بها، وإنما استحسنا؛ لاتصالها بما تعلقت به الشفعة، فإذا انفصلت بقيت على أصل القياس. وإنما سقطت حصتها؛ لأن العقد وقع عليها، فلذلك اعتبرت قيمتها [في] يوم العقد. فإن أخذها الشفيع وبقيت الثمرة في يد البائع، فإن محمدًا قال: تلزم الثمرة المشتري، ولا خيار له في ردِّها؛ وذلك لأن البائع لم يغره، ألا ترى أن المشتري قد علم أن الشفعة واجبة، فدخل في العقد على هذا، فلم يثبت له بالتبعيض خيار. [قال]: ولو كان البائع استهلك الثمرة، أخذ الشفيع الأرض والنخل بحصتها، والمشتري في هذا [الوجه] بالخيار: إن شاء أخذ الأرض والنخل بحصتها، وإن شاء تركه، وإن شاء ترك لتَبْعِيض الصفقة وبطلان البيع في بعضها. وهذا إنما يريد به: إذا لم يأخذهما الشفيع كان للمشتري الخيار لتبعيض الصفقة عليه بفعله. وليس هذا كالأخذ بالشفعة؛ لأن التبعيض يثبت من طريق الحكم، وعلى هذا لو استحقت الأرض والنخل دون الثمر كان المشتري بالخيار، وهذا إنما يتصور في الموصى له بالثمر إذا باع النخل والثمر والأرض، وثبت للمشتري الخيار؛ لأن البائع غره بالعقد. قال: ولو كانت الثمرة قائمة، فقبضها المشتري وأكلها، أو باعها، أو تلفت

стр. 3434

في يده على وجه من الوجوه، فأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، سقط عن الشفيع في هذه الوجه حصة الثمرة؛ لأن العقد وقع عليها، فإذا لم تسلم للشفيع سقطت حصتها. قال: ولو كان البيع وقع ولا ثمرة في النخل، ثم أثمر في يد البائع بعد البيع وقبل القبض، ثم جاء الشفيع، فله أن يأخذ الأرض والنخل والثمرة، وليس له أن يأخذ بعضها دون بعض، ويكون عليه جميع الثمن؛ وذلك لأن الثمرة زيادة في المبيع، والزيادة التابعة للمبيع يتعلق بها حق الشفيع كما يتعلق بها حق المشتري. فإن جزره (١) البائع، أو المشتري، أو رجل أجنبي، وهو قائم في يد البائع، أو المشتري، أخذ الشفيع أيضًا الأرض والنخل بجميع (٢) الثمن إن شاء أن يأخذها بالشفعة. فإن كانت الثمرة ذهبت بغير فعل أحد، احترقت فسقطت، أو أصابتها آفة من السماء فهلكت، فلم يبق منها شيء له قيمة، أخذها الشفيع إن شاء بجميع الثمن، وإن شاء ترك؛ وذلك لأن العقد لم يقع عليها، وإنما هي نماء من المعقود عليه، فإذا هلكت فكأنها لم تكن. قال: ولو كان البائع أو المشتري صرمَ الثمر، ثم هلك بعد ذلك بغير فعل أحد، أصابه سَيْل ذهب به، أو نار فاحترق، فإن أبا يوسف قال: ذلك سواء؛ لأن ذلك قد صار للمشتري ولا شفعة فيه، ولا أبالي هلك بفعل المشتري أو بغير فعله؛ لأن الثمرة لما انفصلت سقط حق الشفيع عنها، فكأنها كانت في الأصل منفصلة.

стр. 3435

ولو اشترى أرضًا (١) وثمرة منفصلة، أخذ الشفيع الأرض بحصتها سلمت الثمرة للمشتري أو لم تسلم. قال: ولو كان [المشتري] قبض الأرض والنخل ولا ثمر فيها، ثم أثمر في يد المشتري، ثم جاء الشفيع والثمر معلق في النخل، فله أن يأخذ الأرض والنخل والثمر بالثمن الأول الذي وقع عليه البيع، لا يزاد عليه شيء؛ لأن الثمر نماء من المبيع، فلا يثبت لأجله زيادة في الثمن، كزيادة القيمة. فإن كان المشتري لما حدثت الثمرة في يده جزره، ثم جاء الشفيع وهو قائم، أو قد استهلكه المشتري ببيع، أو أكل، فإن الشفيع يأخذ الأرض والنخل بجميع الثمن إن شاء، ولا سبيل له على الثمرة؛ وذلك لأن الثمرة لم يقع عليها العقد، ولا التسليم الموجب بالعقد، وإنما كان الشفيع يأخذه لتعلقه بالنخل، فإذا انفصل سقط حقه عنه، ولم يسقط بإزائه شيء من الثمن؛ لأنه لا حصة له. وليس هذا كالثمر الحادث في يد البائع؛ لأنه حدث قبل إتمام البيع، فدخل فيه، كما لو حدث قبل القبول. وفي مسألتنا: حدثت الثمرة بعد تمام البيع، فلم يدخل فيه، ولم يكن لها حصة. قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف يقول: في رجل اشترى من رجل أرضًا ونخلًا ولا ثمرة فيه، فأخذه المشتري فأثمر في يده عنده، فأكله، (ثم أثمر فأكله) (٢)، فجاء الشفيع، فإنه يأخذه بجميع الثمن.
следующие страницы →