الثمن على قيمته صحيحًا قبل أن يُزايل، وعلى قيمة الأرض، وإن سقط ذلك من غير فعل أحد، فعلى الشفيع قيمته ساقطًا من الأرض، ما خلا خصلة واحدة: الثمرة إن كانت أثمرت في يد المشتري، فصرمَ الثمر، فباعه، فإن الشفيع يأخذ بجميع الثمن، ولا [يرجع] (١) له بحصة الثمن؛ لأنه لم يكن في أصل البيع.
وإن كان الثمر في أصل البيع، فهو كما وصفنا في البناء في النخل، إلّا أن الثمرة إذا كانت موجودة حال العقد، فيفارق البناء من وجه، [وهي أنها] إذا ذهبت بآفة من السماء، وسقطت عن المشتري حصتها؛ لأنها [نفسها] في بقيتها غير تابعة، ألا ترى أنها لا تدخل فيه إلا بتسمية، وليس كذلك البناء؛ لأنه تبع، ألا ترى أنه يدخل في البيع بغير تسمية، فإذا هلك لم يسقط في مقابلته شيء، وكذلك قال في الأصل من الكتاب، وقد بيّنا حكم البناء المنفصل، فالثمرة إذا انفصلت مثله.
فأمّا الثمرة الجارية في يد المشتري، فلا حصة لها؛ لأنه لم يقع عليها العقد، ولا وقع عليها التسليم الموجب بالعقد.
قال: وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الأجنبي إذا هدم البناء، فلم يقدر عليه، أخذ الشفيع ذلك بجميع الثمن إن شاء، [وإن شاء] ترك، فإن قدر على الأجنبي فأخذ منه قيمة البناء سقط عن الشفيع حصة البناء من الثمن، وكذلك ما خرج منه يسقط بحساب ما خرج؛ وذلك لأن الأجنبي لم يقدر عليه، فلم يسلم للمشتري البناء ولا عوضه، فصار كأنه تلف بآفة من السماء، فإذا خرج منه شيء فمقدار ما خرج منه قد سلم له، فسقط عن الشفيع حصته. [والله أعلم] (٢).
стр. 3432
بَابْ: الرجل يشتري الأرضَ والنخل وفيه ثمرٌ أو يُثمر بعد البيع ثم يجيء الشفيعُ والأرض والثمرةُ قائمةٌ أو مستهلكةٌ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل أرضًا فيها نخل، وشجر فيه ثمر، واشترط ثمرته في البيع، ثم جاء الشفيع والثمرة [قائمة] في النخل والشجر، فله أن يأخذ ذلك أجمع.
قال الشيخ ﵁: وقد كان القياس عندهم: أن لا تجب الشفعة في الثمر، وهو قول الشافعي (١)؛ وذلك لأنها لا تدخل في البيع إلا بتسمية، فصارت كمتاع موضوع، وإنما استحسنوا فقالوا: فيها الشفعة؛ لأنها متصلة بما تعلقت به الشفعة، فصارت كالبناء، وليس يمتنع أن يدخل في البيع بالشرط، ويتعلق به الشفعة كالشِّرب الخارج، والطريق الخارج.
قال: وإن جاء وقد جزره (٢) البائع أو المشتري، أو رجل أجنبي، فلا شفعة في الثمرة، ويأخذ الشفيع الأرض والنخل والشجر بما يخصها من الثمن، ويسقط عنه ما يخص الثمرة، ويقسم الثمن على قيمة الأرض والنخل والشجر والثمر [من] يوم العقد في ذلك كله، فما أصاب الثمر سقطت حصته عن الشفيع، وقيل
стр. 3433
له: خذ الأرض والنخل والشجر بحصتها إن شئت؛ وذلك لأن القياس يمنع من تعلق حق الشفيع بها، وإنما استحسنا؛ لاتصالها بما تعلقت به الشفعة، فإذا انفصلت بقيت على أصل القياس.
وإنما سقطت حصتها؛ لأن العقد وقع عليها، فلذلك اعتبرت قيمتها [في] يوم العقد.
فإن أخذها الشفيع وبقيت الثمرة في يد البائع، فإن محمدًا قال: تلزم الثمرة المشتري، ولا خيار له في ردِّها؛ وذلك لأن البائع لم يغره، ألا ترى أن المشتري قد علم أن الشفعة واجبة، فدخل في العقد على هذا، فلم يثبت له بالتبعيض خيار.
[قال]: ولو كان البائع استهلك الثمرة، أخذ الشفيع الأرض والنخل بحصتها، والمشتري في هذا [الوجه] بالخيار: إن شاء أخذ الأرض والنخل بحصتها، وإن شاء تركه، وإن شاء ترك لتَبْعِيض الصفقة وبطلان البيع في بعضها.
وهذا إنما يريد به: إذا لم يأخذهما الشفيع كان للمشتري الخيار لتبعيض الصفقة عليه بفعله.
وليس هذا كالأخذ بالشفعة؛ لأن التبعيض يثبت من طريق الحكم، وعلى هذا لو استحقت الأرض والنخل دون الثمر كان المشتري بالخيار، وهذا إنما يتصور في الموصى له بالثمر إذا باع النخل والثمر والأرض، وثبت للمشتري الخيار؛ لأن البائع غره بالعقد.
قال: ولو كانت الثمرة قائمة، فقبضها المشتري وأكلها، أو باعها، أو تلفت
стр. 3434
في يده على وجه من الوجوه، فأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، سقط عن الشفيع في هذه الوجه حصة الثمرة؛ لأن العقد وقع عليها، فإذا لم تسلم للشفيع سقطت حصتها.
قال: ولو كان البيع وقع ولا ثمرة في النخل، ثم أثمر في يد البائع بعد البيع وقبل القبض، ثم جاء الشفيع، فله أن يأخذ الأرض والنخل والثمرة، وليس له أن يأخذ بعضها دون بعض، ويكون عليه جميع الثمن؛ وذلك لأن الثمرة زيادة في المبيع، والزيادة التابعة للمبيع يتعلق بها حق الشفيع كما يتعلق بها حق المشتري.
فإن جزره (١) البائع، أو المشتري، أو رجل أجنبي، وهو قائم في يد البائع، أو المشتري، أخذ الشفيع أيضًا الأرض والنخل بجميع (٢) الثمن إن شاء أن يأخذها بالشفعة.
فإن كانت الثمرة ذهبت بغير فعل أحد، احترقت فسقطت، أو أصابتها آفة من السماء فهلكت، فلم يبق منها شيء له قيمة، أخذها الشفيع إن شاء بجميع الثمن، وإن شاء ترك؛ وذلك لأن العقد لم يقع عليها، وإنما هي نماء من المعقود عليه، فإذا هلكت فكأنها لم تكن.
قال: ولو كان البائع أو المشتري صرمَ الثمر، ثم هلك بعد ذلك بغير فعل أحد، أصابه سَيْل ذهب به، أو نار فاحترق، فإن أبا يوسف قال: ذلك سواء؛ لأن ذلك قد صار للمشتري ولا شفعة فيه، ولا أبالي هلك بفعل المشتري أو بغير فعله؛ لأن الثمرة لما انفصلت سقط حق الشفيع عنها، فكأنها كانت في الأصل منفصلة.
стр. 3435
ولو اشترى أرضًا (١) وثمرة منفصلة، أخذ الشفيع الأرض بحصتها سلمت الثمرة للمشتري أو لم تسلم.
قال: ولو كان [المشتري] قبض الأرض والنخل ولا ثمر فيها، ثم أثمر في يد المشتري، ثم جاء الشفيع والثمر معلق في النخل، فله أن يأخذ الأرض والنخل والثمر بالثمن الأول الذي وقع عليه البيع، لا يزاد عليه شيء؛ لأن الثمر نماء من المبيع، فلا يثبت لأجله زيادة في الثمن، كزيادة القيمة.
فإن كان المشتري لما حدثت الثمرة في يده جزره، ثم جاء الشفيع وهو قائم، أو قد استهلكه المشتري ببيع، أو أكل، فإن الشفيع يأخذ الأرض والنخل بجميع الثمن إن شاء، ولا سبيل له على الثمرة؛ وذلك لأن الثمرة لم يقع عليها العقد، ولا التسليم الموجب بالعقد، وإنما كان الشفيع يأخذه لتعلقه بالنخل، فإذا انفصل سقط حقه عنه، ولم يسقط بإزائه شيء من الثمن؛ لأنه لا حصة له.
وليس هذا كالثمر الحادث في يد البائع؛ لأنه حدث قبل إتمام البيع، فدخل فيه، كما لو حدث قبل القبول.
وفي مسألتنا: حدثت الثمرة بعد تمام البيع، فلم يدخل فيه، ولم يكن لها حصة.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف يقول: في رجل اشترى من رجل أرضًا ونخلًا ولا ثمرة فيه، فأخذه المشتري فأثمر في يده عنده، فأكله، (ثم أثمر فأكله) (٢)، فجاء الشفيع، فإنه يأخذه بجميع الثمن.
стр. 3436
قال ابن سماعة: قال أبو يوسف هذا القول في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وسبعين ومائة، وهو آخر ما سمعته منه، وقد كان يقول: أقسم الثمن على الثمر وعلى قيمة النخل والأرض، فما أصاب الغلة وهي الثمرة، أسقطته من الثمن، ثم رجع فقال: يأخذها بجميع الثمن إن شاء، أو يدع.
وجه قوله الأول: أن حق الشفيع مع المشتري كحق المشتري مع البائع، ولو حدثت هذه الزيادة (١) في يد البائع فأكلها، سقطت حصتها من المشتري، كذلك إذا حدثت في يد المشتري، فأكلها. [والله أعلم] (٢).
стр. 3437
بَابْ: الأرض تشترى وفيها زرعٌ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل أرضًا فيها زرع يزرعها، فإنه جائز، وللشفيع أن يأخذها بزرعها بالشفعة، ولو لم يعلم الشفيع بالبيع حتى استحصد الزرع، كان له أن يأخذه بالشفعة وهو مستحصد.
فإن حصد المشتري الزرع، ثم جاء الشفيع، فإني أقسم الثمن على قيمة [الأرض وعلى قيمة] الزرع وهو بقل يوم وقع عليه العقد، فيأخذ الشفيع الأرض بما أصابها من الثمن، ولا أقسم الثمن على قيمة الزرع وهو مستحصد، هذه رواية ابن سماعة عن أبي يوسف.
وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره: أقوّم الأرض وفيها الزرع، وأقوّمها وليس فيها [ذلك] الزرع، فما كان [بين] (١) ذلك فهو قيمة الزرع، ولا أقوّم الزرع وهو بقل محصود.
فأمّا وجوب الشفعة في الزرع، فهو استحسان؛ لاتصاله بالمبيع، كما بيّناه في الثمر.
وقد كان القياس: أن لا يجب فيها شفعة؛ لأنه لا [يدخل في البيع إلا بتسمية] (٢) كالمتاع الموضوع.
стр. 3438
وأمّا إذا انفصل، فلا شفعة فيه؛ لأنها تجب فيه لاتصالها بالمبيع، فإذا انفصل سقط عنه الشفعة.
وأما القسمة، فوجه قول أبي يوسف: أن الزرع داخل في العقد وهو بقل، فالمعتبر بقيمته يوم دخل في العقد، فيقسم الثمن على ذلك، ولا تعتبر زيادته بعدَ العقد، كما لا يعتبر بزيادة قيمة الأرض.
وجه قول محمد: أن اعتبار قيمة الزرع بقلًا محصودًا إضرار بالشفيع؛ لأنه لا قيمة له على هذا الوجه، فوجب أن تقوم الأرض مزروعةً وغير مزروعة، فحصّة الزرع ما بين القيمتين؛ لأن الزرع دخل في العقد على هذه الصفة.
قال محمد: وكذلك الثمر في النخل، أقوّم النخل وفيه الثمر، وأقومه وليست فيه ثمرة، ولا أقوم الثمرة مجذوذة، وهذا على ما بيّنا.
قال: ولو أن رجلًا اشترى أرضًا وفيها زرع، لم يُطلع الزرع، ثم أطلع الزرع، فحصده المشتري، ثم حضر الشفيع، فإني أقوّم الأرض مبذورة، وأقوّمها غير مبذورة، فيأخذها بما أصاب قيمتها من الثمن غير مبذورة.
وهذا صحيحٌ على أصله؛ لأن البذر إذا [قوّم] (١) في الأرض نقصت قيمته، فوجب أن تعتبر قيمة الأرض مبذورة وغير مبذورة.
وأما على قول (٢) أبي يوسف: فيقسم الثمن على قيمة الأرض وعلى قيمة البذر في الأرض، كما قال في الزرع.
стр. 3439
بَابْ: اختِلافِ الشفيع والمشتَرِي في الثمن
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى [الرجل] دارًا [وقبضها أو] نقد الثمن، ثم اختلف الشفيع والمشتري في الثمن، فقال المشتري: اشتريتها بألفين، وقال الشفيع: بألف، فالقول: قول المشتري في الثمن مع يمينه (١)، وعلى الشفيع البينة؛ وذلك لأن الشفيع يدّعي استحقاق ملك المشتري بما يذكره من الثمن، فالقول: قول المشتري في الاستحقاق، كالبائع والمشتري إذا اختلفا.
فإن أقام الشفيع بيّنة، قُضِيَ ببيّنته؛ لأنها بيّنة قابلتها الدعوى، فالبينة أولى من الدعوى، وأما إذا أقاما البينة، فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: البيّنة بينة المشتري.
وجه قولهما: أن الشفيع يقيم البينة [على ما لا يتمكن المشتري من دفعه، والمشتري يقيم البينة] على ما يقدر الشفيع على إسقاطه عن نفسه، ألا ترى: أنه إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فكان قبول البينة التي يعلق بها اللزوم أولى، ولا يلزم إذا اختلف الوكيل والموكل في الثمن؛ لأن بيّنة كل واحد منها تلزم الآخر معنىً لا يمكنه الخروج منه، فكان المثبت للزيادة أولى.
ولأنهما اتفقا على انتقال الملك إلى المشتري بالثمن، والثمن يثبت بقول المشتري، فقد اجتمعت البيّنتان في قول إحداهما له، والأخرى عليه، [فكانت]
стр. 3440
التي عليه أولى.
ولا يلزم الوكيل والموكل؛ لأن ابن سماعة روى عن محمد: أن بينة الموكل أولى؛ لأن البيّنتين تعارضتا في قول الوكيل، فالتي عليه أولى، فإذًا لا فرق بين المسألتين.
وأما على الرواية المشهورة: فالبينة بينة الوكيل؛ لأن الشيء ينتقل إليه، ومن جهته ينتقل إلى الموكل، فصار كالبائع والمشتري إذا اختلفا وأقاما البينة.
والاحتراز على هذه الرواية: أن الملك انتقل إلى الموكل كما انتقل إلى المشتري، وفي مسألة الشفعة لم ينتقل الملك إلى الشفيع.
وجه قول أبي يوسف: أن بينة المشتري تثبت الزيادة، فالرجوع إليها أولى، كبينة البائع، فإن اختلف البائع والمشتري والشفيع في الثمن، والدار في يد البائع أو في يد المشتري، ولم ينقد الثمن، فالقول في ذلك قول البائع مع يمينه إن كان أكثر مما قالا جميعًا أو أقل؛ وذلك لأن البائع إذا ادّعى أنه باع بألفين والمشتري والشفيع قالا: بألف، لم يجز استحقاق ملك البائع إلا بقوله، ويتحالفان ويترادان.
وقد دل على ذلك قوله ﵊: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما يقوله البائع" (١).
стр. 3441
وأمّا إذا قال البائع: بعتها بألف، وقال المشتري: بألفين، فالقول ما قاله البائع؛ لأن الأمر إن كان على ما قاله البائع، فقد وجبت الشفعة به، وإن كان على ما قاله المشتري، فقد حط البائع بعض الثمن، وحطه يثبت في حق الشفيع، وأما إذا قبض البائع الثمن لم يلتفت إلى قوله، وكان القول قول المشتري؛ لأنه قد استوفى حكم العقد، فصار كالأجنبي، فلا يلتفت إلى قوله.
وقد قالوا في البائع إذا قال: بعت الدار بألف وقبضت الثمن، وقال المشتري: بألفين، فإن الشفيع، يأخذها بألف؛ لأن البائع لما بدأ بذكر الثمن تعلقت الشفعة به، فإذا قال بعد ذلك: قبضت الثمن، فهو يريد أن يسقط الحق الذي ثبت للشفيع، فلا يقبل قوله.
ولو كان قال: قد قبضت الثمن وهو ألف، لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه لما ابتدأ فاعترف بالقبض، لم يبق له حق في العقد، فلم يقبل قوله بعد ذلك، كالأجنبي.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن البائع إذا أقر بقبض الثمن والمبيع في يده، وزعم أنه ألف، وقال المشتري ألفان، فالقول ما قال البائع، ويأخذها الشفيع من يده بألف، ويقال للمشتري اتّبع البائع وخاصمه في الألف الأخرى.
وهذا صحيح؛ لأن البائع إنما يسقط قوله بقبض الثمن؛ لأنه لم يبق له حق في المبيع، فصار كالأجنبي، وإذا كان [المبيع] في يده فهو الخصم، فالشفعة مأخوذة من ملكه، فلذلك رجع إلى قوله.
стр. 3442
قال: وإذا حَطَّ البائع بعض الثمن [بالعقد]، أو وهبه، أو أبرأه منه [أخذ الشفيع بما بقي من الثمن، ولو حطّ جميع الثمن أو وهبه]، أخذ الشفيع ذلك بجميع الثمن؛ وذلك لأن حط بعض الثمن يلحق العقد، ويصير كالموجود في حالة العقد، فيثبت في حق الشفيع.
وأما حَطُّ جميع الثمن، فلا يلحق بالعقد استحسانًا، فلا يثبت في حق الشفيع، وقد بيّنا هذه المسألة في البيوع.
وليس هذا كالزيادة في الثمن، أنها تلحق بالعقد، ولا يستحق في حق الشفيع؛ لأن حق الشفيع يثبت في العقد الأول بالثمن الأول فيه، فإذا زاد في الثمن ثبت حق الشفيع في الثمنين، وكان له أن يأخذها بأيهما شاء.
قال: فإن هدم المشتري بناء الدار ثم حضر الشفيع، فاختلفا في قيمة البناء، فقال المشتري: كانت قيمته ألفًا، وقال الشفيع: كانت قيمته ألفين، واتفقا أن قيمة الساحة ألف، فالقول قول المشتري مع يمينه، وأخذ الشفيع الساحة بنصف الثمن، وإن شاء ترك ذلك؛ وذلك لأن الشفعة تعلقت بجملة (١) الثمن، وإنما وقع الاختلاف في قدر ما يسقط من الجملة، فالقول قول المشتري فيما يسقط منها؛ ولأنه اختلاف فيما يلزم الشفيع، فالقول فيه قول المشتري.
[قال]: وإن اختلفا في قيمة البناء والساحة، فإن الساحة تقوّم الساعة، ولا يلتفت إلى قول واحد منهما.
وأمّا البناء، فالقول فيه قول المشتري؛ وذلك لأن الساحة يُمكن الرجوع
стр. 3443
إلى قيمتها، والظاهر أنها على حالها في يوم العقد لم يتغيّر، فكان على القاضي أن ينظر في قيمتها في الحال.
وأما البناء، فقد تغيّر بالهدم عن حاله في وقت العقد؛ فلذلك لم يرجع إلى قيمته.
قال: فإن أقاما بينة، قال أبو يوسف: البينة بينة الشفيع على قياس قول أبي حنيفة.
وقال محمد: - قياس قول أبي حنيفة - إن البينة بينة المشتري عندي.
وقال أبو يوسف عن نفسه: البينة بينة المشتري.
وأمّا القياس الذي ذكره أبو يوسف: فإن الاختلاف وقع فيما يلزم الشفيع من الثمن، فالبينة بينته فيه، أصله: إذا اختلفا في أصل الثمن.
وأما قياس [قول] محمد: [فلأن] (١) أبا حنيفة جعل بينة الشفيع أولى؛ لأنه تعارضت البيّنتان في قول المشتري، فالتي عليه أولى من التي له.
وهذا المعنى لا يوجد في قيمة البناء؛ لأنه لم يوجد من واحد منهما اعتراف فيه، فكانت البينة الزائدة أولى.
وجه قول أبي يوسف: أنه اختلاف فيما يلزم الشفيع، فالبينة بينة المشتري، كالاختلاف في نفس الثمن.
قال محمد: ولو اشترى دارًا بعَرَضٍ، ولم يتقابضا، ولم يحضر الشفيع حتى
стр. 3444
هلك العَرَض الذي هو الثمن، فقد انتقض البيع فيما بين البائع والمشتري، وكذلك لو كان المشتري قبض الدار ولم يدفع العرض، فهلك العرض في يد المشتري، فقد انتقض البيع، ويقضي القاضي على المشتري برد الدار على البائع؛ وذلك لأن العرض تعين بالعقد، وهلاك ما تعيّن بالعقد يُوجبُ بطلان العقد، وللشفيع الشفعة؛ لأن البيع انفسخ بعد انعقاده، فلا تسقط الشفعة، كما لو رد المشتري المبيع بعيب بقضاء قاضٍ.
وإن اختلفا في قيمة العرض، فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأنه لا يجوز أن يستحق ملكه إلا برضاه، فإن أقام أحدهما البينة، فالبينة بينته؛ (لأنها بينة قابلتها الدعوى.
فإن أقاما البينة، فالبينة بينة البائع، وهذا على اختلاف القياس عند أبي يوسف: أن قياس قول أبي حنيفة أن البينة بينة الشفيع؛ لأنه اختلاف فيما يلزمه من الثمن، فالبينة بينته) (١) كأصل الثمن
وعلى قول محمد: إنما جعلت بينة الشفيع (٢) أولى؛ لأنها تعارضت البينتان في قول المشتري، ولم يوجد من المشتري قول في قيمة العرض، فبقي أن تكون البينة على الزيادة أولى (٣).
стр. 3445
بَابْ: الشفعةُ للصَّغير
قال أبو الحسن ﵀: وإذا بيعت دار وبجنبها دار لصَبِيٍّ فشفعتها له، وهو صبي في حجر أبيه، أو وصي أبيه، أو جده، أو وصي جده أبي أبيه، أو من ولاه (١) عليه إمامٌ أو حاكم، فلكل واحد من هؤلاء في حال ولايته أن يطالب بشفعة الصغير، ويأخذ [له] الدار بالشفعة، ويسلم ثمنها من مال الصغير.
أما ثبوت الشفعة للصغير؛ فلأنه حق يتعلق بعقد البيع، كالرد بالعيب؛ ولأن ذلك يثبت لإزالة الضرر، ودفع الضرر عن الصغير واجب كالكبير.
وأما الذي يملك الأخذ فَوَلِيُّهُ الذي يجوز له التصرفُ في ماله؛ لأن الأخذ بالشفعة تملك بِعِوَضٍ، فهو كالشراء، فمن ملك أن يشتري للصغير، مَلَكَ أن يأخذ له بالشفعة.
قال: فإن سكت واحد من هؤلاء في حال ما له المطالبة عن طلب الشفعة للصغير، بطلت شفعة الصغير.
وكذلك إن سلم الشفعة بالقول، فهو تسليم جائز، ولا شفعة للصغير إذا بلغ في الوجهين جميعًا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال زفر ومحمد وابن أبي ليلى: إن ذلك لا يجوز منه، والصغير على شفعته إذا بلغ.
стр. 3446
وجه قولهما: أن من ملك الأخذ بالشفعة، ملك التسليم، كالشفيع البالغ، ولا يلزم عليه الوكيل بطلب الشفعة؛ لأنّه إذا سَلَّمها جاز؛ ولأن الولى لو أخذها بالشفعة ثم باعها بمثل الثمن جاز، فإذا سلَّمها فقد بقي الثمن على ملك الصغير وأسقط عنه ضمان الدَّرَك في الثمن، فهو أولى بالجواز.
وجه قولهم: أن هذا إسقاط حق الصغير من غير عوض، فلم يجز، كالبراءة من الدين والعفو من دم العمد، وهذا لا يصح؛ لأن هناك إسقاط حق من غير عوض يحصل في ملك الصغير (١)، فلم يجز.
وفي مسألتنا: [حصل له عوض: وهو تبقية الثمن على ملك؛ فلذلك افترقا] (٢).
فإذا ثبت هذا، فكل من يملك الأخذ بالشفعة وتسليمها، فإذا سكت عن طلبها كان تسليمًا منه، كالشفيع البالغ [إذا سكت عن الطلب].
قال ابن سماعة عن محمد في نوادره عن أبي يوسف: في رجل اشترى دارًا وابنه الصغير شفيعها أن له أن يأخذها لابنه بالشفعة، (وإن لم يأخذها وسلم شفعتها لنفسه جاز على الصغير؛ وذلك لأن المشتري للدار يملك أخذها بالشفعة) (٣)، بدليل الوكيل بالشراء، كذلك في مسألتنا يملك الأخذ.
وأما إذا باع الأب دارًا لنفسه، (لم يكن له أن يأخذها للصغير بالشفعة، وإن بلغ الصغير فهو على شفعته؛ لأن البائع لا يجوز له أن يأخذ ما باعه بالشفعة،
стр. 3447
بدلالة الوكيل بالبيع إذا كان شفيعًا؛ لأنه يكون موجبًا ومستوجبًا.
وإذا لم يملك الأخذ، لم يكن سكوته إسقاطًا للشفعة، فبقيت شفعة الصغير إلى وقت تمكُّنه من المطالبة.
وأما الوصي إذا اشترى دارًا لنفسه) (١)، فسكت عن أخذها للصغير بالشفعة، والصغير شفيعها، أو سَلَّم شفعتها، فالصغير على شفعته في الوجهين جميعًا؛ وذلك لأن الوصي لا يملك أن ينقل ما ابتاعه إلى ملك الصغير إلا بزيادة على القيمة التي لا يتغابن في مثلها، وإذا لم يملك الأخذ، لم يكن سكوته تسليمًا، فبقي حق الصغير بحاله.
وهذا القول عن محمد يجب أن يكون تفريعًا على قول أبي حنيفة.
فأما على قوله: فلا تسقط شفعة الصغير بالإسقاط.
وقال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف [قال] في صبي طلب الشفعة له، فجعل القاضي له وصيًا، فسكت الوصي عن طلب الشفعة شهرًا، قال: تبطل شفعة الصغير.
وعلى هذا قال أبو يوسف - وهذا على أصل أبي يوسف -: إن مَن ملك الأخذ [بالشفعة]، ملك إسقاطها.
وأما تقدير الشهر، فهو قول محمد، ولا يجيء على قول أبي يوسف، إلا أن تكون هذه رواية أخرى عنه، أو يكون ذكر أن السكوت عن الطلب شهرًا يُسقط الشفعة، ولا يقصد بذلك التقدير (٢).
стр. 3448
بَابْ: الوكيل يشتري الدَّارَ فيُطالَبُ بالشفعةِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا وكّل الرجل رجلًا يشتري دارًا فاشتراها، ثم حضر شفيعها، وقد قبضها المشتري، فالمشتري خصمه في الشفعة، وللشفيع أن يأخذها من يده ويسَلِّم إليه الثمن، وتكون العهدة عليه؛ وذلك لأن الشفعة من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد، فصار الوكيل كالمشتري لنفسه
[قال]: فإن لم يحضر الشفيع حتى سلَّم الوكيل الدار إلى الموكل، فلا خصومةَ بينه وبين الشفيع، وخصم الشفيع الموكل؛ وذلك لأن الوكيل إذا سلَّم، فلا يد له في الدار ولا ملك (١)، فلا يتوجه إليه الخصومة، كالبائع إذا سلم الدار إلى المشتري.
قال محمد: الوكيل في هذا مثل البائع إذا سلم الدار إلى المشتري، خرج من الخصومة، غير أن البائع لا يكون خصمًا حتى يحضر المشتري، والوكيلُ إذا قبض خصمٌ وإن لم يحضر الموكل؛ وذلك لأن المشتري لم يقم البائع مقام نفسه، (فلم يجز له فسخ الملك عليه من غير حضوره، فأمّا الموكل فقد أقام الوكيل مقام نفسه ورضي به) (٢)، فجاز أن يفسخ الملك بمخاصمته وإن لم يحضر الموكل.
قال: وهذا إذا علم أنه وكيل في الشراء، فأما إذا لم يعلم ذلك فادّعى
стр. 3449
المشتري أنه وكيل لغيره، قال ابن سماعة عن أبي يوسف: سمعته يقول في رجل اشترى دارًا فطلب الشفيع الشفعة، فقال المشتري: إنما اشتريتها لفلان، ولا حق لي فيها وقال الشفيع: بل اشتريتها لنفسك، وإنما تريد أن تدفع شفعتي بهذا، قال: لا أصدق المشتري، وأجعله خصمًا، وأقضي عليه بالشفعة، وكذلك لو قال المشتري قبل أن يشتري الدار: إنما اشتريتها لفلان، ثم اشتراها، فإنّي لا ألتفت إلى قوله هذا، وأجعله خصمًا، وأقضي عليه بالشفعة؛ وذلك لأن الخصومة قد توجهت عليه، ولو علمنا الوكالة لم تسقط خصومته؛ لأن حقوق العقد تتعلق به، كذلك إذا كانت الوكالة غير معلومة.
وقد كان أصحابنا يقولون: إذا قال المشتري قبل أن يخاصم في الشفعة: إنما اشتريتها لفلان، وسلَّم الدَّار إليه، ثم حضر الشفيع، فلا خصومة بينه وبين المشتري؛ لأنه أقر قبل الخصومة، فصحّ إقراره، وخرج بالتسليم من الخصومة.
وأما إذا خوصم، ثم أقَرَّ أنه اشتراها لغيره، وسلَّمها إليه، لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه صار خصمًا للشفيع وهو يريد إسقاط حقه بإقراره، فلا يقبل قوله.
قال أبو الحسن ﵀: ولو أقام على قوله هذا بيّنةً قبل شرائها أنه اشتراها لفلان، لم تقبل بينته على ذلك.
[وكذلك لو أقام] (١) البينة: أن فلانًا الذي زعم أنه اشتراها [له] (٢) قد وكله بأن يشتري هذه الدار منذ سنة، فإني لا أقبل بيّنته، ولا أدفع بذلك الخصومة.
وهذا صحيح؛ لأن الدار ما دامت في يده، فهو الخصم، فإن علمت الوكالة
стр. 3450
فلا معنى لإقامة البينة عليها.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا قال المشتري: أنا أقيم البينة أني أقررت بهذا القول قبل أن أشتري الدار، لم أقبل ذلك منه على الغائب، ولا خصومة بينه وبين الشفيع حتى يحضر المُقَرُّ له يريد أخذها منه، فيكون الشفيع خصمًا.
وإنما لم يقبل بينته؛ لأنه يثبت بها الملك للغائب بغير حضور، إلا أنه أقرّ بالملك قبل الخصومة، فيتعلق بإقراره حكم، إذا حكم للغائب بحكم الملك، صار الغائب كالمشتري، والوكيل كالبائع، فلا يفسخ ملك الغائب إلا بحضوره، وهذه الرواية عن محمد مخالفة للمشهورة عنهم.
وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره: إذا اشترى الرجل دارًا لنفسه أو لغيره، فطلب الشفيع شفعته، وخاصم المشتري، فله ذلك.
فإن أقرّ أنّه اشتراها لغيره، فإن كان دفعها إلى الذي اشتراها له، فالآمر [هو] خصم للشفيع، ولا خصومة بينه وبين المشتري، وهو في هذا بمنزلة البائع إذا سلم، [وإذا دفع إلى المشتري] (١)، فالمشتري هو الخصم للشفيع، [وإن لم يكن دفعها فهو خصم للشفيع] (٢)، ولا أعتبر حضور الآمر، وهذه الرواية موافقة للمشهور الذي قدمناه (٣).
стр. 3451
بَابْ: المُشتري يَبني ما اشترى ثم يجيء الشفيعُ يطلبُ الشفعةَ أو الشفيع يبني ثم تستحقُ الدارُ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل دارًا، وهي ساحة، فبناها (١)، ثم جاء شفيعها فطلبها (٢) بالشفعة، فحكم له بها، فإن المشتري يقال له: اقلع بناءك وسَلِّم الساحة إلى الشفيع، وهذا قول أبي حنيفة وزفر ومحمد، ورواية محمد عن أبي يوسف، ورواية ابن سماعة وبشر وعلي وابن أبي مالك عن أبي يوسف كذلك.
وروى ابن زياد عن أبي يوسف: أن المشتري لا يؤخذ بقلع البناء، ويقال للشفيع، خذ الدار بالثمن وبقيمة البناء أو اترك، وهو قول الحسن والشافعي (٣).
قال الحسن بن أبي مالك: هذا [كان] قول أبي يوسف الأول، والخلاف في الغرس كالخلاف في البناء.
وجه قولهم: أن الشفيع يستحق بسببٍ سابق، فصار كمستحق الملك، [فوجب] (٤) أن يقلع البناء؛ ولأنه تصرف من المشتري يؤدّي إلى زيادة البدل في حق الشفيع، فكان للشفيع إبطاله، كما لو باع بأكثر من الثمن الأول؛ ولأن من
стр. 3452
تصرف في ملكه بالبيع ثبت لغيره حق الفسخ، فإذا تصرف فيه بالبناء، ثبت له حق الفسخ، كالراهن إذا بنى، وقد سَلَّم الشافعي مسألة الرهن إذا كان قيمة الأرض والبناء أقل من الدين.
وجهُ قول أبي يوسف: أن المشتري بنى في ملك نفسه، فلم يجز أن يقلع البناء (كمن بنى في ما لا شفعةَ فيه؛ ولأنا لو جوّزنا قلع البناء لأضررنا بالمشتري، ترى ألا أنه لا يقدر على البناء والغرس) (١) مخافة الشفيع، وإنما أوجبناها لإزالة الضرر عن الشفيع، فلم يملك الإضرار بالمشتري.
قال: وإذا اشترى الرجل دارًا فأخذها الشفيع بالشفعة فبناها، ثم استحقت الدار، فإن المستحق يأخذ الدار، ويقال للشفيع: اهدم بناءك، ولا يرجع على المشتري بقيمة البناء إن كان أخذ الدار من يده، ولا على البائع إن كان أخذ الدار من يده، وهذه رواية الأصول من غير خلاف.
وروى ابن الوليد عن أبي يوسف: أن الشفيع يَرجع عليه (٢) بقيمة البناء، وكذلك روى ابن زياد عنه.
وجه قولهم المشهور: أن الرجوع بقيمة البناء إنما يثبت بالغرور الذي حصل من جهة البائع حين أوجب الملك للمشتري على وجه يتصرف فيه كيف شاء، والمشتري لم يُغْرِ الشفيع بإيجاب الملك، وإنما أخذ الشفيع الدار من يده بغير اختياره، فلم يكن مغرورًا، وإنما هو الذي غرّ نفسه، فلا يرجع على غيره.
وليس هذا كالثمن حيث يرجع عليه؛ لأن الثمن إنما يرجع به على
стр. 3453
المشتري؛ لأنه عوض عن المبيع، فإذا لم يسلم له المبيع لم يسلم الثمن للبائع أيضًا، وهذا المعنى موجود في الشفيع.
وعلى هذا قالوا في الجارية المأسورة: إذا اشتراها رجل من أهل الحرب، فأخذها مولاها الأول من يده بالثمن، واستولدها، ثم استحقت، رجع المولى على المشتري من أهل الحرب بالثمن، ولم يرجع عليه بقيمة الأولاد؛ لأن الرجوع بقيمتهم إنما يثبت لأجل الغرور، ولم يثبت.
وكذلك الأب إذا استولد جارية ابنه، ثم استحقت.
وجه قول أبي يوسف: أن كل من ثبت عليه الرجوع بالثمن، يثبت الرجوع عليه بقيمة البناء، كالبائع (١).
стр. 3454
بَابْ: الشفعة بدارٍ فيها شَفعَةٌ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى الرجل دارًا وقبضها، ولها شفيع، فهي في ملك المشتري، يجوز تصرفه فيها، كما يجوز في سائر أملاكه، ولا يمنعه وجوب الشفعة فيها من التصرف إلى أن يحكم بالشفعة للشفيع.
قال ابن رستم عن محمد: في رجل اشترى دارًا ولها شفيع، فإن الملك للمشتري حتى يأخذها الشفيع بشفعته، وله أن يهدم ويؤاجر وتطيب له الأجرة.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وهذا قول أصحابنا جميعًا؛ وذلك لأن الملك انتقل إلى المشتري بالبيع، وإنما يثبت للشفيع حق التمليك في ملكه، وذلك لا يمنع من التصرف كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع، أن حق التمليك ثابت للمشتري؛ بدلالة أنه يملك بمضي المدة، ولا يمنع ذلك من تصرف البائع، وإن كانت الدار على ملكه جاز تصرفه فيها، وطاب له أجرتها كسائر أملاكه.
قال [أبو الحسن]: وإذا اشترى الرجل دارًا ولها شفيع حاضر أو غائب، ولم يعلم الحاضر بالبيع حتى بيعت دار أخرى إلى جنب الأولى ملاصقة للدار الثانية، فجاء الشفيع فطلب المشتري، وهو المشتري الأول بالشفعة في الثانية، فإنه يحكم له بذلك، وإن حضر الشفيع فإنه يقضى له بالدار الأولى بجواره، وبمُضِيِّ الحكم في الثانية [للمشتري]؛ لأنه كان جارًا في حالتي البيع، وحكم له بالثانية، وجواره الأول قائم، [فلا ينتقض أخذه بزوال الجوار بعد الحكم له]؛
стр. 3455
وذلك لما بيّنا أن الملك للمشتري، فإذا بيعت دار بجنبه، يثبت له الشفعة بملكه.
فإذا استحقت الدار من يده بالشفعة، فقد زال ملكه عنها بعد الحكم له بالشفعة، وذلك لا يسقط الاستحقاق، كما لو باع داره المشفوع بها.
قال: ولو كان الأول جارًا للدارين جميعًا، والمسألة على حالها، حكم للأول بالدار الأولى، وحكم له بنصف الثانية؛ وذلك لأن الشفيع جار للدار الثانية، وكذلك المشتري [جار] فتساويا في جوارهما، فكان للشفيع نصفها مع الدار الأولى، [وللمشتري النصف.
ولا يقال: إن القاضي لما قضى للشفيع بالدار الأولى] فقد زال ملك المشتري عما يشفع به، فكيف يزاحم الشفيع في شفعة الدار الثانية؛ وذلك لأن شراء المشتري للدار الثانية بحكم الحاكم له بالشفعة [في] نصفها، وقد كان مالكًا للمشفوع به في حال شرائه الثانية، وإنما زال ملكه بالحكم؛ وذلك بعد انتقال الشفعة إليه، يبيّن ذلك أنهم قالوا في أحد الجارين: إذا اشترى دارًا ملاصقة، ثم مات وحضر الجار الآخر يطالب الشفعة، قضي له بالنصف، ولولا أنهم جعلوا الشراء كالقضاء بقدر المستحق، لوجب أن تسقط شفعة الميت بموته، وتبقى شفعة الحي، فيقضى له بجميع الدار.
وكذلك لو اشترى الرجل دارًا ملاصقة، ثم باع داره الأولى، ثم حضر جار آخر، قضي له بالنصف؛ لأنهم جعلوا شراءه كالحكم له [بقدر المستحق]، ولولا ذلك لقضي للجار الثاني بكل الدار؛ لأنه لا جوار للمشتري في حال الحكم له.
وقال علي بن الجعد وبشر بن الوليد عن أبي يوسف: لو أن رجلًا اشترى
стр. 3456
نصف دار، ثم اشترى نصفها الآخر، فخاصم [المشتري الأول]، فقضي له بالشفعة بالشراء وأخذ ذلك، ثم خاصمه، جاز في الشفعتين، فإن الجار أحق بالشراء الأول، ولا حق له في الثاني.
وكذلك لو اشترى نصف الدار، ثم اشترى نصفها؛ وذلك لأنه شريك في النصف الثاني، فهو أولى بشفعته من الجار، واستحقاق النصف الأول لا يسقط الشفعة التي وجبت له؛ لأنها انتقلت إليه بالشراء وصارت كالمحكوم بها.
قال أبو يوسف: وإن كان المشتري للنصف الثاني غير المشتري للنصف الأول، فلم يخاصمه فيه حتى أخذ الجار النصف الأول بالشفعة، فالجار أحق بالنصف الثاني من المشتري الأول؛ لأن ملك المشتري الأول أزاله عن النصف قبل انتقال الشفعة إليه، فسقطت شفعته، وبقي حق الجار، فاستحق النصف الثاني بالجوار، كما استحق الأول.
وقد قالوا في رجل ورث دارًا فبيعت إلى جنبها دار، فأخذها بالشفعة، ثم بيعت إلى جنب الثانية [دار]، فأخذها بالشفعة، ثم جاء مستحق فاستحق الدار الموروثة، وطلب الشفعة، فإنه يأخذ الدار الثانية، ويكون الوارث أحق بالثالثة من المستحق؛ وذلك لأن الاستحقاق يكشف أن الوارث لم يكن مالكًا حين بيعت الدار الثانية، فقد قضي له بالشفعة بسبب لا يتعلقُ به الاستحقاق، فيفسخ القضاء.
وأما الثالثة، فقد بيعت وهو مالك للدار الثانية التي قضي له بها، وإن ثبت فيها حق الفسخ، فكان أولى بها، وصار في الدار الثالثة كالشفيع في الدار الثانية في مسألتنا.
стр. 3457
قال أبو يوسف: ولو أن رجلًا باع نصف دارٍ من رجل ليس بشفيع، ثم قاسمه بأمر القاضي، [فقدم] (١) الشفيع ونصيبُ البائع بين دار الشفيع وبين نصيب المشتري، فإن هذا لا يبطل شفعة الشفيع؛ لأن القسمة تصرف من المشتري، فلا يبطل به حق الشفيع كبيعه وهبته [وتزويجه عليها].
ولو كان البائع باع نصيبه بعد القسمة قبل طلب الشفيع الشفعة الأولى، ثم طلب الشفيع الأول الشفعة الأولى، فإن قضى القاضي بالأجرة جعلها بينهما، وقضى بالأولى للأول، وإن بدأ فقضى بالأولى للأول، قضى له بالأخرى أيضًا من قِبَلِ أنه لم يبق في يد المشتري [الأول] حق يأخذ به الشفعة؛ وذلك لأن القاضي إذا بدأ فقضى بالشفعة الأخرى، فالمشتري الأول جار لنصيب البائع، وجار كذلك، فتساويا في الجوار عند البيع وعند الحكم، فيقضي بالشفعة بينهما.
وأما إذا بدأ فقضى بالشفعة للأولى، فقد استحق ملك المشتري قبل القضاء بالشفعة الثانية، فلم يجز أن يقضي له بشيء، فقضى به للأول.
وهذا إذا كان المشتري لنصيب البائع غير المشتري الأول، فأما إذا اشتراه الأول، فالشفعة الأخرى بينهما، سواء قضى بها أولًا أو ثانيًا؛ لما بيّنا أن الشراء كحكم الحاكم للشفيع، فزوال ملكه لا يؤثر. [والله أعلم].
стр. 3458
بَابْ: المشتري والشفيع يختلفان فيما وقع عليه البيعُ هل هو في صَفقةٍ أو صفقتين؟ أو هل وقعَ البيعُ في الكُلِّ أو البعْضِ؟
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل اشترى دارًا، فقال اشتريت العَرْصَة على حدة بألف [درهم]، والبناء بألف، وقال الشفيع: بل اشتريتها كلها بألفين، فالدار لي ببنائها، قال: فالقول للشفيع، وكذلك قال محمد؛ وذلك لأن المشتري أقرّ بالشراء في الجميع، وادَّعى تفريق الصفقة ليُبطل حق الشفيع عن بعض ذلك، فلا يقبل قوله؛ ولأن تفريق الصفقة صفة زائدة على إطلاق البائع، فالقول من يدّعي الإطلاق (١).
قال أبو يوسف: فإن أقام المشتري البينة أنه اشترى الدار بغير بناءٍ بألف بعدما اشترى البناء بألف، وأقام الشفيع البينة أنه اشتراهما معًا صفقة واحدة، ولم يوقتا وقتًا، فالبينة بينة المشتري.
وقال محمد: البينة بينة الشفيع.
وجه قول أبي يوسف: أن بينة المشتري تثبت شرطًا زائدًا: وهو تفريق الصفقة، وبينة الشفيع تنفي ذلك، فكانت البينة المثبتة للزيادة أولى؛ ولأن المشتري أقام البينة على خلاف الظاهر، فكانت بينته أولى، كمن أقام البينة على ما يشهد له الظاهر.
стр. 3459
وجه قول محمد: أن بينة الشفيع تثبت زيادةً في الاستحقاق، فهي أولى؛ ولأنه يمكن الجمع بين البيّنتين لجواز أن يكون باعهما متفرقًا، ثم باعهما في صفقة، فيكون البيع الثاني فسخًا للأول، وتتعلق الشفعة بالثاني، ويجوز أن يكون باعهما [أولًا] بصفقة، ثم باع متفرقًا، فيكون الثاني فسخًا للأول، إلا أن الشفعة لا تسقط بالفسخ.
وقال ابن سماعة في نوادر أبي يوسف: سمعت أبا يوسف قال في رجل اشترى دارًا، فطلبها الشفيع، وقال المشتري: اشتريتها وأحدثت البناء فيها، (قال: فالقول قول المشتري، وعلى الشفيع البينة أنه اشتراها وهذا البناء فيها) (١)؛ وذلك لأن المشتري لم يعترف بشراء البناء، فلم يجر استحقاق [البناء] فيه إلا ببينة.
قال: ولو اشترى رجل دارين ولهما شفيع ملاصق، فقال المشتري: اشتريت واحدة بعد واحدة، فأنا شريكك في الثانية، وقال الشفيع: بل اشتريتهما صفقة واحدة، فلي فيها الشفعة، فالقول قول الشفيع؛ وذلك لأنه اعترف بالشراء فيهما، وهو سبب للشفعة فيهما، وادعى تفريق الصفقة، وذلك معنى مسقط للشفعة عن إحدى الدارين، فلم يقبل قوله إلا ببينة، فإن أقاما بينة، فهو على الخلاف الذي قدمناه.
ولو قال المشتري: وهب لي هذا البيت من هذه الدار بطريقه، واشتريت بقيّتها، وقال الشفيع: بل اشتريتها كلها، فإني لا أصدق المشتري على إبطال الشفعة، وأجعل للشفيع الشفعة فيما أقرّ المشتري أنه شراء، ولا أقضي بالشفعة فيما زعم أنه هبة؛ وذلك لأنه اعترف بالشراء في بقية الدار، وادعى الشفعة بالشركة في الطريق، وذلك سَببٌ لا يعلم، وجوار الجار معلوم، فلا يسقط بقول المشتري.
стр. 3460
فأمّا البيت الموهوب، فلم يعترف المشتري بالشراء فيه، فلا يجوز إيجاب الشفعة فيه بغير اعتراف.
قال: فإن أقاما بينة، فإني آخذ ببينة المشتري، وأبطل الشفعة في الدار؛ وذلك لأن المشتري يقيم البينة على خلاف الظاهر؛ ولأنه يثبت لنفسه استحقاق الشفعة في الدار؛ وذلك لأن المشتري يقيم البينة على خلاف الظاهر؛ ولأنه يثبت لنفسه استحقاق الشفعة، وبينة الشفيع تنفي ذلك، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، ويجب أن يكون قول محمد بخلافه؛ لأن الشفيع يثبت زيادةً في الاستحقاق.
وقال ابن رستم عن محمد: في رجل اشترى دارًا، فطلب الشفيع الشفعة، فقال المشتري: اشتريت نصفها، ثم نصفها، فلك النصف [الأول]، وقال الشفيع: اشتريتها كلها صفقة واحدة، فالقول قول الشفيع.
(وعلى ما قدمنا، فإن قال المشتري: اشتريت رُبعًا ثم ثلاثة أرباع، فلك الربع، وقال الشفيع: بل اشتريت ثلاثة أرباع، ثم ربعًا، قال: فالقول قول الشفيع) (١)؛ لأن المشتري يعترف بشراء الثلاثة الأرباع، وإنما ادّعى تقدم ملكه في الربع، ليستحق شفعتها، فلا يصدق.
وإن قال المشتري: أخذتها كلها صفقة واحدة، وقال الشفيع: بل أخذت نصفها ثم نصفها، فأنا آخذ النصف، فالقول قول المشتري: يأخذها كلها أو يدع؛ وذلك لأن المشتري اعترف بثبوت الحق للشفيع في الجميع، وإنما يريد الشفيع تبعيض الصفقة عليه، فلا يقبل قوله (٢).
стр. 3461
بَابْ: الشفيع والمشتري والبائع يختلفون بإفساد البيع وصحته والخِيار فيه
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: روى ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره، وابن الجعد عن أبي يوسف في الإملاء: في رجل باع من رجل دارًا ولها شفيع، وقال البائع: بعتها بألف درهم على أني بالخيار ثلاثًا وصَدَّقَهُ المشتري وكَذَّبَهُمَا الشفيع وقال: لا، بل كان البيع بتاتًا لا خيار فيه.
قال أبو يوسف: لا شفعة للشفيع في قول أبي حنيفة، وهو قول محمد في الجامع الكبير وغيره.
وقال أبو يوسف: القول قول الشفيع، وله الشفعة.
وروى ابن زياد عن أبي يوسف: أن القول قول البائع والمشتري، ولا شفعة للشفيع.
لهما: أنهما لما اتفقا على خيار البائع، وذلك يمنع من خروج المبيع من ملكه، لم تجب الشفعة؛ ولأنها تجب برغبة البائع عن ملكه؛ ولأنهما لما اتفقا على أنه لم يجر [بينهما] سبب يوجب الشفعة، [صار] كما لو قالا: لم نتبايع، وكما لو اعترفا بوجود الإيجاب من غير قبول.
لأبي يوسف: أن الأصل في البيع البتات، والخيار طارئ، فمن ادعى
стр. 3462
الأصل فالقول قوله؛ لتمسكه بالظاهر.
قال: فإن اختلفا، فقال البائع: بعت على أني بالخيار، وادّعى المشتري البيع بتاتًا، فإن بشرًا وعلي بن الجعد وابن سماعة رووا عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن القول قول البائع مع يمينه؛ ولا شفعة للشفيع.
وقال أبو يوسف: القول قول المشتري، وللشفيع الشفعة، وهو قول ابن أبي ليلى.
قال أبو الحسن: وهو قول محمد، وهي رواية الأصل من غير خلاف.
وجه قولهم المشهور: أن الأصل في البيع البتات، فمن ادعاه من المتبايعين، فقد ادعى الظاهر، ومن ادّعى شرطًا زائدًا لم يقبل قوله، كمدَّعي الأجل.
وجه الرواية الأخرى عن أبي حنيفة: أن البائع لم يعترف بخروج الشيء من ملكه، فلم يجز أن يلزمه البيع من غير اعترافه، كما لو اعترف بالإيجاب من غير قبول.
قال: وأجمع أصحابنا أن خيار البائع يمنع من وجوب الشفعة، وخيار المشتري لا يمنع الشفعة في الرواية المشهورة.
قال محمد بن شجاع: أخبرني بشر بن الوليد والحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنه كان يقول: إذا كان الخيار للبائع، فالملك للبائع على حاله حتى يجب (١) البيع، وإذا كان للمشتري، فقد وجب الملك للمشتري، وهذا قول أبي يوسف.
стр. 3463
قال ابن شجاع: أخبرني ابن الوليد وابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه رجع عن قوله ذلك، وقال: سواء كان الخيار للمشتري أو للبائع، [فإنه] لا يجب الملك حتى يجيز الذي له الخيار البيع، وينقد الثمن، وإذا وجب الملك للمشتري كان للشفيع الشفعة.
قال الشيخ: أمّا خيار البائع فيمنع وجوب الشفعة، وقد بيّنا ذلك، وأما خيار المشتري فلا الشفعة يمنع في الرواية المشهورة؛ لأن من أصل أبي حنيفة أن الملك انتقل عن البائع، والشفعة تجب لهذا المعنى، لا بملك المشتري.
وعلى قولهما: قد انتقل الملك إلى المشتري، فهو أولى بوجوب الشفعة، وهذا قول أبي حنيفة الأول.
فأما وجه الرواية الأخرى عن أبي حنيفة؛ فلأنه خيار مشروط لأحد المتعاقدين، فيمنع وجوب الشفعة، كخيار البائع؛ ولأن العقد [معرَّض] للفسخ لسبب الخيار كالبائع.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره: سمعت أبا يوسف قال: في رجل باع دارًا من رجل، ثم إن البائع والمشتري تصادقا أن البيع كان فاسدًا، وقال الشفيع: بل كان جائزًا، فالقول قول الشفيع، ولا أصدقهما على فساد البيع إذا زعما أن البيع كان فاسدًا، كشيء إذا ادّعاه أحدهما وأنكره الآخر جعلت القول قول الذي يدّعي الصحة، فإني لا أصدقهما على الشفيع، وأقضي له بالشفعة، [وإذا زعما] (١) أن البيع كان فاسدًا بشيء، أجعل القول [فيه] قول الذي يدعي الفساد، فإني أصدقهما، و [لا] أجعل للشفيع الشفعة.
стр. 3464
[قال]: وهذا الذي ذكره أبو يوسف، إنما يجيء على قوله خاصةً في أنهما إذا تصادقا على الخيار لم يقبل قولهما في حق الشفيع، فكذلك إذا اتفقا على فساد العقد (١)، مثل الأجل الفاسد، والخيار الفاسد؛ لأن هذا اختلاف لو حصل بين المتبايعين كان القول قول من يدّعي الصحة منهما، فكذلك إذا اتفقا عليه وخالفهما المشتري.
فأما إذا اتفقا على أنهما باعا [بخمر أو خنزير] (٢) فهذا عقد لا يصح أبدًا.
ولو اختلف المتبايعان فيه، قال أحدهما: بعتُ بدراهم، وقال الآخر: بخمرٍ أو خنزيرٍ، كان القول قول من يدّعي الفساد فكذلك في مسألتنا القول قول المتبايعين.
وقد قال أبو يوسف في هذه المسألة: إذا قال: إني بعت (٣) بألف ورطل خمر، وقال الشفيع: بألف، أن القول قول الشفيع، وهذا على الرواية التي قالوا فيها: إن هذا بمنزلة الشرط الملحق، وأن العقد يصح (٤) بإسقاطه.
فأما على الرواية التي جعلوه فسادًا في نفس المعقود عليه، فيجب أن يكون القول قول المتبايعين، فلا تجب الشفعة.
وأما على قول أبي حنيفة ومحمد: فينبغي أن لا تجب الشفعة في الفصول كلها، سواء كان الفساد المدعى ملحقًا أو في نفس العقد؛ لأنه يجري مجرى
стр. 3465
شرط الخيار في المنع من الشفعة.
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل اشترى دارًا، فجاء الشفيع وادعى شفعتها، فقال المشتري: اشتريتها بألف على أن أبيعه بالألف متاعًا، وصدقه البائع، قال محمد: القول قولهما، وكذا روى الحسن بن زياد عن أبي يوسف؛ لأنهما [لما] اتفقا على الفساد، فكأنهما اتفقا أنهما لم يتبايعا، وهذا يصحّحُ ما ذكرنا عن أبي حنيفة ومحمد، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف.
[وقال الحسن عن أبي يوسف]: فإن قال: اشتريتها بألف درهم شراءً صحيحًا، وقال البائع: بل بعتكها بألف درهم بيعًا فاسدًا، كان القول قول المشتري.
وقال الحسن: قال زفر: القول قول الشفيع في هذه المسائل كلها، والبيع بتات صحيح، وللشفيع أن يأخذها بالشفعة؛ وذلك لأنهما إذا اختلفا في الصحة والفساد، فالقول قول من يدّعي الصحة منهما، وإذا صَحَّ العقد وجبت الشفعة.
فأما الذي حكاه عن زفر: أن القول قول الشفيع في جميع الوجوه؛ فإنما يريد به إذا اتفق المتبايعان على الشرط المفسد، أو اختلفا فيه.
وأما إذا قال البائع: بعتكها بخمر، فلا يجوز أن يقول زفر أن الشفعة واجبة؛ لأنه يؤدي إلى استحقاق الملك عنه (١) ببدل لم يرض به (٢)
стр. 3466
بَابْ: الرجلُ يُطالبُ بالشفعة بدارٍ في يَدهِ
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل اشترى دارًا، فادعى [شفيعها] شفعتها بدار في يده، فقال المشتري: هذه الدار التي في يده هي لصيقة هذه الدار، وهي في يد (١) هذا، ولكنها ليست له، فأخبرنا محمد عن أبي حنيفة قال: على الذي يدعي الشفعة أن يقيم البينة أنها داره.
وقال أبو يوسف: إذا أقر المشتري أنها في يده، أو قامت للشفيع بينة أنها في يده، فإن له الشفعة.
وقال محمد: القياس ما قاله أبو حنيفة.
وذكر ابن شجاع في اختلاف زفر وأبي يوسف عن أبي يوسف: أن القول قول المشتري، ولا تجب الشفعة حتى يقيم الشفيع بينةً على الملك.
وقال زفر: القول قول الشفيع، وله الشفعة.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن الدار إذا كانت في يد الإنسان، فالظاهر أنها ملكه، والظاهر يدفع به الدعوى [ولا يستحق به على الغير، ألا ترى أن المدَّعى عليه يدفع دعوى المدَّعي] ولا يستحق الملك بذلك، ولو جعلنا القول قوله لاستحق بالظاهر ملك المشتري،
стр. 3467
وهذا لا يصح.
وعلى هذا قالوا: في المقذوف إذا زعم أنه حرّ، وقال القاذف: هو عبد، لم يجب عليه الحد حتى يقيم المقذوف بيّنة بالحريّة؛ لأن الظاهر الحرية، إلا أنه بهذا الظاهر لا يستحق حقًّا على الغير.
وكذلك المقطوعة يده إذا زعم أنه حرّ، فطلب القصاص من القاطع، فقال القاطع: هو عبد، لم يجب القصاص حتى يثبت الحرية لهذا المعنى.
وكذلك قالوا في المشهود عليه إذا زعم أن الشاهد عبد: لم يقض عليه بظاهر الحرية.
وكذلك إذا زعمت العاقلة أن القاتل عبد، لم يتحملوا عنه الدية حتى يثبت أنه حر؛ لأن في الحكم بحريته بغير بينة حكم عليه بالظاهر، فلم يجز.
وجه قول زفر وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن اليد موجبة للحكم بالملك؛ بدلالة أن الشفيع لو مات حكمنا بانتقالها إلى ورثته، ولو باع حكمنا بجواز البيع، فصار ذلك كالبينة.
وذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف: في رجل في يديه دار، أقام رجل عليه البينة أن هذه الدار كانت في يد أبيه مات وهي في يديه، قال: فإني أجعلها للذي أقام البينة، فإن جاء يطلب الشفعة بدار إلى جنبها، لم أقضِ له بالشفعة حتى يقيم البينة على الملك، وهذا يدل أن القضاء باليد مع جهله بنقل الملك هو قضاء بالاستحقاق، وليس بحكم بالملك؛ لأن اليد قد تكون يد مالك في الظاهر، وهي غصب في الباطن. [والله أعلم].
стр. 3468
بَابْ: استحقاقِ الشفعةِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا بيعت دار في زقاق غير نافذ، فأهله جميعًا شركاء في الشفعة، وهم أولى من الجيران الملاصقين الذين لا طريق لهم في الزقاق.
فإن سَلَّم الشركاء في الطريق الشفعة، أخذ الجيران الملاصقون، ولا شفعة لجار غير ملاصق ممن لا طريق له في الزقاق؛ وذلك لأن الدرب إذا لم يكن نافذًا فأهله شركاء فيه، والشريك في حق المبيع أولى من الجار.
وقد قال محمد: إن أهل الدرب يستحقون الشفعة بالطريق إذا كان ملكًا لهم، أو كان فناء غير مملوك، ولا شبهة في المملوك؛ لأنهم شركاء فيه.
فأما الفناء الذي ليس بمملوك، فهم [أحقّ] (١) به من غيرهم، فصار في حكم الملك، [فوجب به] (٢) الشفعة، فإذا سَلَّم أهل الزقاق، فللجار الشفعة على ما قدمنا من خلاف أبي يوسف.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: إذا كان بين الدارين طريق نافذ، فلا شفعة فيها إلا للجار الملاصق؛ وذلك لأن الطريق النافذ ليس بمملوك، فلا يختص به أهله، بل هم وجميع الناس فيه سواء، فصار كالشوارع،
стр. 3469
وهذا يجب أن يكون في الطريق النافذ إذا لم يكن مملوكًا، فأما إذا كان مملوكًا، فهو في حكم غير النافذ في وجوب الشفعة به.
قال محمد: في دار بين شركاء، اقتسموها وعزلوا منها طريقًا نافدًا بينهم، ثم باع أحدهم نصيبه، كان للباقين الشفعة بهذا الطريق؛ لأنه ملك لهم وإن كان نافذًا، ألا ترى أن لهم أن يسدوه ويمنعوا غيرهم من استطراقه، والنافذ الذي لا يستحق به الشفعة: هو الذي [لا يملك] (١) أهله أن يسدوه؛ لأن حق الجميع متعلق به، وما تعلق به حق جميع المسلمين، لم يجب به الشفعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى وجوبها لجميعهم.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: وكذلك النهر إذا كان بين أقرحة - إلا أن يكون نهرًا صغيرًا ساقية [بين] قوم - فهو بمنزلة الزقاق فيه الدور وليس بنافذ، فهم شركاء في الشِّرْبِ، وفيه الشفعة.
فإن بيع قِراحٌ له شرب في الساقية، وإلى جانبه قِراح ليس له في الساقية شرب، فأصحاب الشرب أولى به وإن كانوا أبعد؛ لأنهم شركاء في النهر، وليس هذا بشريك [فيه].
قال أبو الحسن: وكذلك نهر صغير أو ساقية بين قوم عليها قراحان أو ثلاثة، أو بساتين، أو نحو ذلك، فإنهم جميعًا شركاء في الشفعة؛ وذلك لأن النهر الصغير يجري مجرى الدرب الذي لا ينفذ؛ [في أنه حق] (٢) مملوك لأهلها، فتجب الشفعة بالشركة فيه، والنهر العظيم يتعلق به حق جماعة المسلمين، ولا يختص به
стр. 3470
بعضهم دون بعض، فهو كالشارع، فلا يجب به الشفعة.
فأما الحدّ الفاصل بين الصغير والكبير، فذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: لست أستطيع أن أجد في هذا حدًا، هو عندي على ما أرى حين يقع ذلك.
وذكر هشام عن أبي يوسف: في الساقية الصغيرة، تسقي البستانين والثلاثة، أو تسقي القطعتين أو الثلاث، فصاحب الأرض والبستان الذي له الشرب في الساقية أحق بما بيع من الجار الذي ليس له شرب في الساقية.
قال أبو يوسف: ليس في الأرضين التي شربها من العظيم (١) شفعة، ولم يجعل أبو يوسف العظيم (٢) مثل الساقية [بين قوم، وجعل للبساتين التي على الساقية الصغيرة الشفعة، ولم يجعل ذلك للعظيم (٣)]، فقد جعل أبو يوسف - في رواية هشام - حد الساقية التي يجب بها الشفعة أن يسقي للبستانين أو الثلاثة.
وذكر محمد في رواية ابن رستم: أن النهر الذي يحمل السفن لا شفعة به.
وقال هشام عن محمد في النهر الذي تجري فيه السفن: أن لا شفعة، وهو بمنزلة الطريق النافذ، وما لا تجري فيه السفن بمنزلة الطريق الذي لا ينفذ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
قال هشام: قلت لمحمد: فما تقول في نهر لا تجري فيه السفن، عليه عشرة آلاف جريب، نصفها لها شرب من هذا النهر [بين مائة إنسان] (٤)، والنصف الآخر