بَابْ: الرجلُ يُطالبُ بالشفعة بدارٍ في يَدهِ
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل اشترى دارًا، فادعى [شفيعها] شفعتها بدار في يده، فقال المشتري: هذه الدار التي في يده هي لصيقة هذه الدار، وهي في يد (١) هذا، ولكنها ليست له، فأخبرنا محمد عن أبي حنيفة قال: على الذي يدعي الشفعة أن يقيم البينة أنها داره.
وقال أبو يوسف: إذا أقر المشتري أنها في يده، أو قامت للشفيع بينة أنها في يده، فإن له الشفعة.
وقال محمد: القياس ما قاله أبو حنيفة.
وذكر ابن شجاع في اختلاف زفر وأبي يوسف عن أبي يوسف: أن القول قول المشتري، ولا تجب الشفعة حتى يقيم الشفيع بينةً على الملك.
وقال زفر: القول قول الشفيع، وله الشفعة.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن الدار إذا كانت في يد الإنسان، فالظاهر أنها ملكه، والظاهر يدفع به الدعوى [ولا يستحق به على الغير، ألا ترى أن المدَّعى عليه يدفع دعوى المدَّعي] ولا يستحق الملك بذلك، ولو جعلنا القول قوله لاستحق بالظاهر ملك المشتري،
стр. 3467
وهذا لا يصح.
وعلى هذا قالوا: في المقذوف إذا زعم أنه حرّ، وقال القاذف: هو عبد، لم يجب عليه الحد حتى يقيم المقذوف بيّنة بالحريّة؛ لأن الظاهر الحرية، إلا أنه بهذا الظاهر لا يستحق حقًّا على الغير.
وكذلك المقطوعة يده إذا زعم أنه حرّ، فطلب القصاص من القاطع، فقال القاطع: هو عبد، لم يجب القصاص حتى يثبت الحرية لهذا المعنى.
وكذلك قالوا في المشهود عليه إذا زعم أن الشاهد عبد: لم يقض عليه بظاهر الحرية.
وكذلك إذا زعمت العاقلة أن القاتل عبد، لم يتحملوا عنه الدية حتى يثبت أنه حر؛ لأن في الحكم بحريته بغير بينة حكم عليه بالظاهر، فلم يجز.
وجه قول زفر وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن اليد موجبة للحكم بالملك؛ بدلالة أن الشفيع لو مات حكمنا بانتقالها إلى ورثته، ولو باع حكمنا بجواز البيع، فصار ذلك كالبينة.
وذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف: في رجل في يديه دار، أقام رجل عليه البينة أن هذه الدار كانت في يد أبيه مات وهي في يديه، قال: فإني أجعلها للذي أقام البينة، فإن جاء يطلب الشفعة بدار إلى جنبها، لم أقضِ له بالشفعة حتى يقيم البينة على الملك، وهذا يدل أن القضاء باليد مع جهله بنقل الملك هو قضاء بالاستحقاق، وليس بحكم بالملك؛ لأن اليد قد تكون يد مالك في الظاهر، وهي غصب في الباطن. [والله أعلم].
стр. 3468
بَابْ: استحقاقِ الشفعةِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا بيعت دار في زقاق غير نافذ، فأهله جميعًا شركاء في الشفعة، وهم أولى من الجيران الملاصقين الذين لا طريق لهم في الزقاق.
فإن سَلَّم الشركاء في الطريق الشفعة، أخذ الجيران الملاصقون، ولا شفعة لجار غير ملاصق ممن لا طريق له في الزقاق؛ وذلك لأن الدرب إذا لم يكن نافذًا فأهله شركاء فيه، والشريك في حق المبيع أولى من الجار.
وقد قال محمد: إن أهل الدرب يستحقون الشفعة بالطريق إذا كان ملكًا لهم، أو كان فناء غير مملوك، ولا شبهة في المملوك؛ لأنهم شركاء فيه.
فأما الفناء الذي ليس بمملوك، فهم [أحقّ] (١) به من غيرهم، فصار في حكم الملك، [فوجب به] (٢) الشفعة، فإذا سَلَّم أهل الزقاق، فللجار الشفعة على ما قدمنا من خلاف أبي يوسف.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: إذا كان بين الدارين طريق نافذ، فلا شفعة فيها إلا للجار الملاصق؛ وذلك لأن الطريق النافذ ليس بمملوك، فلا يختص به أهله، بل هم وجميع الناس فيه سواء، فصار كالشوارع،
стр. 3469
وهذا يجب أن يكون في الطريق النافذ إذا لم يكن مملوكًا، فأما إذا كان مملوكًا، فهو في حكم غير النافذ في وجوب الشفعة به.
قال محمد: في دار بين شركاء، اقتسموها وعزلوا منها طريقًا نافدًا بينهم، ثم باع أحدهم نصيبه، كان للباقين الشفعة بهذا الطريق؛ لأنه ملك لهم وإن كان نافذًا، ألا ترى أن لهم أن يسدوه ويمنعوا غيرهم من استطراقه، والنافذ الذي لا يستحق به الشفعة: هو الذي [لا يملك] (١) أهله أن يسدوه؛ لأن حق الجميع متعلق به، وما تعلق به حق جميع المسلمين، لم يجب به الشفعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى وجوبها لجميعهم.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: وكذلك النهر إذا كان بين أقرحة - إلا أن يكون نهرًا صغيرًا ساقية [بين] قوم - فهو بمنزلة الزقاق فيه الدور وليس بنافذ، فهم شركاء في الشِّرْبِ، وفيه الشفعة.
فإن بيع قِراحٌ له شرب في الساقية، وإلى جانبه قِراح ليس له في الساقية شرب، فأصحاب الشرب أولى به وإن كانوا أبعد؛ لأنهم شركاء في النهر، وليس هذا بشريك [فيه].
قال أبو الحسن: وكذلك نهر صغير أو ساقية بين قوم عليها قراحان أو ثلاثة، أو بساتين، أو نحو ذلك، فإنهم جميعًا شركاء في الشفعة؛ وذلك لأن النهر الصغير يجري مجرى الدرب الذي لا ينفذ؛ [في أنه حق] (٢) مملوك لأهلها، فتجب الشفعة بالشركة فيه، والنهر العظيم يتعلق به حق جماعة المسلمين، ولا يختص به
стр. 3470
بعضهم دون بعض، فهو كالشارع، فلا يجب به الشفعة.
فأما الحدّ الفاصل بين الصغير والكبير، فذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: لست أستطيع أن أجد في هذا حدًا، هو عندي على ما أرى حين يقع ذلك.
وذكر هشام عن أبي يوسف: في الساقية الصغيرة، تسقي البستانين والثلاثة، أو تسقي القطعتين أو الثلاث، فصاحب الأرض والبستان الذي له الشرب في الساقية أحق بما بيع من الجار الذي ليس له شرب في الساقية.
قال أبو يوسف: ليس في الأرضين التي شربها من العظيم (١) شفعة، ولم يجعل أبو يوسف العظيم (٢) مثل الساقية [بين قوم، وجعل للبساتين التي على الساقية الصغيرة الشفعة، ولم يجعل ذلك للعظيم (٣)]، فقد جعل أبو يوسف - في رواية هشام - حد الساقية التي يجب بها الشفعة أن يسقي للبستانين أو الثلاثة.
وذكر محمد في رواية ابن رستم: أن النهر الذي يحمل السفن لا شفعة به.
وقال هشام عن محمد في النهر الذي تجري فيه السفن: أن لا شفعة، وهو بمنزلة الطريق النافذ، وما لا تجري فيه السفن بمنزلة الطريق الذي لا ينفذ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
قال هشام: قلت لمحمد: فما تقول في نهر لا تجري فيه السفن، عليه عشرة آلاف جريب، نصفها لها شرب من هذا النهر [بين مائة إنسان] (٤)، والنصف الآخر
стр. 3471
له أنهار؟ قال: فإن هؤلاء الذين ليس لهم شرب في الأصل، لا شفعة لهم في تلك الأرضين إلا بالجوار، وأما الذين لهم شرب مع أراضيهم، [فهم] (١) شفعاء، وأخبرني أن أبا حنيفة قال: إذا كان يجري في مثله السفن، فلا شفعة لهم.
قال هشام: وسألت محمدًا عن ساقية عليها نحو من ألف جريب أرض بين مائة إنسان، لكل إنسان شيء معلوم، وهو نهر مستوٍ، وإنما لهم شرب النهر يجرونه إلى أرضهم، فباع بعضهم أرضه، فالذي هو ملاصق أحق بالشفعة، أو كلهم فيه شَرَعٌ (٢) سواء؟ قال محمد: كلهم شَرَعٌ (٣) سواء، فقد أجرى محمد الحكم على جريان السفن؛ لأن ما تجري فيه السفن في حكم [النهر] العظيم، فهو كالدجلة والفرات، و [أما] الذي لا تجري فيه السفن في حكم الصغير، فهو كالزقاق الذي لا ينفذ.
وما ذكره من شركة مائة إنسان، ليس على طريق الشرط، وإنما المعتبر بما ذكره من جريان السفن.
وكان السمَّاني يقول: إن حَدَّ النهر الصغير الذي يجب به الشفعة، هو ما اشترك فيه مائة فما دونهم، فإن كانوا أكثر من ذلك، فلا شفعة.
وإنما رجع إلى هذه الرواية، وقد بيّنا أن محمدًا ذكر هذا مثلًا ولم يجعله حدًا.
قال هشام: قلت لمحمد: فإن أبا يوسف قال: إذا كانت الساقية بين ثلاثة أو نحو ذلك، قضيت بالشفعة بالساقية، فإذا كان أكثر من ذلك لم أقض، علم أن
стр. 3472
محمدًا رضي بقول يعقوب.
قال هشام: قلت لمحمد: فإن كان ينشق من هذا النهر ثم بيع فيه أرض، فقال: أصحاب التربيع أحق بما فيه من الذين هم قبله، بمنزلة [سِكَّة] (١) تربيع.
قال محمد في الشفعة [بالسِّكة] (٢) إذا كانت بتربيع: فقول أبي حنيفة الذي أخبرنا أبو يوسف عنه.
ومعنى السكّة بتربيع: أن يكون الزقاق غير نافذ وفيه معطف زقاق آخر غير نافذ، فإن بيع في الزقاق المنعرج دارٌ، فأهل هذا الزقاق أحق بشفعتها من أهل الزقاق الأول؛ لأن هؤلاء شركاء في الطريق الخاص، ألا ترى أن أهل الزقاق الأول ليس لهم أن يستطرقوا في المعطف، فإذا انفردوا عنهم بالشركة في طريق كانوا أخصّ بالشفعة.
فإن بيعت دار في الزقاق الأول، فأهل الزقاق الأول والزقاق المتعرج شركاء في شفعتها؛ لأنهم تساووا في الشركة في طريق الزقاق الأول، ألا ترى أنهم يستطرقونه جميعًا، فتساووا في استحقاق الشفعة، فالنهر [بناء] على هذا إذا شرع منه (٣) آخر، فبيعت أرض شربها من النهر الشارع (٤)، فأهل النهر الشارع (٥) أحق بشفعتها من أهل النهر الكبير؛ لأنهم يختصون بشرب النهر الشارع (٦)، فإن
стр. 3473
بيعت أرض على النهر الكبير، كان أهله وأهل النهر الشارع (١) سواء في الشفعة؛ لأنهم استووا في استحقاق الشرب في عمود النهر.
قال هشام: سألت محمدًا عن قِراح واحد في وسطه ساقية جارية، منها [شِرب] (٢) هذا القراح من الجانبين جميعًا، فبِيْع القراح، فجاء الشفيعان يدعيان الشفعة، أحدهما تليه هذه الناحية وحدها من القراح، والآخر تليه الناحية الأخرى من القراح، هل يشتركان في القراح كله، أو تكون الساقية حائلة فيكون لهذا ما يليه إلى الساقية ولهذا ما يليه من الساقية؟
قال محمد: هما شفيعان في القراح كله، وليست الساقية بحائلة؛ لأنها ساقية هذا القراح؛ وذلك لأن الساقية من حقوق القراح، فصارت كالحائط الممتد في وسط الدار: فإنه لا يفصل بين جنبيها، بل يستحق الشفيعان جميع الدار على الشركة، فكذلك هذا.
قال: قلت: فإن كانت هذه الساقية تجوز هذا القراح ويشرب منها ألف جريب خارجًا من هذا القراح، وكانت هذه الألف الجريب بين مائة رجل، فجاؤوا يطلبون الشفعة مع الجارين؟ قال محمد: (أصحاب الساقية فيه أحق بالشفعة من الجار) (٣)، حتى يكون ذلك شِربًا (٤) كثيرًا؛ وذلك لأنهم إذا اشتركوا في شِربها، استحقوا الشفعة بالشِّرب، فكانوا أولى من الجار الذي لا شِرب له.
стр. 3474
بَابْ: الشفعة بالحيطَان ومَسيل الماء
قال بشر وعلي عن أبي يوسف: لو أن رجلًا له مسيل ماء في دار بيعت، كانت له الشفعة بالجوار لا [بالشِّرب] (١)، (ليس المسيل بمنزلة الشِّرب) (٢).
قال أبو الحسن ﵀: إنما يعني بجوار الدار التي لها المسيل؛ وذلك لأن صاحب المسيل يختصّ بمسيل الماء، وليس للآخر معه مشاركة في شيء، فصار كحائطٍ لصاحب إحدى الدارين في الأخرى، فسالا عنه له (٣).
ولو أن حائطًا بين داري رجلين، الحائط بينهما، فصاحب الشرك في الحائط أولى بالحائط من الجار، وبقية الدار يأخذها بالجوار مع الجار بينهما [بالسَّوِية] (٤).
وذكر النمر بن حراز عن أبي يوسف: أن الشركة في الحائط أولى بجميع الدار.
وحكي عن زفر: أنه يستحق الحائط خاصة، ويساوي الجار في بقية الدار.
قال: وروي عن أبي يوسف مثل ذلك.
стр. 3475
وجه الرواية [الأولى] (١): أن صاحب الحائط شريك في بقعة من الدار بعينها، وجار في نفسها، فكان أولى ممَّا هو شريك فيه، ومساوٍ للجار في نفسها.
وجه الرواية الأخرى: أنه شريك في بعض المبيع، فكان أولى من الجار الذي لا شركة له، كالشريك في الشِّرْب والطريق.
وقال بشر وعليّ بن الجعد عن أبي يوسف: وكذلك البيت في الدار بين رجلين بغير طريق، باع الرجل الدار، فطلب الشريك الشفعة، وطلبها الشريك في البيت، فإن صاحب الشركة في البيت أولى بالبيت، وبقية الدار بينهما نصفان بالشفعة على ما فسرت لك؛ وذلك لأن أحدهما شريك جار في بقية الدار، والآخر شريك في الدار جار للبيت، فاجتمع في كل واحد منهما شركة وجوار، فالشركة أولى.
[قال رحمه الله تعالى]: وهذا الجواب هو الذي يقتضيه ظاهر المسألة، وما أجاب به أبو الحسن في الكتاب لا يصح، إلا أن تحمل المسألة على أن البيت [مشترك] (٢) وبقية الدار لأحد الشريكين فيه، فباع صاحب الدَّارِ (٣) الدَّارَ ونصيبه من البيت، وطلب جارها والشريك في البيت الشفعة، فيكون للشريك في البيت نصف البيت بالشركة، وبقية الدار يتساوى فيها هو والجار.
قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول: إذا كان حائط بين جارين (٤)، الحائط
стр. 3476
بين صاحبي الدار، وفي إحدى هاتين الدارين بيت لرجل، أو كان لرجل فيه نصيب مقسوم، ولصاحب البيت أو لصاحب النصيب [مَمَرٌّ] (١) في الدار، فباع شريكهم في الدار الذي هو شريك صاحب الحائط؟ فقال: صاحب الحائط أحق بالشفعة من صاحب النصيب المقسوم ومن صاحب البيت.
وإن كان لهما مَمَرٌّ في الدار، [من قِبَل أن صاحب الحائط شريك فيه للذي باع دون صاحب القسمة]، فهذا على الرواية التي جعل الشريك في الحائط أولى ببقية الدار من الجار، وصاحب البيت جار، فكان الشريك في الحائط أولى منه.
قال أبو الحسن: وهذه الرواية عن أبي يوسف أصحّ عندنا.
قال هشام: سألت أبا يوسف عن حائط بين دارين عليه بناء، وهو بينهما، وباب إحدى الدارين في سكة لا منفذ لها، وفيها دور، فبيعت الدار التي في السكة التي فيها دور لا منفذ للسكة، لمن الشفعة؟
قال: صاحب الحائط أحق؛ لأنه شريك في الدار، فجعل الشركة في الحائط شركةً في نفس المبيع، وقدم الشفعة.
وقال هشام: سألت محمدًا عن حائط بين دارين، عليه خشب لصاحب هذه الدار، ولصاحب هذه الدار الأخرى، فبيعت إحدى الدارين، فجاء صاحب الحائط يدّعي الشفعة، وجاء الجار يدَّعيها (٢)، ولا يعلم أنّ الحائط بينهما إلا بالخشب الذي عليه لهما، قال محمد: يسأل المدعي للشفعة بالحائط البينة، بينته
стр. 3477
أن الحائط بينهما، فإن أقام بينة فهو أحق من الجار؛ لأنه شريك، وإن لم يقم بينة لم أجعله شريكًا؛ وذلك لأن استحقاق الحائط [بالخشب] (١) ظاهر في الملك، وقد بينا أن الشفعة لا تستحق بالظاهر، وإنما ذكر أبو الحسن هذه المسألة هاهنا ليُبَيِّن من قول محمد: أن الشريك في الحائط أولى بجميع الدار، على أن في لفظ محمد احتمالًا؛ لأن قوله: إنه أحق من الجار، يحتمل أن يكون [أحق] بالحائط، وظاهره يقتضي أنه أحق بالجميع.
قال محمد: وكذلك لو أقرَّ البائع قبل البيع أن الحائط بينهما، لم أجعل له بهذا شفعةً، بمنزلة دار في يد رجل أقرَّ أنها لآخر، فبيعت إلى جنبها دار، فجاء المُقَرُّ له يدَّعيها بشفعة الدار التي أقر له بها، فإنه لا شفعة له بذلك حتى يقيم البينة أن الدار داره، فإذا لم يعلم ذلك إلا بقولهما لم يصدّق على الشفعة؛ وذلك لأن المُقِرَّ يجوز أن يكون صادقًا في إقراره، ويجوز أن يكون كاذبًا، فلا يمكن (٢) إيجاب الشفعة على المشتري بالإقرار.
وقد ذكر في المنتقى عن أبي يوسف أنه قال - بعد رجوعه من البصرة -: في رجل بيعت دار إلى جنب داره، وهو شفيعها، وقد عرف القاضي أن الدار التي في يديه [له]، وأنه شفيع الدار، فقال الشفيع بعد بيع الدار التي فيها الشفعة [وقد علم]: إن داري هذه لفلان قد بعتها منه منذ سنة، وقال هذه المقالة في وقت يقدر على أخذ الشفعة لو طلبها لنفسه.
قال: لما أقرّ بالدار لرجل فقد نقض [ملكه] على ذلك، وصيّرها لغيره،
стр. 3478
فلا شفعة له، ولا للذي أقرّ له، إلا أن يقيم المقر له البينة على شرائها، أو هبتها، وهذا على ما بيّنا.
وقد ذكر الخصاف في الحيلة في إسقاط الشفعة: أن البائع إذا أقرَّ بسهم من الدار للمشتري، ثم باعه بقية الدار، أن الجار لا يستحق الشفعة؛ لأن المشتري شريك بالسهم المقر به.
وكان الشيخ أبو بكر الخوارزمي يخطّئ الخصاف في هذا، ويفتي بوجوب الشفعة للجار في بقية الدار.
قال: لأنا لا نعلم أن البائع صادق فيما أقر به للمشتري، ويستدل على ما قال بهذه المسألة التي ذكرها محمد في الإقرار بسهم من الحائط أو بالدار، ويجوز أن يصحح قول الخصاف؛ وذلك لأن الشفيع لا بد أن يعترف بملك البائع فيما باعه حتى يصح أن يطلب شفعته، وإذا اعترف بملك البائع بما باعه، فإن كان مالكًا في الظاهر لجميع الدار، فقد نفذ إقراره للمشتري، وإن لم يكن مالكًا للسهم المقر به، نفذ إقراره في سهم مما باع؛ لأنه أقر له بسهم مشاع.
وليس كذلك مسألة الحائط؛ لأنه يجوز أن يكون لغير البائع، فلا يكون في مطالبة المشتري بالشفعة ما يوجب تصديق البائع في الإقرار بالحائط.
قال هشام: قلت: فإن أقام الذي يدعي الشفعة البينة أن الحائط لهذا عليه خشب ولهذا، قال: أجعل (١) بالبينة الحائط بين هذين، فإن قالوا: لا ندري، لم أقبل شهادتهما؛ وذلك لأنهم لم يشهدوا إلا بما قد علمناه بالمشاهدة، وهو حق
стр. 3479
الوضع، ولا يعلم الملك (١) بذلك حقيقة، والبينة إذا لم تفد إلا ما أفاده الظاهر لم تقبل.
قال: فإن كان الحائط بينهما، وقد علم ذلك، وبيع في إحدى الدارين نصيب مقسوم، أو حجرة فيها، وطريق ذلك في الدارين، وبابهما واحد، فادّعى صاحب الحائط الشفعة، وصاحب النصيب المقسوم، قال محمد: الشفعة لصاحب الحائط؛ لأنه بينهما غير مقسوم، فجعل محمد الشريك في الحائط أولى ببقية الدار من صاحب البيت المقسوم، وهذا مثل رواية أبي يوسف.
وقال بشر عن أبي يوسف: لو أن رجلًا اشترى حائطًا من جارٍ بأرضه، ثم اشترى ما بقي [من الدار]، ثم طلب جار الحائط الشفعة، فله الشفعة في الحائط، ولا شفعة له فيما بقي من الدار، ومشتري الحائط أولى بالشفعة الثانية من قبل أن ملكه قد حال دون ملك الآخر، فصار أقرب جوارًا، وذلك لأن الجار جار للحائط، فثبت له فيه الشفعة بالجوار، فإذا باع بقية الدار قبل أن يأخذ الحائط، فقد حال الحائط بين الجار وبين المبيع فلا تجب له الشفعة.
وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في دار بين رجلين، لرجل فيها طريق، فباع أحدهما نصيبه من الدار، فشريكه في الدار أحق بشفعة ذلك، ولا شفعة لصاحب الطريق فيها، ولصاحب الطريق الشفعة في الطريق؛ وذلك لأن الطريق إذا كان معينًا، فصاحبه جار لبقية الدار، فالشريك فيها أولى منه، وله شركة بموضع الطريق، فاستحق الشفعة فيه.
قال: وكذلك دار بين رجلين، ولأحدهما حائط بينه وبين رجل بغير أرضه،
стр. 3480
فباعه الذي له شرك في الحائط نصيبه من الدار والحائط، قال: فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار، ولا شفعة للشريك في الحائط في الدار، وله شفعة في الحائط وأرضه.
وهذا صحيح على الرواية التي يقول فيها: إن الشريك في الحائط جار في بقية الدار، فيكون الشريك في الدار أولى منه.
قال: وكذلك دار بين رجلين، ولأحدهما بئر ماء في الدار بينه وبين رجل آخر، فباع الذي له الشركة في البئر نصيبه من الدار والبئر، فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار، ولا شفعة للشريك في البئر، وله الشفعة في البئر، لا يكون له الشفعة [فيما] (١) يسكن إذا كان شريكًا فيما لا يسكن؛ بمنزلة طريق وحائط وبئر؛ وذلك لأن الشريك في البئر، شريك في بقعة بعينها، فكان أولى بها، وهو جار في بقية الدار، فالشريك في الدار أولى منه.
فأمّا تعليله، فيقتضي أن الشريك في البئر والحائط ليس بمنزلة الشريك في الطريق؛ لأنه شريك فيما لا يسكن، فلا يستحق الشفعة فيما يسكن، والشريك في الطريق شريك فيما يسكن، فاستحق الشفعة فيما يسكن.
ومعنى هذا: أن الحائط والبئر منفعتهما تختصّ بهما، ولا تتعلق ببقية الدار، فلم يكونا من حقوقهما، ومنفعة الطريق تتعلق بجميع الدار، كمنفعة الشِّرْبِ الذي يتعلق بجميع البستان، فلذلك كانت الشركة فيه [موجبة للشفعة] (٢) في الجميع، وهذا تفريع من أبي يوسف على إحدى الروايتين.
стр. 3481
قال: وكذلك بيت سفل بين رجلين، لأحدهما عليه علو بينه وبين رجل آخر، فباع الذي له نصيب في العلو والسفل نَصِيْبَه من رجل، قال: فلشريكه في السفل الشفعة في السفل، ولا شفعة له في العلو، ولشريكه في العلو الشفعة في العلو، ولا شفعة له في السفل، وهذا على ما بيّنا: أن كل واحد منهما شريك في شيء، وجار في شيء، فكان أولى بالشركة من الجار (١).
стр. 3482
بَابْ: الشفعة في فسخ البيع
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى رجل من رجلٍ دارًا، فسلم الشفيع الشفعة، ثم ردّ المشتري الدار بخيار رؤية أو بخيار شرط قبل قبض الدار، أو بعد ذلك، فأراد الشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة، فليس له ذلك.
ولو ردَّها بعيب قبل القبض بقضاء أو بغير قضاء، كان كذلك، وإن ردَّها بعيب بعد القبض بغير قضاء، أخذها بالشفعة بهذا الرد، وإن كان بقضاء، فلا شفعة له في الرد.
قال: وجملة هذا: أن الشفيع إذا سَلَّم الشفعة، ثم عاد [المبيع] (١) إلى البائع على حكم ملك الأول، فلا شفعة له بالعود؛ لأنه أسقط شفعته عن ذلك الملك، فلا يعود إلا بعود سبب آخر.
وكل موضع عاد إلى البائع بحكم الملك مُبْتَدَأً، كان للشفيع الشفعة، كما لو اشتراها والرد بخيار الرؤية، والشرط موجب عود ملك الأول، وكذلك الرد بالعيب قبل القبض.
فأمّا الرد بالعيب بعد القبض، فيختلف فيه القضاء وغير القضاء، وهذه فصول قد بيّناها في كتاب البيوع.
قال: ولو قال المشتري: البيع بيع إقالة بغير عيب، قبل القبض أو بعده،
стр. 3483
فإن للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة؛ لأنها عادت إلى البائع على حكم ملك مبتدأ، ألا ترى أنها دخلت في ملكه بقبوله ورضاه، فصار ذلك كالشراء.
стр. 3484
بَابْ: [زيادة الشفعة في الشراء بثمن مؤجل]
قال الشيخ رضي الله تعالى عنه: قد بيّنا الكلام فيما ذكره أبو الحسن رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، وقد أخل بمسائل مشهورة، وبمسائل واقعة، نحن نذكرها في هذا الباب وإن كانت مختلفة.
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إذا اشترى الرجل دارًا بثمن مؤجل، فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بثمن حال، وإن شاء انتظر مضي الأجل، فإذا مضى أخذها وليس له أن يأخذها بثمن مؤجل؛ وذلك لأن الأجل لا يثبت إلا بالشرط، ولم يوجد بين المشتري والشفيع شرط أجل، فلم يثبت؛ ولأن الأجل مدّة ملحقة بالعقد، كالخيار، ومعلوم أن المشتري لو شرط الخيار لنفسه ثم أخذها الشفيع لم يثبت له خيار؛ لأنه لم يشترط له، كذلك هذا.
وإذا لم يثبت الأجل في حقه كان بالخيار: إن شاء أخذ بثمن حال، وإن شاء انتظر حتى يحل الأجل؛ لأن له أن يقول: لا ألتزم الثمن بزيادة صفة لم يقع عليها البيع.
فإن اختار أحدهما بثمن حَالٍّ، كان الثمن للبائع على المشتري إلى أجله؛ وذلك لأن الملك انتقل من المشتري إلى الشفيع، فكأنه باع الدار بثمن حَالّ.
وقد روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف في هذه المسألة: أن الشفيع يجب أن يطالب عند علمه بالبيع، فإن سكت عن الطلب حتى يحل الأجل فذلك تسليم.
стр. 3485
وقال ابن أبي مالك: كان أبو يوسف يقول هذا، ثم رجع فقال: إذا سكت ثم طلب الشفيع عند حل الأجل، فله الشفعة.
وجه رواية بشر: أن الشفعة واجبة بالعقد؛ ولهذا يملك أخذها بثمن حال، وإنما يتأخر الأخذ لأجل صفة الثمن، وإذا ترك الإشهاد عند وجوب الشفعة، بطلت.
وجه رواية ابن أبي مالك: أن الطلب إنما يحتاج إليه للأخذ، فإذا كان [تركه] للأخذ لا يؤثر في شفعته، فكذلك تركه للطلب.
قال أصحابنا: إذا مات الشفيع قبل أن يقضى له بالشفعة، بطلت شفعته، وقال الشافعي: للورثة أخذ الدار.
لنا: أنه خيار ملك لاستحقاق ملك بالثمن، فوجب أن لا يورث، كخيار القبول في البيع؛ ولأن كل من لا يستحق الشفعة حال التزام (١) العقد، لا يستحق بذلك العقد أبدًا، كوارث الخيار، فلأن الوارث لم يكن له ملك عند عقد البيع، فلا يثبت له بذلك البيع شفعة كالموصى له.
٢٣٩١ - [فَصْل: شفعة المولى في دار المأذون]
[قال أصحابنا - يعني أبا حنيفة رحمه الله تعالى -]: وإذا باع المأذون دارًا، والمولى شفيعها، فإن كان عليه دين [فللمولى الشفعة؛ لأن المولى في اكتسابه كالأجنبي، وإن لم يكن عليه دين] فلا شفعة للمولى؛ لأن الملك له، والمأذون قائم مقامه في البيع، وصار كبيع وكيله.
стр. 3486
وقالوا: إن اشترى المأذون [دارًا] وعليه دين، فلمولاه الشفعة؛ لأنه في كسبه كالأجنبي، وإن لم يكن عليه دين، فلا شفعة له؛ لأن الدار على ملكه، ويملك أخذها من غير شفعةٍ، فلا معنى لأخذها بالشفعة.
فأما المكاتب فهو فيما يشتري ويبيع مع المولى كالأجنبي؛ لأنه لا يملك ما في يديه.
٢٣٩٢ - [فَصْل:]
قال في الأصل: إذا شهد شاهدان: [أنّ] البائع والمشتري سَلَّما الشفعة للشفيع، وشهد شاهدان أن الشفيع سَلَّم الشفعة، فإنه يقضى بالدار هي في يديه المشتري (١) [أو] البائع (٢)، وهذا كرجلين اختصما في دار كل واحد منهما يزعم أنه اشتراها من الآخذ بثمن مسمّى، ولم يذكر خلاف محمد في الأصل، وهذه المسألة تشبه مسألة التهاتر من وجه، وتفارقها من وجه؛ لأن في مسألة التهاتر قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أقام كل واحد منهم البينة أنه اشترى من الآخر، فدخول المشتري مع البائع في العقد اعتراف له بالملك، فكأنهما أقاما البينة على إقرار كل واحد منهما [للآخر]، وهذا لا يوجد في تسليم الشفعة للمشتري والمشتري للشفيع؛ لأن التسليم ليس بإقرار بالملك، فثبت الملك لكل واحد منهما في الحال التي يثبته الآخر، وهذا مثل مسألة التهاتر.
والصحيح: مفارقةُ هذه، هذه المسألةَ؛ لعلة تلك المسألة، الوجه فيها: أنه لما لم يثبت التاريخ حكمنا بتسليمهما معًا، وتسليم المشتري للشفيع يلحقه
стр. 3487
الفسخ، وتسليم الشفيع للمشتري لا يلحقه الفسخ، ألا ترى أن الشفعة بعد التسليم لا تعود أبدًا، فمتى اجتمع ما يلحقه الفسخ، وما لا يلحقه الفسخ، كان ما لا يلحقه الفسخ أولى بالجواز، كرجل أقام البينة أنه اشترى عبدًا من مولاه وأقام العبد البينة أن مولاه أعتقه بينهما.
وكان أبو بكر الرازي يقول: هذه المسألة قولهم؛ لأني (١) لا أثبت خلاف محمد من غير رواية، ويفرق لمحمد بين هذه المسألة وبين مسألة التهاتر؛ لأنه يحكم في تلك المسألة بأن [الخارج باع من صاحب اليد وسلّم إليه، وأن] صاحب اليد باع من الخارج ولم يسلّم إليه، ولا يمكنه إثبات التاريخين بين التسليمين؛ لأنه لا دلالة عليه.
ويجوز أن يسوّي [محمد] (٢) بين هذه المسألة وبين تلك المسألة، ويقال: إنا نحمل الأمر على أن المشتري سلّم للشفيع، [فملك الشفيع] ثم سلّم [للشفيع] والشيء على ملكه، فيبطل تسليمه، أو نحمل الأمر على أن الشفيع سلم أولًا، ثم سلم له المشتري، فيكون ذلك كبيع [تمَّ] بتراضيهما.
٢٣٩٣ - [فَصْل: الشفعة في المصالح عليها]
وقالوا: إذا ادَّعى الرجل دارًا، والمدَّعى عليه ينكر دعواه، ثم صالحه من دعواه على دار، وجبت الشفعة في المصالح عليها، ولا تجب في المصالح عنها؛ وذلك لأن المدعى عليه يزعم أن الدار على ملكه لم يمتلكها بعقد الصلح، وإنما أسقط عن نفسه الخصومة بما دفع، فلا يستحق عليه الشفعة، فأما المدعي، فيزعم
стр. 3488
أن الدار على ملكه، وأنه أخذ هذه الدار عوضًا عنها، فيستحق عليه الشفعة باعترافه (١).
٢٣٩٤ - [فَصْل: كفالة رجلين للمشتري عن البائع وشهادتهما بالتسليم]
قال في الأصل: إذا تكفَّل رجلان للمشتري عن البائع بالدَّرَك، ثم شهدا أن المشتري سلم الدار إلى الشفيع، لم تقبل شهادتهما؛ لأنهما يبعدان عن أنفسهما ضمان الدَّرَك.
ولو شهدا أن الشفيع سلّم الشفعة للمشتري، لم تقبل شهادتهما [أيضًا]؛ لأنهما ضمنا للمشتري تصحيح [البيع] (٢)، فصارا كالبائع.
٢٣٩٥ - [فَصْل: شهادة البائع بتسليم الشفعة]
ولو شهد البائع بتسليم الشفعة لم يجز؛ لأنه ضمن تصحيح الملك للمشتري.
قال: وإن شهد أبناء البائع أن الشفيع سلّم، فإن كان البائع لم يسلم الدار، لم تجز شهادتهما؛ لأنهما يسقطان الحق عن أبيهما، فإن كان البائع [قد] سلّم إلى المشتري، جازت شهادتهما؛ لأنه لا منفعة لأبيهما فيها.
فإن قيل: لا تقبل شهادة أبيهما بعد التسليم قيل له؛ لأنه كان خصمًا في الشفعة قبل التسليم، ومتى كان خصمًا في شيء لم تقبل شهادته فيه وإن خرج من الخصومة، كالوكيل إذا عزل.
стр. 3489
٢٣٩٦ - [فَصْل: الشفعة في شراء الذِّمِّي]
قال أصحابنا: إذا اشترى الذِّمِّي من الذمي دارًا بخمر وخنزير، وشفيعها ذمي أو مسلم، فله الشفعة، فإن كان ذِمِّيًّا أخذها بمثل الخمر وبقيمة الخنزير، وإن كان مسلمًا أخذها بقيمة الخمر [والخنزير] (١).
وقال الشافعي: لا شفعة فيها، فإن سلم المشتري للشفيع الشفعة وهما ذميان، لم أعترض عليهما وإن أسلما.
وهذا فرع على أصلنا: أن بيعهم في الخمر والخنزير جائز، فتجب الشفعة فيه، كالبيع بالخل والشاة.
فإن كان الشفيع ذميًا أخذ بمثل الخمر؛ لأنه يصح ضمانه له بمثله، فإن كان خنزيرًا أخذه بقيمته؛ لأنه لا مثل له، وإن كان الشفيع مسلمًا، أخذها بقيمة الخمر؛ لأن المسلم لا يجوز أن يضمن تسليم الخمر في ذمته، ويجوز أن يلزمه قيمتها لحق الذمي، كما لو استهلكها عليه.
وعلى الشافعي: أن كل بيع يقرّ المتعاقدان عليه يجوز أن يجب للشفيع فيه الشفعة، أصله بيع المسلمين (٢).
٢٣٩٧ - [فَصْل: الشفعة في بيع المريض إذا غبن]
قال في الأصل: إذا باع المريض دارًا بألفين تساوي ثلاثة آلاف، ووارثه شفيعها، فلا شفعة له عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: للوارث الشفعة.
стр. 3490
لأبي حنيفة: أن الوارث لا يخلو إما أن يأخذها بألفين أو بثلاثة آلاف، فإن أخذها بألفين، سلمت له المحاباة، وهذا لا يصح، وإن أخذها بثلاثة آلاف، سلم للمشتري زيادة على الثمن الذي [دفع] (١)، وهذا لا يصح.
وجه قولهما: أن المشتري [أجنبي] (٢) من الوارث، فيجوز أن ينتقل الملك إليه من جهته، كما لو كان البائع أجنبيًا، فتسلم الألف الزائدة للمشتري؛ لأن المريض حاباه، فكأنه وهبها له.
٢٣٩٨ - [فَصْل: الشفعة في بيع المريض لأجنبي]
(وإن باعها المريض من أجنبي) (٣): ذكر في المنتقى (فيمن اشترى دارًا بألف، ثم باعها بألفين، فعلم الشفيع بالبيع الثاني) (٤): إذا كان للدار جاران، أحدهما غائب والآخر حاضر، فخاصم الحاضر إلى قاضٍ لا يرى شفعة الجوار، فأبطل شفعته، ثم حضر الغائب، فخاصم [المشتري] إلى قاضٍ يرى شفعة الجوار، قضي له بجميع الدار؛ لأن القاضي [الأول] أبطل شفعة الحاضر، فلم يبق إلا الغائب، فاستحق الجميع.
قال: ولو كان القاضي الأول قال: أبطلت كل شفعة تتعلق بهذا البيع، لم تبطل شفعة الغائب؛ لأن هذا قضاء من القاضي على الغائب (٥).
стр. 3491
٢٣٩٩ - [فَصْل: تقدير المدة التي تبطل بها الشفعة]
قال محمد: إذا بلغ الشفيع البيع، فصلّى بعد الجمعة أربعًا لم تبطل شفعته، وإن صلى أكثر، بطلت [شفعته]؛ لأن الأربع بعد الجمعة بتسليمة واحدة سنة، فصارت كالركعتين، فأما الزيادة عليها فليست بسنة، فصارت كالدخول في صلاة أخرى.
وقد ذكر محمد: في المخيَّرة إذا كانت في صلاة النفل، فإن زادت على الركعتين بطل خيارها، فينبغي أن يحمل ذلك على النفل المبتدأ، فأما النفل [الراتب] (١) الذي من سنته أن يكون أربعًا، فهو كالفرض.
قال: ولو اشترى رجل دارًا لم يرها، فبيعت إلى جنبها دارٌ، فأخذها بالشفعة، لم يبطل خياره، ولو كان له فيها خيار شرط، بطل خياره.
والفرق بينهما: أنه لو قال قبل أن يرى الدار: قد أبطلت خياري، لم يبطل، فإذا فعل ما يدل على الإبطال (٢) لم يبطل.
ولو قال: أبطلت خيار الشرط، بطل، فإذا تصرف بما يدل على الإبطال بطل، والأخذ بالشفعة يدل على اختياره لتبقية المبيع على ملكه.
٢٤٠٠ - [فَصْل: الشفعة في الغرف المشتركة]
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف في كتاب الشفعة في الأمالي: في بيت عليه غرفتان، إحداهما فوق الأخرى، ولكل غرفة طريق في دار أخرى، ليس
стр. 3492
بينهم شركة في طريق، فباع صاحب البيت الأوسط بيته، ولم يطلب (١) الشفعة صاحب الطريق، فالشفعة لصاحب العلو ولصاحب السفل جميعًا؛ لأنهما تساويا في الجوار.
وإن باع صاحب العلو، كانت الشفعة لصاحب الأوسط، ولا شفعة لصاحب السفل؛ لأنه لا جوار بينهما.
قال أبو يوسف: لا أكره الحيلة في إبطال الشفعة، وقال محمد: أكره ذلك أشد الكراهة.
لأبي يوسف: أنه يمنع بالحيلة من وجوب حق عليه، وذلك لا يكره، كما لا يكره التزويج ليسقط عن نفسه الحد بالوطء، وكما لا تكره الحيلة في إسقاط الربا (٢).
لمحمد: أن الله تعالى أوجب الشفعة سببًا لدفع الضرر عن الشفيع، وفي إباحة الحيلة تبقية الضرر، فلم يجز.
وعلى هذا الخلاف: الحيلة في إسقاط الزكاة، قال أبو يوسف: لا أكرهها، وقال محمد: أكرهها (٣).
تم كتاب الشفعة والحمد لله وحده، وصلاته على محمد النبي وآله
يتلوه شرح كتاب الذبائح
стр. 3493
[٥٨] كتابُ الذبائح
قال الشيخ أيّده الله: الذبائح محظورة بالعقل؛ لأن الأشياء في الأصل على الإباحة عندنا، إلا ما كان فيه إدخال ضرر على الحيوان.
والمحظور بالعقل على ضربين: منه ما يقطع بتحريمه ولا يرد الشرع بإباحته، كقبح الظلم، ومنه ما هو [محظور] (١)، فيجوز أن يرد الشرع بإباحته، وإنما كان كذلك؛ لأن الضرر إذا كان فيه نفع [يفي] عليه حسن بالعقل؛ ولذلك يحسن أن يحجم الأطفال ويداويهم لما لهم في ذلك الألم من النفع، ولا يعلم بالعقل أن للبهائم في ذبحها منفعة، فلا يجوز أن يقدم عليها، فإذا أباح الشرع ذلك كشف لنا عن المنفعة التي يحصل لها من العوض، فحسن فعلها.
ولا يقال: إن النبي ﷺ كان يأكل لحم الحيوان قبل أَنْ يُبْعَثَ، ولو كانت الإباحة بالشرع، لم يجز له ذلك؛ لأنا لا نعلم أنه ﷺ قبل بعثه ذَبَحَ، وإنما أكل اللحم، وليس في حظر الذبح ما يوجب حظر اللحم؛ لأنها إذا ذبحت فالأكل لم يحصل منه أمر يقبح في العقل، ولو ثبت أنه ﷺ ذبح، لم يمتنع أن يفعل ذلك على شريعة من قبله.
وإذا ثبت إباحة الذبح، فالكلام بعد ذلك فيما يحل من الحيوان وما يحرم.
وجملة ذلك: أن الحيوان على ضربين: منه ما له دم سائل، ومنه ما لا دم له، فالذي لا دم له حرام أكله إلا الجراد.
стр. 3494
وما له دم على ضربين: أحدهما ما يعيش في الماء، والآخر لا يعيش في الماء: فما يعيش في الماء كله محرم إلا السمك خاصّة.
وما يعيش في البرّ على ضربين: مستأنس، ومستوحش، فالمستأنس: يحل منه الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، وما سوى ذلك من المستأنس لا يؤكل إلا الفرس، فإنه يكره عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره.
وأما المستوحش: فيحرم منه كل ذي مِخْلَبٍ ونَابٍ، ويحل ما سواه.
ويكره أكل الحشرات كلها.
ونحن نُبَيِّنُ ذلك فصلًا فصلًا في موضعه من الكتاب (١).
قال أبو الحسن ﵀: ذكر ما أحل الله تعالى من ذلك في كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢]، وقال: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]، فالحَمُولة: الكبار منها، والفَرْش: الصغار.
والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، لا أعلم خلافًا في أن اسم الأنعام واقع على ما سمّيناه، فهذه الآيات قد دلت على إباحة أكل الأنواع الثلاثة، وقد دل عليها الإجماع.
قال: وما عدا الأنعام من البهائم الإنسية فلا يجوز أكله، لا يجوز أكل الخيل ولا البغال ولا الحمير، وهذا قول أبي حنيفة.
стр. 3495
وقال أبو يوسف ومحمد كذلك، إلا في لحوم الخيل، فإنهما قالا: لا بأس بذلك، أما الحُمُرُ الأهلية، والبِغَالَ، فلا يجوز أكلها (١).
وحكي عن بشر المرسي أنه قال: لا بأس بأكل الحمار.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، وهذه الآية خرجت مخرج الامتنان، فلو جاز أكلها لذكره؛ لأن النعمة في الأكل أكثر من النعمة في الركوب.
وقد روى أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عام غزوة خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن متعة النساء) (٢).
ورى مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي رضوان الله عليه: (أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية) (٣).
وبهذا الإسناد، أن عليًا رضوان الله عليه قال لابن عباس وهو يفتي الناس في المتعة: (إن النبي ﷺ نهى عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر) (٤).
وروي أن النبي ﷺ قيل له يوم خيبر: أُكلتِ الحُمُرُ، فأمر أبا طلحة فنادى: إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحُمُرِ، فإنها رِجْس.
стр. 3496
والذي روي أن عائشة سئلت عن لحوم الحمر، فتلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، فقد احتجت بآية عامة اتفق على تخصيصها، فالرجوع إلى دليل التخصيص أولى.
والذي روي عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن النبي ﵊ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، قال: كان الحكم بن عمرو [الغفاري] يقول ذلك [عندنا] بالبصرة، وأبى ذلك الخبر - يعني ابن عباس -، فقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك، وهو أنه احتج في المنع من أكل الخيل بالآية، وهذا يقتضي المنع من أكل الحمر.
والذي روي أن رجلًا جاء إلى النبي ﵊ فقال: فني مالي كله، فلم يبق إلا الحُمُرُ الأهلية، فقال ﵊: "كُلْ من سمين مالك، فإني كنت نهيتكم عن جوالي القرية" (١)، فيحتمل أن يكون المراد به: كُلْ من أثمانها، كما يقال: أكل فلان عقاره، يعني أكل ثمنه، ولا يجوز أن يحمل نهيه ﷺ يوم خيبر عن أكل الحمر لأنها لم تخمس؛ لأن ما يحتاج إليه الجند للأكل لا يخمّس، ولا يخرج من الخُمس.
ولا يجوز أن يكون لقلة الظَّهْر؛ لأن النبي ﵊ أمر بأن تكفأ القدور؛ وذلك لا ينتفع به في الظهر، ولا يجوز لأنها كانت جلاله؛ لأنه خصّ النهي بالحمر الأهلية، وهذا المعنى يؤثر في الحُمُر وغيرها.
فأما لحوم الخيل، فقال أبو حنيفة: يكره أكلها، وقالا: لا يكره، وبه قال الشافعي (٢).
стр. 3497
لأبي حنيفة: الآية، وقد بيّنا وجه الدليل منها، وروى خالد بن الوليد قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير (١).
وروى المقدام بن معد يكرب: أن النبي ﷺ قال: "حرام عليكم الحمار الأهلي، وخيلها وبغلها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور" (٢)؛ ولأنه ذو حافر أهلي كالحمار.
ولأن نتاجه لا يؤكل، وهو البغل، وأكل النتاج معتبر بأمه، ألا ترى أن الحمار الوحشي لو نزى على الأهلي لم يؤكل ولده، وإذا كان المعتبر بالأم، دل تحريم البغل على تحريمها.
وجه قولهما: ما روى أنس بن مالك قال: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله ﷺ ، وعن جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل) (٣).
فأما الدليل على إباحة الدجاج: إجماع الأمة على ذلك.
ومن هذا النوع المستأنس من البط الكسكري التي لا يتوحش، وهو في حكم الدجاج في الإباحة بالإجماع.
قال أبو الحسن: فأما الصيد فذكره الله ، فأباح اصطياده بقوله تعالى:
стр. 3498
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فأحل اصطياد ما في البحر عامًا للحلال والحرام، وحرّم صيد البر على المُحْرِم، وأحله للحلال، فكذلك قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فيه إحلال الاصطياد، وليس في الموضعين جميعًا ذكر ما يؤكل منه وما لا يؤكل، وقد جاءت السنة عن رسول الله ﷺ بحظر بعض ذلك، ووقع الإجماع على إباحة بعضه.
وهذا الذي قاله صحيح؛ لأن [الآيات] دلت على إباحة الاصطياد، ولم تدل على إباحة الصيد، وقد يباح اصطياد ما لا يؤكل لينتفع بجلده وَوَبَرِهِ وعَظْمِهِ، فلم يكن في الآية دلالة على إباحة الأكل.
قال: والظِّبَاء، وبَقَرُ الوَحْش، وحُمُرُ الوَحْش، والسَّمُّور، والإبل حلال، لا اختلاف في ذلك بين المسلمين.
وقد دل على إباحة الحمر الوحشية، أن النبي ﷺ لما سئل يوم خيبر عن لحوم الحمر، قال: "الأهلية"، فقيل له: نعم، وهذا يدل على اختلاف الوحشية والأهلية، وأن النبي ﷺ مرّ بالرَّوْحَاء بحمار وحش عقير، فتبادر إليه أصحابه، فقال: "دعوه فسيأتي صاحبه"، فجاء رجل من بهز فقال: هذه رميتي يا رسول الله، وهي لك، فأمر النبي ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق (١)] (٢) فإذا كان الحمار الوحشي مباحًا، وإن كان نظيره من الأهلي محرمًا، كانت الظباء والبقر التي
стр. 3499
نظيرها من الأهلي مباحة أولى بالإباحة.
قال: وحرم رسول الله ﷺ كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، والحديث عن رسول الله ﷺ في ذلك مشهور.
وقد ذكره أبو الحسن ﵀ بعد هذا عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ : نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير) (١).
وروت أم حبيبة ﵂ بنت العرباض عن أبيها، (عن النبي ﵊ أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مِخْلب من الطير، وعن المُجَثَّمة، وأن توطأ الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن) (٢).
وروى محمد بن [أبان] الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ لعن يوم خيبر عشرة، وحرّم خمسًا: لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه (٣)، والواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصلة، ومانع الصدقة، وحرّم: الخلسة والنهمة والمجثمة (٤) والحمار الأهلي، وكل ذي ناب من السباع).
[وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكل ذي ناب من
стр. 3500
السباع حرام"] (١).
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فذو الناب من السباع: الأسد، والذئب، والنمر، والفهد، والثعلب، والضبع، والكلب، والسنور البري والأهلي، فهذا محرم بما جاء (عن رسول الله ﷺ عن نهيه في كل ذي ناب من السباع) (٢).
وهذه الجملة لا خلاف فيها، إلا في الضبع، فإن الشافعي قال: إنه مباح (٣).
وقد دل على تحريمه الخبر، ولأنه سبع ذو ناب كالكلب والخنزير؛ ولأنه سبع يتناول الجيف كسائر السباع.
والثعلب حرام أيضًا بهذا الخبر؛ لأنه سَبُعٌ ذو ناب من السباع كالذئب.
فأمّا المجثمة التي ذكرها النبي ﷺ في الخبر (٤)، قد وردت بالفتح والكسر، فالمجثمة بالفتح: كل صيد جثم عليه الكلب حتى مات غمًّا (٥)، والمجثمة [بالكسر]: كل شيء عادته أن يتجثم (٦) على الصيد مثل الكلب والذئب (٧).
وقد روي عن النبي ﷺ : (أنه نهى عن الخطفة) (٨) وعما يختطف في الهواء
стр. 3501
مثل الباز والحدأة [ونحوهما].
ونهى عن النهبة، وهو ما ينتهب على الأرض مثل الذئب [ونحوه] (١).
قال أبو الحسن: [وكره] (٢) أصحابنا مع ذلك من الصيد: لحم الفيل؛ لأنه من ذوات الناب كسائر السباع، وكرهوا الدُّبَّ والقِرد؛ لأنها من جملة المسوخ، وذلك محرم لما روي: (أنه ﷺ سئل عن الضَّبّ فقال: "إن أُمّةً مسخت في الأرض، فإني أخاف أن يكون منها") (٣)، فدل [بذلك] على تحريم المسوخ.
قال: [وكرهوا] (٤) أكل الضب، وقال الشافعي: لا يكره (٥).
لنا: ما روي عن عائشة: (أن النبي ﵊ أهدي إليه لحم ضَبٍّ فامتنع أن يأكله، فجاءت سائلة فأرادت عائشة أن تطعمها إياه، فقال لها: "أتطعمين ما لا تأكلين" (٦).
ولا يجوز أن يحمل امتناعه على أن نفسه عافته؛ لأنه لو كان كذلك لما منع
стр. 3502
من التصدق به، ألا ترى أنه لما امتنع من أكل شاة الأنصاري أمر بالتصدق بها.
وروى عنه عبد الرحمن بن حَسَنة قال: كنا في بعض المغازي، فأصابتنا مجاعة، فنزلنا في أرض كثيرة الضِّبَاب، فنصبنا القدور، وكانت القدور لتغلي إذ جاء النبي ﷺ فقال: "ما هذا؟ " فقلنا: الضَّبُّ يا رسول الله، فقال: "إن أُمّةً مُسِخَت، فأخاف أن تكون هذه منها"، وأمر بإكفاء القدور، ولأنه من حشرات الأرض [كسائر الحشرات].
والذي روى ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ قال له: "لم يكن بأرض قومي، فأجد نفسي تعافه) (١)، فلا آكله ولا أحرمه".
وروى ابن عباس قال: أُكِلَ على مائدة رسول الله ﷺ (٢)، فهذا يفيد الإباحة، وما ذكرناه يفيد الحظر، فهو أولى.
قال: وكذلك اليربوع، وابن عرس من سباع الهوام، وكرهوا أكل جميع الهوام مما يكون سكناه في الأرض، والجُرَذُ من الفَأرِ، والأوزاغ والسام أبرص، والعضاية، والقنافذ، والدود، والحَيَّات، وجميع هوام الأرض.
قال بشر بن الوليد عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: أكره أكل الهوام كلها، وقال أبو يوسف مثل ذلك، ولا أعلم بين أصحابنا في ذلك خلافًا؛ وذلك لأن الهوام مستخبثة، وقال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ ولأنها تتناول النجاسات في الغالب، وذلك من أسباب الكراهة.
стр. 3503
قال: وكل ما لا دم له فهو مكروه عندهم أكله، إلا الجراد، وكرهوا الدبيب كله، والزنبور، والذباب، وسائر ما لا دم له؛ وذلك لأن هذا كله مستخبث، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وأما الجراد فقد دل على إباحته النص، وهو قوله ﵊: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السَّمَك والْجَرَاد، والكَبِد والطّحال" (١)، واجتمعت الأُمَّة على إباحته (٢).
وكرهوا ذا المِخْلَبِ من الطير: والبازي، والنسر، والعقاب، والشاهين [وما أشبه ذلك]، وكرهوا أكل الرخم والبغاث، وما أكل الجيف من الطير مثل الغراب الأبقع والأسود الذي يأكل الجيف، وقد دل على تحريم ذلك (نهيه ﵊ عن كل ذي مخلب من الطير).
فأما الغراب الذي يأكل الجيف، فيكره، ولا بأس بما يأكل الحب، وهو الذي يشبه الزاغ.
قال أبو يوسف: فإن كان غرابًا يخلط فيأكل الجيف ويأكل الزرع، فإنه لا يؤكل.
قال أبو يوسف: وأما الذي رخّصت في أكله، فإن له خلقة وهيئة مخالفة للغراب في صغره، وأنه يدخر في المنازل ويألف كما يألف الحمام ويطير ويرجع.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن أكل
стр. 3504
الغراب، فرخّص في غراب الزرع، وكره الغراب الأسود.
وسألته عن الأبقع، فكره ذلك؛ لأنه يأكل الميتة.
قال: والأصل في تحريم الغُداف، والغُراب الأبقع: ما روى [هشام] بن عروة عن أبيه أنه سئل عن أكل الغراب فقال: مَنْ يأكله بعدما سماه رسول الله ﷺ فاسقًا؟!، يعني قوله: "خمس فواسق يقتلهن المُحْرم في الحِلِّ والحَرَم" (١)، لأن غالب أكلها الجيف.
قال أبو يوسف: وسألت أبا حنيفة عن العَقْعَق فقال: لا بأس به، فقلت: إنه يأكل الجيف، فقال: إنه يخلط بشيء آخر، فحصل من قول أبي حنيفة أنّ ما يخلط لا يكره أكله، بدلالة الدجاج.
وقال أبو يوسف: يكره؛ لأن غالب أكله الجيف.
قال: ولم يروا بأسًا بأكل الأرنب، قال عمّار: كنا عند رسول الله ﷺ فأهدى له أعرابيٌ أرنبةً مشويةً، فقال لأصحابه: كلوا، وذكر حديثًا طويلًا.
وعن محمد بن صفوان، أو صفوان بن محمد قال: أصبت أرنبتين، فذبحتهما بمروة، وسألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فأمرني بأكلهما (٢).
قال أبو يوسف: فأما الوَبرَ فلا أحفظ عن أبي حنيفة فيه شيئًا، وهو عندي مثل الأرنب، وهو يأتلف البقول والنبت؛ وذلك لأن الأشياء على الإباحة إلا ما
стр. 3505
قام دليل حظره.
قال أبو يوسف: في السِّنْجَاب، والقُنْفُذ، والسَّمُّور، والدَّلَق، كل شيء من هذا سَبُعٌ مثل الثعلب، ومثل ابن عِرْسٍ لا يؤكل لحمه؛ وذلك لأنه من ذوات الناب، فيدخل في عموم الخبر.
قال: وكره أصحابنا كل مما كان في البحر إلا السمك خاصة، فإنه حلال أكله، إلا ما طفا منه، فإنهم كرهوه.
قال: والأصل في إباحة السمك: قوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد" (١).
قال الشافعي: لا يكره، وله في الضفدع قولان (٢).
لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وهذا عام في خنزير البَرَّ والبحر.
وروي أنه سئل عن الضفدع يُجعل [شحمه] (٣) في الدواء، فنهى عن قتل الضفادع، وروي أنه قال: "خبيثة من الخبائث"؛ ولأن الحيوان المتوحش في