← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

مثل الباز والحدأة [ونحوهما]. ونهى عن النهبة، وهو ما ينتهب على الأرض مثل الذئب [ونحوه] (١). قال أبو الحسن: [وكره] (٢) أصحابنا مع ذلك من الصيد: لحم الفيل؛ لأنه من ذوات الناب كسائر السباع، وكرهوا الدُّبَّ والقِرد؛ لأنها من جملة المسوخ، وذلك محرم لما روي: (أنه ﷺ سئل عن الضَّبّ فقال: "إن أُمّةً مسخت في الأرض، فإني أخاف أن يكون منها") (٣)، فدل [بذلك] على تحريم المسوخ. قال: [وكرهوا] (٤) أكل الضب، وقال الشافعي: لا يكره (٥). لنا: ما روي عن عائشة: (أن النبي ﵊ أهدي إليه لحم ضَبٍّ فامتنع أن يأكله، فجاءت سائلة فأرادت عائشة أن تطعمها إياه، فقال لها: "أتطعمين ما لا تأكلين" (٦). ولا يجوز أن يحمل امتناعه على أن نفسه عافته؛ لأنه لو كان كذلك لما منع

стр. 3502

من التصدق به، ألا ترى أنه لما امتنع من أكل شاة الأنصاري أمر بالتصدق بها. وروى عنه عبد الرحمن بن حَسَنة قال: كنا في بعض المغازي، فأصابتنا مجاعة، فنزلنا في أرض كثيرة الضِّبَاب، فنصبنا القدور، وكانت القدور لتغلي إذ جاء النبي ﷺ فقال: "ما هذا؟ " فقلنا: الضَّبُّ يا رسول الله، فقال: "إن أُمّةً مُسِخَت، فأخاف أن تكون هذه منها"، وأمر بإكفاء القدور، ولأنه من حشرات الأرض [كسائر الحشرات]. والذي روى ابن عمر: أنَّ النبي ﷺ قال له: "لم يكن بأرض قومي، فأجد نفسي تعافه) (١)، فلا آكله ولا أحرمه". وروى ابن عباس قال: أُكِلَ على مائدة رسول الله ﷺ (٢)، فهذا يفيد الإباحة، وما ذكرناه يفيد الحظر، فهو أولى. قال: وكذلك اليربوع، وابن عرس من سباع الهوام، وكرهوا أكل جميع الهوام مما يكون سكناه في الأرض، والجُرَذُ من الفَأرِ، والأوزاغ والسام أبرص، والعضاية، والقنافذ، والدود، والحَيَّات، وجميع هوام الأرض. قال بشر بن الوليد عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: أكره أكل الهوام كلها، وقال أبو يوسف مثل ذلك، ولا أعلم بين أصحابنا في ذلك خلافًا؛ وذلك لأن الهوام مستخبثة، وقال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ ولأنها تتناول النجاسات في الغالب، وذلك من أسباب الكراهة.

стр. 3503

قال: وكل ما لا دم له فهو مكروه عندهم أكله، إلا الجراد، وكرهوا الدبيب كله، والزنبور، والذباب، وسائر ما لا دم له؛ وذلك لأن هذا كله مستخبث، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وأما الجراد فقد دل على إباحته النص، وهو قوله ﵊: "أحلت لنا ميتتان ودمان: السَّمَك والْجَرَاد، والكَبِد والطّحال" (١)، واجتمعت الأُمَّة على إباحته (٢). وكرهوا ذا المِخْلَبِ من الطير: والبازي، والنسر، والعقاب، والشاهين [وما أشبه ذلك]، وكرهوا أكل الرخم والبغاث، وما أكل الجيف من الطير مثل الغراب الأبقع والأسود الذي يأكل الجيف، وقد دل على تحريم ذلك (نهيه ﵊ عن كل ذي مخلب من الطير). فأما الغراب الذي يأكل الجيف، فيكره، ولا بأس بما يأكل الحب، وهو الذي يشبه الزاغ. قال أبو يوسف: فإن كان غرابًا يخلط فيأكل الجيف ويأكل الزرع، فإنه لا يؤكل. قال أبو يوسف: وأما الذي رخّصت في أكله، فإن له خلقة وهيئة مخالفة للغراب في صغره، وأنه يدخر في المنازل ويألف كما يألف الحمام ويطير ويرجع. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن أكل

стр. 3504

الغراب، فرخّص في غراب الزرع، وكره الغراب الأسود. وسألته عن الأبقع، فكره ذلك؛ لأنه يأكل الميتة. قال: والأصل في تحريم الغُداف، والغُراب الأبقع: ما روى [هشام] بن عروة عن أبيه أنه سئل عن أكل الغراب فقال: مَنْ يأكله بعدما سماه رسول الله ﷺ فاسقًا؟!، يعني قوله: "خمس فواسق يقتلهن المُحْرم في الحِلِّ والحَرَم" (١)، لأن غالب أكلها الجيف. قال أبو يوسف: وسألت أبا حنيفة عن العَقْعَق فقال: لا بأس به، فقلت: إنه يأكل الجيف، فقال: إنه يخلط بشيء آخر، فحصل من قول أبي حنيفة أنّ ما يخلط لا يكره أكله، بدلالة الدجاج. وقال أبو يوسف: يكره؛ لأن غالب أكله الجيف. قال: ولم يروا بأسًا بأكل الأرنب، قال عمّار: كنا عند رسول الله ﷺ فأهدى له أعرابيٌ أرنبةً مشويةً، فقال لأصحابه: كلوا، وذكر حديثًا طويلًا. وعن محمد بن صفوان، أو صفوان بن محمد قال: أصبت أرنبتين، فذبحتهما بمروة، وسألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فأمرني بأكلهما (٢). قال أبو يوسف: فأما الوَبرَ فلا أحفظ عن أبي حنيفة فيه شيئًا، وهو عندي مثل الأرنب، وهو يأتلف البقول والنبت؛ وذلك لأن الأشياء على الإباحة إلا ما

стр. 3505

قام دليل حظره. قال أبو يوسف: في السِّنْجَاب، والقُنْفُذ، والسَّمُّور، والدَّلَق، كل شيء من هذا سَبُعٌ مثل الثعلب، ومثل ابن عِرْسٍ لا يؤكل لحمه؛ وذلك لأنه من ذوات الناب، فيدخل في عموم الخبر. قال: وكره أصحابنا كل مما كان في البحر إلا السمك خاصة، فإنه حلال أكله، إلا ما طفا منه، فإنهم كرهوه. قال: والأصل في إباحة السمك: قوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد" (١). قال الشافعي: لا يكره، وله في الضفدع قولان (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وهذا عام في خنزير البَرَّ والبحر. وروي أنه سئل عن الضفدع يُجعل [شحمه] (٣) في الدواء، فنهى عن قتل الضفادع، وروي أنه قال: "خبيثة من الخبائث"؛ ولأن الحيوان المتوحش في

стр. 3506

أصل خلقته في البحر والبر، فإذا كان ما يسكن البَرَّ فيه ما هو مباح وفيه ما هو محظور، فما يسكن البحر مثله، هذا إن لم يسلموا الضفدع، وإن سلموه قسنا عليه بقية الحيوان، بعلة أنه من حيوان البحر غير السمك، فكان مكروهًا كالضفدع. وأما الطافي، فعندنا أن ما مات من السمك بسبب حادث أُكل، وما مات حتف أنفه، لم يؤكل. وقال الشافعي: يؤكل في الوجهين جميعًا (١). لنا: ما روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله (أن النبي ﷺ نهى عن أكل الطافي) (٢)، وعن علي رضوان الله عليه أنه قال: لا تبيعوا في أسواقنا الطافي، وعن ابن عباس أنه قال: ما دَسَره البحر فكله، وما وجدته يطفو على الماء فلا تأكل؛ لأنه حيوان له دم سائل، فإذا مات حتف أنفه لا يؤكل كحيوان [البر] (٣). فإن مات من الحر أو البرد أو كدر الماء، ففيه روايتان: أحدهما أنه يؤكل؛ لأنه مات بسبب حادث، فهو كما لو ألقاه الماء على اليابسة (٤). والرواية الأخرى: لا يؤكل؛ لأن الحر والبرد صفة الزمان، وليستا من حوادث الموت في الغالب. وقد قالوا في سمك ابتلعت سمكة: أنها تؤكل [المبلوعة ما لم تنتن]؛ لأنها ماتت بسبب حادث.

стр. 3507

وروى هشام عن محمد: في السمكة إذا كان بعضها في الماء وبعضها على الأرض، إن كان رأسها على الأرض، أُكِلَت؛ لأنه موضع نفسها، فإذا كان خارجًا من الماء، فالظاهر أنها ماتت بسبب، وإن كان رأسها [في الماء والأكثر على الأرض أكلت؛ لأن للأكثر حكم الكل، وإن كان] أكثرها في الماء لم تؤكل؛ لأنه موضع لحياتها، فالظاهر أنها ماتت بغير سبب. قال: وأصناف السمك كله عندهم حلال، الجرّيث منه، والمارما هي وسائر أصنافه لا بأس بذلك كله عندهم؛ وذلك لقوله ﵊: "أحلت لنا ميتتان"، وذكر السمك، وهو عام في كل أنواعه، وقد روي عن علي وابن عباس: إباحة الجرّيث، وليس عن غيرهما خلافه (١). قال: واختلف الناس في جنين الناقة إذا خرج بعد ذبحها ميتًا، فأجاز بعضهم أكله، ومنع منه بعض، وكان ممن حظره من أصحابنا وحرمه أبو حنيفة، وزفر، والحسن بن زياد. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بأكله إذا تمَّ خَلْقُه، وأما إذا لم يتم خلقه، فإنه لا يؤكل. لأبي حنيفة: أنه حيوان له دم سائل، فإذا مات من غير جرح يحل فيه أو من جنس الحيوان الذي [شرطت] فيه الذكاة، فإذا مات من غير عقر فيه، لم يؤكل، كالمُتَرَدِّي في البئر؛ ولأن ذكاة حيوان لا يكون ذكاةً لغيره، كالشاتين إذا وقعتا في بئر إحداهما فوق الأخرى؛ ولأنه يحتمل أن يكون مات بسبب الذبح، ويحتمل أن يكون مات قبل ذلك، فلا يحل أكله بالشك.

стр. 3508

وجه قولهما: قوله ﵊: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (١)؛ ولأن الحيوان في حكم جزء من أجزاء الأم؛ بدلالة أنه يدخل في بيعها، ويعتق بعتقها، ويصير مذكاة بذكاتها كسائر أجزائها (٢). الجواب: أما الخبر، فقد روي ذكاة [الجنين ذكاة أمه، بنصب التاء] (٣)، ومعناه: كذكاة أمه، فنصب لنزع الخافض، كقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]، فهذا يدل على تساويهما في الذكاة. وقد روي بالرفع، ومعناه: التشبيه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فاقتضى الخبر أن الجنين يذكى كما تذكى الأم. فأما اعتباره بالأجزاء، فهو مفارق للأجزاء من وجه؛ بدلالة أنه يبقى حيًّا [بعد الذبح لأمه] (٤)، وينفرد عنها بالعتق، فلم يكن ما ذكروه بشبه الأجزاء أولى من الشبه بغيرها. وإنما شرطا أن يكون كامل الخلقة؛ لأنه إذا لم يكمل خلقه، فهو كالمضغة والدم، فلا يحل أكله. وذكر أبو الحسن بعد هذا حديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال له

стр. 3509

رجل يوم خيبر: أكلت الحمر، أو أفنيت الحمر، فقال: "إن الله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس" (١). وروي عن رسول الله ﷺ النهي عن لحوم الإبل الجلّالة، وعن أكل المجَثمة: وهي التي ترمى حتى تجثم فتموت. أما الجلَّالة: فهي التي الأغلب من أكلها النجاسة (٢)، فنهى رسول الله ﷺ عن أكلها؛ لأنها تستقذر، كالطعام المنتن، وروي أنه نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها؛ لأن لحمها إذا تغير، تغيّر لبنها، ونهى أن يحج عليها، وأن يعتمر عليها، وأن يغزى عليها، أو ينتفع بها فيما سوى ذلك، وهذا محمول عندنا على أنها تنتن في نفسها، فمنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس برائحتها (٣). وأما الدَّجَاج، فإنما لم يكره أكلها وإن تناولت النجاسة؛ لأنه لا يغلب عليها أكلها، وإنما يخلطها بغيرها، وقد قيل: إنها لم تمنع منها؛ لأنها لا تنتن كما تنتن الإبل، والحكم يتعلق بهذا المعنى. وقد قال أصحابنا في جَدْي ارتضع بلبن خنزير حتى كبر: إنه لا يكره أكله؛ لأن لحمه لا يتغير بذلك، فدل على أن المانع في الجلّالة إنما هو للتغيّر دون تحريم النجاسة؛ ولهذا قالوا: إذا خلطت لم يكره؛ لأنها لا تنتن. قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: تحبس الجلَّالة ثلاثة أيام، والجلالة التي

стр. 3510

تأكل العَذِرة، فإذا خلطت فليست بجلّالة، وكذلك قال أبو يوسف. قال هشام: قلت لأبي يوسف: الدجاجة هل تحبس إذا أراد ذبحها؟ قال: لا؛ لأنها تخلط. قال ابن رستم عن محمد: في البقرة (١) الجلالة، والشاة، والبعير الجَلَّال، إنما يكون جَلَّالًا إذا نتن وتغيّر ووُجدت منه ريح منتنة، فهي الجلالة حينئذٍ، لا يشرب لبنها، ولا يؤكل لحمها، وبيعها وهبتها جائز. وكان أبو حنيفة لا يوقت في حبسها [وقتًا]، ويقول: تحبس حتى تطيب، وهو قوله أيضًا. قال: وأما الدجاجة، فإنها لا تكون جلَّالة؛ لأنها لا تتغير ولا تنتن، وإنما قلنا إن الجلالة إذا حبست زالت الكراهة؛ لأن التغيير يزول بحبسها، ألا ترى أنه يذهب ما في جوفها من النجاسة، فإذا زال المعنى الموجب للكراهة، زال الحكم. ولم يوقت أبو حنيفة في رواية محمد؛ لأن ذلك إذا وقف على زوال النتن، وجب اعتبار ذلك دون غيره. وقدّره في رواية أبي يوسف: بثلاثة أيام على الغالب من حالها، وقد روي أن النبي ﵊: (كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله) (٢)، وهذا عندنا على طريق التنزه، فيجوز أن يكون ذهب في هذه الرواية إلى هذا الخبر. [والله أعلم] (٣).

стр. 3511

بَابْ: صِفَةِ الذَّكَاةِ قال أبو الحسن ﵀: ما أباحه الله تعالى من الأنعام وغيرها من الصيد، فإنما أباحه مُذَكًّى، مذكورًا اسم الله تعالى. قال الشيخ ﵁: وجملة هذا: أن الحيوان المشروط فيه الذكاة على ضربين: مقدور على ذبحه، وغير مقدور [على ذبحه]، فما كان مقدورًا [عليه]، فذكاته في محل مخصوص، سواء كان من جنس الوحش أو الأنعام، وما لم يكن مقدورًا [عليه] فذكاته العقر (١) في أي مكان حصل منه، وسواء كان من الوحش أو من الأنعام. والأصل في تعلق الإباحة بالذكاة قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فشرط الإباحة الذكاة. وأما اعتبار التسمية؛ فلأن الذكاة في الشرع وردت مشروطة بالتسمية، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. قال: والذكاة في اللَّبَّة (٢) فما فوق ذلك إلى اللحية. قال محمد في الجامع الصغير: لا بأس بالذبح (٣) في الحلق كله، أسفل

стр. 3512

الحلق وأوسطه وأعلاه (١)؛ وذلك لقوله ﵊: "الذكاة في الحلق واللبة" (٢)، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "الذكاة ما بين اللَّبَّة واللِّحْيَيْنِ" (٣)، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب؛ ولأن المقصود من الذبح قطع العروق المشروطة، وهذا موجود في جميع الحلق. قال: والذكاة: فَرْيُ الأوداج، والأوداج (٤) أربعة: الحلقوم (٥)، والمريء (٦)، والعِرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء (٧)، فإذا أفرى [المذكي] ذلك أجمع، فقد أكمل الذكاة المأمور بها على تمامها وسننها. فإن قصّر عن ذلك، ففرى من هذه الأربعة ثلاثة، فإن بشر بن الوليد روى عن أبي يوسف: أن أبا حنيفة قال: إذا قطع أكثر الأوداج، أكل، وإذا قطع [ثلاثة منها] (٨)، أكل من أي جانب كان، وعلى أي وجه كان، وكذلك قال أبو يوسف (٩).

стр. 3513

ثم قال أبو يوسف بعد ذلك: لا يأكل حتى يقطع الحلقوم والمريء وأحد العِرْقَيْن، وذلك كله سواء في الإبل، والبقر، والغنم، والصيد، وكل ذبيحة، وكذلك الناقة ينحرها الرجل، فهي كذلك في القولين جميعًا. وقد كان أبو الحسن يحمل قول أبي حنيفة في الأكثر على الأكثر من كل واحد من العروق الأربعة، وظاهر ما ذكره من الرواية بخلاف ذلك. وذكر أبو الليث عن محمد: أنه اعتبر الأكثر من كل واحد من الأربعة. وقال الشافعي: يعتبر قطع الحلقوم والمريء دون العرقين (١). لأن حنيفة على ظاهر الرواية: أنه قطع الأكثر من العروق الأربعة، فصار كما لو قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين؛ ولأن الأكثر في الأصول يقوم مقام الجميع، [والذكاة بنيت على التوسعة، فقام الأكثر من العروق مقام جميعها] (٢). فأما الكلام على الشافعي؛ فلأنه إذا لم يقطع أحد الودجين بقي الحيوان أكثر من بقاء [المقطوع] (٣)، فصار كما لو لم يقطع الحلقوم والمريء. وجه ما ذكره أبو الحسن: أنه إذا قطع الأكثر من كل واحد، فقد حصل المقصود بالذبح، ألا ترى أنه يخرج منه ما يخرج إذا قطع جميعه؛ ولأن اليسير لا [يحترز] (٤) منه، ألا ترى أن الذابح قد يبقي اليسير من العروق، فلا يعتدّ بذلك؛

стр. 3514

لأنه في حكم اليسير. وجه قولهما: أن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد بالآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النَفَس، والمريء مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم، فإذا قطع أحد الودجين، حصل بقطعه المقصود منهما، وإذا ترك الحلقوم والمريء، لم يحصل بقطع ما سواه المقصود منه؛ فلذلك اختلفا. وقال أبو حنيفة: السنة في الإبل النحر، وفي غيرها الذبح. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قيل في التفسير: وانحر البدن، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال في الغنم: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، فدل على أن الإبل تنحر، والبقر والغنم تذبح؛ ولأن النبي ﵊ نحر الإبل، وذبح البقر والغنم؛ ولأن المعتبر في الذكاة الأسهل على الحيوان، بدلالة ما روى أبو الأشعث الصنعاني [عن شدَّاد بن أوس] أن النبي ﵊ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قَتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذَبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرِحْ ذَبيحته" (١)، والأسهل في الإبل النحر؛ لأن اللبة منها ليس عليها لحم، وما سواه من حلقها عليه لحم كثيف، فأما البقر والغنم فجميع حلقها على وجه واحد؛ فلذلك لم تنحر. فإن قيل: روى جابر قال: (نحرنا مع رسول الله ﷺ البَدَنة عن سبعة، والبَقَرةَ عن سبعة) (٢).

стр. 3515

قيل له: إن العرب قد تضمر الفعل في الكلام إذا كان في اللفظ دليل عليه، ألا ترى إلى قول الشاعر: علفتها تبنًا وماء باردًا (١) … ...... ...... ...... [معناه: وسقيتها ماءً باردًا، فأضمر الفعل، كذلك هذا]. معناه: نحرنا البدن وذبحنا البقر، وأضمر الفعل. وقال أبو حنيفة: إن ذبح ما ينحر (٢)، أجزأه ذلك، والنحر أحب إليّ، وكذلك قال أبو يوسف. وقالا: إن نحر شاة، أجزأه، والذبح أحب إلينا. وقال محمد في الجامع الصغير: لا بأس بأكل الجزور إذا ذبح ذبحًا ولم ينحر، فإن نحرت الشاة أو البقرة ولم تذبح، فلا بأس بأكلها، ولا أحب أن يفعل هذا (٣). وقال مالك: إذا ذبح البدن، لم تحل (٤). لنا: قوله ﷺ : "أنهر الدم بما شئت" (٥)، وقال: "ما أنهر الدم وأفرى

стр. 3516

الأوداج، فكُلْ" (١)؛ ولأنه قطع العروق المشروط قطعها، فكأنه قطعها على الوجه المأمور به. وقال أبو حنيفة: إن ضرب عنق جزور بسيف، فأبانها وسمّى، فإن كان ضربها من قِبَل الحلقوم، فإنه يؤكل وقد أساء، وإن كان ضربها من قِبَل الظهر، فإن كان قطع الحلقوم والأوداج قبل أن يموت، أكل وقد أساء. وكذلك هذا في الشاة وكل ذبيحة؛ وذلك لأنه إذا ضربها من قِبَل الحلقوم، فقد قطع العروق المشترط فيها الذكاة، وزاد في ألمها زيادة لا يحتاج إليها في الذكاة، فيكره ذلك، ولا يمنع الأكل كما لو جرحها. وأما إذا ضربها من القفا، فإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل؛ لأنها ماتت قبل الذكاة، وإن قطع العروق قبل موتها فقد فعل (٢) المشترط إلا أنه زاد في ألمها، وذلك مكروه. قال أبو حنيفة: إن قطع رأس الشاة في الذكاة، أكل، وإن تعمد ذلك فقد أساء، وكذلك قال أبو يوسف، وهذا لما بيناه. قال: وكل ذكاة [أجزأت] (٣) وأكل المذبوح بها مما ليست الذكاة التامة التي ذكرت لك في أول الباب، فإن ذلك مكروه، وإن تعمده المذكي أن زاد عليه أو نقص منه؛ وذلك لأن الزيادة ألمٌ لا يحتاج إليه في الذكاة، فصار كعقرها، ولهذا

стр. 3517

قالوا إذا ذبحها كره له أن يكسر عنقها قبل أن تموت، وكذلك يكره سلخها قبل أن تبرد؛ لما في ذلك من زيادة الألم. وأما النقصان الذي ذكره، فإنما أراد أن يتعمد ترك شيء من العروق؛ لأن الذكاة التامة ما استوفى فيها قطع العروق، فيكره ترك بعضها (١).

стр. 3518

بَابْ: التسميةِ على الذبيحةِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: التسمية على الذبيحة عندنا فرض، لا تصح الذكاة مع تعمد تركها، فإن ترك ذلك على وجه النسيان، صَحَّت الذكاة. وقال الشافعي: إذا ترك التسمية عمدًا جاز الأكل، وقال مالك: إذا تركها ناسيًا لم تؤكل (١). أما إذا تركها عمدًا، فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ ولأن الذكاة وردت في الشريعة مشروطة في التسمية؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقال ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المُعَلّم وذكرت اسم الله، فكل، وإن شاركه كلبٌ آخر فلا تأكل، إنما سمّيت على كلبك" (٢)؛ ولأن ذبح الهدايا قربة شرع في ابتدائها ذكر الله تعالى على وجه المخالفة للمشركين، فكان ذلك شرطًا كتكبيرة الصلاة؛ ولأن المسلمين أشكل عليهم جواز الأكل عند ترك التسمية ناسيًا، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فلو كان الترك بكل حال لا يمنع من الأكل، لبيّن لهم ذلك في الجواب، ولم يمسك عن بيان الإشكال.

стр. 3519

وأما الكلام على مالك؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه سُئِل عَمَّن نسي التسمية على الذبيحة، فقال ﷺ : "اسم الله على لسان كل مسلم"؛ (١) ولأن الناسي غير مخاطب بما نسيه، فلم يترك من فرض عليه عند الذبح؛ فلذلك جاز الأكل. وليس هذا كنسيان تكبيرة الصلاة؛ لأن الأذكار في الصلاة أدخل منها في التسمية؛ بدلالة أنها تجب ابتداءً وبقاءً؛ فلذلك جاز أن يستوي فيها النسيان والعمد، وليس نسيان التسمية كنسيان بعض العروق (٢)؛ لأن التسمية وضعت لمخالفة الكفار، والذبح وُضع لإراقة الدم، ويختلف حكم نفس الشيء، وأركانه، وما جعل شرطًا فيه. قال: وكذلك الكتابي إذا ترك التسمية عامدًا، لم تؤكل ذبيحته، وإن كان ناسيًا أكلت؛ لأن المسلم إذا لم يجز أكل ذبيحته مع تعمد ترك التسمية، فلأن لا يجوز ذلك في الكتابي أولى. قال بشر عن أبي يوسف: من حضر ذبيحة الذِّمي، فإن ترك التسمية لم تؤكل، وإن كان غاب عن ذلك أكل؛ لأنه إذا غاب عنه، فالظاهر أنه لا يترك التسمية، فوجب حسن الظن به كالمسلم. وكذلك روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة فقال: لا تؤكل ذبيحة الكتابي إذا تعمد ترك التسمية، والتسمية مع الحز (٣) الواحد؛ وذلك لأن الحز هو الذبح،

стр. 3520

والتسمية من شرائط الذبح. قال بشر عن أبي يوسف: لو أن رجلًا أضجع شاة ليذبحها، وسمّى ثم بدا له فأرسلها، وأضجع أخرى فذبحها بتلك التسمية الأولى، لم يجزه ذلك ولا يؤكل؛ [لأن] هذا قد ترك التسمية [متعمدًا]. ولو رمى صيدًا وسمّى فأخطأه وأصاب آخر فقتله، فلا بأس بأكله؛ لأن التسمية في الرَّمي على إرسال السهم والنشابة، وليس على الإصابة تسمية، ولو كانت التسمية على الإصابة، لم تجزئه تسمية الإرسال، وكان إذا أراد أن يرمي الصيد، سمّى إذا وقعت النشابة. وكذلك إذا أرسل كلبًا، فإنما التسمية على الإرسال، ليس على أخذه، ولا بأس بأكله وإن أخذ غير الذي أرسله عليه، فالتسمية على الذبيحة على الحزّ نفسه، ليس على أخذ السكين. وإذا ترك التسمية عمدًا على الحزِّ لم يؤكل، وهذا فرق صحيح؛ لأن ذبح المقدور [عليه] يتمكن فيه من التسمية [عند الإصابة] (١)، فلا معنى لتقدمها. وأما غير المقدور، فلا يتمكن [فيه] من التسمية عند الإصابة وعند أخذ الجارحة، فاعتبرت التسمية عند الرمي وعند الإرسال الذي هو من فعل المكلف، وصار ذلك الفعل منه كالحزّ في المقدور [عليه]، وعلى هذا التعيين؛ لأنه يقدر أن يسمي على ذبيحته بعينها، فلزمه تعيين التسمية [لكل ذبيحة] (٢)، ولا يقدر

стр. 3521

على تعيين التسمية في الصيد؛ لأن الكلب قد يُرسل على صيد فيأخذ غيره؛ فلذلك سقط التعيين في الصيد، ووجب في المقدور [عليه]. قال: ولو أن رجلًا ذبح شاةً وسمّى، ثم ذبح أخرى، فظَنَّ أن التسمية الأولى تجزئ عنها، لم تؤكل، ولا بدّ من أن يحدث لكل ذبيحة تسمية. ولو رمى بسهم فقتل به من الصيد اثنين فلا بأس بذلك، وكذلك كلب أرسله وسمّى فقتل [به] من الصيد اثنين فلا بأس بذلك؛ وذلك لأن الذبح يتجدد فيه الفعل عند كل ذبيحة؛ فلذلك يجب تجديد التسمية. فأمّا الرمي والإرسال، فهو فعل واحد، وإن كان يتعدى إلى مفعولين، فأجزأ فيه تسمية واحدة، وصار [نظير] (١) الصيد من الذبح أن يضجع شاتين ويمرّ السكين عليهما معًا، فيجزئ في ذلك تسمية واحدة. فإن قيل: ظنه أن التسمية على الشاة الأولى تجزئ عن الثانية عُذر كنسيان التسمية، قيل [له]: حكم [الجهل] (٢) مفارق لحكم النسيان؛ بدلالة أن من جهل أن الأكل يفطر (٣) الصائم فأكل بطل صومه، ولو نسي صومه فأكل لم يبطل [صومه]. قال: ولو نظر إلى جماعة من الصيد، فرمى وسمّى وتعمدها، ولم يتعمد واحدًا بعينه، فأصاب منها صيدًا فقتله، فلا بأس بأكله، وكذلك الكلب والبازي والفهد.

стр. 3522

ولو أنَّ رجلًا نظر إلى غنم فقال: بسم الله، ثم أخذ واحدة فأضجعها [وذبحها] (١) وترك التسمية، فظنّ أن تلك التسمية تجزئه، فلا يأكل؛ من قِبَل أنه لم يسم على الحزّ، وليست التسمية على النظر، وإنما التسمية على الذبح نفسه؛ وذلك لأن تعيين الذبيحة بالتسمية غير متعذر، فكان [ذلك] شرطًا، وتعيين الصيد بالإرسال متعذر، فلم يكن ذلك شرطًا؛ ولأن الذي يملكه من الفعل في الإرسال، إنما هو الإرسال أو الرمي، فاعتبرت التسمية عندما يملكه، وفي المقدور يملك الذبح والحز، فاعتبرت التسمية على ذلك. قال: ولو أن رجلًا أرسل كلبًا وترك التسمية متعمدًا، فلما مضى الكلب يتبع الصيد سمّى وزجره، فأخذ الصيد فقتله، لم يأكل انزجر أو لم ينزجر، [لا يؤكل] (٢) في [كل] واحد من الوجهين؛ لأن ابتداء الإرسال كان بغير تسمية، فلا تصلحه التسمية بعد [وقوعه]. ولو كان الكلب اتبع الصيد من غير أن يرسله مرسل، فزجره وسمّى، فإن انزجر فأخذ الصيد فقتله، فكُلْ، وإن لم ينزجر، لم يأكل؛ وذلك لأنه لما أرسل الكلب ولم يسم، فقد تعلق بالإرسال حكم الحظر، وهو فعل أجريَ مجرى الذبح، فإذا زجره بعد ذلك فانزجر، صار كالذبح بغير تسمية إذا أعاد إمرار السكين فيه وسمّى، وعلى هذا إذا أرسل المجوسي كلبًا فزجره مسلم، فانزجر. وأما إذا [تَرَسَّلَ] (٣) الكلبُ بنفسه، فلم يوجد فعل يتعلق به حكم، ألا ترى

стр. 3523

أن فعل الكلب لا يوصف بالحظر والإباحة، وإنما لا يؤكل ما قتله الكلب من غير إرسال؛ لأن فعله غير (١) معتد به، فكأن الحيوان مات حتف أنفه، وإذا لم يوجد فعل يتعلق الحكم به حتى زجره مسلم وسمّى فانزجر، تعلق الحكم بالزجر، لما لم يتقدمه ما يتعلق به حكم، فصار ذلك كابتداء الإرسال منه. وليس كذلك إذا لم ينزجر؛ لأن فعل الآدمي لم يؤثر فيه، فصار كأنه لم يزجر. قال أبو يوسف: ولو أن رجلًا أرسل كلبًا [له] على صيد وسمّى، فأخذه فشق بطنه وأخرج ما فيه، ولم يأكل، فأدركه الرجل وبه رمق، فليس عليه أن يذكيه، وهذا قد ذكاه الكلب وفرغ منه. وكذلك لو جراه باثنين، أو أخرج ما في بطنه، فهذا بمنزلة الذبيحة، ولا يذكي؛ وذلك لأنه إذا بلغ إلى هذه الحالة، لم يبق فيه حياة مستقرة، فلم يعتد بها، وصار كالمذبوح إذا اضطرب. وكان أصحابنا يقولون هذا الجواب على أصل أبي يوسف، فأما على قول أبي حنيفة، فيجب أن يذبحه بكل حال، فإن لم يذبحه، لم يؤكل؛ لأن الحياة التي ليست بمستقرة عنده في باب الذكاة كالمستقرة، ألا ترى أنه قال في المتردية إذا ذبحت وفيها رمق، أكلت. وقال أبو يوسف: إن كانت تبقى أكثر من نصف يوم أكلت، وإلا لم تؤكل. وقال محمد: إن كانت تبقى قدر اضطراب المذبوح لم تؤكل، وإن بقيت أكثر من ذلك أكلت.

стр. 3524

قالوا: فهذه المسألة يجب أن تكون على ذلك الأصل، فمن جعلها كالميتة لم يوجب ذكاتها، ومن جعلها كالحية أوجب ذكاتها (١). قال: وكلّ شاة ذبحت فاضطربت فوقعت من فوق (٢) فماتت، أو وقعت في ماء، فلا بأس بأكلها؛ وذلك لأن الذبح ذكاة مستقرة غير موقوفة على شرط مستقبل، لا يعتد بما يحصل بعد ذلك من الوقوع والغرق. وليس هذا كالصيد إذا رماه بسهم فوقع في ماء أو على حجر؛ لأن جرح السهم ليس بذكاة مستقرة؛ بدلالة أنه لو أدركه وجب ذبحه، فإذا حصل بسبب من أسباب التلف يجوز أن يكون الموت منه، حرم أكله. وقال علي بن الجعد عن أبي يوسف: إذا ذبح الرجل الشاة وسمّى، وفرى الأوداج وأنهر الدم، واستقبل القبلة أو لم يستقبلها، فلا بأس بأكلها، وهذه ذبيحة، غير أنه قد أساء في تركه استقبال القبلة. وذلك [لما روى] حَسَن عن علي رضوان الله عليه: أنه كان إذا ذبح استقبل القبلة. وعن [ابن] عمر: أنه كان يستحب أن يوجه بالذبيحة إلى القبلة. وعن الشعبي قال: كانوا يستحبون أن يستقبلوا بالذبيحة إلى القبلة؛ ولأن المشركين كانوا يستقبلون بذبائحهم الأوثان، فاستحب مخالفتهم باستقبال جهة القبلة التي هي جهة الرغبة إلى الله تعالى.

стр. 3525

وأما جواز الأكل إذا ترك ذلك، فلقوله ﵊: "أنهر الدم بما شئت"، وقوله: "ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكُلْ" (١). قال: وإن تركت التسمية، لم تؤكل، وإن تركها ناسيًا، أكل، وهذا قد بيّناه. وقد اختلف الصحابة في النسيان، [فقال عليّ وابن عباس: إذا ترك التسمية ناسيًا أكل]، وقال ابن عمر: لا يؤكل، فالخلاف في النسيان يدل على اتفاقهم في العمد، وليس حكم التسمية عندهم كاستقبال القبلة؛ لأن التسمية مقصودة في الذكاة، منصوص عليها، والاستقبال غير منصوص عليه، فكان حكم التسمية أقوى. قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: إذا جزرت فلا تقل: اللهم تقبل عن فلان، جرد التسمية مع الحزّ، فإذا فرغت فادع بالتقبل. وروى أبو يوسف ذلك عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم، وكذلك قال أبو يوسف: ادع بالتقبل قبل الذبح إن شئت أو بعده، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢) [الجن: ١٨]. وروي عن ابن مسعود قال: جرّدوا بالتسمية؛ ولأن المشركين كانوا يذكرون مع اسم الله تعالى غيره، فالواجب مخالفتهم. والذي روي (أن النبي ﵊ ضحّى بكبشين: أحدهما عن نفسه، والآخر

стр. 3526

عن أمته) (١)، فيجوز أن يكون قال ذلك قبل الذبح أو بعده. قال بشر عن أبي يوسف: لو أن رجلًا سمّى على الذبيحة أو الرمية (٢) بالفارسية وهو يحسن العربية أو لا يحسنها، أجزأه ذلك عن التسمية لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ولم يفصل. وهذا ظاهر [على] قول أبي حنيفة: في اعتبار المعنى في [حكم] التكبير، فاستوى العربي والعجمي فيه. فأمّا على قولهما: فلا يجوز التكبير بالفارسية لمن يُحسن العربية، وتجوز التسمية؛ لأن حكم التسمية أضعف، ولذلك يختلف في النسيان والعمد، ويستوي في التكبير. وقال عن أبي حنيفة: لو أن رجلًا ذبح شاة، فقال: اللهم اغفر [لي]، أو فعل ذلك في رميه صيدًا، أو إرساله كلبًا على صيد، فلا يكون هذا بمنزلة التسمية، ولا يأكل من ذلك؛ لأن المقصود ذكر اسم الله تعالى على طريق التعظيم، والدعاء لا يقصد به التعظيم المحض، فلا يكون تسمية. وقال بشر وعليّ عن أبي يوسف: إذا رمى صيدًا فذكر [اسم] الله تعالى عند الرمي بتهليل، أو بتكبير، أو بتسبيح، أو بتحميد، فهو مثل التسمية، هذا قول

стр. 3527

أبي حنيفة و [محمد] (١). قال: والتهليل والتحميد والتكبير والتسبيح بمنزلة التسمية للجاهل بالتسمية وللعالم بها؛ وذلك لأن المأمور به ذكر اسم الله تعالى على وجه التعظيم، وهذا موجود في جميع هذه الألفاظ، وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد في تكبير الصلاة. فأما على قول أبي يوسف: فلا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالتكبير؛ لقوله ﷺ في حديث الأعرابي: "ثم تكبر" (٢)، وقال في الذكاة: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى، فكل" (٣). وقال في الأصل: أرأيت الرجل يذبح الشاتين والثلاثة، فسمّى على الأولى منهما، ويدع التسمية على غير ذلك عمدًا، قال: تأكل الشاة التي سمّى عليها، ولا تأكل ما سوى ذلك (٤)، وقد بيّنا هذه المسألة. [قلت: أرأيت لو أضجع شاة ليذبحها، وسمَّى عليه، ثم ألقى السكين وأخذ أخرى وذبح بها، أتؤكل؟ قال: نعم، وذلك لأن التسمية في الذبح إنَّما يقع على المذبوح دون الآلة، والمذبوح واحد، ولا معتبر باختلاف الآلة. وليس هذا كمن سمَّى على سهم ثم رمى بغيره، أنه لا يؤكل؛ لأن التسمية في الرمي لا يقع على الرمي، وإنما يقع على السهم، والتسمية على أحد السهمين

стр. 3528

ليست بتسمية على الآخر]. قلت: [أرأيت أنَّ] رجلًا أضجع [شاةً] ليذبحها، وسمّى عليها، فكَلَّمه إنسان أو استقى ماءً فشرب، أو أحدّ السكين قليلًا، ولم يكبر، ثم ذبح على تلك التسمية، هل تؤكل؟ قال: نعم، لا بأس به. قال: أرأيت إن تحدّث، وأطال الحديث، أو أخذ في عمل سوى ذلك ثم ذبح، هل تؤكل؟ قال: لا، [أمَّا هذا فأكرهه؛ وذلك لأنه إذا لم يطل ما بين التسمية والحزّ لم يعتد بالفصل؛ لأن ذلك القدر لا يحترز عنه، فكأنَّه سمَّى مع الحزّ، وإذا أطال [العمل] انفصلت التسمية عن الحزّ، فكأنَّه سمَّى في يوم وذبح في يوم. قلت: لو أنَّ رجلًا ذبح فقال: الحمد لله على ذبيحته، ولم يزد على هذا، هل تؤكل؟ قال: نعم، وكذلك لو قال: سبحان الله والله أكبر، يريد بذلك التسمية، فهذا كله تسمية، ولا بأس بأكلها. وكذلك كل شيء ذكره من أسماء الله تعالى على ذبيحته يريد به التسمية، هل تؤكل بذلك؟ قال: نعم (١)؛ وذلك لأن التسمية لما كانت شرطًا في الذبائح، يعتبر وجودها مع القصد إليها، كذكر الله تعالى في ابتداء الصلاة. قال: فإن قال: الحمد لله، يريد أن يحمده، ولا يريد به التسمية، هل تؤكل ذلك؟ قال: لا؛ وذلك لأن حمد الله تعالى قد يذكر على وجه التسمية، وقد يذكر على وجه شكر النعم سابقًا. فإذا أراد به غير التسمية، لم يقع عنها. والله تعالى أعلم (٢).

стр. 3529

بَابْ: ما يُكره فعله بالذبيحة قبل الذبح وبعده قال أبو الحسن: وإذا أراد الرجل أن يذبح الذبيحة، كُرِهَ له أن يجرها برجلها إلى المذبح؛ وذلك لأنه زيادة ألم لا يحتاج إليه في الذكاة. قال: ويكره أن يضجعها ويحدّ الشفرة؛ وذلك لما روي [أنه] رأى رجلًا قد أضجع شاة وهو يحدّ الشفرة، فقال له: "أردت أن تُميتها ميتتين، ألا حددتها قبل أن تضجعها" (١). وروي أن عمر ﵁ رأى رجلًا قد أضجع شاة وترك رجله على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة، فضربه بالدّرة، فهرب وشردت الشاة، فقال له عمر: هَلَّا حددتها قبل أن تضع رجلك موضع وضعتها؛ ولأن البهائم تحسّ بما تجزع منه، فإذا أحدّ الشفرة وقد أضجعها، زاد في ألمها، وذلك لا يجوز. ويكره إذا ذبحها أن يبلغ النخاع؛ وهو العِرْق الأبيض الذي في عظم الرقبة، ويكره له أيضًا الذبح بعد ذلك أن ينخعها قبل أن تبرد، فيحزّ حتى يبلغ النخاع. ويكره له أيضًا أن يخرج العظم. ويكره له أن يسلخ الشاة قبل أن تبرد؛ وذلك لأن هذا زيادة ألم لا يحتاج إليه في الذبح، وقد روى أبو الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس: أن رسول

стр. 3530

الله ﷺ قال: "إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (١). قال: فإن نجع أو سلخ قبل أن تبرد، فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يوجد فيه ألم، فصار كتفصيلها. قال: وهذا كله لا يحرم الذبيحة، ما كُره قبل الذبح وبعدها؛ لأن النهي عن ذلك ليس بمعنى في المنهي عنه، وإنما هو لما يلحق [بالحيوان] من الضرر، والنهي في غير المنهي لا يفيد الفساد (٢).

стр. 3531

بَابْ: ما يكره أكله من الشاة روى الأوزاعي عن واصل بن أبي جميل] (١) عن مجاهد قال: كره رسول الله ﷺ من الشاة الذَّكَر، والأُنْثَيَيْن، والقُبُل، والغَدَد (٢)، والمَرَارَة (٣)، والمَثَانَة (٤)، والدَّم (٥). قال أبو حنيفة: الدَّمُ حَرَامٌ، وأكره الميتة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، فلما تناول النَّصّ الدم، قطع بتحريمه وكره ما سواه؛ لأنه ممّا تستخبثه الأنفس وتكرهه، وهذا المعنى سبب الكراهية؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وروي عن ابن عمر [أنه] سئل عن القنفذ، فتلا قوله: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقال شيخ عنده: سمعت

стр. 3532

أبا هريرة يقول: ذكر القنفذ عند النبي ﷺ ، فقال: "خبيثة من الخبائث" (١)، فقال ابن عمر: إن كان رسول الله ﷺ قال (٢)، فهو كما قال.

стр. 3533

بَابْ: ما يُذكَّى به قال أيّده الله: أصل هذا الباب: أن الآلة على ضربين: آلة تقطع، وآلة تفسخ، فالآلة التي تقطع على ضربين: حادة، وكَلِيلة. فالحادة: يجوز الذبح بها، حديدًا كانت (١) أو غير حديد، ولا يكره. والكليلة: يكره (٢) الذبح بها، حديدًا كانت (٣) أو غير حديد. والأصل في جواز الذبح بغير [الحديد] (٤): ما روى عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أحدنا أصاب صيدًا وليس معه سكين، أيذكي بمروة، أو بشقة العصا؟ قال: "أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله تعالى". ورُوي أن جاريةً لكعب بن مالك ذبحت شاة بمروة، فسأل كعب رسول الله ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها (٥). ولأن الحديد لا يتعلق الحكم بجنسه وإنما يتعلق بحدّه؛ بدلالة أن الحديد الذي ليس بمحدد لا يجوز الذبح به، فإذا وجد التحديد في المروة والليطة (٦)،

стр. 3534

جاز الذبح بهما. وأما الكليل من الآلة إذا كانت تقطع فإنما يكره؛ لما فيه من تعذيب الحيوان؛ ولأن النبي ﷺ أمر بتحديد الشفرة وإراحة الذبيحة. وقد قال أصحابنا: إذا ذبح بظفر منزوع، أو بسِنٍّ منزوع، جاز الذبح بهما، ويكره، وقال الشافعي: لا يجوز (١). لنا: أنه [آلة] يتصرف فيه كما يتصرف في المروة والليطة، فإذا جاز الذبح بأحدهما، جاز بالآخر، وأما قوله ﵊: "أنهر الدم بما شئت إلا ما كان من سن أو ظفر، فإن الظفر مُدى الحبشة، والسن عَظْم من الإنسان" (٢)، فإنما أراد بذلك: السن القائم والظفر القائم؛ بدلالة أن الحبشة كانت تفعل ذلك إظهارًا للجَلَد؛ وبدلالة أنه روي في بعض الأخبار أنه قال: "إلا ما كان قرضًا بسن، أو جَزًّا بظفر"، والقرض إنما يكون بالسن القائم. وأما القسم الثاني: وهو الذي يبرد ويفسخ، وهو الظُّفر القائم والسِّنُّ القائم، فإذا ذبح به كان ميتة؛ للخبر، ولأنه لا يمكنه التصرف فيه كما يتصرف في الآلة، وإنما يعتمد عليه فيتخنق (٣) وينفسخ، فلا يحل أكله. وقد كان الشيخ أبو عبد الله [الجرجاني] ألزم إذا طال الظفر، فأخذ إنسان بيد صاحبه [فذبح] فأمرّ يده كما يُمرّ السكين، فقال: يجوز ذلك (٤).

стр. 3535

بَابْ: من تُؤكل ذبيحتُه من المذكِّين، ومن لا تُؤكل قال أبو الحسن: لا تصِحُّ الذكاة إلا من مسلم أو كتابي، يعقلان الذبيحة، ولا يتركان التسمية عمدًا، والمسلم والذمي فيما يصح به الذكاة سواء. أما ذكاة المسلم، فلا خلاف في جوازها، وأما الكتابي فلقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولا يجوز أن يحمل على غير الذبائح؛ لأنه لو كان كذلك لم يخص بأهل الكتاب؛ ولأنه يؤمن بكتاب من كتب الله تعالى، وتحل مناكحته كالمسلم. قال: وإن كان الذابح كافرًا من غير أهل الكتاب، لم تؤكل ذبيحته كائنًا مَنْ كان وما كان دينه ولأي شيء عبده؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ١٢١]، ومن ليس بكتابي لا يذكر اسم الله؛ ولأن الإباحة مأخوذة من الشرع، وقد وردت مختصّةً بأهل الكتاب، فمن سواهم على أصل الحظر. قال: وكذلك المرتد عن الإسلام، لا تؤكل ذبيحته إلى أيّ دين ارتد؛ لأنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه، فصار كالوثني الذي لا يقر على دينه. قال: وإن ارتد الكتابي (١) إلى دين غير أهل الكتاب، لم تؤكل ذبيحته؛ لأن

стр. 3536

المسلم لو انتقل إلى هذا الدين لم تؤكل ذبيحته، فالكتابي أولى. فإن ارتد [غير] الكتابي إلى (١) دين أهل الكتاب، أُكلت ذبيحته، وينظر إلى حاله ودينه في حال ذبحه دون ما سواه. وهذا على أصلنا: أن من انتقل من ملة الكفر إلى ملة أقر عليها، فصار كأنه من أهلها في الأصل. قال: ولا يؤكل عندنا ما ذبحه المُحْرِمُ في الحِلّ من الصيد، [ولا ما] ذبحه في الحرم؛ لأن الله تعالى سَمَّى فعل المُحْرِم قَتْلًا، وذلك في الشريعة عبارة عما لا يحل أكله؛ بدلالة قوله ﷺ : "خمس يقتلهن المحرم في الحِلِّ والحَرَمِ" (٢)؛ ولأنه ممنوع من الذبح لمعنى فيه من جهة الدين، فصار كالمجوسي. قال: ولا يؤكل ما ذبحه الحلال من الصيد في الحَرَم؛ وذلك لأنه ممنوع من ذبحه لحق الله تعالى، كما يمنع المُحْرِمُ في حال الإحرام، [فكانا سواء] (٣). وما ذبح كل واحد منهما من غير الصيد، فأكله جائز؛ لأنه غير ممنوع من ذبحه، فصار [كالحلال] (٤). قال: ومن ذبح وهو لا يعقل التسمية، ولا الذبيحة، ولا يضبط الذبح، لم تؤكل ذبيحته، شَرَط ذلك في الأصل:

стр. 3537

قال: قلت: أرأيت الصبي يذبحُ ويسمّي، هل تؤكل ذبيحته؟ قال: إن كان يضبط الذبح، ويعقل التسمية، والذبيحة، فلا بأس به (١). قال أبو الحسن ﵀: وكذلك المجنون يذبح في حال جنونه، أو السكران؛ لأن من لا يعقل التسمية فَذِكْرُه لها [كذكره لغيرها] (٢)، فكأنه ذبح بغير التسمية. قال: وتجوز ذبائح الصابئين عند أبي حنيفة، وهم عنده أهل كتاب، وهم فِرقة من النصارى عنده، وليس يريد الضرب الآخر من الصابئين الذين لا يؤمنون بعيسى ﵇، ولا يقرّون بنبوته ﷺ ، ولهم شرع آخر غير ما النصارى عليه، فهؤلاء لا تؤكل ذبيحتهم، وهم عندي هكذا. ولم أر هذا (٣) التفصيل عن أبي حنيفة، إلا أن الحكاية عنه أنهم أهل كتاب، وهذه المسألة قد بيّناها في النكاح، أنه لا خلاف فيها. وإنما أجاب أبو حنيفة على من يؤمن بِنَبِيٍّ وكِتابٍ، ويعظم الكواكب كتعظيم [المسلم] القبلة. وهما حَمّلا الأمر على من يعظم الكواكب تعظيم عبادة، فهو عابد وثن، فلا يجوز أكل ذبيحته، وحال هذه الفِرقة مشكلة؛ لأنهم يتدينون بكتمان اعتقادهم، فلا تُعْرَفُ حالهم. فأما حمل أبي الحسن لقول أبي حنيفة: على صابئي يؤمن بعيسى، فهو أمر

стр. 3538

لا يعرف منهم، وإنما (١) يؤمنون بإدريس ﵇، ويعظمونه دون غيره من الأنبياء. قال: ولا بأس بذبيحة الأخرس المسلم والكتابي؛ وذلك لأنه من أهل الذكاة، وعجزه عن التسمية لا يمنع من صحة ذكاته، كما أن عجزه عن التكبير لا يمنع من صحة صلاته. قال: ولا بأس بذبائح نصارى بني تَغْلِب الفلاحين وغيرهم؛ وذلك لأنهم على دين النصارى وإن لم يتمسكوا بكل شرائعهم، فصاروا كالنصارى الأصليين إذا لم يتمسَّكوا ببعض الشرائع. ولا بأس بذبائح أهل الكتاب من أهل الحرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ ولأنهم يؤمنون بالكتاب، وإنما حربهم معصية منهم، وذلك لا يؤثر في الذبح، كمعصية المسلمين. قال: ومن كان من الصبيان له أبوان، أحدهما كتابي والآخر غير كتابي، فذبح الصبي وهو يعقل ما شرطنا، أكلت ذبيحته، أيّهما كان الكتابي الأم أو الأب. وقال مالك: أعتبر الأب، وقال الشافعي: لا تؤكل ذبيحته (٢). لنا: أن أحد أبويه تؤكل ذبيحته، فكان الولد في حكمه، كما لو كان مسلمًا. قال: وإن ذبح النصراني وأهلَّ على ذبيحته بغير الله، فسُمع كلامه، لم تؤكل

стр. 3539

ذبيحته، روي ذلك عن عليّ رضوان الله عليه، وهو قول أصحابنا؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ لأنه إذا ذكر اسم [غير] الله تعالى، فقد ترك التسمية عامدًا، فلا يجوز أكل ذبيحته (١). [والله أعلم]. [تمّ كتاب الذبائح بحمد الله ومنته]

стр. 3540

[٥٩] كتابُ الصيدِ قال أبو الحسن ﵀: قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذه الآية التي أباح الله تعالى فيها الاصطياد، وما أبيح من أكل الصيد، وما حرم، وما كره. فما أبيح ذلك من صيد البر: مما له دم مسفوح، فمات قبل أن يقدر على ذكاته بأخذ الجوارح له، أو برمي الصائد أو غير ذلك من فعله. فإنما أبيح على شرائط نذكرها [إن شاء الله تعالى]. قال [الشيخ رحمه الله تعالى]: وجملة هذا: أن الاصطياد بالجوارح والسِّهام والآلات مباح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، ولقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المُعلم وذكرت اسم الله تعالى فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرت اسم الله تعالى فكل" (١). والاصطياد مباح فيما يحل أكله وما لا يحل أكله، فما حَلّ أكله فصيده للأكل، وما لا يحل أكله فصيده لغرض [آخر] (٢): إما للانتفاع بجلده أو بشعره، أو لدفع أذيته. والشرائط التي يستباح بها صيد الجوارح سبعة شرائط: أن يكون الجارح مُعلمًا (٣)، وأن يكون ذا جارحة غير محرّم العين، والإرسال من مسلم أو كتابي
следующие страницы →