← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

المسلم لو انتقل إلى هذا الدين لم تؤكل ذبيحته، فالكتابي أولى. فإن ارتد [غير] الكتابي إلى (١) دين أهل الكتاب، أُكلت ذبيحته، وينظر إلى حاله ودينه في حال ذبحه دون ما سواه. وهذا على أصلنا: أن من انتقل من ملة الكفر إلى ملة أقر عليها، فصار كأنه من أهلها في الأصل. قال: ولا يؤكل عندنا ما ذبحه المُحْرِمُ في الحِلّ من الصيد، [ولا ما] ذبحه في الحرم؛ لأن الله تعالى سَمَّى فعل المُحْرِم قَتْلًا، وذلك في الشريعة عبارة عما لا يحل أكله؛ بدلالة قوله ﷺ : "خمس يقتلهن المحرم في الحِلِّ والحَرَمِ" (٢)؛ ولأنه ممنوع من الذبح لمعنى فيه من جهة الدين، فصار كالمجوسي. قال: ولا يؤكل ما ذبحه الحلال من الصيد في الحَرَم؛ وذلك لأنه ممنوع من ذبحه لحق الله تعالى، كما يمنع المُحْرِمُ في حال الإحرام، [فكانا سواء] (٣). وما ذبح كل واحد منهما من غير الصيد، فأكله جائز؛ لأنه غير ممنوع من ذبحه، فصار [كالحلال] (٤). قال: ومن ذبح وهو لا يعقل التسمية، ولا الذبيحة، ولا يضبط الذبح، لم تؤكل ذبيحته، شَرَط ذلك في الأصل:

стр. 3537

قال: قلت: أرأيت الصبي يذبحُ ويسمّي، هل تؤكل ذبيحته؟ قال: إن كان يضبط الذبح، ويعقل التسمية، والذبيحة، فلا بأس به (١). قال أبو الحسن ﵀: وكذلك المجنون يذبح في حال جنونه، أو السكران؛ لأن من لا يعقل التسمية فَذِكْرُه لها [كذكره لغيرها] (٢)، فكأنه ذبح بغير التسمية. قال: وتجوز ذبائح الصابئين عند أبي حنيفة، وهم عنده أهل كتاب، وهم فِرقة من النصارى عنده، وليس يريد الضرب الآخر من الصابئين الذين لا يؤمنون بعيسى ﵇، ولا يقرّون بنبوته ﷺ ، ولهم شرع آخر غير ما النصارى عليه، فهؤلاء لا تؤكل ذبيحتهم، وهم عندي هكذا. ولم أر هذا (٣) التفصيل عن أبي حنيفة، إلا أن الحكاية عنه أنهم أهل كتاب، وهذه المسألة قد بيّناها في النكاح، أنه لا خلاف فيها. وإنما أجاب أبو حنيفة على من يؤمن بِنَبِيٍّ وكِتابٍ، ويعظم الكواكب كتعظيم [المسلم] القبلة. وهما حَمّلا الأمر على من يعظم الكواكب تعظيم عبادة، فهو عابد وثن، فلا يجوز أكل ذبيحته، وحال هذه الفِرقة مشكلة؛ لأنهم يتدينون بكتمان اعتقادهم، فلا تُعْرَفُ حالهم. فأما حمل أبي الحسن لقول أبي حنيفة: على صابئي يؤمن بعيسى، فهو أمر

стр. 3538

لا يعرف منهم، وإنما (١) يؤمنون بإدريس ﵇، ويعظمونه دون غيره من الأنبياء. قال: ولا بأس بذبيحة الأخرس المسلم والكتابي؛ وذلك لأنه من أهل الذكاة، وعجزه عن التسمية لا يمنع من صحة ذكاته، كما أن عجزه عن التكبير لا يمنع من صحة صلاته. قال: ولا بأس بذبائح نصارى بني تَغْلِب الفلاحين وغيرهم؛ وذلك لأنهم على دين النصارى وإن لم يتمسكوا بكل شرائعهم، فصاروا كالنصارى الأصليين إذا لم يتمسَّكوا ببعض الشرائع. ولا بأس بذبائح أهل الكتاب من أهل الحرب؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ ولأنهم يؤمنون بالكتاب، وإنما حربهم معصية منهم، وذلك لا يؤثر في الذبح، كمعصية المسلمين. قال: ومن كان من الصبيان له أبوان، أحدهما كتابي والآخر غير كتابي، فذبح الصبي وهو يعقل ما شرطنا، أكلت ذبيحته، أيّهما كان الكتابي الأم أو الأب. وقال مالك: أعتبر الأب، وقال الشافعي: لا تؤكل ذبيحته (٢). لنا: أن أحد أبويه تؤكل ذبيحته، فكان الولد في حكمه، كما لو كان مسلمًا. قال: وإن ذبح النصراني وأهلَّ على ذبيحته بغير الله، فسُمع كلامه، لم تؤكل

стр. 3539

ذبيحته، روي ذلك عن عليّ رضوان الله عليه، وهو قول أصحابنا؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ لأنه إذا ذكر اسم [غير] الله تعالى، فقد ترك التسمية عامدًا، فلا يجوز أكل ذبيحته (١). [والله أعلم]. [تمّ كتاب الذبائح بحمد الله ومنته]

стр. 3540

[٥٩] كتابُ الصيدِ قال أبو الحسن ﵀: قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذه الآية التي أباح الله تعالى فيها الاصطياد، وما أبيح من أكل الصيد، وما حرم، وما كره. فما أبيح ذلك من صيد البر: مما له دم مسفوح، فمات قبل أن يقدر على ذكاته بأخذ الجوارح له، أو برمي الصائد أو غير ذلك من فعله. فإنما أبيح على شرائط نذكرها [إن شاء الله تعالى]. قال [الشيخ رحمه الله تعالى]: وجملة هذا: أن الاصطياد بالجوارح والسِّهام والآلات مباح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، ولقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المُعلم وذكرت اسم الله تعالى فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرت اسم الله تعالى فكل" (١). والاصطياد مباح فيما يحل أكله وما لا يحل أكله، فما حَلّ أكله فصيده للأكل، وما لا يحل أكله فصيده لغرض [آخر] (٢): إما للانتفاع بجلده أو بشعره، أو لدفع أذيته. والشرائط التي يستباح بها صيد الجوارح سبعة شرائط: أن يكون الجارح مُعلمًا (٣)، وأن يكون ذا جارحة غير محرّم العين، والإرسال من مسلم أو كتابي

стр. 3541

يعقل الإرسال، والتسمية في حال الإرسال إذا كان ذاكرًا لها، وأن يجرحه الكلب أو البازي، وأن يلحقه المُرسِل أو من يقوم مقامه قبل انقطاع الطلب أو التواري عنه إذا لم يدرك ذبحه. فأمّا كون الجارح معلمًا؛ لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله ﵇: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل، وإن شاركه كلب آخر فلا تأكل، فلعلّ ذلك الكلب قتله (١) " (٢)، فجعل جواز قتل غير المعلم سببًا للحظر، فأولى أن يكون اليقين (٣) محرمًا (٤). وأما كون الآلة من الجوارح: إما بِنَابٍ، أو مِخْلَب؛ فلقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، قيل في التأويل: الجوارح التي تجرح، وقيل الجوارح: الكواسب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، ويمكن حملها على معنى واحد؛ لأن الجارح: هو الذي معه آلة يكتسب بها، وحمل الآية على ما له جارحة أولى؛ لأنه هو الذي يكتسب بها، وهو ظاهر اللفظ، فكان حمله عليه (٥) أولى (٦).

стр. 3542

وأما الإرسال؛ فلأن النبي ﷺ قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل"، فذكر الإرسال؛ ولأن الإرسال قد جعل بمنزلة الذكاة؛ ولهذا يعتبر عنده التسمية، ولا بد من وجوده. فأمّا كون المرسل من أهلِ الذَّكاة: فهو أن يكون مسلمًا أو كتابيًّا، يعقل الإرسال ويعرفه؛ لأنّ الإرسال بمنزلة الذبح؛ ولهذا يعتبر فيه التسمية، فلا بد من شرائط الذبح. وأما التسمية في حال الإرسال للذاكر؛ فلقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقد أجمعوا أن التسمية تختص بالإرسال، وقال ﵇: "إذا أرسلت كلبك المُعَلم وذكرت اسم الله عليه، فكل". وأما اعتبار [الذكر] (١)؛ فلأن الإرسال إذا كان كالذبح شرط فيه التسمية مع الذكر دون النسيان على ما بيّناه في الذبح. فأمّا الجرح، فهي الرواية المشهورة: أن الكلب أو البازي إذا لم يجرح لم يحل الأكل. وقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الكلب إذا خنقه أكل (٢)، والدليل على اعتباره، قوله ﷺ في صيد المِعْراض: "إذا خَزَقَ فكُلْ، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل" (٣) فإنه وقيذ؛ لأن الكلب إذا خنقه دخل في عموم قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ

стр. 3543

وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وجه الرواية الأخرى: أن الكلب قد يتوصل إلى أخذ الصيد بالجرح، وقد يتوصل بغيره، فصار ذلك موسعًا فيه كالجرح في غير موضع الذبح. فأما اعتبار لحاقه قبل أن يتوارى أو ينقطع الطلب؛ فلقوله ﵇ لعدي بن حاتم حين سأله عن الرمية إذا وجدها بعد يوم أو يومين، فقال: "إذا وجدتها وفيها سهمك وعلمت أن سهمك قتلها فكل"، ومتى توارى عنه وانقطع الطلب، فهو لا يعلم أنها ماتت من سهمه. وروي عن ابن عباس أنه قال: (كُل ما أصْمَيت، ودع ما أَنْمَيْت) (١)، قال أبو يوسف: الذي أصمى: ما مات في الحال وهو شاهده، والذي أنمي: ما غاب عنه فمات. ولأنه إذا قعد عن طلبه، جاز أن يكون لو طلبه لأدركه حيًا، فخرج الجرح من أن يكون ذكاة. وليس كذلك إذا لم يقعد عن طلبه؛ لأنه لم يدركه حيًّا، فبقي [أن يكون] الجرح ذكاةً له. قال أبو الحسن: وما صيد منه فأخذ حيًا، فذكاته كذكاة الأنعام، سواء في فَرْي الأوداج، والتسمية، وصفة المذكي؛ وذلك لأن الذكاة إنما سقطت للتعذر، فإذا أخذه حيًا فقد قدر عليها، فسقط حكم البدل عنها.

стр. 3544

قال: وأما شرائط ما مات من الصيد قبل أن يقدر على ذكاته فهو ما قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فشرط الله أن يكون ما صيد به من الجوارح معلمًا، وأن يكون ممسكًا علينا، والإمساك علينا أن لا يأكل من الصيد، ويمسكه على صاحبه، فهذا فيما كان من الجوارح يعلّم ترك الأكل بأن يزجَر عنه، ويضرَبَ عليه إذا أَكَل، فلا يكون مُعَلمًا حتى يكون كذلك، وهذا في ذوات الناب. وأما ذوات المِخْلَب فإن تعليمه أن يدعى فيجيب (١)، ويتبع الصيد فيأخذه، فإن أكل منه فلا بأس بأكل ما صاد. فأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ - بالكسر - فهو صفة الصائد، وقوله: ﴿مكلَّبين﴾ -[بالفتح]- صفة الجارح. فأما الإمساك علينا، فهو شرط عندنا في [صيد] ذوات الناب، فإذا أكلت من الصيد لم يؤكل. وقال مالك: يؤكل، وهو أحد قولي الشافعي (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ومتى أكل الكلب، فإنما أمسك على نفسه، وقال ﷺ في حديث عدي بن حاتم: "فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه"؛ ولأن الكلب يعلَّم بترك الأكل، فأكله يدل على

стр. 3545

عدم التعليم، ومن شرط الإباحة كون الجارح مُعَلَّمًا. وأما البازي والصقر إذا أكلا من صيده فإنه يؤكل. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يؤكل (١). لنا: ما روي عن ابن عباس أنه قال في الكلب إذا أكل من الصيد: لم يؤكل، وفي البازي إذا أكل منه: أُكل؛ ولأن البازي لا يمكن تعليمه بترك الأكل؛ لأن الأكل من طباع البهائم، وإنما يُعلم الكلب ذلك بالضرب، فينتهي عن الأكل، والبازي إذا ضرب مات [بالضرب] أو هرب، فلم يمكن تعليمه ذلك، فسقط اعتباره؛ ولأن التعليم يرجع فيه إلى العادة، وفي العادة أن الكلب يعلم ترك الأكل، والبازي يُعلَّم بأن يضري على الأكل؛ ولأنه حيوان طاهر السؤر، فأكله من صيده لا يؤثر في تحريمه كالآدمي. وقد قال أصحابنا: في الكلب إذا جرح الصيد فولغ في دمه: أُكل؛ لأنه قد أمسك الصيد على صاحبه، وإنما ولغ في الدم، وذلك لا يتعلق به حق الصائد، فالأكل منه كالأكل من صيد آخر. وذكر حديث عدي بن حاتم، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إني أصيد بكلابي المعلمة فيمسكن عليّ، أفآكل؟ قال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله، وأمسكن عليك، فَكُلْ"، قال: قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها"، قال: قلت: إني أرمي بالمعراض فأصيب،

стр. 3546

أفآكل؟ قال: "إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله تعالى [فخرق]، فكل، وإن أصبت بعرضه فلا تأكل" (١). وهذا الحديث قد دل على جواز صيد الكلب، واعتبار التعليم والتسمية والإمساك عن الأكل. وإن شاركه كلب غير معلَّم، أولم يرسله مرسِل: يوجب التحريم؛ لاجتماع سبب الحظر والإباحة. وأنّ السهم إذا جرح أُكل، وإن لم يجرح لم يؤكل، فدلَّ على تحريم ما رمي بالبندق والحجر والخشب إذا قتل ولم يجرح (٢). ودلَّ على اعتبار التسمية عند الرمي. وذكر في حديث عدي قال قلت: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله تعالى، فكل ما أمسكن عليك وإن قتل، إلا أن يأكل، فإذا أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه، وإن خالطها كلاب غيرها، فلا تأكل". وهذا الخبر قد دل على ما دل عليه الأول، وعلى أن أكل الكلب يمنع من أكل الصيد، وأنه يدل على ترك التعليم؛ لأنه يجوز (٣) أن يكون أمسك على نفسه (٤). وذكر في حديث الشعبي عن عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال له: "وإذا

стр. 3547

رميت بسهمك، وذكرت اسم الله تعالى، فوجدته من الغد، ولم تجده في ماء، وليس فيه أثر غير سهمك، فكل" (١). وهذا يدل على أن المُرْمى إذا وقع في الماء لم يؤكل؛ لجواز أن يكون مات من (٢) الماء، ولم يمت من الرمي، فأما إذا وجده من الغد فهو محمول عندنا على أنه لم يقعد عن طلبه. قال أبو الحسن بعد تفسير هذه الأخبار: وما بيّنت لك أنه لا يؤكل أو يؤكل، فهو ما مات من فعل الجارح أو فعل الصائد. فأما ما قدر عليه حيًّا، فإنه لا يؤكل في الوجهين جميعًا حتى يُذكى، فإذا ذُكِّي حَلَّ ذلك أجمع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُم﴾ [المائدة: ٣]، فما أدرك من هذا وفيه حياة بيّنة كانت فيه أو خفية بعد أن يعلم أنه حَيٌّ فذكّى: حَلّ في قول أصحابنا جميعًا، ولا يعتبر كيف كان حالها بعد أن تكون فيها حياة [ورمق] (٣)، فيذكى، فإنها تؤكل (٤). قال: والكلام في هذا أولًا يقع في فصل: وهو أنه إذا قدر على الصيد، فمات قبل أن يقدر على ذبحه لضيق الوقت، لم يؤكل عندنا. وقال [محمد بن شجاع] (٥) ومحمد بن مقاتل: يؤكل استحسانًا، وبه

стр. 3548

قال الشافعي (١). وجه قولهم: أنه لما ثبتت يده على الصيد، زال معنى الامتناع، وبطل حكم الجرح، فصار كالشاة إذا أدركها (٢) وقد مرضت فماتت في وقت لا يسع [لذبحها] (٣)، لم تؤكل. وجه الاستحسان، وهو اختيار ابن شجاع: أن الذبح هو الأصل والجرح بدل عنه، فالبدل إنما يسقط حكمه [بالتمكن] (٤) من استعمال الأصل، فإذا ثبتت يده على الصيد في وقت لا يقدر على ذبحه، لم يثبت حكم الأصل في حقه، فبقي حكم البدل. وقد قال أصحابنا في الصيد إذا أدركه فلم يأخذه: (لم يؤكل) (٥)، فإن كان في وقت لو أخذه أمكنه ذبحه، فلم يأخذه، لم يؤكل؛ لأنه صار في حكم المقدور عليه. وإن كان لا يمكن [ذبحه]: أكل؛ لأن يده لم تثبت عليه، [ولم يتمكن] (٦) من ذبحه. فأما قول أبي الحسن ﵀: فإذا ذكّى، حلّ في قول أصحابنا جميعًا: فهو صحيح؛ لأنه إن كان فيه حياة مستقرة (فقد خرج الجرح من أن يكون ذكاة، وصار ذكاته الذبح، فإذا ذبحه حَلّ.

стр. 3549

وإن لم يكن فيه حياة مستقرة) (١)، فعند أبي حنيفة: ذكاته الذبح، وقد ذبحه. وعلى قولهما: لا يحتاج إلى الذبح، وهو مذكى بالجرح، والذبح بعد ذلك لا يضره. قال: وكذلك ما جرحه ذِئبٌ (٢) أو سَبُعٌ، فإن كان الجرح الذي به لا يعيش من مثله إلا قدر [ما] (٣) يعيش المذبوح، فذكّاه، لم يأكله، وإن كان يعيش من مثله لو بقي يومًا أو يومين، فهو مثل الوقيذ والمتردي، وهذا على ما قدمنا من الخلاف: عند أبي حنيفة: يحل بالذبح إذا كانت الحياة موجودة وإن لم تكن مستقرة. واعتبر أبو يوسف: أن تكون الجراحة مما يعيش من مثلها، وحكي عنه أكثر اليوم. وقال محمد: إذا كان يبقى أكثر من بقاء المذبوح. قال: وما جرحه الفهد المعلم، أو الكلب، فأدركه صاحبه حيًّا، فلم يذكه (٤) حتى مات، فإنه على وجهين: إن كانت الجراحة التي فيه لا يعيش من مثلها مثل أن يشق بطنه فيخرج ما فيه أو شبه ذلك، فإنه يؤكل؛ لأن الكلب والفهد قد ذكياه. وكذلك لو وقع بعد ذلك [في ماء] (٥)، فإنه يؤكل، ولا يضره بعد ذلك

стр. 3550

شيء؛ لأنه مذكىً كالشاة تذبح ثم تضطرب فتقع في ماء؛ لأن هذه قد فرغ من ذكاتها. وكذلك جرح الصيد الذي لو مات منه قبل أن يقدر على ذكاته، كان ذكيًا. فإن أدركه حيًا وبه من الجراح ما لا يعيش إلا قدر ما يعيش المذبوح، فترك ذبحه، لم يضر. حدَّ محمد بن الحسن في الجرح هذا الحدّ، فقال: إذا كان يعيش مَنْ مثله مقدار ما يبقى المذبوح، أكل، وإن كان يطول به ذلك، لم يؤكل حتى يذكى. وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل رمى صيدًا فأصابه، وهو لا يعيش من مثل هذه الرمية، وقد علم ذلك ثم تركه ولم يذكه، وهو يقدر على أن يذكيه، قال: إذا كانت رميته لا يعيش من مثلها إلا بقدر اضطرابه في ذبحه، كان قد [بقر] (١) بطنه أو قطعه، فإنما يضطرب ساعةً ثم يموت قبل أن يذبح، [فإنه] (٢) يأكله، ولا يحرم عليه إن تركه ولم يذكه. وإن كانت رميته قد يعيش منها يومًا أو ساعة وهي به، كأن قد خرجت (٣) أمعاؤه وهو يعيش يومًا أو عامة يومه، فإنه لا يؤكل؛ لأنه [قد] قدر على ذكاته فلم يذكه. وقال بشر عن أبي يوسف: إذا شَقَّ الكلبُ بَطْنَ الصيد، فأخرج ما فيه،

стр. 3551

فأدركه صاحبه وبه رمق، فليس عليه أن يذكيه، وكذلك لو جزأه باثنين. قال أيّده الله: وهذا كله قدمناه، وكان الشيخ أبو بكر الرازي ﵀ يقول: يجب أن يكون قول أبي حنيفة بخلاف ذلك، ويجب عنده الذبح (١) في جميع الأحوال بناءً على مسألة المتردية. وقال ابن سماعة في نوادره، عن أبي يوسف: لو أن رجلًا قطع شاةً نصفين، ثم أنَّ رجلًا فرى أوداجها والرأس يتحرك، أو شق رجل بطنها فأخرج ما في جوفها، وفرى الآخر الأوداج، فإن هذا لا يؤكل من قِبَلِ أن الأول [قتلها] (٢). وهذا على وجهين: إذا كانت الضربة مما يلي العجز، لم تؤكل الشاة، فإن كانت مما يلي الرأس (٣)، أكلت؛ لأن العروق المشروطة [قطعها] في الذبح متصلة من القلب إلى الدماغ، فإذا قطعها حلت، [وأما] إذا لم يقطعها فالجراحة لا تتعلق بها إباحة (٤). فإن كان لا يعيش من مثلها، لم يُعتدَّ بالذبح عند أبي يو أبي يوسف. قال: وأما الوقيذة، فإنها إذا ذكيت حلّت، وهذا على وجهين: إن كان في المتردية والوقيذة وجريحة السبع حياةٌ مستقرة، حلّت بالذبح في قولهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وإن كانت الحياة غير مستقرة جاز عند أبي حنيفة للآية؛ ولأنه فرى الأوداج مع وجود الحياة، فصار كالحياة المستقرة.

стр. 3552

وأما أبو يوسف: فاعتبر أن يكون مثلها ما يعيش، فإن كان لا يعيش مثلها، لم تحل. واعتبر محمد: أن تبقى أكثر من بقاء المذبوح. وجه قولهما: أن الحياة فيها إذا لم تكن مستقرة، لم يعتد بالذبح، كالمجوسي إذا ذبح الشاة، ثم جاء مسلم فقطع الحلق. وقال علي بن الجعد عن أبي يوسف: وكل شيء من الصيد أصبته برمي، أو بكلب، أو بفهد، أو ببازٍ، أو بصقر، [فوقع في يدك] (١) حيًا ثم مات، فلا تأكله، ليس لهذا ذكاة إلا الذبح، وهذا على ما بيّنا: أن ما ثبت اليد عليه فذكاته الذبح متوحشًا كان أو مستأنسًا. قال: وكل بعير، أو بقرة، أو شاة، نَدَّتْ حتى تكون بمنزلة [الصيد] لا يقدر عليها صاحبها، فإن ذكاتها ذكاة الصيد (٢)؛ وذلك لما بيّنا: أن ما لا تثبت اليد عليه، فذكاته الجرح وإن كان مستأنسًا في الأصل؛ وذلك لما روي أن بعيرًا نَدَّ فرماه رجل فقتله، فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا صنعت هكذا فاصنعوا بها هكذا" (٣)، ولأن الحكم لا يعود إلى الجنس، وإنما يتعلق بالقدرة وعدم القدرة، فإذا لم يقدر على المستأنس، صار كالصَّيْدِ.

стр. 3553

وقد روي عن محمد: أنه قال في البعير والبقر إذا ندَّا في المصر أو الصحراء: فذكاتهما العَقْر؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما، فلا يقدر عليهما. قال محمد: والبعير الذي ندّ على عهد رسول الله ﷺ كان بالمدينة. وأما الشاة فإن نَدَّتْ في الصحراء، فذكاتها العَقْر؛ لأنه لا يقدر عليها، وإن ندت في المصر لم يجز عقرها؛ لأنها لا تدفع عن نفسها، فيمكن أخذها في المصر، فلم يجز عقرها مع التمكن منها. قال: وما وقع منها في قَلِيب، فلم يقدر على إخراجها، ولا مذبحها، ولا منحرها (١)، فإن ذكاة هذه ذكاة الصيد، هذا ما اجتمع عليه أصحابنا؛ وذلك لأن الذبح فيه متعذر، فصار كالصيد الذي لا يمكن ذبحه. وذكر مسائل عن أبي يوسف بعد هذا، قد دخلت فيما ذكرناه. وذكر في المنتقى: [في البعير] إذا صال على رجل فقتله وهو يريد الذكاة، حَلَّ أكله إذا كان لا يقدر على أخذه، وضمن قيمته، فجعل الصول (٢) بمنزلة الندِّ (٣).

стр. 3554

بَاب الصيد يأخذُهُ الكلبُ فيجرحُهُ أو لا يجرحُهُ، هل يُؤكل؟ قال أيده الله: أصل هذا الباب ما قدمنا: أن الجارح إذا جرح الصيد فمات، أُكل في قولهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]؛ ولقوله ﷺ : "كُلْ ما أمسك عليك كلبك". وأما إذا خنق الصيد فمات، فالمشهور عنهم: أنه لا يؤكل. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يؤكل، وقد بيّنا ذلك. فأما إذا لم يجرحه ولم يخنقه، ولكنه كسر عضوًا منه فمات، فإن أبا الحسن ﵀ قد ذكر أنه لم يجد (١) عن أبي حنيفة شيئًا مصرحًا. وقد حكى محمد في الزيادات المسألة، فأجاب فيها جوابًا مطلقًا: أنه إذا لم يجرح لم يؤكل، و [ظاهر] هذا يقتضي أنه لا يحل بالكسر. وقال: وذكر أبو يوسف في أثر حكايته عن أبي حنيفة، فقال: وإن قتله من غير أن يجرحه بنَابٍ ولا مِخْلَب، فإنه لا يؤكل، وكذلك لو صدمه فقتله ولم يكسر ولم يجرح، فإن جرح بنابٍ أو مِخْلَبٍ أو كسر عضوًا فقتله، فلا بأس بأكله، وظاهر هذا الكلام يقتضي أن الكسر كالجرح. ووجهه: أن الكسر جراحة باطنة فيه، فهي كالجراحة الظاهرة.

стр. 3555

ووجه ما حكاه محمد: أن الجرح يقع بها إنهار الدم، وهذا المعنى لا يوجد بالكسر، فصار كالخنق [وزيادة] (١). وقد قالوا: إذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه، فإن وصل إلى اللحم فأدماه أكل، وإلَّا لم يؤكل، وهذا على الرواية التي قال: إنه لا يحل إلا بالجرح. واختلف أصحابنا المتأخرون في الشاة إذا ذبحت فلم يسل منها دم، هل يجوز أكلها أم لا؟ قالوا: وهذا [قد] يكون في الشاة إذا اعتلفت العنّاب (٢). فقال أبو القاسم الصفار: لا تؤكل حتى يسيل الدم؛ لقوله ﷺ : "ما أفرى الأوداج وأنهر الدم، فكل" (٣). وقال أبو بكر الإسكافُ، والهندواني: تؤكل؛ [وذلك] لأن فري الأوداج قد حصل، وهناك [مانع] (٤) يمنع من خروج الدم، فصار كما لو [احتبس] (٥) الدم بعد القطع في بعض العروق (٦).

стр. 3556

بَاب الرجل يُرسل الكلبَ فيعرض في إرساله ما يُفسدُ الإرسالَ أو لا يُفسدُه قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا أرسل المسلمُ كلبه المعلمَ وسمَّى، ثم زجره مجوسيٌّ أو مُرْتَدٌّ، أو مُحْرِمٌ، فانزجر لزجره، فأخذ الصيد فقتله، فإنه يؤكل. ولو كان المُرسل مجوسيًا، أو مرتدًا، أو من لا تجوز ذكاته، ثم زجره مسلم وسمّى، أو كتابي وسمّى، فانزجر لزجره، فإنه لا يُؤكل؛ لأن أصل الإرسال كان فاسدًا. وكذلك لو أرسل مسلم كلبًا، وترك التسمية عمدًا، فزجره مُسلمٌ وسمّى فانزجر لزجره، لم يُؤكل (١). ولو كان الأول [قد] سمّى فزجره رجل [مسلم] لم يسم على زجره، فأخذ الصيد فقتله، أكل ذلك؛ [وذلك] لأن الإرسال الأول قد تعلق الحكم به: إما الإباحة، أو الحظر، والزجر (٢) بعده ليس بسبب [مماثل] (٣) له، فلا يسقط حكم الإرسال بما هو دونه، وصار كالمسلم إذا ذبح فأمَرَّ المجوسي السكين بعده، وصار الفعل الثاني كذبح مجوسي، فأمرّ المسلم السكين بعده، يتعلق الحكم

стр. 3557

بالفعل الأول، وسقط الثاني؛ لأنه ليس بمماثل له. قال: ولو أن مُسلمًا أرسل كلبًا فتبع الكلب كلبٌ آخر غير معلم، أو معلم لم يرسله أحد، ولم يزجره بعد انبعاثه، أو سَبْعٌ من السباع، أو ذو مِخْلَب من الطير ممَّا يجوز أن يُعَلَّم فيصاد به، فرد الصيد عليه، وهيّبه، أو فعل ما يكون معونة للكلب في إرساله، فأخذ الكلب الذي أرسل، فقتله لم يؤكل؛ وذلك لأن ردَّ الكلب وتهييبه مشاركة في الصيد، ألا ترى أن المشاركة هكذا تقع، ومتى اشترك في الصيد مُعلم وغير معلم، أو ما سُمِّي عليه وما لم يُسَمَّ عليه، لا يؤكل؛ لاجتماع سبب الحظر والإباحة. وليس كذلك إذا رَدَّ عليه آدمي أو بقرة أو فرس أو هيبه؛ لأن فعل هؤلاء ليس من جنس الاصطياد، فلم يجتمع في سبب الأخذ الذي هو الاصطياد ما يوجب الحظر والإباحة، فحلّ الأكل (١). قال: وإن تبع الكلب كلبٌ غير معلم، فلم يردّ عليه ولم يهيب الصيد، ولكنه اشتد عليه، وكان الذي أخذه الكلب المعلم فقتله، [فإنّ] (٢) هذا لا بأس بأكله؛ وذلك لأنه لم يوجد منه معاونة، فلم يشتركا في الاصطياد، فحَلَّ [الأكل]، وصار كمسلم أضجع شاة فأمسكها مجوسي حتى ذبحها المسلم. قال: وإذا أرسل الرجل كلبًا على صيد وسمَّى، فأخطأه وأخذ صيدًا غيره فقتله، أُكل، وكذلك لو أرسله على جماعة صيد، ولم ينوِ شيئًا منها بعينه، فإنه يؤكل إن قتل منها شيئًا.

стр. 3558

وكذلك لو أرسله على صيد بعينه وسمّى، فاتبع الكلب صيدًا آخر غيره، فأخذه فقتله، فإنه يؤكل (١). وكذلك لو أرسله على ظبي فأخذ طيرًا، أو على طير فأخذ ظَبْيًا، فإن ذلك كله جائز لا بأس بأكله. والطير في هذا كله مثل الكلب؛ وذلك (٢) لأن تعيين الصيد بالإرسال فيه مشقة، ألا ترى أن الإنسان يرسل الكلب على قطيع ظِبَاءٍ، أو يرمي إلى قطيع [من الظباء] فيتعذر عليه تعيين المرمي، وما تعذر في (٣) الصيد سقط حكمه كالذبح في موضع الذبح، فإذا سقط التعيين، جاز أكل ما أخذه الكلب وإن كان المرسل عيّن غيره. [قال]: ولو انفلت كلب على صيد ولا مُرسل له، فزجره مسلم وسمّى، فأخذ الصيد فقتله، وإن كان انزجر لزجره، أكل، وإن كان لم ينزجر لزجره لم يؤكل؛ وذلك لأن ترسل الكلب قبل إرساله لا يمكن الاحتراز منه؛ لأنه يخطو إلى الصيد بطبعه الخطوة والخطوتين، وما لا يحترز منه لا يعتد به؛ ولأنه لم يتقدم على زجر المسلم سبب يتعلق به حكم؛ لما قدمنا أن فعل الكلب لا يتعلق به حظر ولا إباحة، وفعل الآدمي يتعلق به حكم، فإذا وجد سبب يتعلق به الحكم ولم يتقدمه سبب آخر، تعلق الحكم به. وليس كذلك إذا سبق الزجر إرسال الآدمي؛ لأن السبب الأول قد تعلق الحكم به، فلا يسقط بما بعده.

стр. 3559

ونظير هذا ما قالوا في رجل حفر بئرًا في الطريق، ووضع رجل آخر حجرًا إلى جنبها، فعثر بالحجر إنسان فوقع في البئر فمات: فضمانه على واضع الحجر؛ لأنه قد تقدم على وقوعه في البئر سبب يتعلق به الضمان، فلم يتعلق بالسبب الثاني حكم. ولو تعثر بحجر ثابت في الطريق لم يضعه أحد، أو بحجر جاء به السيل، فوقع في البئر، فالضمان على الحافر؛ لأن سبب الإتلاف وجد بالبئر، ولم يتقدمه سبب يتعلق به الحكم، فتعلق بالثاني. قال: وإذا أرسل المسلم كلبه على صيد وسمّى، فأدرك الكلبُ الصيدَ فضربه فوقذه، ثم ضربه ثانية فقتله، أكل. وكذلك لو أرسل كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقذه، ثم ضربه كلبه الآخر فقتله، أكله؛ وذلك لأن هذا المعنى لا يمكن ضبطه من فعل الكلب؛ ألا ترى أنه لا يمكن [أن يعلم] ترك الجرح بعد الجرح الأول، وما لا يمكن تعليمه سقط اعتباره، فكأنه قتله بجرح واحدٍ. قال: ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبه على صيد، فضربه كلب أحدهما فوقذه، ثم ضربه كلبُ الآخر فقتله، فإنه يؤكل، والصيد لصاحب الأول؛ وذلك لما بيّنا أن جرح الكلب بعد الجرح لا يمكن التحفظ منه، فلم يمنع من الإباحة. فأمَّا الملك، فجراحة (١) الكلب الأول لما أخرجت الصيد من حيز الامتناع، صار ملكًا لصاحب الكلب، فجراحة الثاني لا تزيل ملكه عنه (٢).

стр. 3560

بَاب متى يكون الكلبُ معلمًا ومتى يخرج من التعليم قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: [تعليم الكلب] (١): أن يرسل فيتبع الصيد، فإذا أخذه أمسكه على صاحبه ولم يأكل منه شيئًا، فإذا فعل ذلك، فهو مُعلم. وتعليم الجارح في [الطير] (٢): أن يستجيب إذا دُعي، فإذا أرسل على الصيد تبعه فأخذه، فإن كان أَكَل منه أُكِل صيده، وهو معلم إذا استجاب إذا دُعي، وتبع الصيد إذا أرسل. وكان أبو حنيفة لا يحد في تعليمه حدًّا، ولا يوقِّت وقتًا، ولكن كان يقول: إذا كان عالمًا فُكل، هذه رواية الأصل (٣). وقال ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: وسألته ما حدّ تعليمه؟ قال: أن يقول أهل العلم بذلك: إنه مُعَلَّم. وقال في المجرّد عن أبي حنيفة: لا يأكل أول ما يصيد ولا الثاني، ثم يأكل الثالث وما بعده، وهي رواية ابن شجاع [عن الحسن] عن أبي حنيفة. وقال في الأصل: إذا أخذ الصيد فلم يأكل، وأخذ آخر فلم يأكل، ثم صاد الثالث فلم يأكل، فهذا مُعَلّم (٤).

стр. 3561

والتعليم عنده: أن يرسل ثلاث مرات، كل ذلك يقتل الصيد ولا يأكل، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. والأصل في هذا ما قدمنا: أن صيد الجارح لا يحل إلا أن يكون الجارح معلمًا. والتعليم في الكلب: يكون بترك الأكل؛ لأنه يضرب حتى يتعوّد، إلا أن أبا حنيفة رجع في ذلك إلى أهل الصنعة؛ لأن الكلب قد يمسك عن الأكل للشبع، وقد يمسك للتعليم، فوجب أن يرجع إلى أهل العلم بذلك. وأما في الرواية الأخرى: فجعل تكرار ترك الأكل دلالة على التعليم؛ [لأنه لا يتفق له الشبع في كل مرة، فالظاهر أنه تركه للتعلم]، وإنما قدروا التكرار بثلاث مرات؛ لأنها موضوعة للاختبار في خيار الثلاثة، وقال موسى للخضر ﵉ في المرة الثالثة: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦]، وروي عن عمر أنه قال: من اتّجر في شيء ثلاث مرات فلم يربح، فلينتقل إلى غيره (١). ثم اختلفوا في أكل الثالثة، فقال أبو يوسف ومحمد: إنما يصير مُعَلَّمًا بتكرار ترك الأكل ثلاثًا، فما اصطاد بعد ذلك فهو صيد معلم، فيؤكل، وما كان قبل ذلك فلم يعلم التعليم، فلا يؤكل. وقال في رواية الحسن: تؤكل الثالثة؛ لأنها قد دلت على التعليم، فصار صيد معلم، فأكل. قال: وإذا صار معلمًا في الظاهر، وصاد به صاحبه، ثم أكل بعد ذلك مما

стр. 3562

صاده، فقد بطل تعليمه، فلا يؤكل صيده حتى يُعلم تعليمًا ثانيًا، فما كان صاد قبل ذلك لم يؤكل كله في قول أبي حنيفة، ويؤكل عند أبي يوسف ومحمد. ومن أصحابنا من حمل هذا الخلاف على أن الأكل كان مقاربًا (١) لزمان التعليم؛ لأنه إذا كان كذلك، دل على فقد التعليم؛ لأن المدة القصيرة لا ينسى فيها، وإنما ترك الأكل فيما تقدم للشبع، فلم يؤكل. فأما إذا طالت المدة، فيجوز أن يكون أكل للنسيان، فلا يستدل بذلك على فقد التعليم في الأصل، فلذلك أُكل. وظاهر الرواية يقتضي: أنه لا يؤكل بكل حال؛ وذلك لأن الاصطياد ليس بعلم مكتسب، وإنما هو من الضروريات، ومثل ذلك لا يُنسى، وإنما يضعف بالترك كالخياطة والرمي، فلما أكل الكلب [من الصيد]، علم أنه لم يكن معلمًا في الأصل، فلا يؤكل صيده؛ ولأن ما لا يؤكل صيده من الجوارح في الحال، لا يؤكل ما تقدم من صيوده، كغير المعلم. وجه قولهما: أن أكل الكلب يجوز أن يكون لفقد التعليم، ويجوز أن يكون لفرط الجوع، فلم يجز تحريم ما تقدم بالشك؛ ولأن الكلب قد ينسى كما ينسى الآدمي، فيجوز أن يكون أكله للنسيان، فلا يحرم ما تقدم من صيده، إلا أنه يعود بهذا الأكل إلى حاله في الأصل، فلا يحل اصطياده في قولهم. فأمّا على قول أبي حنيفة؛ فلأنه استدل على فقد التعليم في الأصل. وعلى قولهما: يجوز أن يكون لم يتعلم، ويجوز أن يكون نسي، فلا يحل

стр. 3563

صيده بالشك، إلا أن يستأنف تعليمه. وشرط تعليمه في الثاني، كالشرط في الابتداء على اختلافهم فيه. وقال في الأصل: في رجل أرسل كلبه على صيد، وهو معلم، فأخذ صيدًا فقتله، فأكل منه، ثم اتبع آخر فقتله ولم يأكل، قال: لا يأكل واحدًا منهما؛ وذلك لأنه لم أكل، دل على النسيان، أو فقد التعليم، فلم يحل صيوده بعد ذلك (١). قال: وإن أخذ الكلب المُعلم صيدًا، فأخذه منه صاحبه، فأخذ صاحب الكلب من الصيد قطعة فألقاها إلى الكلب فأكلها الكلبُ، فهو على تعليمه؛ وذلك لأن ترك الأكل إنما تعوّده الكلب في حال أخذه، ولا يعود في غير ذلك، فأكله في غير ذلك لا يدل على فقد التعليم؛ ولأن من عادة الصائد أن يطعم الكلب من لحم الصيد بعد أخذه منه، فلم يقدح ذلك في التعليم (٢) (٣). قال: وكذلك لو كان صاحبُ الكلب أخذ الصيد من الكلب، ثم وثب الكلبُ على الصيد، فأخذ منه قطعة فأكلها وهو في يد صاحبه، فإنه على تعليمه؛ وذلك لأن الأكل بعد ثبوت يد الآدمي عليه كالأكل من غيره، فلا يؤثر في التعليم. وكذلك قالوا: لو سرق الكلب من الصيد بعد دفعه إلى صاحبه، لم يؤثر فيه؛ لأنه يفعل ذلك للجوع؛ ولأن هذا الأكل لم يدخل في التعليم. قال: فإن أكل من الصيد وهو في موضعه لم يأخذه صاحبه، كرهت أكله؛

стр. 3564

لأن هذا الأكل حصل قبل أخذ صاحبه، فصار كالأكل في حال الاصطياد. قلت: أرأيت الكلب المعلم يرسل على صيد، فتبعه فنهشه، فقطع منه قطعة فأكلها، ثم أخذ الصيد بعد ذلك، فقتله ولم يأكل منه شيئًا، هل يؤكل؟ قال: لا؛ وذلك لأن هذا الأكل حصل في حال الاصطياد، وذلك يدل على فقد التعليم. قلت: فإن نَهَشَه فألقى منه بضعة (١) والصيد حَيّ، ثم [اتبع] (٢) الصيد بعد ذلك، فأخذه فقتله ولم يأكل منه شيئًا، هل يؤكل؟ قال: نعم؛ وذلك لأنه لم يوجد منه ما يدل على فقد التعليم، وقطع قطعة من الصيد يتوصل به الكلب إلى أخذه، فهو كالجرح. قلت: أرأيت إن أخذ صاحبُ الكلب الصيدَ من الكلب بعدما قتله، ثم رجع الكلب بعد ذلك فمرّ بتلك القطعة فأكلها، هل يؤكل صيده؟ قال: نعم؛ وذلك لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لم يضره، فإذا أكل مما بان (٣) منه أولى. قال: فإن اتبع الصيد فنهشه وأخذ منه بضعةً (٤) فأكلها وهو حي، فانفلت الصيد منه، ثم أخذ الكلب صيدًا آخر وهو في فوره فقتله ولم يأكل منه، هل يؤكل؟ قال: أكره أكله؛ وذلك أن الأكل في حال الاصطياد يدل على فقد التعليم، فلا يؤكل ما يصطاد بعده. [والله أعلم] (٥).

стр. 3565

بَاب بقاء الإرسالِ وانقطاعهِ قال: وإذا أرسل الرجل الكلبَ أو غيره على الصَّيْدِ وسمَّى، فما أخذ في ذلك الفور من الصيد، فقتله، فإنه يؤكل ذلك كله، فإن أخذ صيدًا فقتله، ثم أخذ آخر فقتله، أكل ذلك؛ وذلك لأنه لم ينقطع عن حال الإرسال، فصار الثاني كالأول؛ ولأنا بيّنا أن التعيين لا يُمكن في الإرسال، فصار صيد الكلب لصيدين في فوره كوقوع السَّهم بصيدين. قلت: فإن جثم (١) على [أحدهما] (٢) طويلًا، ثم مرَّ به آخر فأخذه فقتله، لم يؤكل. وكذلك إن أرسل الكلب أو غيره على صيد، فعدل عن الصيد يمنة أو يسرة، وتشاغل بغير طلب الصيد، وفتر عن سَننهِ ذلك، ثم تبع صيدًا فأخذه فقتله، فإنه لا يؤكل إلا بإرسال مستقبل، أو أن يزجره صاحبه ويسمّي فينزجر؛ (لأنه إذا جثم على الصيد طويلًا أو تشاغل في حال الإرسال، فذهب يمنةً أو يسرة انقطع حكم الإرسال. وإذا قصد صيدًا بعد ذلك فقد ترسل بنفسه، فلا يحل صيده إلا أن يزجره صاحبه فينزجر) (٣).

стр. 3566

قال: فإن كان الذي أُرسل فهدٌ فالفهد إذا أرسل كَمَنَ ولم يتبع حتى يستمكن، فيمكث ساعة ثم يأخذ الصيد فيقتله، هل يؤكل؟ قال: نعم. وكذلك الكلبُ إذا أرسله الرجل، فصنع كما صنع الفهد، قال: لا بأس بأكل ما صاد؛ وذلك لأن [الكَمِيْن] (١) ليتمكن من الصيد من أسباب الاصطياد، فلا يقطع حكم الإرسال كالوثوب والعَدْوِ. قال: وكذلك البازي إذا أرسل [على صيد] (٢) فسقط على شيء ثم طار فأخذ الصيد، فإنه يؤكل؛ لأنه إنما يسقط على شيء ليتمكن من الصيد، فصار ذلك ككُمُوْنِ الفهد. قال: وكذلك الرامي إذا رمى صيدًا بسهم، فما أصابه في سننه ذلك ووجهه أكل؛ لأنه إذا مضى في سَننَه فلم ينقطع [حكم] (٣) الرمي، فصار ذهابه بقوة الرامي، فيتعلق به الإباحة. [قال]: فإن أصاب واحدًا ثم نفذ إلى آخر وآخر، أكلوا؛ لأن تعيين الصيد غير معتبر، ونفوذه من واحد إلى واحد بقوة الرامي، فصار الثاني كالأول. قال: فإن أمالت الريح السهمَ إلى ناحية أخرى يمينًا أو شمالًا، فأصاب صيدًا آخر، لم يؤكل؛ لأن السهم قد انصرف عن وجهه؛ وذلك لأنه إذا عدل عن سَننه انقطع حكم الرمي، فصارت الإصابة بفعل غير الرامي، وهذا لا يتعلق به

стр. 3567

إباحة، ألا ترى أن سيفًا لو كان على حبل فألقته الريح (١) على صيد فقتله، لم يؤكل؛ لأنه لم يستند إلى فعل آدمي، فكذلك هذا. قال: فإن لم ترده الريح عن وجهه ذلك، أكل الصيد؛ لأنه إذا مضى على وجهه، فمضيّه بقوة الرامي، ومعونة الريح للسهم لا يمكن الاحتراز منه، فسقط حكمه. قال: وإن أصابت الريح السهم، وهي ريح شديدة، فدفعته ولم يتغير عن وجهه ذلك، فأصاب السهم صيدًا، فإنه يؤكل؛ وذلك لأنه مضى في وجهه، ومعونة الريح إذا لم يعدل به عن جهته لا يمكن الاحتراز منه، فسقط حكمه. قال: ولو أصاب السهم حائطًا أو صخرةً، فرجع فأصاب صيدًا، فإنه لا يؤكل؛ لأن فعل الرامي انقطع، وصارت الإصابة في غير جهة الرمي. قال: فإن مرّ من الشجر السهم، فجعل يصيب الشجر في ذلك الوجه، والسهم على سَننه لم يتغير، فأصاب صيدًا فقتله، فإنه يؤكل (٢). فإن ردّه شيء من الشجر يمنة أو يسرة، فإنه لا يؤكل، وهذا على ما بيّنا. فإن مرّ السهم فحجبه حائط، وهو على سننه ذلك، فأصاب صيدًا فقتله، أُكل؛ وذلك لأن فعل الرامي لم ينقطع، وإنما أصاب السهم الصيد والحائط وذلك لا يؤثر. قال أبو يوسف: في رجل رمى صيدًا فأصاب السهمُ صخرةً، ثم أصاب

стр. 3568

السهم الصيدَ فقتله، وقد سمَّى، قال: إن كان السهم مرّ على وجهه مستويًا بعدما أصاب الصخرة، أو يمينًا أو شمالًا، أكل، وإن كان [ذلك] رجع راجعًا فأصاب الصيد فقتله، لم يؤكل، وهذا مخالف للأول. ووجهه: أن السهم [قد] يعدل عن السنن يمينًا وشمالًا، فلا يعتد بذلك. وكذلك إذا أصابَ الصخرة، فالظاهر أن فعل الرامي لم ينقطع، فأما إذا رجع فقد انقطع فعله؛ لأن السهم لا يرجع من غير سبب. قال: ولو أن رجلًا رمى بسهمٍ وسمّى، ثم رمى رجل آخر بسهم، فأصاب (١) السهمَ الأولَ قبل أن يصيب الصيدَ، فردّه عن وجهه ذلك فأصاب صيدًا فقتله، فإنه لا يؤكل (٢)؛ لأنه لما رجع بدفع السهم الثاني عن سننه انقطع حكم الرمي، فلم يتعلق به إباحة، وهذا محمول على أن الرامي الثاني لم يقصد الاصطياد، وقد حصل القتل بفعله فلا يتعلق به إباحة. قال ﵀: وهذا محمول على أن الرامي الثاني لم يقصد الاصطياد، وقد حصل القتل بفعله، فلا يتعلق به إباحة. فأمَّا إن كان الثاني رمى ليصطاد، حَلَّ أكل الصيد، وهو للثاني؛ لأنه مات بفعله وإن لم يقصده بالرمي، وتعيين المرمى ليس بشرط. قال: ولو أن رجلين رمى كل واحد منهما صيدًا بسهم، فأصابا الصيد جميعًا ووقعت الرميتان بالصيد معًا، فمات، فإنه لهما ويؤكل؛ ذلك لأنهما اشتركا في

стр. 3569

سبب الاستحقاق وتساويا فيه، فتساويا في الاستحقاق (١). فإن أصابه سهم الأول فوقذه، ثم أصابه سهم الآخر فقتله، قال أبو يوسف (٢): يؤكل والصيد للأول، وقال زفر: لا يؤكل. وهذه المسألة فرع على اختلافهم: أن المعتبر في الرمي بحال الرمي أو بحال الإصابة، فعند أصحابنا الثلاثة: أن المعتبر بحال الرمي؛ لأنه هو الذي يتعلق [الحكم] بفعله، والتسمية معتبرة عنده، وقد حصل رميهما جميعًا والصيد ممتنع، فلم يتعلق بالسهم الثاني حظر؛ [إلَّا أن] (٣) المِلْكَ للأول؛ لأن سهمه أخرجه من حيّز الامتناع، فصار سهم الثاني كأنه وقع بصيد مملوك، فلا يستحق به شيء. وجه قول زفر: أن المعتبر بحال الإصابة؛ بدلالة أنه لو لم يصب لم يملك، وقد حصل السهم الثاني والصيد غير ممتنع، فصار كمن رمى إلى شاة فقتلها. قال: وكذلك إن رمى أحدهما بعد الآخر قبل إصابة الأول، فهو كرميهما معًا (في القولين؛ لأن رمي الثاني حصل والصيد ممتنع، فهو كرميهما معًا) (٤). فإن أصاب سهم الأول، ثم رماه الثاني، فإن كان سهم الأول لم يخرجه من [حيّز] الامتناع، فأصابه الثاني، فهو للثاني؛ وذلك لأن الثاني هو الذي صاده، والأول فعل سببًا في الصيد، فصار كمن أثار صيدًا فأخذه غيره.

стр. 3570

وإن كان سهم الأول وقذه وأخرجه من الامتناع، ثم أصابه سهم الثاني [فمات]، فهو على وجوه: إن مات من الأول، أُكل وعلى الثاني ضمان ما نقصته جراحته؛ لأن السهم الأول وقع به وهو صيد، فإذا قتله حَلّ، وقد ملكه الأول بالإصابة، والجراحة الثانية نقص في ملك الأول، فيضمنها الثاني. وإن مات من الجراحة الثانية لم يؤكل؛ لأن الثاني رمى إليه وهو غير ممتنع، فصار كالرمي إلى شاة، ويضمن الثاني ما نقصته جراحته؛ لأنه نقص دخل في ملك الغير بفعله، ثم يضمن قيمته مجروحًا جراحتين؛ لأنه أتلفه بفعله، إلا أنه غرم نقصان الجرح الثاني، فلا يضمنه ثانيًا، والجرح الأول نقص بفعل المالك للصيد، فلا يضمنه الثاني. فأما إن مات من الجراحتين، لم يؤكل؛ لأن إحدى الرميتين يتعلق بها الحظر، والأخرى تتعلق بها الإباحة، (والصيد بينهما؛ لأنهما اشتركا في سبب ملكه، وعلى الثاني للأول نصف قيمته مجروحًا الجراحتين، ونصف ما نقصته الجراحة الثانية؛ لأنه أتلف على شريكه نصيبه حيث أخرجه من الإباحة إلى الحظر، فلزمه الضمان) (١). فإن لم يعلم بأي الجراحتين مات، فهو كما لو علم أنه مات منهما؛ لأن كل واحد من الجراحتين سبب للقتل في الظاهر (٢).

стр. 3571

بَاب ما بان من الصيدِ، هل يؤكل أم لا؟ قال أبو الحسن ﵀: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما بان من الحي، فهو ميتة" (١)، ولا أعلم بين أهل العلم خلافًا في أن رجلًا لو قطع من أَلْيَة شَاةٍ قِطْعَةً، أو من فخذها، أنه لا يحل له أكل ذلك، وهذا أمر كانت تفعله الجاهلية، كانوا يقطعون قطعة من ألية الشاة، ومن سِنَام البعير، فيأكلونها، فقال ﷺ : "ما بان من حي، فهو ميت"، فدل ذلك على تحريمه؛ لأن الميتة حرام. قال: فإذا ركض بفرسه على صيد فضربه بسيفه، فقطعه باثنتين، فإنه يأكل النصفين جميعًا، روى ذلك بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم، ورواه ابن زياد عن أبي حنيفة، وهو قول أصحابنا جميعًا (٢). قال إبراهيم: فإن كان ما يلي الرأس أكثر: فكُل ما يلي الرأس، ودع ما سواه، وإن قطعت منه عضوًا: فكل إلَّا العضو الذي قطعت، إلا أن يكون معلقًا بجلده، فتأكله كله. قال أبو الحسن: وهو قول الحسن ومحمد، ولا أعلم عن زفر خلاف ذلك. قال أيّده الله: والأصل في هذا ما قدمنا أن الأوْدَاج متصلة من القلب إلى

стр. 3572

الدماغ، فإذا قطع الوَسَطَ وهو القلب، فقد قطع العُرُوق، فصار كالذبح، فيحل به الجميع. وأما إذا قطع من ناحية العجز، أُكل الأكثر، ولم يؤكل الأقل عندنا. وقال الشافعي: يؤكل (١). لنا: قوله ﵊: "ما أبين من حي وهو حي، فهو ميت"، والعضو المقطوع أبين من حي، فكان ميتًا؛ ولأن الجرح ليس بذكاة في حال وقوعه، وإنما يصير ذكاة إذا اتصل به خروج الرُّوح قبل القدرة، وإذا صار ذكاةً عند خروج الروح، صار ذكاة للجملة دون ما بان منها قبل ذلك. وليس هذا كما لو قطع الأقل مما يلي الرأس؛ لأن ذلك القطع أصاب العروق، فصار ذكاة عند وقوعه، فحلت به الجملة. وأما إذا تعلق العضو بجلده، فقد ذكر محمد في الأصل: إذا كان بمنزلة ما بان، لم يؤكل (٢). وذكر أبو يوسف هذا في الإملاء، ولم يشرط شيئًا، وكذلك رواه الحسن من غير شرط. ويجوز أن يكون ما شرط محمد قولهم؛ لأنه إذا تعلق بجلدة خفيفة، فذلك التعلق غير معتدٍ به، فصار بمنزلة البائن، ويحمل قولهم من غير شرط على التعلق الذي يجوز أن يبقى، فيكون العضو من جملة الحيوان، فذكاةُ الحيوان

стр. 3573

ذكاة لما اتصل به. وقال أبو يوسف: إذا ضربت الرأس فقطعته طولًا أو عرضًا، فإن كان ما بقي من الرأس أكثر ما قطع، أكل الصيد، وما بقي من الرأس وإن كان سواء فَكُلْهُ كُلَّه. وقال أبو يوسف بعد ذلك: إذا قطع الرأس نصفين، لم يؤكل النصف [البائن] (١)، وأكل ما بقي من الصيد؛ وذلك لما بيّنا أن الأوداج متصلة بالرأس، فإذا قطع أقل الرأس فلم يعلم أنه قطع العروق، فصار ذلك في حكم الجرح الذي يبيح الجملة ولا يبيح ما بان. وإذا قطع الأكثر من الرأس، فقد قطع العروق، فيصير ذلك كالذبح فيبيح الجملة. والذي اختلف قول أبي يوسف فيه في النصف الأكثر، فهو بناء على قطع العروق، فكأنه ظن أنها لا تكون إلا فيما يلي البدن من الرأس، فاعتبر قطع الأكثر، وقد كان ظن قبل ذلك أنه إذا قطع نصف الرأس قطعها. قال هشام: سمعت محمدًا يقول في رجل ضرب رأس صيد فأبان بعض الرأس، أنه إذا كان [الذي] يلي إلى المذبح أقل، أكلهما جميعًا، وإن كان مما يلي المذبح [أكثر] (٢)، أكل الذي يلي المذبح، [وترك الآخر] (٣)، وهو قول أبي حنيفة. قال محمد: وإن كانا سواء، أكلهما جميعًا، وهذا على ما بيّناه (٤).

стр. 3574

بَاب الرجل يسمعُ حس الصيد فيظنهُ صيدًا فيرسل كلبه عليه أو يرميه ثم يعلم أنه صيدٌ أو غير صيدٍ ما يحل من ذلك، وما لا يحل؟ قال أيده الله: وجملة هذا الباب: أن مَن سمع حِسًّا فظنه صيدًا، فأرسل كلبه عليه أو بازه، أو رماه بسهمه، فأصاب صيدًا، وبان له أن الحس الذي سمعه لم يكن حسّ صيدٍ، وإنما كان حِسَّ شاةٍ أو بقرةٍ أو آدمي، لم يؤكل الصيد الذي أصاب في قولهم؛ لأنه أرسل على غير صيد، ورمى إلى غير صيد، فلم يتعلق بإرساله ورميه حكم الإباحة، وصار كأنه رمى إلى آدمي يعلم به فأصاب صيدًا، لم يؤكل. وأما إذا كان الحِسُّ حِسَّ صيد مأكول، أو غير مأكول، فأصابَ صيدًا مأكولًا، أكل. وقال زفر: إن كان حس صيد لا يؤكل لحمه، كالسباع وما أشبهها، لم يؤكل. وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كان حسّ سَبُعٍ، أُكل الصيد، وإن كان حِسّ خنزيرٍ لم يؤكل الصيد. وجه قولهم المشهور: أن الاصطياد للحيوان المأكول وغير المأكول من جنس الصيد سواء في الإباحة، فإذا أحسّ بذلك فرماه، أو أرسل عليه، تعلق برميه وإرساله إباحة الاصطياد، وتعيّن به صيد مأكول، فأكل، كما لو كان الحس حس مأكول، فأصاب مأكولًا [آخر].

стр. 3575

وجه قول زفر: أن السِّباع لا يحل أكلها، فرميها لا يتعلق به إباحة الأكل، فإذا أصاب غيرها لم يؤكل، كما لو كان حِس آدمي. لأبي يوسف: أن الخنزير مغلظ التحريم لا يجوز الانتفاع به بوجهٍ، والسباع وإن كانت محرمةً جاز الانتفاع بها. فإذا رمى إلى صيد يجوز الانتفاع به، وتعيّن برميه المأكول، جاز أكله، وإذا رمى إلى صيد لا يحل الانتفاع به بحال، لم يتعلق برميه حكم الإباحة، فلم يحل ما تعيّن به. وأما إذا لم يعلم أن الحس حس صيد أو غيره، لم يأكل ما أصابه؛ لأن الحظر والإباحة تساويا، فكان الحكم للحظر. وقال في الأصل: فيمن رمى خنزيرًا أهليًا، فأصاب صيدًا، قال: لا يأكل؛ لأن الخنزير الأهلي ليس بممتنع، فالرمي إليه كالرمي إلى الشاة، فلا يتعلق به حكم الإباحة وإن أصاب صيدًا مأكولًا. وقالوا فيمن سمع حسًّا فظنه آدميًا، فرماه، فأصاب الحس نفسه، فإذا هو صيد أكل؛ لأن تعيينه بالظن والرمي يسقط القصد، ويصير كأنه قصد إلى [المحسوس] (١). وقالوا: لو رمى طائرًا فأصاب صيدًا، وذهب المرمى فلم يعلم أوحشي هو أو مستأنس، أكل الصيد، وهذا مبني على أن الطير الداجن (٢) إذا رمي في
следующие страницы →