← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وقال محمد في الأصل: قلت: أرأيت إن كان قد ذهب الثلث سواء، هل يجزئ؟ قال: نعم، إلا أن يكون أكثر من الثلث (١). (وكذلك قال في الجامع الصغير: إذا ذهب الثلث أو أقل، جاز، وإن كان أكثر من الثلث، لم يجز) (٢)، وجمع في رواية الجامع الصغير بين الأُذُن والذَّنَب والأَلْيَة والعَيْن (٣). وقال بشر عن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن العَرْجاء، فقال: إذا بلغت المنسك فهي تجزئ في ذلك. والأصل في أن العيوب تمنع من الأضحية والهدي: ما روي أن النبي ﷺ نهى أن يضحى بالعوراء البيّن عَوَرها، والعرجاء البيّن عرجها، وبالعَجْفاء التي لا تنقى (٤). وروي أنه نهى عن الخرقاء، والشرقاء، والمقابلة، والمدابرة. فالشرقاء: التي انخرق أذنها طولًا، والخرقاء: التي يكون عَرْضًا، والمقابلة: التي يكون الخرق في مقدم الأذن، والمدابرة: التي يكون الخرق في مؤخّر الأذن. وروي عنه أنه سئل عن العرج، فقال: "إذا بلغت المنسك فاذبح"، وروي

стр. 3607

أنه قال: "استشرفوا العين والأُذُن" (١)، وعن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وأشار بأصابعه ثم قال: وأصابعي أقصر من أصابع رسول الله ﷺ ، وهو يشير بأصابعه يقول: "لا تجزئ من الضحايا أربع: العوراء البيّن عورها، والعرجاء البيّنة عرجها، والمريضة البيّنة مرضها، والعجفاء التي لا تنقى"، وروي أنه ﷺ نهى أن يضحي بعضباء الأذن والقرن (٢). وهذا يدل على أن العيوب الكثيرة في العين والأذن تمنع من الأضحية، أما اليسير من العيب فلا يمنع؛ لأن الغنم لا يخلو من ذلك، ألا ترى أنه يفعل فيها على طريق السِّمة والعلامة، فلو منع الأضحية لشق على الناس، فإذا منع الكثير من العيب، ولم يمنع القليل، فجعل الحد الفاصل بينهما في إحدى الروايات: الثلث، وقال: إذا ذهب لم يجزِ، يعني أكثره، وإن ذهب أقل منه جاز؛ لأن النبي ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير" (٣)، فجعل الثلث في [الكثير] (٤). وقال في رواية أخرى: إذا ذهب أكثر من الثلث لم يجزِ، فإن ذهب الثلث جاز؛ لأن النبي ﵇ أجاز به الوصية، فجعل الثلث في حكم الكثير المجزئ، وما زاد عليه لا يجوز. واعتبر في الرواية الثالثة أكثر؛ لما روي (أن النبي ﵇ نهى عن العضباء) (٥)،

стр. 3608

قال سعيد بن المسيب: أي: إذا ذهب أكثر أذنها، فكان الأولى بالتقدير ما وردت به السنة (١). قال أبو يوسف: فذكرت هذا لأبي حنيفة حنيفة رحمه الله تعالى فقال: قولي قولك. والذي قال أبو يوسف: إنه إذا قطع النصف لم يجزِ. فصحيح؛ لأنه اجتمع الحظر والإباحة؛ ولأنه يعتبر بقاء الأكثر. وقد ذكر ابن شجاع في كتاب المناسك: أنه إذا ذهب الرُّبُع لم يجزِ، ووجه ذلك: أن الرُّبُع في حكم الكثير في الأصول، ألا ترى أنهم قدروا به مسح الرأس، ووجوب الدم في المُحْرِم. فأما المقطوعة الطرف، فهو عيب فيها، فصار كقطع الأُذُن. فأما العرجاء إذا بلغت المنسك، فمعناه: أن العرج إذا لم يمنعها من المشي بنفسها جازت، وإن كانت لا تمشي، فإنه لا تجوز. قال هشام: وسألت أبا يوسف عن السَّكَّاء، والتي لا قرن لها، قال: تجزئ التي لا قرن لها، فأما السَّكَّاء فإن كان لها أذن، فهي تجزئ وإن كانت صغيرة الأذن، وإن لم يكن لها أذن فإنها لا تجزئ، وتجزئ الشاة وإن لم يكن لها قرن عندهم جميعًا. أما القرن، فقد روي عن علي ﵁ أنه سئل عن القرن فقال: لا يضرك، أمرنا رسول الله أن نستشرف العين والأذن؛ ولأن القرن لا ينتفع في الأضحية به،

стр. 3609

وليس بمنصوص عليه، فلا يؤثر، وقد قال في الأصل: لو كسر بعض قرنها أو جميعه، أجزأت. فأما السَّكَّاء: فهي التي لا أُذُن لها خِلْقَةً، فإن كانت الأذن صغيرة فالعضو موجود، وصغر الأعضاء لا تمنع، فإن لم تكن فالأذن مقصودة في الخِلْقة، بدلالة النص عليها، فعدمها أكثر من نقصانها. قال: وسألته عن الجَرْباء، والثولاء، فقال: إذا كانتا سمينتين أجزأتا، وإن كانتا عجفاوين لم يجزئا، وهو قول أبي يوسف؛ لأن الجرب مرض، وقد اعتبر رسول الله ﷺ في المريضة أن تكون بيّنًا مرضها (١)؛ ولأنها إذا كانت سمينة، فالجرب بجلدها لا يضر بلحمها. فأما الثولاء: فهي المجنونة، والعقل غير مقصود في البهائم، وقال أبو يوسف في التي لا أسنان لها، وهي الهتماء: إن كانت تعتلف أو لا تعتلف، فإنها لا تجزئ، والأسنان كالأذن إذا بقي الأكثر منها أجزأت، فإذا ذهب الأكثر لم تجزِ. وقال بشر: قال أبو يوسف بعد ذلك: إذا بقي منها ما تعتلف [به]، فإن كان أقل من النصف، أُجزئ. أما الرواية التي اعتبر فيها بقاء الأكثر؛ فلأن الأسنان عضو كالأذن، فيعتبر بقاء الأكثر.

стр. 3610

وأما الرواية الأخرى؛ فلأن المقصود من الأسنان الأكل بها، فاعتبر بقاء المقصود دون غيره. ومن أصحابنا من قال: إن الهتماء: التي انكسر أطراف أسنانها، فاعتبر أبو يوسف فيها أن تعتلف؛ لأن الأسنان باقية وإنما نقصت، فإذا لم تؤثر في الأكل، لم تمنع، وأما إذا [تلفت] (١) الأسنان، فاعتبر [بقاء] أكثرها. قال: ولا بأس عندهم جميعًا بالخَصِي، وذلك لما روي (أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين (٢) موجوءين يمشيان في سواد، وينظران في سواد، ويأكلان في سواد، أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته). وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: الخصي أحب إليّ؛ لأنه أطيب (٣) لحمًا وأنفع للمساكين، وسئل عن الخصي فقال: ما زاد في لحمه أنفع مما ذهب من خصيته. قال: ولا بأس بما فيه سِمَة في أذنه؛ لأن السِّمة لا يخلو منها الحيوان؛ ولأنه عيب يسير، وقد بيّنا أن ذلك [القدر] لا يمنع في الأذن. قال: ولا يجوز في الأضاحي شيء من الوحش؛ وذلك لأن الأضاحي مأخوذة من الشرع، ولم يرد الشرع إلا في الأنعام دون الوحش، فلم يجز ذبح الوحش من غير شرع.

стр. 3611

فإن كان متولدًا بين الوحش والإنسي، فالمعتبر بالأم (١)، فإن كانت بقرة أهلية نزى عليها ثور وحشي فولدت، فإنه يجوز أن يضحى به، فإن كانت البقرة وحشية والثور أهليًا لم يُجْزِ الولد؛ وذلك لأن الولد في حكم جزء من الأم، فاعتبر بها، ولأنه ينفصل منها وهو حيوان يتعلق به الأحكام، وينفصل من الفحل وهو ما لا يتعلق به حكم؛ فلذلك تبع الأم. ٢٤١٠ - : [فَصْل: اشتراط القربة في الاشتراك في البُدُن] وإذا اشترك السبعة في بعير أو بقرة، وكلهم يُريدون القُربة إلى الله ، أجزأهم أي قربة كانت تطوعًا أو واجبة، اختلفت الجهات أو اتفقت. وقال زفر: إذا اتفقت جهات القربة جازت، وإن اختلفت فأراد أحدهم الهدي أو الأضحية، وأراد الآخر جزاء الصيد أو التطوع، لم يجز. لنا: أنهم اتفقوا في جهة واحدة، وهي القربة إلى الله ، فصار كما لو اتفقوا في نوع واحد. وجه قول زفر: أن خروج الرُّوح لا يتبعض، فإذا اختلفت الجهة، صار في حق كل واحد منهم كأنّ الذبح وقع عن الجهة الأخرى. قال: وكذلك إن كان ذبح أحدهم عن ميت، جاز، وقد ذكر في الأصل: إذا اشترك السبعة في بدنة، فمات أحدهم قبل الذبح، فرضي ورثته أن يذبح عن الميت، جاز استحسانًا، والقياس: لا يجوز. وروي عن أبي يوسف: إذا شاركهم من يذبح عن الميت، لم يجز.

стр. 3612

وجه القياس: أن الميت قد سقط عنه الذبح، وفعل الوارث لا يقوم مقام فعله، فصار نصيب الميت اللحم، فلم يجز. وجه الاستحسان: أن الوارث يملك أن يتقرب عن الميت، بدلالة أنه يجوز له أن يحج عنه ويتصدق، فصار نصيبُ الميت للقربة، فأجزأ الباقين؛ ولأن الوارث له على الميت ضرب من الولاية، فجاز أن يذبح عنه، ألا ترى أن النبي ﷺ ذبح عن أمته لما كان له عليهم ولاية (١). لأبي يوسف: أن الأضحية عن الميت لا تجوز، ولا تثبت في حقه، فلم يكن في ذلك [الجزء] (٢) قربة، فمنع من جواز الباقي. قال: فإن كان أحدهم يريد اللحم، أو كان ذِمِّيًّا ذبح قربة، لم تجز الذبيحة عن المضحى ولا عن غيره. وقال الشافعي: إذا أراد أحدهم اللحم، جاز (٣). لنا: أن وقوع الذبح عن اللحم يمنع القربة، بدلالة أن أضحية أبي بردة بن نيار لما لم تجز، قال النبي ﷺ : "تلك شاة لحم" (٤)، فجعل هذا عبارة عما لا يجوز، وإذا لم يجز في جزء منها، لم يجز في كلها؛ لأن خروج الروح لا يتبعض؛ ولأن خروج الروح في حق الآدميين إذا اجتمع فيه الأعلى والأدنى، كان الحكم

стр. 3613

للأدنى، كالمخطئ والعامد إذا اشتركا. فأما الذمي الذي يريد القربة، فلا قربة له في ذبحه، فصار كالمسلم الذي يريد اللحم. وقال أبو حنيفة: لو كان هذا من نوع واحد، كان أحبَّ إليَّ؛ لأن خروج الروح لا يتبعض، فإذا اتفقت الجهة، واتفقت القربة، فهو أولى. قال: وإذا ذبحت البقرة أو البعير عن سبعة، أجزأهم النيات وإن لم يذكروا؛ لأن الذبح عبادة، والعبادات تعتبر فيها النية دون القول، كالصلاة؛ ولأنه ممنوع عندنا عن ذكر شيء مع التسمية، فلذلك اقتصر على النية. قال: وإذا اشترى الرجل أضحيّة وهي سمينة، فعجفت عنده بعد ذلك حتى صارت لو اشتراها على هذه الحالة لم تجزئه، إن كان موسرًا، وإن كان معسرًا أجزأه؛ وذلك لأن الموسر تجب الأضحية عليه في ذمته، وإنما أقام ما عيّن مقام ما في الذمة، فإذا أنقصت، لم يجز أن تقوم مقام ما في الذمة، فيبقى ما في الذمة بحاله. وأما الفقير، فلا أضحية في ذمته، وإنما اختصت القربة بالعين، فنقصانها كهلاكها، فإن كان الفقير أوجب على نفسه أضحية، لم تجزه هذه؛ لأنها وجبت عليه بإيجابه، فصار [كالغني] (١) الذي وجبت عليه بإيجاب الله. قال: ولو اشترى أضحية وهي صحيحة، ثم اعورّت عنده وهو موسر، أو قطعت أذنها كلها أو طرفها، أو انكسرت رجلها ولم تستطع أن تمشي، هل يجزئ عنه؟ قال: لا، وعليه [ما يجزئ] مكانها، وهذا على ما قدمنا، وكذلك إن ماتت

стр. 3614

عنده، أو سرقت. قال: ولو قَدَّم أضحية ليذبحها، فاضطربت في المكان الذي يذبحها فيه، فانكسرت رجلها، ثم ذبحها مكانها أجزأه. وكذلك إن انفلتت منه السكين وأصابت عينها، فذهبت، فالقياس: أن لا يجوز؛ [وذلك] لأنه عيب دخلها قبل تعيين القربة فيها، فصار كما لو كان قبل حال الذبح. وجه الاستحسان: أن الشاة تضطرب في حال الذبح، فتلحقها العيوب من اضطرابها، فصار ذلك مما لا يمكن الاحتراز منه؛ ولأن الذابح قد يمرّ السكين، فينقطع ما لا يحتاج إلى قطعه في الذبح، وذلك نقص، فلا يؤثر؛ لأنه لا يُمكن الاحتراز منه، فكذلك هذا. وقد روى بشر بن الوليد عن أي يوسف في الأمالي: فيمن عالج أضحية ليذبحها فكسرها أو اعورّت، فذبحها ذلك اليوم أو ذبحها من الغد، فإنها تجزئ عنه؛ لأن ذلك النقص لما لم يتعد به في الحال لو ذبحها، فكذلك في الثاني، كالنقص اليسير. قال: وإذا لم تكن للشاة أذنان، خلقت كذلك. قال: لا يجزئ إن كان يكون هذا، وكذلك الطرف؛ لأن عدم الأذن لما أثر في الأضحية، وهي مقصودة في نفسها، استوى فيها الخلقةُ والطارئ، كالشاة التي وُلدت (١) عمياء (٢).

стр. 3615

٢٤١١ - [فَصْل: في ذبح أضحية آخَرَ بغير إذنه] قال: وإذا ذبح رجل أضحية رجل بغير أمره أجزأه استحسانًا، والقياس: أن لا يجزئه، وأن يضمن الذابح، وهو قول زفر (١). وقال الشافعي: يجزئ عن الأضحية، [ولم] يضمن الذابح. وجه القياس: أنه ذبح شاة غيره بغير أمره، فصار كشاة القصّاب. وجه الاستحسان: أن الأضحية قد تعيّنت، وغرض صاحبها تعجيلها، فقد حصل مقصوده وأسقط عنه مؤنة الذبح، فكأنه ذبح بأمره. وعلى الشافعي: أنه ذبح يجزئ عن الأضحية، فلم يضمن الذابح، كما لو ذبح بأمر صاحبها. قال: وإن غلط رجلان، فذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه عن نفسه، أجزأ كل واحد منهما أضحيته (٢) في الاستحسان، ويأخذها من الذابح؛ وذلك لما بيّنا أن من ذبح أضحيّة غيره، جاز ذبحه عن الواجب، وإذا جاز عن أحدهما جاز عنهما؛ ولأن هذا أمر فيه بلوى، لا سيما في الهدايا؛ لأن الناس يشترونها [وهم] (٣) رفقة واحدة، فلا يتميز لهم، فجاز ذلك للضرورة (٤). قال هشام عن أبي يوسف: في رجلين اشتريا أضحيتين، فذبح كل واحد

стр. 3616

منهما أضحية صاحبه غلطًا عن نفسه، وأكلها، قال: يجزئ كل واحد منهما في قول أبي حنيفة وقولنا، ويحلّل كل واحد منهما صاحبه. وإن تشاحّا، ضمن كل واحد منهما لصاحبه قيمة شاته، وإن كانت قد انقضت أيام النحر تصدق بتلك القيمة. وإنما جاز إحلالهما؛ لأن كل واحد منهما يجوز أن يطعمها للآخر ابتداءً، فجاز أن يُحلله منها بعد أكلها، وله أن يضمنه؛ لأن من أتلف لحم الأضحية، ضمن. ويتصدق بالقيمة؛ لأنها بدل عن اللحم، فصار كما لو باعه. وسألت أبا يوسف عن البقرة إذا ذبحها سبعة في الأضحية، يقتسمون لحمها جزافًا، أو وزنًا؟ قال: بل وزنًا، قلت: فإن اقتسموها جُزافًا، وحلل بعضهم بعضًا، قال: أكره ذلك. وإنما لم تجز القسمة مجازفة؛ لأن فيها معنى التمليك، واللحم يثبت فيه الربا، فلا يجوز مجازفةً. ولا يجوز التحلُّل؛ لأنه في معنى الهبة، وهبة المشاع فيما ينقسم لا يجوز. قال: وإذا أمر المسلم يهوديًا أو نصرانيًّا أن يذبح أضحيّة، قال: تجزئه، وهذا مكروه؛ وذلك لأن الكتابي من أهل الذكاة كالمسلم، فأما الكراهة؛ فلأن الذبح عبادة، والكافر ليس من أهل القرب، ففعل المسلم لها أولى. قال: وإن ذبح الأضحيّة صاحبها أحبُّ إلينا، وإن أمر غيره لم يضره؛ وذلك

стр. 3617

لأن الذبح عبادة، وإذا وليها بنفسها كان أفضل من توليتها غيره، كسائر العبادات؛ ولأن (النبي ﷺ ساق مائة بدنة، فنحر منها بيده نيّفًا وستين، وأعطى الحربة عليًا ﵁، فنحر الباقي) (١)، وهذا عندنا إذا كان الرجل يُحسن الذبح ويقدر عليه، فأما إذا لم يحسن، فإنه يوليها غيره أولى. وقد روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: "نحرت بدنة قائمة معقولة، فلم أقدر عليها، فكدت أن أهلك، فتآمر (٢) الناس لأنها نفرت، فاعتقدت أن لا أنحرها إلا معقولة باركة، أو أُولِّي من هو أقدر على ذلك مني". وقد روي في استحباب حضور الإنسان لذبح أضحيته، حديث علي رضوان الله عليه أن النبي ﷺ قال: "يا فاطمة بنت محمد، قومي واشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب، أما أنه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك وسبعون ضعفًا"، قال أبو سعيد الخدري: يا نبي الله، هذا لآل محمد خاصّةً، فإنهم أهل لما خصّوا به من الخير، أم لآل محمد والمسلمين عامة؟ قال: "لأهل محمد خاصَّةً، وللمسلمين عامَّةً". وفي حديث عمران بن الحصين قال: قال رسول الله ﷺ : "يا فاطمة، قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب علمتيه، وقولي: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) [الأنعام: ١٦٢].

стр. 3618

وقد قال أصحابنا: إن الأفضل أن يذبح الإنسان أضحيته بيده؛ لحديث أنس: (أن النبي ﵇ ضحَّى بكبشين أقرنين أملحين) (١)، يذبح ويكبر ويسمّي ويضع رجله على صفائحهما. وعن علي رضوان الله عليه: أنه كان إذا ذبح قال: "بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين" (٢). وعن جابر قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين وقال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا، اللهم (٣) منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر" (٤).

стр. 3619

بَاب الرجل يشتري الأضحية هل ينتفعُ بشيءٍ منها قبل أن يذبحها أو بعدما ذبحها؟ قال: وإذا اشترى الرجل أضحيةً، فإنه يكره له أن يحلبها أو يجز صوفها فينتفع به، فإن كان ذلك بعدما ذبحها فلا بأس به (١). ولا ينبغي له أن يحلبها قبل الذبح، فإن فعل [ذلك] تصدّق باللبن؛ وذلك لأنه لما عيّنها للقربة، لم يجز له أن ينتفع بشيء منها قبل أن تتعين القربة فيها، كما لا يجوز له أن ينتفع بلحمها إذا ذبحها قبل وقتها؛ ولأن الحليب والجَزَّ يوجب نقصًا فيها، وهو ممنوع مما يدخل النقص في الأضحية. ومن أصحابنا من قال: هذا في الشاة التي أوجبها وليست واجبة، مثل المعسر إذا اشترى أضحيةً، أو الموسر إذا أوجب ثانيةً؛ لأن الإيجاب تعيّن فيها، فلم يجز له الرجوع في جزء منها. وأما الموسر إذا عيّن أضحية، فلا بأس بأن يحلبها أو يجزها؛ لأن الوجوب لم يتعين فيها، وإنما هو في ذمته، ويسقط بالذبح ما ثبت في ذمته، فإذا كانت عند (٢) الذبح بصفة الجواز، فكأنه ابتدأ بشرائها على هذه الصفة. وأما إذا ذبحها في وقتها، جاز له أن يحلب لبنها فيأكله، ويجز صوفها فينتفع

стр. 3620

[به] في الوجهين؛ لأن القربة تَعَيّنت فيها بالذبح، فجاز الانتفاع بلبنها وصوفها، كما يجوز بلحمها. قال: وإن كان في ضرعها لبن، وهو يخاف عليها إن لم يحلبها، نَضَحَ ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن؛ لأن الحلب لا يجوز، ودفع الضرر عنها واجبٌ، فوجب أن ينضح ضرعها بالماء [البارد] لينقطع [اللبن] (١). وإما يتصدق باللبن؛ لأنه جزء منها، فكان الواجب الصدقة به ما لم يتعين فيها القربة بالذبح، كما لو ذُبِحَتْ قبل الوقت. قال: ولا يبيع جلدها؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من باع جلد أضحيته، فلا أضحية له" (٢). قال: ولا يعطيه [بكراء جَزَّارِها] (٣) شيئًا؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁: "تصدق بجلالها وخطامها، ولا تعطي أجرة الجزّار منها" (٤). قال: وإن عمل بالجلد شيئًا مما ينتفع به في منزله، فلا بأس، مثل ما يفترشه أو ينام عليه أو غير ذلك مما ينتفع به في منزله؛ لما روي أن عائشة اتّخذت جلد أضحيتها سقاء؛ ولأنه يجوز له الانتفاع بلحمها، فكذلك بجلدها. قال: وإن ولدت ولدًا، ذبح ولدها معها؛ وذلك لأن الوجوب تعين فيها،

стр. 3621

فسرى إلى ولدها (١). ومن أصحابنا من قال: إن هذا في الأضحية الموجبة؛ لأن الوجوب تعين فيها، فأمّا الشاة التي اشتراها الموسر ليضحي بها إذا ولدت لم يتبعها ولدها؛ لأنها تقوم مقامها في الذمة عند الذبح، فكأَنّه اشتراها في هذه الحالة. وقد كان أصحابنا يقولون: إنه لا يجب ذبح الولد، ولو تصدق به جاز؛ [لا] (٢) لأن الحق يسري إليه، ولكنه متعلق بها، فهو كجلالها وخطامها. قال: وإن [أتلفه] (٣) أو ذبحه فأكله، تصدق بقيمته، وإن باعه تصدق بثمنه؛ وذلك لأن الحق لم يسر إلى الولد، وإنما يتصدّق به كما يتصدق بالجلال، فلا يجوز له بيعه ولا أكله. قال: فإن أمسك أولادها حتى تمضي أيام الذبح، فإنه يتصدق بها؛ لأنه فات ذبحها، فصار كالشاة التي أوجبها. وقد ذكر عن محمد في المنتقى قال: إذا وضعت الأضحية فذبح الولد يوم الأضحى قبل الأم، أجزأه، وإن تصدق [به] يوم الأضحية قبل أن يذبحه، فعليه أن يتصدق بقيمته. وهذا على أصل محمد: أن الصغار يدخل في الهدايا، ويجب ذبحها، فإذا ولدت الأُضحية، تعلق بولدها من الحكم ما تعلق بها، فإذا (٤) تصدق بها، فقد

стр. 3622

فوت الذبح الواجب، فصار كما لو فات بمضي الأيام. قال: ولا بأس بأن يشتري بجلد أضحيته متاعًا من متاع البيت؛ وذلك لأنه يجوز أن يتخذها متاعًا، فجاز له أن يصرفها إلى ذلك (١). قال: وحكى هشام عن محمد قال: أكره أن يؤخّر أضحيته إلى آخر أيام النحر، ويجزئه إذا ذبحها في آخر أيام الأضحى قبل غيبوبة الشمس (٢). وهذا لما روي عن الصحابة أنهم قالوا في أيام الذبح: أفضلها أولها؛ ولأنها وضعت ليتسع على نفسه وعلى الناس في هذه الأيام، فإذا أخرها إلى آخرها، لم يوجد المقصود بها. وقال هشام عن محمد عن أبي حنيفة: أنه كان لا يرى بأسًا أن يطعم أضحيته ولا يأكل منها شيئًا؛ لأن هذا أدخل في القربة، فهو أولى. قال: ولو أن رجلًا أغفل أضحيته حتى مضت أيام النحر، أو ضاعت، فأصابها بعد أيام الذبح، قال محمد: فليس عليه أن يذبحها، ولكن عليه أن يتصدق بها، ولا يزد منها شيئًا؛ لأنها لم تذبح، فتبلغ محلها. قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولنا، وهذا على ما قدمناه. قال: وإذا ذبحها في أيام النحر، فله أن يأكل ويطعم الغني والفقير، وينتفع بجلدها (٣)؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ

стр. 3623

الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال ﵇: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي، فكلوا منها وادخروا" (١). وإنما جاز له أن يطعم الغني؛ لأنه يجوز أن يأكلها بنفسه وهو غني. وقد قالوا: إنه يستحب أن يتصدق بالثلث ولا ينتقص من ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، وقال النبي ﷺ : "كلوا وادخروا"، فصارت منقسمةً بين الصدقة والأكل والادخار، فلكل واحد [منهم] (٢) الثلث. قال: وإن باع الجلد بوَرِق أو ذهب أو فلوس، يتصدق بذلك، روى هذا أحمد الغازي عن محمد؛ وذلك لأن القربة فاتت فيه، فوجب أن يتصدق به. وقال هشام: سمعت محمدًا يقول في مَسْكِ (٣) الأضحية: يشتري [منه] غربالًا أو منخلًا أو متاع البيت (٤)، قلت له: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولك؟ قال: نعم. قال: وإن شاء اتخذه فروًا، أو اشترى به ثوبًا؛ وذلك لأن هذا المتاع ينتفع بعينه، ويعاد الناس، فهو كما لو اتخذ من الجلد آلةً. قال: ولا يشتري به خلًا ولا أبزارًا؛ لأن ذلك مما [لا] ينتفع به إلا باستهلاك عينه، والمأمور أن يبدله بما يقوم مقام عينه في الانتفاع به.

стр. 3624

قال: وإذا اشترى الرجل البقرة يريد أن يضحي بها، ثم أشرك فيها بعد ذلك ستة، قال هشام: سألت أبا يوسف، فأخبرني أن أبا حنيفة قال: أكره ذلك، ويجزئهم أن يذبحوها عنهم، وكذلك قول أبي يوسف. قلت لأبي يوسف: ومَنْ نيّته أن يشرك فيها، قال: لا أحفظ عن أبي حنيفة فيها شيئًا، ولكن لا أرى بأسًا. وقال في الأصل: في رجل اشترى بقرةً يريد أن يضحي بها عن نفسه، ثم أشرك فيها بعد ذلك، ولم يشركهم حين اشتراها، فأتاه إنسان بعد إنسان، فأشركهم حتى استكمل، يعني أنه صار سابعهم، هل يجزئ عنهم؟ قال: نعم، أستحسن، فإن فعل ذلك قبل أن يشتريها كان أحسن (١). وهذا محمول على الغني إذا اشترى بقرة لأضحيته؛ لأن ملكه لا يزول بالشراء، وإنما يقيمها عند الذبح مقام ما وجب عليه، فإذا بقي منها سبعًا، فكأنه اشترى ذلك في الأصل، إلا أنه يكره؛ لأنه حين اشتراها ليضحي بها، فقد وعد وعدًا، فلا ينبغي أن يرجع فيه. وأما الفقير الذي أوجبها بالشراء، فلا يجوز أن يشرك فيها؛ لأنها تعيّنت بالوجوب، فلا يسقط عنه ما أوجبه على نفسه. وقد قالوا في مسألة الغني: إذا أشركه بعدما اشتراها للأضحية إنه ينبغي أن يتصدّق بالثمن وإن لم يذكر ذلك محمد؛ لما روي أن (النبي ﷺ دفع إلى حكيم بن حزام دينارًا، وأمره أن يشتري أضحية، فاشترى شاة، فباعها

стр. 3625

بدينارين، فاشترى بأحدهما شاة، وجاء إلى رسول الله ﷺ بهما، وأخبره بما صنع، فقال له: "بارك الله لك في صفقتك"، وأمره أن يضحي بالشاة ويتصدق بالدينار) (١)؛ لأنه فَضل عما أخرجه للأضحية، فكذلك في مسألتنا. وتم كتاب الأضاحي والحمد لله وحده، وصلواته على محمد وآله وسلم (٢) (٣).

стр. 3626

[٦١] كتابُ الغصبِ قال أيّده الله: حقيقة الغصب: أخذ مال الغير بغير إذنه (١)، فما وجد بهذه الصفة كان غصبًا، وما وُجد بخلافها فليس بغصب؛ لأنه إذا أخذ مال الغير بإذنه فهو مودع، أو مستعير، أو مرتهن، أو مبتاع. وقد يدخل في حكم الغصب ما ليس بغصب وإن ساواه في حكمه، مثل جحود الوديعة؛ لأن الجحود ليس بتناول، ولا نقل. والغصب على ضربين: أحدهما يتعلق به المأثم: وهو ما وقع مع العلم. والثاني لا يتعلق به المأثم: وهو ما وقع مع الجهل، كمن أتلف ملك غيره وهو يظن أنه له. والضمان يتعلق بهما جميعًا؛ لأن أسباب الضمان يجوز أن يتفق فيها ما يتعلق به المأثم وما لا يتعلق به المأثم. فأمّا المأثم، فلا يحصل إلا مع القصد؛ لقوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢)، معناه: إثم الخطأ، والغصب محرّم بالعقل، لما فيه من إدخال الضرر على الغير، وقد ورد الشرع بتأكيد ما اقتضاه العقل من التحريم، فقال الله

стр. 3627

تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وقال النبي ﷺ : "حرمة مال المسلم، حرمة دمه" (١)، وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام، كحرمة يومي هذا، وشهري هذا، في بلدي هذا" (٢)، يعني: الحَرَم، وقال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه" (٣)، وقال: "من غصب شبرًا من الأرض، طوّقه الله تعالى يوم القيامة من سبع أراضين" (٤). وقد ذكر أبو الحسن ﵀ الآية ثم قال: والعدوان والظلم: أن يقصد إلى أخذ مال غيره بغير حق يوجب له أخذه، وبغير إذنه، فهو عدوان وظلم، وهو آثم في ذلك، ضامن له حتى يرد على صاحبه، أو يرد مثله، أو يرد قيمته. فإن أخذ مالًا على وجه يجب له في الحكم الظاهر أخذه، وفي الباطن على خلاف ذلك، فهو ضامن له ولا مأثم عليه، وذلك كرجل اشترى متاعًا أو غير ذلك ممن هو في يديه، وهو يرى أنه له، وقبض، وتصرف بما يوجب استهلاكه من أكل أو لبس، ثم تبيّن أن المشترى لغير البائع، فهو ضامن له، ولا مأثم عليه. وكذلك إن ملكه ذلك مَنْ هو في يديه بوجه من وجوه الملك التي أباح الله

стр. 3628

تعالى [الملك] بها [فهو] كذلك، ويسقط عنه المأثم، ويضمنه لمستحقه، وسواء كان العقد الذي ملكه به ببدل أو بغير بدل. وهذا قد دخل فيما بيّنا من التقسيم، فما كان على وجه العدوان فهو آثم بأخذه وبإمساكه، وعليه رد العين إن كانت باقية؛ لقوله ﵇: "من وجد عين ماله، فهو أحق به" (١)، ولقوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى ترد" (٢)، وقال ﷺ : "لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبًا ولا جادًا، فإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه، فليردها إليه" (٣). وأما إن كان هالكًا، فهو على ضربين: إن كان مما له مثل، مثل المكيل والموزون والمعدود الذي يتفاوت، فعلى الغاصب مثله. وقال نافي القياس: عليه قيمته. لنا: أن المثل في المكيلات والموزونات أعدل من القيمة، والتفاوت فيه أقل من التفاوت فيها، والواجب أن يقضي بما هو الأعدل؛ ولأنه قد أمكن رد المال (٤) والجنس، وللمالك حق فيهما، فكان ذلك أولى من تفويت أحدهما، وتحصيل الآخر.

стр. 3629

وأما المعدودات التي لا تتفاوت (١)، كالجوز والبيض، فعلى مستهلكها مثلها عندنا، وقال زفر: قيمتها. وهذا فرع على جواز السَّلَم فيها، وقد بيّناه في كتاب البيوع. فأمّا إذا كان المغصوب مما لا مثل له، فالواجب فيه القيمة. وقال أهل المدينة: المثل (٢). لنا: ما روي عن النبي ﷺ : (أنه قضى في عتق عبدٍ بين شريكين بقيمة نصيب الذي لم يعتق) (٣)، فصار ذلك أصلًا في إتلاف كل ما لا مثل له، [فالواجب فيه القيمة]؛ ولأن القيمة في الأعيان المختلفة المتفاوتة أعدل من المثل، ألا ترى أنه لا يكاد يتفق عبدان على صفة واحدة، فالواجب القضاء بما هو الأعدل. فأما قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالمثل قد يعبر به عما قام مقام الشيء وإن لم يكن مثلًا له في الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ومعلوم أن السيئة الأولى هي المعصية، والثانية العقوبة، وليست مثلًا لها في الحقيقة.

стр. 3630

فإن احتجوا بما روي عن أنس قال: كنت عند رسول الله ﷺ في منزل عائشة قبل أن يضرب الحجاب، فأهدت له بعض زوجاته قَصْعَةً فيها ثريد، فغارت عائشة، فضربت بالقصعة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ : "كلوا قد غارت أمكم"، فجاءت عائشة بقصعة أخرى، فوضعتها، فأخذها رسول الله ﷺ فردها على صاحب القصعة (١). فالجواب عنه: أنه يجوز أن تكون هذه القصعة التي جاءت بها عائشة لرسول الله ﷺ تبرع بدفعها عنها، ونحن لا نمنع من جواز دفع المثل بالتراضي. واحتجوا بما روي أن أعرابيًا جاء إلى عثمان بن عفان فقال له: إن بني عمك عَدَوا على إبلي، فقطعوا ألبانها وقد قتلوا فُصلانها، فقال: إذًا نغرم إبلًا مثل إبلك، وفصلانًا مثل فصلانك، فقال: تنقطع ألبانها وتموت فصلانها، حتى أتي بها وَادِيَّ، وكان ابن مسعود في ناحية المسجد، فأشار إليه بعض القوم، فقال ابن مسعود: أرى أن يأتي هذا واديه، فيغرم له إبلًا مثل إبله، وفصلانًا مثل فصلانه، [فرضي بذلك عثمان وأعطاه] (٢). فالجواب: أن عثمان أراد أن يتبرع عن بني عمه ويقطع لسان الأعرابي عنهم؛ بدلالة أنه لم يسأله البيّنة على دعواه، وما وقع (٣) على طريق التبرع، ليس من الواجب في شيء. وقد روي عن شُرَيْحٍ أنه قال: (من كسر عصًا فهي له، وعليه مثلها)، وهذا

стр. 3631

يحتمل المثل الذي هو القيمة؛ بدلالة ما روي عن الحكم عن شريح أنه قال: فعليه قيمتها. وأما القسم الثاني الذي ذكره أبو الحسن ﵀: فالضمان فيه كالضمان في الأول، وإنما يختلفان في الإثم؛ لأنه أخذ في أحد الموضعين ما لم يحل له أخذه، وأخذ في الثاني ما له أخذه في الظاهر، فلم يأثم بأخذه. فأما الضمان، فيجوز أن يتعلق بالأسباب المأذون فيها، كالشراء والرهن، فسقوط المأثم في هذا الفصل لا ينفي الضمان، وإنما استوى في وجوب الضمان أن يكون أخذه ممن هو في يده ببدل أو بغير بدل؛ لأن الضمان يجب لحق المالك، فلا معنى لاعتبار فعل صاحب اليد في إسقاط البدل في أحد الموضعين دون الآخر. قال: ولا يجب للمستحق ضمان على أحد بغير قبض أو تسليم منه إلى قابضه؛ وذلك لأن الغصب هو النقل والتحويل، فإذا لم يوجد القبض ولا التسليم، فمعنى الغصب (١) لم يوجد؛ فلذلك لم يضمن. وذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى عن سعيد بن زيد قال: أشهد على رسول الله ﷺ ، فسمعته يقول: "من اقتطع من مال امرئ مسلم فلا بارك الله فيه" (٢)، وذكر حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين ليقطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان" (٣)، وذكر حديث عطاء

стр. 3632

بن يسار عن أبي مالك: أن النبي ﵇ قال: "إن أعظم الغلول عند الله ذراع من أرض، يكون الرجلان جارين في الأرض أو الدار، فيقتطع أحدهما من صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطع، طَوَّقَه الله من سبع أراضين" (١). قال أبو الحسن: وما يباع عددًا [مثل البطيخ، والسفرجل، والرمان، وغير ذلك مما يباع عددًا] مما يختلف في الصغير والكبير ويتفاوت، وهو ممن لا يجوز قرضه ولا السَّلَم فيه، فعليه قيمته يوم قبضه مثل سائر العروض؛ وذلك لأن هذا [يتفاوت في آحاده] (٢) تفاوتًا كثيرًا، فهو كالثياب. وأما تضمين المثل أو القيمة إذا لم يقدر على الردّ؛ لأن حق المالك في عين ماله، فإذا قدر على ذلك لم يجز الرجوع إلى بدله إلا برضاه؛ ولأن المقصود إزالة الظلامة، وذلك يكون برد العين ما دامت باقية، فإذا دفع بدلها مع القدرة عليه، فهو ظلامة أخرى، ألا ترى أنه لا يجوز في ملك الإنسان إلا باختياره. قال: وسواء عجز عن رده بفعله، أو بفعل غيره، أو فعل الله ، فذلك سواء، وعليه القيمة؛ وذلك لأن الضمان وجب عليه بالغصب، فهلاك العين لا يوجب الضمان، وإما يقرر (٣) الضمان الأول، ولا فرق للضمان الأول بين فعل الغاصب فيه وفعل غيره؛ ولأن الرد يتعذر في الوجهين، وهو السبب الموجب لتقرير الضمان. قال: وما وجب فيه رد القيمة، فعليه القيمة يوم قبض، ولا ينظر إلى زيادة

стр. 3633

قيمة المضمون بعد القبض في السعر، ولا في نقصان ذلك؛ لأن القبض هو السبب الموجب للضمان، فاعتبرت القيمة عنده دون ما يحدث بعده، كالقبض في البيع الفاسد. قال: وكذلك إن زاد في بدنه؛ لأن هذه الزيادة حدثت بغير فعله، فلا تحدث مضمونة كالثوب إذا ألقته الريح في داره. قال: فأما ما نقص من بدنه، فإن كان قائمًا فرده، ضمن ما نقص من بدنه؛ وذلك لأن ضمان الغصب يتعلق بالقبض، والأتباع يمكن إفرادها بالقبض، فجاز إفرادها بضمانه. قال: ولا يضمن إذا ردّ (١) ما نقص من السعر؛ وذلك لأن نقصان السعر فتور يحدثه الله تعالى في قلوب العباد، فلا يوجب بغير الاحتكام، ألا ترى أن المبيع إذا نقص سعره في يد البائع لم [يثبت] (٢) للمشتري الخيار، ولو نقص السعر في الرهن، لم يسقط شيء من الدين، فكذلك في الغصب؛ ولأنه رد العين على الصفة التي أخذها، فلم يضمن، كما لو لم ينقص السعر. قال: فإن رده وفي بدنه نقصان، أو في أوصافه، أو معناه، مما يكون عيبًا فيه لشيء دخله في يد الضامن، فعليه رد ما نقص من قيمته من يوم صار في يده، يقوّم صحيحًا لا عيب فيه، ويقوّم وبه العيب، فينظر إلى ما نقصه العيب من قيمته، فيضمن قدر ذلك لصاحبه إذا كان مما يجوز بيعه بجنسه متفاضلًا؛ وذلك لما [قدّر النقصان من القيمة في حال وجوب الضمان] بيّنا: أن النقص الحادث

стр. 3634

في العين مضمون على الغاصب، والضمان يتعلق بالقبض، فوجب اعتبار (قدر النقصان من القيمة في حال وجوب الضمان، وذلك يُعلم بتقويم العين على الصفة التي) (١) غصبها، ويقوّمها على صفتها ناقصة فيما بين القيمتين، وهو نقصان العيب. وإنما جاز للمالك أخذ العين مع النقصان فيما لا ربا فيه؛ لأنه لو باع العين بمثلها وزيادة، جاز. وأمّا إذا كانت العين مما لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلًا، مثل أن يغصبه حنطة، فيصب فيها ماء، أو غير ذلك من الحبوب، أو يغصبه إناء فضة، أو دراهم، أو دنانير، فيتهشم الإناء في يده، أو تنكسر الدراهم، فتصير غلّة، أو الدنانير فتصير قراضةً، فإن صاحب ذلك بالخيار: إن شاء أخذ ذلك لا شيء له غيره، وإن شاء تركه وضمنه مثله (٢). وقال الشافعي: له أخذه مع النقصان (٣). لنا: أن الغصب سبب من أسباب الضمان، فلا يجوز أن يسلم للمالك فيه مقدار وزن المضمون وزيادة كالبيع؛ ولأن الغاصب يسقط عن نفسه ما وجب عليه من الضمان، يدفع العين وزيادة، فكأنه ملكه الفضة بمثلها وزيادة. قال: وإن كان إناء فضة، فهو بالخيار: إن شاء أخذه ولا شيء له غير ذلك،

стр. 3635

وإن شاء ضمنه قيمته من الذهب، فإن كان الإناء من الذهب، فضمنه [قيمته] من الفضة؛ وذلك لأن الصناعة حق للمالك، وقد فات بالكسر، ولا يمكن إيجاب المثل؛ لأنه لا مثل للإناء. ولا يمكن الإيجاب للنقص لما فيه من الربا، فلا يجوز القضاء بالقيمة من جنسه؛ لأن الصناعة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا، لا قيمة لها، فوجب أن يقوّم بغير جنسه ليحصل حق المالك بكماله. قال: وكذلك آنية الصّفر، والنحاس، والشَّبَه، والرصاص، (إن كانت تباع وزنًا، فهي وآنية الفضة والذهب سواء، إن شاء أخذه بعينه، وإن شاء تركه) (١) وضمنه قيمته من الذهب أو الفضة؛ وذلك لأن الآنية إذا بيعت [وزنًا دخلها] (٢) الربا، فهي كالفضة والذهب (٣). قال: والعقارُ الذي لا يستطاع نقله ولا تحويله، وإنما يُحال بينه وبين صاحبه، فإنه لا يضمن بالاستحقاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول أبي يوسف الأخير (٤)، ولا يقع عليه قبض المغصوب. فإن تلف منه شيء بفعل الغاصب، فإن هدم شيء منه، أو سكنه فتهدم من سكناه، أو بشيء من أفعاله، ضمنه (٥).

стр. 3636

وكذلك غير العقار إذا كان إنما منع صاحبه منه بأن حال بينه وبينه، ولم يحول ذلك الشيء عن موضعه. وقال محمد: يغصب العقار كما يغصب غيره، وهو وغيره في حكم الغصب سواء. وجه قولهما: قوله ﷺ : "من غصب شبرًا من أرض، طوّقه الله يوم القيامة من سبع أرضين"، فذكر المأثم في الغصب، ولم يذكر الضمان، ولو وجب الضمان لذكره؛ ولأن ما لا يجب القطع [بشبرٍ] (١) فيه، لا يتعلق به ضمان الغصب كالحُرِّ؛ ولأن العقار في المكان الذي كانت يد المالك ثابتة عليه، وإنما منع مالكه منه، وهذا المعنى لا يوجب الضمان، كما لو غصب المالك ومنعه من حفظ ماله حتى هلك، وكمن حال بين المالك وبين ماله ومنعه منه. ولأن الغصب: هو النقل والتحويل؛ بدلالة أن محمدًا قال في السير الكبير: فيمن ركب دابةَ غيره فلم يحركها عن مكانها، فماتت تحته من غير ثقله (٢)، لم يضمن؛ ولأنه لم يوجد من جهته نقل، وهذا المعنى موجود في العقار. لمحمد: أن كل حكم تعلق بالنقل فيما ينقل، تعلق بالتخلية فيما لا ينقل، كدخول العقار في ضمان المشتري. وأما إذا هدم العقار، وحفر الأرض، فإنما ضمن؛ لأنه وجد منه النقل والتحويل؛ ولأن هذا إتلاف، وقد يضمن بالإتلاف ما لا يضمن بالغصب، كالحُرِّ.

стр. 3637

وأما ما تهدم بسكناه، فقد تلف بفعله، والعقار يضمن بالإتلاف وإن لم يضمن بالغصب. وقد ذكر محمد في الرجوع عن الشهادات: في شاهدين شهدا لرجل على رجل بدارٍ، فَحَكَم الحاكم بشهادتهما، ثم رجعا، ضمنا قيمة العقار. فمن أصحابنا من قال: هذا قول محمد خاصّة، فأما على قولهما: فلا ضمان؛ لأن ضمان الرجوع يجري مجرى ضمان الغصب. ومن أصحابنا من قال: المسألة على الاتفاق، والفرق بينهما: أن الشهود بشهادتهم [أتلفوا] الملك على المشهود عليه؛ بدلالة أنه لو أقام البينة لم تقبل، فضمنوا ضمان نقل الملك، لا ضمان الغصب. وليس [هذا] كما لو باع دارًا، ثم أقر بها لغيره، أنه لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه لا يجوز أن يضمن بالغصب على أصلهما، ولم يتلف الملك؛ بدلالة أن المقر له لو أقام البينة، استحق الدار. ٢٤١٢ - [فَصْل: في غصب ما يوجد في زمان دون زمان] قال: وغصب ما يوجد في زمان دون زمان، إذا غصب غاصب في حينه ثم اختصما في حال انقطاعه وعدمه، فإن أبا حنيفة قال: يحكم على الغاصب بقيمته يوم يختصمون. وقال أبو يوسف: يوم غصبه. وقال محمد: نحكم بقيمته عند آخر انقطاعه.

стр. 3638

لأبي حنيفة: أن انقطاع المغصوب من أيدي الناس لا يوجب سقوطه من الذمة؛ بدلالة أن المالك لو انتظر إلى وقت عوده، كانت المطالبة بمثله، ولو أحضر الغاصب المثل في حال الانقطاع وتكلف ذلك، أجبر المالك على أخذه، وإذا كان المثل [ثابتًا في] (١) الذمة، والمطالبة متعلقة به، وجب اعتبار قيمته يوم النقل، كبيع مال اليتيم، لما كان القاضي ينقل ملكه عنه بالبيع، اعتبرت قيمته عند النقل. ولا يلزم على هذا من غصب ما لا مثل له؛ لأن عند أبي حنيفة: الثابت في الذمة المثل، ومع ذلك تجب قيمته يوم الغصب؛ لأن المثل وإن كان في الذمة عنده، فالمطالبة لا تتعلق به، وفي مسألتنا قد بيّنا أن المطالبة متعلقة به. لأبي يوسف: أنه لما تعذر إيجاب مثله، صار كأنه في الأصل مما لا مثل له، فتجب قيمته يوم الغصب. لمحمد: أن الغاصب كان مأمورًا برده في كل حال، فلما لم يرده آخر ما وجد مع إمكان الرد حتى تعذر ذلك، فصار كأنه استهلكه في ذلك الوقت، فيلزمه قيمته فيه. قال: فإن غصب حيوانًا، فزاد في بدنه في يد الغاصب، فباعه الغاصب وسلمه إلى مشتريه، أو أخرجه عن يده إلى يد غير مستحقه، وهو زائد في بدنه، فإن أبا حنيفة قال: إن كان قائمًا في يد الثاني، فله أن يأخذ ويفسخ ما فعله الأول فيه، وإن كان قد هلك في يد الثاني، فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمن الأول قيمته يوم غصبه، وإن شاء ضمن الثاني قيمته زائدًا يوم قبضه من الأول، وليس له أن

стр. 3639

يضمن الأول الزيادة التي زادت في يده. وقال أبو يوسف ومحمد: إن شاء ضمن الأول قيمته زائدًا يوم [سلَّمه إلى الثاني، وإن شاء ضمن الثاني قيمته زائدًا يوم] (١) قبضه. وهذه المسألة ذكرها في الأصل من غير خلاف: أن المالك بالخيار في التضمين؛ لأنهما بيّنا الأصل والزيادة (٢). وإنما روى ابن سماعة عن محمد قول أبي حنيفة، فيجوز أن يكون ما ذكر في الأصل قولهما، ويجوز أن تكون في المسألة روايتان. لأبي حنيفة: أن الزيادة (لم تكن مضمونة بحدوثها) (٣) على ما قدمنا، فإذا باع وسلّم لم يخل: إما أن يضمنه الزيادة منفردةً عن ضمان الأصل، أو بقيمته إياها مع ضمان الأصل، ولا يجوز تضمينها منفردة؛ لأن ضمان الغصب يتعلق به التمليك، وهذه الزيادة لا يصح إفرادها بالتمليك، فلا يصح إفرادها بالضمان الذي يتعلق به التمليك؛ ولأن الضمان يتعلق بسنين البيع والغصب، فإذا لم يجز إفراد هذه الزيادة بضمان البيع، فكذلك بضمان الغصب. ولا يجوز تضمين الزيادة مع الأصل؛ لأن ذلك لا يخلو: من أن يوجب ضمان الأصل والزيادة مع بقاء ضمان الأول، أو يسقط الضمان الأول ويجدد على الأصل والزيادة ضمانٌ آخر.

стр. 3640

ولا يجوز أن يوجب (١) الضمان الثاني مع بقاء الأول؛ لأن الضمان من أسباب التمليك. ولا يجوز أن يثبت في العين الواحدة [للواحد] حق التمليك من وجهين، كل واحد منهما يوجب ملك جميعها، كما لا تكون مضمونة عليه بالشراء والغصب. ولا يجوز إسقاط الضمان الأول وتجديد الضمان؛ لأن السبب الموجب لضمان الأول هو القبض، فلا يجوز إسقاط الضمان مع بقاء سببه؛ ولأنا لو أسقطنا الضمان الأول، لسقط بفعل الغاصب من غير حضور المغصوب منه ولا رضاه، وهذا لا يجوز. فإذا بطلت الوجوه التي قسمناها، لم يبق إلا سقوط ضمان الزيادة. ولا يلزم على هذا، إذا زادت قيمة العبد، فقتله الغاصب؛ لأنا لم نوجب عليه ضمانًا آخر مع بقاء الأول، ألا ترى أن القتل إما أن يكون خطأً أو عمدًا: فإن كان عمدًا، فموجبه القصاص، وإن كان خطأً، فالضمان على العاقلة دون القاتل، ونحن لا نمنع من وجوب الضمان على اثنين في عين واحدة؛ ولأن ضمان القتل من غير جنس الضمان الأول، ويجوز أن يتجدد [على الضمان ضمان آخر من غير جنسه وإن لم يتجدد] عليه ضمان من جنسه. ولا يلزم على هذا، المُحْرِم إذا صاد صيدًا فزاد في [يديه] (٢)، ثم باعه؛ وذلك لأن ضمان الصيد لا يتعلق به التمليك، ونحن قلنا إن الزيادة لما لم يجز إفرادها بالتمليك، لم يجز إفرادها بضمانه.

стр. 3641

ولا يلزم من غصب جارية عوراء، فزال البياض من عينها، فضربها الغاصب فعاد البياض؛ وذلك لأن البياض لما زال وفارقها، فصارت كالزيادة المنفصلة عنها، فإذا ضربها فعاد فهو في حكم المتلف، كزيادة منفصلة، فيتعلق به ضمان المنفرد عن الجملة. وجه قولهما: أن التسليم غصب مبتدأ وقد حصل في الأصل، والزيادة في العين المغصوبة إذا زادت ثم أحدث الغاصب سببًا للضمان ضمنت الزيادة، كما لو قتل العبد. وأما المشتري، فإنه يضمن قيمتها زائدة؛ ولأن قبضه حصل فيها مع الزيادة، وإنما يجبُ عليه الضمان في حال قبضه، فاعتبرت القيمة في ذلك الوقت. ٢٤١٣ - [فصل: ولادة الحيوان في يد الغاصب وتصرفه فيهما] قال: ولو كان الحيوان ولد في يد الغاصب ولدًا، فباعهما جميعًا، وسلمهما إلى المشتري، فللمغصوب أن يأخذهما [إن كانا] قائمين، وإن كانا قد هلكا: فإن شاء ضَمّن الأول قيمة الأم يوم غصبها وقيمةَ الولد يوم سلمه في قول أبي حنيفة، وليس له أن يضمنه قيمة الأم يوم سلم الأم. وعلى قول أبي يوسف ومحمد: يضمن الولد يوم سَلَّمه، وهو في الأم إن كانت زادت في بدنها: فالخيار على ما قدمنا. والأصل في هذا: أن الولد أمانة في يد الغاصب؛ لأنه حدث في يده بغير فعله كالثوب إذا ألقته الريح.

стр. 3642

فإذا باعه وسلمه ضمنه بالتسليم، كما يضمن الوديعة إذا باعها، وإنما جاز إفراد الولد بالضمان؛ لأنه يجوز إفراده بالمِلك، فجاز إفراده بالضمان الموجب للملك (١). ٢٤١٤ - [فصل: استخدام ملك رجل بغير أمره] [قال]: ومن استخدم عبد رجل بغير أمره، أو بعثه في حاجة، أو قاد دابةً له أو ساقها، أو ركبها، أو حَمل عليها شيئًا بغير إذن صاحبه، فهو ضامن لذلك، فإن عطب بشيء أصابه وهو في خدمة الذي استخدمه، أو في مُضيّه في حاجته، أو مات حتف أنفه في ذلك، فالفاعل لذلك ضامن؛ لأنه قد صار ما فعل من ذلك في يد الفاعل؛ وذلك [لأن] استخدام العبد والحمل على الدابة تصرّف فيهما؛ ألا ترى أن يد المستخدم ثابتة بالاستخدام؛ بدلالة أن المالك لو [جحد] (٢) كان القول قول المستخدم أنه له، وإذا ثبت يده عليه بغير رضا المالك كان غاصبًا، فيضمن. قال: ولو جلس على فراش رجل بغير إذنه، أو على بساطه، أو دخل داره بغير إذنه وليس في الدار أحد، لم يكن غاصبًا للدار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذلك لو سكنها، وهو غاصب عند محمد، وذلك لما بيّنا: أن ضمان الغصب يتعلق بالنقل والتحويل، والجلوس على الفراش ليس بنقل ولا تحويل، فلا يتعلق به الضمان. وأما مسألة العقار، فقد قدمناها.

стр. 3643

باب ما يلحقُ العبد الغصب في يد الغاصب مما يجبُ به عليه ضمانُه قال أبو الحسن ﵀: وإذا غصب الرجل عبدًا أو جاريةً، فأبق العبد في يد الغاصب ولم يكن أبق قبل ذلك، أو زنت الأمة في يده ولم تكن زنت قبل ذلك، أو سرقت، فعلى الغاصب ما نقص العبد أو الجارية من نقص السرقة والإباق، وما نقص الأمة من عيب الزنا؛ وذلك لأن هذا عيب (١) لحق المغصوب في يد الغاصب، فكان من ضمان الغاصب كسائر العيوب. ولا يقال: إن العبد بحاله لم ينقص شيء من رقبته، وإنما نقصت قيمته، ونقصان القيمة ليس بمضمون على الغاصب؛ لأن هذه عيوب لازمة لرقبة العبد تنقص القيمة لأجلها، فهي كالعيوب في الخلقة. فأما نقصان القيمة بغير عيب، فليس له تعلق برقبة العبد؛ فلذلك لم يضمنه الغاصب. قال: وكذلك كل ما حدث في يد الغاصب مما ينقص قيمته أو يكون عيبًا من عَوَر أو شَلَل أو قُروح أو خُرَاج، فإن المولى يأخذ ما غصب منه، ويأخذ من الغاصب ما نقصه العيب من قيمته: ينظر إلى قيمة العبد صحيحًا ليس ذلك العيب به، وينظر إلى قيمته وبه ذلك العيب، فيغرم فضل ما بينهما؛ وذلك لأن هذه العيوب توجب فوات أجزاء كانت مضمونة على الغاصب، وقد بينا أن الأتباع

стр. 3644

يمكن إفرادها بالغصب؛ فلذلك أفردت بضمان الغصب. قال: ولو كانت الأمة حبلت في يد الغاصب من زِنًا، فإن المولى يأخذها ويأخذ ما نقصها من الغاصب. فإن زال ذلك العيب في يد المولى، [بأن] كان بياضًا في عينها فارتفع، أو حُمّت في يد الغاصب، فزالت الحمّى عنها حين ردّها، أو كانت حاملًا فولدت، وقد كان أخذ من الغاصب ما نقصها، فإن المولى يرد ما أخذ لنقص البياض ولنقص الحُمّى؛ وذلك لأن الضمان وجب للنقص الحاصل (١) بالمرض، فإذا زال، فكأن لم يكن، فوجب رد الأرش، وبيّنا أن المولى أخذ ما ليس بمستحق. قال: فأما الحبل من الزنا، فإن أبا يوسف قال: انظر إلى ما نقصها الحبل وأرش عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر، ضمن ذلك الغاصب، ولم يرد المولى شيئًا، ولو كان أرش الحبل أكثر، رد الفضل عن أرش الزنا؛ وذلك لأن العيب الحاصل بالحبل والزنا سببه واحد، فيدخل الأقل في الأكثر، كمن قطع يد رجل فمات، لما وجب بالقطع أرش اليد وبدل النفس، وتعلقا بسبب واحد، دخل الأقل في الأكثر، وهذا استحسان. وكان القياس: أن يضمن الأمرين؛ لأن كل واحد منهما عيب حدث في يده، فصار كالعينين المختلفين. ومن أصحابنا من روى عن محمد أنه قال بالقياس، فإذا ثبت هذا فقد زال عن الأمة الحبلى عيب الحبل بالولادة، وبقي عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا

стр. 3645

أكثر من عيب الحبل، فقد غرم الغاصب عيب الحبل، فوجب [أن يتخير ضمان عيب الزنا، فإن كان عيب الحبل أكثر، فمقدار عيب الزنا مستحق؛ لأنه لم يزل، وما زاد على ذلك فقد زال مؤول الحمل، فوجب] رده على الغاصب. قال: وإن ردها الغاصب حاملًا، أو سارقة، أو زانية، فماتت في يد المولى من الولادة، أو حدّت في يده بالزنا، أو قطعت يدها في السرقة، فإن الغاصب يضمن في حد الضرب الأكثر مما نقصها الضرب ومما نقصها الزنا، فإن كان أرش الضرب أكثر، ضمن ذلك (ودخل عيب الزنا فيه، وإن كان عيب الزنا أكثر ضمن ذلك) (١) ودخل أرش الضرب فيه، ويضمن الغاصب إذا قطعت يدها نصف قيمتها، وإن ماتت من الولادة ضمن قيمتها كلها. قال أبو يوسف: هذا في السرقة والزنا قياس قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يضمن أرش السرقة وأرش الزنا، ولا يضمن الحد، يعني: ما نقص الضرب. فإذا ماتت من الولادة وبقي ولدها، فإن أبا حنيفة قال: يضمن قيمتها الغاصب، وقال أبو يوسف: لا يضمن إلا ما نقصها الحبل خاصة، وهو قول محمد. أما إذا زنت فردت على المولى فحدّت، فقد أزيلت يد المولى بسبب كان في يد الغاصب، فكان للغاصب ردها إلى يده، فجلدت [فيه]، فيضمن نقصان الضرب، وقد ضمن نقصان الزنا، وهما جميعًا متعلقان بسبب واحد، فيدخل أحدهما في الآخر. ولا يقال: من أصل أبي حنيفة أن شهود الزنا إذا رجعوا بعد الجلد لم يضمنوا
следующие страницы →