← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

ولا يلزم من غصب جارية عوراء، فزال البياض من عينها، فضربها الغاصب فعاد البياض؛ وذلك لأن البياض لما زال وفارقها، فصارت كالزيادة المنفصلة عنها، فإذا ضربها فعاد فهو في حكم المتلف، كزيادة منفصلة، فيتعلق به ضمان المنفرد عن الجملة. وجه قولهما: أن التسليم غصب مبتدأ وقد حصل في الأصل، والزيادة في العين المغصوبة إذا زادت ثم أحدث الغاصب سببًا للضمان ضمنت الزيادة، كما لو قتل العبد. وأما المشتري، فإنه يضمن قيمتها زائدة؛ ولأن قبضه حصل فيها مع الزيادة، وإنما يجبُ عليه الضمان في حال قبضه، فاعتبرت القيمة في ذلك الوقت. ٢٤١٣ - [فصل: ولادة الحيوان في يد الغاصب وتصرفه فيهما] قال: ولو كان الحيوان ولد في يد الغاصب ولدًا، فباعهما جميعًا، وسلمهما إلى المشتري، فللمغصوب أن يأخذهما [إن كانا] قائمين، وإن كانا قد هلكا: فإن شاء ضَمّن الأول قيمة الأم يوم غصبها وقيمةَ الولد يوم سلمه في قول أبي حنيفة، وليس له أن يضمنه قيمة الأم يوم سلم الأم. وعلى قول أبي يوسف ومحمد: يضمن الولد يوم سَلَّمه، وهو في الأم إن كانت زادت في بدنها: فالخيار على ما قدمنا. والأصل في هذا: أن الولد أمانة في يد الغاصب؛ لأنه حدث في يده بغير فعله كالثوب إذا ألقته الريح.

стр. 3642

فإذا باعه وسلمه ضمنه بالتسليم، كما يضمن الوديعة إذا باعها، وإنما جاز إفراد الولد بالضمان؛ لأنه يجوز إفراده بالمِلك، فجاز إفراده بالضمان الموجب للملك (١). ٢٤١٤ - [فصل: استخدام ملك رجل بغير أمره] [قال]: ومن استخدم عبد رجل بغير أمره، أو بعثه في حاجة، أو قاد دابةً له أو ساقها، أو ركبها، أو حَمل عليها شيئًا بغير إذن صاحبه، فهو ضامن لذلك، فإن عطب بشيء أصابه وهو في خدمة الذي استخدمه، أو في مُضيّه في حاجته، أو مات حتف أنفه في ذلك، فالفاعل لذلك ضامن؛ لأنه قد صار ما فعل من ذلك في يد الفاعل؛ وذلك [لأن] استخدام العبد والحمل على الدابة تصرّف فيهما؛ ألا ترى أن يد المستخدم ثابتة بالاستخدام؛ بدلالة أن المالك لو [جحد] (٢) كان القول قول المستخدم أنه له، وإذا ثبت يده عليه بغير رضا المالك كان غاصبًا، فيضمن. قال: ولو جلس على فراش رجل بغير إذنه، أو على بساطه، أو دخل داره بغير إذنه وليس في الدار أحد، لم يكن غاصبًا للدار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذلك لو سكنها، وهو غاصب عند محمد، وذلك لما بيّنا: أن ضمان الغصب يتعلق بالنقل والتحويل، والجلوس على الفراش ليس بنقل ولا تحويل، فلا يتعلق به الضمان. وأما مسألة العقار، فقد قدمناها.

стр. 3643

باب ما يلحقُ العبد الغصب في يد الغاصب مما يجبُ به عليه ضمانُه قال أبو الحسن ﵀: وإذا غصب الرجل عبدًا أو جاريةً، فأبق العبد في يد الغاصب ولم يكن أبق قبل ذلك، أو زنت الأمة في يده ولم تكن زنت قبل ذلك، أو سرقت، فعلى الغاصب ما نقص العبد أو الجارية من نقص السرقة والإباق، وما نقص الأمة من عيب الزنا؛ وذلك لأن هذا عيب (١) لحق المغصوب في يد الغاصب، فكان من ضمان الغاصب كسائر العيوب. ولا يقال: إن العبد بحاله لم ينقص شيء من رقبته، وإنما نقصت قيمته، ونقصان القيمة ليس بمضمون على الغاصب؛ لأن هذه عيوب لازمة لرقبة العبد تنقص القيمة لأجلها، فهي كالعيوب في الخلقة. فأما نقصان القيمة بغير عيب، فليس له تعلق برقبة العبد؛ فلذلك لم يضمنه الغاصب. قال: وكذلك كل ما حدث في يد الغاصب مما ينقص قيمته أو يكون عيبًا من عَوَر أو شَلَل أو قُروح أو خُرَاج، فإن المولى يأخذ ما غصب منه، ويأخذ من الغاصب ما نقصه العيب من قيمته: ينظر إلى قيمة العبد صحيحًا ليس ذلك العيب به، وينظر إلى قيمته وبه ذلك العيب، فيغرم فضل ما بينهما؛ وذلك لأن هذه العيوب توجب فوات أجزاء كانت مضمونة على الغاصب، وقد بينا أن الأتباع

стр. 3644

يمكن إفرادها بالغصب؛ فلذلك أفردت بضمان الغصب. قال: ولو كانت الأمة حبلت في يد الغاصب من زِنًا، فإن المولى يأخذها ويأخذ ما نقصها من الغاصب. فإن زال ذلك العيب في يد المولى، [بأن] كان بياضًا في عينها فارتفع، أو حُمّت في يد الغاصب، فزالت الحمّى عنها حين ردّها، أو كانت حاملًا فولدت، وقد كان أخذ من الغاصب ما نقصها، فإن المولى يرد ما أخذ لنقص البياض ولنقص الحُمّى؛ وذلك لأن الضمان وجب للنقص الحاصل (١) بالمرض، فإذا زال، فكأن لم يكن، فوجب رد الأرش، وبيّنا أن المولى أخذ ما ليس بمستحق. قال: فأما الحبل من الزنا، فإن أبا يوسف قال: انظر إلى ما نقصها الحبل وأرش عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا أكثر، ضمن ذلك الغاصب، ولم يرد المولى شيئًا، ولو كان أرش الحبل أكثر، رد الفضل عن أرش الزنا؛ وذلك لأن العيب الحاصل بالحبل والزنا سببه واحد، فيدخل الأقل في الأكثر، كمن قطع يد رجل فمات، لما وجب بالقطع أرش اليد وبدل النفس، وتعلقا بسبب واحد، دخل الأقل في الأكثر، وهذا استحسان. وكان القياس: أن يضمن الأمرين؛ لأن كل واحد منهما عيب حدث في يده، فصار كالعينين المختلفين. ومن أصحابنا من روى عن محمد أنه قال بالقياس، فإذا ثبت هذا فقد زال عن الأمة الحبلى عيب الحبل بالولادة، وبقي عيب الزنا، فإن كان عيب الزنا

стр. 3645

أكثر من عيب الحبل، فقد غرم الغاصب عيب الحبل، فوجب [أن يتخير ضمان عيب الزنا، فإن كان عيب الحبل أكثر، فمقدار عيب الزنا مستحق؛ لأنه لم يزل، وما زاد على ذلك فقد زال مؤول الحمل، فوجب] رده على الغاصب. قال: وإن ردها الغاصب حاملًا، أو سارقة، أو زانية، فماتت في يد المولى من الولادة، أو حدّت في يده بالزنا، أو قطعت يدها في السرقة، فإن الغاصب يضمن في حد الضرب الأكثر مما نقصها الضرب ومما نقصها الزنا، فإن كان أرش الضرب أكثر، ضمن ذلك (ودخل عيب الزنا فيه، وإن كان عيب الزنا أكثر ضمن ذلك) (١) ودخل أرش الضرب فيه، ويضمن الغاصب إذا قطعت يدها نصف قيمتها، وإن ماتت من الولادة ضمن قيمتها كلها. قال أبو يوسف: هذا في السرقة والزنا قياس قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يضمن أرش السرقة وأرش الزنا، ولا يضمن الحد، يعني: ما نقص الضرب. فإذا ماتت من الولادة وبقي ولدها، فإن أبا حنيفة قال: يضمن قيمتها الغاصب، وقال أبو يوسف: لا يضمن إلا ما نقصها الحبل خاصة، وهو قول محمد. أما إذا زنت فردت على المولى فحدّت، فقد أزيلت يد المولى بسبب كان في يد الغاصب، فكان للغاصب ردها إلى يده، فجلدت [فيه]، فيضمن نقصان الضرب، وقد ضمن نقصان الزنا، وهما جميعًا متعلقان بسبب واحد، فيدخل أحدهما في الآخر. ولا يقال: من أصل أبي حنيفة أن شهود الزنا إذا رجعوا بعد الجلد لم يضمنوا

стр. 3646

النقصان، فكيف ضمن الغاصب في مسألتنا؛ وذلك لأن الشهود إنما يضمنون ما أو جبوه بشهادتهم دون غيره، وأثر الضرب ليس من موجب الشهادة، ألا ترى أنه قد يجلد فيبقى للضرب أثر، وقد يجلد ولا يبقى للضرب أثر، ولو كان ذلك من موجب الشهادة، لم ينفك عنها. وأما في مسألتنا، فالغاصب يضمن ما كان بفعله وبغير فعله، وإزالة يد المولى بسبب كان في يده، كرد العبد إلى يده، فكان نقصان الضرب حدث قبل رده (١)، فيضمنه الغاصب، سواء كان موجبًا بالزنا أو غير موجب. وأما إذا قطعت في السرقة، فقد أزيلت يد المولى عنها بسبب كان في يد الغاصب، فكأنه ردها إلى يده، فقطعت. وإنما لم يعتبر أبو حنيفة في هذا الفصل الأكثر من نقصان القطع ومن نقصان عيب السرقة؛ لأن الغالب أن نقصان القطع أكثر من نقصان السرقة؛ فلذلك ضمنه الأكثر، وسكت عن الأقل. ولو تصور أن نقصان السرقة أكثر من نقصان القطع، لقال: إنه يضمن [الأكثر] (٢) منهما، كما قال في نقصان الزنا ونقصان أثر الضرب، وإنما قال أبو يوسف: إن مسألة الزنا والسرقة قياس قول أبي حنيفة؛ لأنه قاسه على من باع عبد إنسان فانقطع في يد المشتري، أن ذلك من ضمان البائع؛ لأن يد المشتري زالت بسبب كان في يد البائع، فكأنه رده إلى يده فقطع. وأما إذا ماتت من الولادة: فأبو حنيفة يُضمِّن الغاصب قيمتها؛ لأن الحبل

стр. 3647

عيب حصل في ضمانه، والولادة موجبة له، ألا ترى أن الحبل لا بد له من وضع، فصار كالقطع الموجب بالسرقة، وكالحد (١) الموجب بالزنا، أن الغاصب يضمنه وإن حصل في يد المولى لما كان موجبًا بسبب في يده، ولم يشترط أبو حنيفة في هذا الفصل [الأكثر]؛ لأن ضمان جميع القيمة يزيد على نقصان الحبل. وقال أبو يوسف ومحمد في المسائل الثلاثة: يضمن الغاصب نقصان الزنا، ونقصان السرقة، (ونقصان الحبل) (٢)، ولا يضمن ما زاد على ذلك؛ لأنه لما رد الجارية إلى المولى برئ من ضمانها بالرد، ووجب عليه أرش العيب، وما حدث من الضرب والقطع والموت بعد ذلك، فهو عيب حدث في يد المولى بعد زوال ضمان الغاصب، فكان من ضمان المولى. وعلى هذا، قالا في المشتري: إذا قتل العبد في يده بالقصاص أو قطع بالسرقة، أنه يرجع على البائع بنقصان وجوب القصاص، وبنقصان السرقة، وما سوى ذلك من ضمان المشتري؛ لأنه حدث بعد زوال يد البائع وخروج العبد من ضمانه. وأما إذا ماتت من الولادة وبقي ولدها، فقد ذكر في الأصل: أن الغاصب يضمن قيمتها يوم الغصب. قال ابن سماعة: قلت لمحمد: لم لا يضمن قيمتها ناقصة بالولادة، ويجبر نقصان الولادة بالولد، فلم يجب بجواب (٣) أرتضيه.

стр. 3648

وقد قالوا في [الغاصب] (١): إذا قتل الجارية وولدها وقيمة الجارية ألف، وقد نقصها الولادة مائة، (وقيمة الولد مائتان، أن الغاصب يضمن قيمة الجارية ألف، ويضمن من قيمة الولد مائة)، ويجبر نقصان الولادة ببقية الولد. والفرق بينهما: أن الجارية إذا ماتت فليس هناك حال يوجب قيمتها إلا حال الغصب: وهي كاملة في تلك الحال، فإذا ضمن الغاصب قيمتها بكمالها استغنى عن الجبر؛ فلذلك لم يجبر نقصها بالولد. وأما في مسألة القتل فهناك حالة أخرى يجب فيها الضمان غير حال الغصب، وهي حال الاستهلاك، فيمكننا تضمينه قيمتها في تلك الحال ناقصة، ويجبر تمام قيمتها بالولد. قال: وإن ماتت في يد المولى من الحمى التي حدثت بها في يد الغاصب، لم يضمن الغاصب إلا ما نقصها الحمى في قولهم؛ وذلك لأن الموت ليس بموجب بالحمى، والموت لا يحدث من الحمى التي كانت في يد الغاصب، وإنما تلك الحمى توجد من الألم، ويتكامل الألم بما يتجدد من الحمى وبعد، فيموت من ذلك، وإذا لم يكن الموت موجبًا بالحمى لم يضمنه الغاصب، فأمَّا الحمى فهو نقص حادث في يد الغاصب، فيلزمه [ضرر] ضمانها. قال: وإن حبلت عند الغاصب من زوج كان لها في يد المولى، فلا ضمان على الغاصب في شيء من ذلك وإن ماتت من الحبل. وكذلك لو ماتت في يد الغاصب من إحبال المولى لها؛ وذلك لأن التلف حصل بسبب من جهة المولى، فصار كما لو قتلها في يد الغاصب.

стр. 3649

قال: ولو غصب رجل أمةً محمومةً، أو حبلى، أو بها خُراج، أو مرض، فماتت من ذلك في يد الغاصب، فإنه ضامن لقيمتها وبها ذلك المرض؛ وذلك لأنها تلفت في يد الغاصب بغير فعل المولى، فكأنها ماتت من غير سببٍ، ولم يجعلوا موتها بحبل كان في يد المولى، (كموتها في يد المولى) (١)، وجعلوا موتها في يد المولى بحبل كان في يد الغاصب، كموتها في يد الغاصب؛ وذلك لأن الحبل في يد الغاصب مضمون عليه، فما يتولد منه من ضمانه، والحبل في يد المولى ليس بمضمون، فما يتولد منه لا يضمنه، كالحادث في يد المولى. قال: ولو غصب رجل جارية أو عبدًا فقتل في يده قتيلًا، أو جنى في يده جناية على عبد أو حر، في نفس أو فيما دونها، أو استهلك لرجل مالًا، فإن العبد يرد على سيده، ويقال للسيد: ادفعه بجنايته أو افده بأرش الجناية، ويقال للسيد في استهلاك المال: بعه فيما لحقه من الدين، إلا أن يختار أن يؤدي عنه الدين الذي لزمه. فإن فداه من الجناية، أو دفعه، أو باعه في الدين، أو أداه عنه، فإن السيد يرجع على الغاصب في الجناية بالأقل من قيمته ومن أرش الجناية، وفي استهلاك المال بالأقل من قيمته ومما أدّى عنه من الدين. وإنما وجب ردّ العبد على المولى؛ لأن إمساك الغاصب معصية، فوجب الابتداء بدفعها، ثم يخاطب المولى بحكم الجناية والدين؛ لأن موجب الجناية الدفع أو الفداء، والدفع تمليك لا يملكه إلا المولى، وموجب الدين البيع، وذلك لا يملكه [إلَّا] المالك. فإذا اختار المولى الدفع، أو الفداء، أو البيع في الدين، أو قضاه، رجع

стр. 3650

على الغاصب؛ لأن ذلك استحق على المولى بسبب كان في يد الغاصب، فكان للغاصب أخذ ذلك القدر من ماله، [فيسلمه]. وإنما رجع عليه بالأقل؛ لأنه كان يقدر أن يتخلص بذلك من الجناية، وإنما لزمته الزيادة باختياره، فلا يرجع بها على الغاصب. قال: فإن غصب رجل رجلًا أمة، فولدت في يد الغاصب، ومات ولدها، فعليه أن يردها ويرد ما تنقصها الولادة، ولا شيء عليه من قيمة الولد؛ وذلك لأن نقصان الولادة فوات أجزاء من العين المغصوبة، فيضمنه الغاصب. وأما ولد المغصوبة إذا مات من غير فعل الغاصب فلا ضمان عليه فيه، وقال الشافعي: عليه قيمته (١). لنا: أنه حدث في يده بغير فعله، فحدث أمانة، كالثوب إذا ألقته الريح في داره. ولا يقال: إن الثوب لم يحدث بسبب هو فيه متعدٍّ، والولد حدث من سبب هو فيه متعدٍّ؛ لأن من جلس في الطريق فألقت الريح عليه ثوبًا فتخرق عنده، فلا ضمان عليه فيه وإن كان متعديًا في الجلوس. ولا يلزم على ما ذكرنا ولد الصيد؛ لأنه يحدث عندنا أمانة، وإنما صار مضمونًا؛ لأن الله تعالى هو المالك له، وقد أمره برده، فصار كالمالك في مسألتنا إذا طالب برد الولد، فمنع منه. وإذا ثبت أن الولد أمانة، لم يضمن إلا بما يضمن به الأمانات من التعدي أو المنع.

стр. 3651

قال: فلو كان الولد باقيًا معها، ردها وولدها، وجبر نقصان الولادة، فإن وفى بذلك، أو زادت قيمة الولد على النقصان، فلا شيء على الغاصب من نقصان الولادة. وإن كانت قيمة الولد أقل من قيمة النقصان، سقط من نقصان الولادة قيمة الولد، وغرم [ما فضل] (١) من النقصان عن قيمة الولد، وهذا استحسان. والقياس: أن لا يجبر نقصان الولادة بالولد، وهو قول زفر، ووجهه: أن الولد ملك للمولى، والنقصان حدث في ملكه، فلا يجبر ماله بماله. وجه الاستحسان: أن الولادة [فوتت] (٢) جزءًا وأفادت مالًا، فوجب أن يجبر الفائت بالفائدة، كمن قطع يد المغصوبة، فأخذ الغاصب أرشها، أدّاه في نقصانها، وكمن قلع سنًّا فنبتت، لما أوجب القلع نقصان جزء وأفاد مثله، لم يضمن؛ ولأنه غصب جملة فردها متفرقة، ألا ترى أن الولد مثل النقصان، فصار كمن غصب دراهم في كيس، فردها متفرقة. ولا يلزم على هذا إذا قطع الغاصب أغصان الشجرة فنبتت، أو جز صوف الشاة فنبتت، أنه يضمن النقصان، ولا يجبر ذلك بالحادث؛ لأن الغاصب لا يضمن نقصان الشجر ولا نقصان الشاة، وإنما يضمن الغصن المقطوع، والصوف المقطوع، وذلك لم يحدث فيه زيادة. وإذا ثبت أن الولد يجبر به النقصان؛ فإن كان النقصان أكثر منه، قام الولد مقام ما بإزائه، وغرم الغاصب فضل النقصان، كما لو لم يكن هناك ولد.

стр. 3652

وقال أبو يوسف: لو مات ومات ولدها في يد الغاصب، ضمن قيمة الأم يوم قبضها، ولم يضمن قيمة الولد؛ لأن الولد لما مات، فكأن لم يكن، فإذا غرم الغاصب قيمتها يوم الغصب، فقد دخل نقصان الولادة في ذلك. قال: ولو كان الغاصب قتل الولد، أو باعه [صار] (١) ضامنًا لقيمته مع قيمة أمه إذا كانت الولادة نقصتها (٢)؛ لأن الولد أمانة، فيضمن بالقتل كما يضمن الوديعة. قال: فإن نقصها الولادة مائة، والولد يُساوي مائتين، ضمن قيمة الأم يوم غصب، وضمن من الولد نصف قيمته، دخل النقص (٣) الذي أبطلت في قيمة الأم. قال أبو يوسف: فإذا ضمنت الغاصب قيمة تامة بغير نقصان، حططت ذلك النقصان من قيمة الأم، وإن ضمنته قيمتها يوم ولدت، ضمن قيمة الولد تامة؛ وذلك لأن الضمان يجب يوم الغصب، ويستقر بهلاكها، فوجب اعتبار قيمتها في ذلك الحال. وإذا غرم قيمتها تامة، وقد أتلف الولد ونقصه، كان يجب أن يجبر به بعضها، فصار كأنه ضمن نقص (٤) الولد، فلزمه ضمان باقيه. وأما قوله: فإن ضمنته قيمتها يوم ولدت، ضمن قيمة الولد تامة، فليس من حيث الحكم؛ لأن الحاكم لا يضمنه قيمتها إلا يوم الغصب، إلا أن يحدث منه

стр. 3653

سبب للضمان يخالف الضمان الأول، وإنما عنى أبو يوسف بهذا: أنه دفع هذا القدر من الضمان، فيلزمه قيمة الولد تامة. وقال محمد في الأصل: لو ماتت الجارية وبقي ولدها، قال: يأخذ ولدها ويضمنه قيمتها يوم غصبها، وهذه مسألة ابن سماعة، وقد بيناها، إلا أنه لم يذكر في الأصل أن الولادة نقصتها، ومتى لم ينقص، فلا شبهة في ضمان جميع القيمة؛ لأنه ليس هناك نقصان حتى يجبر بالولد. قال: ولو غصب جاريةً شابةً، أو غلامًا [شابًا]، فعجرت الجارية، وهرم الغلام، فإن المولى يأخذ جاريته وغلامه، ويضمنه ما نقص من القيمة يوم غصبه؛ وذلك لأن الكبر وجب فوات أجزاء من العين، وفوات الأجزاء مضمونة على الغاصب. قال: وإذا غصب الرجل عبدًا قيمته ألف، فزادت قيمته بعد الغصب حتى صارت ألفين، ثم قتله قاتل، كان المولى بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب قيمته ألفًا يوم غصبه، وإن شاء ضمن القاتل قيمته يوم قتله على العاقلة ألفين؛ وذلك لأنه ثبت له ضمان من وجهين: ضمان الغاصب بالغصب، وضمان القاتل بالقتل، وله في كل واحد منهما غرض، فتضمين الغاصب يكون معجلًا، فلا يضمن فيه الزيادة على ما قدمنا أن زيادة البدن أمانة، وإن شاء ضمّن عاقلة القاتل، فاستوفى ضمان الزيادة، إلا أنه يتأجل فخيّر بين الأمرين. قال: فإن ضمن الغاصب ألفًا قيمته يوم غصبه، رجع الغاصبُ على عاقلة القاتل بألفين، وتصدق بالفضل: وهو ألف. وهذا فرع على أصلنا: أن الضمان سبب للتمليك، فإذا ضمن الغاصب مَلَكَ من وقت الضمان، فكأن القاتل قتله على ملكه، فيرجع على عاقلته بقيمته.

стр. 3654

والدليل على أن الضمان يملك به، خلاف ما قاله الشافعي: أن البدل الذي يأخذه المالك بدل عن العين دون الحيلولة، ألا ترى أنه يختلف بحسب العين، وأن الحيلولة لا قيمة لها. وإن كان بدلًا عن العين، فقد ملك المغصوب بدل العين بكماله (١)، والعين مما يصح نقل الملك فيها، فوجب أن يملكها، كمن وطئ جارية [ابنه] (٢) فأحبلها، وكمن أعتق عبدًا مشتركًا وهو موسر، يضمن قيمة نصيب شريكه. ولا يلزم على هذا: المحرم إذا ضمن قيمة الصيد؛ لأن العين لا يجوز نقل الملك فيها؛ فلذلك لم يملكها. وأما قوله: إنه يتصدّق بالفضل؛ فلأنه حصل له من وجه محظور. قال: ولو كان العبد هو الذي قتل نفسه في يد الغاصب، ضمن الغاصب قيمته أيضًا ألف درهم يوم غصبه، ولا يضمن قيمته يوم قتل نفسه؛ وذلك لأن قتل الإنسان لنفسه لا يتعلق به حكم من أحكام القتل، فصار كموته بآفة من السماء. فإن قتل جناية المضمون في يد الضامن، كجناية الضمان، فصار كأن الغاصب قتله، فيضمن الزيادة. قلنا: جناية المضمون على غيره كجناية الغاصب، فأما جنايته على نفسه، فلا حكم لها في الأصول، فلا تصير كجناية الغاصب؛ ولأن الزيادة في يده أمانة، فكأن العبد الغصب أتلف وديعة لمولاه عند الغاصب.

стр. 3655

قال: ولو غصب أمة، فولدت، ثم قتلت ولدها، ثم ماتت، فإنه يضمن قيمة الأم ألف درهم يوم غصبها، ولا يضمن الولد، وقتلها ولدها بمنزلة موته؛ وذلك لأن الولد أمانة في يد الغاصب، فكأنها أتلفت وديعة لمولاها. وقال بشر عن أبي يوسف: في رجل غصب رجلًا عبدًا صغيرًا أو أمة، فشبَّا (١) وكبرا، فللمغصوب منه أن يأخذه، وكذلك الحيوان كله؛ وذلك لأن هذه زيادة حصلت من المغصوب، فهي على ملكه. قال: وإن وجد المغصوب [منه] عبده شيخًا كبيرًا، فإن كان للصبي عليه فضل من قيمته، أخذ النقصان مع ذلك، وهذا على ما قدمنا. وقال هشام: سمعت محمدًا قال: لو غصب رجل رجلًا أمة شابةً ناهدًا، فانكسر ثدياها عنده، كان هذا عيبًا؛ وذلك لأن هذه صفة تغيرت في يد الغاصب توجب نقصان القيمة، فكان من ضمانه. قال: وإن كان المغصوب مملوكًا أمرد فخرج وجهه، فليس بعيب، والشيخوخة عيب، أو غصب غلامًا شابًا، فصار شيخًا في يده، فإنه يقوم شابًا، ويقوّم شيخًا، فيضمن فضل ما بينهما؛ وذلك لأن [اللحية] جمال الرجل زيادة وليست بنقصان؛ بدليل أن من حلقها فلم تنبت، غرّم أرشها، والزيادة لا توجب الضمان، فأما الكبرُ [فهو نقص] وقد قدمناه. قال: ولو غصب عبدًا قارئًا فنسي القراءة، أو غصب خَبَّازًا فنسي الخَبْز، أو غصبه وهو يحسن شيئًا من الأعمال فنسي ذلك، وذهب عنه في يد الغاصب، فإنه يقوم على عمله ذلك، ويقوّم وهو لا يحسن [شيئًا من] ذلك، فيضمن

стр. 3656

النقصان؛ وذلك لأن هذا نقص صفة [حصل] في يد الغاصب. ولا يقال: إن عدم الصناعة ليس بعيب؛ بدلالة أن من اشترى عبدًا فوجده لا يحسن الخَبْز لم يرده بالعيب؛ وذلك لأن هذا وإن لم يكن عيبًا إلا أنه إذا وُجد، فهو زيادة، وإذا عدمت صار نقصًا؛ ولهذا لو شرط في البيع أنه خباز، فوجده لا يخبز، كان له الخيار. ولو أبق العبد الغصب في يد الغاصب، فالجُعْلُ في قول أبي يوسف على المولى، ولا يرجع به على الغاصب، ولكن يرجع على الغاصب [بما نقصه الإباق. وقال محمد: يرجع المولى] بالجعل [على الغاصب]. لأبي يوسف: أن الجعل مستحق على المولى برد العين (١) عليه، فوجب أن يكون عليه كما لو لم يكن مغصوبًا؛ ولأن الجعل لرد ما فات في يد الغاصب، فصار كمداواة الجراحة، فيكون على المولى. وأما العيب بالإباق، إذا لم يكن العبد أبق قبل ذلك، فهو نقص (٢) حدث في يد الغاصب، (فكان من ضمانه. وجه قول محمد: أن رد العين على المالك واجبٌ على الغاصب) (٣)، فما يلزم عليه من الغرم في ماله؛ ولأنه يسقط بذلك عنه ضمان العبد، فصار منفعته له، فوجب ضمانه (٤) عليه.

стр. 3657

باب الرجل يغصبُ الشيءَ فيتغيرُ عن صفتهِ عنده دونَ عينه قال أبو الحسن ﵀: ولو أن رجلًا غصب رجلًا عَصيرًا، فصار خَلًا، أو لبنًا حليبًا فصار مخيضًا، أو عنبًا فصار زبيبًا، أو رطبًا فصار تمرًا، فإن أبا يوسف قال: المغصوب بالخيار: إن شاء أخذ الذي غصب منه بعينه ولا شيء له غيره، وإن شاء ضمنه مثله وسَلَّمه إليه، وهذه رواية ابن الوليد عنه في الإملاء في كتاب الغصب؛ وذلك لأن [العين] المغصوبة دخلها نقص في يد الغاصب، فكان من ضمانه، ولا يمكن تضمين النقصان مع أخذ العين؛ لأن العصير واللبن يثبت فيه الربا، فإذا سلمت له العين وزيادة لم يجز على ما قدمناه، فإن أخذ العين، سقط حق التضمين، فإن طالب بمثلها، سلم العين الناقصة إلى الغاصب. قال: ولو غصبه ثوبًا، فقطعه قميصًا أو قِباء، ولم يخطه، فالمغصوب بالخيار: إن شاء أخذه ناقصًا مقطوعًا وضمنه ما نقص بالقطع، وإن شاء تركه وضمنه قيمة الثوب يوم غصبه (١)؛ وذلك لأنه لما قطعه، فقد فوَّتَ الغرض والمقصود منه، ألا ترى أن الثوب إذا قطع منه قميصٌ، لم يمكن أن يقطع من ذلك غير القميص، فإذا نقص المغصوب نقصًا كثيرًا، كان لمالكه تضمين جميع قيمته، كما لو قطع الغاصب قوائم الدابة؛ ولأنه فوّت المنفعة المقصودة من العين، فصار كمن غصب زيتًا (٢)، فخلطه بزيت أردأ منه.

стр. 3658

وإنما كان له أن يضمنه نقصان الثوب؛ لأن الربا (١) لا يثبت فيه، فإذا أخذ المقطوع من الأرش، فكأنه ملكه ثوبًا بثوب وزيادة. قال: وإن غصبه شاةً فذبحها، فإن بشرًا روى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن صاحب الشاة بالخيار: إن شاء أخذها ولا شيء له غيرها، وإن شاء تركها وضمنه قيمتها يوم غصبها، وكذلك روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة. قال الحسن عن أبي حنيفة: وكذلك إذا سلخها حين ذبحها، أو قطع لحمها أعضاء [ولم يطبخها]، ولم تشوه والرأس قائم، والجلد [باقٍ]، والأكارع والبطن، كان المغصوب بالخيار: إن شاء أخذ ذلك ولم يكن له غيره، وإن شاء ضمنه قيمتها حيّةً. وقال محمد في الأصل وغيره: إن شاء المغصوب أخذ الشاة وأخذ ما نقصها، وإن شاء تركها وأخذ قيمتها حية. وجه رواية بشر والحسن: أن المقصود من الشاة اللحم، والذبح يغرم عليه الأغراض، فصار في معنى الزيادة، فإذا سلم الغاصب، لم يجز أن يلزمه أرش النقصان، وإنما ثبت له حق (٢) تضمين القيمة؛ لأنه فوت عليه الغرض من العين وإن كان الذبح زيادة فيها. وجه رواية محمد - وهي الصحيحة -: أن الذبح نقص في الحيوان، والربا لا يثبت فيه، فصار كقطع الثوب.

стр. 3659

قال: ولو غصبه تِبْر ذهب، أو تِبر فضَّةٍ، فصاغه إناءً، أو حِليةً، أو آنيةً، أو ضرب تبر الفضة دراهم، وتبر الذهب دنانير، كان للمغصوب أن يأخذ ذلك أجمع، ولا يعطيه لعمله شيئًا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا سبيل للمغصوب على شيء من ذلك، وعلى الغاصب مثل التبر الذي غصبه. لأبي حنيفة: أن [الصياغة في] الذهب والفضة لا يخرجها من حكم جنسها، ألا ترى أن الاسم بحاله وعامة المنافع؛ لأنه يمكن أن يعمل منها بعد الضرب ما كان يعمل من [جنسها] قبل، وسقوط حق المالك (إنما يكون بزوال الاسم وعامة المنافع. وجه قولهما: أن الصنعة توجب سقوط حق المالك) عن العين، كمن غصب حديدًا فضربه آنية. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحديد [إن] بيع بعد ضربه وزنًا، فهو كالفضة، والخلاف فيهما سواء، ذكره أبو الحسن عقيب هذه المسألة. وإنما يسقط حق المالك إذا لم يبع وزنًا؛ لأن الاسم زال، ألا ترى أنه لا يقال للإبَر حديد، وزال المعنى؛ فلذلك سقط حق المالك. [قال]: فإن غصب شيئًا من الحيوان، فكبر وزادت قيمته، فللمغصوب أن يأخذه، ولا شيء للغاصب من [ذلك] زيادة، وكذلك لو غصبه شيئًا من الحيوان جريحًا أو مريضًا، فداواه حتى برئ وصَحَّ، فله أن يأخذه ولا يرد عليه شيئًا؛ وذلك لأن الزيادة نماء في (١) ملك المغصوب، وقد تبرع الغاصب بالإنفاق على

стр. 3660

ملك غيره، فلا يرجع عليه بشيء. قال: وكذلك لو غصبه أرضًا فيها زرع، أو نخل، أو شجر، فسقاه الغاصب وأنفق عليه حتى انتهى بلوغه، ثم حضر المغصوب منه، فله أن يأخذه، وكذلك لو كان النخل أطلع في يده فأبّره ولقّحه وقام عليه حتى تناهى عظمه، فهو كله للمغصوب منه، ولا شيء للغاصب من نفقته؛ لما قدمنا أنه نماء (١) حادث في ملكه، وقد تبرع الغاصب بالإنفاق عليه. قال: ولو كان حصد من الزرع شيئًا فاستهلكه، أو أخذ من الثمرة شيئًا فأكله، أو جزّ صوف الغنم، أو حلبها، كان ضامنًا لذلك كله، يرد على المغصوب مثله فيما له مثل، وقيمة ما لا مثل له؛ وذلك لأن الزيادة في يد الغاصب أمانة، فإذا أتلفها ضمنها كالوديعة (٢).

стр. 3661

بَاب الغصب يتغيرُ بزيادةٍ فيهِ بملكِ الغاصبِ أو بعملهِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا غصب الرجل من الرجل حنطةً وطحنها، فإن أبا حنيفة ومحمدًا قالا: لا سبيل لرب الحنطة على الدقيق، وكذلك روى الحسن عن أبي حنيفة، وعلى الغاصب مثل الحنطة التي غصب. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: لا يأخذ المغصوب منه الدقيق مكان الحنطة، ولكن أبيع الدقيق وأشتري له حنطة مثل حنطته، وهو أحق بذلك من جميع الغرماء إن مات الغاصبُ؛ لأنه شِيَة، فهو أحق به من غيره. وكذلك لو غصبه دقيقًا فخبزه، أو غَزلًا فنسجه، أو قُطنًا فغزله ونسجه، فهو مثل ذلك، يباع له ذلك، فيعطى مثل قطنه ومثل طعامه إن أبي الغاصب أن يدفع ذلك إليه. وروى ابن سماعة عنه في موضع آخر: أن رب الحنطة بالخيار: إن شاء ضمنه حنطة مثل حنطته، ودفع إليه الدقيق، وإن شاء أخذ الدقيق وأبرأ الطاحن؛ لأنه متاعه بعينه، أستقبح أن يجيء رجل مفلس يقدم إلي (١) كُرًّا من حنطة لرجل، فيطحنه، ثم يهبه لابن [له] صغير، فلا يكون لرب الطعام على الدقيق سبيل. (قال: أخالف أبا حنيفة في هذا، وأجعله بالخيار على ما وصفت لك) (٢) (٣).

стр. 3662

وكذلك إن وهبه الغاصب أو باعه أو تصدق به، فإن ذلك كله باطل، ولرب الطعام أن يأخذ شِيَة (١). وكذلك لو غصب لحمًا فشواه، أو طبخه، وكذلك لو غصبه سمسمًا أو زيتونا فعصره، وكذلك لو غصبه ترابًا فلبّنه أو طبخه آجُرًّا، أو اتخذ منه آنية الخزف، أو جعله حِبَابًا، فإن لم يكن للتراب ثمن فلا شيء عليه، ولا بأس بأن ينتفع به. قال أيده الله: وجملة هذا: إن الغاصب إذا أزال الاسم وعامة المنافع المباحة من العين بزيادة من جهته، زال ملك المالك عن العين عند أبي حنيفة ومحمد، وملكها الغاصبُ بالضمان. وروي عن أبي يوسف ثلاث روايات: منها رواية ابن سماعة: أن حق المالك لا يسقط، ولكن يزول ملكه ويباع له العين في دينه. ورواية ابن سماعة أيضًا: أن له أن يأخذ الدقيق ويبرئ الغاصب من الضمان. وروى الحسن بن زياد عنه مثل قول أبي حنيفة، وكذلك رواه بشر. قال أبو الحسن: وهو عندي قوله الأول. وقال الشافعي: لا يزول ملك المالك (٢).

стр. 3663

وجه قولهما: ما روى أبو حنيفة عن عاصم بن كليب عن أبي بردة عن أبي موسى: (أن قومًا من الأنصار أضافوا رسول الله ﷺ ، فقدموا إليه شاةً مَصْلِيَّةً، فأخذ منها لقمة فمضغها، فلم تسغه، فقال: "أما إن هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت بغير حق"، فقال الرجل: هذه لأخي، ولو كان أعزّ منها لم يبخس به عليّ، وسأرضيه بخير منها، فأمر النبي ﷺ أن يتصدق بها على الأسارى). فلولا أن ملك المالك (١) زال عنها لم يأمره بالصدقة بها، ولأمر ببيعها وحفظ ثمنها على الغاصب. وهذا خبر في الصحيح، وعليه بنى أبو حنيفة كثيرًا من مسائل الغصب. وكان المعنى في ذلك: أن الاسمَ زال وعامةَ المنافع المباحة من العين بزيادة صنعه من جهة الغاصب، وهذا المعنى موجود في طحن الحنطة، [وعصر] السمسم، ونسج الغزل، وغزل القطن. ولأنه أزال الاسم وعامة المنافع المقصودة بزيادة (٢) من جهة الغاصب، فصار كمن غصب دُهنًا طيبًا فخلطه ببزر. ولأنه غصب الحنطة، فلا يجبر على تسليم الدقيق، كما لو أتلف الحنطة. لأبي يوسف: أن الملك قد زال، إلّا أنّ زواله بغير رضا المالك لا يكون بأكثر من زواله بالبيع الذي رضي به المالك، ومعلوم أنه لو باعه الحنطة لم يسقط حقه حتى يستوفي البدل، أو يرضى بالتسليم، فكذلك هذا.

стр. 3664

فكأنه أزال ملكه في هذه الرواية وجعل له حبس العين، كما للبائع حبس المبيع. وأما الرواية الأخرى، فقال: لا يزول ملكه؛ لأن العين موجودة، وإنما حدث فيها تفريق الطحن، فهو كالشاة إذا ذبحها. وأما التراب إذا لبّنه أو جعله آنية، فإن كان له قيمة، فهو مثل الحنطة إذا طحنها، وإن لم يكن له قيمة، لم يلزم الغاصب ضمانه؛ لأن ما لا يتقوم (١) لا يضمن؛ فذلك جوّزوا له الانتفاع بالعين؛ لأنهم إنما منعوا الانتفاع في مسألة الغصب؛ لعدم الغرامة، فإذا لم تجب الغرامة، جاز الانتفاع. قال: وإن غصبه طعامًا فزرعه، فإن عليه مثله في قول أبي حنيفة ويتصدق بفضله. وقال أبو يوسف: لا يتصدق بفضله، ولا بأس بأن ينتفع به قبل أن يرضي صاحبه. وإنما زال ملك المالك؛ لأن الغاصب استهلك الطعام، والاستهلاك يزول به الملك بالاتفاق. فقد فرّق أبو يوسف بين هذه المسألة وبين الطحن؛ لأن الطحن ليس بإتلاف، وإنما هو تغيير لصفة العين والزرع يحترق الحب فيه، وإنما يتولد الزرع من فعل الله تعالى، فلم تكن العين موجودة حتى تعلق بها حق المالك. فأما الفضل فيتصدق به عند أبي حنيفة [ومحمد]؛ لأنه مال حصل له من وجه محظور، لم يسقط عنه بدله، ولا رضي بتضمينه، فوجب أن يتصدق به كشاة

стр. 3665

الأنصاري، كسائر المحظورات. لأبي يوسف: أنه ملك العين بالضمان، فطاب له ربحها، كما لو ملكه بالعقود. قال: وكذلك [لو غصبه] نوى غرْسِه، واتخذ منه نخلًا، فهو ضامن لقيمته، وكذلك صنوف الشجر؛ وذلك لأن النوى إذا نبت، صار مستهلكًا، فهو كالحب إذا نبت له. وقال أبو حنيفة ومحمد في الحنطة إذا طحنها (١) وما أشبه ذلك: أكره أن ينتفع به حتى يرضي صاحبه، وهو أيضًا قول أبي يوسف في القول الذي [قال]: لا سبيل له عليه، وعليه حنطة مثل الحنطة؛ وذلك لأنه حصل له من وجه محظور على الشرط الذي بينا، ولأنه لو أبحنا له الانتفاع قبل الأداء (٢) والتراضي بالضمان، صار ذلك ذريعة إلى إتلاف الأموال، وهذا لا يصح (٣). فأما أبو يوسف، ففرق بين هذا وبين الزرع بما قدمنا: أن الحنطة إذا زرعت هلكت، وما يتولد من النبات ليس هو العين المغصوبة، فلم يكره (٤) الانتفاع به، فأما في مسألتنا: فالعين باقية، وإنما تغيّرت صفتها؛ فلذلك لم يجز له الانتفاع بها. وقال أبو يوسف في الوَدِيِّ إذا غرسه فصار نخلًا: أكره له أن ينتفع به حتى يرضي صاحبه، ورخَّص في الزرع أن ينتفع بما يخرج منه قبل أن يعطي صاحبه،

стр. 3666

مثل الحنطة، وكذلك النوى إذا صار نخلًا. وإنما قلنا: إن الوَدِيّ يملك إذا علق، والودي: هو الفسيل بلغة أهل المدينة (١)؛ لأنه إذا غرسه فعلق، فقد صار تابعًا لملكه، بدليل أنه يدخل في بيع الأرض على طريق التبع (٢)، والعين المغصوبة إذا صارت تابعة لملك الغاصب على وجه في إزالته ضرر، سقط حق المالك عنها على ما سنبينه. ولأنها تغيرت؛ ولأن الوَدِيّ إذا صار نخلًا، صار فيه من الجمار جنسه، وزال الاسم وعامة المنافع من أسباب التمليك. فأما فرق أبي يوسف بين الودي والنوى في إباحة الانتفاع؛ فلما ذكرنا أن النوى يعفن ويهلك ويحدث عينًا أخرى، والودي يزيد في نفسه (٣). وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن رجلًا لو أخذ شاةً لرجل بغير إذنه، فذبحها، أو طبخها، أو شواها، فإن لصاحبها أن يضمنه القيمة، فإن كان صاحبها غائبًا أو حاضرًا لا يرضى أن يضمنه، لم يسع للذي ذبح وشوى أن يأكلها، وأن يطعم منها أحدًا، ولا يسع أحدًا أن يأكل منها حتى يضمن الذي صنع بها ذلك قيمتها لصاحبها، فإذا ضمنه صاحبها القيمة بأمر قاضٍ أو بغير أمر قاض، وسعه أن يأكلها وأن يطعم من يحب إذا أدّى القيمة أو كانت دينًا عليه. قال: وإن لم يضمن القيمة، فليتصدق بها. وأما زوال ملك المالك فقد قدمناه، وأما المنع من الأكل والانتفاع؛ فلأن

стр. 3667

النبي ﷺ أمر أن يتصدق بها، ولو جاز أكلها لتركهم يأكلونها؛ ولأن ذلك يصير ذريعة إلى الغصب على ما قدمنا. فإن دفع الغاصب قيمتها، حل له الأكل؛ لأن حق المالك سقط باستيفاء البدل، فكأنه باعها وأخذ ثمنها، وكذلك إن أَبْرَأَه المالك؛ لأن حقه سقط بالبراءة كما يسقط بالاستيفاء، وكذلك إذا ضمنه المالك القيمة؛ لأنه لما ضمّنه فقد ثبت البدل بتراضيهما، فهو كما لو ثبت بالبيع، وكذلك إذا ضمنه الحاكم؛ لأن الحاكم لا يحكم بالقيمة إلا بطلب المالك ودعواه، فكأن المالك ضمن. قال: فإن أبى أن يأخذ القيمة، وأراد أن يأخذ اللحم وهو مطبوخ، أو مشوي، لم يكن له ذلك؛ لما قدمنا: أن الملك زال، فلم يكن له المطالبة بما ليس على ملكه؛ ولأنه غصب منه شاة، فلا يجبر على تسليم الطعام إليه، كما لو استهلك الشاة. قال: وإن باع الغاصبُ اللحم بعدما طبخه وشواه، وكذلك إذا وهبه، أو تصدق به؛ وذلك لأنه ملكه من وجه محظور، فهو ممنوع من الانتفاع به، وإن باعه نفذ (١) بيعه كالمقبوض على وجه بيع فاسد. قال الحسن: وقال زفر: إذا طبخه أو شواه، فقد صار مستهلكًا له، وعليه القيمة، وله أن يأكله ويُطعمه مَنْ شاء، رضي صاحبه بالقيمة أو لم يرض، وبه يأخذ الحسن. وقد قال أبو يوسف: إن القياس ما قاله زفر، وإنما منعوا من الانتفاع به استحسانًا.

стр. 3668

وجه القياس: أنه ملكه بالضمان، فهو كالمملوك بالعقد. وجه الاستحسان: ما روي أن النبي ﷺ أمر بالصدقة باللحم، فلو جاز الانتفاع به لبيّن ذلك لهم (١)، وخيّرهم في الصدقة. وقد روى محمد عن أبي حنيفة حديث عاصم بن كليب في إملاء الكيساني، وقال محمد: يعني بالأسرى: المحبوسين، قال: وبهذا نأخذ، ألا ترى أن رسول الله ﷺ أمره أن يطعمه الأسرى، فلو كان لصاحب الشاة في اللحم حق من ارتهان بحقه، أو غير ذلك على وجهٍ من الوجوه ما أمره رسول الله ﷺ أن يطعمه الأسرى، ولكنه لم [ير له حقًّا] (٢)، وكذلك نقول. قال محمد: وكذلك لو غصبه دقيقًا فجعله خبزًا. وهذا صحيح؛ لأن الاسمَ زال وأكثر المنافع بصفة حادثة. قال: وكذلك لو غصب بيضة فحضنها وصارت دجاجة؛ وذلك لأن البيض يهلك ويتولد الحيوان من فعل الله تعالى، فصار كزرع الحنطة. وكذلك لو غصب زيتًا فجعله في بزر له كثير، فغلب عليه البزر؛ وذلك لأنه صار مستهلكًا فيه، ألا ترى أنه لا ينتفع به انتفاع الزيت. وكذلك لو غصب عُصفرًا فصبغ به؛ لأنه صار تابعًا (٣) لملك الغاصب على وجه في إزالته ضرر.

стр. 3669

وكذلك لو غصب آجُرًّا أو لَبِنًا، فبنى به أُسَّ حائط، لم يكن له على الحائط سبيل، وضمنه قيمة آجُرّه ولبِنه، وهذه مسألة الساجة إذا أدخلها في البناء، سقط حق مالكها [عندنا]. وقال زفر والشافعي: ينقض البناء [ويرد] (١). لنا: أن العين المغصوبة صارت تابعةً لمال الغاصب على وجه في إزالته ضرر، فصار كمن غصب خيطًا فخيط به جرح عبده، أو جرح حماره، وقد نص الشافعي على هذا. وكان أبو الحسن ﵀ يقول: المسألة موضوعة على أنه بنى على [حوالي] الساجة؛ لأنه غير متعدٍ في البناء على ملكه، فلا ينقض، فأما إذا بنى على نفس الساجة، نقض بناؤه؛ لأنه تعدى فيه، وكان [أبو جعفر الهندواني وهو ببلخ] (٢) يختار هذا القول. وقد ذكر في كتاب الصرف: فيمن غصب درهمًا فجعله عروة مزادة، سقط حق مالكه، والفضة (٣) لا يسقط حق المالك عنها بالصياغة، وإنما أسقطها بكونها تابعة للمزادة، وذلك لا يكون إلا بعمل يوقعه فيها على وجه التعدي، فدل على أن المسألة على إطلاقها، وأنه لا حق للمالك في الساجة في الوجهين.

стр. 3670

وجه قول زفر: أن البناء لم يسقط حق المالك؛ بدلالة أن الغاصب لو نقض ورَدّ الساجة لم يكن له [عليه] غير ذلك، وإذا لم يسقط حقه عنها، لزم الغاصب تسليمها. قال: فإن بيعت الدار في حياته، أو بعد وفاته، كان صاحب هذه الأشياء أسوة الغرماء في الثمن، لا يكون له شيء من ذلك دون بقية الغرماء؛ لما بينا أن ملكه زال عن العين، فلم يثبت له حق الإمساك، فصار كالمبيع الذي باعه وسلمه (١).

стр. 3671

بَابٌ الثوب يغصبه الرجل فيصبغه أو يقطعه ويخيطه قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال بِشْرٌ عن أبي يوسف في إملائه: في رجل غصب من رجل ثوبًا، فصبغه بعُصْفُرٍ، أن صاحب الثوب بالخيار: إن شاء سلّم الثوب للغاصب وضمّنه قيمته أبيض، وإن شاء أخذ الثوب وضَمِن له ما زاد العُصْفُر في الثوب، وكذلك الزعفران. وإنما لم يملك الغاصب الثوب بالصبغ؛ لأن الاسم لم يزل، وعامة المنافع باقية. وإنما ثبت الضمان؛ لأن المالك لا ينتفع به بعد الصبغ كما كان ينتفع به قبله؛ لأنه لم يرض بالتزام بدل الصبغ، فلم يجز التزامه ذلك، فإذا لم يلزمه، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: إن شاء ضَمَّن الغاصب قيمة الثوب أبيض؛ لأنه أفسد ملكه وفوت الغرض منه، وإن شاء أخذ الثوب وغرّم قيمة الصبغ؛ لما بينا أن الثوب على ملكه، والصبغ [عين] (١) مال قائم، فلا يجوز أن يستحقه الغاصب بغير عوض، وإن شاء لم يضمن الغاصب وترك الثوب على حاله، والصبغ للغاصب فيه، فإذا بيع [اقتسم] الثمن على قدر حقهما؛ وذلك لأن الضمان ثبت لحق المالك، فإذا رضي (٢) بتركه جاز، وإذا أسقط الضمان صار كأن الريح ألقت الثوب في صبغ رجل، فيكون مشتركًا بين صاحب الصبغ وصاحب (٣) الثوب،

стр. 3672

لهذا ثوبه، ولهذا صبغه، ولم يذكر أبو الحسن ﵀ هذا الوجه من الخيار. قال: فأما في الصبغ بالسواد، فإن شاء: ضمنه قيمته أبيض، وإن شاء أخذ الثوب أسود ولا شيء [عليه] للغاصب. وقال أبو يوسف: السواد عندي مثل العصفر، فيعطيه ما زاد السواد فيه، وهذا قول محمد. فمن أصحابنا من قال: إنه لا خلاف في هذه المسألة في الحقيقة؛ لأن أبا حنيفة أجاب [على] ما شاهد في زمن بني مروان، أنهم لم يلبسوا السواد، وكان ذلك نقصًا، فلم يجب على [صاحب الثوب ضمان مع النقصان] (١) في ثوبه، وأجابا هما على ما شاهدا من عادة بني العباس، ولبسهم السواد، فكان ذلك زيادة في عادتهم، فهو كالعُصْفُر. ومن أصحابنا من قال: إن أبا حنيفة أجاب في نوع من الثياب ينقص السواد من قيمته في العادة، وأجاباهما على نوع يزيد الثوب في قيمته في العادة. فالحاصل من هذا: أنه لا خلاف في المسألة، وإنما يرجع إلى العادة في كل زمان، فإن كان السواد زيادة، غَرّمه المالك، وإلا لم يغرمه. وأما العُصْفُر إذا نقص في الثوب ولم يزد، فقد روي عن محمدٍ أنه قال: فيمن غصب ثوبًا قيمته ثلاثون درهمًا، فصبغه بعُصْفُر، حتى صار قيمته عشرين درهمًا: فإني أنظر إلى ما يزيد هذا الصبغ في قيمة ثوب لا ينقص قيمته به، فإن كان يزيد في ثمنه خمسة، غرمت الغاصب خمسة دراهم؛ وذلك لأن الثوب قد

стр. 3673

نقص في قيمته عشرة، وجعل للمالك منها صبغٌ قيمته خمسة، فبقيت خمسة لا شيء في مقابلتها [لا يضمنها]، فيضمنها الغاصب. فإن كان السواد يزيد في قيمة بعض الثياب وينقص في قيمة بعض، فيجب أن يكون على ما قاله محمد في هذه المسألة. قال: ولو كان صاحب الثوب هو الذي صبغ العصفر، فصبغ به ثوبه، كان الثوبُ له، وهو ضامن كمثل ما أخذ، إن قدر على كيل مثله [يكيل]، أو وزن مثله يوزن، وإن لم يقدر على كيل مثله أو وزن مثله، [فعليه قيمته] (١) يوم يختصمان إن كان مما يكال أو يوزن، وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، فقيمته يوم أخذه. قال بشر: وقال أبو يوسف بعد ذلك: [يغرم] قيمته يوم غصبه؛ وذلك لأن الصبغ صار مستهلكًا في الثوب وتابعًا له، ألا ترى أن المالك إذا باع الثوب دخل الصبغ فيه بغير تسمية، ولو باع الصبغ لم يجز، وإذا صار مستهلكًا ضمنه، فإن كان مما يكال أو يوزن وقدر على مثله، ضمن مثله، وإن لم يقدر على مثله، فهو على الخلاف الذي قدمنا فيما ينقطع عن أيدي الناس. قال: وليس لصاحب العُصْفُر أن يحبس الثوب في شيء من ذلك؛ لأن الثوب متبوع وليس بتابع، فصار الصبغ كالهالك. قال: والسواد في هذا الوجه بمنزلة الزعفران؛ لأن المالك لما صبغ به ثوبه، فقد استهلكه، فلا فرق بين أن يزيد في قيمة ثوبه أو ينقص. قال: وقال أبو حنيفة: لو أن ثوبًا وقع في صبغ رجل فانصبغ به، ولم يصبغه

стр. 3674

أحد، فإن كان سوادًا، فالثوب لرب الثوب، ولا شيء على رب الثوب من قيمة الصبغ، وإن كان زعفرانًا، أو عصفرًا، فرب الثوب بالخيار: إن شاء سُلِّمَ له ثوبه وأعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء امتنع من ذلك، فبيع [الثوب] (١)، فضرب فيه صاحب الصبغ بقيمة الصبغ على حاله في الثوب ناقصًا. وقال أبو يوسف مثل ذلك في العصفر والزعفران والسواد. أما إذا صبغ بصبغ له قيمة، فلا ضمان على المالك؛ لأنه لم يوجد منه تعدٍّ في الصبغ، وكذلك لا ضمان على صاحب الصبغ؛ لأنه لم يتعد في الثوب والصبغ [مال] قائم، إلا أنه تابع لمال صاحب الثوب: فإن شاء أعطى قيمة الصبغ وسلّم له ثوبه؛ لأن ملكه متبوع، وإن شاء تركه على الشركة، فإذا بيع، ضرب فيه بقيمة ثوب أبيض؛ لأن الزيادة بالصبغ حصلت في ملك غيره، [فلم] يضرب صاحب الصبغ بقيمة صبغ في ثوب؛ لأن الصبغ ينقص بحصوله في الثوب، وهو إنما يستحق قيمته في الحال، فاعتبرت قيمته على نقصانها. فأما السواد، فليس بزيادة عند أبي حنيفة، فلا يضمن صاحب الثوب لأجله شيئًا. قال: وكذلك السَّمْنُ يختلط بالعَسَل، والسمن بالسَّوِيق (٢)، والسويق هاهنا بمنزلة الثوب، والسمن بمنزلة الصبغ؛ وذلك لأن السَّوِيق متبوع، والسمن تبع، ألا ترى أنه يدخل في بيعه بالإطلاق.

стр. 3675

قال: وكذلك المِسْك (١) يخلط بالدهن، فالدهن بمنزلة الثوب، والمسك بمنزلة الصبغ إذا كان الدهن يصلح خلطه مع المسك، ويكون زيادة فيه. فإذا كان دُهنًا لا يصلح خلطه بالمسك، فهو فساد، والقول فيه مخالف لما وصفت لك؛ وذلك لأن المسك إذا اختلط بالأدهان الطيبة، زاد في قيمتها، وصار تابعًا لها، فهو كالسمن في السويق. فأما إذا اختلط بالأدهان المنتنة، استهلك فيها ولم يزد في قيمتها، فلا يعتد به. قال: ولو أن رجلًا غصب من رجل ثوبًا فصبغه بعصفر لآخر، ثم ذهب الفاعل فلم يعرف، كان القول في هذا كالقول في الذي اختلط بغير فعل أحد، أَدَعُ القياس [في هذا] وأستحسن. وجه القياس: [أن الذي صبغ الثوب، ملك الصبغ وثبت عليه حق الضمان، فلم يكن لصاحب الصبغ على ما في الثوب سبيل، وهو على ملك غيره. وجه الاستحسان] (٢): أنه لما لم (٣) يعرف الذي تعلق به الضمان سقط حكمه، وكان الثوب وقع في صبغ بالربح. قال أبو يوسف: ولو أن رجلًا غصب عُصْفُرًا فصبغ به ثوب (٤) نفسه وباعه،

стр. 3676

وحضر (١) صاحب العصفر، فلا حق له على المشتري من قبل أن حقه على الغاصب إذا كان معروفًا، فإن كان مجهولًا فقد وصفت لك الاستحسان؛ وذلك لأنه لما صبغ به الثوب ملكه، فإذا باعه جاز بيعه، فلم يكن لصاحب الصبغ سبيل على المشتري مع صحة البيع. قال: ولو أن رجلًا غصب ثوبًا فصبغه بعصفر نفسه، ثم باعه وغاب، ثم حضر صاحب الثوب والمشتري، فإنه يقضى بالثوب لصاحب الثوب، ويستوثق منه، ولا يدفع إليه الثوب، ويكون ذلك [الشقص] (٢) لصاحب العصفر إذا حضر، وينتقض البيع فيما بين البائع والمشتري؛ لأن الثوب متبوع، والصبغ تبع، فلم يملكه الغاصب بالصبغ، فإذا باعه لم يصح بيعه، ووجب تسليم الثوب إلى صاحبه، إلا أنه يستوثق لصاحب الصبغ؛ لأنه عين مال له، فلا يجوز للقاضي أن يسلمه إلا بعد الاحتياط بالكفالة. قال: ولو أن رجلًا اغتصب ثوبًا وعصفرًا لرجل واحد، فصبغه، فالمغصوب بالخيار: إن شاء أخذ الثوب مصبوغًا وأبرأ الغاصب من الضمان في العصفر والثوب، وهذا استحسان ليس بقياس، لا ينبغي في القياس [أن يأخذ في] العصفر، ولكنه يَضمِّنُ للغاصب عصفرًا مثله، ويعطيه هو ما زاد العصفر في الثوب، وإن شاء ضَمَّنه قيمة الثوب وعصفرًا مثل العصفر ويسلم ذلك كله إليه. وإنما يثبت له حق التضمين؛ لأنه استهلك الصبغ فملكه، فوجب عليه مثله، وصار كمن صبغ ثوب غيره بصبغ نفسه، فللمالك أن يضمنه قيمة الثوب.

стр. 3677

وأما وجه القياس إذا اختار المالك أخذ الثوب: فلأنّ الغاصب ملك الصبغ بالاستهلاك، فكأَنَّه صبغ بصبغ نفسه، فيغرم له المالك زيادة الصبغ، ويرجع عليه بمثله. وجه الاستحسان: أن الصبغ خلط لأحد المالين بالآخر، ومال الإنسان لا يصير مستهلكًا بماله، وإنما يدخل نقصًا فيه، فإذا اختار الأخذ، فقد أبرأ من النقص، فجائز. قال: فإن كان العصفر لرجلٍ، والثوب لآخر، فرضيا أن يأخذا الثوب مصبوغًا كما أخذه الواحد حيث كان له، فليس لهما ذلك، ولكن [لصاحب الثوب أن يأخذ الثوب] (١) ويرد على الغاصب ما زاد الصبغ فيه، ويتبع صاحب العصفر الغاصبَ بعصفر مثل عصفره؛ وذلك لأنه لما صبغ الثوب بالعصفر، صار مستهلكًا له، ووجب عليه [مثله]، فلم يكن لصاحبه [عليه] سبيل. وليس كذلك إذا كانا لواحد؛ لأن مال الإنسان لا يصير مستهلكًا بخلطه بماله، وإنما يصير ناقصًا؛ فلذلك كان لصاحب الثوب أخذه. وقال أبو حنيفة: في الرجل يغصب الثوب فيفتله أو يغسله، فلصاحب الثوب أن يأخذه، ولا شيء للغاصب؛ وذلك لأن الفتل أو الغسل ليس بزيادة عين مال فيه، وإنما الفتل تغيير صفة أجزائه، والغسيل إزالة الوسخ عنه وردّه إلى لون القطن. فأما الصابون والأشنان، فلا يبقى له عين في الثوب، وإنما يتلف، فلا يكون للغاصب ضمانه.

стр. 3678

قال: وكذلك إذا قطعه قميصًا أو قِباء ولم يخطه، فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمَّنه قيمة ثوبه وسَلَّمه إليه، وإن شاء أخذ الثوب مقطوعًا وأخذ النقصان معه؛ وذلك لأن القطع نقصان كثير، ألا ترى أنه لا يجيء منه بعد القطع ما كان يجيء منه قبله، وإذا كثر النقصان كان للمالك تضيمن القيمة؛ لأنه لم يرض أن يكون على ملكه إلا ما ينتفع به الانتفاع بالثياب، وإن شاء ضَمَّنه النقصان؛ لأنه لم يستهلكه استهلاكًا تامًّا، ولا اتصل بزيادة، والمماثلة فيه غير معتبرة. وقال أبو حنيفة: إن خاطه الغاصبُ قميصًا، فلا سبيل لصاحبه عليه، وعلى الغاصب قيمة الثوب، وكذلك لو جعله قِباء أو جُبَّة؛ [وذلك] لأن الاسم زال، وأكثر المنافع بزيادة صفة (١) من جهة الغاصب، فصار كشاة الأنصاري. قال: وكل ما صار عليه في ضمانه في هذا الوجه، فليس يحبس [شيئًا] مما ضمن رهنًا بذلك، ولكن يسلم له ويتبع بالضمان، وهذا قول أبي حنيفة، وقد قدمنا هذه المسألة في خلاف أبي يوسف إذا طحن الحنطة. وقال ابن سماعة في نوادره عن محمد: في رجل غصب من رجل خوصًا فجعله زنبيلًا، قال: فلا سبيل للمغصوب عليه؛ وذلك لأن الاسم زال، وأكثر المنافع لزيادة صنعة من الغاصب. قال: وإن غصب نخلة فشَقّقَها جذوعًا، كان له أن يأخذ ذلك الجذع؛ وذلك لأن الاسم لم يزل، وإنما تفرقت الأجزاء، فصارت كالثوب إذا قطعه. قال: ولو غصب شاةً فذبحها، كان له أن يأخذ اللحم، وهذا قول أبي

стр. 3679

حنيفة؛ لأن الذبح تفريق الأجزاء، كقطع الثوب. فأما الكلام في تضمين النقصان، فقد تقدم على روايتين. قال: وإن غصبه لحمًا فشواه، أو طبخه، فإن أبا حنيفة قال: لا سبيل له عليه. وقال أبو يوسف: له أن يأخذ اللحم المشوي بغير شيء، ويأخذ المطبوخ ويعطيه ما زاد [التابل] (١) فيه والطبيخ، كذا قال ابن سماعة عن محمد عن أبي يوسف. وروى ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل رواية محمد عن أبي حنيفة. قال: وإذا شوى اللحم أو طبخه، [لا سبيل] (٢) لصاحبه عليه، وعلى الذي فعله (٣) به قيمته، وكذلك قال أبو يوسف. أما أبو حنيفة، فذهب إلى ما قدمنا من حديث شاة الأنصاري. وأما أبو يوسف، فذهب إلى أن العين باقية، والشوي ليس بزيادة مال فيها، فصار على أصله، كطحن الطعام. فأما إذا طبخ بالتوابل، فذلك زيادة مال في اللحم، فصار كالصبغ في الثوب، ويجب على قياس هذا القول إذا طبخه أن يأخذه ولا شيء عليه؛ لأنه

стр. 3680

ليس هناك زيادة مال، فهو كالشَّيِّ (١). وقال ابن سماعة عن محمد: إن غصبه مصحفًا فنقطه، قال: صاحبه بالخيار: إن شاء أعطاه ما زاد ذلك [عليه وفيه تنقطه] (٢)، وإن شاء ضَمَّنه قيمته غير منقوط؛ وذلك لأن النقط زيادة في المصحف لها أثر (٣)، فحلت محل الصبغ في الثوب. وروى مُعَلَّى عن أبي يوسف: أن صاحبه يأخذه ولا شيء عليه؛ لأن النقط ليس بزيادة مال ولا معنى متقوم، وإنما يتقوم فيه المنفعة، ولا قيمة لها إلا بعقد. ولو غصب ثوبًا فَقَصَرَه، كان لرب الثوب أن يأخذ الثوب ولا يعطيه شيئًا؛ لأن القِصَارَةَ ليست بزيادة عين في الثوب، وإنما هو ردّ له إلى لون القطن، وما استعمله من الصابون والأشنان متلفٌ لا عين له، فلم يبق إلا المنافع، ولا قيمة لها بنفسها. ولا يقال: إن القَصَّار له أن يحبس الثوب بالأجرة، فقد جعلوا القصارة كالعين؛ لأن الحبس إنما يثبت في العمل الذي له أثر، والضمان إنما يجب في العين القائمة دون الأثر. قال: ولو غصب دارًا فجصصها ثم رَدَّها، قيل لصاحبها: اعطه ما زاد التجصيص فيها، إلا أن يرضى [صَاحب الدار] (٤) أن يأخذ الغاصب جصّه؛ وذلك لأن الجِصَّ (٥) عين مال قائم يمكن أن ينفصل من الدار، إلا أنه صار تابعًا
следующие страницы →