وحضر (١) صاحب العصفر، فلا حق له على المشتري من قبل أن حقه على الغاصب إذا كان معروفًا، فإن كان مجهولًا فقد وصفت لك الاستحسان؛ وذلك لأنه لما صبغ به الثوب ملكه، فإذا باعه جاز بيعه، فلم يكن لصاحب الصبغ سبيل على المشتري مع صحة البيع.
قال: ولو أن رجلًا غصب ثوبًا فصبغه بعصفر نفسه، ثم باعه وغاب، ثم حضر صاحب الثوب والمشتري، فإنه يقضى بالثوب لصاحب الثوب، ويستوثق منه، ولا يدفع إليه الثوب، ويكون ذلك [الشقص] (٢) لصاحب العصفر إذا حضر، وينتقض البيع فيما بين البائع والمشتري؛ لأن الثوب متبوع، والصبغ تبع، فلم يملكه الغاصب بالصبغ، فإذا باعه لم يصح بيعه، ووجب تسليم الثوب إلى صاحبه، إلا أنه يستوثق لصاحب الصبغ؛ لأنه عين مال له، فلا يجوز للقاضي أن يسلمه إلا بعد الاحتياط بالكفالة.
قال: ولو أن رجلًا اغتصب ثوبًا وعصفرًا لرجل واحد، فصبغه، فالمغصوب بالخيار: إن شاء أخذ الثوب مصبوغًا وأبرأ الغاصب من الضمان في العصفر والثوب، وهذا استحسان ليس بقياس، لا ينبغي في القياس [أن يأخذ في] العصفر، ولكنه يَضمِّنُ للغاصب عصفرًا مثله، ويعطيه هو ما زاد العصفر في الثوب، وإن شاء ضَمَّنه قيمة الثوب وعصفرًا مثل العصفر ويسلم ذلك كله إليه.
وإنما يثبت له حق التضمين؛ لأنه استهلك الصبغ فملكه، فوجب عليه مثله، وصار كمن صبغ ثوب غيره بصبغ نفسه، فللمالك أن يضمنه قيمة الثوب.
стр. 3677
وأما وجه القياس إذا اختار المالك أخذ الثوب: فلأنّ الغاصب ملك الصبغ بالاستهلاك، فكأَنَّه صبغ بصبغ نفسه، فيغرم له المالك زيادة الصبغ، ويرجع عليه بمثله.
وجه الاستحسان: أن الصبغ خلط لأحد المالين بالآخر، ومال الإنسان لا يصير مستهلكًا بماله، وإنما يدخل نقصًا فيه، فإذا اختار الأخذ، فقد أبرأ من النقص، فجائز.
قال: فإن كان العصفر لرجلٍ، والثوب لآخر، فرضيا أن يأخذا الثوب مصبوغًا كما أخذه الواحد حيث كان له، فليس لهما ذلك، ولكن [لصاحب الثوب أن يأخذ الثوب] (١) ويرد على الغاصب ما زاد الصبغ فيه، ويتبع صاحب العصفر الغاصبَ بعصفر مثل عصفره؛ وذلك لأنه لما صبغ الثوب بالعصفر، صار مستهلكًا له، ووجب عليه [مثله]، فلم يكن لصاحبه [عليه] سبيل.
وليس كذلك إذا كانا لواحد؛ لأن مال الإنسان لا يصير مستهلكًا بخلطه بماله، وإنما يصير ناقصًا؛ فلذلك كان لصاحب الثوب أخذه.
وقال أبو حنيفة: في الرجل يغصب الثوب فيفتله أو يغسله، فلصاحب الثوب أن يأخذه، ولا شيء للغاصب؛ وذلك لأن الفتل أو الغسل ليس بزيادة عين مال فيه، وإنما الفتل تغيير صفة أجزائه، والغسيل إزالة الوسخ عنه وردّه إلى لون القطن.
فأما الصابون والأشنان، فلا يبقى له عين في الثوب، وإنما يتلف، فلا يكون للغاصب ضمانه.
стр. 3678
قال: وكذلك إذا قطعه قميصًا أو قِباء ولم يخطه، فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمَّنه قيمة ثوبه وسَلَّمه إليه، وإن شاء أخذ الثوب مقطوعًا وأخذ النقصان معه؛ وذلك لأن القطع نقصان كثير، ألا ترى أنه لا يجيء منه بعد القطع ما كان يجيء منه قبله، وإذا كثر النقصان كان للمالك تضيمن القيمة؛ لأنه لم يرض أن يكون على ملكه إلا ما ينتفع به الانتفاع بالثياب، وإن شاء ضَمَّنه النقصان؛ لأنه لم يستهلكه استهلاكًا تامًّا، ولا اتصل بزيادة، والمماثلة فيه غير معتبرة.
وقال أبو حنيفة: إن خاطه الغاصبُ قميصًا، فلا سبيل لصاحبه عليه، وعلى الغاصب قيمة الثوب، وكذلك لو جعله قِباء أو جُبَّة؛ [وذلك] لأن الاسم زال، وأكثر المنافع بزيادة صفة (١) من جهة الغاصب، فصار كشاة الأنصاري.
قال: وكل ما صار عليه في ضمانه في هذا الوجه، فليس يحبس [شيئًا] مما ضمن رهنًا بذلك، ولكن يسلم له ويتبع بالضمان، وهذا قول أبي حنيفة، وقد قدمنا هذه المسألة في خلاف أبي يوسف إذا طحن الحنطة.
وقال ابن سماعة في نوادره عن محمد: في رجل غصب من رجل خوصًا فجعله زنبيلًا، قال: فلا سبيل للمغصوب عليه؛ وذلك لأن الاسم زال، وأكثر المنافع لزيادة صنعة من الغاصب.
قال: وإن غصب نخلة فشَقّقَها جذوعًا، كان له أن يأخذ ذلك الجذع؛ وذلك لأن الاسم لم يزل، وإنما تفرقت الأجزاء، فصارت كالثوب إذا قطعه.
قال: ولو غصب شاةً فذبحها، كان له أن يأخذ اللحم، وهذا قول أبي
стр. 3679
حنيفة؛ لأن الذبح تفريق الأجزاء، كقطع الثوب.
فأما الكلام في تضمين النقصان، فقد تقدم على روايتين.
قال: وإن غصبه لحمًا فشواه، أو طبخه، فإن أبا حنيفة قال: لا سبيل له عليه.
وقال أبو يوسف: له أن يأخذ اللحم المشوي بغير شيء، ويأخذ المطبوخ ويعطيه ما زاد [التابل] (١) فيه والطبيخ، كذا قال ابن سماعة عن محمد عن أبي يوسف.
وروى ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل رواية محمد عن أبي حنيفة.
قال: وإذا شوى اللحم أو طبخه، [لا سبيل] (٢) لصاحبه عليه، وعلى الذي فعله (٣) به قيمته، وكذلك قال أبو يوسف.
أما أبو حنيفة، فذهب إلى ما قدمنا من حديث شاة الأنصاري.
وأما أبو يوسف، فذهب إلى أن العين باقية، والشوي ليس بزيادة مال فيها، فصار على أصله، كطحن الطعام.
فأما إذا طبخ بالتوابل، فذلك زيادة مال في اللحم، فصار كالصبغ في الثوب، ويجب على قياس هذا القول إذا طبخه أن يأخذه ولا شيء عليه؛ لأنه
стр. 3680
ليس هناك زيادة مال، فهو كالشَّيِّ (١).
وقال ابن سماعة عن محمد: إن غصبه مصحفًا فنقطه، قال: صاحبه بالخيار: إن شاء أعطاه ما زاد ذلك [عليه وفيه تنقطه] (٢)، وإن شاء ضَمَّنه قيمته غير منقوط؛ وذلك لأن النقط زيادة في المصحف لها أثر (٣)، فحلت محل الصبغ في الثوب.
وروى مُعَلَّى عن أبي يوسف: أن صاحبه يأخذه ولا شيء عليه؛ لأن النقط ليس بزيادة مال ولا معنى متقوم، وإنما يتقوم فيه المنفعة، ولا قيمة لها إلا بعقد.
ولو غصب ثوبًا فَقَصَرَه، كان لرب الثوب أن يأخذ الثوب ولا يعطيه شيئًا؛ لأن القِصَارَةَ ليست بزيادة عين في الثوب، وإنما هو ردّ له إلى لون القطن، وما استعمله من الصابون والأشنان متلفٌ لا عين له، فلم يبق إلا المنافع، ولا قيمة لها بنفسها.
ولا يقال: إن القَصَّار له أن يحبس الثوب بالأجرة، فقد جعلوا القصارة كالعين؛ لأن الحبس إنما يثبت في العمل الذي له أثر، والضمان إنما يجب في العين القائمة دون الأثر.
قال: ولو غصب دارًا فجصصها ثم رَدَّها، قيل لصاحبها: اعطه ما زاد التجصيص فيها، إلا أن يرضى [صَاحب الدار] (٤) أن يأخذ الغاصب جصّه؛ وذلك لأن الجِصَّ (٥) عين مال قائم يمكن أن ينفصل من الدار، إلا أنه صار تابعًا
стр. 3681
لها على وجه في إزالته ضرر، ولا يجوز أن يستحقه المغصوب بغير عوض، فكان بالخيار: إن شاء ضمن له قيمته، وإن شاء مكنه من أخذه.
قال: وإذا غصب الرجل من الرجل خمرًا فخللها، فلصاحبها أن يأخذها، وهذا إنما يعني به في خمر المسلم؛ لأنه لا يقدر على تضمين الغاصب [الخمر]؛ لأنها ليست بمالٍ له، إلا أنها كانت على ملكه، ألا ترى أن المسلم يملك الخمر على أصل أبي حنيفة إذا وكَّل ذميًّا بشرائها.
وعلى قولهم جميعًا: إذا اشتراها عبده المأذون النصراني، وإذا عجّز مكاتبه النصراني، وإذا اتخذ من العصير خلًا، فصارت خمرًا قبل ذلك.
فإذا كانت على ملكه وقد استحالت خَلًّا من غير مالٍ من جهة الغاصب، ألا ترى أن الملح الذي يطرحه فيها مستهلك لا عين له، فكأنها استحالت بنفسها خلًا، فتكون لصاحبها.
قال بشر عن أبي يوسف وقال أبو حنيفة: في رجل غصب من رجل جلدًا [قد تغيّر] ودبغه، فإن كان الجلد جلد ميتة، فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ، وإن شاء سلَّمه ولا شيء له، وإن كان ذكيًّا: فإن شاء ضمنه قيمته، وإن شاء أخذه ورد عليه ما زاد الدباغ.
أما الجلد الذكي إذا غصبه فدبغه: فإن دبغه بما لا قيمة له مثل الماء والتراب والشمس، فلصاحبه أخذه ولا شيء عليه؛ لأنه ليس فيه عين مال من جهة الغاصب، (وإنما هناك منافع وهي غير متقومة، فليس له أن يضمن الغاصب) (١)؛
стр. 3682
لأن الجلد بحاله لم يدخله نقص، فلم يلزم مالكه غرم.
فأما إذا دبغه بما له قيمة، مثل [الشَّثّ] (١) والقَرَظ [والعَفْص]، فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه قيمته غير مدبوغ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه؛ لأن الدباغ بما له قيمة عين مال قائم في الجلد، فصار كالصبغ في الثوب.
وأما إذا غصب جلد ميتة ودبغه بما لا قيمة له، فلصاحبه أخذه؛ لأنه استحال مالًا على حكم ملكه من غير زيادة من جهة الغاصب فيه، وهذا إذا أخذ الميتة من منزل صاحبها فدبغ جلدها.
وأما إذا ألقى صاحب الميتة الميتة في الطريق، فأخذ رجل جلدها فدبغه، فقد قالوا: إنه لا سبيل له على الجلد؛ لأن إلقاءها في الطريق إباحة لأخذها، فلا يثبت له الرجوع، كإلقاء النوى.
وإن دبغه بما لَهُ قيمة، فلصاحبه أن يأخذه ويغرم له ما زاد الدباغ؛ لأن الجلد صار مالًا بمال الغاصب، وهو عين قائمة، فلا يجوز نقلها بغير عوض، وليس له أن يضمنه قيمة الجلد؛ لأنه غصبه، ولا قيمة له.
قال: ولو أن الغاصب جعل هذا الجلد أديمًا، أو زقًا، أو دفترًا، أو حرابًا، أو قِربةً، أو فَروًا، لم يكن للمغصوب على الجلد سبيل ولا خيار، فإن كان الجلد ذكيًّا ضمن الغاصب قيمته، وإن كان ميتةً فلا شيء عليه؛ وذلك لأنه أزال الاسم
стр. 3683
وأكثر المنافع بصفة حادثة، فحلّ محلّ الثوب إذا خاطه.
فإن كان الجلد ذكيًّا، فله قيمة عند الغصب، فيضمنها (١)، وإن كانت ميتة فلا قيمة له عند الغصب، ولا حق للمغصوب في العين، فسقط الضمان.
وقال في الأصل: في الرجل يغصب الخمر وهي لرجل مسلم، فيستهلكها، قال: لا ضمان عليه؛ وذلك لأن الخمر ليست بمال للمسلم، ولا قيمة لها في حقه، ومن أتلف ما ليس بمتقوم لم يضمن.
قال: فإن جعلها خلًا، فلربها أن يأخذها، وهذا على ما بيّنّا.
قلت: وكذلك لو غصبه جلد ميتة، فدبغه، فلرب الجلد أن يأخذه، وهذا على التفصيل الذي قدمناه.
قال: فإن غصبه عصيرًا فصار خمرًا، والمغصوب مسلم، فله أن يضمنه قيمة العصير ولا يتعرض للخمر، فإن وجد العصير وقد صار خلًا، فله أن يضمنه قيمته ولا يتعرض للخل، فإن شاء أخذ الخل ولم يضمنه قيمة العصير.
ولم يذكر في هذا الموضع أنه يرد ما زاد الدباغ، وهو قولهم جميعًا، وإنما أراد أن الدباغ لا يمنع صاحب الجلد من أخذه.
فأما العصير إذا غصبها، فهي عين مال له قيمة، فإذا صارت خمرًا فقد هلكت في يد المسلم، فله أن يضمنه القيمة، وإنما ذكر القيمة في الأصل؛ لأنه (وضع الأمر على أنهما تخاصما بعد) (٢) حين العصير.
стр. 3684
فأما إذا قدر على عصير، فإنه يضمنه مثله، وأما إذا صار خلًا، فهي مال المسلم، إلا أن الصفة قد تغيرت؛ لأن العصير ينتفع به ما لا ينتفع بالخل، فكان المغصوب منه بالخيار: إن شاء أخذها مع نقصانها، وإن شاء أخذ مثل عصيره.
وقال في رجل مسلم غصب رجلًا مسلمًا خمرًا، فجعلها خلًا، ثم استهلكها، قال: عليه خل مثله؛ وذلك لأنه لما جعلها خلًا، كان لصاحبها أخذها على ما قدمنا: أنها استحالت مالًا على غير ملكه من غير زيادة مال من جهة الغاصب، فإذا استهلكها الغاصب ضمن مثلها، كما لو (١) لم يتقدم الغصب.
قال: فإن غصبه جلد ميتة، فدبغه ثم استهلكه، فلا شيء عليه.
قلت: من أين اختلفا؟ قال: من قِبَلِ أنه يأخذ الخل ولا يغرم شيئًا، ولو وجد الجلد مدبوغًا أخذه وغرم ما زاد الدباغ فيه.
(وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن الغاصب قيمة الجلد مدبوغًا، ويعطي صاحب الجلد ما زاد الدباغ فيه) (٢)(٣).
قال: وكذلك قال في الجامع الصغير، وهذا على وجهين: إن دبغه بما لا قيمة له، فهلك عنده بعد الدباغ، فلا ضمان عليه؛ لأن الدباغ ليس باستهلاك منه، ولو ضمن الضمن بالغصب، ولا قيمة له عند الغصب (٤).
وإن استهلكه ضمن في قولهم؛ لأن الجلد صار مالًا، وهو على حكم ملك
стр. 3685
صاحبه، فإذا أتلفه الغاصب، ضمن قيمته بالإتلاف، كما لو ابتدأ ذلك من غير غصب متقدم.
فأما إذا دبغه بمَا لَه قيمة، فهلك عنده، فلا ضمان عليه في قولهم؛ لأن الدباغ ليس بإتلاف من الغاصب، فيتعلق به الضمان، والغصب المتقدم لا يتعلق به ضمان لأجل الجلد (١).
وأما إذا استهلكه، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة؛ وذلك لأنه لا يخلو: إما أن يضمن قيمته مدبوعًا، أو غير مدبوغ، ولا يجوز تضمينه غير مدبوغ؛ لأن الجلد غير متقوم في ذلك الوقت، فلا يجوز تضمينه مدبوعًا؛ لأن الدباغ مال للغاصب، لو لم يكن حين استهلك الجلد لم يضمن، فلا يجوز أن يضمنه لأجل ماله، فلم يبق إلا سقوط الضمان.
وأما هما قالا: يضمن قيمته مدبوغًا، ويأخذ ما زاد الدباغ فيه؛ وذلك لأنه أتلفه، وهو مال لمالكه، ألا ترى أنه كان له أخذه، والإتلاف سببٌ للضمان، فكأنه ابتدأ إتلافه من غير غصب، ويغرم المغصوب ما زاد الدباغ فيه؛ لأن ذلك قد سلم له حين أخذ عوضه، فكأنه أخذ الجلد قبل الاستهلاك.
стр. 3686
باب الضمانِ بالخَلْطِ
قال ابن سماعة في نوادره: في رجلين أودَعَ كل واحد منهما رجلًا ألف درهم،، فخلط المُوْدَعُ المالين جميعًا، فاختلطا، قال: أبو حنيفة: لا سبيل لهما على أخذ هذه الدراهم، ولهما على المودع مثلها.
وقال محمد: هما بالخيار: إن شاءا أخذا ألفين سوى هذين، وإن شاءا أخذا هذين الألفين فاقتسماها نصفين.
لأبي حنيفة: أن الخلط استهلاك، بدلالة أن للمالك حق التضمين مع بقاء العين، فلولا أنها في حكم المستهلك، لم يثبت له حق الضمان، والاستهلاك يُسقط حق المالك؛ ولأنه معنى يمنع من وصول المالك إلى عين ملكه، فصار كالهلاك.
وجه قولهما: أن العين باقية، (وإنما دخلها نقص بالشركة) (١)، فالمالك بالخيار: إن شاء أخذها مع النقص، وإن شاء ضَمَّن الخالط.
وقال محمد: لا يَسَعُ المُوْدَع أخذ هذه الدراهم حتى يؤدي مثلها إلى أصحابها، ألا ترى أنه لو غصب ألفين من رجلين، من كل واحد ألفًا، ثم خلط ذلك، لم يسعه أكل ذلك، ولا يحل له حتى يؤدي مثلها إلى أصحابها، وهذا
стр. 3687
ظاهر على أصل محمد؛ لأن عنده أن حق المالك لم يسقط عنها، فلا يجوز للخالط التصرف في ملك غيره [عنده].
فأما على أصل أبي حنيفة: فقد زال ملك المالك عنها، فقوله: لا يحل له أكلها، إنما يعني به: لا يحل له أن يشتري بها ما يؤكل؛ لأن التصرف فيها ممنوع منه ما لم يؤد العوض.
فأما أكل ما اشترى بها فهو حلال؛ لأنهم قالوا: فيمن غصب ألفًا فاشترى بها ثوبًا، وسعه أن يلبسه؛ لأن الشراء (١) لم يقع بعينها، وإنما وقع بمثلها في ذمته.
وقالوا: ولو اشترى بالدراهم المغصوبة دنانير، لم يحل له أن يتصرف في الدنانير؛ لأن الدراهم إذا استحقت وجب رد الدنانير [المغصوبة؛ لأن] بدلها لم يقبض في المجلس، فصارت كالمقبوضة ببيع فاسد، [فيمنع من التصرف فيها].
وقالوا: لو تزوج بها امرأة، وسعه أن يطأها؛ لأن العقد لم يقع على الدراهم.
وقالوا: لو غصب ثوبًا فاشترى به جاريةً لم يسعه أن يطأها حتى يدفع قيمة الثوب إلى صاحبه؛ لأن الثوب يتعين بالعقد، فإذا استحق رجع بائع الجارية فيها، فصار كالمقبوضة ببيع فاسد، فلا يحل وطؤها.
ولو تزوج بالثوب المغصوب، حل له وطء الزوجة؛ لأن الثوب لو استحق لم ينفسخ النكاح، ووجب عليه قيمته، فلم يمنع من الوطء.
وهذا يبين أنما عنى بتحريم الأكل في مسألتنا: تحريم التصرف بها فيما يؤكل، فأما أكل العوض فمباح على أصلهم.
стр. 3688
قال: فإن أودعه [رجلٌ] شعيرًا، وأودعه آخر كُرَّ (١) حنطةٍ، فخلطهما، فهو ضامن من مثل الحنطة لصاحبها، ومثل الشعير لصاحبه، وهذا على الخلاف الذي قدمنا، عند أبي حنيفة: لا سبيل للمودعين على العين؛ لأن المودع ملكها بالخلط، وعلى قولهما: لهما حق التضمين للعيب الذي دخل في مالهما بالشركة، ولهما أن يأخذا العين.
فإذا باعاها أو سمّى [اقتسما] الثمن على قيمة الحنطة [غير] مخلوطة بالشعير، وعلى قيمة الشعير غير مخلوط [بالحنطة]؛ وذلك لأن اختلاط الحنطة بالشعير عيب فيها، وصاحبها إنما يستحق بدلها في الحال وهي [غير] معيبة، فيضرب بقيمتها على تلك الصفة، واختلاط الشعير بالحنطة يوجب زيادة فيه، وتلك الزيادة من ملك الغير، فلا يجوز لصاحب الشعير أن يضرب بها؛ فلذلك يضرب بشعير غير مختلط.
وقال بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لو أن رجلًا خلط دراهمه بدراهم آخر، أو طعامه بطعام آخر، كان الخالط ضامنًا، وكان ذلك له.
وإن مات الغاصب وعليه دين، ضرب المغصوب في ذلك مع غرماء الغاصب؛ وذلك لأن ملك المغصوب زال عنده عن العين، وانتقل إلى ذمة الغاصب، فصار في العين كسائر الغرماء.
وهذا على ما قدمنا في مسألة الحنطة إذا طحنها: أنه ليس لصاحبها حق الحبس.
стр. 3689
وقال الحسن في إثر حكايته عن أبي حنيفة: لو أنَّ رجلًا جاء بماء فصبّه في دهن لرجل، أو زيت، أو سمن، فنقصه ذلك من جودته، وزاد في كيله، كان لصاحبه أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء؛ وذلك لأن الدهن المختلط بالماء لا مثل له، فيغرم مثله، فإذا لم يكن له مثلٌ غرم قيمته، ولا يجوز أن يغرم مثل كيله قبل صب الماء؛ لأنه لم يكن منه غصب متقدم للخلط، فيضمن مثله في تلك الحال.
قال: فإن اغتصبه إياه وهو زيت أو سمن، وصب الغاصب فيه ماء وهو في يده، كان لصاحبه أن يضمنه كيلًا مثل كيله، ولم يكن له أن يضمنه القيمة؛ لأنه قد تقدم منه على الخلط سبب يتعلق به الضمان، وهو الغصب، فاستند الضمان إليه، وهو في تلك الحال له مثل، فيضمن مثل كيله.
قال: ولو أن رجلًا غصب من رجل كُرًّا من طعام، فأفسده فصب الماء فيه، وزاد في كيله، فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصبّ فيه الماء، وليس له أن يضمنه طعامًا مثله، وهذا كله على قياس قول أبي يوسف، وبه نأخذ، ووجهه ما ذكرناه في الزيت.
وقال الحسن: قال أبو يوسف: لو أن رجلًا غصب رجلًا كُرَّ طعام، فخلطه بطعام له قليل أو كثير، ثم احترق ذلك الطعام، فعلى الغاصب طعام مثله، وإن كان قائمًا بعينه وقد خلطه بطعام، كان صاحب الطعام بالخيار: إن شاء أخذ قيمته [مثله] الطعام الذي اغتصبه، وإن شاء كان شريكًا معه في ذلك الطعام [بقدر] (١) طعامه، كان طعامه الغالب أو طعام الغاصب، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة.
стр. 3690
والأول أثبت عندنا: وهو أنه لا سبيل له على المختلط، وهذه رواية أخرى عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف ومحمد.
وأما إذا أخلط، ثم احترق، فقد دخل في ضمانه بالخلط في قولهم، فإذا هلك، كان عليه مثله.
وقال الحسن: لو أن رجلًا جاء بكُرّ حنطة، فصبّه على طعام رجل، وهو مثله في الكيل والجودة، كان شريكًا معه في ذلك الطعام بقدر طعامه.
فإن سُرِقَ الطعام، لم يكن لواحد منهما على صاحبه ضمان؛ وذلك لأنه لا يجعله مستهلكًا بالخلط في هذه الرواية، ولم يجعله غاصبها؛ لأن النقل لم يوجد، فإذا هلك لم يضمن.
قال: وإن كان صَبَّ الكُرَّ على قفيز (١) من حنطة، ثم سُرق الطعام، فإن أبا يوسف قال: يضمن الذي صب الكر مثل القفيز. وفيها قول آخر: أنه شريك بقدر طعامه.
وإن سرق الطعام، لم يكن لواحد منهما على صاحبه ضمان؛ وذلك لأنه إذا صَبَّ كُرًّا على قفيز، فالقليل تابع للكثير ومستهلك فيه، فدخل في ضمانه.
والحسن يقول: إن الجنس لا يصير مستهلكًا في جنسه، ولم يوجد النقل، [فلم يُضمن مال]، فإن صَب قفيزًا على كرّ، لم يضمن وإن سُرقَ في
стр. 3691
القولين؛ لأن الكثير لا يصير تابعًا للقليل، ولا مستهلكًا فيه.
قال: فإن صبّ رديئًا على جيّد فأفسده، فهو ضامن لكيل مثل الجيِّد، سُرق الطعام أو كان قائمًا؛ (وذلك لأنَّ خلط الرديء بالجيد يُوجب عيبًا فيه.
قال: فإن صب على رديءٍ جيدًا، كان شريكًا بقدر الذي صبَّ) (١)؛ لأن [خلط] الرديء لا يتعيب بخلط الجيد.
قال: وإن ضاع الطعام، فلا ضمان لواحد منهما على صاحبه.
وكذلك الزيت إذا صبه على زيت، أو غصب زيتًا من رجل فصَبَّه على زيت له، كان بمنزلة الطعام، وهذا كله على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر، وبه نأخذ.
وهذا إنما يعني به: على قياس قوله في وجوب الضمان.
فأما كيفيته: فإذا صب على الطعام الجيد الطعام الرديء، فيجب أن يضمنه قيمته؛ لأنه لا مثل للطعام المختلط.
стр. 3692
باب اختلافِ الغاصبِ والمغصُوبِ
[قال أبو الحسن]: (قال ابن سماعة عن أبي يوسف) (١): إذا اختلف الغاصب والمغصوب فيما غصب، أو في صفته، أو في قيمته، فالقول قول الغاصب في ذلك كله مع يمينه، ولا يصدق المغصوب أن يلزم الغاصب بدعواه أنهُ أخذ من يده شيئًا والغاصب يجحد ذلك؛ لأن الأصل براءة ذمة الغاصب، فالقول قوله في براءة ذمته، إلا أن يثبت غير ذلك؛ ولأن من في يده شيء فالظاهر أنه ملكه، فإذا ادّعاه غيره لم يقبل قوله إلا ببينة (٢).
فإن قال المغصوب: غصبتني هذه الأمة التي في يدك، وقال الغاصب: بل غصبتك هذا العبد، أو قال: هذا الثوب، وقال الغاصب: هذا الثوب الآخر، فالقول قول الغاصب، وكذلك سائر الأعيان؛ وذلك لأن المدعي يَدّعي غصب الجارية، وصاحب اليد ينكر، والأصل أن لا غصب، فالقول قول صاحب اليد، وقد اعترف صاحب اليد بالعبد للمدعي، فرد اعترافه، فسقط.
قال: وكذلك لو اختلفا في صفة (٣) المغصوب، فقال: غصبتك هذا العبد وهو أعور، وقال المغصوب: غصبته صحيحًا، أو قال: غصبتك هذا الثوب وبه هذا الخرق، أو فيه هذا الأثر، وادعى المغصوب أنه غصبه صحيحًا لا أثر به ولا
стр. 3693
خرق، فالقول قول الغاصب؛ وذلك لأنه لو أنكر الغصب كان القول قوله، فإذا اعترف بشيء دون شيء فالقول قوله؛ ولأنه يزعم أنه غصب عبدًا ناقصًا، والمغصوب يدّعي عليه غصب عبد كامل، فالأجزاء التي يختلفان فيها غير مغصوبة في الأصل حتى يثبت غصبها.
قال: ولو أقر الغاصب في جميع هذه الوجوه بما ادعى المغصوب ثم قال: قد رددت ذلك [عليك] (١)، أو رددت ما لزمني من الضمان، وقبضته، لم يصدق على ذلك، فالقول قول المغصوب أنه لم يقبض منه، ولم يرد عليه مع يمينه، إلا أن يقيم الغاصب البينة؛ وذلك لأن الغاصب اعترف بالضمان، وادعى سقوطه، وذلك معنى حادث، فلا يقبل قوله إلا ببينةٍ (٢).
قال: ولو أَقَرَّ الغاصب أنه غصبه عبدًا صحيحًا، أو ثوبًا، وأن المغصوب جنى عليه، وأحدث ذلك في العبد بفعله، فإنه لا يصدق، ويضمَّنُ ما نقص العبد أو الثوب بعد أن يحلف المغصوب (٣) ما فعل ذلك؛ وذلك لأنه اعترف بالضمان للعبد الكامل، وادعى البراءة من ضمان جزء منه يتناول الملك له، فهو كما لو ادعى أن المالك أخذ جميع العبد.
قال: فإن أقام الغاصب البينة أنه قد ردّه عليه، وأن [العيب] (٤) الذي في المغصوب أحدثه صاحبه فيه بعد غصبه، قُبلت بينته وبرئ من ذلك؛ لأنه ادعى البراءة من الضمان، وأقام البينة على ذلك، فتقبل بينته.
стр. 3694
قال: ولو غصبه دابة، فأقام رَبُّ الدابة البينةَ أن الدابة نفقت عند الغاصب من ركوبه، وأقام الغاصب البينة أنه ردّها إليه، فالبينة بينة المغصوب، وعلى الغاصب القيمة، ولا يبرأ منها؛ وذلك لأنه لا تنافي بين البينتين؛ لأنه يجوز أن يكون (١) ردّ الدابة ثم ركبها الغاصب فتلفت، فيكون ذلك غصبًا مبتدًا، فإذا لم تتنافى البينتان، وجب الضمان.
قال: وكذلك لو شهدت شهود رب الدابة أن الغاصب قتلها، وشهدت شهود الغاصب أنه قد ردّها إليه، فعلى الغاصب القيمة، وهذه رواية الأصل، وقد بينا وجهها (٢).
وقال في موضع آخر من الأصل: أرأيت الرجل يغصب الدابة، فيقيم صاحبها البينة أنه غصبه (٣) إياها، وأنها نفقت عنده، قال: فلا ضمان عليه، وهذا غير مخالف للأول؛ لأنهم لم يشهدوا أنها نفقت عند الغاصب من عمله حتى تكون الشهادة بغصب مبتدأ، وإنما شهدوا على مجرد الموت، ولم يعلموا بالرد، وشهود الرد عرفوا معنى حادثًا، فشهادتهم أولى.
قال بشر عن أبي يوسف: لو أن رجلًا غصب رجلًا عبدًا، فشهدت شهود الغاصب أن رب العبد قبضه منه، فمات عنده، وشهدت شهود المغصوب أن العبد مات عند الغاصب، كان الغاصب ضامنًا للقيمة، لا تبرئه منه البينة على دفع العبد.
وهذا مخالف لما في الأصل، ووجهه: أن شهادةَ شهود المغصوب بموته
стр. 3695
في يد الغاصب شهادةٌ بثبوت يده عليه بعد الرد، وكأنهم شهدوا بغصبٍ مبتدأٍ. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يجوز أن يكون عرفوا الغصب والموت، فاستصحبوا يد الغاصب حين لم يعرفوا الردَّ، فقالوا: مات عنده، فالرجوع إلى من أثبت الرد أولى.
قال أبو يوسف: ألا ترى أن شهود المغصوب لو شهدوا أن فلانًا غصب هذا العبد من فلان، فمات عنده، وشهدت شهود الغاصب أن العبد مات في يد مولاه قبل الغصب، لم ينتفع بهذه الشهادة، وكان الغاصب ضامنًا له؛ وذلك لأن الشهادة على موت العبد في يد مولاه لا يتعلق بها حكم، فسقطت؛ لأن الشهود عرفوا يد المولى والموت، ولم يعرفوا الغصب، فشهدوا أنه مات في يد المولى، فشهادة من عرف الغصب أولى.
وقال أبو يوسف: أرأيت لو شهد شهود المغصوب أن الغاصب غصبَ يومَ النحر بالكوفة، وشهدت شهود الغاصب أنه كان يوم النحر بمكة، أو العبد شهد على أحدهما، يعني: على أحد هذين المعنيين، وأثبتوا، لم تكن هذه الشهادة في البراءة باطلًا، والضمان للغاصب لازم؛ وذلك لأن شهادة شهود الغاصب بكونه يوم النحر بمكة، لا يتعلق بها حكم، فسقطت، وتعلق الضمان بالأخرى.
وقال محمد في الإملاء: إذا أقام المغصوب البينة أنه مات في يد الغاصب، وأقام الغاصب البينة أنه مات في يد المغصوب، فالبينة بينة الغاصب؛ وذلك لأنه قد أقرَّ بالغصب، والموت عنده لا يتعلق به الضمان، وإنما يتعلق بالغصب، فلا معنى لإقامة البينة على الموت، ألا ترى أن قيمته لو زادت بعد الغصب لم
стр. 3696
يضمنها بالموت، وإذا سقط إقامة البينة على الموت في يد الغاصب؛ لأنها لا تفيد إلا ما أفاده إقراره بالغصب، بقيت بينة الغاصب على موت العبد في يد مولاه، فبرئ من الضمان، وهذا مثل رواية الأصل (١).
стр. 3697
باب الرجل يغصبُ الشيءَ في بلدٍ فيطالَبُ به في غيرِه
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف ﵀ قال: في رجل غصب عبدًا فذهب به إلى أفريقية (١)، فلقيه المغصوب، فخاصمه، فهو بالخيار: إن شاء أخذ عبده بعينه، وإن شاء أخذ قيمة عبده في الموضع الذي غصبه [منه].
وكذلك إن كان نُورة، أو جَصًّا، أو شيئًا مما يكون عليه مثله، فهو بالخيار: إن شاء أخذ متاعه بعينه، وإن شاء مثله في الموضع الذي غصبه إياه.
[قال الشيخ]: وجملة هذا: أن من غصب شيئًا في بلد، وطولب [به] في بلد آخر، فهو على وجهين: إما أن يكون الغصب في جنس الأثمان، أو في غيرها، فإن غصبه دراهم أو دنانير في بلد، فالتقيا في بلد آخر، فطالبه بها، فعليه تسليمها إليه، وليس لصاحبها أن يطلب قيمتها وإن اختلف سعرها؛ لأن الدراهم والدنانير هي الأثمان في كل مكان، ولا تختلف باختلاف الأماكن، والمطالبة بها في مكان الغصب وفي غيره سواء.
فإن شاء المغصوب أخذها، وإن شاء أخّر المطالبة؛ لأنها حق له.
وأما إذا كان الغصب في غير الأثمان، فالتقيا في بلد آخر، فإن كانت العين المغصوبة قائمة في يد الغاصب وقيمتها في هذا المكان مثل قيمتها في مكان
стр. 3698
الغصب أو أكثر، فللمغصوب أخذها، وليس له أن يطالب بقيمتها؛ لأن الغاصب أزال يده عن العين، وفوّت مقدار قيمتها من ملكه، والقيمة متساوية، فإذا ردها عليه في هذا المكان، فلم يفوت شيئًا من ملكه؛ فلذلك لم يكن له إلا العين.
فأما إن كان سعرها في هذا المكان أقل من سعرها في مكان الغصب، [فالمغصوب بالخيار: إن شاء طالب بقيمتها في مكان الغصب]، وإن شاء أخذها، وإن شاء انتظر حتى يأخذها في البلد الذي غصب فيه؛ وذلك لأن الغاصب فوت عليه بالغصب مقدارًا من ماله، لا يعود برد العين إليه، فكان له أن يعدل إلى قيمتها، كما لو دخلها عيب، وله أن يأخذها؛ لأنه يُسقط حقه من النقصان، وله أن ينتظر؛ لأن المطالبة ثبتت لحقه، فإذا أخذها جاز.
ولا يقال: إن العين إذا كانت باقيةً، فتفاوُتُ الأسواق في البلاد كنقصان (١) السعر في البلد الذي غصب فيه، ولو وجدها في ذلك البلد، لم يكن له إلا العين وإن نقص سعرها، فكذلك هذا؛ وذلك لأنها إذا وجدت في المصر الذي غصبت فيه وقد نقص سعرها، فنقصان السعر لا يعود إلى فعل الغاصب، ولا يتعلق بالعين.
وأما في مسألتنا، فتفاوت السعر حصل بسبب من جهة الغاصب، وهو نقلها من بلد إلى بلد، ولو تركها في البلد الأول لم ينقص حق صاحبها؛ فلذلك ثبت للمغصوب الخيار.
وأما إذا كانت العين هالكة، فلا يخلو: إما أن يكون سعرها في المكان الذي
стр. 3699
التقيا كسعرها في المكان الذي غصب، أو أكثر، أو أقل، فإن كان قيمتها أقل من قيمتها في مكان الغصب، كمن غصب تمرًا ببغداد واختصما بالبصرة، فالمغصوب بالخيار: إن شاء أخذ تمرًا مثله، وإن شاء أخذ قيمة التمر ببغداد يوم غصبه.
وإن شاء انتظر حتى يأخذه ببغداد؛ [وذلك] لأن التمر يختلف بين البلدين لأجل الحمل والمؤنة، وقد فوّت عليه الغاصب التمر، وهو زائد القيمة، فلم يكن له أن يدفع إليه تمرًا ناقص القيمة لمعنى يتعلق بفعله، ولا يجوز أن يلزم المغصوب التأخير إلى بغداد؛ لأنه يستضر بذلك، فلم يبق إلا القيمة، وليس يمتنع في المكيلات والموزونات أن يعدل إلى القيمة، إذا لم يتمكن من استيفاء الحق إلا بها، كما يعدل في قيمة إذا لم يتمكن من استيفاء الحق إلا بها، كما يعدل في قيمة القلب من جنسه إلى غير جنسه؛ لأنا لا نقدر على استيفاء قيمة الصياغة إلا بذلك.
وللمغصوب أن يؤخر المطالبة حتى يستوفي الثمن ببغداد؛ لأن له حقًّا في المثل، حتى يعيد الغاصب يده على الوجه الذي أزالها.
وأما إذا كانت القيمة في مكان الخصومة أكثر من القيمة في مكان الغصب، كمن غصب تمرًا بالبصرة، فاختصما ببغداد، فالغاصب بالخيار: إن شاء أعطى تمرًا [مثله]، وإن شاء أعطى قيمته بالبصرة؛ لأنه يستضر بدفع المثل ببغداد مع تفاوت قيمته، ولم يثبت للمالك حق إلا في الاستيفاء بالبصرة، فوجب أن يعدل إلى القيمة بالبصرة حتى لا يضر بواحد منهما.
فإن اختار الغاصب دفع المثل، فقد التزم أكثر مما عليه، فجاز.
стр. 3700
وإن اختار المغصوب تأخير المطالبة إلى البصرة فله ذلك؛ لأن له حقًّا في المطالبة بالعين، ولا يمكن ذلك ببغداد، فكان له الصبر حتى يستوفي في نفس ما تعلق حقه به.
وأما إذا كانت قيمته في مكان الخصومة كقيمته في مكان الغصب، فللمغصوب أن يطالب بالمثل؛ لأنه لا ضرر في ذلك على الغاصب، فكأنه طالبه به في المكان الذي غصبه [فيه، ومسائل الباب تترتب على الأقسام التي ذكرنا].
стр. 3701
باب ما يكونُ قبضًا للغصب
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا غصب الرجل شيئًا، ثم إن المغصوب أحدث في الشيء الغصب حدثًا، أو فعل فيه أو به فعلًا، لو كان فعله في ملك غيره صار به غاصبًا ضامنًا، فإن المغصوب إذا فعل مثل ذلك في الغصب كان قابضًا، [له]، وبرئ الغاصب منه، مثل أن يكون الغصب عبدًا فيستخدمه المغصوب، أو ثوبًا فيلبسه المغصوب، أو دابةً فيركبها، فإنه قد صار بذلك قابضًا للغصب، وبرئ الغاصب منه؛ وذلك لأن الفعل الذي يصير به غاصبًا يوجب ثبوت يده على العين، وثبوت يد المالك على العين المغصوبة يوجب سقوط ضمان الغاصب لزوال يده عنه، ألا ترى أن من نازع رجلًا في دابة وهو راكبها، أو في ثوب هو لابسه، أو في عبد يستخدمه، كان القول قوله، فدل على أن هذه المعاني يد وتصرف، فتُسْقِط ضمان الغصب.
قال: وسواء عَرف [ذلك] (١) المغصوب منه أو لم يعرف؛ لأن تصرفه يوجب سقوط الضمان، وذلك لا يختلف بالعلم والجهل، كالبراءة.
ولأنه لو تصرف في ملك غيره وهو لا يعلم صار غاصبًا، فكذلك إذا تصرف في ملك نفسه وهو لا يعلم، صار قابضًا.
قال: ولا يكون الغاصب غاصبًا له بالغصب الأول [أبدًا]، إلا أن يحدث
стр. 3702
غصبًا مستقلًا، وذلك لما بينا أن تصرف المالك أسقط ضمان الغصب، فلا يعود إلا بعود سببه.
قال: وكذلك لو كان الغصب طعامًا، فأكله المغصوب وهو يعرفه أو لا يعرف، أو أطعمه إياه الغاصب، أو كان ثوبًا فلبسه المغصوب، أو ألبسه إياه الغاصب، وهو يعرفه أو لا يعرفه، فقد برئ منه الغاصب؛ وذلك لأنه إذا أكله، فقد ثبتت يده عليه عند الأكل، وثبوت اليد يبرئ الغاصب من الضمان.
فأما إذا أطعمه إياه، سقط ضمانه عندنا، وقال الشافعي: لا يسقط (١).
لنا: أن الطعام قد سُلّم له في الأكل، فلو رجع على الغاصب ببدله لسلم له العوض والمعوض فيما يصح تملكه بالمعاوضات، وذلك لا يصح.
قال: ولو أن المغصوب أخذ العبد من الغاصب ليخدمه، أو الثوب ليلبسه، أو الدابة ليركبها، فقبل الغاصب الإجارة، فإن الغاصب بريء من ضمان العبد حتى تجب عليه الأجرة بالإجارة، وذلك مع قبض ما وقعت عليه الإجارة؛ وذلك لأن الأجرة إذا وجبت انتفى ضمان الغصب؛ لأن الأجرة والضمان لا يجتمعان (٢).
وقد قالوا: في الغاصب إذا استأجر العبد المغصوب من مولاه ليبني له حائطًا معلومًا، سقط [ضمان] الغصب حين يبتدئ بالبناء؛ لأن الأجرة لا تجب بالتخلية، وإنما تجب بالعمل، وسقوط الضمان يتعلق بوجوب الأجرة.
стр. 3703
فأما في الاستخدام، فوجوب الأجرة يحصل مع وجود التخلية في أول المدة المعقود عليها، فإذا حصل ذلك، وجبت الأجرة، فسقط الضمان.
ولهذا قال أبو الحسن: إن الضمان يسقط مع قبض ما وقعت عليه الإجارة، ومعلوم أن العبد في يد الغاصب، فهو له قابض، إلا أنه قد [يعقد على مدة] (١) في المستقبل، فلا يكون القبض قبض الإجارة حتى تأتي المدة.
وتحمل المسألة على أنه استأجرها في الحال، إلا أن الدار ليست بحضرتها، فلا يبرأ من ضمان الغصب حتى يسكنها أو يتمكن من سكناها، فترك ذلك مع القدرة.
وقد قالوا: في المغصوب إذا زوج جارية الغصب من الغاصب، برئ من ضمانها في الحال في قول أبي يوسف؛ لأنها صارت بنفسه بالتزويج، ولم يبرأ في قياس قول أبي حنيفة.
وهذا فرع على اختلافهم في البيع: أنه هل يصير قابضًا بالتزويج أم لا؟
قال: ولو كان المغصوب استأجر الغاصب حتى يُعَلِّم العبد الخَبْز أو الكتابة، فذلك جائز، وهو في يد الغاصب على ضمانه، لا يبرئ من الضمان باستئجاره، فإن هلك في يده بعد ذلك، وقد أخذ في تعليمة أولم يأخذ (٢)، ضمن قيمته.
وكذلك لو كان الغصب ثوبًا، فاستأجر صاحب الثوب الغاصب أن يفتله، فهو جائز، ولا يخرجه ذلك من الضمان، ولو ضاع عنده كان ضامنًا في قول من
стр. 3704
[لا] (١) يضمّن الأجير المشترك، كذا روى ابن سماعة عن محمد؛ وذلك لأن استئجار الغاصب على تعليم العبد وقتل الثوب لا يقتضي ثبوت يده عليه؛ لأنه قد يُوقع العمل فيه وهو في يد المولى وداره، فلم يبرأ بذلك من الضمان.
وليس كذلك إذا استأجر الدابة ليركبها؛ لأن العقد يقتضي تسليم الدابة إليه لتجب الأجرة بالتسليم؛ ولأنه استؤجر في مسألتنا على إيقاع فعل في العين، وذلك لا يوجب زوال يد الغاصب، فبقي حكمها في الضمان.
وأما في مسألة الدابة، فإنه عقد له على الركوب، وذلك لا يكون إلا بزوال يد الغاصب، وتجديد الإجارة يسقط الضمان.
فأما قوله في الثوب إذا هلك عنده أنه ضامن له في قول من لا يضمن الأجير المشترك: فصحيح؛ لأن من لا يضمن الأجير يتصور على مذهبه بقاء الضمان بالغصب؛ إذا لو ارتفع ضمان الغصب لم يضمن بالإجارة.
فأما على قول من ضَمَّن الأجير المشترك، فلا يتصور زوال يد الغاصب إلا أن يكون هناك حريق غالبٌ، أو لصوص غالبون، وإلا فالشيء مضمون على الأجير كما هو مضمون على [تبيين] الغاصب؛ فلذلك بني أنه مضمون على قول من لا يضمن الأجير.
قال: ولو أن رجلًا في يده كُرّان، اغتصبه رجلٌ أحدَهما فذهب به، أو سرقه رجل، ثم إن المغصوب أودع الغاصب أو السارق الذي سرق الكرّ الباقي في يده، فعمد السارق إلى كر الوديعة أو الغاصبُ فخلطه بالكرّ الغصب، ثم ضاع
стр. 3705
ذلك كله، فإنه يضمن مثل الكرّ الذي غصب، ولا يضمن الكر الوديعة من قبل الخلط؛ [وذلك] لأن خلطه مال الإنسان بماله لا يوجب ضمانًا على الخالط إذا كانا على صفة واحدة؛ لأن المعنى الموجب للضمان عند أبي حنيفة: أن المالك لا يتوصل إلى عين ماله، وعلى قولهما: المعنى الموجب هو العيب الحاصل بالشركة، وذلك لا يوجد في ملك الإنسان، فلم يجب الضمان بالخلط، فيبقى أحد الكُرَّيْنِ أمانة، والآخر مضمونًا.
فإذا هلكا، فحكمهما بعد الخلط كحكمهما إذا هلكا قبله.
قال محمد: وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم وديعة في كيس، فأخذ منها خمسمائة، فذهب، ثم ردها بعد أيام، فوضعها في الكيس الذي أخذها منه فضاعت، فإنه يضمن الخمسمائة التي كان أخذ، ولا يبرأ منها بردها من قِبَلِ أنه لا يكون رادًا لها إلا بدفعها إلى صاحبها، ولا يضمن بالخلط شيئًا.
أما ضمان الخمسمائة التي أخذها، فيجب أن يكون محمولًا على أنه أخرجها من المصر، فصارت في ضمانه على الرواية التي قالوا: ليس للمودع أن يسافر.
فأما إذا أخذها بنية الغصب، لم يكن ضامنًا لها؛ لأنه يملك بالأخذ والنقل، ومجرد النية لا يتعلق به ضمان.
فإذا صارت مضمونةً [عليه بالوجه] (١) الذي ذكرنا، لم يبرأ من ضمانها إلا بردها على المالك أو على من قام مقامه، فإذا خلطها لم يضمن الباقي بالخلط؛
стр. 3706
لأنه مال واحد على ما قدمناه.
وهذه مسألة مُشْكِلة؛ لأنها تخالف أصلين مشهورين، أحدهما: أن الوديعة بنية الغصب لا يتعلق به الضمان، فإن حملت المسألة على أنه أخرج المال من المصر في إحدى الروايات، فقد ترك أصلًا آخر؛ لأن المودع إذا تعدى ثم أزال التعدي برئ من الضمان.
وقد قال: إنه يضمن الخمسمائة وإن رَدَّها، فالأولى أن يحمل المسألة على أنه أخذ الخمسمائة، فطولب بها، فجحدها، فصار ضامنًا، والجاحد لا يبرأ إلا بالرد على المالك، فإذا خلطها لم يضمن الباقي؛ لأنهما لمالك واحد، وضمن المجحود خاصة (١).
стр. 3707
بَابٌ غصب الصبي والمدبرِ والمكاتبِ وأم الولد
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال بِشر عن أبي يوسف: في رجل غصب صبيَّا حرًّا من أهله، فمرض في يديه، فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان عليه، فإن لم يمرض ولم يمت ولكنه عقره سَبُعٌ فقتله، أو نهشته حيّة فمات، فإن على عاقلة الغاصب الدِّيَة.
[قال الشيخ]: وجملة هذا إن الحر لا يضمن بالغصب صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن ضمان الغصب يقتضي التمليك، والحر لا يصح فيه التمليك؛ ولأنه ضمان يتعلق بالقبض كضمان البيع الفاسد، ويضمن بالجناية؛ لأن الجناية إتلاف.
وإذا ثبت هذا، فمتى مات الصبي بسبب لا يختلف باختلاف الأماكن، فلا ضمان على الغاصب لما بينا أنه لا يضمنه باليد، وإن مات بسبب يختلف باختلاف الأماكن، فالضمان على عاقلته؛ لأن الصبي لا يقدر على حفظ نفسه، فلما حمله إلى هذا المكان، فقد قربه من سبب الجناية، فكأنه ألقى عليه الحيّة، فالضمان على عاقلته؛ لأنه من ضمان الأسباب كحفر البئر.
قال: ولو قتل الصبي رجلًا خطأ في يد الغاصب، فإن للأولياء أن يتبعوا أيهما شاؤوا: فإن شاؤوا اتبعوا الغاصب بالدية، وإن شاؤوا القاتل؛ (وذلك لأن القتل يختلف باختلاف الأماكن؛ لأن الصبي لو كان في أهله دفعوا عنه القاتل، فقد ثبت للأولياء الضمان من وجهين على عاقلة الغاصب لتقريبه الصبي من سبب
стр. 3708
التلف، وعلى عاقلة القاتل) (١) بمباشرته القتل، فكان لهم الخيار في المطالبة.
فإن قيل: إن الغاصب إذا كان كفاعلي السبب، سقط ضمانه مع المباشرة، وصار كالممسك، والقاتل، وكحافر البئر، ومن دفع أخذ فيها؛ وذلك لأن الغاصب وإن كان كفاعلي السبب، فإن المباشرة التي حصلت من القاتل كأنها منه، ألا ترى أنه قرب إليها، فكأنه أخذ السيف وألقاه عليه.
قال: فإن اتبعوا الغاصب رجع على القاتل؛ وذلك لأنهم أقاموه مقام أنفسهم فيما كان لهم من الضمان، فإن اتبعوا القاتل، لم يرجع على الغاصب؛ لأن حاصل الضمان عليه.
قال: وكل هذا الضمان على العاقلة؛ لأنه ضمان جناية.
قال: ولو أن الصبي قتل نفسه، أو وقع في بئر، أو وقع عليه حائط فمات، فالغاصب ضامن، وعلى عاقلته الدية؛ لأن هذا يختلف باختلاف المواضع.
فأما قتله لنفسه: ففيه خلاف، وقد ذكره في آخر الباب.
قال: وللغاصب أن يرجع على صاحب الحائط إن كان تقدم إليه، وعلى (٢) عاقلته الدية؛ وذلك لأن حاصل الضمان على صاحب الحائط؛ لأنه كالدافع له عليه.
قال: ولو قتله رجل عمدًا، كان أولياء الصبي بالخيار: إن شاؤوا اتبعوا القاتل عمدًا فقتلوه، وبرئ الغاصب، وإن شاؤوا [تركوه] واتبعوا الغاصب بالدية
стр. 3709
على عاقلته، ويرجع عاقلة الغاصب في مال القاتل عمدًا، ولا يكون لهم القصاص؛ وذلك لأن الغاصب قرّب له إلى القتل عمدًا، فثبت عليه الضمان بتقريبه، وثبت القصاص على القاتل بقتله، فللأولياء الخيار.
فإِن ضَمَّنُوا الغاصب، رجع بالدية في مال القاتل؛ لأنه قام مقام الأولياء في الضمان، ولا يجوز أن يثبت له القصاص؛ لأنه ليس بولي للصبي؛ ولأن الدية وجبت بالقتل، ويستحيل أن يجب به القصاص، وصار استحقاق الدية على الغاصب شبهة في القصاص، فانتقل في مال القاتل، ويقام الغاصب مقام الأولياء في استيفائه.
قال: ولو أن الصبي قَتَل في يد الغاصب رجلًا، فرده على أبيه، وضمن عاقلة الصبي دية الرجل، لم يكن لهم أن يرجعوا على الغاصب بشيء؛ وذلك لأن الصبي لا يضمن باليد، فلا يضمن جنايته، وإنما يضمن الغاصب الجناية عليه، ولم يوجد ذلك.
قال أبو يوسف: وكان ينبغي في القياس أن لا يضمن الغاصب الصبي الصغير على حال من الحالات؛ لأنه ليس بمال، إلا أن يقتله، إنما ضمناه بالاستحسان؛ لأنه يفتح أن يغصب الرجل صبيًا صغيرًا فيقتل عنده، أو يصيبه أثر (١) دابةٍ أصابته أو بئرٍ سقط فيها، أو غرق في يده، ثم أبرأه من ضمانه.
فكأنه بنى أن القياس ينفي الضمان، وإنما استحسن في تضمينه ما كان جناية على الصبي، فأما جانب الصبي فعلى أصل القياس.
стр. 3710
قال: ولو قتل الصبي نفسه يضمنه الغاصب، كلُّ شيءٍ أتى على نفسه بوجه من الوجوه، أو على بصره، أو يده، أو رجله: فالغاصب ضامن له ما خلا الموت، أو أمر ينزل به من السماء ليس فعل الناس، فإن هذا لا يضمنه الغاصب.
قال: وإذا قتل الصبي نفسه، فضمنه الغاصبُ لم يرجع الغاصب على عاقلة الصبي، وكذلك لو أركبه دابة فألقى نفسه منها.
قال ابن سماعة: وسمعتُ محمدًا يقول في الصبي إذا قتل نفسه، أو طرح نفسه من الدابة، قال: لا ضمان عليه.
لأبي يوسف: أن قتله لنفسه يمكن أهله حفظه منه، فكان من ضمان الغاصب، كقتل الغير له؛ [ولأنه لما ضمن الجناية عليه، ضمن جنايته على نفسه كالعبد.
وجه قول محمد]: ولأنه لو ضمن جنايته على نفسه، ضمن جنايته على غيره، كالعبد، فلما لم يضمن جناية الصبي على غيره، كذلك على نفسه.
فأما قول أبي يوسف: أن الغاصب لا يرجع على عاقلة الصبي بما غرم؛ فلأن الصبي لا يثبت حكم جنايته على نفسه، وإذا لم يتعلق بذلك حكم الضمان، لم يجب على العاقلة.
قال: ولو غصب رجل رجلًا مدبرًا له، فمات المدبّر في يد الغاصب، ضمن قيمته في قول أصحابنا جميعًا، وهو في ضمان الغاصب بمنزلة ضمان العبد؛ وذلك لأن المدبر لرقبته قيمة؛ بدليل أنه يسعى لحق الغرماء ولحق الورثة، فصار كالعبد.
стр. 3711
قال: فإن غصب أم الولد، فماتت في يده، لم يضمنها في قول أبي حنيفة إذا ماتت ميتة نفسها.
قال محمد: قال أبو حنيفة: أم الولد ليست بمال؛ لأنها لا تباع في دين بعد موت مولاها، وأنها حرة من جميع المال.
قال محمد: فإن غصبها غاصب، فماتت في يده ببعض ما وصفت لك أنه يضمن في الصبي الحر، فإن قياس قول أبي حنيفة: أن الغاصب يغرم قيمتها حالة في ماله، وذلك قولنا وقول أبي يوسف؛ لأن أبا حنيفة كان يضمن الصبي الحر، وليس بمال، فأم الولد أحق أن تضمن؛ لأنها أقرب إلى أن تكون مالًا من الصبي الحر، وهذا كله قول أبي حنيفة وقياسه، وهو قول أبي يوسف وقولنا، يعني في ضمان الصبي.
فأما أم الولد، فهي عندهما بمنزلة الأمة، تضمن كما تضمن الأمة التي ليست بأم ولد في الغصب.
أما ضمان أم الولد بالغصب، فقد بيّناه في البيوع، وقد ذكرنا وجه قول أبي حنيفة أن المولى لا يملك منها إلا المنافع؛ بدلالة أنها لا تسعى بعد موتهِ بحال، والمنافع إذا تلفت لا قيمة لها.
وجه قولهما: أن حق الحرية ثبت لها كالمدبرة، فضمانه ضمان الغاصب (١).
فأما قياس محمد لأم الولد على الصبي الحر، وقوله: إنها تضمن بما يضمن به الصبي. فليس بصحيح؛ لأن الصبي يضمن؛ لأنه لا يقدر على حفظ نفسه،
стр. 3712
وهذا لا يوجد في أم الولد.
(وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل غصب رجلًا أم ولد، أو مكاتبًا، أو مدبرًا، فمات عنده، قال: على الغاصب قيمة ذلك، وهذا صحيح على أصل أبي يوسف: أن حق الحرية لا ينافي ضمان الغصب.
قال: ولو باعه أم ولد، أو مدبرة، أو مكاتبة، فماتت في يد المشتري، فإنه يضمن قيمة المدبر ولا يضمن قيمة المكاتب ولا أم الولد، وهذا قول أبي حنيفة) (١).
وقال ابن سماعة: وروي عن أبي يوسف أنه قال في ذلك كله: يضمن.
وقال ابن سماعة في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: في رجل غصب أم ولد رجل، فماتت في يده، قال: لا ضمان عليه، وإن غصب مدبرةً فماتت في يده، فهو ضامن لقيمتها.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن في أم الولد كما يضمن في المدبرة.
وعن أبي حنيفة: في رجل باع أم ولد له أو مدبرة له رجلًا، فماتت في يد المشتري، قال: لا ضمان عليه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن قيمتهما جميعًا في الغصب والبيع، أما الغصب، فقد بيناه.
وأما [مسألة] البيع، فوجهه ما ذكره أبو الحسن: أن ضمان البيع الفاسد
стр. 3713
ضمان الغصب، والمدبرة تضمن بالغصب، وأم الولد لا تضمن، فكذلك البيع.
وأما وجه ما ذكره في الجامع الصغير؛ فلأن المقبوض في البيع الفاسد لا يضمن باليد فحسب، وإنما يضمن بالتسليط على الملك، والتسليط (١) يحصل بالقبض، [وكذلك] التسليط إنما يحصل فيما يملك بالعقود.
فأما ما لا يملك فلا يتعلق به الضمان، كما قالوا فيمن اشترى بميتة أو دم وقَبَضَ، فإنه لا يضمن إذا هلك؛ لأنه ليس في مقابلته بدل، فلم يوجد تسليط على ملك؛ ولأن الغصب يضمن به ما لا يضمن بالعقود، فيجوز أن يضمن المدبرة بالغصب وإن لم يضمن بالعقد، وأما المكاتب؛ فلأنه في يد نفسه، فلا يضمن باليد كالحر (٢).
стр. 3714
باب يجمعُ مسائلَ مختلفةً أغفلها أبو الحسن رحمه الله تعالى
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إذا غصب الرجل عينًا من الأعيان، فعيَّبها، وادعى هلاكها، فإنه يحبس حتى يمضي من الزمان مدة لو كانت في يده لأظهرها؛ وذلك لأن حق المالك متعلق بالعين، فإذا ادعى هلاكها والظاهر بقاؤها، فيريد أن يسقط حقه من العين وينقله إلى القيمة، فلا يصدق، وإذا لم يقبل قوله في هلاكها، فقد منع من رد مُستحق مع القدرة، فيحبس، فإذا تصادقا على هلاكها، أو قامت بيّنة بذلك، أو مضى من الزمان مدّة لو كانت باقية لأظهرها، (قضي بالقيمة؛ لأن العين تعذر ردها، ولا مثل لها، فوجبت قيمتها.
فإن اختلفا في القيمة فقول) (١) الغاصب، وعلى المغصوب البينة؛ وذلك لأن الغاصب هو الذي يلزمه الضمان، فالقول قوله في مقداره.
وإن قضي عليه بالقيمة ببينة أقامها المدعي أو بنكول الغاصب، ثم ظهر العين، فلا سبيل لصاحبها عليها؛ لأن الضمان من أسباب التمليك عندنا، فقد ملكها بالضمان، ورضي المغصوب بالقيمة التي [ادَّعاها] (٢)، ألا ترى أن [المالك] (٣) يقضى عليه بدعوى المدعي.
стр. 3715
وأما إذا قضي عليه بقوله، ثم ظهرت العين وقيمتها مثل ما قال الغاصب أو أقل، فلا سبيل لصاحبها عليه؛ لأنه استوفى البدل، ولم يظهر فيه زيادة.
وأما إذا كانت القيمةُ أكثر مما قال الغاصب، فللمغصوب الخيار؛ وذلك لأنه لم يستوف بدل العين (١) الذي ادّعاه، ولم يرض بزوال ملكه عنها بما دون ذلك من البدل، فكان له الخيار.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إن هذا محمول على أن هذه الزيادة لا تجوز أن تكون مما تحدث مثلها فيما بين التضمين والظهور.
فأما إن كانت مما تجوز أن تحدث، وادعى الغاصب أنها حدثت، وادعى المغصوب أنها كانت، فالقول قول الغاصب؛ لأن التمليك قد صَحَّ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال الغاصبُ، فلا يفسخ التمليك بالشك.
قال أبو بكر: وهذا الذي يقتضيه قياس قولهم عندي، ولا رواية عنهم.
ومن أصحابنا من قال: إنه لا رواية في العين إذا ظهرت وقيمتها مثل ما قال الغاصب، هل يثبت للمالك خيار أم لا؟ وهو موضع محتمل.
وقد قال محمد في الغصب ما يدل على أنه يثبت له الخيار؛ لأنه قال في تعليل مسألة القيمة إذا كانت ناقصة: لأن المالك لم يستوف ما ادعاه من القيمة، وهذا يدل على أن القيمة وإن كانت تامة، فالخيار ثابت له؛ لأنه لم يستوف ما قال من القيمة.