قال: فإن غصب أم الولد، فماتت في يده، لم يضمنها في قول أبي حنيفة إذا ماتت ميتة نفسها.
قال محمد: قال أبو حنيفة: أم الولد ليست بمال؛ لأنها لا تباع في دين بعد موت مولاها، وأنها حرة من جميع المال.
قال محمد: فإن غصبها غاصب، فماتت في يده ببعض ما وصفت لك أنه يضمن في الصبي الحر، فإن قياس قول أبي حنيفة: أن الغاصب يغرم قيمتها حالة في ماله، وذلك قولنا وقول أبي يوسف؛ لأن أبا حنيفة كان يضمن الصبي الحر، وليس بمال، فأم الولد أحق أن تضمن؛ لأنها أقرب إلى أن تكون مالًا من الصبي الحر، وهذا كله قول أبي حنيفة وقياسه، وهو قول أبي يوسف وقولنا، يعني في ضمان الصبي.
فأما أم الولد، فهي عندهما بمنزلة الأمة، تضمن كما تضمن الأمة التي ليست بأم ولد في الغصب.
أما ضمان أم الولد بالغصب، فقد بيّناه في البيوع، وقد ذكرنا وجه قول أبي حنيفة أن المولى لا يملك منها إلا المنافع؛ بدلالة أنها لا تسعى بعد موتهِ بحال، والمنافع إذا تلفت لا قيمة لها.
وجه قولهما: أن حق الحرية ثبت لها كالمدبرة، فضمانه ضمان الغاصب (١).
فأما قياس محمد لأم الولد على الصبي الحر، وقوله: إنها تضمن بما يضمن به الصبي. فليس بصحيح؛ لأن الصبي يضمن؛ لأنه لا يقدر على حفظ نفسه،
стр. 3712
وهذا لا يوجد في أم الولد.
(وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل غصب رجلًا أم ولد، أو مكاتبًا، أو مدبرًا، فمات عنده، قال: على الغاصب قيمة ذلك، وهذا صحيح على أصل أبي يوسف: أن حق الحرية لا ينافي ضمان الغصب.
قال: ولو باعه أم ولد، أو مدبرة، أو مكاتبة، فماتت في يد المشتري، فإنه يضمن قيمة المدبر ولا يضمن قيمة المكاتب ولا أم الولد، وهذا قول أبي حنيفة) (١).
وقال ابن سماعة: وروي عن أبي يوسف أنه قال في ذلك كله: يضمن.
وقال ابن سماعة في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: في رجل غصب أم ولد رجل، فماتت في يده، قال: لا ضمان عليه، وإن غصب مدبرةً فماتت في يده، فهو ضامن لقيمتها.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن في أم الولد كما يضمن في المدبرة.
وعن أبي حنيفة: في رجل باع أم ولد له أو مدبرة له رجلًا، فماتت في يد المشتري، قال: لا ضمان عليه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن قيمتهما جميعًا في الغصب والبيع، أما الغصب، فقد بيناه.
وأما [مسألة] البيع، فوجهه ما ذكره أبو الحسن: أن ضمان البيع الفاسد
стр. 3713
ضمان الغصب، والمدبرة تضمن بالغصب، وأم الولد لا تضمن، فكذلك البيع.
وأما وجه ما ذكره في الجامع الصغير؛ فلأن المقبوض في البيع الفاسد لا يضمن باليد فحسب، وإنما يضمن بالتسليط على الملك، والتسليط (١) يحصل بالقبض، [وكذلك] التسليط إنما يحصل فيما يملك بالعقود.
فأما ما لا يملك فلا يتعلق به الضمان، كما قالوا فيمن اشترى بميتة أو دم وقَبَضَ، فإنه لا يضمن إذا هلك؛ لأنه ليس في مقابلته بدل، فلم يوجد تسليط على ملك؛ ولأن الغصب يضمن به ما لا يضمن بالعقود، فيجوز أن يضمن المدبرة بالغصب وإن لم يضمن بالعقد، وأما المكاتب؛ فلأنه في يد نفسه، فلا يضمن باليد كالحر (٢).
стр. 3714
باب يجمعُ مسائلَ مختلفةً أغفلها أبو الحسن رحمه الله تعالى
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إذا غصب الرجل عينًا من الأعيان، فعيَّبها، وادعى هلاكها، فإنه يحبس حتى يمضي من الزمان مدة لو كانت في يده لأظهرها؛ وذلك لأن حق المالك متعلق بالعين، فإذا ادعى هلاكها والظاهر بقاؤها، فيريد أن يسقط حقه من العين وينقله إلى القيمة، فلا يصدق، وإذا لم يقبل قوله في هلاكها، فقد منع من رد مُستحق مع القدرة، فيحبس، فإذا تصادقا على هلاكها، أو قامت بيّنة بذلك، أو مضى من الزمان مدّة لو كانت باقية لأظهرها، (قضي بالقيمة؛ لأن العين تعذر ردها، ولا مثل لها، فوجبت قيمتها.
فإن اختلفا في القيمة فقول) (١) الغاصب، وعلى المغصوب البينة؛ وذلك لأن الغاصب هو الذي يلزمه الضمان، فالقول قوله في مقداره.
وإن قضي عليه بالقيمة ببينة أقامها المدعي أو بنكول الغاصب، ثم ظهر العين، فلا سبيل لصاحبها عليها؛ لأن الضمان من أسباب التمليك عندنا، فقد ملكها بالضمان، ورضي المغصوب بالقيمة التي [ادَّعاها] (٢)، ألا ترى أن [المالك] (٣) يقضى عليه بدعوى المدعي.
стр. 3715
وأما إذا قضي عليه بقوله، ثم ظهرت العين وقيمتها مثل ما قال الغاصب أو أقل، فلا سبيل لصاحبها عليه؛ لأنه استوفى البدل، ولم يظهر فيه زيادة.
وأما إذا كانت القيمةُ أكثر مما قال الغاصب، فللمغصوب الخيار؛ وذلك لأنه لم يستوف بدل العين (١) الذي ادّعاه، ولم يرض بزوال ملكه عنها بما دون ذلك من البدل، فكان له الخيار.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إن هذا محمول على أن هذه الزيادة لا تجوز أن تكون مما تحدث مثلها فيما بين التضمين والظهور.
فأما إن كانت مما تجوز أن تحدث، وادعى الغاصب أنها حدثت، وادعى المغصوب أنها كانت، فالقول قول الغاصب؛ لأن التمليك قد صَحَّ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال الغاصبُ، فلا يفسخ التمليك بالشك.
قال أبو بكر: وهذا الذي يقتضيه قياس قولهم عندي، ولا رواية عنهم.
ومن أصحابنا من قال: إنه لا رواية في العين إذا ظهرت وقيمتها مثل ما قال الغاصب، هل يثبت للمالك خيار أم لا؟ وهو موضع محتمل.
وقد قال محمد في الغصب ما يدل على أنه يثبت له الخيار؛ لأنه قال في تعليل مسألة القيمة إذا كانت ناقصة: لأن المالك لم يستوف ما ادعاه من القيمة، وهذا يدل على أن القيمة وإن كانت تامة، فالخيار ثابت له؛ لأنه لم يستوف ما قال من القيمة.
стр. 3716
ووجه ذلك: أن المغصوب كالمُكْرَه على نقل حقه من العين إلى بدل لم يرض به، والمكره يثبت له الخيار في الفسخ.
وذكر أبو يوسف في الإملاء ما يدل على أنه لا خيار له؛ لأنه قال في تعليل مسألة نقصان القيمة: لأن المالك لم يستوف القيمة بكمالها، وهذا (يدل على أنه إذا استوفى، لا خيار له.
والوجه في ذلك: أن المالك رضي) (١) بالقيمة حين طالب بها، ومطالبتها بمقدار قيمة العين صحيحة، ومطالبته بما زاد عليها لا تصح، فكأنه طالب بمقدار قيمة العين، وسلم له ذلك، فلا يثبت له خيار.
قال أصحابنا: إذا استهلك المسلم خمرًا على ذمي، ضمن قيمتها، وكذلك الخنزير، وقال الشافعي: لا يضمن (٢).
لنا: ما روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامله: اقتلوا الخنازير واحتسبوا لأربابها من الجزية، ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: وهذا بحضرة من الصحابة من غير خلاف.
ولأن الخمر شراب لهم، فإذا أتلفه متلف، ضمنه كسائر شرابهم.
وقد قالوا فيمن أتلف صليبًا على نصراني: ضمن قيمته صليبًا؛ لأنا أقررناهم على هذا الصنيع، فصار كالخمر التي أقررناهم عليها.
وقد قال أصحابنا: إن الذمي يمنع من كل ما يمنع منه المسلم، إلا شرب
стр. 3717
الخمر وأكل الخنزير؛ لأنا استثنيناه بالأمان.
قال: ولو غنّوا وضربوا بالعيدان، منعناهم من ذلك كما نمنع المسلمين؛ لأنه لم يُستثن بعقد الأمان.
قال: ولو أتلف ذمي على ذمي خمرًا، ثم أسلم المغصوب، ثم الغاصب، أو أسلما معًا، سقطت الخمر؛ (وذلك لأن المطالبة ببدلها بعد الإسلام يقتضي تمليكها، والمسلم لا يجوز له أن يتملك الخمر) (١) ولا يملكها.
وإذا سقطت المطالبة بسبب من جهة صاحب الحق، سقط الحق كما تسقط بالبراءة.
وأما إذا أسلم الغاصب وحده، أو أسلم الغاصب ثم أسلم المغصوب، سقطت الخمر في رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف.
وروى زفر ومحمد وعافية عن أبي حنيفة: أنها لا تسقط، وهو قول محمد وزفر.
وجه رواية أبي يوسف: أن الخمر سقطت المطالبة بها بالإسلام، فصار كإسلام المغصوب؛ ولأن تضمين المغصوب المسلم قيمة الخمر يقتضي تملكيها منه، ألا ترى أن الغصب أوجب الضمان بشرط التمليك، والمسلم لا يجوز أن يتملك الخمر.
ولا يقال: فهلا ضمنتموه وإن لم يملك كما لو غصبها وهو مسلم؛ لأن غصب المسلم أوجب الضمان على وجه لا يتعلق به التمليك، وغصب الذمي
стр. 3718
أوجب الضمان على وجه يتعلق به التمليك، ألا ترى أن الخمر كانت في ذمته إلى حين أسلم، وإنما يُسقطها عن ذمته بالقيمة، وذلك لا يجوز.
ولا يلزم على هذا، إذا تزوج ذمي ذمية على خمر، ثم أسلما؛ لأن الإسلام أوجب سقوط التسمية، والبدل يجب عن البضع لا عن الخمر، فلم يكن في ذلك تمليك الخمر.
وجه رواية محمد: أن الخمر كانت في ذمة الغاصب، فتعذر تسليمها بإسلامه، فكأنه استهلكها في ذلك الوقت، فيغرم قيمتها.
٢٤١٥ - [فَصْل: تأجيل الغاصب المغصوب شهرًا]
قال أصحابنا: إذا غصب ألفًا، فأجّله المغصوب بها شهرًا، جاز، وقال زفر: لا يجوز.
وجه قولهم: أنه دين في الذمة لا يجب قبضه في المجلس، ولا وجب على طريق التبرع، فجاز تأجيله كالأثمان.
وجه قول زفر: أنه مضمون من غير بدل مشروط كالقرض.
وعلى هذا قال أصحابنا: إذا استهلك قُلْبًا (١)، فضَمَّنه الحاكم قيمته، جاز أن يفترقا قبل القبض، وقال زفر: لا يجوز.
وجه قولهم: أنه دين لم يجب بعقد، فلا يعتبر فيه القبض في المجلس
стр. 3719
كبدل (١) المستهلك.
وجه قول زفر: أن القيمة عوض، وتمليك الذهب بالفضة من شرطه القبض في المجلس.
وقال أصحابنا: إذا أبرأ المغصوب الغاصب من ضمان العين، وهي قائمة في يده، سقط ضمانها، وقال زفر: لا يسقط.
لنا: أن الضمان ثابت في الذمة غير مستقر، ولو استقر بتلف العين [جازت] (٢) البراءة منه، فإذا لم يستقر أولى.
وجه قول زفر: أن البراءة لا يتعلق بها حكم في الأعيان، فسقطت، فكأنه لم يبرئه.
٢٤١٦ - [فَصْل: قول الغاصب غصبنا منك ألفًا ونحن عشرة]
قال أبو يوسف: إذا قال رجل لرجل: غصبنا منك ألفًا، [ثم قال]: كنا عشرة، لم يصدق، وقال: زفر: يُصدّق.
لأبي يوسف: أن لفظ الجمع يُعبّر به عن الواحد على طريق التعظيم، فكأنه قال: غصبت؛ ولأن هذا اللفظ إنما يَصِحُّ حمله على الجماعة إذا عرفهم، فإذا لم يعرفهم كان لغوًا، وحمل اللفظ على الصحة أولى من حمله على اللغو.
وجه قول زفر: أن لفظ الجمع في الحقيقة يتناول الجماعة، وإنما يحمل على الواحد على وجه المجاز، فكان القول قول من يدعي الحقيقة.
стр. 3720
٢٤١٧ - : [فَصْل: ضمان منافع العين المغصوبة]
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: منافع العين المغصوبة لا تضمن بالغصب، وقال الشافعي: تضمن (١).
لنا: إجماع الصحابة: وهو أنَّ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، قضيا في المغدور بوجوب العُقْر، وقيمة الولد، ولم يقضيا بقيمة منافع الجارية، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف؛ ولأنها منافع استوفاها من غير عقد ولا شبهة، فلا يلزمه بدلها، كالزنا بالحرة المطاوعة؛ ولأنها منفعة العين المغصوبة، فلا يضمن بالغصب كمنفعة بُضْعها.
٢٤١٨ - [فَصل: الأجرة في تأخير المغصوب]
قال أصحابنا: إذا آجر الغاصب [أحدًا] العبد المغصوب، فالأجرة له، ويتصدق بها؛ لقوله ﷺ : "الخراج بالضمان، والغلة بالضمان" (٢)؛ لأنه انفرد بعقد الإجارة، فوجب أن تكون الأجرة له، أصله: الراهن إذا أجر الرهن.
٢٤١٩ - [فَصْل: الضمان بفتح قفص الطائر]
ذكر في الأصول: أن من فتح باب قفصٍ فطار منه الطائر، لم يضمن، وكذلك لو فتح باب الدار فهرب منه العبد، أو حَلَّ قيد الغريم فهرب.
стр. 3721
وروي عن محمد أنه قال في دابة في مربط رجل، جاء إنسان ففتح الباب فذهبت الدابة، قال محمد: هو ضامن لها.
ولو حَلَّ رباطها رجل، وفتح آخرُ الباب: فالضمان على الذي فتح الباب.
وقال في العبد إذا حَلَّ قيده أو فتح الباب عليه حتى هرب: لم يضمن، إلا أن يكون العبد مجنونًا.
قال: وقال أبو حنيفة: لا ضمان في جميع ذلك، وقال الشافعي: إن طار من فوره ضمن، وإن طار (١) بعد ذلك، لم يضمن (٢).
لنا: أنه سبب غير ملجئ، فإذا انضم إليه فعل الحيوان، لم يتعلق به ضمان، أصله: من حبس عبده وغلق عليه الباب، فجاء إنسان ففتح الباب.
وجه قول محمد: أن البهائم لا قصد لها، فإذا فتح الباب عليها فهو سبب للإتلاف، ولم ينضم إليه فعل من يتعلق بقصده حكم، فكان الضمان عليه.
فأما العبد، فله قصد واختيار، فيتعلق الحكم بفعله، ويسقط حكم السبب كما يسقط حكم المباشرة مع السبب.
وقد قال أصحابنا - فيمن حَلَّ رِباط الزيت -: فإن كان ذائبًا ضمن؛ لأنه لم يوجد هناك فعل من الحيوان، وإنما يقف الزيت برباط الزق، فإذا حَلَّ الرِّباط فهو كالدافع للزيت، فصار كمن نفّر طائرًا حتى طار.
ولو كان السمن جامدًا فحل الرباط فذاب السمن بالشمس وسال، لم يضمن؛
стр. 3722
لأنه ليس بدافع للسمن، وإنما تلف بفعل غيره، فلا يضمن كما لا يضمن بفتح القفص.
٢٤٢٠ - [فَصل: الضمان في كسر البربط]
قال أبو حنيفة: إذا كسر رجل على رجل بَرْبَطًا (١)، ضمن قيمته خشبًا منحوتًا.
وقال في المنتقى عن أبي حنيفة: يضمن قيمته خشبًا ألواحًا (٢)، إنما الذي يحرم منه التأليف.
وقالا: لا ضمان عليه.
لأبي حنيفة: أنها عين أبيح الانتفاع بها من وجه، وحرم من وجه، فإذا أتلفها، ضمن قيمتها من الوجه الذي أبيح الانتفاع به، كمن أتلف جارية مغنية.
وجه قولهما: أنه مأمور بإتلافها، وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "بُعثت بكسر المعازف وقتل الخنازير" (٣)، فإذا فعل المأمور به، لم يضمن؛ ولأنها آلة معدة للمعاصي لا تستعمل في الغالب إلا فيها، فلم يضمنها بالإتلاف (٤) كالخمر.
٢٤٢١ - [فَصل: بيع الغاصب المغصوب وإجازة المغتصب منه ذلك]
وقالوا: في رجل غصب من رجل شيئًا فباعه من آخر، فأجاز المغتصب منه
стр. 3723
[البيع]، ولا يعلم ما حال العين، فالبيع جائز في قول أبي يوسف الأول، (وهو قول محمد، إلا أن يعلمَ الهلاك قبل الإجازة، ثم رجع أبو يوسف ببغداد وقال: البيع فاسد) (١)، إلا أن يعلم أن العين قائمة في حال الإجازة.
وجه قول أبي يوسف الأول: أن الأصل بقاء العين، فالهلاك معنى طارئ، فوجبَ الحكم ببقائها، إلا أن يثبت غير ذلك.
وجه قوله الأخير: أن البيع إنما يجوز بالإجازة، ومن شرطها بقاء العاقدين والمعقود عليه، فإذا لم يعلم بذلك، لم يجز العقد بالشك.
٢٤٢٢ - [فَصل: الضمان في حرق باب منحوت بالتماثيل]
قال محمد: إذا أحرق الرجل بابًا منحوتًا عليه تماثيل منقوشة، ضمن قيمته غير منقوشٍ تماثيل، فإن كان صاحبه قطع رؤوس التماثيل قبل ذلك، ضمن قيمته منقوشًا بشجر؛ وذلك لأن نقش التماثيل [على الباب] معصية، فلا يجوز أن يتقوم في الضمان كما لا يتقوم الغناء في الجارية المغنية.
فإذا قطع رؤوس التماثيل، فذلك نقش غير ممنوع منه، فيقوَّم على الغاصب.
وقال فيمن أحرق بساطًا فيه تصاوير رجال ضمنته قيمته مصورًا؛ لأن التماثيل في البساط ليست بمحرمة ألا ترى أن البساط يوطأ، وإذا لم تكن محرمةً، ضمنها.
وقال: فيمن هدم بيتًا مصورًا بالأصباغ [تماثيل]: ضمنته قيمة البيت
стр. 3724
وأصباغه غير [مصور] (١)؛ لأن التماثيل في البيت منهي عنها.
وقال فيمن قتل جارية مغنية خطأً: ضمنته قيمتها غير مغنية إلا أن يكون الغناء ينقص قيمتها، فأضمنه على ذلك؛ لأن الغناء معصية لا يجوز أن يتقوم على الغاصب.
فإن كانت تنقص القيمة، فهو عيب، فيعتد به في حق الغاصب.
٢٤٢٣ - [فَصل: زرع الأرض من أحد الشريكين وإعطاء الأجر مثل نصف البذر]
وقالوا في أرض بين شريكين زرعها أحدهما، فنبت الزرع فتراضيا أن يعطي الذي لم يزرع للذي زرع مثل نصف البذر، ويكون الخارج بينهما، جاز؛ وذلك لأن بيع الحشيش بالحنطة جائز، وقد باعه نصف ذلك بنصف البذر، فإن كان البذر لم ينبت، لم يجز؛ لأنه لا يدري ما تلف منه تحت الأرض، فإذا ملكه بمثل كيله، لم توجد فيه المماثلة، فلم تصح.
قالوا: فإن نبت الزرع، فطالب الذي لم يزرع الأرض القلع، قسمت الأرض بينهما، ثم آمر الذي زرع أن يقلعَ ما في نصيب شريكه، ويغرم له نقصان الزراعة إن كانت نقصت؛ وذلك لأن الزرع حصل في نصيبه ونصيب شريكه، وزرعه في نصيب نفسه لا (٢) يجوز أن يقلع، ولا يتميز ذلك إلا بالقسمة (٣).
стр. 3725
٢٤٢٤ - [فَصْل: يد الغاصب يد ضمان]
قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إذا غصب الرجل ثوبًا، فغصبه رجل من يَده ثم ردّه عليه، برئ؛ لأن الغاصب له يد صحيحة، ألا ترى أنها يد ضمان، فجاز الرد عليه، كما يجوز على المالك.
فإذا أحرق هذا الثوب رجل في يد الغاصب، فدفع القيمة إلى الغاصب، برئ في الرواية المشهورة، وروي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبرأ إلا أن يردها بحكم حاكم.
وينبغي للحاكم إذا علم ذلك أن لا يأمر بدفع القيمة إلى الغاصب، ولكنه [يعيدها إلى المالك] (١).
[وجه قولهم المشهور: أن الغاصب له يد صحيحة، فصار كالمالك]؛ ولأنه لو ردَّ عليه العين برئ من الضمان، فكذلك إذا ردَّ عليه القيمة، كالمودع.
وجه قول أبي يوسف: أن المغصوب ثبت له حق في تضمين الغاصب وغاصب الغاصب، فلا يسقط حقه من ذلك إلا برضاه.
فأما إذا قضى القاضي بالقيمة، فقد حصل حكمه في موضع يسوغ فيه الاجتهاد.
والذي قال أبو يوسف أن الحاكم إذا علم بالحال، لم يسعه القضاء، فوجهه: أن رد القيمة إلى الغاصب تقرير للغصب، وتضييع للمال في حق مالكه، فكان الاحتياط عليه أولى.
стр. 3726
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا باع الغاصب العبد وقبضه المشتري، فأعتقه، ثم أن المالك أجاز البيع، [جاز] عتق المشتري استحسانًا، والقياس: أن لا يجوز، وهو قول محمد.
وجه قولهما: أن العتق فيه معنى القبض بدلالة أن المشتري إذا أعتق العبد في يد البائع، صار قابضًا، والقبض من حقوق العقد، فإذا أُجيز العقد جاز بحقوقه، فنفذ العتق.
ولا يلزم على هذا، إذا باع عبدًا وشرط الخيار لنفسه، فقبضه المشتري فأعتقه، ثم أجاز [البائع] البيع، لم يجز العتق في قولهم؛ لأن الإجازة في بيع الخيار إنما هي إسقاط حق الفسخ، ولم تصح الإجازة؛ لأن الخيار شرط للفسخ، فإذا أجاز البائع، فإنما أسقط حق فسخه، ونحن قلنا: إن إجازة العقد تقتضي جوازه بحقوقه، فلا يلزم ما وضع لإسقاط الفسخ.
والفرق بينهما من طريق المعنى: أن البائع إنما شرط الخيار لنفسه ليمنع من تصرف المشتري، فلو وقف تصرف المشتري، كان ذلك [منه] (١) ما قصده البائع بالخيار.
فأما في مسألتنا، فلم يوجد فلم يوجد من المالك شرط منع به من تصرف المشتري؛ فلذلك جاز أن ينفذ عند الإجازة؛ ولأن عتق المشتري وجد بعد تمام سبب الملك، ألا ترى أن سبب الملك هو الإيجاب والقبول المطلق، وقد وُجد ذلك، وإنما وقف البيع على إجازة أحدهما (٢)، فإذا أجاز [نفذ] (٣) العتق، كالمشتري
стр. 3727
من الراهن إذا أعتق ثم أجاز المرتهن البيع، والمشتري من الورثة وعلى الميت دين مستغرق إذا أعتق، ثم أبرأ الغرماء من الدين، أو قضاه الورثة.
والدليل على الإيجاب والقبول المطلق بسبب الملك: أن غاصبًا لو غصب قُلبًا، وغصب آخر إناءً، فتبايعا وتقابضا وافترقا، ثم أجاز المالكان، جاز عقد الصرف، لوجود التقابض بعد الإيجاب والقبول المطلق، ولو لم يكن ذلك بسبب الملك، لم يعتد بالتقابض قبل الإجازة.
ولا يلزم إذا باع بشرط الخيار، فأعتق المشتري؛ لأن العتق وجد قبل تمام سبب الملك، ألا ترى أن الإيجاب والقبول لم يوجد مطلقًا، (ولا يلزم المشتري من المكره إذا أعتق ثم أجاز المكره؛ لأنا قلنا: إن سبب الملك هو الإيجاب والقبول المطلق وُجد، وإنما وقف العقد على إجازة الثالث.
وفي مسألة الإكراه، إنما وقف العقد لحق العاقد، فهو كمسألة شرط الخيار) (١).
ولا يلزم على هذا: إذا مات الرجل وخلف ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرَّ الورثة أنه أوصى بأحدهم بعينه لرجل، وسلَّموه إليه، ثم ادعى رجل آخر أنه أوصى له بعبد من الباقين، وأقام البينة، وقضى القاضي بها، فأعتق المقر له العبد، واسترجعه الورثة منه، ثم عاد العبد المشهود بالوصية له إلى ملكهم بشراء أو ميراث، نفذت الوصية في العبد المقر به، ولم ينفذ العتق؛ وذلك لأن القاضي لما قضى بالوصية لأحد العبدين الباقيين، فقد فسخ سبب الملك، فلم يوجد
стр. 3728
العتق بعد سبب الملك التام.
ولأن حق الفسخ هاهنا ثابت للورثة، فلم يقف التمليك على إجازة غير المتعاقدين؛ إذ الورثة قاموا مقام الميت.
ولا يلزم على هذا: إذا أوصى رجل لرجل بأحد عبدين بغير عينه، فأعتق الموصى له بعد موت الموصي أحد العبدين بعينه، واختار الورثة تغيير الوصية فيه، لم ينفذ العتق؛ لأن هذه المسألة ذكرها في الجامع الكبير وأطلق الجواب.
ومن أصحابنا من قال: إنه قول محمد خاصة.
ولأن العتق هاهنا لم يقف على إجازة الثالث، وإنما وقف على تعيين الورثة الذين يقومون مقام العاقد، فكأنه وقف على حق العاقد.
لمحمد: أن العتق وقف على إجازة المالك، والبيع وقف على إجازة المالك، ولو أجاز العتق بطل البيع، فكذلك إذا أجاز البيع، بطل العتق.
والجواب: أنه إذا أجاز العتق، فقد بطل الملك في العبد، وخرجت رقبته من أن تكون محلًا للبيع؛ فلذلك بطل البيع، وإذا أجاز البيع، فلم تخرج الرقبة من أن تكون محلًا للعتق؛ فلذلك جاز أن ينفذ العتق.
لمحمد: أن هذه الرقبة ينفذ فيها عتق المغصوب، فكل رقبة ينفذ فيها العتق من واحد، لا ينفذ فيها من غيره.
ولو قلنا: إن عتق المشتري ينفذ، لنفذ عتقه فيما ينفذ فيه عتق غيره.
стр. 3729
فهذه المسألة تُعدّ من الآحاد لهذا المعنى، وهو القياس عندنا، وإنما استحسنا لما قدمنا (١).
تم كتاب الغصب
والله المحمود على كل حال، والصلاة على محمد وآله خير آل (٢).
стр. 3730
[٦٢] كتابُ الدِّيَاتِ
قال أيده الله: الدية (١) عبارة عما يُودى، فلما كان القتل يُوجب مالًا يدفع إلى الأولياء، سمّي ذلك ديَةً، وقد خَصّوا بهذا الاسم ما يودئ في بدل النفس دون ما يُودى في بدل المتلفات، ولم يسموا ما يجب فيها دون النفس ديةً، وإن كان يُودى كما يُودي بدل النفس؛ لأنهم [لا] يشتقون الاسم ولا يطَّردون على الاشتقاق قصدًا منهم إلى التعريف بالتخصيص، وقد سمى الفقهاء هذا الكتاب: كتاب الديات، وإن كان يشتمل على القصاص والديات؛ لأنهم قصدوا أن يثبتوا أحكام الجنايات على الآدميين.
والأغلب فيما يتعلق بالجنايات الدِّيَة، والقصاص أقل، ألا ترى أن الدية تجبُ في الخطأ وشبه العمد، ويجب في العمد على بعض الأحوال فلما غلب وجوبها، نسبوا الكتاب إلى الدِّيَة.
وقد قال محمد: إن القتل على ثلاثة أوجه: عَمْد، وشِبْه عَمْد، وخَطَأ، ونقل أبو الحسن رحمه الله تعالى هذه العبارة، وكان الشيخ أبو بكر الرازي ﵀ يقول: القتل على خمسة أوجه: عمد، وشِبْهُ عَمْد، وخَطَأ، وما أُجري مجرى الخطأ، ونوع ليس بعمد ولا خطأ ولا ما أجري مجرى الخطأ.
стр. 3731
أما القتل العمد: فهو أن يتعمد الضرب بسلاحٍ أو بما يجري مجرى السلاح في تفريق الأجزاء، وهذا قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: العمد، أن [يتعمد] (١) الضرب بما يقتل في الغالب.
وقتل العمد يتعلق به أحكام، أولها: المأثم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، وقال النبي ﷺ : "إن أعتى الناس على الله تعالى ثلاثة: رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل قتل بذَحْل (٢) الجاهلية" (٣).
وروي عنه ﵊ أنه قال: "ألا إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومي هذا في بلدي هذا في شهري هذا" (٤).
وروي أن مُحلّم بن جدامة قتل رجلًا بذَحْل الجاهلية، فقال ﵊: "اللهم لا ترحم محلمًا" فدفن، فلفظته الأرض، ثم دفن، فلفظته، ثم دفن، فلفظته، فقال: ﷺ : "إنها لتتضايق على من هو أعظم جرمًا منه، ولكن أراد الله أن يبين لكم حرمة الدم" (٥)، وهذا معنى يحرم بالعقول، وإنما ورد الشرع بتأكيد ما دل العقل عليه.
стр. 3732
والحكم الثاني: القَوَدُ، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، والسلطان: القتل، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وشرائع من قبلنا تلزمنا (١) إلا ما ثبت نسخه.
وقوله ﷺ : "العَمْدُ قَوَد" (٢)، معناه: حكم العمد القَوَدُ.
وقال ﷺ : "كتاب الله القصاص" (٣)، معناه: حكم الله، ولا خلاف في ذلك، وإنما اختلفوا في ثبوت المال بغير رضا القاتل.
فقال أصحابنا: موجَب القتل [إِمَّا القَوَد وإمَّا الدِّية]، القود إلا أن يتراضيا بالعوض.
وقال الشافعي في أحد قوليه: موجَبه إما القتل وإما الدية (٤)، والخيارُ في ذلك إلى الولي، وفي القول الآخر: إن الموجب القود [إلا أن للمولى أن ينقله إلى الدية بغير رضى القاتل].
والدليل على أن موجَبه القود: قوله ﷺ : "العمد قود"؛ لأن القود قد صار في حكم المثل في المتلفات، وإتلاف ما لَه مثل لا يتعلق به إلا المثل.
стр. 3733
ولأنه أحد نوعي القتل، فكان موجبه واحدًا، كالخطأ وشبه العمد.
وإذا ثبت أن موجب القتل القود، فالولي قادر على استيفاء حقه من جنسه بكماله، فلا يجوز أن يعدل إلى غيره، كالمثل في المتلفات؛ ولأنا بينا أن القصاص أجري مجرى المثل، والقادر على مثل حقه لا يجوز له أن يطالب بقيمته.
وأما إذا تراضيا بالدية، جاز، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، معناه: من بذل أخوه شيئًا فليقبله؛ لأن العفو عبارة عن الفضل، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، يعني: الفضل.
٢٤٢٥ - [فَصل: الكفارة في قتل العمد]
ولا كفارة في قتل العمد عندنا، وقال الشافعي: تجب به الكفارة (١).
لنا: أن الله تعالى ذكر قتل العمد وحكمه، والخطأ وحكمه، وبين الكفارة في أحدهما دون الآخر، ولو كانت واجبةً في العمد كوجوبها في الخطأ لبينها.
ولا يجوز أن يقال: إنه اكتفى بذكرها في الخطأ؛ لأن الله تعالى ذكر أنواع القتل الموجب للكفارة، وكرّر الكفارة في كل قتل: فذكر قتل المؤمن في دار الإسلام، والمعاهد والمسلم في دار الحرب، ولم يكتف بذكر الكفارة في بعض المواضع عن بعض، فلو كانت واجبة في العمد لم يكتف بذكرها في الخطأ.
ولأنه سبب للقتل، فلا يتعلق به الكفارة، كزنا المحصن؛ ولأنه مال متعلق
стр. 3734
بقتل الخطأ، فلا يتعين وجوبه في قتل العمد كالدية.
٢٤٢٦ - [فَصل: آثار قتل العمد]
ويتعلق بقتل العمد حرمان الميراث؛ لقوله ﷺ : "لا ميراث للقاتل" (١)، وقال: "ليس لقاتلٍ شيء" (٢)، [وقال]: "لا ميراث لقاتل بعد صاحب البقرة" (٣).
وأما شِبْه العَمْد: فهو عند أبي حنيفة أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح، ولا يجري مجرى السلاح في تفريق الأجزاء.
وقال أبو يوسف ومحمد: أن يتعمد الضرب بآلة لا يقتل مثلها في الغالب، وهو قول الشافعي (٤).
لأبي حنيفة: قوله ﷺ : "ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل" (٥)، ولم يفصل بين العصا الصغير والكبير.
وفي حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "كل شيء خطأ إلا السيف، وفي كل خطأ أرش" (٦).
وعن علي رضوان الله عليه أنه قال في شبه العمد: الحذفة بالعصا، والقذفة بالحجر.
стр. 3735
ولأنه قتل بما ليس بسلاح، فلا يجري مجرى السلاح في تفريق الأجزاء، فصار كالعصا الصغيرة؛ ولأنها آلة لا يجوز الذكاة بها، فلا يجب القصاص بها كالسوط.
ولا يلزم إذا أحرقه بالنار؛ لأن النار تقع به الذكاة لو جعلت على موضع الذكاة، فتقطع الحلقوم، حل الأكل.
وجه قولهما: (ما روي أن يهوديا رضخ (١) رأس جارية من الأنصار بين حَجَرين، فرضخ النبي ﷺ رأسه) (٢)؛ ولأن القصد إلى الضرب بآلة يقتل مثلها في الغالب يتعلق به القصاص، كالحديد.
٢٤٢٧ - [فَصل: الاختلاف في أنواع القتل]
وقد قال مالك: إني لا أعرف في القتل إلا العمد، والخطأ، فأما شبه العمد فلا أعرفه (٣).
وهذا فاسد؛ لقوله ﵊: "ألا إن قتل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا" (٤)؛ ولأن الصحابة اتفقوا على تغليظ دية شبه العمد، وإن كانوا اختلفوا في كيفية التغليظ، فدل على أنه نوع غير الخطأ والعمد.
ولا يقال: إن الفعل إما أن يكون خطأ أو يكون عمدًا؛ لأنه يجوز أن يجتمع
стр. 3736
فيه الحُكمان، ألا ترى أنه يتعمد الضرب ويخطئ في طلب القتل؛ لأنه لم يقصد القتل حين ضرب بآلة لا تقتل، فكان ذلك عمدًا في القصد، وخطأ في الآلة، وهذا الاسم إنما عُرف (١) بالشريعة، فأما أهل اللغة، فلا يعرفونه.
ومن حكمه: المأثم؛ لأنه تعمد الضرب، وذلك يتعلق به المأثم، ثم قصد القتل، أولم يقصد، ولا يتعلق به القصاص؛ لأن النبي ﷺ أوجب فيه الدية.
ولأنه لما حصل له حكم الخطأ من وجه، وحكم العمد من وجه، فكان ذلك شبهة في [سقوط] (٢) القصاص (٣).
٢٤٢٨ - [فَصْل: الدية المغلظة في العمد]
وفيه الدية مغلظة؛ لقوله ﵊: "فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" (٤).
وقد روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة تغليظ الدية، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ، فصار ذلك ثابتًا بالإجماع.
والكلام في كيفية التغليظ تنبيه إن شاء الله تعالى.
стр. 3737
٢٤٢٩ - [فَصْل: وجوب الدية في مال القاتل أو العاقلة]
وهذه الدية تجب على العاقلة، [قال الشيخ]: وجملة هذا: أن كل دية تعلق وجوبها بالقتل، فإنها على العاقلة كدية الخطأ، وكل دية وجبت لمعنى حادث فإنها في مال القاتل، كما تجب بالصلح؛ ولهذا كان أبو الحسن يقول: إن من قتل ابنه عمدًا، فموجَب قتله القود، ثم يسقط إلى الدية؛ لأن القتل لو أوجب الدية لكانت على العاقلة.
والدليل على وجوب الدية على العاقلة: ما روي عن النبي ﷺ أنه جعل على كل بطن من الأنصار عقوله.
وروي في حديث المغيرة بن شعبة قال: كنت بين جاريتين، فضربت إحداهما الآخرى بمسطح خيمة، فقتلها وألقت جنينًا ميتًا، فقضى رسول الله ﷺ على عاقلة الضاربة بالغرّة (١)، فقام حمل بن مالك فقال: كيف نَدِي من لا أكل ولا شربَ ولا صاح واستهل، ومثل ذلك يُطل؟ وهذا يدل على أن القضاء وقع على العاقلة.
وقد قضى عمر بن الخطاب بالدية على العاقلة بحضرة الصحابة من غير خلاف (٢).
وهذا لا خلاف فيه، إلا ما يحكى عن الأصَمّ أنه قال: لا تلزم العاقلة الدية؛
стр. 3738
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧]، وقال ﷺ لأبي زمعة لما دخل عليه زمعة ابنه: "مَنْ هذا؟ "، فقال: ابني، قال: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (١)؛ ولأن قيم المتلفات لا تطالب به العاقلة، فكذلك بدل النفس.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، المراد به في أحكام الآخرة، بدلالة ما بينا من الأخبار.
وقوله ﵊ لأبي زمعة (إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)، المراد به غير ظاهره؛ لأن كل واحد منهما يجني على الآخر.
وإذا ترك ظاهر اللفظ، لم يصح التعلق به إلا في موضع يدل عليه الدليل.
فأما القياس: [على] بدل المتلفات فلا يصح في معارضة النص والإجماع، والذي يدل من طريق العقل [على] حسن ذلك، أن الله تعالى أوجب حقوقًا [في] الأموال لمنفعة الغير: وهي الصدقات، فلا يمتنع أن يوجب هذا الحق في مال العاقلة لمنفعة القاتل؛ ولأن القاتل إنما كان يقتل [بنصرة] (٢) عشيرته، فصاروا كالمشاركين له في القتل؛ ولأنه يتحمل عنهم إذا قتلوا، ويتحملون عنه إذا قتل، فيؤدي ذلك إلى التخفيف عن كل واحد منهم، وهذا غير ممتنع.
فأما المتلفات فإنها لا تكثر في العادة، فلا تحتاج إلى التخفيف، والدية مال كثير، يجحف بالقاتل؛ فلذلك احتاج إلى التخفيف (٣).
стр. 3739
٢٤٣٠ - [فَصْل: التغليظ في الدية من الإبل]
قال أصحابنا: إن التغليظ لا يكون إلا في الدِّية من الإبل دون غيرها؛ [وذلك] لأن القياس يمنع التغليظ؛ لأن عمد الإتلاف وخطأه في باب الغرم (١) سواء، وإنما تركوا القياس في الدية من الإبل، فغلظوها بالخبر، وما سواها على أصل القياس.
٢٤٣١ - : [فَصْل: وجوب شبه العمد على العاقلة]
وإنما أوجبوا دية شبه العمد على العاقلة؛ لحديث المغيرة، ألا ترى أن المرأة [تعمدت] (٢) الضرب، فأوجب النبي ﷺ الغُرَّة على العاقلة؛ ولأن هذا القتل أجري مجرى الخطأ في وجوب الدية، فكذلك في تحمل العاقلة.
٢٤٣٢ - [فَصْل: مدة دفع دية شبه العمد]
ويكون ذلك عليهم في ثلاث سنين، وكذلك كل دية وجبت بنفس القتل، فأما إذا وجبت الدية بالصلح، فهي حالة.
والأصل في التأجيل: أن عمر ﵁ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين بحضرة الصحابة من غير خلاف.
٢٤٣٣ - [فَصْل: الكفارة في شبه العمد]
وفي شبه العمد الكفارة؛ ولأن القاتل أحد قاتلين:
стр. 3740
إما من أوجبها في كل قتل، أو من أوجبها في الخطأ أو شبه العمد، فصار وجوبها في شبه العمد بالإجماع.
وروي أنه ﷺ سئل عن رجل أوجب [يعني] النار بالقتل، فقال: "أعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضوًا من النار" (١)، والنار لا تجب إلا في شبه العمد، أو العمد؛ ولأن الكفارة موضوعة لتكفير المأثم، والخطأ لا مأثم فيه، فلا بد أن يكون في وجوبها في بعض المواضع مأثم، فوجوبها في الخطأ ملحق به، وليس ذلك الموضع إلا شبه العمد، [وهذا خلاف قول مالك].
٢٤٣٤ - [فَصْل: أثر قتل شبه العمد]
ويتعلق به حرمان الميراث؛ لأنه [تعمّد] (٢) الضرب، فلا [يؤمَن] أن يكون [تعمد] (٣) القتل.
٢٤٣٥ - : [فَصْل: قتل الخطأ وما يترتب عليه من آثار]
وأما الخطأ فهو على ضربين: إما أن [يتعمّد] (٤) الرمي إلى غرض أو صيد فيصيب آدميًا، أو يرمي شخصًا ظنه صيدًا فيرميه، فإذا هو آدمي، أو يظنه حربيًا فإذا هو مسلم، فأحد الأمرين خطأ في الفعل، والآخر خطأ في [القصد] (٥)، ولا مأثم في واحد منهما؛ لقوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٦)، وفيه
стр. 3741
الكفارة بنص القرآن، (ولا قود فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الخطأ وحكمه، وهو الدية، ولم يذكر القصاص.
وفيه الدية بنص القرآن) (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، والدية على العاقلة في ثلاث سنين لما قدمنا.
ويحرم الميراث؛ لقوله ﷺ : "لا ميراث لقاتل"، وهو عام؛ ولأنه لا يؤمن أن يكون قصد في الباطن وأظهر الخطأ.
٢٤٣٦ - [فَصْل: بعض صور قتل الخطأ وآثاره]
فأما النوع الذي أجري مجرى الخطأ: فهو النائم يتقلب (٢) فيقع على إنسان فيقتله؛ لأن النائم لا قصد له، فلا يوصف فعله بالعمد ولا بالخطأ، إلّا أنه كالخطأ في الأحكام؛ لأن المقتول مات بثقله، فهو كالميت بفعله، فيجب عليه الكفارة، وعلى عاقلته الدية، ولا قود عليه؛ لأنه أدون من الخطأ، ويحرم الخطأ، ويحرم الميراث؛ لأنه لا يؤمن أن يكون [تعمّد] (٣) ذلك في الباطن.
فأما النوع الخامس: فهو حافر البئر، وواضع الحَجَر؛ لأنه ليس بمتعمد
стр. 3742
للقتل، ولا مخطئ فيه، ألا ترى أن القاتل من أوقع الفعل في المقتول، أو فيما يتصل به، وذلك غير موجود في الحافر، وإنما أوجبوا على عاقلته الدية؛ لأنه تعدى في الحفر، ولا مأثم عليه بالموت، وإنما المأثم عليه بالحفر، [ولا كفارة عليه] (١).
ولا يحرم الميراث عندنا؛ لأنه غير متهم، ألا ترى أنه لم يعلم أن مورثه يقع [في البئر] (٢)، والكلام في هذا يأتي في موضعه.
قال أبو الحسن: ولا يكون فيما دون النفس شبه عمد، فما جعلناه شبه عمد في النفس، فهو عمد فيما دون النفس؛ وذلك لأن ما دون النفس لا يختص إتلافه بآلة دون آلة، وإنما اعتبرت الآلات في النفس؛ لأن القتل يقصد بآلة دون آلة، فلما استوت الآلات فيما دون النفس، اعتبر [تعمد] (٣) الضرب، فكان عمدًا (٤).
стр. 3743
بَابْ: بابُ معرفةِ مقادير الدياتِ بالأَرْشِ (١) فيما دونَ النفسِ
قال أيده الله تعالى: لا خلاف في تقدير الدية من الإبل بمائة، وإنما الخلاف في أسنانها، ونحن بذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
واتفقوا: في أن الدية من العين ألف دينار، إلا على بعض أقوال الشافعي الذي يقول فيه: إن ما سوى الإبل يعتبر فيه القيمة.
فأما على القول الذي قال: إن الدية مقدرة فيما سوى الإبل، قال: إنها من الدنانير [ألف] (٢) دينار (٣).
(وقد دل على هذا ما روي عن النبي ﷺ قال: "في النفس مائة من الإبل" (٤)) (٥)، وروي أنه جعل دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار.
واختلفوا في الدية من الدراهم، فقال أصحابنا: هي مقدرة بعشرة آلاف وزن سبعة، وقال مالك والشافعي: اثنا عشر ألفًا (٦).
стр. 3744
لنا ما روى دهثم بن قُرآن عن نمران بن جارية قال: قطعت يد رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فقضى عليه بخمسة آلاف.
وروى محمد عن الشعبي، عن عبيدة السلماني، عن عمر ﵁ (أنه قضى في الدية من الدراهم بعشرة آلاف، ومن الدنانير بألف دينار، ومن الإبل بمائة، ومن البقر بمائتين، ومن الشاة بألفي شاة، ومن الحلل بمائتي حلة) (١)، ومعلوم أن القضاء لا يقع في وقت واحد بجميع هذه الأجناس، فعلم أنه أراد بقوله: قضى، أي: بيّن مقادير الديّة؛ ولأنه بدل عن النفس، فلا يزيد على عشرة آلاف كدية الذمي.
وقد روى محمد عن إبراهيم قال: كانت الدية مائة من الإبل، فجعل كل بعير عشرين ومائة درهم وزن ستة.
قال محمد: وإنما كانت الدية اثني عشر ألفًا وزن ستة.
واختلفوا فيما سوى الإبل، هل هو أصل في الدية، أو قيمة الإبل، فكان أبو بكر الرازي يقول: إن الأصل هو الإبل، وما سواها قيمة لها، إلا أنها قيمة تقدرت بالشرع، فلا يزاد عليها ولا ينقص منها (٢).
ثم قال بعد ذلك: الدراهم والدنانير أصول في الدية بأنفسها، وليست بقيمة.
стр. 3745
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن الدراهم والدنانير قيمة، وإنما تختلف باختلاف الأزمان (١).
وجه ما ذكره أبو بكر أولًا، قوله ﷺ : "في النفس مائة من الإبل" (٢)، (وروي عن الزُّهري أنه قال: كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ مائة من الإبل) (٣)، قيمة كل بعير أوقية، فلما كان زمن عمر، غلت الإبل، فجعل عمر فيه كل بعير أوقيةً ونصف، فلما غلت أيضًا جعلها أوقيتين، فلم تزل تغلو حتى بلغ قيمة الإبل اثني عشر ألفًا (٤).
وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كانت الديةُ على عهد رسول الله ﷺ مائة من الإبل قيمتها أربعة آلاف، أو عدله من الذهب أربعمائة دينار) (٥).
وجه قوله الثاني: أن الدراهم لو كانت قيمة لم يجز أن يقضي بها مؤجلة؛ لأنه يؤدي إلى الدين بالدين، فلما قضي بها مؤجلة، دلّ على أنها وجبت بنفسها.
وروى شُعبة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار (٦).
стр. 3746
وروي عن عمر أنه قضى بالدية في ستة أصناف، والقيمة لا يقضى بها في البقر والغنم، فدلّ على أن هذه الأنواع ديات بأنفسها (١).
٢٤٣٧ - [فَصْل: أصناف الدِّيةَ]
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الدية يقضى بها من ثلاثة أصناف من الإبل والعين (٢) والوَرِق.
وقال أبو يوسف ومحمد: من البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ومن الحُلَلِ مائتا حُلَّةٍ: كل حُلَّةٍ ثوبان، إِزَار ورِدَاء (٣).
لأبي حنيفة: قوله ﵇: "في النفس مائة من الإبل" فظاهر هذا [يقتضي المنع] (٤) من وجوب ما سوى الإبل إلا ما دلّ عليه الدليل؛ ولأن البقر والغنم حيوان لا يغلَّظ في شبه العمد، فلا يكون أصلًا في الدية كسائر الحيوانات.
وجه قولهما: ما روي أن عمر ﵁ قضى في الدية بستة أصناف بحضرة الصحابة من غير خلاف (٥).
وقد قال أبو حنيفة: إن عمر إنما قضى بذلك لما كانت الديات على العواقل، فلما نقلها إلى الديوان قضى بها من الإبل والدراهم والدنانير.
стр. 3747
ومن أصحابنا من قال: إنه روي عن أبي حنيفة ما يقتضي مثل قولهما؛ لأنه قال في المعاقل: وإذا صالح الولي على أكثر من مائتي بقرة، أو مائتي حلة، لم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فلو لم يجعل هذه الأنواع أصولًا في الدية لجوّز الصلح على أكثر منها.
٢٤٣٨ - [فَصْل: دية المرأة]
ودية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لما روي عن عمر وعلي وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية الرجل، قال ابن مسعود: إلا المُوضِحَة والسِّنَّ، فإنها كالرجل (١).
ولأن المرأة في ميراثها وشهادتها جعلت على النصف من الرجل، فكذلك في ديتها، وأما ما دون النفس من المرأة، فإنه معتبر بديتها.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ديتها، معناه: أن ما كان أقل من ثلث الدية، فالرجل والمرأة فيه سواء.
وقال ابن مسعود: معاقلة فيما كان أرشه نصف عشر الدية.
وقد روي أن ربيعة بن عبد الرحمن سأل سعيد بن المسيب عن رجل قطع أصبع امرأة، فقال فيها: عشرٌ من الأبل، فقال: فإن قطع أصبعين؟ قال: فيها عشرون من الإبل، قال: فإن قطع ثلاثة؟ قال: فيها ثلاثون من الإبل، قال: فإن قطع أربعة؟ قال: فيها عشرون من الإبل، فقال ربيعة: لمّا عظم ألمها وزادت مصيبتها قلَّ أرشها؟! فقال له: أعراقي أنت؟! قال: لا بل جاهل متعلم، أو عالم
стр. 3748
متثبت، فقال: هكذا السنة (١)، وإنما أراد بذلك سنة زيد بن ثابت.
وما قاله ربيعة هو الحجة في المسألة؛ لأن ما قالوه يؤدي إلى أن نقل الأرش بكثرة الجناية، وهذا لا يصح؛ ولأن ما دون النفس معتبر بدية النفس، بدلالة ما زاد على ثلث الدية.
وقد روى أهل المدينة في ذلك حديثًا لم يثبت عند أبي حنيفة، وهو أنه قال ﷺ : "تُعاقِلُ المرأةُ الرجلَ إلى ثلث ديتها" (٢) فأما قول ابن مسعود في السنّ والموضحة، (بأن النبي ﷺ قضى في الجنين بالغُرَّة) (٣)، وهي مقدّرة بنصف عشر الدية، ولم يفصل بين الذكر والأنثى، فدلّ على أنهما يتساويان فيما بلغ أرشه نصف عشر الدية.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه إنما لم يختلف في الجنين الذكر والأنثى؛ لأنه قد يتعذر الفرق بينهما لعدم تمام الخِلْقة، فسوّي بينهما لذلك (٤).
٢٤٣٩ - [فَصْل: أنواع دية الخطأ]
قال أصحابنا في دية الخطأ: إنها خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو قول ابن مسعود.
стр. 3749
وقال الشافعي: عشرون ابن لبون، بدلًا من بني مخاض (١).
وعن عمر [وزيد] ذكر محمد في الكتاب في الخطأ مثل قول ابن مسعود.
لنا: ما روى حنيف بن مالك، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "في دية الخطأ عشرون ابنة مخاض، وعشرون ابن مخاض" (٢)، وقال: "في النفس مائة من الإبل"، فظاهره يقتضي أدناه؛ ولأن ابن لبون يقوم مقام غيره في الذكاة عند عدمه [فلم يجب في الدية بنفسه]، فصار كالشاتين.
وأما دية شبه العمد، فهي عندنا أرباعًا: خمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول ابن مسعود.
وذكر محمد في الكتاب عن عمر والمغيرة وأبي موسى: أن دية شبه العمد أثلاثًا.
وعن عمر وزيد: في شبه العمد ثلاثون جذعة، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خِلفة، وهو قول محمد.
وعن علي في شبه العمد أثلاثًا: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون خلفة في بطونها أولادها (٣).
стр. 3750
لأبي حنيفة وأبي يوسف: قوله ﵇: "في النفس مائة من الإبل"، وهذا يقتضي أدناه.
وروى الزهري عن السائب بن [يزيد] (١): (الدية كانت على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا) (٢)، ونحن نعلم أنه لم يرد به الخطأ، فبقي أن يريد شبه العمد.
ولأنها بدل عن النفس، فكانت الأسنانُ متساوية كالخطأ؛ ولأن الصحابة اختلفوا على الوجه الذي ذكرناه.
وإيجاب الحامل لا يجوز؛ لأن الحمل معنى لا يعلم حقيقة، ولأن الحقوق المتعلقة بالحيوان لا يعتبر فيها الحمل، [كالنذور] (٣) والهدايا، وإذا سقط اعتبار الحوامل، لم يبق إلا قول ابن مسعود.
لمحمد: ما روي أن النبي ﵇ قال: "ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" (٤).
والجواب: أن هذا الخبر قد عارضه قول ابن مسعود، ولا يجوز أن يكون قال ذلك إلا توقيفًا عن رسول الله؛ لأنه لا مدخل للقياس في هذه المقادير، وإذا تعارض الخبران، كان الأخذ بالمتيقن أولى؛ ولأن من أصلنا أن الخبر إذا روي