وروي عن عمر أنه قضى بالدية في ستة أصناف، والقيمة لا يقضى بها في البقر والغنم، فدلّ على أن هذه الأنواع ديات بأنفسها (١).
٢٤٣٧ - [فَصْل: أصناف الدِّيةَ]
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الدية يقضى بها من ثلاثة أصناف من الإبل والعين (٢) والوَرِق.
وقال أبو يوسف ومحمد: من البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ومن الحُلَلِ مائتا حُلَّةٍ: كل حُلَّةٍ ثوبان، إِزَار ورِدَاء (٣).
لأبي حنيفة: قوله ﵇: "في النفس مائة من الإبل" فظاهر هذا [يقتضي المنع] (٤) من وجوب ما سوى الإبل إلا ما دلّ عليه الدليل؛ ولأن البقر والغنم حيوان لا يغلَّظ في شبه العمد، فلا يكون أصلًا في الدية كسائر الحيوانات.
وجه قولهما: ما روي أن عمر ﵁ قضى في الدية بستة أصناف بحضرة الصحابة من غير خلاف (٥).
وقد قال أبو حنيفة: إن عمر إنما قضى بذلك لما كانت الديات على العواقل، فلما نقلها إلى الديوان قضى بها من الإبل والدراهم والدنانير.
стр. 3747
ومن أصحابنا من قال: إنه روي عن أبي حنيفة ما يقتضي مثل قولهما؛ لأنه قال في المعاقل: وإذا صالح الولي على أكثر من مائتي بقرة، أو مائتي حلة، لم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فلو لم يجعل هذه الأنواع أصولًا في الدية لجوّز الصلح على أكثر منها.
٢٤٣٨ - [فَصْل: دية المرأة]
ودية المرأة على النصف من دية الرجل؛ لما روي عن عمر وعلي وابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃ أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية الرجل، قال ابن مسعود: إلا المُوضِحَة والسِّنَّ، فإنها كالرجل (١).
ولأن المرأة في ميراثها وشهادتها جعلت على النصف من الرجل، فكذلك في ديتها، وأما ما دون النفس من المرأة، فإنه معتبر بديتها.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ديتها، معناه: أن ما كان أقل من ثلث الدية، فالرجل والمرأة فيه سواء.
وقال ابن مسعود: معاقلة فيما كان أرشه نصف عشر الدية.
وقد روي أن ربيعة بن عبد الرحمن سأل سعيد بن المسيب عن رجل قطع أصبع امرأة، فقال فيها: عشرٌ من الأبل، فقال: فإن قطع أصبعين؟ قال: فيها عشرون من الإبل، قال: فإن قطع ثلاثة؟ قال: فيها ثلاثون من الإبل، قال: فإن قطع أربعة؟ قال: فيها عشرون من الإبل، فقال ربيعة: لمّا عظم ألمها وزادت مصيبتها قلَّ أرشها؟! فقال له: أعراقي أنت؟! قال: لا بل جاهل متعلم، أو عالم
стр. 3748
متثبت، فقال: هكذا السنة (١)، وإنما أراد بذلك سنة زيد بن ثابت.
وما قاله ربيعة هو الحجة في المسألة؛ لأن ما قالوه يؤدي إلى أن نقل الأرش بكثرة الجناية، وهذا لا يصح؛ ولأن ما دون النفس معتبر بدية النفس، بدلالة ما زاد على ثلث الدية.
وقد روى أهل المدينة في ذلك حديثًا لم يثبت عند أبي حنيفة، وهو أنه قال ﷺ : "تُعاقِلُ المرأةُ الرجلَ إلى ثلث ديتها" (٢) فأما قول ابن مسعود في السنّ والموضحة، (بأن النبي ﷺ قضى في الجنين بالغُرَّة) (٣)، وهي مقدّرة بنصف عشر الدية، ولم يفصل بين الذكر والأنثى، فدلّ على أنهما يتساويان فيما بلغ أرشه نصف عشر الدية.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه إنما لم يختلف في الجنين الذكر والأنثى؛ لأنه قد يتعذر الفرق بينهما لعدم تمام الخِلْقة، فسوّي بينهما لذلك (٤).
٢٤٣٩ - [فَصْل: أنواع دية الخطأ]
قال أصحابنا في دية الخطأ: إنها خمسة أنواع: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون ابنة لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو قول ابن مسعود.
стр. 3749
وقال الشافعي: عشرون ابن لبون، بدلًا من بني مخاض (١).
وعن عمر [وزيد] ذكر محمد في الكتاب في الخطأ مثل قول ابن مسعود.
لنا: ما روى حنيف بن مالك، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "في دية الخطأ عشرون ابنة مخاض، وعشرون ابن مخاض" (٢)، وقال: "في النفس مائة من الإبل"، فظاهره يقتضي أدناه؛ ولأن ابن لبون يقوم مقام غيره في الذكاة عند عدمه [فلم يجب في الدية بنفسه]، فصار كالشاتين.
وأما دية شبه العمد، فهي عندنا أرباعًا: خمس وعشرون ابنة مخاض، وخمس وعشرون ابنة لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول ابن مسعود.
وذكر محمد في الكتاب عن عمر والمغيرة وأبي موسى: أن دية شبه العمد أثلاثًا.
وعن عمر وزيد: في شبه العمد ثلاثون جذعة، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خِلفة، وهو قول محمد.
وعن علي في شبه العمد أثلاثًا: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون خلفة في بطونها أولادها (٣).
стр. 3750
لأبي حنيفة وأبي يوسف: قوله ﵇: "في النفس مائة من الإبل"، وهذا يقتضي أدناه.
وروى الزهري عن السائب بن [يزيد] (١): (الدية كانت على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا) (٢)، ونحن نعلم أنه لم يرد به الخطأ، فبقي أن يريد شبه العمد.
ولأنها بدل عن النفس، فكانت الأسنانُ متساوية كالخطأ؛ ولأن الصحابة اختلفوا على الوجه الذي ذكرناه.
وإيجاب الحامل لا يجوز؛ لأن الحمل معنى لا يعلم حقيقة، ولأن الحقوق المتعلقة بالحيوان لا يعتبر فيها الحمل، [كالنذور] (٣) والهدايا، وإذا سقط اعتبار الحوامل، لم يبق إلا قول ابن مسعود.
لمحمد: ما روي أن النبي ﵇ قال: "ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" (٤).
والجواب: أن هذا الخبر قد عارضه قول ابن مسعود، ولا يجوز أن يكون قال ذلك إلا توقيفًا عن رسول الله؛ لأنه لا مدخل للقياس في هذه المقادير، وإذا تعارض الخبران، كان الأخذ بالمتيقن أولى؛ ولأن من أصلنا أن الخبر إذا روي
стр. 3751
أن النبي ﵇ بيّنه بيانًا عامًا ولم ينقل نقلًا عامًا، لم يقبل، ومعلوم أنه روي أن هذا قاله ﷺ في حجة الوداع في خطبته، فلو كان كما روي، لاحتجَّ به الصحابة حين اختلفوا فيه، ولكانوا لا يختلفون في كيفية التغليظ، فلما اختلفوا ولم ينقل احتجاج بعضهم به، دل ذلك على ضعفه.
٢٤٤٠ - [فَصْل: دِيَةُ الذِّمِّيِّ والمُسْتَأْمَنِ]
ودية الذمي عندنا كدية المسلم، وكذلك دية المستأمن، وإنما اعتبر أصحابنا في كمال الدية حظر الدم (١).
وقال الشافعي: في دية اليهودي والنصراني، أربعة آلاف (٢)، وفي دية المجوسي، ثمانمائة (٣).
وقال مالك: في دية اليهودي والنصراني، ستة آلاف (٤).
لنا ما روي في حديث ابن عباس: (أن مستأمِنَين دخلا على رسول الله ﷺ ، فكساهما وحملهما، فلما خرجا من عنده، لقيهما عمرو بن أمية الضمري، فقتلهما ولم يعلم بأنهما مستأمِنَين، فوداهما رسول الله ﷺ بدِية حُرّين مسلمين) (٥).
стр. 3752
وروى معاوية أن النبي ﷺ قال: "دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار" (١).
وعن الزهري قال: قضى أبو بكر وعمر وعلي في دية الذمي بمثل دية المسلم (٢)؛ لأن الله تعالى سمّى ما يجب بقتل الذمي دية، كما سمّى ما يجب بقتل المسلم دية، فلما لم يفصل بينهما، دل على تساويهما؛ ولأنه بدل عن متلف، فاستوى فيه المسلم والذمي، كبدل الأموال (٣).
стр. 3753
بَابْ: الأعضاءِ التي تجبُ بكل عضوٍ منها ديةٌ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وهي ثلاثة أعضاء: اللِّسان، والأَنف، والذَّكَر (١).
فإذا استوعب الأنف جذعًا، أو قطع المارن منه وحده -وهو ما لان من الأنف عن العظم- ففيه الدية كاملة.
وكذلك إذا انتزعت أو قطعت الحشفة وحدها، ففيه الدية.
وكذلك اللسان، إذا استوعب أو قطع منه ما يذهب بالكلام كله.
والأصل في هذا: ما روى سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ قال: "في النفس الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الأنف الدية، وفي المارن الدية" (٢)، وكذلك في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم (٣).
وروي عن عليّ وجماعة من الصحابة أنهم قالوا: في اللسان الدية، وأما المارن فللخبر؛ ولأن المقصود بالأنف الجمال والمنفعة، وذلك يفوت بفوات المارن؛ ولأنه لا يجمع الشم به.
стр. 3754
وأما حشفة الذكر ففيها الدية؛ لأنها إذا قطعت بطلت منفعة الذكر، وهي الإنزال، وبطلان منفعة العضو كبطلان العضو.
وأما اللسان إذا ذهب بالكلام بقطع بعضه، ففيه الدية؛ لأنه أبطل المنفعة المقصودة منه، فصار كقطع جميعه، وإن ذهب ببعض الكلام ففيه حكومة؛ لأنه لم يبطل المنفعة بكمالها، ومن أصحابنا من قال في ذلك بقول عليّ رضوان الله عليه، أنه يقسم على عدد الحروف، فإذا فات بعض الحروف وبقي [بعض] الكلام في بعضها، وجب عليه من الدية بقدر ما فات من حروف المعجم، وهذا ينبغي أن يعتبر بالحروف التي تفتقر إلى اللسان (١).
فأما ما لا يفتقر إلى اللسان، كالباء، والهاء، فلا تدخل في القسمة.
стр. 3755
بَابْ: المعاني التي توجبُ الدياتِ مما ليس بعضوٍ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: في النفس الدية، وكذلك العقل والسَّمْع والْبَصَر والشَّمُّ والذَّوْق والكَلَام.
والأصل في ذلك: ما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في رجل واحد بأربع ديات: ضُرِب على رأسه فذهب عقله، وكلامه، وبصره، وذكره (١).
ولأن العقل يبطل بفواته منافع كل الأعضاء، ألا ترى أن أفعال المجنون تجري مجرى أفعال البهائم، فكأنه أتلفه.
وأما السمع فلأنها منفعة ليس لها نظير في البدن، ففيها الدية كالعقل والكلام.
وأما البصر، فقد دلّ عليه قوله ﷺ : "وفي العينين الدية" (٢).
وأما الشَّمّ والذَّوق؛ فلأن كل واحد منهما منفعة كاملة لا نظير لها في البدن.
وأما الكلام إذا ذهب، فلم يقطع اللسان، ففيه الدية؛ لأن فوات منفعة العضو الذي يقصد منه المنفعة كفوات العضو، ألا ترى أنه لا فرق بين قلع العين وبين ذهاب ضوئها، وبين قطع اليد و [بين] جفافها.
стр. 3756
قال: وشعر [الرأس] إذا سقط فلم ينبت بجناية جانٍ جنى عليه، وكذلك اللحية إذا لم تنبت، فقد قال أصحابنا: إن في شعر رأس الحر الدية، وكذلك في شعر المرأة، وكذلك في لحية الرجل.
فأما شعر العبد ولحية العبد، فذكر في الأصل أن فيه حكومة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن فيه القيمة، وقال الشافعي: فيها حكومة (١).
لنا: أن اللحية فيها جمال كامل، بدلالة ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إن ملائكة سماء الدنيا تقول: والذي زيّن بني آدم باللِّحى (٢). وفوات الجمال الكامل في الحر يتعلق به كمال الدية، كالمارن والأذن الشاخصة.
وقد روي عن علي رضوان الله عليه أنه قال: في الرأس إذا حلق فلم ينبت، الدية كاملة (٣).
وروي أن رجلًا أغلى ماءً فصبَّه على رأس رجل، فسلخ جلد رأسه، فقضى علي رضوان الله عليه بالدية.
وروي عن شريح، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، أنهم قالوا: في الحاجبين الدية.
стр. 3757
وذكر المُبَرِّد أن النبي ﷺ قال: "وفي المَعَر الدية"، وفسّره المبرد فقال: هو اعوجاج الوجه، وإنما يفوت بذلك الجمال.
فأما شعر البدن، ففيه حكومة؛ لأنه لا يظهر، فيقع به الجمال الكامل.
وأما لحية العبد، فإن قلنا برواية الحسن: سوّينا بينهما؛ لأن القيمة في العبد، كالدية في الأحرار.
وإن قلنا بالرواية الأخرى: فلأن المقصود من العبيد الخدمة، وليس المقصود فيهم الجمال، فلذلك لم يجب كمال القيمة بفوات الجمال.
وكان أبو جعفر الهندواني رحمه الله تعالى يقول في اللحية: إنما تجب بها الدية إذا كانت لحية كاملة يتجمل بها، فأما إذا كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها، فلا شيء فيها، وإن كانت غير متوفرة لا يقع بها جمال كامل وليست مما يشين، ففيها حكومة.
وذكر في المنتقى: في لحية السنوط (١) حكومة، وإن كانت قد استوت إلا أنها رقيقة، ففيها الدية.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: هذا في الذكور والإناث سواء، وإنما أراد بهذا: العقل، والسمع، والبصر، وشعر الرأس، فأما اللحية فلا يتصور أن تكون للمرأة إلا طاقات تشينها.
قال: وكذلك إذا ضرب ظهر الرجل فصار لا يبول؛ لأنه فوت عليه منفعةً كاملة، وهي النسل ولذة الإنزال.
стр. 3758
قال: وكذلك المرأة إذا افتضتها الجناية، فلم تستمسك البول والغائط، أو لم تستمسك أحدهما، ففي كل واحدٍ منهما دية كاملة، في الرجل على قدر ديته، وفي المرأة على قدر ديتها؛ وذلك لأن [هذه] الجناية أبطلت المنفعة المقصودة بهذا العضو، وقد بينا أن إبطال منفعة العضو كإبطال العضو، وإتلاف عضو لا نظير له في البدن يتعلق به الدية (١).
стр. 3759
بَابْ: ما تجبُ فيه الديةُ على قدرِ ما في البَدن
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: في العينين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأنثيين الدية، وفي الحاجبين الدية إذا ذهب شعرها ولم ينبت، وفي ثدي المرأة الدية، وفي كل واحد مما ذكر نصف الدية (١).
والأصل في هذا: أن كل عضو لا نظير له في البدن ففيه الدية، وقد قدمناه، وهي ثلاثة أعضاء: الأَنْف، والذَّكَر، واللِّسان.
وكل ما في البدن منه اثنان: ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، والأصل في ذلك: ما روي في حديث سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ قال: "وفي العينين الدية، وفي [الأذنين] (٢) الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الأنف الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الشفتين الدية" (٣).
وفي الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم: "في النفس الدية، وفي الأنف الدية، وفي اللسان الدية، وفي العينين الدية، وفي أحدهما نصف الدية،
стр. 3760
وفي اليدين الدية، وفي أحدهما نصف الدية" (١).
وأما شعر الحاجبين، فهو على ما بينا، أن فوات الجمال بالشعر يوجب الأرش المقدر.
قال: وسواء ذهب بالجناية نور البصر دون الشحمة، أو ذهب معه الشحمة؛
وذلك لما قدمنا أن تلف منفعة العضو، كتلف نفس العضو، والمقصود من
الشحمة: النظر، فإذا ذهبت، فالشحمة تابعة.
قال: وسواء قطع أصابع اليد دون الكف، أو قطع الكف وفيها الأصابع، وكذلك القدم تبع للأصابع؛ وذلك لما روي عنه ﷺ أنه قال: "في الأصابع في كل أصبع عشر من الأبل" (٢)، فلا فرق بين أن يقطعها ويقطع الكف معها؛ لأن الأصابع تجب فيها نصف الدية، (وهي مع الكف يجب فيها نصف الدية) (٣)؛ لقوله ﵇: "وفي إحدى اليدين نصف الدية" (٤)، فدل على أن الكف تبع للأصابع؛ ولأن المقصود من اليد المنفعة، وذلك يحصل بالأصابع، فإتلافها كإتلاف اليد.
[قال]: وكذلك إن قطع الحَلَمَة من ثَدْي المرأة وحدها أو قطع الثدي [وفيه الحَلَمة]، ففيها نصف الدية، والثَّدْي تبع للحَلَمَة؛ لأن المقصود من منفعة الثدي يفوت بفوات الحلمة، وهو الرضاع، وفوات المنفعة المقصودة من العضو كفوات العضو.
стр. 3761
قال: وسواء كان ذلك بضربة أو ضربتين، إذا كان ذلك قبل البُرْء من الأول؛ لأن الجناية لا تستقر قبل البرء، فإذا أتبعها الجناية الثانية قبل استقرارها، فكأنه أوقعهما معًا.
قال: وفي أشفار العين كلها الدية، وفي أحدها ربع الدية، وفي الاثنين نصف الدية، وفي الثلاث ثلاثة أرباع الدية، وهذا كله إذا لم ينبت الشعر؛ وذلك لأن الأشفار أربعة في البدن، ففي جميعها الدية؛ لأنه لا نظير لجملتها في البدن (١).
ثم الدية تنقسم على عددها، فتجب في كل واحد منها الربع، كما يجب قسم الدية على اليدين (٢).
وكذلك إن قطع الجَفْن اللحم وفيه الشعر فهو سواء، واللحم تبع (للشعر، مثل الكفين والقدمين مع الأصابع؛ وذلك لأن الجمال والمنفعة والشعر واللحم تبع) (٣) له كالكف مع الأصابع.
قال: فإن قطع اليد من الذراع من المفصل خطأً، ففي الكف والأصابع الدية، وفي الذراع حكومة، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: فيه نصف الدية، والذراع تبع.
وكذلك لو قطع اليد من العَضُد، أو الرجل من الفَخْذ، ففيه نصف الدية، وما فوق القدم عنده تبع، وما فوق الكف تبع، وهو قول ابن أبي ليلى.
стр. 3762
وقال أبو حنيفة: لا تتبع الأصابع غير الكف، وكذلك أصابعُ الرجل، لا تتبعها إلا القدم، وهي رواية محمد عن أبي يوسف في الكف والذراع.
وروى ابن سماعة وبشر وعلي عن أبي يوسف: أنّ في اليد إذا قطعت من المرفق، أو فوق ذلك ما بينها وبين المنكب، ففيها نصف الدية في قول أبي يوسف وابن أبي ليلى، وكذلك إذا قطع الرجل من الفخذ.
وجه قولهما: أن الدية إنما تجب في الأصابع، والكف تبع [لها]؛ بدليل أنه لو أفرد الأصابع بالقطع، وجب نصف الدية، ولو قطعها مع الكف وجب نصف الدية، فلا يخلو إما أن تكون الذراع تبعًا للأصابع، أو للكف، ولا يجوز أن يتبع الأصابع؛ لأنه يفصل بينهما عضو، فلا يكون تبعًا لهما، كما لا تكون [الشحمة] (١) تابعة للأصابع، ولا يجوز أن يتبع الكف؛ لأنه تبع في نفسه، فلا يثبت له تبع.
لأبي يوسف: قوله ﵇: "وفي اليدين الدية، وفي أحدهما نصف الدية" (٢)، واليد عبارة عن [العَضُد] (٣) إلى المنكب؛ ولأن ما ليس له أرش مقدر إذا اتصل بما له أرش مقدر تبعه في الأرش، كالكف (٤).
٢٤٤١ - [فَصْل: الدية في أصابع اليدين والرجلين]
قال: وفي أصابع اليدين والرجلين في كل واحد منهما عُشْر الدية، وهي
стр. 3763
في ذلك سواء، لا فضل لبعضهن على بعض؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "في كل أصبع عَشْر من الإبل، والأصابع كلها سواء" (١).
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: هذه وهذه سواء، وأشار إلى الخنصر والإبهام.
وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "في المواضح خمس خمس من الإبل، وفي الأصابع [كلهن سواء] عشر عشر من الإبل، وفي الأسنان خمس خمس من الإبل" (٢)، وقد روي أن عمر كان يقول: (في الخنصر ست من الإبل، وفي البنصر سبع من الإبل، وفي الوسطى عشر من الإبل، وفي السَّبَّابة والإبهام خمس وعشرون) (٣)، فلما بلغه الخبر عن رسول الله ﷺ رجع إلى ذلك.
وهذا جارٍ على الأصل الذي قدمنا؛ لأن في اليدين عشر أصابع، ففيها الدية، ثم تنقسم الدية على قدر عددها، كما انقسمت على اليدين والرجلين.
قال: وما كان من الأصابع ففيه ثلاث مفاصل، ففي كل مفصل إذا قطع ثُلُثُ دية الأصبع، وما كان فيه مفصلان، ففي الواحد منه نصف دية الأصبع، وذلك [لأن] ما في الأصبع ينقسم على مفاصلها كما انقسم ما في اليد على عدد الأصابع.
стр. 3764
قال: وسواء قطع من الأصابع أو شَلَّ، وهذا لما قدمنا.
قال: وفي كل سِنٍّ خمس [من الإبل] (١) إذا سقطت، وهي في ذلك سواء، المقدم والمؤخر والأضراس والثنايا [لا يختلف عقلهن؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "في كل سِنٍّ خمس من الإبل"] (٢)، وهذا غير جارٍ على قياس الأعضاء؛ لأن جملة الأسنان والأضراس اثنان وثلاثون؛ إلا أن المرجع في أرشها إلى النص (٣).
وقد حكى عن بعض الناس أنه فضل أرش الطواحن على أرش الضواحك، وظاهر الخبر يقتضي خلاف ذلك.
قال: فإن اسوَدَّت السِّنُّ من الضربة، أو حمرت أو اخضَرّت [ولم تسقط]، ففيها الأرش تامًا؛ وذلك لأن السن إذا اسوَدَّت بطل منفعتها؛ لأنها تتناثر وتتلاشى، وبطلان المنفعة كتلف العضو.
ولأنه يفوت باسودادها الجمال الكامل، فأما إذا اصفرَّتْ: فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن فيها [حكومة] (٤) عدل.
وروى هشام عن محمد عن أبي حنيفة أن المضروب إن كان حرًا فليس فيها شيء، وإن كان مملوكًا ففيها حكومة عدل.
стр. 3765
وقال محمد: نرى فيها حكومة عدل، حرًا كان أو عبدًا، وهو قول أبي يوسف.
وقال زفر: إذا اصفرت، ففيها عقلها تامًا.
لأبي حنيفة: أن الصفرة لا تذهب منفعتها، وإنما توجب نقصًا فيها، [فوجبت بها حكومة عدل] (١).
وأما الرواية الأخرى، فقال: بأن الصفرة [قد] تكون لون السِّنّ في أصل الخِلْقَةِ، فلم يُعَدّ ذلك نقصًا في الحر.
وليس كذلك الخضرة والسواد [والحمرة]؛ لأنها لا تكون لون السن في الأصل.
فأما العبد: فالصفرة [والسواد] تؤثر في نقصان ثمنه، وهذه الرواية لا تصح؛ لأن الحر أولى بإيجاب الأرش بفوات الجمال، بدلالة الشعر.
وجه قول زفر: أن الصفرة تؤثر في تفويت جمال السِّنّ كالسواد.
وقال أبو يوسف: إن كثرت الصفرة حتى تكون عيبًا كعيب الخضرة والحمرة، ففيها عقلها تامًا، وهذا يجب أن يكون قولهم.
قال: وهذا عندهم جميعًا بعد أن ينظر بها سنة، فإن حدث فيها سقوط أو شيء من هذا، كان فيها ما ذكرنا، وإن نبتت سوية فلا شيء فيها؛ وذلك لأن الجنايات يعتبر فيها حال استقرارها، بدلالة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " [لا يستقاد من] (٢) الجراح حتى يبرأ"؛ ولأن الجناية إذا لم تستقر، لم يعلم الواجب بها،
стр. 3766
فلا يجوز القضاء بما لا يعلم.
قال: وإن نبتت حمراء أو خضراء أو سوداء أو صفراء، ففيها ما ذكرت في كل ناب؛ وذلك لأن السن إذا نبتت، قام النابت (١) مقام الذاهب، بدلالة سقوط الأرش، فإذا نبتت سوداء، فكأن الأصل كان باقيًا وتغيّر.
ولم يذكر الشفتين، وفيها الدية عندنا؛ لأنها من جملة ما في البدن منه اثنان، لا نظير لهما، وهما كالعينين واليدين، والعليا والسفلى سواء، وهذا قول جماعةٍ من الصحابة.
وقال زيد بن ثابت: (في السفلى الثلثان، وفي العليا الثلث) (٢)؛ لأن السفلى فيها جمال ومنفعة، لأنها تحبس الريق. وبقية الصحابة لم يفصلوا، وقال مثل قولنا: شريح والنخعي، وجماعة من التابعين رضي الله تعالى عنهم (٣).
стр. 3767
بَابْ: الشِّجَاجِ
قال أيده الله تعالى: الشجاج (١)، أولها الحارِصَةُ (٢): وهي التي تشق الجلد، ومنه قولهم: حرص القصّار الثوب.
وبعدها [الدَّامِعَة]: وهي التي يخرج منها ما يشبه الدمع.
وبعدها الدَّامِيَة: وهي التي يخرج منها الدَّم.
وبعدها البَاضِعَة: وهي التي تبضع اللحم.
وبعدها المُتَلاحِمَة: وهي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة، هكذا روى أبو يوسف.
وقال محمد: المتلاحمة قبل الباضعة، وهي التي يتلاحم الدم فيها ويَسْوَدّ.
وبعدها السِّمْحَاق: وهي التي تصل إلى جلدة رقيقة فوق العظم، تلك الجلدة تسمى السِّمْحَاق، ومنه قيل للغيم الرقيق (٣): سماحيق.
стр. 3768
ثم المُوْضِحَة: وهي التي [تقطع السمحاق و] توضح عن العظم.
ثم الهَاشِمَة: وهي التي تهشم العظم.
ثم المُنَقِّلَةُ: وهي التي يخرج منها العظم (١).
ثم الآمَّة: وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ.
ثم الدَّامِغَةُ: وهي التي تخرق الجلدة وتصل إلى الدماغ.
فهذه إحدى عشرة شَجّة، لم يذكر محمد منها الحارِصَة، ولا الدَّامِغَة؛ [لأن الحارصة] لا يبقى لها أثر في الغالب، فالشجة التي لا أثر لها لا حكم لها [في الشرع].
ولم يذكر الدامغة؛ لأن الإنسان لا يعيش معها [عادة]، فلا معنى [لإثبات] حكم الشجاج فيها، وما سوى ذلك، فالحكم فيه مختلف (٢).
فإن كان عمدًا، ففي المُوضِحة القصاص في قولهم؛ لأنه يمكن استيفاء القصاص فيها؛ لأنه ينتهي بالسِّكِّين إلى العظم، (وإذا أمكن استيفاء المماثلة، وجبت.
وما بعد الموضحة لا قصاص فيه في قولهم (٣)؛ لأنه لا يمكن استيفاء
стр. 3769
المماثلة فيه، ألا ترى أن الهاشمة) (١) تكسر العظم، فإذا كسرنا العظم لم نعلم أنا ننتهي إلى المستحق، وكذلك المُنَقِّلَةُ.
فأما الآمَّةُ، فلا بأس أن ينتهي بها إلى الدماغ، وإذا تعذرت المماثلة سقط القصاص.
فأما ما قبل الموضحة، فذكره محمد في الأصل: أن فيه القصاص.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا قصاص إلا في الموضحة.
وجه رواية الحسن: أن ما دون الموضحة لا حد فيه ينتهي السكين إليه، فلا يمكن استيفاء المماثلة.
وجه رواية الأصل: أنه يمكن تقدير غور الجراحة (٢) بمسمار، ثم تعمل حديدة على [قدره] (٣)، فينفذ في اللحم إلى آخرها، فيستوفي منه مثل ما فعل.
فأما إذا كانت خطأً، أو سقط القصاص فيها على إحدى الروايتين فيما قبل الموضحة، وعلى الروايات كلها فيما بعد الموضحة وفيما قبل الموضحة حكم عدل.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما دون الموضحة خدوش، فيها حكم عدل، وكذلك عن النخعي.
وقال الشعبي: ما دون الموضحة فيه أجرة الطبيب؛ ولأنه لم يرد في الشرع
стр. 3770
لذلك أرش مقدر، فوجب فيها النقصان.
واختلف أصحابنا المتأخرون في كيفية الحكومة، فقال الطحاوي: يقوّم الحر لو كان عبدًا، وهو صحيح، ثم يقوم وبه هذه الشجّة، فما نقص بين القيمتين، كان أرشًا من دية الحر.
وقال أبو الحسن رحمه الله تعالى: يقرب من الشجة التي لها أرش مقدّر بالحرز والظن.
وجه ما قاله الطحاوي: أن الحر لا يمكن تقويمه، والقيمة في العبد كالدية في الحر، فوجب أن ينقص من دية الحر ما بين القيمتين في العبد.
وكان أبو الحسن ينكر هذا ويقول: إنه يؤدي إلى أن يجب في قليل الشجاج أكثر مما يجب في كثيرها؛ لأنه يجوز أن يكون نقصان الشجة التي هي السمحاق في العبد أكثر من نصف عشر قيمته، فإذا أوجبنا مثل ذلك في دية الحر، أوجبنا في السمحاق أكثر مما يجب في الموضحة، وهذا لا يصح.
فأمّا الموضحة، ففيها خَمْس من الإبل، وفي الهاشمة عَشْر من الإبل، وفي المُنَقِّلَةِ خمس عشرة من الإبل، وفي الآمَّةِ ثلث الدية.
والأصل في هذا: ما روي في كتاب عمرو بن حزم، أن النبي ﵇ قال: "وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الآمَّةِ ثلث الدية" (١).
стр. 3771
فأما الخلاف في المتلاحمة (١)، فلا يعود إلى معنى، وإنما هو عبارة (٢)؛ لأن محمدًا لا يمنع أن تكون الشجة التي ذهبت في اللحم أكثر يزيد أرشها، وكذلك أبو يوسف لا يمنع أن تكون الشجة التي قبل (٣) الباضعة أقل منها أرشًا.
وإنما الخلاف في الاسم، قال محمد: المتلاحمة مأخوذة من الاجتماع، يقال: التحم الجيشان، إذا التقيا، وقال أبو يوسف: إنها مأخوذة من الذهاب في اللحم، وإنا قد بينا حكم هذه الشجاج، فالكلام في موضعها.
فعندنا: أن الشجاج تختص بالرأس والوجه، فإذا كانت من الوجه في مواضع العظم، مثل الجَبْهَةِ والوَجْنَتَيْنِ والذَّقَنِ، تصور فيها الموضحة وما قبلها وما بعدها.
وقال الليث: يثبت حكم هذه الشجاج في كل البَدَن، وهذا الذي قاله إن رجع فيه إلى لغة فهو غلط؛ لأن العرب تسمي ما كان في الوجه والرأس شجّة، وما كان في البدن جراحة، وإن كان يرجع إلى الحكم، لم يصح؛ لأن هذه الشجاج يثبت حكمها للشَّيْن الذي يلحق ببقاء أثرها، ألا ترى أنها لو اندملت فلم يبق لها أثر، لم يجب لها أرش.
والشَّيْن إنما يكون فيما يظهر من البدن: وهو الوجه والرأس، فأما ما سواهما فيغطى في العادة، فلا يحصل فيه من الشين ما يحصل في الوجه والرأس.
стр. 3772
وقد قال محمد: إنه روي عن علي رضوان الله عليه أنه قال: في السمحاق أربع من الإبل، وهذا على وجه [يثبت حكمها] الحكومة، لا على وجه التقدير.
قال: وما كان أرشه خمسمائة فما فوق ذلك في الخطأ فهو على العاقلة في قولهم جميعًا، وما كان دون الخمسمائة، فهو في مال الجاني، ولا تكون على العاقلة، وهذا الذي قاله، إنما يعني به في الرجل.
فأما في المرأة، فتتحمل العاقلة من الجناية عليها مائتين وخمسين فصاعدًا؛ لأن الذي يعتبر في ذلك، نصف عشر الدية.
وقال الشافعي: تتحمل العاقلة القليل والكثير (١).
لنا: أن القياس يمنع تحمل العاقلة على ما تقدم، وإنما تركنا القياس للأثر. (وقد روي أن النبي ﷺ قضى بأرش الجنين على العاقلة) (٢)، فتركنا القياس في ذلك، وما سواه على أصل القياس؛ ولأن ما دون ذلك ليس له أرش مقدر بنفسه، كالأموال، ولا يلزم على هذا ما يجب في الأُنْمَ لَةُ؛ لأنه ليس بمقدر بنفسه، وإنما هو جزء من مقدر.
وإذا ثبت هذا: فما كان أرشه نصف عشر الدية إلى ثلث الدية، فإنه على العاقلة في سنة؛ لأن عمر ﵁ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، وكل ما وجب به ثلث الدية، فهو في سنة، كما يلزم العاقلة في السنة الأولى.
فإن زاد على ثلث الدية، فثلث الدية في سنة، والزيادة في سنة أخرى؛
стр. 3773
لأن الزيادة على الثلث من جملة ما يلزم العاقلة في السنة الثانية من الدية، فكذلك إذا انفرد.
فإن زاد على الثلثين، فالثلثان في سنتين، وما زاد على ذلك في السنة الثالثة قياسًا على ما يلزم العاقلة في السنة الثالثة.
قال ابن سماعة وبشر وعليّ بن الجعد عن أبي يوسف: والمُوْضِحَة في الوجه والرأس، ولا تكون الآمة إلا في الرأس، وفي الوجه في الموضع الذي يخلص منه إلى الدّماغ، وهذا على ما قد بيَّنّا.
قال: والصغيرةُ والكبيرةُ في ذلك سواء، (لقوله ﵇: "في الموضحة خمس من الإبل"، ولم يفصل بين الصغيرة والكبيرة) (١).
قال: ولا تكون الجائفة في الرقبة ولا في الحلق، ولا تكون إلا فيما يصل إلى الجوف من الصدر والبطن والظهر والجنبين؛ وذلك لأن الجائفة: هي الجراحة النافذة إلى الجوف، فما لا ينفذ إليه لا يتناوله الاسم.
وقال بشر عنه: وفي كل ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي لو وصل إليه الشراب كان مفطرًا، وما فوق ذلك فليس فيه جائفة؛ لأن ما يفطر بوصول الشراب إليه، فهو في حكم الجوف، فإذا وصلت الجراحة إليه فهي جائفة.
قال: وكل ما وصل إلى الفم، ففيه حكم عدل، وليس بجائفة، وهذا كما قدمنا.
قال: ولا يكون في اليدين ولا في الرجلين جائفة؛ [لأنها لا تصل إلى
стр. 3774
الجوف، فإن كانت الجراحة بين الأنثيين والدُّبر حتى تصل إلى الجوف، فهي جائفة] (١) لما قدمنا أن الجائفة اسم مشتق فيما وصل إلى الجوف.
قال: وكل موضع يكون فيه موضحة، ففيه منقلة وهاشمة وسمحاق وباضعة ومتلاحمة ودامية، وإنما ذلك في الرأس، والجبهة والصُّدْغَين (٢) واللحيين وموضع العظم من الخدين والذَّقَن، وهذا قد بيّناه.
قال أبو الحسن: وليس في الجراح شيء له أرش معلوم غير الجائفة، فإن فيها ثلث الدية، فإن نفذت الجراحة إلى الجانب الآخر، ففيها ثلثا الدية، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "في الجائفة ثلث الدية، فإذا نفذت إلى الجانب الآخر، فهي جائفتان، ففي كل واحدة منها ثُلُثُ الدية" (٣).
وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية بحضرة الصحابة من غير خلاف (٤).
стр. 3775
بَابْ: ما تجبُ فيه الحكومة وليس له أرش معلومٌ
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: في الضلع إذا كسر حكم عدل، وكذلك الترقوةُ، وكذلك كسر كل عظم فيه حكم عدل، على قدر ما يرى الحاكم بعد نظر ذوي عدل من أطباء الجراحات ومن يعالج الكسر (١).
وقال في الأصل: في أنف الرجل إذا كسر حُكُومة (٢).
والأصل في هذا الباب: أنه لا قصاص في شيء من العظم، إلا في السن خاصة.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قصاص في عظم" (٣)؛ ولأن المماثلة لا تمكن في كسر العظم؛ لأنا لا نعلم (٤) أنا نكسر مثل ما كسر الضارب، وما لا مماثلة فيه، لا يجب فيه القصاص، فإذا سقط القصاص وليس له أرش مقدر؛ لأن تقدير الأرش يعلم من جهة الشرع، وما [لم] (٥) يقدر ذلك في الشرع، رجع إلى حكم عدل.
стр. 3776
فأما السن، فيجب فيه القصاص، لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ ولأن المماثلة يمكن فيه؛ لأنه ظاهر، فإن كسر بعضه أخذ من سن الكاسر بالمِبْرَد (١) مثل ما كسر.
فإن قلعه، لم يقلع سِنَّه؛ لأنا لا نأمن أن يؤدي إلى أكثر مما فعل، ولكنا نأخذ سِنَّه بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم، ويسقط ما سوى ذلك.
قال: وفي ثديَي الرجل حكومة عدل، وفي أحدهما نصف ذلك الحكم، وفي حلمة ثدييه حكم عدل دون ذلك، وهو قول أبي حنيفة؛ وذلك لأن ثدي الرجل ليس فيه منفعة ولا زينة كاملة، ألا ترى أنه ليس بظاهر، فلم يتقدر أرشه، فوجبت فيه الحكومة.
قال: وفي لسان الأخرس، وذَكَر الخَصِيّ، والعين القائمة الذاهب نورها، والسن السود القائمة، واليد الشلاء، والرجل الشلاء، حكم عدل؛ وذلك لأنه لا منفعة في هذه الأعضاء، والمقصود منها المنفعة، فإذا عدمت لم يتقدر أرشها، وصارت كما لا منفعة فيه من الأجزاء.
ولا يجوز أن يقال: إن فيها زينة؛ لأن الأعضاء التي يقصد منها المنفعة الزينة فيها تبع، فلا يتقدر الأرش لأجلها؛ ولأن الزينة فيها ليست بكاملة، ألا ترى أن العين القائمة يتجمل بها الإنسان عند من لا يعرف حالها، فأمّا من يعرف حالها، فلا جمال فيها، وإذا لم تكمل الزينة لم يكمل الأرش.
стр. 3777
٢٤٤٢ - [فَصْل: الأرش في شجةٍ التحمت]
قال أبو حنيفة: سِنّ الصبي الذي لم يثغر لا شيء فيه، وقال أبو يوسف: فيه حكومة.
لأبي حنيفة: أن سن الصبي معرضة للسقوط، فإذا قلعه ونبت فلم يفت عليه منفعة ولا زينة، فلم يجب الأرش.
لأبي يوسف: أن الألم قد حصل، فوجب أن يلزمه حكومة لأجل الألم.
وقد قالوا فيمن شَجَّ رجلًا فالتحمت الشجة ونبت الشعر: إنه لا شيء على الشاج في قول أبي حنيفة؛ لأن الأرش إنما يجب بالشَّيْن الذي يلحق بالأثر، وقد زال ذلك، فسقط الأرش.
وقال أبو يوسف: عليه حكومة عدل في الألم، وهذا ليس بصحيح؛ لأن مجرد الألم لا يتعلق به ضمان، كمن ضرب رجلًا ضربًا وجيعًا.
قال محمد: يلزمه أجرة الطبيب؛ لأن الجاني صار السبب في إلزام هذا الغرم، فكأنه أخذه من ماله، فأتلفه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن المنافع لا تتقوم عندنا إلا بعقد أو شبهه، ولم يوجد في حق الجاني عقد ولا شبهه، فلم تتقوم أجرة الطبيب في حقه، فمسألة السن فرع على هذا الأصل، ولم يذكر فيها قول محمد؛ لأنه غُرم يلزم فيها.
وأمّا سِنّ البالغ إذا قلعها فنبتت مكانَها، قال أبو حنيفة: لا شيء فيها؛ لأن السن لا يستأنى فيها، وإنما يستأنى لينظر ما يكون في حالها، فإذا نبت، فقد عاد الجمال والمنفعة على ما كان عليه، فصار كسن الصبي.
стр. 3778
وقال أبو يوسف: عليه الأرش كاملًا؛ لأنه أتلف السن بجنايته، وما نبت إنما هو عوض عوّضه الله تعالى، فلا يسقط الضمان عن الجاني كمن أتلف مالًا لغيره، فرزقه الله تعالى، وكمن قطع شجرة فنبتت.
وفرق أبو يوسف بين سن الصبي وسن البالغ؛ لأن سن الصبي معرّض للسقوط، فلم يجب في قلعها [الضمان إذا عادت] (١)، فكأنها انقلعت بنفسها، وسنّ البالغ غير معرّض للسقوط، فتعلق بها الضمان.
وقد قالوا: فيمن قلع سن غيره، فأخذ [ها] صاحبها فردها مكانها، فنبتت ونبت عليها اللحم، فعلى القالع الأرش (٢) بكماله؛ وذلك لأن هذا النبوت لا يعتد به، ولا يعود إلى ما كان عليه، ألا ترى أن العروق لا تعود؛ ولأن السن في حكم الميتة.
قال محمد: إن كان أكثر من قدر الدرهم لم يجز الصلاة فيها (٣)، فلم يكن عوضًا التالف، وقال أبو يوسف: في سن نفسه إذا أعاده يجوز الصلاة فيه، وفي سن غيره لا يجوز، قال: وبينهما فرق لا يحضرني.
وعلى هذا، إذا قطع أذنه فخاطها والتحمت؛ لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه.
وقال أبو حنيفة في الظّفر: إذا نبت كما كان فلا شيء فيه، وإن لم ينبت
стр. 3779
ففيه حكومة عدل؛ لأنه إذا نبت فقد عادت المنفعة والزينة، وإذا فاتت فقد فوت عليه المنفعة والزينة، إلا أنه ليس له أرش مقدر، فيجبُ فيه حكومة.
قال: وإن نبت على عيب، ففيه حكومة عدل دون ذلك؛ وذلك لأن النابت عوض عن الذاهب، فكأن الظفر الأول باق، وقد دخله عيب، فيلزمه حكومة، وكذلك قال أبو يوسف: إذا نبت أسود ففيه حكومة عدل بجراحته الأولى، ولما أصاب من ألم ذلك، وهذا على أصله: أن الألم يتقوّم.
قال في الأصبع الزائدة والسن الزائدة: حكم عدل؛ وذلك لأنه لا منفعة فيها ولا زينة، فلا يجب بها أرش مقدر.
ولا يقال: فيجب أن لا يلزم بها شيء؛ لأنها جزء من البدن، وأجزاء البدن تتقوّم مع عدم المنفعة والزينة.
قال: وَذَكَر العِنِّين (١) كذَكَر الخَصِيِّ (٢)؛ لأن المقصود من هذا العضو منفعة الإنزال والإحبال، فإذا عدمت هذه المنفعة منه صار كاليد الشلاء.
قال: وإذا بدأ فقطع الذكر ثم الأنثيين من الصحيح خطأ، ففي ذلك دِيّتان، وإن بدأ بالأنثيين ثم الذكر، ففي الأنثيين الدِّية، وفي الذكر حكم العدل، وإن قطعهما جميعًا من جانب، ففيها دِيّتان؛ وذلك لأن الذكر والأنثيين تجب لكل واحد منهما دية كاملة إذا كانت منفعته كاملة، فإذا بدأ بقطع الذكر، فقد قطعه مع كمال منفعته، فيجب كمال أرشه، فإذا قطع الأنثيين بعده فمنفعتهما كاملة؛ بدلالة
стр. 3780
أن المقصود منها الإنزال، وذلك يوجد مع فقد الذكر، فلم ينقص ديتهما مع فقد الذكر.
وأما إذا بدأ بقطع الأنثيين فقد قطعهما ومنفعتهما كاملة، فيجب فيهما الدية، ومنفعة الذكر عدمت بقطعهما؛ لأنه لا يوجد الإنزال والإحبال، فقد قطعه وليس له منفعة كاملة، فلم يقدر أرشه.
وأما إذا قطعهما معًا من جانب، فقد حصل القطع في حال واحدة، فلكل واحد منهما منفعته كاملة، فوجب فيهما ديتان.
قال: وذَكَرُ الصبي وعَيْنُه ويَدُه ورِجْلُه -يعني: الصغير الذي لم (يمش) (١) ولم يقعد-، وفي لسانه وأنفه وأذنه، ففي الأنف، دية كاملة، وكذلك أذناه، وكذلك يداه ورجلاه إذا كان يحركهما، وكذلك الذكر إذا كان يتحرك.
فأما العينان فكل شيء يستدل به على بصرهما (٢) فهي مثل عين الكبير البصير.
وأما لسانه، ففيه حكم [عدل] لا تتمّ دية اللسان حتى يتكلم الصبي.
وأما المارن (٣) والأُذُن، فالمقصود منهما الجمال دون المنفعة، وذلك يوجد في الصغير فكماله كالكبير.
وأما الأعضاء التي يقصد منها المنفعة، فلا يجب فيها أرش كامل حتى يعلم صحتها؛ وذلك يعلم في بعضها بالحركة: وفي اللسان بالكلام، وفي العين بما
стр. 3781
يستدل به على النظر، إذا وجد ذلك فقد أتلف منفعة كاملة، فيلزمه كمال الأرش، وإذا لم يوجد ذلك، فلا يعلم [كمال] الصحة، فلا يلزمه الأرش الكامل [بالشك] (١).
ولا يقال: إن الأصل الصحّة؛ لأن هذا ظاهر، والظاهر لا يستحق بها على العين؛ ولأن هذا الظاهر يقابله مثله، وهو أن الأصل براءة ذمة الجاني.
قال: وفي سن الصبي إذا لم يثغر ولم ينبت ديتها كاملة؛ لأنه فَوَّتَ عليه المنفعة الكاملة؛ لأنه لا منفعة في السِّنِّ إلا أن تكون موجودة صحيحة، فالصغير والكبير في ذلك سواء، وإنما يسقط عنه الأرش في الصغير بعود السِّنِّ، فإذا لم تعد صار كالكبير.
قال: وإذا حلق رأس الرجل فنبت أبيض، فإن أبا يوسف قال: فيه حكومة عدل، وقد قال أبو حنيفة: ليس فيه شيء، وإن كان عبدًا ففيه ما نقصه.
لأبي حنيفة: أن الشيب ليس بعيب في الأحرار، وإنما هو جمال، وما لا يعد عيبًا لا يجب فيه أرش، وأما العبد فإن ذلك ينقص ثمنه في العادة، فيقوَّم على الجاني.
لأبي يوسف: أن المقصود من الشعر الزينة، والزينة معتبرة في الأحرار أكثر مما يعتبر في العبيد، فإذا تقوّم هذا في العبد، ففي الحر أولى.
وقال أبو يوسف في الذَّكَر المقطوع الحَشَفَة (٢): حكومة (عدل) (٣)؛ (لأن
стр. 3782
منفعة الوطء لا تزول) (١)، والإنزال يزول بذهاب الحشفة، وفوات منفعة العضو الذي يقصد منه المنفعة يسقط تقدير أرشه.
وكذلك الأنف المقطوع الأرنبة؛ لأن المقصود من الأنف الجمال، إذا قطعت الأرنبة نقص جماله، فلم يكمل أرشه.
وكذلك في ثدي المرأة المقطوع الحَلَم؛ لأن منفعة الثدي الرضاع، وذلك يبطل بقطع الحَلَمة.
وكذلك الكَفّ المقطوع الأصابع؛ لأن المقصود باليد العمل، وذلك لا يتأتى مع فقد الأصابع.
وكذلك الجَفْن الذي لا أشفار فيه؛ وذلك لأن التقدير يتعلق بالأشفار والجَفْن تَبَع، ألا ترى أنه لو أزال الأشفار وجب الأرش المقدر، ولو قطع الجفن معها كان كذلك، فصار كالكف مع الأصل.
قال: وكذلك إذا كان الجاني على الجفن واحد، وعلى الشعر [من الجفن] (٢) آخر؛ لأن الذي أزال الشعر وجب عليه الأرش الكامل، فالذي قطع الجفن قطعه وهو ناقص، فوجب [عليه] الأرش ناقصًا، ولا يختلف هذا بالبرء وعدم البرء؛ لأن ذلك يعتبر في جناية الواحد، ألا ترى أن سرايتها مترقبة.
فأما جناية الاثنين: فقد قطعت جناية الثاني حكم سراية فعل الأول، فكأنه جنى بعد البرء (٣).
стр. 3783
وذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى بعد هذا حديث عمر: أن النبي ﷺ قال: "في الأنف إذا استوعب جدعه الدية" (١)، وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "في الموضحة خمس" (٢).
وعن عكرمة بن خالد، عن رجل من آل عمر قال: قضى رسول الله ﷺ في الذكر الدية، وفي الأنف إذا استوعب مارنه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الرِّجْل خمسون، وفي اليد خمسون، (وفي العين خمسون) (٣)، وفي الجَائِفَة (٤) الثلث، وفي الآمَّة الثلث، وفي المُنَقِّلَة خمس عشرة، وفي المُوْضِحَة خمس، وفي السن خمس، وفي كل أصبع مما هنالك عشر (٥).
وذكر حديث [ابن] عاصم عن علي رضوان الله عليه أنه قال: (في الحاجبين الدِّيَة، وفي الأنثيين الدية، وفي العين النصف، وفي الرِّجل النصف، وفي اليد النصف، وفي إحدى الشفتين النصف، وفي اللسان الدية، وفي الذَّكَر الدية، وفي العَيْنَيْن الدية، وفي الشفتين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرِّجْلَين الدية، وفي الأُذُنين الدية، وفي الآمَّة وفي الجائفة الثلث، وفي المُنَقِّلَة خمس عشرة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي المُوْضِحَة خمس من الإبل، وفي الأسنان خمس، وفي الهَاشِمَة عشر من الإبل) (٦).
стр. 3784
وذكر الحكم عن علي ﵁ قال: في السمحاق أربع من الإبل.
وذكر حديث عكرمة عن ابن عباس قال: (جعل رسول الله ﷺ دية المعاهدين مثل دية الحر المسلم، وكان لهما عهد) (١).
وذكر عن معمر عن الزهري قال: دية المعاهد كدية المسلم، قلت له: بلغني عن سعيد أنه [قال] كذا وكذا، وقال الزهري: خير الأمور ما عرض على كتاب الله، قال الله : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فإذا أعطيته [ثلث] الدية (فقد سلمتها) (٢).
قال معمر: وقال الشعبي والنخعي مثل قول الزهري: الدية تامة.
قال أبو الحسن: قول الزهري: قد سلمتها، الدية على التقدير على السائل، المعنى: لقد سلمتها إليه.
وذكر ابن عيلة عن أيوب قال: سمعت الزهري يقول: دية المعاهد، دية المسلم، وكان يتأول هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] (٣).
стр. 3785
بَابْ: ما يدخل من جناية الشجاج بعضه في بعض وما لا يدخل
قال أبو الحسن ﵀: ولو أن رجلًا شجَّ رجلًا، فذهب من ذلك بصره، أو سمعه، أو كلامه، أو شعره فلم ينبت، أو عقله، فإن أبا حنيفة قال: عليه دية في ذهاب شعره وعقله، ولا شيء عليه في الموضحة، دخل أرش الموضحة في الدية، ولا يدخل أرش الموضحة في غير هذين، ويكون في السمع أو البصر أو الكلام؛ لأنها ذهبت بالشَّجَّةِ أرش الشجة والدية، وكذلك قال محمد.
وقال أبو يوسف في رواية الإملاء: رواها بِشْر وعَلِيّ مثل ذلك.
وروى عنه ابن زياد: أن الشجة تدخل في [دية] السمع، وقال في الجوامع: تدخل في السمع والكلام أيضًا، ولا تدخل في البصر خاصة.
وقال الحسن بن زياد: ولا يدخل في ذلك أرش الشجة (إلا) (١) في الشعر.
وقال زفر: لا يدخل أرش الشجة في شيء من ذلك شعر ولا غيره، أمَّا إذا أوضحه فذهب شعره ولم ينبت، فعليه الدية، ويسقط أرش الموضحة؛ وذلك لأن أرش الموضحة يجب بفوات جُزء من الشعر، (ألا ترى أن الشعر لو نبت سقط أرش الموضحة، والدية وجبت بفوات الشعر) (٢)، وقد تعلقا جميعًا بسبب واحد، فيدخل الجزء في الجملة، كمن قطع أصبع رجل فشلت يده.