يستدل به على النظر، إذا وجد ذلك فقد أتلف منفعة كاملة، فيلزمه كمال الأرش، وإذا لم يوجد ذلك، فلا يعلم [كمال] الصحة، فلا يلزمه الأرش الكامل [بالشك] (١).
ولا يقال: إن الأصل الصحّة؛ لأن هذا ظاهر، والظاهر لا يستحق بها على العين؛ ولأن هذا الظاهر يقابله مثله، وهو أن الأصل براءة ذمة الجاني.
قال: وفي سن الصبي إذا لم يثغر ولم ينبت ديتها كاملة؛ لأنه فَوَّتَ عليه المنفعة الكاملة؛ لأنه لا منفعة في السِّنِّ إلا أن تكون موجودة صحيحة، فالصغير والكبير في ذلك سواء، وإنما يسقط عنه الأرش في الصغير بعود السِّنِّ، فإذا لم تعد صار كالكبير.
قال: وإذا حلق رأس الرجل فنبت أبيض، فإن أبا يوسف قال: فيه حكومة عدل، وقد قال أبو حنيفة: ليس فيه شيء، وإن كان عبدًا ففيه ما نقصه.
لأبي حنيفة: أن الشيب ليس بعيب في الأحرار، وإنما هو جمال، وما لا يعد عيبًا لا يجب فيه أرش، وأما العبد فإن ذلك ينقص ثمنه في العادة، فيقوَّم على الجاني.
لأبي يوسف: أن المقصود من الشعر الزينة، والزينة معتبرة في الأحرار أكثر مما يعتبر في العبيد، فإذا تقوّم هذا في العبد، ففي الحر أولى.
وقال أبو يوسف في الذَّكَر المقطوع الحَشَفَة (٢): حكومة (عدل) (٣)؛ (لأن
стр. 3782
منفعة الوطء لا تزول) (١)، والإنزال يزول بذهاب الحشفة، وفوات منفعة العضو الذي يقصد منه المنفعة يسقط تقدير أرشه.
وكذلك الأنف المقطوع الأرنبة؛ لأن المقصود من الأنف الجمال، إذا قطعت الأرنبة نقص جماله، فلم يكمل أرشه.
وكذلك في ثدي المرأة المقطوع الحَلَم؛ لأن منفعة الثدي الرضاع، وذلك يبطل بقطع الحَلَمة.
وكذلك الكَفّ المقطوع الأصابع؛ لأن المقصود باليد العمل، وذلك لا يتأتى مع فقد الأصابع.
وكذلك الجَفْن الذي لا أشفار فيه؛ وذلك لأن التقدير يتعلق بالأشفار والجَفْن تَبَع، ألا ترى أنه لو أزال الأشفار وجب الأرش المقدر، ولو قطع الجفن معها كان كذلك، فصار كالكف مع الأصل.
قال: وكذلك إذا كان الجاني على الجفن واحد، وعلى الشعر [من الجفن] (٢) آخر؛ لأن الذي أزال الشعر وجب عليه الأرش الكامل، فالذي قطع الجفن قطعه وهو ناقص، فوجب [عليه] الأرش ناقصًا، ولا يختلف هذا بالبرء وعدم البرء؛ لأن ذلك يعتبر في جناية الواحد، ألا ترى أن سرايتها مترقبة.
فأما جناية الاثنين: فقد قطعت جناية الثاني حكم سراية فعل الأول، فكأنه جنى بعد البرء (٣).
стр. 3783
وذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى بعد هذا حديث عمر: أن النبي ﷺ قال: "في الأنف إذا استوعب جدعه الدية" (١)، وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "في الموضحة خمس" (٢).
وعن عكرمة بن خالد، عن رجل من آل عمر قال: قضى رسول الله ﷺ في الذكر الدية، وفي الأنف إذا استوعب مارنه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الرِّجْل خمسون، وفي اليد خمسون، (وفي العين خمسون) (٣)، وفي الجَائِفَة (٤) الثلث، وفي الآمَّة الثلث، وفي المُنَقِّلَة خمس عشرة، وفي المُوْضِحَة خمس، وفي السن خمس، وفي كل أصبع مما هنالك عشر (٥).
وذكر حديث [ابن] عاصم عن علي رضوان الله عليه أنه قال: (في الحاجبين الدِّيَة، وفي الأنثيين الدية، وفي العين النصف، وفي الرِّجل النصف، وفي اليد النصف، وفي إحدى الشفتين النصف، وفي اللسان الدية، وفي الذَّكَر الدية، وفي العَيْنَيْن الدية، وفي الشفتين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرِّجْلَين الدية، وفي الأُذُنين الدية، وفي الآمَّة وفي الجائفة الثلث، وفي المُنَقِّلَة خمس عشرة، وفي الأصابع عشر عشر، وفي المُوْضِحَة خمس من الإبل، وفي الأسنان خمس، وفي الهَاشِمَة عشر من الإبل) (٦).
стр. 3784
وذكر الحكم عن علي ﵁ قال: في السمحاق أربع من الإبل.
وذكر حديث عكرمة عن ابن عباس قال: (جعل رسول الله ﷺ دية المعاهدين مثل دية الحر المسلم، وكان لهما عهد) (١).
وذكر عن معمر عن الزهري قال: دية المعاهد كدية المسلم، قلت له: بلغني عن سعيد أنه [قال] كذا وكذا، وقال الزهري: خير الأمور ما عرض على كتاب الله، قال الله : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فإذا أعطيته [ثلث] الدية (فقد سلمتها) (٢).
قال معمر: وقال الشعبي والنخعي مثل قول الزهري: الدية تامة.
قال أبو الحسن: قول الزهري: قد سلمتها، الدية على التقدير على السائل، المعنى: لقد سلمتها إليه.
وذكر ابن عيلة عن أيوب قال: سمعت الزهري يقول: دية المعاهد، دية المسلم، وكان يتأول هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] (٣).
стр. 3785
بَابْ: ما يدخل من جناية الشجاج بعضه في بعض وما لا يدخل
قال أبو الحسن ﵀: ولو أن رجلًا شجَّ رجلًا، فذهب من ذلك بصره، أو سمعه، أو كلامه، أو شعره فلم ينبت، أو عقله، فإن أبا حنيفة قال: عليه دية في ذهاب شعره وعقله، ولا شيء عليه في الموضحة، دخل أرش الموضحة في الدية، ولا يدخل أرش الموضحة في غير هذين، ويكون في السمع أو البصر أو الكلام؛ لأنها ذهبت بالشَّجَّةِ أرش الشجة والدية، وكذلك قال محمد.
وقال أبو يوسف في رواية الإملاء: رواها بِشْر وعَلِيّ مثل ذلك.
وروى عنه ابن زياد: أن الشجة تدخل في [دية] السمع، وقال في الجوامع: تدخل في السمع والكلام أيضًا، ولا تدخل في البصر خاصة.
وقال الحسن بن زياد: ولا يدخل في ذلك أرش الشجة (إلا) (١) في الشعر.
وقال زفر: لا يدخل أرش الشجة في شيء من ذلك شعر ولا غيره، أمَّا إذا أوضحه فذهب شعره ولم ينبت، فعليه الدية، ويسقط أرش الموضحة؛ وذلك لأن أرش الموضحة يجب بفوات جُزء من الشعر، (ألا ترى أن الشعر لو نبت سقط أرش الموضحة، والدية وجبت بفوات الشعر) (٢)، وقد تعلقا جميعًا بسبب واحد، فيدخل الجزء في الجملة، كمن قطع أصبع رجل فشلت يده.
стр. 3786
وجه قول زفر: أن المُوْضِحة والشعر كل واحد منهما جناية فيما دون النفس، فلا يدخل أحدهما في الآخر كسائر الجنايات.
وأما إذا ذهب العقل، فوجه قولهم: أن منفعة العقل تتعلق بجميع البدن، فإذا فات فاتت المنفعة من جميع الأعضاء، ألا ترى أن أفعال المجنون لا تترتب كأفعال البهائم، فصار كمن أوضح رجلًا فمات، لمّا كان الموت يبطل جميع المنافع، دخلت الموضحة فيه، فكذلك العقل.
وجه قول الحسن: (أن الموضحة والعقل جنايتان اختلف محلهما والمقصود بهما، فلم يدخل أحدهما في الآخر) (١) كأرش اليدين.
وأما إذا ذهب السمع والبصر والكلام، فوجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن منفعة كل واحد من هذه الأشياء يختص به خاصة، فلا يتعدى إلى غيره، فلم يدخل في أرش الشجة (كجناية) (٢) اليد.
وقد قدمنا ما روي عن عمر: أنه قضى في شجة واحدة بأربع ديات.
لأبي يوسف: أن السمع والكلام باطن، فدخل أرش الموضحة فيه كالعقل، وليس كذلك البصر؛ لأنه ظاهر، فهو كاليد والرجل، وهذا الفرق (يبطل بالسمع) (٣).
فإن قيل: إذا أوجبتم بالسمع دية، وبالبصر دية، وبالكلام دية، ولو أدّت
стр. 3787
الشجة إلى الموت، لم تجب إلا دية واحدة، والموت أعظم من ذلك.
قيل له: الموت: هو فوات الجملة، وهذه الأشياء تبع للجملة، فيدخل التبع في المتبوع، فأما إذا لم يمت، فكل واحد من هذه المعاني غير تابع للآخر، فلا يدخل في أرشه.
فإن قيل: من أين يعلم ذهاب السمع والشمّ والكلام والبصر؟
قيل له: قد يعلم ذلك باعتراف الجاني [وتصديقه للمجني عليه أو بنكوله عن اليمين، وقد يعرف بالبصر بأن ينظر إليه عدلان من الأطباء] (١)؛ لأنه ظاهر يعرف عيبه، فأما السمع فيستغفل المدعي بذهاب سمعه، كما روي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أن رجلًا ضرب امرأة فادّعت عنده ذهاب سمعها، فتشاغل عنها بالنظر في القضاء، ثم التفت فقال: يا هذه غطي عورتك، فجمعت، فعلم بذلك أنها كاذبة في دعواها.
ومن أصحابنا من قال: إذا ادَّعَى الإنسان أنه قد عَمِيَ، [جعلت بين يديه حية] (٢) ليختبر حاله بها.
وأما الكلام، بأن يستغفل حتى يسمع كلامه أو لا يسمع، وأما الشَّمّ، فيختبر بالروائح الكريهة، فإن ظهر فيه تَجَمّعٌ منها، علم أنه كاذب.
وقد روي أن محمدًا قال: في الشم الدية؛ لأنه فوت منفعة مقصودة، وهو إدراك الروائح الطيبة، فقيل له: وحصول منفعة، وهو المنع من شم الروائح
стр. 3788
الكريهة، فقال: إن الملوك لا يرضون بهذا، يعني: أنهم يتمكنون من تجنب الروائح الكريهة، فلا يحتاج في تجنبها إلى آفة.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وسواء كانت هذه الأشياء كلها ذهبت بالشَّجَّة، أو ذهب بعضها دون بعض، الاجتماع في هذا والانفراد سواء، وهو على ما أخبرتك: إن كان في جملة ما ذهب بالشجة ما يدخل فيه أرش الشجة، دخل، وإن لم يكن ما يدخل فيه أرش الشجة، فعليه أرش الشجة مع الدية؛ وذلك لأن التداخل ليس هو للكثرة، وإنما هو لمعنى آخر، وليس في اجتماع ذهاب هذه المنافع أكثر من زيادة الأرش.
قال: ولا يدخل من ديّات هذه الأشياء بعض في بعض، إلا أن تكون عن الجناية للموت، فيسقط ذلك كله، ويكون على الجاني الدية، إن كان الأول خطأ فعلى عاقلته، وإن كان عمدًا فدية النفس في ماله، وكل ذلك في ثلاث سنين وجب على العاقلة أو في المال؛ وذلك لأن السمع والبصر والكلام قد بيّنا أن كل واحد منهما ليست بتابع للآخر، فلا يدخل في أرشه، وجميع هذه الأشياء تابعة للنفس، فيجوز أن يدخل في أرشها.
فأما الخطأ، فهو على العاقلة على ما قد بيّناه.
فأما العمد الذي لا قصاص فيه، ففي مال الجاني لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: (لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا) (١).
стр. 3789
وأما وجوبه في ثلاث سنين؛ فلأنها دية وجبت بنفس الفعل، كدية الخطأ وشبه العمد.
قال: وسائر الشجاج في هذا سواء، سواء كانت الشجة موضحة، أو هاشمة، أو مُنَقِّلة (١)، أو آمّة (٢)؛ وذلك لأن أرش هذه الشجاج يجب بفوات الشعر كالموضحة، فيدخل في دية الشعر، وكذلك في دية العقل؛ لأنه يجري مجرى دية النفس.
قال: فإن كانت آمّتين أو ثلاثًا، فكذلك؛ لأن الثلاث أوام يجب فيها دية، وفي شعر الرأس دية، وكذلك في العقل، فإذا كانا مثلين دخل أحدهما في الآخر.
قال: فإن كانت أربعة أوام، فذهب منها عقله، لم يدخل أرش الشجاج أكثر من الدية، كان فيها دية وثلث في كل سنة الثلث.
قال أبو يوسف: أنظر إلى الأوام وإلى دية العقل، فأجعل عليه أكثر من ذلك.
وقال زفر: عليه دية وثلث؛ وذلك لأن أرش الأوامّ إذا زاد على الدية لم يجز أن يدخل فيها؛ لأن الكثير لا يتبع القليل فيما دون النفس، فوجب الأكثر من الأمرين.
وأما زفر، فمن أصله: أنه لا يدخل في أرش الشجاج شيء مما ذهب.
وقال ابن سماعة وبِشْر وعَلِيّ عن أبي يوسف: إن لم يسقط بالموضحة إلا
стр. 3790
شيء يسير لا يبلغ أرش الموضحة، جعلت عليه أرش الموضحة وأدخلت الشعر فيه؛ وذلك لأن الموضحة والشعر قد بينا أنهما يجبان لمعنى واحد، فكما يدخل الموضحة في أرش الشعر إذا كانت أقل منه، كذلك الشعر يدخل في الموضحة إذا كان أقل منها.
قال: ولو شجّ رجل رجلًا في حاجبه موضحة (خطأ) (١)، فسقط فلم ينبت، جعلت عليه نصف الدية، وأدخلت أرش الموضحة في ذلك؛ وذلك لأن أرش الموضحة إنما يجب بالشَّيْن، وذهاب الحاجب يتعلق به نصف الدية كذلك، فيدخل أرش الموضحة فيه كما يدخل شعر الرأس، [قال الشيخ] (٢): وهذه المسائل إنما هي في الشجاج الخطأ.
فأما إذا كانت الشجة عمدًا، فذهب منها الشعر أو العقل أو السمع أو غيره، فهو على خلاف محمد فيمن قطع أصبع رجل عمدًا فشلت إلى جنبها أخرى، ونحن نبيّن ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى (٣).
стр. 3791
باب الكفِّ تقطعُ وفيها بعضُ الأصابِع
قال: وإذا قطع اليد وفيها أصبع واحد، فعليه دية الأصبع، وليس عليه في الكفِّ شيء، وكذلك إذا كان فيه اثنان، أو ثلاث، أو أربع، ففي ذلك دية الأصابع، ولا شيء في الكف وهي تَبَع للأصابع، وهذا قول أبي حنيفة.
قال بِشْر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: قال أبو حنيفة: إذا بقي شيء يكون له أرش معلوم، دخلت الكف فيه.
فيكون في قياس قوله: إن بقي ثلث أصبع - يعني: مَفْصِلًا من أصبع فيها ثلاث مفاصل -، فقطع إنسان ما بقي من الكف [فلليد ثلث خمس دية الكف] (١).
وقال محمد في الأصل: إذا قطعت الكف بالأصبعين، ففيها خُمُسا الدية، وهذا قول أبي حنيفة: ما بقي من الأصابع شيء، ولو مَفْصِل واحدة.
قال بِشْر وعَلِيّ وابن سماعة عن أبي يوسف: إذا بقي نصف الإبهام، أن قياس قول أبي حنيفة: أن ينظر إلى ما بقي من الكف، وإلى دية نصف الإبهام، فأيهما كان أكثر لزم، ودخل القليل في الكثير.
وقال محمد في الأصل على نفسه وعن أبي يوسف: ينظر إلى الكف وإلى أرش ما بقي من الأصابع، فيدخل أقلهما في أكثرهما، وكذلك رواية جامع الصغير (٢).
стр. 3792
قال: وجملة هذا: أنه إذا قطع الكف وفيها ثلاث أصابع فصاعدًا، وجب أرش الأصابع وسقط أرش الكف في قولهم؛ لأن بقاء أكثر الأصابع كبقاء جميعها.
وإن كان في الكف أقل من ثلاث أصابع وجب أرش ما بقي منها، ولو كان فيها مَفْصِل واحد عند أبي حنيفة.
وقال في الرواية المشهورة: يدخل القليل في الكثير أيّهما كان.
لأبي حنيفة: أن ما بقي من الأصابع له أرش مقدر، والكف ليس لها أرش مقدر، وهي متصلة بها، فتبعتها في أرشها كما تتبع في الأصابع.
ونظير هذا ما قالوا في أهل الخطة: ما بقي منهم واحد، فالقسامة عليهم دون المشتَريين، وكذلك قالوا: في الوصية لولد فلان ما بقي له ولد من صلبه، وإن كان واحدًا لم يدخل ولد الولد في الوصية.
وجه قولهما: أن القليل يتبع الكثير، والكثير لا يدخل في القليل، فوجبَ أن يعتبر الأكثر من الأمرين.
فأما الذي ذكره عن رواية ابن سماعة وعَلِيّ وبِشْر: أن قياس قول أبي حنيفة في نصف الإبهام إذا قطعت من الكف أن يدخل القليل في الكثير. فليس يَصِحّ، والظاهر من قوله ماحكاه قبل ذلك عن بشر عن أبي يوسف: أن الكف تتبع ثلث المَفْصِل؛ لأن لها أرشًا مقدرًا.
ووجه ما ذكره ابن سماعة من اعتبار الأكثر: أن المَفْصِل ليس له أرش مقدر بنفسه، فضعف حكمه، والإصبع أرشها مقدر بنفسها، وقد كان قول أبي يوسف الأول: أن أرش الأصابع إذا كان أقل من أرش الكف، وجب أرش الكف
стр. 3793
والأصابع، وإذا كان أرش الأصابع أكثر، دخل الكف فيه.
ووجه ذلك: أن الأصابع إذا كان أرشها أكثر، فقد قوي حكمها بالتقدير وبالكثرة، فتبعها الكف، وإذا كان أرش الكف أكثر، فقد قوي الكف بالكثرة، وقويت الأصابع بالتقدير، فلم يتبع أحدهما الآخر.
وروي عنه: أن ما يلي (الأصابع الباقي من الكف يدخل في أرشها، ويجب فيما بقي من الكف حكومة) (١)؛ لأن الأصابع كلها لو كانت باقية، دخل الكف فيها على طريق التبع، ولو كانت كلها ذاهبة، وجب أرش الكف، فإذا ذهب بعضها وبقي بعضها، تبع الباقي ما يليه، وانفرد حكم بقية الكف بنفسه.
وقال أبو يوسف: إذا قطع الكف ولا أصابع فيها، فعليه حكومة لا تبلغ بها أرش أصبع؛ لأن الأصبع يتبعها الكف، والتبع لا يساوي المتبوع في الأرش.
وذكر أبو الحسن حديث عمرو: قال رسول الله ﷺ : "وفي كل أصبع مما هنالك عشر عشر" (٢).
وذكر حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "هذه وهذه سواء" (٣)، وأشار بأصبعه إلى خنصره والإبهام (٤).
стр. 3794
بَاب في الجَنين
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا ضرب الرجل بطن المرأة الحرة، فألقت جنينًا ميِّتًا، ففيه غُرّة عبد أو أمة يعدل خمسمائة، ذكرًا كان أو أنثى هما سواء في الغرة، وهما على عاقلة الضارب (١).
وقد كان القياس عندهم: أن لا يجب على الضارب في الجنين شيء؛ لأنه يجوز أن يكون حيًّا، ويجوز أن تكون الحياة لم تخلق فيه، فلا يضمن بالشك؛ ولأنهم اتفقوا أن من ضرب بطن دابة فألقت جنينًا، كان عليه نقصانها، ولا شيء عليه في الجنين، فكذلك جنين الآدمية؛ ولأنه إن كان في حكم النفس وجب فيه دية كاملة، وإن كان في حكم الأعضاء لم يتقَوّم.
وإنما تركوا القياس لما روي في حديث المغيرة، قال: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بعمود مسطح، فألقت جنينًا ميتًا، وماتت، فقضى رسول الله ﷺ على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين (٢).
وروي أن عمر ﵁ اختصم إليه في إملاص المرأة، فقال: نشدتكم الله، هل سمعتم من رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا؟ [فقام] المغيرة فقال: كنت بين جارتين. . .، وذكر الحديث، وقال فيه: فقام عمُّ الجنين؟ قال: إنه أشعر، وقام
стр. 3795
والد الضاربة وقال: كيف ندي من لا أكل ولا شرب ولا صاح فاستهل، ودم ذلك يُطل، فقال النبي ﵇: "أسجع كسجع الأعراب" (١)، وروي: "كسجع الكهان، ففيه غرّة عبد أو أمة"، فقال عمر: من يشهد معك بهذا؟ فقام محمد بن مسلمة فشهد، فقال عمر: كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيها سنة عن رسول الله ﷺ ، وقد روى هذه القصة حمل بن مالك بن نابغة (٢).
وروى عبد الرحمن بن أبي مليح: أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين غرّة عبد أو أمة أو خمسمائة.
ولأن الضارب منع من الحياة، فوجب عليه الضمان، كالمغرور لما منع من حصول (العتق) (٣)، ضمن قيمة الرق.
فأما الغرّة، فقال أبو عمرو بن العلاء: الغرة عبد أبيض، ومنه قولهم، غُرَّة الفَرَس إذا كان بجبينه بياضٌ، ومنه قوله ﷺ : "أمتي يوم القيامة غر محجلون" (٤).
وقد قيل: إنه عبد جيّد، ومنه قيل لكبير القوم: غرّتهم، وقد قيل: إن الغرة اسم للعبد، وأنشدوا:
كل قتيل في كليب غرّه … حتى ينال القتل آل مُرّه (٥)
وقد قيل: إنما سمّي غرّة؛ لأنه أول مقدار يظهر في الدية، كما سمّي أول
стр. 3796
الشهر غرّة، ووجه الإنسان غرّة؛ لأنه أول ما يظهر منه.
وقد قال أصحابنا: إن الغرة مقدرة بخمسمائة، وقال الشافعي: بستمائة، وهذا مع اتفاقهم على أنها نصف عشر الدية، ولكن اختلفوا ذلك في ذلك بحسب اختلافهم في الدية.
فعندنا: أن الدية عشرة آلاف، فالغرة خمسمائة، عندهم: أن الدية اثنا عشر ألفًا، فالغرة ستمائة (١).
وقد ذكرنا حديث عبد الرحمن بن أبي مليح: أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين غرة عبد أو أمة أو خمسمائة، وعن قتادة: أن قيمة الغرة خمسمائة.
ولأن النبي ﷺ لما أوجب الغرة، والحيوان لا يثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا، فمن ثبت عليه بالخيار: إن شاء سلّمه، وإن شاء سلّم قيمته، وقد تقدرت القيمة بنصف العشر، كما تقدر في قيمة الإبل.
وأما قوله إنه استوى الذكر والأنثى؛ فلأن النبي ﷺ قضى فيه بالغُرَّة ولم يفصل؛ ولأنه قد يتعذّر التمييز بين الذكر والأنثى، فسقط اعتباره لتعذره في الغالب.
وأما وجوب الغرة على العاقلة؛ فلأن العاقلة قالوا للنبي ﷺ : (كيف ندي من لا أكل ولا شرب)، وهذا يدل على القضاء عليهم؛ ولأنه بدل عن النفس وإن لم يكمل، فهو كالدية.
وأما قوله: أن لا كفارة على الضارب؛ لأن القتل غير متحقق لجواز أن
стр. 3797
تكون الحياة لم تخلق فيه، والكفارة تتعلق بالقتل (١)؛ ولأن الكفارة لا يجوز إثباتها إلا بتوقيف أو اتفاق؛ ولأن النبي ﷺ لما قضى بالغرة لم يذكر الكفارة، [فدل على أنها لا تجب]، ولو وجبت لبيّنها.
قال: والغرة بين ورثة الجنين، وقال ليث: الغرّة لأم الجنين.
لنا: أن الغرة بدل عن الجنين، بدلالة أنها تعتبر به دون الأم، ألا ترى أن جنين أم الولد يجب فيه ما يجب في جنين الحرة، فدل على أنه معتبر بنفسه، والبدل عن النفس يستحقه الورثة.
قال: ولا يرث الضارب منها شيئًا؛ لأنه قاتل، ولا حق للقاتل في الميراث.
قال: فإن ألقته حيًّا فمات، ففيه الدية كاملة على العاقلة، وعلى الضارب الكفارة، ولا يرث الضارب منها شيئًا؛ لأنها إذا وضعته حيًّا فقد صار قاتلًا للنفس، وقتل النفس يتعلق به كمال البدل، وعليه كفارة؛ لأنها تتعلق بقتل الخطأ، وقد علمنا أنه قاتل.
قال: فإن ألقت جنينين ميّتين، ففي كل واحد منهما غرّة.
فإن ألقتهما حَيَّيْن ثم ماتا، ففي كل واحد دِيَةٌ؛ وذلك لأن الضارب متلف للجنينين، ومن أتلف شخصين بضربة واحدة، (ضمن كل واحد منهما) (٢) بما يضمنه لو انفرد [كالكبير] (٣).
قال: فإن ألقت أحدهما ميّتًا والآخر حيًا ثم مات، فعليه في الميت غرّة،
стр. 3798
وفي الحي الديّة؛ وذلك لأن (جمعهما في الإتلاف (١) كإفراد كل واحد منهما، فيعتبر في حال الاجتماع ما يعتبر في حال الانفراد.
[قال]: فإن ماتت الأم من الضربة، وخرج الجنين حيًّا بعد ذلك ثم مات، فعليه دية في الأم، ودية في الجنين؛ وذلك لأنه لما انفصل [عنها] حيًّا، اعتبر حكمه بنفسه، بدلالة أنه يجب فيه أرش كامل، فصار كالقاتل لاثنين.
قال: وإن خرج بعد موتها ميتًا، فعليه دية الأم، ولا شيء في الجنين.
وقال الشافعي: يجب عليه في الجنين غرّة (٢).
لنا: أن القياس يمنع من تقويم الجنين، وإنما تركنا القياس للخبر، وقد ورد فيمن ألقت جنينًا، وذلك لا يكون إلا في حال حياتها حتى يضاف الفعل إليها، وما سوى ذلك على أصل القياس.
ولأن الجنين في حكم الأعضاء؛ بدلالة أنه لا يكمل أرشه، والأعضاء إذا انفصلت بعد الموت لم تتقوّم.
قال: فإن ضرب بطن أمة فألقت جنينًا ميّتًا، ففيه نصف عشر قيمته إن كان ذكرًا، وعشر قيمته إن كان أنثى.
وقال الشافعي: فيه عشر (٣) قيمة الأم.
وهذا فرع: [على] أن الجنين معتبر بنفسه دون أمه؛ بدلالة ما بيّنا أن جنين
стр. 3799
أم الولد يجب فيه ما يجب في جنين الحرة، وكذلك جنين النصرانية عندهم إذا كان زوجها مسلمًا، يعتبر فيه ما يعتبر في جنين المسلمة.
ولأن ما يجب فيه موروث عنه، فلو اعتبرنا الأم، لكان لها كأرش أعضائها، وإذا ثبت أن الواجب فيه معتبر بنفسه، ومعلوم أن الواجب في الجنين خمسمائة ذكرًا كان أو أنثى، وذلك عشر قيمة الأنثى، ونصف عشر قيمة الذكر، والقيمة في الأمة كالدية في الحر، فوجب عشر قيمتها إن كانت أنثى، ونصف عشر قيمته إن كان ذكرًا بناءً على الحر.
ولا يقال: تفضيل الأنثى على الذكر في الأرش خلاف الأصول؛ لأنهم سووا بينهما، والتسوية بين الذكر والأنثى خلاف الأصل، فدل على أن الجنين أصل في نفسه.
قال: فإن خرج حيًّا ثم مات، ففيه قيمته؛ لأنه كامل في نفسه، فوجب بإتلافه كمال القيمة.
قال: وإن خرج بعد موتها حيًّا ثم مات، ففيه قيمته؛ لأنه إذا انفصل حيًّا، انفرد بنفسه ولم يتبع أمه، فإن خرج بعد موتها ميتًا، فلا شيء فيه، وهذا على ما بيّنا في جنين الحرة.
[قال]: وما وجب في جنين الأمة، فهو في مال الضارب، يؤخذ به حالًا من ساعته وروي ذلك مُعَلَّى عن أبي يوسف، والحسن بن زياد عن أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف، وهو قول الحسن؛ وذلك لأن ما دون النفس من الرقيق ضمانه ضمان الأموال؛ بدلالة أنه لا يتعلق به قصاص بحال ولا كفارة، فضمان
стр. 3800
(الأموال) (١) يكون حالًا في مال الجاني، ولا تتحمله العاقلة.
قال: وروى الحسن عن أبي يوسف: أن جنين الأمة إذا وقع ميِّتًا فلا شيء فيه، وهو قول الحسن، وكذلك روى ابن رستم عن أبي يوسف.
وروى هشام عن محمد: أن أبا يوسف قد قال: إن في جنين الأمة ما نقص الأم.
قال هشام: فأما محمد فلم يقل به، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف مثل قول (أبي حنيفة) (٢) ومحمد.
وهذا فرع على اختلافهم: في أن الجناية على العبيد ضمانها ضمان الجنايات، أو ضمان الأموال.
فعند أبي حنيفة ومحمد: أن ضمانها ضمان الجنايات؛ ولهذا لا يزاد على الدية، والجنين ينفرد في الجناية بالأرش عن الأم.
فأما على مذهب أبي يوسف: فضمانها ضمان الأموال؛ ولهذا لا يتقدر عنده، ولا تتحمله العاقلة، فصار جنينها كجنين الدابة، تجب فيه ما نقص الأمة.
قال: فإن ضرب ضارب بطن امرأة حرة، فألقت جنينًا قد استبان بعض خلقه ولم يتم خلقه، ففيه ما في الجنين التام إذا سقط؛ وذلك لأن النبي ﷺ قضى في الجنين بالغرّة ولم يفصل، ولأنه إذا استبان بعض خلقه ولم يتم خلقه فقد علمنا أنه ولد، فهو كالكامل الخلق.
стр. 3801
قال محمد: ولا كفارة على الضارب وإن سقط كامل الخلق ميتًا، إلا أن يشاء ذلك فهو أفضل، وليس ذلك عليه عندنا بواجب، وليتقرب إلى الله مما صنع بما استطاع من خير، ويستغفر الله مما صنع، وهذا قول أبي يوسف.
وقولنا: وقد بيّنا سقوط الكفارة في الجنين؛ لأنا لا نعلم حياته، (والكفارة تتعلق بالقتل، فإن تطوع بها جاز؛ لأنه فعل فعلًا محظورًا، فعليه أن يتقرب) (١) بالكفارة بإسقاطه.
وذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى حديث عكرمة عن ابن عباس قال: كانت امرأتان بينهما صخب، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأسقطت سقطًا قد نبت شعره ميتًا، وماتت المرأة، فقضى على العاقلة بالدية، فقال عمها: يا رسول الله، إنها أسقطته قد نبت شعره، فقال أب القاتلة: إنه كاذب والله، ما استهل ولا عقل ولا شرب ولا أكل، ومثله يطل، فقال ﷺ : "أسجع كسجع الجاهلية وكهانتها، إن في الصبي غرّة" (٢).
وذكر حديث المغيرة بن شعبة، قال: ضُرِبَت امرأة بعمود الفسطاط وهي حبلى فقتلها، فجعل رسول الله ﷺ دية المقتول على عصبة القاتل، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل، ومثل ذلك بطل، فقال ﷺ : "سجع كسجع الأعراب"، قال: وجعل عليهم الدية (٣).
стр. 3802
بَاب أُرُش الجنايات على الرقيقِ
قال ابن سماعة وبشر بن الوليد عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: كل شيء من الحُرِّ فيه الدية فهو من العبد فيه القيمة، وكل شيء من الحر فيه نصف الدية، ففيه من العبد نصف القيمة، وكذلك الجراحات على هذا الحساب (١).
قال أبو يوسف: ثم إن أبا حنيفة بعد ذلك رجع في حاجب العبد وفي أذنيه، وقال: فيه حكم عدل.
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة: إذا قطع الرجل يد العبد، أو فقأ عينه، أو قطع رِجله، أو شجّه مُوْضحة، أو آمّة أو مُنَقِّلَةً، أو نزع ثنيّته أو ضرسه، نُظر إلى الذي صنع به كم أرشه من دية الحر، فيغرم ذلك من قيمته، وكذلك بلغنا عن إبراهيم وسعيد بن المسيب.
قال محمد: استقبح أبو حنيفة (أن يضمن) (٢) في الأذن نصف القيمة.
وقال الحسن عن أبي حنيفة وزفر: إن حلق أحد حاجبيه فلم ينبت، أو نتف أشفار عينيه الأسفل أو الأعلى فلم ينبت، أو قطع إحدى شفتيه العليا أو السُفلى: إن عليه في كل واحد في ذلك نصف القيمة.
وقال محمد عن نفسه: يغرم الجاني بجنايته ما نقص جنايته من
стр. 3803
العبد من قيمته، أقوّمه لا جناية به، وأقوّمه مجنيًا عليه، وأغرم الجاني (فضل) (١) ما بين القيمتين، قال محمد: وهو قول زفر وأبي يوسف الآخر، وقولنا.
قال محمد: وجميع هذه الجنايات في مال الجاني، خطأً أو عمدًا ما لم تبلغ النفس.
قال: وجملة هذا: أن الجنايات على العبد تتقدر فيما دون النفس عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: لا تتقدر، وروي عن أبي يوسف مثله، وهو قول مالك.
لأبي حنيفة: أن القيمة في العبيد كالدية في الأحرار، فإذا كانت الجناية فيما دون النفس يجوز أن تتقدر من دية الحر، فكذلك يجوز أن تتقدر من قيمة العبد؛ ولأن الجناية عليه في النفس يدخلها التقدير، ألا ترى أنها (لا) (٢) تبلغ بها الدية، فجاز أن يكون ما دون النفس منه يدخله التقدير كالحر.
لمحمد: أن ما دون النفس في العبد ضمانه ضمان الأموال، بدلالة أنه لا يتعلق به قَوَدٌ ولا كَفَّارَةٌ ولا يتحمله العاقلة، وضمان الأموال يجب فيه النقصان.
وإذا ثبت هذا، فروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الجناية على العبد مقدرة فيما يقصد به المنفعة، [وما يقصد به الزينة، مثل: الحاجب والشعر والأذن، وذلك لأن التقدير لها دخل في الجناية عليه استوفى ما يقصد به المنفعة] (٣) وما يقصد به الزينة كالحر؛ وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة قال: ما يقصد به المنفعة
стр. 3804
يتقدر، وما يقصد به الزينة لا يتقدر.
قال: وهو قوله الآخر؛ لأن الزينة ليس بمعنى مقصود في العبيد، وهي مقصودة من الأحرار، فأما المنفعة، فمقصودة منهما؛ فلذلك تقدّرت.
ولأن ما دون النفس من العبيد أجري مجرى الأموال؛ بدلالة أنه لا يجب فيه قصاص ولا تتحمله العاقلة، وهو في نفسه جناية، فلو تقدر الكل (١)، أُلحق بالجنايات من كل وجهٍ، ولو لم يتقدر للِحق بضمان الأموال من كل وجه، فقدروا منه ما يقصد به المنفعة، ولم يقدروا ما يقصد به الزينة؛ ليعطى الشَّبَه من الجهتين.
فأما قوله: إن الجناية على العبد فيما دون النفس لا تتحملها العاقلة؛ فلأن ضمانه أجري مجرى [ضمان] الأموال؛ بدلالة أنه لا يلزم فيه قصاص بحال، وضمان المال لا يتحمله العاقلة.
فأما إذا قتل العبد خطأً، فقيمته على العاقلة عند أبي حنيفة ومحمد. وروي عن أبي يوسف أنه قال في مال القاتل، وروي عنه: أن مقدار الدية على العاقلة، وما زاد على ذلك في مال القاتل.
وجه قولهما: أن ضمان العبد في النفس جناية؛ بدلالة وجوب القصاص فيها إذا كانت عمدًا ووجوب الكفارة، فصارت كالجناية على الحر.
لأبي يوسف: ما روي عن عمر أنه قال: (لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا)؛ لأن العاقلة لا تتحمل ما دون النفس فيه، فكذلك النفس كالبهائم، وعكسه الأحرار.
стр. 3805
والجواب: أما الخبر، فمعناه: لا تتحمل العاقلة ما جناه العبد؛ لأن المولى أقرب إليه منهم، وأما قياسه على ما دون النفس، فليس بصحيح؛ لأنه لا يتعلق به أحكام الجنايات من القصاص والكفارة، فلذلك لم يتعلق به حكم التحمل.
وجه الرواية الأخرى عن أبي يوسف: أن مقدار الدية منه ضمانها ضمان الجناية، فيتحملها العاقلة، وما زاد على الدية فوجوبه من حيث ضمان المال، فلم تتحمل العاقلة.
قال: وقد حكى الحسن عن أبي حنيفة: أنه فرّق بين ما يقصد به الزينة في العبد، وعن ما يوجب الدية أو أقل من الدية.
فقال في أحد حاجبيه: نصف القيمة، وفي الأنف: ما نقص لا يبلغ به دية حرّ؛ وذلك لأن الجناية على العبد جناية على المال، فلا يجب جميع قيمته بنقصانه، كما لا يجب في (البهائم) (١).
وقد قال الحسن في روايته: إذا قطع ذكره أو أنثييه أو أصابع يديه، أو أصابع رجليه، ففيه ما نقص، وهذا يقتضي أن يكون ما يقصد به المنفعة وما يقصد به الزينة إذا بلغ جميع القيمة، وجبَ فيه ما نقص؛ لأنه مال، فلا يجب بنقصانه جميع قيمته.
والمشهور من الرواية في يدي العبد وعينيه: جميع قيمته، ويخيّر المولى: في إمساكه من غير ضمان، أو تسليمه [إلى الجاني] (٢) وأخذ القيمة، حتى لا يجتمع على ملكه البدل والمبدل، ونحن نبيّن هذه المسألة في موضعها.
стр. 3806
٢٤٤٣ - [فَصْل: القيمة في الجناية على العبد]
وقال أبو حنيفة وزفر ومحمد: إذا قتل العبد وقيمته عشرة آلاف أو أكثر، ففيه عشرة آلاف إلا عشرة دراهم، وذلك على العاقلة في ثلاث سنين.
وقال أبو يوسف: فيه قيمته بالغة ما بلغت.
وجه قولهم - وهو قول عبد الله بن مسعود -: أنها جناية على نفس آدمي، فلا يزاد على ألف دينار، كالجناية على الحر؛ ولأن المعاني التي تزيد قيمة العبد بها موجودة في الأحرار ومعها زيادة الحرية، فإذا لم توجب أكثر من الدية؛ فلأَنْ لا توجب في العبد مع نقصان الرق أولى.
لأبي يوسف - وهو قول علي وابن عباس وابن عمر -: أنها جناية على مال، فوجب بها القيمة غير مقدر كالبهائم؛ ولأنه لما لم يتعذّر [أرش] قليله، لم يقدر [أرش] كثيره كالبهائم.
قال: وإذا ثبت أنه لا يزاد على الدية، نقص منها عشرة دراهم؛ لأن أحدًا لا يفصل بين الموضعين.
ولأنه روي عن ابن مسعود أنه قال في قيمة العبد: لا يزاد على عشرة آلاف [درهم] إلا عشرة [دراهم]، وهذا لا يعلم إلا من طريق التوقيف؛ ولأن النقصان في الدية إنما جعل لنقصان الرق، والفرق بين الرق والحرية في النقص قد قدر في الشرع [بعشرة]، ألا ترى أن الحرة لا يستباح وطؤها إلا بعشرة، ويستباح وطء الأمة بالهبة بغير شيء؛ فلذلك قدروا نقص الرق هاهنا بعشرة.
وأما في الأمة، فلا يزاد على خمسة آلاف إلا عشرة؛ لأن هذا (دية) الحرة،
стр. 3807
فينقص منها عشرة كما ينقص من دية الرجل.
وليس كذلك إذا قطع يد العبد، أنه لا يتجاوز خمسة آلاف [إلا خمسة]؛ لأن ما يجب في اليد جزء مما يجب في الجملة، فقدّر بنصفها، وما يجب في الأنثى ليس بجزء من دية الذكر، وإنما هي دية في نفسها؛ فلذلك تقدر النفس فيها بعشرة.
قال: وإن قتله حرّ أو عبد عمدًا، وجب فيه القصاص، وإن قتله عبد خطأ أو جنى عليه فيما دون النفس، دفع به إلا أن يُفْدى، ولا يباع في الجناية.
أما وجوب القصاص بينه وبين الحر، فنبيّنه في الجنايات.
وأما جناية العبد، فيخيّر المولى فيه بين الدفع أو الفداء، وقال الشافعي: يُباع فيها
وقد روي مثل قولنا عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والوجه فيه: أن الجنايات التي يمكن استيفاؤها من الرقبة تتعلق بها كجناية العمد.
وإذا تعلقت برقبته فأزال المولى يده عنه بالتسليم، سقط عنه حكم الجناية، كما لو جنى عمدًا، فخلى بينه وبين الأولياء.
ولأن المولى كعاقلة العبد، ألا ترى أنه أقرب الناس إليه، فهو كالعاقلة التي هي أقرب الناس إلى القاتل، فيلزمه حكم جناية عبده، كما تلزم العاقلة جناية الحر، إلا أنه [إنما يلزمه] (١) المطالبة بملكه العبد، فإذا رضي بتسليمه سقط حكم المطالبة، كالوارث إذا رفع يده عن التركة وخلّى بين الغرماء وبينها، سقط عنه
стр. 3808
المطالبة بدين الميت؛ لأنه كان يطالب لتعلق حقه بالتركة، فإذا رفع يده عنها سقطت المطالبة.
قال: والكفارة واجبة بقتل العبد في قولهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ولم يفصل بين الحر والعبد.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل دية وجبت بنفس القتل في الخطأ، أو شبه عمد، أو في عمد دخلته شبهة، فهي في ثلاث سنين على مَنْ وجبت عليه، في كل سنة الثلث، فالخطأ وشبه العمد على العاقلة، والعمد الذي تدخله الشبهة فيتحول مالًا، فهو في مال الجاني، وكل ذلك في ثلاث سنين.
أما تحامل العاقلة الدية، فقد قدّمناه، وكذلك في شبه العمد؛ لحديث الجنين، ألا ترى أن النبي ﷺ قضى بدية المقتول على عاقلة الضاربة، وإن كانت اعتمدت ضربها بالعمود؛ لأنه شبه عمد.
فأما العمد الذي دخله الشبهة، فإنما نعني بذلك قتل الأب لابنه، فلا تتحمله العاقلة؛ لحديث عمر ﵁ أنه قال: (لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا).
فأما وجوب دية الخطأ وشبه العمد في ثلاث سنين، فقد قدمناه.
وأمّا العمد الذي دخلته الشبهة، مثل قتل الأب لابنه، فقد كان ينبغي على قول أبي الحسن أن يكون حالًا؛ لأن القتل عنده يوجب القصاص ثُمّ يتعذر الاستيفاء، فيصير كدم العمد إذا عفا أحد الشريكين، إلا أنهم قالوا: تكون مؤجلة؛ لأن القصاص لما لم يثبت حكمه بحال، [صار كأنه لم يجب، وإن كانت الدية وجبت بنفس القتل، فتجب مؤجلة]، وهذا على ما نقول في ملك الوكيل،
стр. 3809
أنه لما لم يستقر صار كأن لم يكن جنى، لا يعتق عليه أرحامه.
قال: ومن أقرَّ بقتل خطأ، فالدية في ماله في ثلاث سنين، في كل سنة الثلث عند انقضائها، وذلك لقول عمر ﵁: (لا تعقل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا)؛ ولأنه مصدّق على نفسه غير مصدق على عاقلته.
ولأن الدية تجب عليه عندنا بالقتل، وتتحمل العاقلة عنه، فإذا لم يصدق عليهم، بقيت الدية في ذمته على ما كانت.
وتكون مؤجّلة؛ لأنها وجبت بنفس القتل، تؤدّى عند انقضاء كل سنة ثلثها؛ لأنه مال مؤجل بالحول، فيؤدّى عند انقضاء الأجل كالدين [المؤجل].
قال: وإذا صُولح من الجناية على مال، فهو حال في مال الجاني، وكذلك كل جزء من الدية وجب على عاقلته أو في مال الجاني، فذلك الجزء في ثلاث سنين، في كل سنة منه الثلث، كرجل قتله عشرة خطأ أو شبه عمد.
أما الصلح؛ فلأنه مال وجب بعقد كالثمن في البيع، فإذا شرط فيه أجلًا، كان مؤجلًا، وإذا (لم) (١) يشترط، كان حالًا.
وأما الجزء من بدل النفس، فهو في ثلاث سنين قياسًا على ما يجب على كل واحد من العاقلة (من الدية، فإذا قتل العشرة الواحد، فعلى عاقلة كل واحد منهم عشر الدية في ثلاث سنين؛ لأنه جزء من بدل النفس، فيتأجل بثلاث سنين كما يلزم كل واحد من العاقلة) (٢).
стр. 3810
قال: ولو أن عشرة قتلوا رجلًا عمدًا، آخرهم أبوه، فالدية في مال كل واحد منهم العُشر، وذلك العُشر في ثلاث سنين؛ وذلك لأن الأب والأجنبي إذا اشتركا في قتل الابن سقط القصاص على ما سنبيّنه، ووجبت الدية بسقوط القصاص، فكانت في مال الجاني.
قال: ولا يغرم كل رجل من العاقلة إلا ثلاثة دراهم أو أربعة في الثلاث سنين، وذلك كل ما يغرمه، لا يغرم أكثر من ذلك.
وقال الشافعي: لا ينقص كل واحد منهم من نصف دينار (١).
لنا: أن الدية تلزم العاقلة تخفيفًا عن القاتل على وجه التبرع، فلا يتعلق منه مقدار ما يجب على كل واحد منهم مقدار ما يجب في الزكاة، حتى ينقص التبرع عن الواجب؛ ولأن نصف دينار مقدار يجب في الزكاة بنفسه، فلا يتقدر به ما يلزم آحاد العاقلة، كما زاد عليه.
قال: وإن قلّت العاقلة حتى يصيب الرجل منهم أكثر من ذلك، ضمَّ إليهم أقرب القبائل إليهم في النسب من أهل الديوان كانوا أو من غيرهم، حتى لا يلزم الرجل منهم إلا القدر الذي ذكرناه.
وذلك لأن الضمان لزمهم على طريق التخفيف عن غيرهم، فلا يجوز إيجابه على وجه يجحف بهم، فوجب أن يضم إليهم من قرب منهم حتى يخف عنهم، كما يضم إلى القاتل العاقلة.
قال: وما كان من جناية فيما دون النفس يبلغ أرشها نصف عشر الدية، فهي
стр. 3811
على العاقلة إن كانت خطأ في سَنَةٍ، وذلك لأن النبي ﷺ أوجب الغرة على العاقلة، وهي مقدرة بنصف عشر الدية، وتكون في سنة؛ لأن ما وجب فيه ثلث الدية وما دون ذلك في سنة واحدة، أصله: ما يجب على آحاد العاقلة في السنة الأولى.
قال: وإن كانت عمدًا لا يُستطاع فيها القصاص، أو وجب فيها الأرش لشبهة دخلت الجناية، فهي في مال الجاني في سنة؛ لما بيّنا أن العاقلة لا تتحمل العمد، فتبقى في مال الجاني، وتكون مؤجلًا؛ لأنه تجب بنفس القتل.
قال: وليس فيما دون النفس شبه عمد، إنما هو عمد أو خطأ؛ لما قدمنا أن شبه العمد إنما بالآلة، والقتل يختلف باختلاف الآلات، فأما ما دون النفس، فلا يختص (إتلافه) (١) بآلة دون آلة.
قال: والجناية على المرأة فيما بلغ من أرشها نصف عشر ديتها، فهو على العاقلة في سنة؛ لأن هذا ضمان مقدّر بنفسه كالدية.
قال: وما زاد على نصف العشر إلى أن يبلغ ثلث الدية، ففي سنة؛ قياسًا على ما يجب على العاقلة في السنة الأولى.
فإن زاد على الثلث، فالزيادة قليلة كانت أو كثيرة في سنة أخرى، [إلى أن تبلغ الزيادة الثلثين؛ وذلك لأن ما زاد على ثلث الدية يتقدر بسنة أخرى].
أصله: ما يجب على كل واحد من العاقلة في السنة الثانية.
قال: فإن زاد على (الثلثين) (٢)، فهي في السنة الثالثة؛ قياسًا على ما يجب
стр. 3812
على كل واحد من العاقلة في السنة الثالثة.
وقال: لا تعقل مع العاقلة امرأة، ولا صَبِيٌّ، ولا عبد ولا مكاتب ولا مدبر؛ (وذلك لأن العاقلة إنما تتحمل لأجل النصرة، والمرأة ليست من أهل النصرة.
وكذلك الصبي لا يستنصر به) (١)؛ ولأن الدية تلزم العاقلة على طريق التبرع؛ وذلك لا يثبت في مال الصغير.
فأما المماليك فلا يعقلون؛ لأن العزمات لا تستنصر بهم، والتحمل إنما يجب لأجل النصرة (٢).
تم كتاب الديات ولله الحمد والمنّة
وصلى الله على نبيه محمد وآله أفضل الصلوات
стр. 3813
[٦٣] كتابُ الجناياتِ
قال الشيخ [أيّده الله تعالى]: الجناية عبارة عن كل فعل لا يجوز فعله، فالجناية على الأنفس جناية، وكذلك الجناية على الأموال، إلا أنه اختص هذا الاسم في عُرف أهل الشرع بالجناية على الأنفس.
وكذلك الفقهاء يسمُّون هذا جناية، ويسمون ما كان في الأموال غصبًا، والأسامي تختص بالعرف.
والجناية في الآدميين على ضربين: عمد، وخطأ.
والعمد على ضربين: عمد محض، وعمد فيه معنى الخطأ، وقد بيّناه في كتاب الديات.
حكم الخطأ وشبه العمد، والكلام في هذا الكتاب في أحكام العمد.
стр. 3814
بَاب [أحكام] القصاص
قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فأوجب بالآية القصاص على الحر إذا قتل حرًّا، وعلى العبد إذا قتل عبدًا، وعلى الأنثى إذا قتلت أنثى.
قال: والأصل في ثبوت القصاص: الكتاب، والسنّة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وقال النبي ﷺ : "العَمْدُ قَوَدٌ" (١)، وقال: "كتاب الله القصاص" (٢).
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وأجمع المسلمون على قتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ ولأن القصاص في النفس لا تعتبر فيه المماثلة، وليس بين الذكر والأنثى إلا عدم المماثلة (٣).
وقد حكي عن علي رضوان الله تعالى عليه في الرجل إذا قتل امرأة: أن
стр. 3815
أولياءها بالخيار: إن شاؤوا أخذوا ديتها، وإن شاؤوا أعطوا القاتل نصف ديته وقتلوه.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الفعل الواحد لا يتعلق به قصاص وغرم في نفسٍ واحدةٍ، كما لا يجب بالفعل الواحد حَدٌّ ومَهْرٌ.
ولأن اختلاف الرجل والمرأة كاختلاف الأعمى والبصير، والصحيح والأَشَلِّ، وذلك لا يمنع قتل الكامل منهما بالناقص.
قال: وأجمعوا على قتل العبد بالحرّ؛ وذلك لأنه ناقص عن المقتول، فإذا جاز أن يستوفى بالحر الحر وهو أكمل، فلأَنْ يستوفى مقتله نفس العبد وهو ناقص أولى.
وأما الحر فيقتل بالعبد عندنا، وقال الشافعي: لا يقتل (١).
لنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقال ﷺ : "العمد قود"، ولأنَّ من قتل قاتله إذا كان عبدا، جاز أن يجب القصاص على قاتله إذا كان حرًا كالحر.
ولأنا قد بيّنا أن المماثلة لا تعتبر في الأنفس، وإنما تعتبر في (حقن) (٢) الدم، والحر والعبد يتساويان في حقن الدم على التأبيد.
فأما قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فيدل على وجوب القصاص بين العبدين والحرين، ولا ينفي ما سوى ذلك.
стр. 3816
وفائدة التخصيص: أن الآية نزلت على سبب، وهو أن بني النضير كانوا أشرف من بني قريظة، فيقتل الحر من بني قريظة [وأعز] بالعبد من بني النضير، فأبطل الله تعالى هذا الصلح بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، بيّن ذلك أنّه قال: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ولم ينف ذلك وجوب القصاص بين الذكر والأنثى.
وأجمع أصحابنا: على قتل المسلم بالكافر الذمي الذي يؤدي الجزية ويجري عليه حكم الإسلام (١).
وقال الشافعي: لا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر (٢).
لنا: ما روي أن النبي ﷺ أقاد مسلمًا بذمي، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" (٣)، وروي أن رجلًا مسلمًا [من أهل الحيرة] قتل رجلًا من أهل الحيرة نصرانيًا، فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فكتب: (أن يقتل به)، ثم قيل إنه فارس من فرسان المسلمين، فكتب (بأن تؤخذ الدية)؛ فلولا أن [القصاص] (٤) واجب لم يأمر به ابتداءً، وأسقط في الثاني لمصلحة رآها للمسلمين.
وروي أن مسلمًا قتل ذميًّا، فقضى عَلِيٌّ رضوان الله عليه فيه بالقصاص، ثم (لقي) (٥) الولي فقال: ما صنعت؟ فقال: إني رأيت أن قتله لا يرد (أخي،
стр. 3817
وبذلوا) (١) إليّ المال، فقال: لعلهم خوّفوك، إنما أعطيناكم الأمان لتكون دماؤكم كدمائنا، وأموالكم كأموالنا.
ولأن كل من جاز أن يقتل قاتله إذا كان كافرًا، جاز أن يجب القصاص على المسلم بقتله كالمسلم، [ولأنه محقون الدم على التأبيد، فجاز أن يجب القصاص على المسلم بقتله كالمسلم].
وأما قوله ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر" (٢)، فالمراد به الكافر الحربي؛ لأنهم كانوا بعد الإسلام يقتلون من أسلم بقتلاهم الكفار، فقال ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر"، كما قال: "كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي" (٣).
والذي يدل على ذلك: أن المسلم يقتل بالكافر بالاتفاق إذا قتله وهو كافر ثم أسلم، فكان حمل اللفظ على الكافر الحربي أولى؛ لأنه ينفي العموم؛ ولأنه قال في الخبر: "ولا ذو عهد في عهده" (٤)، والكافر الذي لا يقتل به المعاهد، إنما هو الحربي.
قال: ولا يقتل مسلم بكافرٍ غير ذميٍ وإن كان مستأمنًا في دار الإسلام وله عهد وميثاق؛ وذلك لأن المستأمن ليس بمحقون الدم على التأبيد، وإنما حَقنُ دمه مؤقّت، فلم يجز أن يقتل به من دمه محقون على التأبيد؛ لعدم التساوي
стр. 3818
في حقن الدم.
قال: وأجمع أصحابنا: أن لا يقتل والد بولده، ولا جَدٌّ من قِبَل الرجال ولا من قِبَل النساء وإن علا بولد الولد وإن سفل، ولا والدة بولدها، ولا جَدَّة من قِبَل الأب ولا من قبل الأم، علت أو سفلت (١).
وقال مالك: إذا حذف (٢) الأب الابن بالسيف، فلا قَوَدَ عليه، وإن ذبحه فعليه القود (٣).
لنا: ما روي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقاد والد بولده" (٤)؛ ولأنه في حكم الجزء منه، والإنسان لا يثبت عليه قصاص بأجزائه.
ولأنه لو وجب عليه القصاص إذا قتله ذبحًا، وجب عليه القصاص إذا قتله حذفًا كالأجنبي.
وفرّق مالك بينهما؛ بأن الحذف يقصد به التأديب.
وليس بصحيح؛ لأن التأديب لا يكون بالسيف؛ ولأن عندنا ضرب الأب لابنه على وجه التأديب بشرط السلامة.
قال: ويُقْتَلُ الوَلَدُ بالوالد؛ وذلك لأن الوالد ليس في حكم الجزء من الولد، فجاز أن يثبت القصاص بقتله.
стр. 3819
قال: وأجمع أصحابنا: أن لا يقتل المولى بعبده؛ وذلك لأن القصاص لو ثبت بقتل العبد، لثبت للمولى؛ لأنه هو المستحق (بحقوق) عقده، والمولى لا يجوز أن يثبت له قصاص على نفسه؛ ولأنه ماله، وإتلاف الإنسان لماله لا يكون مضمونًا عليه، والدم إذا لم يكن مضمونًا لم يتعلق به قصاص.
قال: ولا يُقْتَلُ بعبد يملك القَاتِلُ بعضه؛ وذلك لأن القصاص يسقط في نصيبه، فسقط في باقيه، كالدم إذا كان بين شريكين فعفا أحدهما.
قال: ونقصان الجوارح (في الفعل) (١) لا يمنع التكافؤ في النفس، وتفسير ذلك: أن صحيحًا سليم الجوارح عاقلًا لو قتل مريضًا، أو مغمىً عليه، أو مبرسمًا (٢)، أو مفلوجًا، أو أعمى، أو مقطوع الجوارح، أو أشلها، أو صبيًا، أو مجنونًا، أنه يقتل به، وهذا كله لا يمنع التكافؤ في النفس؛ وذلك لأن التكافؤ يعتبر في محل القصاص، ومحل القصاص الرّوح، فإذا تساويا في حقن الدم، وجب القصاص، وإن اختلفا في غير ذلك؛ ولهذا لم يجب القصاص بين الأطراف المختلفة؛ لأن التساوي في محل القصاص لم يوجد.
وقد دل على هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولم يفصل.
قال: وأجمع أصحابنا: أن الجماعة تُقْتَلُ بالواحد وإن كثروا.
ومن الناس من قال: لا تُقْتَلُ الجماعة بالواحد.
стр. 3820
لنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وفيه إجماع الصحابة.
وروي أن سبعة قتلوا واحدًا بصنعاء، فقتلهم عمره ﵁، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف.
ولأن القصاص في النفس يجب بإزهاق النفس، وذلك معنى لا يتبعض، فيصير كل واحد منهم كالمنفرد بإتلافها.
وليس كذلك إذا اجتمعوا على قطع يد؛ (لأن القطع يتبعض، فيصير كل واحد منهم متلفًا لبعض اليد، فلا يجب عليه القصاص) (١).
قال: ويقتل الواحد بقتل الجماعة، ولا يلزم مع القود شيء من المال.
وقال الشافعي: إن قتل بواحد منهم وجب للباقي المال، وإن اجتمعوا قتل بهم، وقسمت الديات بينهم (٢).
لنا: أن القود إذا ثبت على الواحد لجماعة، فاستوفى القود، سقط حق الباقين، كالعبد إذا قتل جماعة فقتل؛ لأن خروج الروح لا يتبعض، فإذا قتل بهم صار كل واحد منهم كالمستوفي لجميع النفس، فلا يجب له مع ذلك أرش.