وفائدة التخصيص: أن الآية نزلت على سبب، وهو أن بني النضير كانوا أشرف من بني قريظة، فيقتل الحر من بني قريظة [وأعز] بالعبد من بني النضير، فأبطل الله تعالى هذا الصلح بقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، بيّن ذلك أنّه قال: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ولم ينف ذلك وجوب القصاص بين الذكر والأنثى.
وأجمع أصحابنا: على قتل المسلم بالكافر الذمي الذي يؤدي الجزية ويجري عليه حكم الإسلام (١).
وقال الشافعي: لا يجب القصاص على المسلم بقتل الكافر (٢).
لنا: ما روي أن النبي ﷺ أقاد مسلمًا بذمي، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" (٣)، وروي أن رجلًا مسلمًا [من أهل الحيرة] قتل رجلًا من أهل الحيرة نصرانيًا، فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فكتب: (أن يقتل به)، ثم قيل إنه فارس من فرسان المسلمين، فكتب (بأن تؤخذ الدية)؛ فلولا أن [القصاص] (٤) واجب لم يأمر به ابتداءً، وأسقط في الثاني لمصلحة رآها للمسلمين.
وروي أن مسلمًا قتل ذميًّا، فقضى عَلِيٌّ رضوان الله عليه فيه بالقصاص، ثم (لقي) (٥) الولي فقال: ما صنعت؟ فقال: إني رأيت أن قتله لا يرد (أخي،
стр. 3817
وبذلوا) (١) إليّ المال، فقال: لعلهم خوّفوك، إنما أعطيناكم الأمان لتكون دماؤكم كدمائنا، وأموالكم كأموالنا.
ولأن كل من جاز أن يقتل قاتله إذا كان كافرًا، جاز أن يجب القصاص على المسلم بقتله كالمسلم، [ولأنه محقون الدم على التأبيد، فجاز أن يجب القصاص على المسلم بقتله كالمسلم].
وأما قوله ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر" (٢)، فالمراد به الكافر الحربي؛ لأنهم كانوا بعد الإسلام يقتلون من أسلم بقتلاهم الكفار، فقال ﷺ : "لا يقتل مؤمن بكافر"، كما قال: "كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي" (٣).
والذي يدل على ذلك: أن المسلم يقتل بالكافر بالاتفاق إذا قتله وهو كافر ثم أسلم، فكان حمل اللفظ على الكافر الحربي أولى؛ لأنه ينفي العموم؛ ولأنه قال في الخبر: "ولا ذو عهد في عهده" (٤)، والكافر الذي لا يقتل به المعاهد، إنما هو الحربي.
قال: ولا يقتل مسلم بكافرٍ غير ذميٍ وإن كان مستأمنًا في دار الإسلام وله عهد وميثاق؛ وذلك لأن المستأمن ليس بمحقون الدم على التأبيد، وإنما حَقنُ دمه مؤقّت، فلم يجز أن يقتل به من دمه محقون على التأبيد؛ لعدم التساوي
стр. 3818
في حقن الدم.
قال: وأجمع أصحابنا: أن لا يقتل والد بولده، ولا جَدٌّ من قِبَل الرجال ولا من قِبَل النساء وإن علا بولد الولد وإن سفل، ولا والدة بولدها، ولا جَدَّة من قِبَل الأب ولا من قبل الأم، علت أو سفلت (١).
وقال مالك: إذا حذف (٢) الأب الابن بالسيف، فلا قَوَدَ عليه، وإن ذبحه فعليه القود (٣).
لنا: ما روي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يقاد والد بولده" (٤)؛ ولأنه في حكم الجزء منه، والإنسان لا يثبت عليه قصاص بأجزائه.
ولأنه لو وجب عليه القصاص إذا قتله ذبحًا، وجب عليه القصاص إذا قتله حذفًا كالأجنبي.
وفرّق مالك بينهما؛ بأن الحذف يقصد به التأديب.
وليس بصحيح؛ لأن التأديب لا يكون بالسيف؛ ولأن عندنا ضرب الأب لابنه على وجه التأديب بشرط السلامة.
قال: ويُقْتَلُ الوَلَدُ بالوالد؛ وذلك لأن الوالد ليس في حكم الجزء من الولد، فجاز أن يثبت القصاص بقتله.
стр. 3819
قال: وأجمع أصحابنا: أن لا يقتل المولى بعبده؛ وذلك لأن القصاص لو ثبت بقتل العبد، لثبت للمولى؛ لأنه هو المستحق (بحقوق) عقده، والمولى لا يجوز أن يثبت له قصاص على نفسه؛ ولأنه ماله، وإتلاف الإنسان لماله لا يكون مضمونًا عليه، والدم إذا لم يكن مضمونًا لم يتعلق به قصاص.
قال: ولا يُقْتَلُ بعبد يملك القَاتِلُ بعضه؛ وذلك لأن القصاص يسقط في نصيبه، فسقط في باقيه، كالدم إذا كان بين شريكين فعفا أحدهما.
قال: ونقصان الجوارح (في الفعل) (١) لا يمنع التكافؤ في النفس، وتفسير ذلك: أن صحيحًا سليم الجوارح عاقلًا لو قتل مريضًا، أو مغمىً عليه، أو مبرسمًا (٢)، أو مفلوجًا، أو أعمى، أو مقطوع الجوارح، أو أشلها، أو صبيًا، أو مجنونًا، أنه يقتل به، وهذا كله لا يمنع التكافؤ في النفس؛ وذلك لأن التكافؤ يعتبر في محل القصاص، ومحل القصاص الرّوح، فإذا تساويا في حقن الدم، وجب القصاص، وإن اختلفا في غير ذلك؛ ولهذا لم يجب القصاص بين الأطراف المختلفة؛ لأن التساوي في محل القصاص لم يوجد.
وقد دل على هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولم يفصل.
قال: وأجمع أصحابنا: أن الجماعة تُقْتَلُ بالواحد وإن كثروا.
ومن الناس من قال: لا تُقْتَلُ الجماعة بالواحد.
стр. 3820
لنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وفيه إجماع الصحابة.
وروي أن سبعة قتلوا واحدًا بصنعاء، فقتلهم عمره ﵁، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف.
ولأن القصاص في النفس يجب بإزهاق النفس، وذلك معنى لا يتبعض، فيصير كل واحد منهم كالمنفرد بإتلافها.
وليس كذلك إذا اجتمعوا على قطع يد؛ (لأن القطع يتبعض، فيصير كل واحد منهم متلفًا لبعض اليد، فلا يجب عليه القصاص) (١).
قال: ويقتل الواحد بقتل الجماعة، ولا يلزم مع القود شيء من المال.
وقال الشافعي: إن قتل بواحد منهم وجب للباقي المال، وإن اجتمعوا قتل بهم، وقسمت الديات بينهم (٢).
لنا: أن القود إذا ثبت على الواحد لجماعة، فاستوفى القود، سقط حق الباقين، كالعبد إذا قتل جماعة فقتل؛ لأن خروج الروح لا يتبعض، فإذا قتل بهم صار كل واحد منهم كالمستوفي لجميع النفس، فلا يجب له مع ذلك أرش.
стр. 3821
٢٤٤٤ - [فَصْل: القصاص بين الأحرار والعبيد فيما دون النفس]
قال: وأجمع أصحابنا: أنه لا قصاص بين الأحرار وبين العبيد فيما دون النفس؛ وذلك لأن وجوب القصاص في الأطراف يعتبر فيه التساوي في الأرش؛ بدلالة أن الصحيح لا يقطع بالأشل، ولا يقطع الطرف الكامل الأصابع بالناقص الأصابع؛ لاختلاف أرشها، وأرش طرف الحر والعبد مختلف، فلا يجري بينهما قصاص.
وكذلك لا يجري بين العبد والعبد فيما دون النفس؛ لأنهم إن اختلفوا، فوجوب القصاص موقوف على التساوي في الأرش وإن تساوت قيمتهم، وذلك يعلم من طريق الحزر والظن، فلا يتيقن التساوي، فلم يجب القصاص.
قال: ولا قصاص بين الذكور والإناث فيما دون النفس (١).
وقال الشافعي: يجري القصاص بينهما (٢).
لنا: أن أرش أطرافهم مختلفة، فصاروا كالصحيح والأشل؛ ولأن يد المرأة تصلح لنوع من المنافع لا تصلح له يد الرجل، فصار كاليمين واليسار.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه صحيح في المنع من قطع الصحيح بالأشل، [والحر] (٣) بعبد، والذكر بالأنثى، فهلَّا جوَّزتم أن تقطع المرأة بالرجل، والعبد بالحر، كما يقطع الأشل بالصحيح.
стр. 3822
قيل له: النقص على ضربين: نقص من طريق المشاهدة: فيمنع من استيفاء الكامل بالناقص، ولا يمنع من استيفاء الناقص بالكامل، ونقص من طريق الحكم: فيمنع من استيفاء كل واحد من الأمرين بالآخر، كاليسار واليمين.
قال: وليس للمجنون ولا للصبي عمد وهو خطأ.
وقال الشافعي: عمد الصبي في ماله (١).
لنا ما وري عن علي رضوان الله تعالى عليه أنه قال: [عمد الصبي والمجنون سواء] (٢)).
وروي أن مجنونًا عدا على رجل بالسيف فقتله، فقضى عليه بالديّة على عاقلته؛ ولأن الأحكام المختصة بالعمد لا يتعلق بفعله مثل القصاص والمأثم، فصار كالخطأ.
وإنما لم يتعلق بفعله قصاص؛ لأن القصاص عقوبة، والصبي لا يستحق العقوبة بفعله، بدلالة الحدود (٣).
стр. 3823
بَاب صفةِ القتلِ الذي يجبُ به القصاص
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: أجمع أصحابنا أنّ كلّ قتلٍ عمدٍ بسلاحٍ: بسيفٍ، أو رمحٍ، أو سهمٍ، أو عمود حديدٍ، أو سكينٍ، أو ما أشبه ذلك من سلاح الحديد، ففيه القِصَاص.
وما يجري مجرى السلاح ممَّا يجرح كجرحه.
لو طعن رجلًا برمحٍ لا سِنَان فيه فأجافه، فمات، فعليه القِصَاص، وكذلك لو رماه بسهمٍ ليس له نصلٌ، أو شقّ بطنه بعودٍ، أو ذبحه به، أو بقصبةٍ، ففي هذا كله القِصَاص.
قال [الشيخ]: وجملة هذا: أنّ القتل إذا وقع بالمحدَّدِ من الآلة، أو ما يجري مجراه في تفريق الأجزاء، تعلّق به القِصَاص حديدًا كانت الآلة أو غير حديدٍ، وإن شئت قلت: كلّ ما يقع به الذكاة إذا قتل به، ففيه القِصَاص (١).
والأصل في وجوب القِصَاص بالسلاح: قوله ﷺ : "لا قَوَد إلا بالسيف" (٢)،
стр. 3824
وقوله ﵇: "كلّ شيءٍ خطأٌ إلا السيف" (١).
وأما المحدّد كالليطة (٢)، والمروة (٣)، والرمح الذي لا سِنان فيه، فإنّه يفرّق الأجزاء [وتفرّقها كتفريق] (٤) الحديد، (وعلى هذا قالوا فيمن أحرق رجلًا بالنار: إنّ عليه القِصَاص؛ لأنّ النار تقطع الأجزاء وتفرّقها كتفريق الحديد) (٥).
وأمّا إذا قتله بحديدٍ لا حدّ له، مثل أن يضربه بعمودٍ، أو سَنْدَانٍ (٦)، فقد ذكر في الأصل: أنّ فيه القِصَاص (٧).
وذكر الطحاوي في الشروط الكبير: أنّه لا قِصَاص فيه.
стр. 3825
ومن أصحابنا من قال: إنّ الذي ذكره الطحاوي هو القياس، وما في الأصل استحسانٌ.
وجه ما ذكره الطحاوي: أنّ الحديد المُثقّل لا يجرح، وإنّما يفسخ، فهو كالحجر؛ ولأنّ الحكم لا يتعلق بالحديد بجنسه، وإنّما يتعلق بمعناه، بدلالة أنّ التحديد إذا وجد في الحجر، تعلق به القِصَاص، فإذا تعلق الحكم بالمعنى (١) - وذلك غير موجود في المثُقّل - لم يجب القِصَاص.
وجه ما ذكره في الأصل: قوله ﵇: "لا قَوَد إلا بالحديد" (٢)؛ ولأنّ الحديد هو الجنس الموضوع للقتل، وغيره تَبَعٌ له، [ولهذا] قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وإذا كان الحديد هو الأصل، يستوي المحدّد منه وغيره، وما سواه ملحقٌ به، فتعلّق الحكم فيه بالمعنى دون الجنس.
وأما القتل بالحجر الكبير، والعصا الكبيرة، فلا قِصَاص فيه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان يقتل غالبًا ففيه القِصَاص، وقد قدّمناه.
قال: فإن ألقاه في الماء فغرق، فلا قِصَاص فيه عند أبي حنيفة، وقالا (٣): إذا كان الماء لا يُتَخلّص منه في الغالب، ففيه القِصَاص.
[وجه قول] أبي حنيفة: أنّه قتل بما ليس بسلاحٍ، ولا يجري مجرى السلاح في تفرق الأجزاء، (فصار كقليل الماء) (٤)؛ ولأنّ الغريق يهلك باجتذاب الماء
стр. 3826
بنفسه، فصار مشاركًا في قتل نفسه، فلم يجب على الذي ألقاه قِصَاص.
وجه قولهما: أنّ هذا لا يُتَخلّص منه غالبًا، كالقتل بالنار والحديد، وليس كذلك إذا كان مما يُتَخلّص منه؛ لأنّ ذلك لا يُقصد به القتل، فصار كالعصا الصغيرة.
قال: فإن ألقاه من جبلٍ، أو سطحٍ على رأسه، فلا قِصَاص فيه، وهذا على ما قدمنا من الخلاف (١).
стр. 3827
بَاب القصاص فيما دونَ النفسِ
قال أبو حنيفة ﵁: إذا طيّن على حُرٍّ بيتًا حتّى مات جوعًا أو عطشًا، لم يضمن، وقالا: عليه الدية.
لأبي حنيفة: أنّه سببٌ لا يؤدي إلى التلف، وإنّما يموت بسببٍ آخر: وهو فقد الطعام، فلم يبق إلا اليد، والحرّ لا يَضمن باليد.
ولهما: أنّه سببٌ يؤدي إلى التلف، فصار كسقي السمّ، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، فحَكَم [تعالى] فيما ذكره في الآية أن يُؤخذ كلّ شيءٍ بمثله.
فالأصل في وجوب القِصَاص فيما دون النفس [هذه] الآية، وقوله ﷺ : "العمد قَوَدٌ" (١)، وما روي (أنّ رُبيّع - عمة أنّس بن مالك - كسرت سنّ جاريةٍ، فأمر رسول الله ﷺ بكسر سنّها، فقال أنَس بن النضر: أتكسر سن الرُبيّع بسنّ جاريةٍ، فقال رسول الله ﷺ : "كتاب الله القِصَاص"، فقال: لا والذي بعثك
стр. 3828
بالحق نبيًّا، لا تُكسر سنّ الرُبيّع بسنّ جاريةٍ! فقال ﵇: "كتاب الله القِصَاص"، فرضي القوم، فقال ﷺ : "إنّ الله عبيدًا لو أقسموا عليه لأبرّ قسمهم"، منهم أنّس بن النضر) (١).
وإذا ثبت وجوب القِصَاص فيما دون النفس، فالمماثلة معتبرةٌ فيه؛ لأنّه أُجْري مجرى الأموال؛ بدلالة أنّه يكون عمدًا محضًا لا شبهة فيه، فلا يجب به قِصَاص، مثل قطع اليد من الساعد، وإذا أُجْري مجرى الأموال، اعتبر فيه المماثلة.
ولأنّهم اتفقوا أنّ الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا بالناقصة الأصابع؛ لعدم المماثلة فيها.
٢٤٤٥ - [فَصْل: المماثلة في القصاص]
قال: وأجمع المسلمون جميعًا أنّه لا تؤخذ العين اليمنى [بالعين] اليسرى، [ولا العين اليسرى بالعين اليمنى] (٢).
وكذلك اليدان والرجلان، لا تؤخذ اليمنى إلا باليمنى، ولا اليسرى إلا باليسرى، وكذلك أصابع اليدين والرجلين، تؤخذ إبهام اليمني بإبهام اليمني، والسبابة بالسبابة، والوسطى بالوسطى، والخِنْصَر بالخِنْصَر، ولا يُؤخذ شيءٌ من الأعضاء إلا بمثله من القاطع.
وكذلك الأسنان: الثَّنِيّة بالثَّنِيّة، والنَّاب بالنَّابِ، والضِّرْسُ بالضِّرْسِ، ولا تُؤخذ أعلى بأسفل، ولا أسفل بأعلى.
стр. 3829
وكذلك الشِّجاج والجِرَاحَات: لا يُقْتصّ فيما يجب القِصَاص منه [إلا في موضع الشَّجّة] (١) والجراحة من المشجوج والمجروح، فإذا كانت الشَّجّة في الرأس في مقدَّمه، اقتُصّ من [الشَّاجِّ] (٢) في مقدمة رأسه في ذلك الموضع من المُقَدَّم، لا يتعدّاه القِصَاص.
وكذلك إن كانت في وَسَطه، أو مؤخّره، أو جنبي الرأس، فُعِل مثل ذلك بالشّاجّ من رأسه.
والأصل في ذلك: أنّ منافع هذه الأطراف مختلفةٌ، ألا ترى أنّ اليمين تخالف في منفعتها اليسرى، والأصابع تخالف بعضها بعضًا في الانتفاع.
والأسنان تخالف بعضها بعضًا، ألا ترى أنّ الثنايا للتقطيع، والأضراس للطحن (٣)، فصارت باختلاف منافعها كالجنسين المختلفين، والتلف [للجنس] (٤) لا يستحق عليه مثله إلا من جنسه.
فأمَّا الشجاج، فإنّ تأثيرها: الشَّيْن الذي يحصل بها، وذلك يختلف باختلاف مواضع الرأس، فإذا شجَّه في مُقَدّم رأسه، لم يجز أنّ يشجه في مؤخَّره؛ لأنّه يستوفي ما ليس بمثل حقه؛ ولهذا قالوا: إنّه يستوفي على مساحة الشَّجّة في طولها وعرضها؛ لأنّ الشَّيْن يختلف بصغر الشَّجّة وكبرها.
وقد ذكر اختلاف الرواية في القِصَاص (فيما دون المُوْضِحة، وقد قدّمناه.
стр. 3830
وأما المُوْضِحة، ففيها القِصَاص) (١) بالاتفاق؛ لأنّ المماثلة ممكنةٌ فيها، ألا ترى أنّه ينتهي بالسكين إلى العظم.
وأما المُنَقِّلة والآمّةُ، فقد قدمنا أنّه لا قِصَاص فيها.
٢٤٤٦ - [فَصْل: القصاص في العظم]
قال: ولا قِصَاص أيضًا في عظمٍ إلا السنّ عند أصحابنا، فإنّه إذا كُسِر بعضها، أو نُزِعت، اقتُصّ من الجاني.
والأصل [في هذا]: ما روي عن ابن مسعودٍ أنّه قال: "لا قِصَاص في عَظمٍ إلا السنّ" (٢)، وعن عمر أنّه قال: "لا قِصَاص في عظمٍ" (٣).
وأما السنّ ففيها القِصَاص؛ للآية، ولخبر الرُبيّع.
قال: وإن كانت اسودّت لمّا كسر بعضها، أو احمرّت، أو اخضرّت، أو دخلها عيبٌ يوجب فيما بقي منها حكومةٌ، فلا قِصَاص فيها عند أصحابنا جميعًا، وفيها الأَرْش إذا اسودّ الباقي أو اخضرّ؛ وذلك لأنّه لا يمكن أن يضرب السنّ على وجهٍ يسوّد الباقي أو يخضّر (٤)، فلو اقتصّ من [البعض] (٥) ووجب الأَرْش (٤)
стр. 3831
في الباقي؛ لَتَعلّق بالجناية الواحدة في العضو الواحد القِصَاص والمال، وهذا لا يجوز أبدًا فيهما.
وفرّق محمدٌ بين (هذا وبين) (١) من قطع أُصْبَع رجلٍ فشُلّت أخرى إلى جنبها؛ وذلك لأنّ هذه جنايةٌ على جُزءٍ من الجملة، فإذا وجب في الجملة المال بحكمها، لم يجز أن يجب فيها القِصَاص.
فأمّا الأصابع، فكلّ واحدةٍ منها غير تابعةٍ للأخرى، ولا جزءٌ منها، فصارت كالجنايتين المختلفتين.
٢٤٤٧ - : [فَصْل: أخذ الجارحة الصحيحه بالمعيبة]
قال: ولا تؤخذ جارحةٌ صحيحةٌ لا عيب فيها بنقص أَرْشها، بجارحةٍ مَعِيْبةٍ يُنْقِصها العيب الذي بها من عَقْلِها، ولا تُؤْخذ جارحةٌ صحيحةٌ بشلاء، ولا يدٌ مقطوعٌ منها أُصْبَعٌ، ولا مِفصَل من أُصْبَع يدٍ لم يُقْطع ذلك منها.
وكذلك الأسنان والأصابع، لا يؤخذ صحيحٌ منها بمَعِيْبٍ، وهذا على ما قدّمنا أنّ المماثلة معتبرةٌ فيما دون النفس، فلا يجوز أن يستوفي ما يزيد أَرْشه على أَرْش المتلف.
٢٤٤٨ - [فَصْل: أخذ المعيبة بالصحيحة]
قال: فإن كان العيب في جارحة الجاني، والمجنيّ عليه صحيح الجارحة، فالمجنيّ عليه بالخيار: إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ أَرْش جراحته؛ وذلك لأنّ
стр. 3832
حقّه ثبت في عضوٍ سليمٍ مثل عضوه، فإذا لم يقدر إلا على استيفاء المَعِيب، صار كمن أتلف على رجلٍ ما له مِثْلٌ، فانقطع عن أيدي الناس، ولم يبق منه إلا ما هو ناقص الصفة عن المُتْلَف، فصاحب الحق بالخيار: إن شاء أخذ الموجود، وإن شاء عَدَل إلى القيمة؛ لأنّه لم يقدر على استيفاء جنس حقّه بكماله، فكذلك هذا.
وقد قال أصحابنا: فيمن قطع يدًا صحيحةً ويده ناقصة الأصابع (١)، فاختار المقطوع قطع اليد الناقصة، فلا أَرْش له.
وقال الشافعي: يقطعها ويأخذ أَرْش الأصابع (٢).
لنا: أنّ حقه ثبت في مِثْلٍ كاملٍ، فإذا استوفاه ناقص الصفة لم يكن له أن يطالب بالنقصان، كالمتلف ممّا له مِثْلٌ؛ ولأنه وضع السكين في الموضع الذي وضعها فيه القاطع، إلا أنّها معيبةٌ، فصار عيبها بنقصان الأُصْبَع كعيبها بالشلل.
وليس هذا كمن أتلف مكيلًا، فوجد [مثل] (٣) بعضه أنّه يستوفي الموجود وقيمة الباقي؛ لأنّ حقّ المُسْتَحِقّ يتعلق بالمُتْلَف وبكلّ جزءٍ منه، منه، وفي مسألتنا: حقّ المقطوع في قطع الزند دون الأصابع، ألا ترى أنّه لو قال: أنا أقطع الأصابع وأبرئ من الكفّ، لم يكن له ذلك، فدلّ على أنّ الأُصْبَع ليست [بنفس] (٤) حقّه، وإنّما هي صفةٌ فيه، فهي كالجودة في المكيل، والصحة في العضو.
стр. 3833
٢٤٤٩ - [فَصْل: ذهاب الجارحة قبل القصاص]
قال: فإن ذهبت الجارحة المعيبة قبل أن يختار الجاني أخذها، فقطعها قاطعٌ، بطل حق المجنيّ عليه.
والكلام في هذا أولًا فيمن قطع يدًا صحيحةً ويده صحيحةٌ، فقُطِعت يده، وذلك على وجهين:
إن قُطِعت يده بحقٍّ عليه، مثل أن يُقْتصّ منها، أو تُقْطَع في سرقةٍ، فعليه أَرْش اليد المقطوعة.
فإن قُطِعَت (١) يده بغير حقٍّ عليه، سقط حق صاحب القِصَاص، مثل أن يقطعها رجلٌ ظلمًا، أو تتلف بآفةٍ من السماء.
وقال الشافعي: يجب الأَرْش في الوجهين.
لنا: أنّ حقّ صاحب القِصَاص تعلّق باليد وتعيّن فيها، بدلالة أنّه ليس له العدول إلى الأَرْش مع القدرة، فإذا هلك ما تعلّق [حقه] به، سقط حقه، كالعبد الجاني إذا قُتِل أو مات.
فأمّا إذا قُطِعت يده في قِصَاص، فقد قضى بها حقًّا عليه، ومن قضى حقًّا عليه بما تعلّق به حقّ غيره، كان مضمونًا، وكذلك الإمام لمّا قضى عليه بالقطع في السرقة، فحكمه يتضمن نَقْل حقّ صاحب القِصَاص إلى الأَرْش، ألا ترى أنّ الإمام لا يحكم بإسقاط حقّ الناس؛ ولأنّها استُوْفِيت لحقٍّ عليه، فكأنّها استُوْفِيت بالقِصَاص.
стр. 3834
وإذا ثبت هذا، قلنا: إذا كانت يد القاطع معيبةً، فتلفت قبل أن يختار المقطوع المال، فحقّه كان متعلقًا بعينها، وإنّما ثبت [له] حقّ العدول باختياره لأجل العيب، فإذا لم يختر حتّى تلفت، فقد هلك ما تعلّق حقّه به، فصارت كالصحيحة إذا تلفت.
ولا يقال: إنّه كان مخيرًا بين أمرين، فإذا فات أحدهما تعيّن الآخر؛ لأنّ حقه لم يثبت إلا في اليد، فكان له أن يعدل عن هذا الحقّ إلى بدله، فإذا تلف لم يجز له المطالبة بالبدل عنه مع تلفه.
٢٤٥٠ - [فَصْل: المماثلة في الاستيفاء]
قال: وكلّ عمدٍ (١) أبان جارحةً (٢) من مَفْصِلٍ، ففيه القِصَاص؛ وذلك لأنّ المماثلة [فيه] ممكنةٌ، ألا ترى أنّه يضع السكين في المَفصِل فيستوفي مثل ما استوفى القاطع.
قال: وما كان من غير المفاصل، فلا قِصَاص فيه؛ وذلك لأنّه لا يمكن استيفاء المماثلة [فيه]؛ لأنّه ليس هناك حدٌّ ينتهي بالقطع إليه.
قال: وسواءٌ كانت الجناية فيما دون النفس بسلاحٍ أو بغير ذلك، ففيه القِصَاص، وهذا على ما قدّمنا أنّ ما دون النفس لا يثبت فيه شبه عمدٍ، وإنّما هو عمدٌ أو خطأٌ.
стр. 3835
٢٤٥١ - [فَصْل: ثبوت السراية من الجزء إلى الجملة]
قال: ولو قطع أُصْبعًا من يد رجلٍ، فشَلّت الكفّ، والقطع عمدٌ، فلا قِصَاص في الأُصْبع، وفي اليد دية اليد في قول أصحابنا جميعًا.
وكذلك إن قطع مَفْصِلًا من أُصْبعٍ، فشُلّ ما بقي منها، أو شُلّت الكفّ.
قال [الشيخ]: وجملة هذا: أنّ الجناية إذا وقعت على جزءٍ، فسَرَت إلى [الجملة] (١)، أو وقعت على ما هو تَبَعٌ، فسَرَتْ إلى [المتبوع]، فلا قِصَاص فيهما في قولهم [جميعًا]، وهذا كمن قطع أُصْبعًا فشُلّت الكفّ؛ وذلك لأنّ السِّراية ثبتت من الجزء إلى الجملة، والقطع والسراية كالجناية الواحدة؛ بدلالة أنّه إذا كان عمدًا، كانت السراية عمدًا، وإن كان خطأً، كانت خطأً.
وقد تعلق بسراية هذا القطع المال، فلم يجز أن يتعلق به القِصَاص؛ لأنّ الجناية الواحدة لا يجوز أن [توجب الأمرين] (٢).
٢٤٥٢ - [فَصْل: سريان أثر قطع الأصبع الأولى في الثانية]
قال: فإن قطع أُصْبعًا فشَلّت أخرى إلى جنبها، فإنّ أبا حنيفة قال: لا قِصَاص في شيءٍ من ذلك، وعليه دية الأصبعين.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ وزفر والحسن: يقتص من الأولى، وفي الثانية أَرْشها.
[قال الشيخ]: وجملة هذا: أنّ القطع إذا حصل في عضوٍ فسرى
стр. 3836
إلى عضوٍ آخر، والثاني مما لا قِصَاص فيه، فلا قِصَاص في الأوّل عند أبي حنيفة.
والوجه في ذلك: أنّ الجناية وما آلت إليه في حكم الجناية الواحدة، بدلالة ما قدمنا، فإذا ثبت بحكمها المال، لم يتعلق بها القِصَاص لتنافيهما.
ولا يلزم [على هذا] (١) إذا قطع أُصْبعًا عمدًا، (فنفذت السكين إلى أخرى خطأً؛ لأنّهما جنايتان، فلا يكون تلف الثانية بجناية الأولى) (٢).
ولا يلزم مَن رَمى إلى رجلٍ بسهمٍ، فنفذ السهم إلى آخر؛ (لأنّهما جنايتان، ألا ترى أنّ الجناية لا تسري من شخصٍ إلى شخصٍ؛ ولأن الأوّل لو كان مأذونًا فيه، تعلّق بالثاني الضمان.
وفي مسألتنا: لو كان الأول مأذونًا [فيه] سقط الضمان عن الثاني.
وجه (٣) قولهم: أنّ القِصَاص قد تعلّق بالأولى؛ بدلالة أنّه لو استقرت الجناية (٤)، وجب القِصَاص بتلف عضوٍ آخر، كتلف نفسٍ أخرى، ولو نفذت (٥) السكين من واحدٍ إلى آخر) (٦) لم يسقط القِصَاص عن الأوّل، فكذلك هذا.
٢٤٥٣ - [القصاص في المُوْضِحَةِ]
وقال في الجامع الصغير: في رجلٍ شج رجلًا مُوْضِحةً (٧) متعمّدًا، فذهب
стр. 3837
منها بصره، أنّه لا قِصَاص في المُوضِحة في قول أبي حنيفة، وفيها وفي البصر الأَرْش.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: في المُوْضِحة القِصَاص، وفي البصر الدية، هذه رواية الجامع الصغير عن محمدٍ (١).
وروى ابن سَمَاعة في نوادره: أنّ فيهما القِصَاص جميعًا.
وجه قولهم المشهور: أنّ العين لم تذهب بالسِّراية؛ لأنّ السراية إنّما تكون من جزء إلى جملة، فأمّا من جزءٍ إلى جزءٍ آخر فلا، وإنّما تلف البصر بسبب الشَّجّة، وما تلف بسببٍ لا قِصَاص فيه، كمن تلف بحفر البئر، ووضع الحجر.
وجه قول محمدٍ: أنّ الجناية وقعت على وجه العمد، فما تولّد منها عمد أيضًا، كما لو سرت إلى النفس، فالقِصَاص ممكنٌ فيما سرت إليه، فوجب فيه القِصَاص.
وليس كذلك إذا شَلّت الأخرى؛ لأنّ القِصَاص لا يمكن فيها، فتعلّق بالأولى (٢)، ووجب في الثانية الأَرْش.
قال محمدٌ: ولو ذهبت عيناه ولسانه و [جماعه] (٣)، فعليه في المُوْضِحة والعينين القِصَاص، فأمَّا اللسان و [الجماع] (٤)، فلا يقدر فيه على القِصَاص،
стр. 3838
فعليه الدية في ماله.
(وهذا ظاهرٌ على أصل محمدٍ الذي رواه ابن سَمَاعة؛ لأنّ ما تولّد من الجراحة العمد إذا كان [يمكن فيه] (١) القِصَاص، اقْتُصّ منه، وإذا لم يمكن اقْتُصّ من الأوّل، والعين يمكن فيها القِصَاص، واللسان والجماع لا قِصَاص فيه، فوجب فيه الأَرْش، فيكون في ماله) (٢)؛ لأنّه عمدٌ محضٌ لا شبهة فيه، وإنّما تعذّر القِصَاص فصار كما يجب بعفو أحد الوليّين.
٢٤٥٤ - [فَصْل: ما يقع موقع السلاح في الجناية]
قال: وإذا آلت الضربة إلى النفس، وكانت بحديدةٍ أو خشبةٍ تقع موقع السلاح، ففيه القِصَاص، وهذا قولهم؛ لأنّ السراية [تثبت] (٣) من الجزء إلى الجملة (٤)، فكأنّ الجناية أتلفت النفس ابتداءً.
وإن كانت الضربة بشيءٍ لا يقع موقع السلاح، ففيه الدية على العاقلة؛ لأنّ السراية تَبَعٌ للجناية، فإذا وقعت على وجهٍ لا يجوز أنّ يتعلق به قِصَاص، كان كذلك سرايتها.
قال محمدٌ: وذهاب عينه في المُوْضِحة بمنزلة قطعه أُصْبعه، فسقطت يده من المفصل، فهي جنايةٌ واحدةٌ، اقتصّ من الكفّ كأنّه قطع الكفّ.
قال: وكذلك إن ضربه فقطع السبّابة، فسقطت الوسطى، فقطعهما جميعًا.
стр. 3839
ولو قطع مَفْصِلًا من السَّبَّابة، فسقطت الوسطى من الضربة، قَطَعتُ الوسطى والمَفصِل من السبّابة.
وهذا على الرواية التي رواها ابن سَمَاعة [عنه]: أنّ السراية إذا أمكن فيها القِصَاص، وجب القِصَاص في الأمرين.
٢٤٥٥ - [فَصْل: القصاص في السراية]
قال: وإنّما أقول ذلك في الشيئين المتباينين، مثل الأُصْبَع والأُصْبَع، والمُوْضِحة والعين (١)، فأمّا أُصْبَعٌ واحدةٌ، فشيءٌ واحدٌ، فلا.
وهذا إنّما يُريد به: أنّ الأُصْبَع إذا قُطِعت فشَلّت أخرى وجب القِصَاص في الأولى؛ لأنّهما في حكم الجنايتين، وإن قطع مَفْصِلًا فشَلّ (بقيّة الأُصْبَع) (٢) فلا قِصَاص؛ لأنّها جنايةٌ واحدةٌ.
قال محمدٌ: فإن قال: أنا أقطع المَفصِل وأترك ما يبس، فليس له ذلك، ألا ترى أنّه لو شجَّه مُنقِّلةً، فقال: أنا أشجّه مُوْضِحةً، ولا أريد أَرْش ما زاد، لم يكن له ذلك.
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ هذه الجناية وقعت غير موجبةٍ للقِصَاص، فلم يكن له الاقتصار على بعضها ليستوفي ما لم يثبت له حقٌّ فيه.
قال محمدٌ: وكذلك السنّ تُكْسَر فيَسْود ما بقي، فطلب أن يكسر القدر الذي كُسِر ولا يريد الأَرْش فيما بقي، فليس في شيءٍ من ذلك قِصَاصٌ؛ لأنّ الجناية
стр. 3840
تسقط القِصَاص فيها بوجوب الأَرْش بالاسوِداد، فلم يكن له المطالبة فيما لا قِصَاص فيه.
٢٤٥٦ - [فَصْل: القصاص في الموضحتين]
قال: وإن كَسَر بعض السِنّ، فسقطت، ففيها القِصَاص، وذلك بمنزلة قطع أُصبعٍ من أصابع يده، فسقطت يده، ففيه القِصَاص دون الأُصْبَع؛ لأنّها جنايةٌ واحدةٌ، وهذا على أصل محمدٍ.
فأمّا على الرواية المشهورة: فلا قِصَاص في شيءٍ من ذلك.
وقال محمدٌ: إذا ضَرَبه بعصًا فأَوْضَحه، ثم عاد فضربه أخرى إلى جنبها، ثم تآكلتا حتّى صارتا واحدةً، فهما مُوضِحتان، يُقتَصّ منه؛ وذلك لأنّ القِصَاص تعلّق بكلّ واحدةٍ من المُوضِحتين، (وما تآكل بينهما يمكن فيه القِصَاص. ومن أصل محمدٍ) (١): أنّ الجراحة التي فيها القِصَاص إذا تولّد منها ما يمكن فيه القِصَاص، اقْتُصَّ [منها] (٢) كما لو آلت إلى النفس.
فأمّا على الرواية المشهورة: فلا قِصَاص في المُوضِحتين؛ وذلك لأنّ ما تآكل فيما بينهما، تلف بسبب الجراحة، وقد بيّنا أنّ التالف بالسبب لا يتعلق به القِصَاص.
فأمّا على قول محمدٍ: فإنّ الجراحة إذا تلف بها ما يمكن القِصَاص فيها، ثبت القِصَاص [فيها] (٣)، كمن قطع أُصْبُعًا فسقطت أخرى.
стр. 3841
وقال بِشْرٌ عن أبي يوسف: في رجلٍ قطع أُصبع [رجلٍ] (١) من مَفصِل عمدًا فسقطت الكفّ والمَفصِل، فإنّ أبا حنيفة قال: لا قِصَاص في ذلك، وفيه دية الكفّ من قِبَل أنّ القطع والجناية إنّما كانت في الأُصْبع، فما حدث منها في بقيّة الكفّ فليس ذلك بالضربة بعينها، ولا بالجرح نفسه.
قال أبو يوسف: أقتصّ منه؛ لأنّ هذا من ذلك.
أمّا على قول أبي حنيفة: فقد بيّنا أنّ ما تلف بسبب الجراحة يجري مجرى التالف بالأسباب؛ لأنّ السراية لا تكون إلا فيما دون النفس، ألا ترى أنّ السراية هي اتصال الألم من الجراحة إلى القلب، (فيؤدي إلى التلف) (٢)، ويستحيل أن يتصل (٣) الألم بالقلب فتتلف الكفّ، وإذا لم يكن ذلك سرايةً، لم يجب فيها القِصَاص.
وأمّا أبو يوسف فقال: إنّ الأُصبع جزءٌ من الكفّ، والسراية تكون من الجزء إلى الجملة، كما تكون إلى النفس.
وليس هذا عنده كمن قطع أُصبَعًا فسقطت أخرى إلى جنبها؛ لأنّهما عضوان ليس أحدهما جزءًا الآخر، فلا تثبت السراية منه إليه؛ فلذلك قال: إنّ القِصَاص في الأولى دون الثانية (٤).
стр. 3842
٢٤٥٧ - [فَصْل: فيما يؤدي إذا ضرب سنًّا سقطت واسودت البقية]
قال: ولو أنّ رجلًا ضرب سنّ رجلٍ [عمدًا]، فكسر منها طائفة، وتحرّك ما بقي، فإنّ أبا حنيفة قال: تُؤَجّل حولًا، فإن سقطت أو اسودّت تمّ [عقلها] (١)، فكان فيها الأَرْش.
وقال أبو يوسف: إن سقطت ففيها القِصَاص، وإن لم تسقط واسودّت، ففيها العقل ولا قِصَاص، هذا كالأُصْبع قُطِعت، فشَلّت الكفّ.
أمّا الاستثناء في كسر السنّ، فعلى أصلنا: أنّ الجنايات فيما دون النفس يُستأنى فيها حتّى يُعلَم ما تؤول إليه، وقد دلّ على ذلك قوله ﷺ : "يُستأنى بالجراح حتّى تبرأ" (٢)، فإذا اسودّت، فلا قِصَاص في قولهم؛ لأنّ التالف جزءٌ
стр. 3843
من الجملة، فإذا اسودّ [باقيها]، فهي كما لو قطع أُصبعًا فشَلّ الكفّ (١)، (وقد بيّنا ذلك في قولهم.
وأمّا إذا سقطت السنّ فعند أبي حنيفة: لا قِصَاص؛ لأنّها لم تتلف بالسراية، ألا ترى أنّ السراية لا تكون إلى جزءٍ، وإنّما تعفّن ما بقى من السنّ بسبب الكسر، وما تلف بالسبب لا قِصَاص فيه.
فأمّا على قول أبي يوسف ومحمدٍ: فالتالف [بالجناية] إذا كان مما يجب فيه القِصَاص، اقتُصّ منه، كما لو سرى إلى النفس (٢).
٢٤٥٨ - [فَصْل: القصاص في بعض اللسان]
قال بِشْرٌ عن أبي يوسف: لا قِصَاص في بعض اللسان حتّى يُقطَع كلّه، وذكر في الأصل: أنّ [اللسان] (٣) لا يُقتصّ منه.
وجه ما في الأصل: أنّ القِصَاص في اللسان يختلف باختلاف المَدّ، ألا ترى أنّه يُجمَع ويُبسَط، فلا يمكن استيفاء المماثلة فيه، فسقط القِصَاص.
وقد قالوا جميعًا: لو قطع بعض اللسان، لم يُقتَصّ منه؛ لأنّه ليس هناك مَفصِل يُوقِع فيه القِصَاص، فلا يعلم بالمماثلة.
[وجه قول] أبي يوسف: أنّه إذا قطعه من أصله أمكنه المماثلة؛ لأنّه يقطع من أصله، وإذا قطع بعضه لم يمكن فيه المماثلة، فلم يجب القِصَاص.
стр. 3844
قال: وإن قطع المارِن، ففيه القِصَاص، فإن قطع نصف قصبة الأنف، يكن لم يكن فيه قِصَاص؛ لأنّه إذا قطع المارِن أمكن استيفاء المماثلة؛ لأنّه يضعُ السكين على ما لان من الأنف، فأمّا إذا قطع بعض القصبة، فهو عظمٌ، وقد بيّنا أنّ العظم لا قِصَاص فيه.
قال: وإن قطع الحَشَفة ففيها القِصَاص، وإن قطع بعضها فلا قِصَاص؛ لأنّه إذا قطع الحَشَفة فهناك حدٌّ يُوقِع فيه [القصاص] (١)، فتقع المماثلة، وإذا قطع بعضها أو بعض الذَّكَر، فليس هناك حدٌّ يوقع فيه القِصَاص، فصار كقطع بعض اللسان.
فأمّا إذا قطع الذَّكَر من أصله، فقد ذكر في الأصل: أنّه لا قِصَاص؛ لأنّه ينقبض وينبسط، فلا يمكن استيفاء المماثلة فيه.
وأبو يوسف يقول: إذا استوفى بالقطع أمكنه المماثلة.
وكذلك الشَّفة إن استقصاها بالقطع، ففيها القِصَاص، وإن قطع بعضها فلا قِصَاص؛ لأنّه إذا استوفاها أمكن المماثلة، وإن قطع بعضها، فليس هناك حدّ القطع.
قال، وأمّا الأذُنُ: فما قُطِع منها ففيها القِصَاص إذا كان يُستَطاع ويُعرَف، وإن قطعت كلّها ففيها القِصَاص؛ وذلك لأنّه إذا قطع جميعها أمكنت المماثلة؛ لأنّها لا تنقبض ولا تنبسط، فإن قطع بعضها وللقطع حدٌّ يعرف، أمكنت المماثلة، وإن لم يمكن سقط القِصَاص.
قال: ولا قِصَاص في العين إذا قُوِّرت، أو تفسَّخت، وإنّما فيها القِصَاص
стр. 3845
إذا كانت قائمةً وذهب ضوؤها.
أمّا إذا ذهب ضوؤها، فالقِصَاص ممكنٌ؛ لأنّه يجعل على وجهه القطن المبلول، وتحمى المرآة وتقرب من عينه حتّى يذهب ضوؤها.
وروي أنّ عليّ بن أبي طالبٍ رضوان الله عليه حكم بذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ؛ ولأنّ هذا حدث في زمان عثمان ﵁، (فسأل عنه الصحابة، فلم يكن عندهم فيه شيءٌ، حتّى جاء عليّ رضوان الله عليه فقضى بذلك، وعمل عليه عثمان (١)) (٢).
فأمَّا إذا قوّرت أو تفسّخت، فقد تعذرت المماثلة، ألا ترى أن لو قوّرناها لم يكن هناك حدٌّ لاستيفاء المماثلة، وإن أذهبنا ضوءها فلم يفعل ما فعله الجاني [فيها]، فصار كمن قطع اليد من نصف الساعد، لا يجوز أن تُقطَع يده من الزند.
وذكر ابن سَمَاعة عن محمدٍ: أنّه لا قِصَاص في اللسان، ولا في الذَّكَر إذا قطع من نصفه أو أصله، وقد بيّنا ذلك.
قال: والأذُنُ إذا قطعها، ففيها القِصَاص، وكذلك إن كان قطع بعضها معروفًا.
стр. 3846
قال أبو الحسن ﵀: أجمع أصحابنا على أنّ في الحَشَفة والمارِن القِصَاص.
وقال أبو يوسف: في الأنف والذَّكَر واللسان إذا استوعب كلّ واحدٍ منهما، إنّ فيه القِصَاص.
وقال محمد: لا قِصَاص في الأنف والذكر واللسان وإن استوعب شيئًا من ذلك، وقد بيّنا هذا.
فأما قول أبي يوسف: أنّه إذا قطع الأنف كلّه، وجب القِصَاص، وإنّما يُريد: المارِن.
وأما قصبة الأنف، فهي عظمٌ، وقد أجمعوا أنّه لا قِصَاص في العظم (١).
٢٤٥٩ - [فَصْل: القصاص في الشعور]
وقال أبو الحسن قال أبو حنيفة: لو أنّ رجلًا جزّ رأس رجلٍ، أو حلق رأسه، أو حاجبيه، أو شاربه، أو لحيته، فنبت شيءٌ من ذلك أو لم ينبت، فلا قِصَاص فيه؛ لأنّا لا نعلم أنّا إذا صنعنا مثل ما صنع الجاني، لم ينبت الشعر، فإذا تعذّرت المماثلة سقط القِصَاص.
قال: وقال أبو حنيفة: لو أنّ رجلًا قطع كفّ رجلٍ من المَفصِل، أو من المِرفَق من المَفصِل، اقتُصّ منه.
قال: وكذلك لو قطع يد رجلٍ من مَفصِل [المِرفق] (٢)، وكذلك لو قطع رِجل رَجلٍ من مَفصِل القدم، أو من مَفصِل الركبة، اقتُصّ منه.
стр. 3847
وكذلك لو قطع رِجل رَجلٍ من مَفصِل الوَرِك؛ وذلك] لأنّ هذا القطع له حدٌّ توضع السكين في مثله، فتحصل المماثلة، فوجب القِصَاص.
قال: ولو قطع بضعة من لحم فَخِذِ رجلٍ، أو من عضلة ساقه، أو من لحم عضده، أو ساعده، أو ألْيته، لم يكن في ذلك قِصَاصٌ، وفيه حكومةٌ؛ لأنّه لا يمكن المماثلة، وليس له أَرْشٌ مقدّرٌ.
قال: وإن قطع الذَّكَر من أصله، ففيه القِصَاص، وهذه الرواية من الحسن تخالف رواية محمدٍ، وهي مثل قول أبي يوسف.
قال: وليس في [اللطمة] (١)، ولا في اللكزة، ولا في الوجأة، ولا في الدفعة، ولا في الدَّقَّة قِصَاصٌ؛ لأنّ هذا ألمٌ لا جرح فيه، فحَلَّ محلَّ الألم بالكلام.
قال: وليس في لحم الخدين، ولا في لحم الظهر، ولا في البطن إذا قطع بعضه قِصَاصٌ؛ لما قدّمنا.
وكذلك الذقن؛ لأنّه عظم، [ولا في جلدة الرأس]، ولا في جلدةٍ من البدن إذا قطعت قِصَاصٌ؛ لأنّه لا يمكن استيفاء المماثلة (٢).
٢٤٦٠ - [فَصْل: اجتماع القصاص والأرش]
قال: فإن قطع مَفصِلًا من أُصْبَع رَجلٍ السبابة، ثم قطع بعد ذلك مَفصِلًا منها) (٣)، فعليه القِصَاص في المَفصِل الأول، وليس عليه قِصَاصٌ في المَفصِل
стр. 3848
الثاني، وعليه فيه الأَرْش.
وكذلك لو قطع أُصْبَع رجلٍ من أصلها، ثم قطع الكفّ التي فيها الأصبع، كان في الأُصْبَع القِصَاص، ولم يقتص منه في الكف، وكان عليه أَرْش الكف ناقصةً أصبعًا.
وكذلك لو قطع يد رجلٍ وهي صحيحةٌ، ثم قطع ساعده من المِرفَق من اليد التي فيها الكفّ، كان عليه في اليد القِصَاص، وكان عليه في الساعد أَرْش حكومة، ولم يُقتصّ من ساعده، وهذا كلّه على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه نأخذ.
قال أبو الحسن: لم يذكر الحسن أنّ الجناية الثانية كانت قبل البُرء أو بعده، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا كانت الثانية بعد برء الأولى، فهما جنايتان (١) مفترقتان، وإذا كانت قبل البرء فهي جنايةٌ واحدةٌ، [فصار] كأنّه قطعهما جميعًا، وذكر قولهما في الزيادات.
وقال: ابن سَمَاعة وعليٌّ عن أبي يوسف: كلّ جراحةٍ وجنايةٍ تكون من رجلٍ في مقامٍ واحدٍ أو مقامين، غير أنّ الأخيرة من ذلك كانت قبل بُرء الأولى، فمات المجروح من ذلك، أو من بعضه، أو من الأول، أو من الأخيرة، وذلك كلّه خطأ، فإنّ عليه ديةً واحدةً دية النفس.
وإن كان ذلك عمدًا، فإنّ في هذا القِصَاص في النفس.
[وجه قول] أبي حنيفة: أنّه لمّا قطع المَفصِل الأول، صار الثاني ناقصًا،
стр. 3849
فقد قطعه وهو ناقصٌ عن مَفصِل القاطع، ألا ترى أنّ استحقاق القِصَاص في طرف الجاني ليس بعيب، بدلالة أنّ قاطعًا آخر لو قطعه وجب عليه القِصَاص إن كان عامدًا، وكمال الأَرْش إن كان مخطئًا، فإذا لم يوجب ذلك نقصًا في طرفه، لم يجب عليه قِصَاصٌ في عضوٍ كاملٍ بقطع عضوٍ ناقصٍ.
وجه قولهما: أنّ الجنايتين إذا كانتا قبل البُرء، فكأنّهما وقعتا بضربةٍ واحدةٍ، بدلالة أنّ من قطع يد رجلٍ خطأً، ثم قتله خطأً، وجب عليه ديّةٌ واحدةٌ، فكأنّه قطع المَفصِلين معًا.
وأما إذا برأ القطع الأول، فقد استقرت الجناية وثبت حكمها، وحصل القطع الثاني مع اختلاف المَفصِلين، فلا يجب القِصَاص (١).
٢٤٦١ - [اجتماع القصاص في المَفصِل والنَّفْسِ]
قال: وكلّ جراحةٍ عمدٍ برأت وكان الموت من غيرها، فللإمام أنّ يقتصّ من ذلك المَفصِل إذا طلب الوارث ذلك، ثم النّفسُ.
وإن شاء اقتصّ من النفس وترك المَفصِل؛ لأنّهما تلفا (٢) بجنايتين استقر حكمهما، فإذا اقتصّ فيهما، فقد حصلت المماثلة.
وإن شاء يقتصر على النفس؛ لأنّ ما دونها يتلف بتلفها.
٢٤٦٢ - [فَصْل: تداخل الجنايتين في جنايةٍ واحدةٍ]
قال: ولو كانت الجنايات من رَجُلَيْن، فمات من جناية أحدهما دون الآخر،
стр. 3850
كان هذا مخالفًا لذلك، إن كان ذلك كله خطأً: فعلى صاحب النفس دية النفس، وعلى صاحب الجراحة فيما دون النفس أَرْش ذلك.
وإن كان عمدًا: فعلى صاحب النفس القِصَاص في النفس، وعلى صاحب الجناية فيما دونها القِصَاص في ذلك إن كان يُستطاع، وإن لم يُستَطع فالأَرْش.
قال أبو يوسف: والرجل الواحد في هذا مخالفٌ للاثنين (١)؛ وذلك لأنّ جناية الاثنين يختلف حكمها، فصارت كالجنسين من الحقّ، فلا يثبت فيه التداخل، وجناية الواحد جنسٌ واحدٌ لاتفاق حكمها، فإذا لم تستقر الأولى، فكأنّ التلف حصل بجنايةٍ واحدةٍ.
فأمَّا إذا استقرت الأولى بالبُرء، فحكم جناية الواحد والاثنين سواءٌ؛ لأنّه لم يقف حكم الأولى على الثانية، فصار كجناية الواحد التي لا تقف على غيره.
وأما إذا جنى الواحد جنايةً خطأً، ثم قبل البُرء جنى جنايةً عمدًا، أو الأولى عمدًا والثانية خطأً، قضى عليه بالنفس إن كانت هي العمد بالقِصَاص، (وإن كانت هي الخطأ بالأَرْش، ويقضى عليه بالجراحة إن كانت هي الخطأ بالأَرْش، وإن كانت هي العمد بالقِصَاص) (٢)؛ وذلك لأنّ العمد والخطأ حكمهما مختلفٌ، فلم يقع التداخل بينهما كالحقوق المختلفة، فاستوى فيها استقرار الجراحة الأولى وعدم استقرارها.
قال: وإذا تعمّد الرجل ضرب موضعٍ من جسد إنسان، فأخطأ ووقع في غير
стр. 3851
الموضع الذي عمده بالضربة، فمات، فعليه القِصَاص؛ وذلك لأنّ القِصَاص يتعلق باعتماد الضرب، فلا فرق بين أن تقع الضربة في الموضع الذي اعتمده أو في غيره، إذا كان الضرب في الموضعين جميعًا يوجب حكمًا واحدًا (١).
стр. 3852
بَاب في الجوارحِ الناقصةِ
قال ابن سَمَاعة عن محمدٍ في نوادره: قال أبو حنيفة: كلّ شيءٍ فيه أَرْشٌ، فإن كان فيه ضَعفٌ بعد أن لا يكون يابسًا فَقطعَه رَجلٌ، كان فيه قِصَاصٌ، بمنزلة أُصْبَعٍ قد ذهب منها المَفصِل الأول، فإن قطع رَجلٌ المَفصِل الثاني، فإنّ عليه ثلث الألف، لا ينقص من ذلك شيءٌ.
وإن كانت الأُصْبَع ضعيفةً ليست بيابسةٍ، بمنزلة يدٍ ضعيفةٍ بيدٍ شديدةٍ، ولو كان ذلك القاطع قد ذهب بالمَفصِل الأعلى من أصبعه أيضًا، وهي أُصْبَعٌ واحدةٌ، كان للمجني عليه القِصَاص في أُصْبَع الجاني؛ وذلك لأنّ المفصل إذا لم ينقص أَرْشه بالجناية، لم يعتدّ بضعفه، وصار كالناقص في أصل الخِلقة، أنّ المَفصِل القويّ يُقطَع به.
يبيّن ذلك: أنّ اليد إذا جُرحَت فضعفت بالجراحة فلم تبرأ، فعقلها تامٌّ، والقِصَاص واجبٌ على من قطعها، وإن كانت يده قويةً، فكأنّه قطع يدًا ضعيفة في الخلقة، أنّ يده تُقطع وإن كانت قويةً.
٢٤٦٣ - : [فَصْل: فيما ليس له أرشٌ مقدرٌ]
قال: وكلّ شيءٍ منها ليس فيه أَرْشٌ معلومٌ، فإنّما فيه حكمٌ [كقطع] رجلٍ ذلك من رجلٍ، والقاطع على مثل حاله، فلا قِصَاص فيه، وهذا كمن قُطعَت يده
стр. 3853
اليمنى من الزند، وقُطِع ساعده من المِرفَق (١)، فلا قِصَاص على القاطع في ساعده.
وقال أبو يوسف: انظر في هَذا، فإن كانا سواءً، اقتصصتُ [منه، وإن لم يكونا سواءً لم أقتصّ.
وقال بِشرٌ في نوادره: عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في يدٍ فيها أُصبَعٌ زائدةٌ، قطع رجلٌ الكفّ عمدًا، وفي يد القاطع زائدةٌ مثل ذلك، قال: قال أبو حنيفة: لا قصاص، وفيها حكومة عدلٍ، وكذلك قطع أحدهما ساعد الآخر.
وقال أبو يوسف: إن كانا سواءً اقتصصت] (٢) في الوجهين.
وجه قول أبي حنيفة ومحمدٍ: أنّ قطع الكفّ يوجب وهن الساعد وضعفه، وليس له أَرْشٌ مقدّرٌ، فلا تُعلم المماثلة بين الساعدين إلا بالحزر والظن، وذلك لا يوجب القِصَاص، فأمّا الكفّ التي فيها أُصْبَعٌ زائدةٌ، فذلك نقصٌ فيها وعيبٌ، وهو نقصٌ يُعلَم بالحزر والظن، فمنع ذلك من جريان القِصَاص.
وليس هذا كالمَفصِل الأوسط من الأُصبع؛ لأنّ وهذه بالقطع لم يوجب نقصان أَرْشه، فلم يمنع من وجوب القِصَاص فيه.
[وجه قول] أبي يوسف أنّ المماثلة في القطع ممكنةٌ من المَفصِل، فإذا كانا سواءً في القوّة، صارا كالعضوين الصحيحين (٣).
стр. 3854
٢٤٦٤ - [فَصْل: الأصبع الزائدة في القصاص بمثلها]
قال: ومن قطع أصبعًا زائدةً وفي يده مثلها، فلا قِصَاص عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأنّ الأُصْبَع الزائدة تجري مجرى الثؤلول والسلعة (١)، ومعلومٌ أنّ من قطع ذلك لم يجب عليه قِصَاصٌ، فكذلك هذا.
وكذلك روى الحسن عن أبي حنيفة في الأقطعين والأشلّين: أنّه لا قِصَاص بينهما، كانت يد الذي قطعت يده أقلّهما شللًا أو أكثر أو هما سواءٌ، وهو قول أبي يوسف.
وقال زفر: إن كانا سواءً، ففيهما القِصَاص، وإن كانت المقطوعة يده أقلّهما شللًا، كان بالخيار: إن شاء قَطْعَ يد القاطع وهي أنقصُهما، قَطَعَ، وإن شاء أن يُضَمّنه أَرْش يده شلاء، وإن كانت يد المقطوعة يده أكثر منها شللًا، فلا قِصَاص، وله أَرْش يده، وهذا قد بيّناه في الأقطعَين.
فأمَّا الأشلَّين، فالنقص في يديهما أوجب اختلاف أرشيهما، فصارا كالساعدين، وقد ذكر الحسن قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، فيحصل عنه روايتان.
وذكر قول زفر مثل الرواية الأولى عن أبي يوسف، قال: وكذلك روى الحسن عن أبي حنيفة في مقطوع الإبهام من يده اليمنى أو أصابعها كلها، قطع يمين رجلٍ وهو مقطوع الإبهام من يده (اليمنى، أو مَفصِل من يده اليمنى) (٢)، أو مَفصِل من إبهامه، لم يكن بينهما قِصَاصٌ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
стр. 3855
وقال زفر: انظر في ذلك على ما تقدّم، وهذا على ما قدّمنا؛ لأنّ قطع الإبهام يوهن الكفّ ويُسقِط تقدير أَرْشها.
قال أبو الحسن: وإذا قطع أشلٌّ صحيحًا، أو أُشِلّ القاطع بعد القطع، فالمجني عليه بالخيار: إن شاء قطع يد الأشلّ ولا شيء له غير ذلك، وإن شاء ترك وأخذ دية يده صحيحةً (إذا كانت شلاء قبل القطع.
وإن شُلَّتْ بعد القطع: فإن شاء قطع، وإن شاء ترك ولا شيء له غير القِصَاص؛ وذلك لأنّ الأشل إذا قطع الصحيح، فإنّ المقطوع لا يقدر على استيفاء حقّه من جنسه بكماله؛ لأنّ حقّه في يدٍ صحيحة) (١)، فكان بالخيار: بين أخذ المثل مع العيب، أو الانتقال إلى العوض كالمُتلَفات.
وأما إذا كانت يد القاطع صحيحةً ثم شُلَّتْ بعد القطع، فلا حقّ للمقطوع في الأَرْش؛ لأنّ حقه يثبت ابتداءً من غير خيارٍ، فلو ذهبت اليد بآفةٍ من السماء سقط حقه، ولم ينتقل إلى الأَرْش، فكذلك إذا انتقصت بآفةٍ من السماء.
٢٤٦٥ - [فَصْل: سقوط القصاص بذهاب الحق]
قال: فإن قُطِعت يد القاطع بغير حقٍّ، بطل حقّ الأول، وإن قُطِعت في قِصَاصٍ أو سرقةٍ، ضمن دية المقطوع يده.
وهذا على ما بيّناه: أنّ اليد التي تعلق بها القِصَاص إذا ذهبت بغير حقٍّ، سقط القِصَاص، وإن ذهبت بحقٍّ، انتقل الحقّ إلى الأَرْش، ألا ترى أنّه أسقط بها حقًّا عن نفسه وهو القِصَاص وضمان المسروق، فكأنّه قضى دينه بما تعلّق