← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

الموضع الذي عمده بالضربة، فمات، فعليه القِصَاص؛ وذلك لأنّ القِصَاص يتعلق باعتماد الضرب، فلا فرق بين أن تقع الضربة في الموضع الذي اعتمده أو في غيره، إذا كان الضرب في الموضعين جميعًا يوجب حكمًا واحدًا (١).

стр. 3852

بَاب في الجوارحِ الناقصةِ قال ابن سَمَاعة عن محمدٍ في نوادره: قال أبو حنيفة: كلّ شيءٍ فيه أَرْشٌ، فإن كان فيه ضَعفٌ بعد أن لا يكون يابسًا فَقطعَه رَجلٌ، كان فيه قِصَاصٌ، بمنزلة أُصْبَعٍ قد ذهب منها المَفصِل الأول، فإن قطع رَجلٌ المَفصِل الثاني، فإنّ عليه ثلث الألف، لا ينقص من ذلك شيءٌ. وإن كانت الأُصْبَع ضعيفةً ليست بيابسةٍ، بمنزلة يدٍ ضعيفةٍ بيدٍ شديدةٍ، ولو كان ذلك القاطع قد ذهب بالمَفصِل الأعلى من أصبعه أيضًا، وهي أُصْبَعٌ واحدةٌ، كان للمجني عليه القِصَاص في أُصْبَع الجاني؛ وذلك لأنّ المفصل إذا لم ينقص أَرْشه بالجناية، لم يعتدّ بضعفه، وصار كالناقص في أصل الخِلقة، أنّ المَفصِل القويّ يُقطَع به. يبيّن ذلك: أنّ اليد إذا جُرحَت فضعفت بالجراحة فلم تبرأ، فعقلها تامٌّ، والقِصَاص واجبٌ على من قطعها، وإن كانت يده قويةً، فكأنّه قطع يدًا ضعيفة في الخلقة، أنّ يده تُقطع وإن كانت قويةً. ٢٤٦٣ - : [فَصْل: فيما ليس له أرشٌ مقدرٌ] قال: وكلّ شيءٍ منها ليس فيه أَرْشٌ معلومٌ، فإنّما فيه حكمٌ [كقطع] رجلٍ ذلك من رجلٍ، والقاطع على مثل حاله، فلا قِصَاص فيه، وهذا كمن قُطعَت يده

стр. 3853

اليمنى من الزند، وقُطِع ساعده من المِرفَق (١)، فلا قِصَاص على القاطع في ساعده. وقال أبو يوسف: انظر في هَذا، فإن كانا سواءً، اقتصصتُ [منه، وإن لم يكونا سواءً لم أقتصّ. وقال بِشرٌ في نوادره: عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في يدٍ فيها أُصبَعٌ زائدةٌ، قطع رجلٌ الكفّ عمدًا، وفي يد القاطع زائدةٌ مثل ذلك، قال: قال أبو حنيفة: لا قصاص، وفيها حكومة عدلٍ، وكذلك قطع أحدهما ساعد الآخر. وقال أبو يوسف: إن كانا سواءً اقتصصت] (٢) في الوجهين. وجه قول أبي حنيفة ومحمدٍ: أنّ قطع الكفّ يوجب وهن الساعد وضعفه، وليس له أَرْشٌ مقدّرٌ، فلا تُعلم المماثلة بين الساعدين إلا بالحزر والظن، وذلك لا يوجب القِصَاص، فأمّا الكفّ التي فيها أُصْبَعٌ زائدةٌ، فذلك نقصٌ فيها وعيبٌ، وهو نقصٌ يُعلَم بالحزر والظن، فمنع ذلك من جريان القِصَاص. وليس هذا كالمَفصِل الأوسط من الأُصبع؛ لأنّ وهذه بالقطع لم يوجب نقصان أَرْشه، فلم يمنع من وجوب القِصَاص فيه. [وجه قول] أبي يوسف أنّ المماثلة في القطع ممكنةٌ من المَفصِل، فإذا كانا سواءً في القوّة، صارا كالعضوين الصحيحين (٣).

стр. 3854

٢٤٦٤ - [فَصْل: الأصبع الزائدة في القصاص بمثلها] قال: ومن قطع أصبعًا زائدةً وفي يده مثلها، فلا قِصَاص عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأنّ الأُصْبَع الزائدة تجري مجرى الثؤلول والسلعة (١)، ومعلومٌ أنّ من قطع ذلك لم يجب عليه قِصَاصٌ، فكذلك هذا. وكذلك روى الحسن عن أبي حنيفة في الأقطعين والأشلّين: أنّه لا قِصَاص بينهما، كانت يد الذي قطعت يده أقلّهما شللًا أو أكثر أو هما سواءٌ، وهو قول أبي يوسف. وقال زفر: إن كانا سواءً، ففيهما القِصَاص، وإن كانت المقطوعة يده أقلّهما شللًا، كان بالخيار: إن شاء قَطْعَ يد القاطع وهي أنقصُهما، قَطَعَ، وإن شاء أن يُضَمّنه أَرْش يده شلاء، وإن كانت يد المقطوعة يده أكثر منها شللًا، فلا قِصَاص، وله أَرْش يده، وهذا قد بيّناه في الأقطعَين. فأمَّا الأشلَّين، فالنقص في يديهما أوجب اختلاف أرشيهما، فصارا كالساعدين، وقد ذكر الحسن قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، فيحصل عنه روايتان. وذكر قول زفر مثل الرواية الأولى عن أبي يوسف، قال: وكذلك روى الحسن عن أبي حنيفة في مقطوع الإبهام من يده اليمنى أو أصابعها كلها، قطع يمين رجلٍ وهو مقطوع الإبهام من يده (اليمنى، أو مَفصِل من يده اليمنى) (٢)، أو مَفصِل من إبهامه، لم يكن بينهما قِصَاصٌ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 3855

وقال زفر: انظر في ذلك على ما تقدّم، وهذا على ما قدّمنا؛ لأنّ قطع الإبهام يوهن الكفّ ويُسقِط تقدير أَرْشها. قال أبو الحسن: وإذا قطع أشلٌّ صحيحًا، أو أُشِلّ القاطع بعد القطع، فالمجني عليه بالخيار: إن شاء قطع يد الأشلّ ولا شيء له غير ذلك، وإن شاء ترك وأخذ دية يده صحيحةً (إذا كانت شلاء قبل القطع. وإن شُلَّتْ بعد القطع: فإن شاء قطع، وإن شاء ترك ولا شيء له غير القِصَاص؛ وذلك لأنّ الأشل إذا قطع الصحيح، فإنّ المقطوع لا يقدر على استيفاء حقّه من جنسه بكماله؛ لأنّ حقّه في يدٍ صحيحة) (١)، فكان بالخيار: بين أخذ المثل مع العيب، أو الانتقال إلى العوض كالمُتلَفات. وأما إذا كانت يد القاطع صحيحةً ثم شُلَّتْ بعد القطع، فلا حقّ للمقطوع في الأَرْش؛ لأنّ حقه يثبت ابتداءً من غير خيارٍ، فلو ذهبت اليد بآفةٍ من السماء سقط حقه، ولم ينتقل إلى الأَرْش، فكذلك إذا انتقصت بآفةٍ من السماء. ٢٤٦٥ - [فَصْل: سقوط القصاص بذهاب الحق] قال: فإن قُطِعت يد القاطع بغير حقٍّ، بطل حقّ الأول، وإن قُطِعت في قِصَاصٍ أو سرقةٍ، ضمن دية المقطوع يده. وهذا على ما بيّناه: أنّ اليد التي تعلق بها القِصَاص إذا ذهبت بغير حقٍّ، سقط القِصَاص، وإن ذهبت بحقٍّ، انتقل الحقّ إلى الأَرْش، ألا ترى أنّه أسقط بها حقًّا عن نفسه وهو القِصَاص وضمان المسروق، فكأنّه قضى دينه بما تعلّق

стр. 3856

به حقّ غيره. [وعن أبي يوسف: فيمن فقأ عين أحولٍ: لا قصاص عليه، لأنّ الحَوَل [نقص في العين] (١)، والمماثلة معتبرةٌ فيما دون النفس] (٢) (٣). ٢٤٦٦ - [فَصْل: القصاص فيما إذا قطع يمين رجلين] قال [أبو الحسن]: وإذا قطع الرجل يمين رجلين، فإنّ لهما أن يقطعا يده (٤) بأيديهما ويأخذا منه دية يدٍ بينهما نصفين. وقال الشافعي: تقطع يده للأول، وللثاني الأَرْش (٥) لنا: أنّ حق كلّ واحدٍ منهما ثبت في اليد بأسبابٍ متساويةٍ، فلم يُقدّم أحدهما على الآخر، كالشفيعين. ولا يقال: إنّ حقّ الأول تعلّق باليد، فإذا قطع الثانية لم يتعلّق حقّ الثاني (٦) بما تعلّق به حقّ الأول (٧)، وصار كالرهن، أنّ حقَّ الغرماء لا يتعلّق به؛ وذلك لأنّ تعلّق القِصَاص باليد يثبت حكمًا بغير، تعليق، فيصير كالدَّينين في الصحة أو في المرض، أنّهما يتعلّقان بالمال على وجهٍ واحدٍ وإن تقدّم أحدهما الآخر.

стр. 3857

وإنّما يُقضَى لهما بدية يدٍ (١)؛ لأنّ ما دون النفس يُعتَبر فيه المماثلة، وهو مّما يتبعّض بالإتلاف، فكلّ واحدٍ منهما إنّما استوفى بعض اليد [من طريق الحكم] (٢)، وصار القاطع قاضيًا ببعضها حقًّا عليه، فضمنه [من طريق الحكم] (٣) في حقّ الآخر. وليس هذا كالرجل يقتل رجلين، [فيقال] ((٤) لوليهما: إنّه لا دية لهما؛ لأنّ النفس لا يُعتَبر فيها المماثلة؛ ولأنّ إتلاف الروح لا يتبعّض [بوجهٍ]، فيصير كلّ واحدٍ منهما كالمستوفي لجميعه. ولأنّه لمّا [سَلَّم] (٥) يده لهما، فقد قضى بعض دَيْن كلّ واحدٍ منهما بما تعلّق به حقّ الآخر، فصار مضمونًا عليه، وهو من أهل الضمان المبتدأ بعد القطع؛ فلذلك لزمه الضمان. فأمَّا القتل، فإذا سلّم نفسه إليهما، فقد قضى حقّ كلّ واحدٍ منهما بما تعلّق به حقّ الآخر، إلا أنّه ممّن لا يلزمه الضمان المبتدأ في تلك الحال؛ لأنّ الميت لا يبتدأ بضمانٍ لم يكن؛ فلذلك لم يلزمه ضمانٌ. ٢٤٦٧ - [فَصْل: اقتصاص الحاضر والغائب من الجاني] قال: وأيّهما حضر والآخر غائب، فله أنّ يقتصّ ولا ينتظر الغائب، ويكون

стр. 3858

للآخر دية يده؛ وذلك لأنّ حقّ كلّ واحدٍ منهما ثبت في جميع اليد، وإنّما سقط حقّه عن بعضها بالمزاحمة، فإذا غاب الآخر فلا مزاحم للحاضر، ولا يجوز أن يسقط حقه من القِصَاصِ لِحق الغائب، ويجوز أن يحضر فيطالب، ويجوز أن يُبرِئ. وعلى هذا قالوا في الشفيعين: إذا حضر أحدهما قُضِي له بالجميع؛ لأنّه لا مزاحم له في الحال، فلا يجوز أن يسقط حقّه عن بعض الشُّفعة لحقّ الغائب، ويجوز أن يحضر فيطالب، ويجوز أن يحضر فلا يطالب. قال: وأمّا قوله: إنّ للآخر دِيَّة يده؛ فلأنّ القاضي (لمَّا قضى بها للأوّل، لم يجز أن يُسقِط حقّ الثاني، وإنّما ينقله إلى عوضٍ (١). ٢٤٦٨ - : [فَصْل: إعفاء أحد الوليين عن القصاص] قال: وإن عفا أحدهما) (٢) بطل حقّه، وكان للآخر القِصَاص؛ وذلك لأنّ حقّ كلّ واحدٍ منهما ثبت في جميع اليد، وإنّما ينقص بالمزاحمة، فإذا زالت بالعفو، بقي حقّ الآخر بحاله، كالشفيعين والغريمين. ٢٤٦٩ - [فَصْل: تعدي أحدهما على الجاني بقطع يده] قال: وكذلك لو عدا أحدهما على القاطع فقطع يده، فقد استوفى القِصَاص، وللآخر الدية؛ وذلك لأنّه استوفى ما تعلّق حقّه به، ولا يمكن فسخ الاستيفاء، فانتقل حقّ الآخر إلى الدية. وأما إذا قضى القاضي بالقِصَاص بينهما نصفين (وبدية اليد بينهما

стр. 3859

نصفين)، ثم عفا أحدهما، فللآخر أن يستوفي القصاص. قال محمدٌ: إذا قضى القاضي بالقِصَاص في اليد بينهما نصفين، وبدِيَةِ اليد بينهما نصفين) (١)، ثم عفا أحدهما، بطل القصاص. وجه قولهما: أنّ القاضي إذا قضى بالقِصَاص بينهما، فلم يسقط حقّ كلّ واحدٍ منهما عن القِصَاص؛ لاستحالة أن يُقَدّم إسقاط الحقّ قبل سلامة البدل، فإذا لم يسقط حقّ كلّ واحدٍ منهما، صار عفو الآخر بعد القضاء كعفوه قبله، وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنّ حكم الحدّ موقوفٌ بعد القضاء على الاستيفاء، حتّى لو رجع شاهدٌ، صار كرجوعه قبله في وجوب الحدّ على الباقين (٢). [وجه قول] محمدٍ: أنّ القاضي لما قضى لهما بالدِّيَة، فقد ملّكهما [ذلك]، ونقل حقّهما إلى العوض، فيستحيل أن يبقى في المعوض، فصار مسقطًا لحقّ كلّ واحدٍ منهما عن نصف اليد، فلا يثبت القِصَاص بعد العفو. واستشهد محمدٌ بالشفيعين إذا قضى بالشُّفْعة بينهما، ثم أسقط أحدهما حقّه، لم يكن للآخر إلا النصف، ولو أسقط حقّه قبل القضاء ثبت حقّ الآخر في الجميع. وكذلك المدعيين لشراء عينٍ من واحدٍ، [إذا] أقاما البيّنة، فقضى القاضي بها بينهما، فاختار أحدهما الترك، لم يكن للآخر إلا النصف، ولو اختار قبل القضاء كان للآخر الجميع.

стр. 3860

وأما إذا قضى القاضي بالدِّيَةِ بينهما، فقبضاها، ثم عفا أحدهما، لم يكن للآخر القِصَاص؛ لأنّهما [لمّا] قبضا البدل، ثم ملّكهما فيه، فاستحال أن يبقى [حق] في المبدل، فسقط (١) حقّ كلّ واحدٍ منهما عن نصف اليد، فإذا عفا، لم يكن للآخر القِصَاص. وكذلك لو أخذا بالدِّيَةِ رهنًا؛ لأنّ الرهن كان للوثيقة بالدين (٢)، ألا ترى أنّه إذا هلك سقط الدين، فصار قبضهما الرهن كقبضهما للدين. وأمّا إذا أخذا بالدية كفيلًا، ثم عفا، أحدهما، فللآخر القِصَاص؛ وذلك لأنّ الكفالة لم تجر مجرى الاستيفاء، وإنّما هو توثّقٌ بالدية، فصار ثبوت الحقّ في الذمة الثانية كثبوته في الأولى. ٢٤٧٠ - : [فَصْل: قطع أصبع من رجل ثم قطع يد آخر] قال: وإذا قطع رجلٌ أُصْبَع رجل من مَفصِلٍ، ثم قطع يد آخر، أو بدأ باليد ثم قطع الأُصبَع، وذلك كلّه في اليمين، ثم اجتمعا، فإنّه يقطع أُصبعه بأُصْبَع هذا، ثم يخيّر صاحب اليد: فإن شاء قطع ما بقي، وإن شاء أخذ بدل اليد من مال القاطع؛ وذلك لأنّ حقّ صاحب اليد تعلّق باليد، وحقّ الآخر تعلّق بالأُصبَع، فلو بدأ القاضي بالقِصَاص في اليد، سقط حقّ صاحب الأُصبَع. ولو بدأ بالأًصْبَع لم يسقط حقّ الآخر؛ لأنّه يتمكن من القِصَاص في بعض حقّه، فكان تبقية (٣) حقّ أحدهما واستيفاء حقّ الآخر أولى من استيفاء أحدهما

стр. 3861

وإسقاط الآخر، ثمّ قد صارت الكفّ معيبةً بقطع الأُصبَع، فكان الآخر بالخيار على ما قدّمنا. ٢٤٧١ - [فَصْل: تقدُّمُ صاحب اليد على صاحب الأصبع في القصاص] قال: وإن جاء صاحب اليد قبل صاحب الأُصبَع، قُطعَت له اليد، فإن جاء صاحب الأُصْبَع بعد ذلك، أخذ الأَرْش؛ لأنّ حقّ صاحب اليد ثابتٌ، فلا يجوز أنّ يُؤخّر لحقّ الغائب، ويجوز أن يحضر فيطالب، ويجوز أنّ لا يطالب. ٢٤٧٢ - [فَصْل: قطع الإبهام من أفراد متعددين] قال: ولو قطع أُصْبَع رجل من مَفصِلٍ، ثم قطع أُصْبَع آخر من مفصلين، ثم قطع أُصْبَع آخر كلّها، وذلك كلّه في أُصْبَع واحدٍ، ثم اجتمعوا جميعًا، قُطِع منه المَفصِل الأعلى لصاحب الأعلى. ثم يخيّر صاحب المفصلين: فإن شاء قُطِع له الأوسط (١) بحقّه كلّه، وإن شاء أخذ ثلثي دية أُصبَعه من ماله. ثم يخيّر صاحب الأُصْبَع: فإن شاء أخذ ما بقي بأُصبَعه، وإن شاء أخذ ديّة أُصبَعه من مال (٢) الذي قطعها. وهذا على ما قدمنا: أنّ حقّ كلّ واحدٍ منهم [يثبت] في مثل ما قُطِع منه، فوجب أن يبتدئ [القاضي] (٣) بما لا يُسقِط حقّ بعضهم، ثم يُخيّر الباقين للعيب

стр. 3862

الحادث بالطَّرَف. قال: ولو قطع من رجلٍ يمينه، ومن آخر يساره، قُطِعت يمينه لصاحب اليمين، ويساره لصاحب اليسار؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ ولأنّه يمكن استيفاء المماثلة لهما. ولا يقال: إنّ القاطع لم يبطل جنس منفعة أحدهما، فلا يجوز أن نبطل جنس منفعته؛ لأنّ القِصَاص يجوز أن يبطل به المنافع، وإنّما لا يجوز ذلك في السرقة. ٢٤٧٣ - [فَصْل: اجتماع قطع يدين لرجلين] قال: ولو قطع كفَّ رجلٍ من مَفصِل، ثم قطع يد آخر من المِرفَق، ثم اجتمعا، فإنّ الكف يُقطَع لصاحب الكفّ، ثمّ يخيّر صاحب المِرفَق: فإن شاء قطع ما بقي بحقّه كلّه، وإن شاء أخذ الأَرْش، ولا أبالي بأيّهما يبدأ، وهذا على ما قدّمنا. قال: وإذا شجّ الرجلُ الرجلَ شجَّةً مُوْضِحةً، فَأَخَذَت ما بين قرني المشجوج، وهي لا تأخذ ما بين قرني الشاجّ، فإنّ المشجوج يخيّر: فإن شاء اقتُصّ له فيبتدئ من أي الجانبين شاء حتّى يبلغ مقدارها في طولها إلى حيث يبلغ، ثم يكفّ. وإذا كانت الشَّجَّة [ما] بين قرني المشجوج، وهي تأخذ ما بين قرني الشاجّ (وتفضل، فإنّه يخيّر المشجوج أيضًا: فإن شاء أخذ الأَرْش، وإن شاء اقتصصت

стр. 3863

له ما بين قرني الشاجّ) (١) لا أزيد على ذلك شيئًا. وإذا كانت الشَّجّة في طول رأس المشجوج، وهي تأخذ من جبهته إلى قفاه، ولا تبلغ قفا الشاجّ، فهو بالخيار: إن شاء اقتصصت بمثل طولها إلى حيث تبلغ، وإن شاء أخذ الأَرْش. وحكى الطحاويّ عن عليّ بن العباس الرازي أنّه قال في [هذه] المسائل: إذا كانت الشَّجّة لا تستغرق ما بين قرني الشاجّ لكبر رأسه، وقد استغرقت ما بين قرني المشجوج لصغر رأسه، اقتصصت ما بين قرنيه وإن زاد على طول الشَّجّة. وجه قول أصحابنا: أنّ الشَّجّة يثبت حكمها للشَّيْن الذي يلحق بها، ومعلومٌ أنّ الشَّيْن يزيد بزيادة طولها، أو باستيعابها (٢) ما بين القرنين، فإذا كان المشجوج صغير الرأس فَسَدّت الشَّجّة ما بين قرنيه، لم يجز أن يستوفي ما بين قرني الشاجّ وهو أكبر من ذلك؛ لأنّ طول الشَّجّة فيه زيادة شَيْنٍ، ولم يكن بدٌّ من إثبات القِصَاص بقدرها، ولصاحب القِصَاص أن يبتدئ من أيّ الجانبين شاء؛ لثبوت حقّه فيهما، وله أن ينتقل إلى الأَرْش؛ لأنّ هذه الشَّجَّة لا تلحق بالشاجّ من الشَّيْن ما يلحق المشجوج؛ لأنها تبقى قطعةً من جهته، فصار كالعيب في محلّ القِصَاص، فإن شاء استوفاه بعينه، وإن شاء انتقل إلى الأَرْش. وأمّا إذا كان ما بين قرني الشاجّ أقلّ ممّا بين قرني المشجوج، فلا يمكن أن يستوفي ما بين قرنيه وزيادةً؛ لأنّ في ذلك زيادة شَيْنٍ، فكان المشجوج بالخيار: إن شاء اقتصر على ما بين القرنين، وإن شاء انتقل إلى الأَرْش.

стр. 3864

وجه ما قاله أبو العباس (١): أنّ [القصاص] يُستوفَى بين (٢) العضوين وإن كان أحدهما أكبر من الآخر، كاليد الكبيرة بالصغيرة، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ المقصود باليد المنفعة، وقد تكون منفعة اليد الصغيرة أكبر من منفعة الكبيرة، والمقصود من الشِّجاج الشَّيْن، ولزيادة الشَّجّة تأثيرٌ في زيادة الشين (٣). ٢٤٧٤ - [فَصْل: جناية رجلين على رجل فيما دون النفس] قال: وإن جنى رجلان على رجلٍ جنايةً فيما دون النفس مما يجب على الواحد فيها القِصَاص لو كان انفرد بها، فلا قِصَاص عليهما، قطعا يده أو رجله، أو قلعا سنًّا، أو كائنًا ما كان من الجوارح التي يجب على الواحد فيها القِصَاص، فلا قِصَاص عليهما، وعليهما الأَرْش نصفان، وكذلك ما زاد على ذلك من العدد، فهو بمنزلة هذا لا قصاص عليهم، وعليهم الأَرْش على عددهم بالسواء. وقال الشافعي: يجب القِصَاص على القاطعين وإن كثروا (٤). لنا: أنّه إتلافٌ لما يتبَعّض، فإذا اشترك فيه الجماعة، لزم كلّ واحدٍ منهم بقدر قسطه كالمال. ولأنّ ما دون النفس يُعتَبر فيه المماثلة، واليدان ليستا مِثْلًا ليدٍ (٥) واحدةٍ، فلا يجوز أن يستوفيا بها.

стр. 3865

ولأنّ كلّ واحدٍ منهما متلفٌ لبعض اليد، فكأنّه وضع السكين من جانبٍ، ووضع الآخر من جانبٍ آخر، ثم اعتمدا حتّى التقت السكينان، لم يجب القِصَاص بالاتفاق. وليس هذا كقتل الاثنين للواحد؛ لأنّ القياس يقتضي ألّا يُقتلا، وإنّما تركنا القياس للأثر؛ ولأنّ خروج النفس لا يتبعّض، فصار (١) كلّ واحدٍ منهما كالمتلف لجميعها.

стр. 3866

بَاب من يستحقُّ القصاص قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا قتل الرجلُ رجلًا قتلًا يوجب القِصَاص، استحقّ دمه من يَستحق ماله على فرائض الله ، ذَكَرَهُمْ وأنثاهم، والعَصَبَة منهم وغير العَصَبَة سواءٌ، والحقّ لهم في ذلك جميعًا، يدخل في ذلك الزوج والزوجة أيضًا؛ وذلك لأنّ القِصَاص أحد بدلي النفس، فانقسم بين الورثة كالدِّيَة. والدليل على أنّ الدِّيَةَ بين الورثة: أنّها مالٌ للميِّت، تُقضَى منها ديونه، وتنفذ منها سائر (١) وصاياه كسائر أمواله. وأمّا الزوج والزوجة، فإنّهما يرثان من الدية. وقال مالكُ: لا يرثان (٢). وقد كان عمر ﵁ يقول ذلك حتّى شهد عنده الضحَّاك بن سفيان الكلابي، قال: كنت على بني كلابٍ، فورد عليّ كتاب رسول الله ﷺ : "أَنْ أُوَرِّثَ امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم"، فرجع عمر بن الخطاب إلى قوله (٣)، وعن عليٍّ رضوان الله عليه أنّه قال: "الدية لمن أحرز الميراث" (٤)؛ ولأنّها مالٌ للميت

стр. 3867

كسائر أمواله. وإذا ثبت أنّ الزوج والزوجة يرثان الدية، فكذلك القِصَاص؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما بدلٌ عن النفس. ٢٤٧٥ - [فَصْل: في استيفاء البعض القصاص دون بعض] قال: وليس لبعضهم أن يقتصّ دون بعضٍ حتّى يجتمعوا؛ وذلك لأنّه حقٌّ مشتركٌ بين جماعةٍ لا يولي على بعضهم، فلا يجوز لأحدهم أن ينفرد باستيفائه كالدية. ٢٤٧٦ - [فَصْل: الوكالة في استيفاء القصاص] قال: وليس لهم ولا لأحدهم أن يوكّل في القِصَاص من يقوم مقامه فيه. وقال الشافعي: يجوز التوكيل باستيفاء القِصَاص (١). لنا: أنّ الوكيل لو استوفى مع غيبة الموكّل، استوفى مع الشبهة، لجواز أن يكون الموكّل قد عفا، ولا يجوز استيفاء القِصَاص مع الشبهة. ولا يلزم إذا وكّله وهو حاضرٌ؛ لأنّه لا شبهة في الاستيفاء، ألا ترى أنّه لو عفا لأظهر العفو؛ ولأنّ ذلك إنّما جاز (٢) للضرورة، ألا ترى أنّ كلّ واحدٍ لا يحسن استيفاء القِصَاص، فلو (٣) لم يجز له أن يقيم [غيره] مقامه، بطل حقّه، وهذا لا يوجد مع الغيبة.

стр. 3868

٢٤٧٧ - [فَصْل: استيفاء الأبناء الكبار القصاص قبل بلوغ الصغار] وقال أبو حنيفة: إذا قُتِل الرجل وله ولدٌ صغارٌ وكبارٌ، فللكبار من ولده أن يَقْتُلُوا قبل بلوغ الصغار. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ليس للكبار [أن يَقْتَصُّوا] حتّى يبلغ الصغار. وكان أبو بكر الرازي ﵀ يقول: محمدٌ مع أبي حنيفة. [وجه قول] أبي حنيفة: ما روي أنّ الحسن ﵇، اقْتَصَّ من ابن ملجم وفي ورثة عليّ ﵇ صغارٌ، وقد أوصى إليه عليّ ﵇ بذلك، وقال: "اِضْرِبْهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً" (١)، فلولا أنّ القِصَاص يجوز للورثة من الكبار، لم يسكتوا عن إنكاره. ولا يقال: إنّه قُتِل حدًّا؛ لأنّه لو كان كذلك لم يَشترط عليّ أن يضربَ ضربةً واحدةً؛ إذ المماثلة إنّما تُعتَبر في القِصَاص. والذي يقوله أصحابُ الشافعي أنّه قتله بالكفر. لا يصحّ (٢)؛ لأنّ صاحبهم قال: إنّ ابن ملجم قتل عليًّا متأوّلًا، فاقتيد به؛ ولأنّ الدّم إذا اشترك فيه من يثبت له الولاية ومن يُولى عليه، كان لمن ثبتت له الولاية أن ينفرد بالاستيفاء، كمن قُتل ولا ولي له فاشترك المسلمون في دمه، جاز للإمام أن يقتص منه. وقد وافقنا أبو يوسف في الدم إذا كان بين الأب والابن؛ ولأنّا لو انتظرنا القِصَاص لم يخل إمّا أن يُنتَظر ليُستَوفى باجتماعهم، أو لجواز أن يعفو الصغير، ولا يجوز أن يُنتَظر ليجتمعوا على الاستيفاء؛ لأنّهم لو حضروا جميعًا وهم

стр. 3869

بالغون (١) انفرد بالاستيفاء واحدٌ، ولا يجوز أن يُنتَظر لتجويز العفو؛ لأنّه ما من قِصَاصٍ إلا ويرجى من الوليّ فيه العفو، ولا يمنعه ذلك من القِصَاص في الحال، ولا يلزم إذا كان بعضهم غائبًا؛ لأنّا لا نقتصّ لجواز أن يكون قد عفا، لا لانتظار عفوه، وهذا المعنى معدومٌ في الصغير. وجه قولهما: أنّه حقٌّ ثبت بين الصغير والكبير، فلا يملك الكبير أن يستوفي جميعه كسائر الحقوق؛ ولأنّه دمٌ مشتركٌ، فلا يجوز لأحد الشريكين أن ينفرد باستيفائه، كالكبيرين إذا كان أحدهما غائبًا (٢). ٢٤٧٨ - [فَصْل: عفو بعض الورثة عن القاتل] قال: فإن عفا من له شركةٌ في الدم عن القاتل بطل القِصَاص عنه، وكان عليه حقوق من لم يعف من الدية في ماله خاصةً، ولا شيء للعافي من الدية؛ وذلك لما روي: "أنّ دمًا بين شريكين عفا أحدهما، فاستشار عمرُ ابنَ مسعود ﵄ فقال: إنّي أرى هذا قد أحياه، فلا يملك الآخر أن يميت ما أحياه هذا، فعمل عمر على قوله" (٣)، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلاف. ولأنّ الحق المشترك، يملك كلّ واحدٍ من الشريكين إسقاط حقّه عن نصيبه منه، (كما يملك) (٤) لو انفرد به، أصله الديون. فإذا سقط نصيب العافي من القِصَاص، بقي نصيب الآخر لا يمكن استيفاؤه،

стр. 3870

ودم العمد إذا تعذّر استيفاؤه، [انقلب] مالًا (١)، كمن قطع يدًا من نصف الساعد، ويكون ذلك في مال القاتل؛ لأنّه لم يجب بنفس القتل، وإنّما وجب بسبب حادثٍ، فهو كما وجب بالصلح، ولا شيء للعافي منه؛ لأنّه أسقط حقّه عن الأصل، فلم يثبت [له حق] في البدل. وقد قال أصحابنا: في دمٍ عمدٍ بين شريكين عفا أحدهما، فللآخر نصف الدية في مالِ القاتل في ثلاث سنين، وقال زفر: في سنتين. لنا: أنّها جزءٌ من الدية، فَيُقَسَّطُ على السنين الثلاث، كما لو لزم بعض العاقلة. وجه قول زفر: أنّ نصف الدية لم يلزم من أجزاء ديةٍ واجبةٍ، وإنّما هو جملة الواجب، فصار كما يجبُ بقطع اليد. ٢٤٧٩ - [فَصْل: عفو أحد الشريكين عن القصاص وقتل الآخر] (٢) [ولو عفا أحد الشريكين عن القصاص، فقتله الآخر ولم يعلم بالعفو، أو علم ولكن لم يعلم أنّه يسقط القِصاص، فلا قَوَد عليه. وقال زفر: عليه القَوَد. لنا: أنّ الذي يستحقّ في الظاهر، ومن استوفى قتلًا مستَحَقًّا في الظاهر لم يُقتص منه وإن كان غير مستَحَقٍّ، كمن شهد له الشهود بقتل أبيه، فقتل قاتله [ثم جاء أبوه حيًا.

стр. 3871

لزفر] (١): أنّ القصاص سقط بالعفو، فصار كمن ظنّ أنّ رجلًا قتل أباه، فقتله (٢). والجواب: أنّ هذه [الشبهة] لم تستند إلى سببٍ ظاهرٍ، فلم يُعتدّ بها، والشبهة في مسألتنا قد استندت إلى سببٍ ظاهرٍ]. ٢٤٨٠ - [فَصْل: القصاص في قتل العبد] قال: وإذا قُتل العبد عمدًا، فالقِصَاص على القاتل لسيّده. وكذلك إن كان له مَولَيان أو ثلاثة، فالقِصَاص لهم على قدر أملاكهم منه؛ لأنّ المولى مالكٌ لدم عبده، كما يستحق الوارث دم الموروث، فجريا مجرًى واحدًا، ولأنّ المولى مالك للعبد قبل القتل، والوارث لا يملك الموروث ولا حقوقه إلا بعد الموت، فإذا ثبت له القِصَاص؛ فلأن يثبت للمولى وحقّه ثابتٌ في الحالين أولى. ٢٤٨١ - : [فَصْل: حق من لم يعف عن الدم إذا عفا البعض] قال: وإن عفا أحدهم، فهو والورثة سواءٌ، غير أنّه يجب (٣) لمن لم يعف من المولى حصّته من القيمة؛ وذلك لأنّ الدم مشتركٌ بين الموالي، فإذا أسقط أحدهم حقّه منه، سقط بإسقاطه، كما يسقط حقّه لو انفرد بملك العبد، ويكون للباقين حصّتهم من القيمة؛ لأنّها بدلٌ عن العبد، كالدية التي هي بدلٌ عن الحرّ.

стр. 3872

٢٤٨٢ - [فَصْل: صلح أو عفو أحد الورثة القاتل من حقه على مال] قال: ولو كان صَالَح أحدُ الورثة أو الموالي (١) القاتلَ من حقّه على مالٍ، جاز الصُلْح، وكان له على القاتل ما شرط عليه في عقد الصلح في ماله خاصةً، ووجب لمن لم يصالح من الورثة حصّته من الدية، ولمن لم يصالح من الموالي حصّته من القيمة (٢). والأصل في جواز الصلح من الدم على مالٍ: قوله ﷺ : "من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين: إن شاؤوا قَتَلُوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية" (٣)؛ ولأنّ القِصَاص حقٌّ فيه معنى المال؛ بدلالة أنّه لو دخلته شبهةٌ انتقل مالًا من طريق الحكم، فالحقوق (٤) التي فيها معنى المال، يجوز الصلح فيها [على مال] (٥) كالعيب بالمبيع. وإذا ثبت جواز الصلح، يسقط نصيب المصالِح بصلحه، فهو كما لو سقط بعفوه، فينتقل حقّ الباقين مالًا. قال: وإذا قتل الرجلان الرجلَ الواحدَ عمدًا، فعفا الوليّ عن أحدهما، فله أن يقتل الآخر؛ وذلك لأنّ الوليّ له أن يعفو عنهما، فجاز أن يعفو عن أحدهما. وإذا عفا عنه، فقد كان القِصَاص ثابتًا [له] على كلّ واحدٍ منهما بكماله،

стр. 3873

فسقوطه عن أحدهما لا يوجب سقوطه عن الآخر، كما لو سقط بموته، وكما لو انفرد الثاني (١) بالقتل. قال: وكذلك إن قتل رجلٌ واحدٌ رجلين، لكلّ واحدٍ منهما وليٌّ، فعفا وليّ أحدِ المقتولين عن القاتل، فللوليّ الآخر أن يقتله؛ وذلك لأنّ كلّ واحدٍ منهما لو انفرد ثبت له القِصَاص، فإذا عفا أحدهما، صَارَ كأن لم يكن له حقٌّ في الابتداء، فيثبت للآخر القِصَاص. ٢٤٨٣ - [فَصْل: ميراث القاتل المقتولَ] قال: وإذا كان في ورثة المقتول ولدٌ للقاتل، أو ولد ولدٍ، أو مات بعض الورثة فورثه القاتل، بطل القِصَاص، وكان عليه الدية لجماعتهم، ولا يبطل حقّ الذي بطل القِصَاص من أجله، وإنّما لم يجب للولد قِصَاصٌ على والده لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فمنع من إدخال الضرر عليهما بهذا القول، فلأن يمنع من إدخال الضرر بالقِصَاص أولى. ولأنّه لو قتله لم يجب عليه قِصَاصٌ، فلا يجب له قِصَاصٌ لأجل غيره. وإذا سقط نصيب الابن تعذّر القِصَاص في الباقي، وانتقل مالًا، وينتقل نصيب الابن أيضًا مالًا، لأنّه لم يعف عن نصيبه، وإنّما [يتعذّر عليه] (٢) الاستيفاء؛ لأنّه ممنوعٌ من [إلحاق] الضرر بأبيه، ويجوز أن يثبت له على أبيه دينٌ، فانتقل نصيبه إلى المال.

стр. 3874

وأما إذا ورث القاتل بعض القِصَاص، سقط القِصَاص؛ لأنّه يستحيل أن يثبت له قِصَاصٌ على نفسه، وإذا سقط ما انتقل إليه، تعذّر القِصَاص في الباقي، فانتقل مالًا. [مسائل في القصاص للعبيد] ٢٤٨٤ - [فَصْل: قصاص المُدَبَّر وأم الولد للمولى] [قال]: والمُدبَّر والمُدبَّرة، وأمّ الولد وابن أمّ الولد بمنزلة العبد، القِصَاص فيهم للمولى، أو للموالي إن كانوا جماعةً؛ وذلك لأنّهم على ملكه، ألا ترى أنّه يؤاجرهم (١) بحقّ الملك، ويطأ المُدبَّرة وأمّ الولد بحقّ الملك، فصاروا كالعبيد القنّ. ٢٤٨٥ - [فَصْل:] وإذا قُتِل المُكاتَب ولم يترك وفاءً، فللمولى القِصَاص في قولهم؛ لأنّ الجراحة وقعت والولاية للمولى، وحصل الموت وهو المستحِقّ لبطلان الكتابة وموته على الرقّ، وإذا ثبت له الاستحقاق في الحالين، كان له القِصَاص كالعبد القنّ. [وليس هذا كالعبد المُعتَق بعضه إذا مات عاجزًا؛ لأنّه ذكر في [المنتقى] (٢) عن أبي حنيفة: أن لا قِصاص؛ لأنّ عجز المُكاتَب تنفسخ به الكتابة، فكأنّها لم تكن، وموت المعتق لا ينفسخ عتقه، والمولى يستحقّ القِصاص في بعضه بالولاء

стр. 3875

وفي بعضه بالملك، ولا يثبت له الاستحقاق بسببين مختلفين] (١). وأمّا إن ترك وفاءً، ووارثه غير المولى، فلا قِصَاص في قولهم؛ لأنّ الجراحة وقعت والمستحقّ هو المولى لبقاء الرقّ، وحصل الموت والمستحقّ غير المولى، فلمّا تغيَّر المستحقّ، صار ذلك شبهةً في سقوط القِصَاص، كمن جرح عبده فباعه، فمات في يد المشتري، لم يثبت للمشتري قِصَاصٌ؛ لأنّه لم يكن له حقٌّ عند الجراحة. وأما إذا ترك وفاءً ووارثه المولى، فذكر في الجامع الصغير: أنّ للمولى القِصَاص عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال بِشْرٌ عن أبي يوسف في كتاب البيوع: لا قِصَاص للمولى، وهو قول محمدٍ. [وجه قول] أبي حنيفة، والمشهور من قول أبي يوسف: أنّ المولى هو المستحقّ لحقوق المُكاتَب في الحالين، ألا ترى أنّه كان يستحقّ في حال الجراحة؛ لبقاء الرقّ، ويستحقّ عند الموت بحكم الولاء، والمستحقّ في الطرفين إذا كان واحدًا وجب له القِصَاص، كمولى العبد. [وجه قول] محمدٍ: أنّ المولى يستحقّ [القصاص] عند الجراحة بسبب الملك، ويستحقّ بعد الموت (٢) بحكم الولاء، فلما اختلفت جهة الاستحقاق، صار اختلافهما كاختلاف المستحقّ، فيمنع ذلك من القِصَاص.

стр. 3876

وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ وارث الحُرِّ لا حقّ له عند الجراحة؛ بدلالة أنّ عفوه لا يصح، وإنّما يثبت له حقّ أن يستحق، ويَستحقّ بعد الموت، فقد اختلفت جهة استحقاقه في الحالتين، إلا أنّه لمّا لم يَختلف المستحقّ، وجب القِصَاص، فكذلك هذا. قال أبو يوسف: وإن كان الوارث غير المولى، فاجتمع الوارث (١) والمولى على القِصَاص، فلا قِصَاص لهما؛ وذلك لأنّ المولى سقط حقّه بالعتق، واجتماعه (٢) مع الوارث لا يُعتَدّ به، فبقي الوارث وحده، وقد بيّنا أن لا قِصَاص له. ٢٤٨٦ - [فَصْل: قُتِلَ العبد في يد البائع] قال أبو يوسف في إملائه: في عبدٍ قُتِل في يد البائع قبل القبض عمدًا، إنّ المشتري إن اختار إجازة البيع، قال: فحفظي عن أبي حنيفة (٣): (أنّ للمشتري القِصَاص، فإن اختار ردّ البيع، فحفظي عن أبي حنيفة أنّه قال) (٤): للبائع القِصَاص. وقال أبو يوسف: للبائع القيمة. أمّا إذا اختار المشتري الإجازة، فالعبد على ملكه، وقد تمّ ملكه بالإجازة، فكأنّ العبد قُتِل في يده. وأمّا إذا اختار الفسخ، فوجه قول أبي حنيفة: أنّ البيع ينفسخ من أصله،

стр. 3877

ويصير كأن لم يكن، وكأنّ العبد قُتِل على ملك البائع، فيثبت له [حقّ] (١) القِصَاص. (لأبي يوسف: أنّ البائع لم يثبت له حقّ القِصَاص) (٢) عند الجراحة؛ لأنّ الملك كان للمشتري، فلا يثبت له القِصَاص بعد الموت. ٢٤٨٧ - [فَصْل: قُتِلَ العبد في يد المرتهن] قال: ولو كان المقتول رهنًا، فقُتِل في يد المرتهن، فإن اجتمع الراهن والمرتهن على القِصَاص، فلهما ذلك، فإن اختلفا فلهما القيمة، وكذلك روى محمدٌ عن أبي حنيفة، وهو قوله. وإنّما لم يجز لواحدٍ منهما أن ينفرد بالقِصَاص؛ لأنّ الراهن إذا اقتصّ أسقط حقّ المرتهن من الدين، فللمرتهن منعه من ذلك، وأمّا المرتهن، فليس يملك العبد، فلا يثبت له القِصَاص، فإذا اجتمعا، فقد رضي المرتهن بإسقاط حقّه، فكأنّ العبد قُتِل وليس برهنٍ. ٢٤٨٨ - [فَصْل: قُتِلَ العبد في يد الزوج] وقال أبو يوسف: في العبد إذا قُتِل في يد الزوج قبل أن تَقْبِض (٣) المرأة، أو عبدٍ قُتِل في يد امرأةٍ اختلعت به، أو كان في يد قاتلٍ صالح عليه من دمٍ عمدٍ، فذلك كلّه بمنزلة البيع؛ وذلك لأنّ المستحقّ إذا رضي باتباع القاتل، فقد تمّ ملكه

стр. 3878

في العبد، فيثبت له القِصَاص، فإذا طالب بالقيمة، انفسخ الملك في العبد من أصله، فكأنّه قُتِل على ملك الزوج. ٢٤٨٩ - [فَصْل: قُتِلَ العبد في يد المشتري الذي له الخيار] قال: ولو قُتِل في يد المشتري، وللمشتري خيار شرطٍ أو خيار رؤيةٍ، فالقِصَاص للمشتري، قبض البائع الثمن أو لم يقبض؛ وذلك لأنّه لما قُتِل سقط خيار الشرط والرؤية بحدوث العيب، وتمّ البيع، فكأنّه قُتِل ولا خيار. قال: وإن كان الخيار للبائع: فإن شاء البائع اتبّع القاتل فقتله، وإن شاء ضَمِّن المشتري القيمة، ولا قِصَاص للمشتري. قال: وكذلك حفظي عن أبي حنيفة في الغاصب، ورأيت أنّ الغاصب والبائع سواءٌ. أمّا البائع؛ فلأنّ العبد على ملكه، وهو مضمونٌ على المشتري بالقبض، فإن لم يختر ضمان المشتري كان له القِصَاص؛ لأنّ العبد قُتِل على ملكه، فإن اختار تضمين المشتري، فقد نقل الملك فيه (١) إليه بالضمان، وانتقال الملك بعد ثبوت (٢) القِصَاص (يسقط القِصَاص؛ لأنّ (٣) المشتري بالضمان قام مقام البائع، فيثبت له القيمة إذا دخل في القِصَاص) (٤) شبهةٌ. وعلى هذا، إذا قُتِل العبد في يد الغاصب، فلمولاه القِصَاص؛ لأنّ العبد

стр. 3879

على ملكه، وإن كان في ضمان الغاصب، فإذا ترك التضمين، ثبت له القِصَاص. وأمّا إذا ضمن الغاصب، (فقد نقل الملك إليه بالضمان، وذلك مسقطٌ للقِصَاص، إلا أنّ الغاصب قام بالضمان مقامه) (١)، فكان له القيمة إذا تعذّر استيفاء القِصَاص. ٢٤٩٠ - [فَصْل: قُتِلَ عبد الوصية] قال: ولو أنّ عبدًا مُوصًى برقبته لرجلٍ، وبخدمته (٢) أو غلّته لآخر، وهو يخرج من الثلث، وقَبِلَ الوصية، فقتَله رجلٌ عمدًا، [قال]: فإن اجتمعا على القِصَاص، قتلا، وإن اختلفا، فعلى القاتل قيمته، يشتري بها عبدًا، فيكون في مثل حاله؛ وذلك لأنّ الموصى له بالرقبة (٣) إذا اقتصّ (٤) أسقط حقّ الموصى له بالمنفعة والغلّة، فكان لصاحب المنفعة أن يمنع من ذلك. فإن اجتمعا على القِصَاص، فقد أسقط صاحب المنفعة حقّه (٥)، فلم يبق إلا حقّ صاحب الرقبة، فكان له القِصَاص. وإن اختلفا تعذّر استيفاء القِصَاص، فوجبت القيمة، يشتري بها عبدًا [ليُنفِّذ] (٦) فيه الوصيتين؛ لأنّه ما أمكن تنفيذ الوصايا، فهو أولى من إبطالها، ويمكن التنفيذ بأن يشتري بالقيمة عبدًا.

стр. 3880

[وقد قالوا في هذه المسألة، وفي مسألة عبد الرهن: إنّهما إذا اجتمعا، فالذي يقتصّ الراهن وصاحب الرقبة؛ لأنّ المرتهن والموصى له بالمنفعة أسقطا حقّهما، فبقي الحقّ للمولى] (١). ٢٤٩١ - [فَصْل: العفو عن القاتل] قال: والعفو عندي عن القاتل أفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، قيل في التأويل: للمقتول، وقيل: للولي، ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ٢٤٩٢ - [فَصْل: الحكمُ بالقصاص والأرش بعد البُرء] قال: ولا يُحكَم بقِصَاصٍ في قتلٍ ولا جراحةٍ حتّى يكون البُرء منها، وكذلك لا يحكم بأَرْشها. وقال الشافعي: يُقتَصّ منها في الحال (٢). لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "لا يستقاد من الجراح حتّى تبرأ" (٣)، وروي أنّ رجلًا جرح حسان بن ثابتٍ في فخذه بعظمٍ، فجاء الأنصارُ إلى رسول الله ﷺ ، فطلبوا القِصَاص، فقال: "انتظروا ما يكون من صاحبكم" (٤). ولأنّه يثبت (٥) من أصلنا: أنّه لو مات من الجراحة، وجب القِصَاص في

стр. 3881

النفس دون الجراحة، فلو استوفينا القِصَاص فيها استوفيناه ولا نعلم أنّه مُستَحَقٌّ، وهذا لا يصحّ. فأمّا جراحة الخطأ فلا شبهة فيها؛ وذلك لأنّ الجناية فيما دون النفس قد توجب أكثر من الدية، فإذا سَرَتْ أوجبت الدية، فلو استوفينا ما وجب بالجراحة قبل البُرء، استوفينا ما لا نعلم أنّه مُستَحَقٌّ، وهذا لا يصحّ. [قال: وإذا ثبت أنّه يُستأنى بالجراحة، فقد قالوا فيمن ضرب سنّ رجلٍ فتحرّكت، فأجّله القاضي سنةً، ثمّ جاء المضروب وقد سقطت سنّه فقال: إنّما سقطت من الضربة، وقال الضارب: إنّما ضربه رجلٌ آخر، فالقول قول المضروب، وإن جاء بعد السنة فالقول قول الضارب؛ وذلك لأنّ القاضي إنّما يؤجّله هذه المدة انتظارًا لما يحدث من الضربة، فإذا سقطت السنّ ولم يُعلَم حدوث معنًى آخر، فقد حكمنا بسقوطها فيما وقع التأجيل له، وإذا سقطت بعد الحول فلم يُنتَظَر بالضربة هذه المدّة، فلا نعلم أنّ السقوط من الضربة، فالقول قول الضارب، وقد قالوا: إنّما لا يستأنى (١) فيه إذا اختلفا فيما تولّد منه، فالقول قول الضارب؛ لأنّه يجوز أن يكون حدث منه، ويجوز أن يكون حدث من غيره، وليس هناك تأجيلٌ يكون (٢) ظاهرًا فيما يحدث، فجُعل القول قول الضارب] (٣). [قال الشيخ]: ومما يلحق بهذا الباب: ٢٤٩٣ - [مَسألةٌ: دم عمد بين اثنين شهد أحدهما على الآخر أنه عفا] ما قال محمدٌ: في دمٍ عمدٍ بين اثنين شهد أحدهما على الآخر أنّه عفا، فإن

стр. 3882

صدّقه القاتل والمشهود عليه، بطلت حِصَّةُ المشهود عليه، وانتقل نصيب الشاهد مالًا، وله أن يأخذ نصف الدية؛ لأنّهما لمّا صدّقاه، فكان العفو معلومًا، فيسقط به حقّ العافي، وينتقل نصيب شريكه مالًا، وإن كذّباه جميعًا، فقد بطل نصيبُ الشاهد، [وصار] (١) نصيب المشهود عليه مالًا (٢)؛ لأنّ الشاهد لما شهد، فقد أقرّ بإبطال حقّه من القِصَاص، ثم ادّعى لنفسه المال، وإقراره على نفسه بإبطال القِصَاص جائزٌ، ودعواه للمال باطلٌ، وصارت شهادته كالعفو منه؛ لأنّ القِصَاص بطل بقوله، فانتقل نصيب شريكه مالًا. فإن صدّقه القاتل وكذّبه المشهود عليه، فإنّه يُقضَى على القاتل بِدِيَةٍ كاملةٍ، لكلّ واحدٍ منهما النصف؛ لأنّ القاتل لما صدّق الشاهد، فقد أقر أنّ نصيب الشاهد صار مالًا، وادّعى إبطال حقّ الآخر، فلا يُصدَّق القاتل على إبطال حقّ الآخر؛ ولأنّ نصيب الشاهد لما انتقل مالًا انتقل نصيب شريكه؛ لأنّ بطلان القِصَاص لم يكن من جهته. وأمّا إذا كذّبه القاتل، وصدّقه المشهود عليه، فالقياس: ألّا يلزم القاتل شيءٌ، والاستحسان: أنّ على القاتل نصف الدية للشاهد، ولا شيء للمشهود عليه. وجه القياس: أنّ الشاهد أبطل حقّه؛ لأنّه أقرّ بإبطال القِصَاص، وادّعى أنّ نصيبه صارَ مالًا (٣)، وكذّبه القاتل بذلك، فبطل حقّه، وكأنّه عفا، فلما صدّقه المشهود عليه، فقد أبطل حقّه حين أقرّ بالعفو، فبطل حقّهما جميعًا، وهذا قول زفر.

стр. 3883

وجه الاستحسان: أنّ الشاهد بالعفو لمّا كذّبه القاتل، فقد أقرّ القاتل أنّ نصيب المشهود عليه صار مالًا (١)، فلما قال المشهود عليه: قد عفوت، صار كأنّه قال: المال الذي أقرّ لي به القاتل هو للشاهد، فينفذ إقراره، كرجلٍ أقرّ لرجلٍ بمائةٍ، فقال المُقَرُّ له: هذه لزيدٍ، وليس لي عليك شيءٌ. ٢٤٩٤ - : [فَصْل: دم عَمْدٍ بين اثنين وشَهِدَا معًا على العفو] ولو شهد كلّ واحدٍ منهما على صاحبه: أنّه قد عفا، فإن كانت إحدى الشهادتين قبل الأخرى، فالكلام فيه كالكلام في المسألة الأولى. وإن كانت الشهادتان معًا، فهو على ثلاثة أوجهٍ: إمّا أن يصدّقهما القاتل جميعًا، أو يكذّبهما [جميعًا]، أو يصدّق أحدهما ويكذّب الآخر. فأمّا إذا كذبهما جميعًا، فلا شيء لواحدٍ منهما؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما أقرّ بإبطال القِصَاص، وادَّعى المال، فلا تقبل دعواه على المال، ويجوز إقراره بإبطال القِصَاص. وأمّا إذا صدّق أحدهما خاصّةً وكذّب الآخر، فإنّه يغرم للذي صدّقه نصف الدية، ولا شيء للذي كذّبه؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما ادّعى عليه المال، وهو قد صدّق أحدهما (٢)، فثبت له المال بتصديقه، وبطل حقّ الآخر بتكذيبه. وأما إذا صدّقهما جميعًا، فالقياس: أن يغرم لهما الدية، والاستحسان: أن لا يغرم شيئًا.

стр. 3884

وجه القياس: أنّه يُعتَبر تصديقهما (١) بِتصديق أحدهما، فلو صدّق أحدهما صار نصيبه مالًا، فكذلك إذا صدّقهما. وأمّا وجه الاستحسان: فلأنّ هذا التصديق فيه تكذيبٌ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يقول: لم أعفُ وإنّما عفا صاحبي، فلما صدّقهما فكأنّه قال لكلّ واحدٍ منهما (٢): عفوت، ولم يعفُ، ولو قال هكذا، لم يجب شيءٌ، كذلك هذا. ولو كان الدم بين ثلاثة، فشهد اثنان منهم على أحدهم أنّه عفا، فإن حال الشاهدين بمنزلة [حال] الشاهد الذي يشهد على صاحبه، فهو على أربعة أوجهٍ كما ذكرنا في تلك المسألة (٣). ٢٤٩٥ - [فَصْل: شهادة الكفيلين بالصلح] وإذا شهد شاهدان على القاتل أنّه صَالَحَ على الدية، وأنّهما كفلا بها، فهو على وجهين: إن لم تكن الكفالة شرطًا في الصلح جازت شهادتهما، وإن كانت الكفالة شرطًا في الصلح لم تقبل شهادتهما؛ لأنّ الكفالة إذا لم تكن شرطًا في الصلح، فلا علاقة لهما بالصلح، فشهادتهما كشهادة غير (٤) الكفيلين. وأمّا إذا شرطت كفالتهما في الصلح، فقد شهدا على عقدٍ تمامه بهما؛ لأنّ الصلح لا يتمّ إلا بقبولهما، فكأنّهما شهدا بفعل أنفسهما (٥).

стр. 3885

٢٤٩٦ - [فَصْل: عفو الأب عن دم الصغير] قال: وعفو الأب والوصيّ عن دم الصغير باطلٌ؛ لأنّه إبطال حقّ اليتيم من غير عوضٍ، وذلك لا يجوز. فإن لم [يعف] (١) ولعن صالح، فإن كان للصغير أبٌ، فله: أنّ يقتص، وله أن يصالح، سواءٌ إن كان القِصَاص في النفس أو فيما دون النفس؛ لأنّ الأب له ولايةٌ كاملةٌ، فتصرفه في حقّ الصغير كتصرفه في حقّ نفسه. وأمّا الوصيّ، فإن كان القِصَاص فيما دون النفس: فله أن يقتصّ، وله أن يصالح؛ لأنّ ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال، ألا ترى أنّه تُعتَبر فيه المساواة، وللوصيّ التصرف في الأموال، وكذلك ما في حكمها. وأمّا إذا كان القِصَاص في النفس، مثل عبد اليتيم إذا قُتِل، فليس للوصي أنّ يقتصَّ؛ لأنّ القِصَاص ليس بمالٍ، وتصرف الوصيّ يختص بالمال، فإن صالح الوصيّ، جاز صلحه في رواية كتاب [الديات] (٢)، ولا يجوز في رواية كتاب الصلح. وجه رواية كتاب [الديّات] (٣): [أنّ] في الصلح منفعةً؛ لأنّه يجعل الحقّ الذي ليس بمال مالًا، وتصرّف الوصي فيما فيه مصلحة لليتيم جائزٌ؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].

стр. 3886

وأما وجه رواية كتاب الصلح: فلأنّ الوصيّ يملك القِصَاص، فلم يجز له أن ينقله إلى بدلٍ، ألا ترى أنّه لمّا لم يملك العتق، لم يجز أن يعتق على مالٍ (١). ٢٤٩٧ - : [فَصْل: المقتول الذي لا وليّ له إلّا السلطان] وقالوا فيمن قُتِل عمدًا ولا وليّ له إلا السلطان، فهو بالخيار: إن شاء قتل قاتله، وإن شاء صالح على الدية، وليس له أن يعفو. وقال أبو يوسف: إن كان المقتول من أهل دار الإسلام، فللإمام أن يأخذ الدية، وليس له أن يقتصّ، وإن كان رجل من أهل دار الحرب فأسلم، فله أن يقتصّ، وله أن يأخذ الدية. [وجه قول] أبي حنيفة ومحمدٍ: ما روي (أنّ عبيد الله بن عمر لما قَتَلَ [الهُرمُزان] (٢) حين قَتَلَ عُمَرَ، فخرج الهُرمُزان وفي يده الخنجر، فظن أنّه الذي قتل عمر، فقتله، فرُفِع ذلك إلى عثمان، فقال عليٌّ لعثمان: اقتل عبيد الله، قال عثمان (٣): قُتِل أبوه بالأمس، فأقتله اليوم، لا أفعل [ذلك]، ولكن هذا رجلٌ من أهل الأرض، وأنا وليه أعفو عنه وأؤدّي دِيَتَه) (٤). ولأنّ الإمام هو الوليّ؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "السلطان وليّ من لا وليّ له" (٥)، فصار

стр. 3887

كالوليّ من طريق النسب، فله أن يقتل، وله أن يصالح، وليس له أن يعفو؛ لأنّه حقٌّ للمسلمين، ألا ترى أنّهم يستحقون ميراثه، فلا يملك الإمام إسقاط حقّهم من غير عوضٍ. [وجه قول] أبي يوسف: أنّ من كان من أهل دار الإسلام، لم يُؤْمَن أن يكون في دار الإسلام من يستحقّ ميراثه، فلم [يجز أن] يقتصّ الإمام مع الشبهة. ومن دخل من أهل دار الحرب، فالظاهر أنّه لا وارث له في دار الإسلام، فجاز للإمام أن يقتصَّ. ٢٤٩٨ - [فَصْل: وليّان للدم أحدهما غائب] [قال]: وإذا كان للدم وليّان، أحدهما غائبٌ، فادّعى القاتل أنّ الغائب قد عفا، [وجحد الحاضر]، فأقام القاتل البيِّنة، قُبِلتْ بيّنته؛ لأنّ هذه البيّنة تشهد لإبطال نصيب الحاضر من القِصَاص، ألا ترى أنّ الغائب إذا عفا (١) سقط القِصَاص من النصيبين جميعًا (٢)، فقد توجه القِصَاص على الحاضر، ولا يتوصل إليه إلا بالقضاء على الغائب، فصار الحاضر خصمًا عنه. قال: وإن لم يكن له بيّنةٌ، وأراد أن يستحلف الحاضر، فلا يمين له عليه؛ لأنّه يمكنه أن يُحلِّف الغائب، ولا يخشى فوت اليمين. وليس كذلك البيّنة، فإنّه (٣) يُخشى فوتها بموت الشهود أو غيبتهم

стр. 3888

قبل حضور الغائب (١). ٢٤٩٩ - [فَصْل: الدم بين اثنين فعفا أحدهما ثم قتل الآخر] فإن كان الدم (٢) بين اثنين، فعفا أحدهما، ثم قتل الآخر ولم يعلم بالعفو، أو علم بالعفو ولم يعلم بأنّ القتل حرامٌ عليه، فعليه الدية كاملةً في ماله وفي مال القاتل نصف الدية، فيتقاصّان بالنصف، ويردّ النصف، ولا يجب (٣) القِصَاص؛ لأنّ القتل حصل مع الشبهة، ألا ترى أنّه إذا لم يعلم بعفو شريكه، فقد قتل، والقتل مُستَحَقٌّ في الظاهر، فإذا علم بعفوه فبطلان القِصَاص في نصيبه يُعلَم بالاجتهاد، ألا ترى أنّ الظاهر [أنّ] إسقاط الواحد لنصيبه لا يوجب إسقاط حقّ غيره، فصار دعواه الشبهة مستندةً إلى أصلٍ، فأسقطت القِصَاص. وقال زفر: يجب عليه القِصَاص علم بالعفو أو لم يعلم؛ لأنّه قد بطل حقّه حكمًا، وقتل بغير حقٍّ (٤)، وأمّا إذا علم بالعفو، وعلم بأنّ العفو يُسقط القِصَاص، فعليه القِصَاص؛ لأنّه قتل من غير شبهةٍ (٥). ٢٥٠٠ - [فَصْل: موت المقطوع يده في القصاص] قال أبو حنيفة: فيمن له قِصَاصٌ في اليد فقطعها فمات المقطوع منها، ضمن ديته، وقالا: لا يضمن.

стр. 3889

[وجه قول] أبي حنيفة: أنّه حقٌّ يستوفيه لنفسه، خُيّر (١) بين استيفائه وتركه، فكان ما يتولّد منه مضمونًا عليه، كضربه لامرأته. ولا يلزم [على هذا] قطع الإمام يد السارق؛ لأنّه لا يستوفيه (٢) لنفسه؛ ولأنّه لم يُخيّر فيه؛ ولأنّه حقٌّ يستوفيه لنفسه (٣) على طريق البدل، فكان مضمونًا عليه، كالديون. وجه قولهما: أنّه مأذونٌ في القطع كالإمام في يد السارق. وقد قال أصحابنا في الأب إذا ضرب ابنه فمات: ضمن؛ لأنّه مأذونٌ في تأديبه من جهة الله تعالى على شرط السلامة، ولو ضربه المعلّم بإذن الأب [فمات]، لم يضمن؛ لأنّ الأب أذن له إذنًا مطلقًا. فأمَّا الإمام إذا قطع السارقَ، فلو جُعِل له القطع بشرط السلامة لامتنع من القطع، وذلك يؤدي إلى تعطيل الحدّ؛ ولأنّه يستوفي الحدّ (٤) لحق الله تعالى، والنّفس على ملكه، فلم يكن مضمونه عليه. ٢٥٠١ - [فَصْل: العفو بعد قطع يد من له القصاص في النفس] قال أبو حنيفة: فيمن له قِصَاصٌ على رجلٍ (في النفس) (٥)، فقطع يده، ثم

стр. 3890

عفا عنه، ضمن دية اليد، وقالا: لا ضمان عليه (١). لأبي حنيفة: أنّه كان مخيّرًا بين القِصَاص والعفو، فإذا عفا استند ذلك إلى الأصل، فكأنّه اختار العفو ابتداءً ثم قطع؛ [لأنّ اختياره استند إلى العقد، فكأنّه ملكه من ذلك الوقت] (وعلى هذا قلنا في العبد المشروط فيه الخيار: إنّ صدقة الفِطْر على من يصير له العبد؛ لأنّ اختياره يستند إلى العقد، فكأنّه ملكه من ذلك الوقت) (٢). ولأنّه استوفى اليد وليست بحقٍّ له، بدلالة أنّه يُؤدّب على قطعها، ويمنع منه قبل القطع، فإذا عفا، استوفى حقّه بالعفو، (فبقيت اليد مستوفاةً بغير حقٍّ، فضمنه. وليس كذلك إذا قتل أنّه لا يضمن اليد) (٣)؛ لأنّها وإن لم تكن حقّه، فإنّها تتلف باستيفاء حقّه، فلم تكن مقوّمةً عليه قبل العفو. وجه قولهما: أنّ الضمان لم يلزمه بالقطع، فلما عفا انصرف عفوه إلى ما بقي من حقّه، فلم يضمن، وصار كمن استوفى بعض ديةٍ (٤) ثم أبرأ. ٢٥٠٢ - [فَصْل: عفو المجروح قبل موته] قال أصحابنا ﵏: إذا عفا المجروح (٥)، ثم مات، فالقياس: أن لا
следующие страницы →