وأما وجه رواية كتاب الصلح: فلأنّ الوصيّ يملك القِصَاص، فلم يجز له أن ينقله إلى بدلٍ، ألا ترى أنّه لمّا لم يملك العتق، لم يجز أن يعتق على مالٍ (١).
٢٤٩٧ - : [فَصْل: المقتول الذي لا وليّ له إلّا السلطان]
وقالوا فيمن قُتِل عمدًا ولا وليّ له إلا السلطان، فهو بالخيار: إن شاء قتل قاتله، وإن شاء صالح على الدية، وليس له أن يعفو.
وقال أبو يوسف: إن كان المقتول من أهل دار الإسلام، فللإمام أن يأخذ الدية، وليس له أن يقتصّ، وإن كان رجل من أهل دار الحرب فأسلم، فله أن يقتصّ، وله أن يأخذ الدية.
[وجه قول] أبي حنيفة ومحمدٍ: ما روي (أنّ عبيد الله بن عمر لما قَتَلَ [الهُرمُزان] (٢) حين قَتَلَ عُمَرَ، فخرج الهُرمُزان وفي يده الخنجر، فظن أنّه الذي قتل عمر، فقتله، فرُفِع ذلك إلى عثمان، فقال عليٌّ لعثمان: اقتل عبيد الله، قال عثمان (٣): قُتِل أبوه بالأمس، فأقتله اليوم، لا أفعل [ذلك]، ولكن هذا رجلٌ من أهل الأرض، وأنا وليه أعفو عنه وأؤدّي دِيَتَه) (٤).
ولأنّ الإمام هو الوليّ؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "السلطان وليّ من لا وليّ له" (٥)، فصار
стр. 3887
كالوليّ من طريق النسب، فله أن يقتل، وله أن يصالح، وليس له أن يعفو؛ لأنّه حقٌّ للمسلمين، ألا ترى أنّهم يستحقون ميراثه، فلا يملك الإمام إسقاط حقّهم من غير عوضٍ.
[وجه قول] أبي يوسف: أنّ من كان من أهل دار الإسلام، لم يُؤْمَن أن يكون في دار الإسلام من يستحقّ ميراثه، فلم [يجز أن] يقتصّ الإمام مع الشبهة.
ومن دخل من أهل دار الحرب، فالظاهر أنّه لا وارث له في دار الإسلام، فجاز للإمام أن يقتصَّ.
٢٤٩٨ - [فَصْل: وليّان للدم أحدهما غائب]
[قال]: وإذا كان للدم وليّان، أحدهما غائبٌ، فادّعى القاتل أنّ الغائب قد عفا، [وجحد الحاضر]، فأقام القاتل البيِّنة، قُبِلتْ بيّنته؛ لأنّ هذه البيّنة تشهد لإبطال نصيب الحاضر من القِصَاص، ألا ترى أنّ الغائب إذا عفا (١) سقط القِصَاص من النصيبين جميعًا (٢)، فقد توجه القِصَاص على الحاضر، ولا يتوصل إليه إلا بالقضاء على الغائب، فصار الحاضر خصمًا عنه.
قال: وإن لم يكن له بيّنةٌ، وأراد أن يستحلف الحاضر، فلا يمين له عليه؛ لأنّه يمكنه أن يُحلِّف الغائب، ولا يخشى فوت اليمين.
وليس كذلك البيّنة، فإنّه (٣) يُخشى فوتها بموت الشهود أو غيبتهم
стр. 3888
قبل حضور الغائب (١).
٢٤٩٩ - [فَصْل: الدم بين اثنين فعفا أحدهما ثم قتل الآخر]
فإن كان الدم (٢) بين اثنين، فعفا أحدهما، ثم قتل الآخر ولم يعلم بالعفو، أو علم بالعفو ولم يعلم بأنّ القتل حرامٌ عليه، فعليه الدية كاملةً في ماله وفي مال القاتل نصف الدية، فيتقاصّان بالنصف، ويردّ النصف، ولا يجب (٣) القِصَاص؛ لأنّ القتل حصل مع الشبهة، ألا ترى أنّه إذا لم يعلم بعفو شريكه، فقد قتل، والقتل مُستَحَقٌّ في الظاهر، فإذا علم بعفوه فبطلان القِصَاص في نصيبه يُعلَم بالاجتهاد، ألا ترى أنّ الظاهر [أنّ] إسقاط الواحد لنصيبه لا يوجب إسقاط حقّ غيره، فصار دعواه الشبهة مستندةً إلى أصلٍ، فأسقطت القِصَاص.
وقال زفر: يجب عليه القِصَاص علم بالعفو أو لم يعلم؛ لأنّه قد بطل حقّه حكمًا، وقتل بغير حقٍّ (٤)، وأمّا إذا علم بالعفو، وعلم بأنّ العفو يُسقط القِصَاص، فعليه القِصَاص؛ لأنّه قتل من غير شبهةٍ (٥).
٢٥٠٠ - [فَصْل: موت المقطوع يده في القصاص]
قال أبو حنيفة: فيمن له قِصَاصٌ في اليد فقطعها فمات المقطوع منها، ضمن ديته، وقالا: لا يضمن.
стр. 3889
[وجه قول] أبي حنيفة: أنّه حقٌّ يستوفيه لنفسه، خُيّر (١) بين استيفائه وتركه، فكان ما يتولّد منه مضمونًا عليه، كضربه لامرأته.
ولا يلزم [على هذا] قطع الإمام يد السارق؛ لأنّه لا يستوفيه (٢) لنفسه؛ ولأنّه لم يُخيّر فيه؛ ولأنّه حقٌّ يستوفيه لنفسه (٣) على طريق البدل، فكان مضمونًا عليه، كالديون.
وجه قولهما: أنّه مأذونٌ في القطع كالإمام في يد السارق.
وقد قال أصحابنا في الأب إذا ضرب ابنه فمات: ضمن؛ لأنّه مأذونٌ في تأديبه من جهة الله تعالى على شرط السلامة، ولو ضربه المعلّم بإذن الأب [فمات]، لم يضمن؛ لأنّ الأب أذن له إذنًا مطلقًا.
فأمَّا الإمام إذا قطع السارقَ، فلو جُعِل له القطع بشرط السلامة لامتنع من القطع، وذلك يؤدي إلى تعطيل الحدّ؛ ولأنّه يستوفي الحدّ (٤) لحق الله تعالى، والنّفس على ملكه، فلم يكن مضمونه عليه.
٢٥٠١ - [فَصْل: العفو بعد قطع يد من له القصاص في النفس]
قال أبو حنيفة: فيمن له قِصَاصٌ على رجلٍ (في النفس) (٥)، فقطع يده، ثم
стр. 3890
عفا عنه، ضمن دية اليد، وقالا: لا ضمان عليه (١).
لأبي حنيفة: أنّه كان مخيّرًا بين القِصَاص والعفو، فإذا عفا استند ذلك إلى الأصل، فكأنّه اختار العفو ابتداءً ثم قطع؛ [لأنّ اختياره استند إلى العقد، فكأنّه ملكه من ذلك الوقت]
(وعلى هذا قلنا في العبد المشروط فيه الخيار: إنّ صدقة الفِطْر على من يصير له العبد؛ لأنّ اختياره يستند إلى العقد، فكأنّه ملكه من ذلك الوقت) (٢).
ولأنّه استوفى اليد وليست بحقٍّ له، بدلالة أنّه يُؤدّب على قطعها، ويمنع منه قبل القطع، فإذا عفا، استوفى حقّه بالعفو، (فبقيت اليد مستوفاةً بغير حقٍّ، فضمنه.
وليس كذلك إذا قتل أنّه لا يضمن اليد) (٣)؛ لأنّها وإن لم تكن حقّه، فإنّها تتلف باستيفاء حقّه، فلم تكن مقوّمةً عليه قبل العفو.
وجه قولهما: أنّ الضمان لم يلزمه بالقطع، فلما عفا انصرف عفوه إلى ما بقي من حقّه، فلم يضمن، وصار كمن استوفى بعض ديةٍ (٤) ثم أبرأ.
٢٥٠٢ - [فَصْل: عفو المجروح قبل موته]
قال أصحابنا ﵏: إذا عفا المجروح (٥)، ثم مات، فالقياس: أن لا
стр. 3891
يصحّ عفوه؛ لأنّ القِصَاص ثبت ابتداءً للورثة، لولا ذلك لم يثبت لهم بعد الموت، فكأنّه أبرأ من حقّ غيره.
وإنّما استحسنوا وجوّزوا عفوه؛ لأنّ الحق له، وإنّما يقوم الوارث في استيفائه مقامه، فإذا أسقطه جاز، ويكون في جميع المال؛ لأنّه حقٌ ليس بمالٍ، كالطلاق.
وقد قالوا في الوارث إذا عفا عن الجارح قبل موت المجروح، فالقياس: أن لا يصح عفوه؛ لأنّه عفا عن حقّ غيره، ألا ترى أنّ المريض لو عفا في هذه الحالة جاز عفوه، وإنّما يثبت للوارث الحقّ بعد موته، فإذا عفا قبل ثبوت حقّه لم يجز (١)، كما لو أبرأ من دين الميت قبل موته.
وإنّما استحسنوا وقالوا: يجوز براءته؛ لأنّ الحق يثبت للورثة (عند الجرح، لولا ذلك لم يثبت لهم عند) (٢) الموت، فإذا أبرأ عند ثبوت [سبب] الحقّ، جاز (٣).
стр. 3892
بَابْ: جنايةِ العبدِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى (١): وإذا جنى عبدٌ على حرٍّ أو عبد، جنايةً خطأً في نفسٍ أو فيما دون النفس، يقلُّ أَرْشها أو يكثر، فذلك في رقبة العبد الجاني، ليس في ذمة المولى منه شيءٌ، ويقال للمولى: ادفعه بجنايته، أو افده بجميع أَرْش الجناية، قليلًا كان الأَرْش أو كثيرًا، بالغًا ما بلغ.
وقال الشافعي في جناية العبد: يباع فيها، إلا أن يفديه المولى (٢).
لنا: ما روي في حديث ابن عباسٍ أنّه قال: "إذا جنى العبد، إن شاء دفعه، وإن شاء فداه" (٣).
وعن عمر أنّه قال: "عبيد الناس أموالهم، وجنايتهم في قيمتهم"، وعن عليٍّ مثله (٤).
ولأنّ الجناية التي يمكن استيفاؤها من الرقبة، تتعلّق بها كجناية العمد في الحرّ والعبد.
стр. 3893
وإذا ثبت أنّ الجناية تعلّقت برقبته، فإذا خلّى (١) المولى بين وليّ الجناية وبينه، سقطت عنه المطالبة بها كجناية العمد؛ ولأنّه إنّما يُخاطَب بالجناية لأجل ملكه، فإذا أسقط حقّه (٢) زالت المطالبة، كالوارث إذا خلّى بين الغرماء وبين التركة.
وأما إذا اختار الفداء؛ فلأنّه لا حقّ لوليّ الجناية إلا في الأَرْش، فإذا استوفاه، سقط حقّه.
وليس جناية العبد [كدينه] (٣)؛ لأنّ جناية الحرّ الخطأ يُطالَب بها غيره، فكذلك جناية العبد يُطالَب بها المولى، وديون الحرّ لا يُطالَب بها غيره، فكذلك ديون العبد تتعلّق به.
٢٥٠٣ - [فَصْل: سقوط ما لزم المولى بهلاك العبد]
قال: فإن لم يختر حتّى مات العبد، بطل حقّ المجنيّ عليه، ولم يكن له على المولى شيءٌ من أَرْش جنايته؛ وذلك لأنّ الحقّ كان يلزم المولى في الرقبة، فإذا تلفت، سقط ما لزمه عنها، كهلاك المال بعد وجوب الزكاة فيه؛ ولأنّها جنايةٌ فتسقط بموت العبد كالعمد.
[قال]: فإن مات العبد بعدما اختار المولى الفداء، فالفداء عليه، لا يبرأ منه بموت العبد؛ وذلك لأنّ الاختيار ينقل الحقّ من الرقبة إلى ذمّة المولى، فإذا مات العبد لم يسقط ما في ذمّة المولى من الدين، كسائر ديونه.
стр. 3894
٢٥٠٤ - [فَصْل: جناية العبد على جماعة]
قال: فإن جنى العبد على جماعةٍ، فالمولى أيضًا بالخيار: إن شاء دفع العبد إلى جماعتهم، وكان مقسومًا عليهم على قدر ما لكلّ واحدٍ منهم من أَرْش الجناية، وإن شاء أمسكه (وغرمَ أَرْش الجنايات كلها) (١)؛ وذلك لأنّ تعلّق الجناية برقبته لا يمنع تعلّق مثلها، كما لا يمنع الدين من الدين، وكما لا يمنع حقّ المولى من حقّ وليّ الجناية، فإذا تعلّق حقّ الجماعة بالرقبة، كان على المولى أن يدفع إليهم، فيقتسمون الرقبةَ على قدر حقوقهم، أو يفدي بجميع أروشهم.
وللمولى في هذا الفصل أن يخالف بين الاختيار: فيفدي من بعضهم، ويدفع إلى بعضهم مقدار ما تعلّق به حقّه من العبد؛ وذلك لأنّ كلّ واحدٍ منهم لا تعلّق لحقّه بحقّ صاحبه، فجاز أن يختار في حقّ أحدهم غير (٢) ما يختار في حق الآخر، كما لو انفرد كلّ واحدٍ منهم.
وليس هذا كالعبد إذا قتل رجلًا خطأً وله وليّان، فاختار المولى الفداء من أحدهما، والدفع إلى الآخر، أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنّها جنايةٌ واحدةٌ خُيّر فيها بين الدفع والفداء، فلم يملك تبعيض موجبها.
وفي مسألتنا هي جناياتٌ مختلفةٌ، فإذا اختلف خياره فيها، لم يتبعّض موجب الجناية (٣).
стр. 3895
وأما كيفية القسمة، فعلى ما بيّنا أنّه يدفع إليهم بقدر حصصهم، فإن كان قتل رجلًا خطأً، وفقأ عين آخر، ثم اجتمعا، فاختار المولى الدفع، فإنّه يدفع العبد إليهم أثلاثًا؛ لأنّ وليّ المقتول ثبت (١) حقّه في الدية: وهي عشرة آلاف، ويثبت حق المفقوءة عينه في نصف الدية، وكلّ واحدٍ منهما يُدلِي بسببٍ صحيحٍ، فضُرِب بجميع حقّه، فاقتسما أثلاثًا.
ولو كان شجّ رجلًا مُوْضِحَةً، وآخر هاشمةً، وآخر مُنَقّلَةً، ثم اختار المولى الدفع: دفع إلى صاحب المُوْضِحة سدس العبد، وإلى صاحب الهاشمة ثُلُثه، وإلى صاحب المُنَقِّلَة نِصْفه؛ لأنّ لصاحب المُوْضِحة خمسَمائةٍ، ولصاحب الهاشِمة ألفًا، ولصاحب المُنَقِّلَة ألفًا وخمسمائةٍ، فاقتسموا الرقبة (٢) على ذلك.
٢٥٠٥ - [فَصْل: موت العبد في يد الغاصب]
قال: فإن غصب العبدَ غاصبٌ، فمات في يد الغاصب، أو قتله قاتلٌ، فغرمَ قيمته، فإنّ القيمة بين أصحاب الجناية تُقسم بينهم على ما كانت الرقبة تُقسم عليهم، وليس في القيمة (٣) للمولى خيارٌ، ليس فيها غير الدفع؛ وذلك لأنّ القيمة إذا كانت أقل من الأَرْش فلا فائدة في تخيير المولى بين تسليمها وتسليم ما زاد عليها، فتعيّن الدفع.
وليس كذلك العبد؛ لأنّ في تخيير المولى فائدةً، ألا ترى أنّ الإنسان قد يختار العبد القليل القيمة لغرضٍ فيه، فيبذل أكثر من قيمته.
стр. 3896
وإنّما تعلّق حقّ وليّ الجناية بقيمة العبد؛ لأنّها بدلٌ عن الرقبة التي تعلّق حقّه بها.
٢٥٠٦ - [فَصْل: عَبْدٌ لرجل قَتَلَ عَبْدًا أو قطع يده]
قال: ولو قتل العبدَ عبدٌ لرجلٍ، فإنّ مولى العبد الثاني (يقال له: ادفع عبدك بالعبد المقتول، أو افده بقيمة المقتول؛ لأنّ حكم العبد الثاني) (١) في الجناية، حكم العبد الأوّل.
فإن فداه بقيمة المقتول، قُسّمت القيمة بين أولياء الجناية الأولى؛ لما بيّنا أنّها قامت مقام الجاني، فليس في التخيير فائدةٌ.
فإن اختار مولى الثاني دفعه إلى مولى المقتول بعبده، خُيّر مولى الأول في العبد الذي أخذه بعبده: إن شاء دفعه بالجنايات، وإن شاء فداه بجميع أَرْشها؛ وذلك لأنّ الثاني قام مقام الأوّل، فيتعلّق به من حكم الجنايات ما تعلّق بالأوّل (٢)، وفي التخيير فائدةٌ، فخُيّر المولى فيه، كما كان يُخيّر في الأوّل.
قال: ولو لم يُقتَل العبد الجاني، ولكن قطع عبدٌ يده، فدُفِع بيده، فإنّ مولى العبد القاتل يُخيّر في الدفع والفداء على ما وصفت لك، فإن اختار الدفع، (دَفَع العبد) (٣)، وما دُفِع بالجناية عليه.
وكذلك لو قطع يد العبد القاتل رجلٌ [حرٌّ]، فغرم أَرْش يده، فإنّ المولى
стр. 3897
إذا اختار الدفع، يدفع أَرْش القاتل معه؛ وذلك لأنّ العبد [القاتل] (١)، قام مقام اليد، وقد كان حقّ وليّ الجناية متعلقًا بها، فتعلّق بما قام مقامها.
٢٥٠٧ - [فَصْلَ: كَسْبُ العبد في دفع المولى العبد]
قال: ولو كان مولى العبد الأوّل اختار الدفع، وللعبد كسبٌ كسبه بعد جنايته، أو كان الجاني أمةً فولدت بعد الجناية ولدًا، ثم اختار المولى الدَّفعَ، لم يدفع الكسب ولا الولد، ودفع الأمّ دون كسبها وولدها؛ وذلك لأنّ الحقوق المستقرة في الرقاب لا تسري إلى الاكتساب، فالحقوق التي لم (٢) تستقرّ أولى.
فأمَّا الولد؛ فلأنّ حقّ الجناية غير مستقرٍّ في الرقبة، ألا ترى أنّ المولى يُخيّر: إن شاء عيّنه في الرقبة، وإن شاء نقله عنها [إلى الفداء]، والحقوق التي لم تستقرّ لا تسري إلى الولد؛ ولأنّها جنايةٌ، فلا تسري إلى ولد الجارية (٣) كجناية العمد.
قال: وإذا قتل العبدُ قتيلًا خطأً، فخُيّر المولى بين الدفع والفداء، فاختار الفداء، ثم عُلِم أنّه فقيرٌ لا شيء معه، فإنّ الدية لازمةٌ، وهي دينٌ على المولى، وهذا قول أبي حنيفة، وسواءٌ كان خيار المولى عند قاضٍ أو غيره.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إن أدَّى المولى الدية، وإلّا دفع العبد، إلّا أن يرضى الأولياء أن يتبعوا المولى بالدية، فإن رضوا بذلك، لم يكن لهم بعد ذلك أن يرجعوا في العبد.
стр. 3898
وقد رُوِيَ عن أبي يوسف أنّه قال: يُقال للمولى: إمّا أن تدفع الدية حالّةً، وإلا بِيع العبد فيها.
[وجه قول] أبي حنيفة: أنّ الجناية غير مستقرّةٍ في الرقبة، وللمولى الخيار فيها: فإذا اختار، انتقل الحقّ منها إلى الذمة، فلم يعُد (١) وإن كان معسرًا، كما لو سلّم البائعَ المبيعَ إلى المشتري، ثم ظهر إعساره.
وجه قولهما: أنّ المولى يملك نقل الجناية من الرقبة إلى الأَرْش، فأمّا أن يملك إسقاط الحقّ فلا، ومتى كان معسرًا أُسقط الحقّ عن الرقبة، ولم يُسلّم للولي شيءٌ، فلم يجز ذلك.
فأمّا الرواية التي قال [فيها]: يباع العبد، فعلى أصل أبي يوسف (٢) في الحَجْر (٣)؛ لأنّ الأَرْش صار دينًا عليه، فإذا لم يقضه، بِيع ماله فيه.
وأما قوله: وسواء كان ذلك بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ؛ (فقد ذكر المسألة في اختلاف أبي يوسف وزفر.
قال أبو يوسف: إن كان الاختيار بقضاءٍ) (٤) لم يصحّ، وإن كان بغير قضاءٍ صحّ، وقال زفر: هما سواءٌ.
[وجه قول] أبي يوسف: أنّ الاختيار إذا كان بغير قضاءٍ صار في حكم
стр. 3899
[ما تمّ] (١) بالتراضي، بدلالةِ من اشترى دارًا بعبدٍ، فأخذها الشفيع بالشُّفْعة بغير قضاءٍ، ثم استُحِقّ العبد، لم يُنقَض أخذه، كما لا يُنقَض الشراء (٢)، ولو كان الأخذ بقضاءٍ فاستُحقّ العبد، بطل الأخذ؛ لأنّ الحاكم بان له أنّ القضاء وقع بغير حقٍّ.
وكذلك في مسألتنا (٣)، إذا وقع التخيير عند الحاكم، ثم بان الإعسار، فالحاكم لا يُسقِط حقّ وليّ الجناية من غير عوضٍ [يسلم] (٤) له.
وإذا كان بغير قضاءٍ، فاختيار المولى كالتراضي، ولو تراضيا بذلك جاز.
وجه قول زفر: أنّ صحة الاختيار لا تقف على القضاء، فصار وجود القضاء وعدمه سواءً.
٢٥٠٨ - [فَصْل: دفع العبد القاطع يد رجل لولي الجناية]
قال: فإن قطع عبدٌ يد [رجلٍ] (٥)، فاختار المولى الدفع، فدفعه إلى وليّ الجناية، ثم مات المقطوع من القطع، فالدفع على حاله؛ وذلك لأنّ الرقبة على ملك المجنيّ عليه، ولو كانت على ملك الجاني [فسلَّمها] (٦)، سقط الحقّ عنه، فإذا تقدّم التسليم قَبْل ذلك، لم يلزمه شيءٌ.
стр. 3900
قال: ولو كان المولى اختار أن يدفع إلى وليّ الجناية أَرْش يده، فدفعه ثم انتقض القطع، فمات المقطوع من القطع، فالقياس: أن يكون هذا اختيارًا للفداء، ويلزمه الدية، وهو قول أبي (١) يوسف الآخر.
والاستحسان: أن يُخيّر خيارًا مستقبلًا، وهو قول أبي يوسف الأوّل وقول محمدٍ.
وجه القياس: أنّ المولى لمّا اختار الأَرْش (٢) انتقلت الجناية عن الرقبة إلى ذمّته، فلزمه حكم السراية باختيار أصلها، فكأنّه اختار بعد السراية؛ ولأنّهُ لو أعتق بعد القطع ثم مات المقطوع، كان ذلك اختيارًا، فكذلك إذا اختار الأَرْش؛ لأنّ كلّ واحدٍ من الأمرين يُوجب نقل الجناية من الرقبة إلى الذمّة.
وجه الاستحسان: أنّ المولى إنّما اختار الأَرْش لقلّته (٣)، فإذا زاد تغيّر (٤) حكم الاختيار، والدفع ممكنٌ، فكان له أن يختار.
وهذا كما قالوا: فيمن بلغه بيع الدار بألفٍ، فسلّم الشفعة، ثم بان أنّها بيعت بأقلّ، كان له الخيار مستقبلًا، كذلك هذا.
ولأنّه اختار أَرْش اليد، وذلك ليس بحقٍّ لوليّ الجناية، وإنّما حقّه النفس، فاختياره لما ليس بحقٍّ له لا يتعلّق به حكمٌ.
стр. 3901
٢٥٠٩ - [فَصْل: قتل العبد المدين رجلًا خطأً]
قال: فإن قتل العبد رجلًا خطأً، وعلى العبد القاتل دينٌ، فإنّ المولى يُخيّر في الدفع إلى أولياء الجناية أو الفداء، فإن اختار الدفع فدفعه، تبعه غرماؤه، فباعوه في دينهم، فإن فضل من الثمن شيءٌ، كان لأصحاب الجناية، وإن لم يفضل من الثمن شيءٌ، لم يكن لأولياء الجناية شيءٌ.
وإن نقص ثمنه عن دينه، لم يكن للغرماء على المولى ولا على أحدٍ شيءٌ، حتّى يُعتَق العبد، فيتبعوه بما بقي من دينهم؛ وذلك لأنّ حقّ الغرماء في الرقبة لا يمنع من ثبوت الجناية، كما لا يمنع حقّ المولى (١) من ثبوت حكم الجناية، فإذا اجتمع الحقّان (٢) بدأ القاضي بدفعه إلى الجناية، ثم بيع في الدين؛ لأنّ دفعه بالجناية لا يُبطِل حقوق الغرماء، وبيعه في الدين يُبطل حقّ وليّ الجناية، فكان البداية بما يجمع الحقّين أولى من البداية بما يُسقِط أحدهما.
فإذا بيع العبد ففضل شيءٌ من ثمنه، فهو لوليّ الجناية؛ لأنّه بيع على ملكه، فإن فضل من دينه شيءٌ، تأخّر إلى حال الحريّة؛ لأنّ المولى لا يلزمه من دين العبد إلا مقدار الرقبة والكسب (٣).
وقد قالوا: إنّ المولى لو دفعه إلى أولياء الجناية بغير قضاء قاضٍ، لم يضمن لأولياء الدين [شيئًا] استحسانًا، ذكره في المأذون (٤).
стр. 3902
وجه القياس: أنّه ملك الرقبة بعد تعلّق الدين بها، فكأنّه باعها.
وجه الاستحسان: أنّه فعل ما لو رفع إلى القاضي لفعله، فوقع الدفع (عن مستحقّه.
قالوا: ولو دفع المولى العبد إلى أولياء الدين بدينهم (١)، كان مختارًا) للجناية، ولزمه الأَرْش إن كان عالمًا بالجناية (٢)، والقيمة إن لم يكن عالمًا؛ لأنّ دفعه بالدين تمليكٌ للرقبة، والمولى إذا ملّك عبده الجاني صحّ تمليكه وضمن الجناية (٣).
وقد قالوا: لو خاصم صاحب الدين في ماله، وأقام البيّنة، ولا يعلم بالجناية، فباعه القاضي في الدين، ثم حضر صاحب الجناية، ولا فضل في الثمن عن الدين، فقد سقط حقّ وليّ الجناية؛ لأنّ القاضي لا يلزمه ضمان نقله، فلو فسخ البيع ودفع بالجناية، ردّ البيع وسقط حقهم.
وليس هذا كبيع المولى؛ لأنّ الضمان يجوز أن يلزمه بفعله، فصار بالبيع ضامنًا، ذكر هذه المسألة في المنتقى.
٢٥١٠ - [فَصْل: إقرار العبد المأذون له في التجارة بجناية]
قال: فإن أقرّ العبد بجناية خطإٍ (٤)، وهو مأذونٌ له في التجارة، أو محجورٌ عليه، فإقراره باطلٌ، فإن عتق بعد ذلك لم يُتبع بشيءٍ من الجناية.
стр. 3903
أمّا المحجور إذا أقرّ بجناية الخطأ؛ فلأنّه إقرارٌ بمالٍ، فلا يتعلّق به حكمٌ، كإقراره (١) بالدين.
وأمّا المأذون فإقراره جائزٌ بالديون التي تلزم بالسبب الذي أذن المولى فيه، وهو التجارة وما تعلّق بها.
فأمّا الجناية، فلم يأذن فيها المولى، فالمأذون فيها كالمحجور.
وإنّما لم يطالب بإقراره بعد عتقه؛ لأنّ جناية العبد لازمةٌ للمولى، فلم يقرّ بشيءٍ على نفسه، فلا يلزمه بعد عتقه.
وكذلك لو أقرّ بعد العتق أنّه جنى في حال الرقّ، لم يلزمه شيء؛ لأنّه أضاف الجناية إلى حالةٍ [مُتقدّمةٍ] (٢)، وتلك الحالة لا يلزمه فيها بجنايته شيءٌ.
قال: وإذا قتل العبد قتيلًا وهو مقطوع اليد أو أعور، وقد أخذ المولى أَرْش يده وعوره ممّن فعل ذلك، فاختار دفعهُ بالجناية، دفعه على الحالة التي جنى عليها، ويُسلِّم ما أخذ المولى للمولى؛ وذلك لأنّ حقّ وليّ الجناية لم يتعلّق إلا برقبته ناقصةً، وقد سُلِّمت له على الوجه الذي تعلّق حقّه بها، فلم يثبت له في الأَرْش الذي هو بدلٌ عمّا لم يتعلّق حقّه به.
قال: فإن قتل قتيلًا خطأً، ثم قطعت يده بعد الجناية، فأخذ المولى الأَرْش، ثم قتل آخر بعد قطع يده، فإنّ أرش يده يُدفع إلى ولي الجناية الأولى، ثم يُدفع العبد - إذا اختار المولى الدفع - إلى أولياء القتيلين (٣) على تسعةٍ وثلاثين جزءًا؛
стр. 3904
وذلك لأنّ حقّ وليّ الجناية الأولى تعلّق بالرقبة، وهي كاملةٌ، فتعلّق حقّه بالأَرْش؛ لأنّه بدلٌ عمّا تعلّق حقّه به.
فأمّا ولي الجناية الثانية، فإنّما تعلّق حقّه برقبته ناقصةً، ولا حقّ له في الأَرْش، وإنّما يزاحم في الرقبة، وقد فُرِض المسألة في أنّ قيمة العبد ألفٌ وأَرْش يده خمسمائة، إذا استوفاها الأول، بقي من حقّه تسعة آلاف وخمسمائة، وحق الثاني في عشرة آلاف، فاجعل كل خمسمائة جزءًا، فيكون للأول تسعة عشر جزءًا، وللثاني عشرون جزءًا، فيقتسمان الرقبة على ذلك.
٢٥١١ - [فَصْل: اختلاف ولي الجناية والمولى في قطع اليد قبل الجناية أو بعدها]
قال: فإن اختلف وليّ الجناية والمولى، فقال المولى: قُطعَت يده قبل الجناية، وقال وليّ القتيل: بعد الجناية، فالقول قول المولى مع يمينه، وعلى وليّ الجناية (١) البيّنة؛ وذلك لأنّ وليّ الجناية يدّعي استحقاق مالٍ في يد المولى، والأصل عدم الاستحقاق؛ ولأنّه يدّعي تقدّم الجناية على القطع، وذلك تاريخٌ لا يُعلَم إلا بقوله.
قال: ولو شجّ رجلًا مُوضِحةً خطأً، وقيمته ألف، ثم قتل آخر وقيمته ألفان، فإن اختار المولى الدفع، دفعه بينهما على إحدى وعشرين جزءًا، واحدٌ لصاحب المُوْضِحة، وعشرون لوليّ القتيل، ويشتركون في الزيادة.
ولو كان عَمِيَ بعد القتل قبل الشَّجّة، فهو مثل ذلك، يكون ناقصًا بينهما، [يشتركان] (٢) في النقصان؛ وذلك لأنّ حقّ وليّ الجناية متعلّقٌ بالرقبةِ،
стр. 3905
فزيادة قيمتها بعد تعلّق حقّه، كزيادتها قبله.
فأمّا النقصان، فهو كتلف جزءٍ من الرقبة، ولو تلفت الرقبة كلّها كانت من حقّهم، فكذلك إذا نقصت.
وإذا ثبت هذا، ضرب صاحب المُوْضِحة بخمسمائةٍ، وصاحب النفس بعشرة آلافٍ، فاجعل كل خمسمائة جزءًا، تكون الجملة (١) عشرين جزءًا يقتسمان الرقبة على ذلك.
وممَّا يلحق بهذَا البَابِ
٢٥١٢ - [فَصْل: قَتْلُ الأمةِ العبدَ القاتلَ خطأ]
ما ذكر محمدٌ في الأصل: في العبد إذا قتل رجلًا، ثم قتلته أمةٌ لمولاه خطأً، قيل للمولى ادفعها أو افدها بقيمة العبدِ؛ وذلك لأنّ تعلقَ حقّ أولياء الجناية برقبة العبد، جعل مولاه فيه كالأجنبي، فكأنّ أمةً لغير المولى قتلته، ويخيّر مولاها بين دفعها أو فدائها بقيمة المقتول؛ فكذلك يخيّر مولى العبد بين الأمرين.
فإن قتل العبدُ رجلًا خطأً، وقتلت أمةٌ لمولاه رجلًا خطأً، ثم إنّ العبد قتل الأمة، فإن اختار المولى الفداء، فداه بالدية وبقيمة الأمة؛ لأنّ الجنايتين تعلّقتا برقبته، فيفدى بأَرْشهما.
فإن اختار الدفع ضرب في العبد أولياء قتيل العبد بالدية، وأولياء قتيل الأمة بقيمة الأمة، لأنّ كل واحدٍ منهم يثبت له في رقبته هذا القدر، فيضرب فيها بمقدار حقهِ.
стр. 3906
وقالوا في العبد إذا جنى ففداه المولى، ثم جنى، قيل لمولاه: ادفعه أو افده؛ لأنّ الرقبة تفرّغت منَ الجناية بالفداء، فصار حكم الجناية الثانية كحكم الأولى.
وليس كذلك إذا جنى ثم جنى قبل الاختيار؛ لأنّ الرقبة لم تتفرّغ من الجناية، فتعلّقت الجنايتان برقبته، فيدفع فيهما.
٢٥١٣ - [فَصْل: قول الذي في يده العبد الجاني: هذا عبد فلان أودَعَهُ عندي]
وقالوا في العبد إذا جنى، فقال الذي هو في يده: هذا عبد فلانٍ أودَعَهُ عندي، فإن أقام البيّنة على ذلك، دفع الخصومة عن نفسه؛ لأنّا [قد] بَيَّنَّا أنّ العبد وصل من جهة غيره، وأنّ الغائب أقامه مقام نفسه في الحفظ دون أحكام الجناية، فلم يلزمه حكمها.
فإن لم يقم بيّنةً، قيل له: ادفعه أو افده؛ لأنّ حكم الجناية متعلّقٌ به، فإذا أحال به على غيره لم يقبل بغير بيّنةٍ، فإن اختار الفداء، ثم حضر الغائب فصدّقه، فهو متطوعٌ في الفداء؛ لأنّه فدى ملك غيره بغير أمره، وقد كان يمكنه أن يتخلص من الفداء بالدفع، فإذا اختاره كان متبرعًا.
وإن اختار الدفع، ثم حضر الغائب فصدّقه، قيل له: إن شئت فافسخ الدفع؛ لأنّ التصديق استند إلى الإقرار الأوّل، فصار مالكًا للعبد من ذلك الوقت، وقد دفعه من ليس بمالكٍ، فإن شاء اختار دفعه، وإن شاء فسخ وفدى.
٢٥١٤ - [فَصْل: عبد أُقر به لرجل فأقرَّ عليه بجناية]
وقالوا فيمن في يده عبدٌ أقرّ به لرجلٍ، فأقرّ عليه بجناية، فهو على ثلاثة
стр. 3907
أوجه: إن صدّقه المُقَرّ له في الملك والجناية، قيل للمُقَرّ له: ادفعه أو افده بالأَرْش؛ لأنّهما تصادقا على الملك وعلى الجناية، فكأنّ (١) ذلك كان معلومًا.
ولا يكون الذي في يده العبد بإقراره بعد الجناية مختارًا؛ لأنّ الإقرار لا ينقل الملك، وإنّما هو إخبارٌ عن ملكٍ سابق.
وقال زفر: يكون مختارًا؛ لأنّ الملك له في الظاهر، وقد انتقل بالإقرار بعد الجناية.
وأمّا إن صدّقه المُقَرّ له في الملك، وكذّبه في الجناية، فلا شيء على واحدٍ منهما في الجناية؛ لأنّ الذي في يده العبد أقرّ بجنايةٍ على ملك غيره، والمالك لم يقرّ في عبده بشيءٍ، إلا أن يكون الذي في يده العبد [كان قد] (٢) ادّعى هذا العبد لنفسه، فيكون مختارًا؛ لأنّه في حكم من نقل الملك باختياره.
وأمّا إذا كذّبه المُقَرّ له في الملك، قيل له: ادفعه أو افده؛ لأنّ الإقرار بطل بالتكذيب، فكأنّه لم يكن.
٢٥١٥ - [فَصْل: العبد يقتل رجلًا له وليّان]
وقالوا: في العبد إذا قتل رجلًا له وليّان، فدفعه المولى إلى أحدهما، [فقتله] (٣) في يده آخَرُ، ثم حضر ولي المقتول الثاني [ووليّ] (٤) المقتول الأوّل.
قيل للمدفوع إليه: ادفع نصف العبد إلى وليّ المقتول الثاني، أو افده [منه]
стр. 3908
بنصف الدية؛ لأنّ الدفع صحّ في نصفِ العبد، فجنى على ملكه، فيخاطب بحكم جنايته.
ثم يقال له: ردّ النصف الآخر على المولى؛ لأنّك أخذته بغير حقٍّ، ويقال للمولى: ادفعه إلى وليّ الجناية الثانية ووليّ المقتول الأول الذي لم يدفع إليه، أو افده منهما.
فإن اختار الفِداء، فلا ضمان عليه؛ لأنّ وليّ الجناية الأولى استوفى حقّه بالفداء (١)، فلم يبق له شيءٌ يطالب به، وإن اختار الدفع، دفع هذا النصف إليهما نصفين؛ لأنّ حقّ (٢) كلّ واحدٍ منهما ثابتٌ في نصف النفس، فتساويا، فيُسلّم وليّ الجناية الثانية ثلاثة أرباع العبد، ولوليّ الجناية الأولى ربع العبد.
ثمّ لا يخلو: إمّا أن يكون دفع العبد كلّه إلى الأول بقضاءٍ، أو بغير قضاءٍ، فإن كان دفعه بقضاء قاضٍ، فلا ضمان عليه، (وإنّما الضمان على وليّ الجناية الأولى؛ لأنّه قبضه فارغًا، فردّه مشغولًا بالجناية) (٣)، وقد كان قبضه بغير حقٍّ.
فإن كان الدفع بغير قضاءٍ، فلوليّ الجناية الأولى الخيار: إن شاء أخذ ربع القيمة من المولى، وإن شاء أخذ من القابض، حتّى يُسلّم له نصف العبد، ربعه لحمٌ ودمٌ، وربعه دراهم.
فإن اتبع المولى رجع المولى على القابض؛ لأنّ العبد كان في ضمانه، وإن
стр. 3909
اختار اتّباع القابض، لم يرجع على (١) المولى بشيء؛ لأنّ حاصل (٢) الضمان عليه.
قال: ولو قتل العبد قتيلين خطأً، فدفعه المولى إلى أحدهما، فقتل عنده قتيلًا آخر، واجتمعوا جميعًا، فإنّ القابض يردّ نصف العبد ويدفع النصف بالجناية؛ لما ذكرنا أنّ تمليكه في النصف صحيحٌ، وقد جنى على ملكه (٣)، والنصف الآخر قبضه بغير حقٍّ، فيردّه، ثم يقال للمولى: ادفع النصف الذي ردّ عليك أو افده، فإن اختار الفداء، فدى الثالث بخمسة آلاف؛ لأنّ النصف قد وصل إليه من جهة الذي أخذ العبد، ويفدي لولي الثاني الذي لم يأخذ شيئًا بعشرة آلاف؛ لأنّ (٤) حقّه قد وجب في جميع الدية في الابتداء، ولم يُدفع (٥) إليه شيءٌ.
فإن اختار الدفع، فإنّه يدفع إليهما، فيضرب فيه الثاني بعشرة آلاف، والثالث بخمسة آلاف، فيصير هذا النصف بينهما أثلاثًا، ثلثاه للثاني، وثلثٌ للثالث، وقد بقي من حقّ الثاني السدس؛ لأنّ حقّه كان نصف العبد، وقد سُلّم له ثلثا النصف، وبقي له ثلث النصف، وهو سدس جميع العبد.
فإن كان الدفع بغير قضاء قاضٍ، فله أن يتبع أيهما شاء: وإن أخذ من المولى، رجع المولى على القابض، وإن أخذ [من] القابض، لم يرجع على المولى.
стр. 3910
وإن كان الدفع بقضاءٍ، فله أن يتبع القابض خاصّةً؛ لما ذكرنا في الفصل الأول.
٢٥١٦ - [فَصْل: تداخل الحقوق والقسمة بين أصحابها]
وأمّا إذا قتل العبد قتيلًا خطأً، وفقأ عين آخر، فدفعه المولى إلى المفقوءة عينه، فقتل عنده قتيلًا آخر، فإنّ المفقوءة عينه قد أخذ ثلثه بحقٍّ، وثلثيه بغير حقٍّ، فالثلث الذي أخذ بحقٍّ يُؤمر بدفعه أو فدائه، وعليه أن يردّ ثلثي العبد إلى الوليّ.
ثم يُخيّر الولي (١) بين الدفع والفداء، فإن فداه فإنّه يفدي من الأول بعشرة آلاف، ومن الثاني بثلثي الدية: وهو ستة آلاف وثلثا ألفٍ.
فإن اختار الدفع، دفع إليهما ثلثي العبد، يقتسمانه بينهما نصفين (٢)، فيضرب فيه للأول بعشرة آلافٍ، والثاني بستة آلافٍ وثلثي الألف، فاجعل كل ألفٍ بينهما، فيصير ثلثا العبد على ستة عشر سهمًا وثلثين، وكلّ العبد خمسةٌ وعشرون، ثلث العبد قد كان أخذه الآخر: وهو ثمانيةٌ وثلث، وثلثا العبد صار بينهما، لأحدهما عشرةٌ، وللآخر ستةٌ وثلثان.
ثم للأوّل أن يرجع على القابض بستة أجزاء من ستة عشر (٣) جزءًا وثلثين من ثلثي قيمته؛ لأنّه قد فات حقه بذلك المقدار بسببٍ كان في يده، فكأنّه تلفَ عنده.
стр. 3911
وإن كان الدفع بغير قضاء قاضٍ، فله أن يأخذ [من] أيّهما شاء كما ذكرنا في الفصل الأول.
وطريقةٌ أخرى: وهو أن يقول: [إنّه] إذا دفع ثلثي العبد إليهما، يضرب أحدهما بالدية، والآخر بثلثي الدية، فاجعل كلّ ثلثٍ سهمًا، فيصير ثلثا الدية سهمين، والدية ثلاثة أسهم، [فيصير] ثلثا العبد على خمسة أسهمٍ، للأوّل [ثلاثةٌ] (١)، وللآخر سهمان، ويصيرُ الثلث [الأخير] (٢) سهمين ونصف، فيصير جميع العبد على سبعةٍ ونصفٍ، وقد وقع فيه كسرٌ، فأضعفه، فيصير خمسة عشر، فالثلث منه خمسة، وقد دُفِع إلى الآخر، وثلثا العبد عشرة، فيُقسّم بينهما، فيضرب الأول بثلاثة أخماسه، وهو ستة أسهمٍ، والآخر بأربعة أسهمٍ، ثم يرجع الأول على القابض بخُمس (٣) ثلثي قيمة العبد.
٢٥١٧ - [فَصْل: قتل الأمة قتيلًا خطأ ثم ابنتها أيضًا]
قال: وإذا قتلت الأمة قتيلًا خطأً، ثم ولدت بنتًا، فقتلت ابنتها قتيلًا خطأً، ثم إنّ البنت قتلت الأمة، فالمولى بالخيار: إن شاء دفع البنت إليهما، وإن شاء فدى.
فإن اختار الفداء، فدى لأولياء قتيل البنت بالدية، ولأولياء قتيل الأمّ بقيمة الأمّ؛ لأنّه قد اجتمع [عليه] في رقبة الابنة جناية الأجنبي، وجناية الأمّ، فيفديها بذلك (٤).
стр. 3912
فإن اختار الدفع، دفع إليهما، فيضربان فيها على أحد عشر إذا قدّرنا أنّ قيمة الأم (١) ألفٌ؛ لأنّ الدية عشرة آلافٍ.
ولو لم تقتل الابنة الأمّ، ولكنها فقأت عينها، فهذا على أربعة أوجهٍ: إما أن يختار المولى دفعهما، أو فداءهما، أو فداء الأم ودفع الابنة، أو فداء الابنة ودفع الأم.
فإن اختار دفعهما: فإنّه يدفع الأمّ إلى أولياء قتيل الأمّ، ويدفع الابنة إلى أولياء قتيل (الابنة بالدية، وأولياء قتيل الأمّ بنصف قيمة) (٢) الأمّ؛ لأنّها أتلفت إحدى عينيها، وهو النصف.
وأما إذا اختار فداءهما: فإنّه يفدي لكلّ فريقٍ بتمام الدية، وسقطت جناية البنت على الأمّ؛ لأنّها ملكه تخلصًا من الجناية (٣).
وإن اختار دفع الأمّ وفداء البنت: فإنّه يدفع الأمّ إلى أولياء قتيل الأمّ، [ثمّ يفدي لأولياء قتيل البنت بالدية، وأولياء قتيل الأمّ بنصف قيمة الدية.
وإن اختار دفع الابنة وفداء الأمّ: فإنّه يدفع البنت إلى أولياء قتيل البنت، ويفدي لأولياء قتيل الأمّ بجميع الدية؛ لأنّه لمّا فدى لأولياء قتيل الأمّ] تبيّن أنّ البنت جنت على الأمّ، وهما لإنسانٍ واحدٍ، فلا يجب بجنايتهما شيءٌ، فلم يبق في البنت إلا جنايةٌ واحدةٌ.
стр. 3913
قال: ولو أنّ الأمّ فقأت بعد ذلك عين البنت قبل أن تُدفع واحدةٌ منهما، فإنّ المولى يُخيّر فيهما جميعًا، فيبدأ بالبنت؛ لأنّها هي التي بدأت بالجناية، فتدفع (١) إليهما، فيضرب فيها أولياء قتيل الابنة بالدية، وأولياء قتيل الأمّ بنصف قيمة الأمّ، ثم تُدفع الأمّ، فيضرب فيها أولياء قتيل الأمّ بالدية، إلا ما وصل إليهم من أَرْش البنتِ، [ويضرب فيها أولياء قتيل البنت بنصف قيمة البنت]؛ لأنّ كلّ واحدةٍ منهما جنت جنايتين، فوجب أن تدفع كلّ واحدةٍ منهما بجنايتها.
وقد اعتُرِض على هذا الجواب، فقيل: ينبغي أن تدفع البنت في الابتداء، فيضرب فيها [أولياء] قتيل الأم بنصف قيمة الأمّ، وأولياء قتيل البنت بالدية، إلا ما يصل إليهم في المستأنف؛ لأنّه يصل إليهم بعض الأم، فينبغي أن لا (٢) يضربوا بتمام الدية.
والصحيح ما في الكتاب؛ لأنّ البنت حين دُفعت كان حقّ أولياء البنت في تمام الدية، ولم يكن وصل إليهم شيءٌ، فوجب أن يضربوا بجميع ذلك، والزيادة التي تصير لهم في المستأنف لا عبرة بها؛ لأنّ القسمةَ قد صحّت وقت الدفع، فلا يُعتبَر بعد ذلك.
كما قالوا في رجل مات وعليه لرجلٍ ألف، ولآخر ألفان، وترك ألف درهم، فاقتسماها أثلاثًا، ثمّ إنّ صاحب الألفين أبرأ من ألفٍ، فإنّ القسمة الأولى لا تُنتَقض (٣)، كذلك هذا.
стр. 3914
وإذا جنت الأمة جنايةً، ثم ولدت ولدًا، فقطع ولدها يدها، فإنّ المولى يدفع الولد مع الأمّ؛ لأنّ الولد في حكم الجناية كعبد أجنبيٍّ.
ولو أنّ عبدًا لأجنبيٍّ قطع يد هذه الأمة، كان مولى العبد بالخيار: إن شاء دفعه، وإن شاء فداه بنصف قيمة الأمة، فكذلك هذا.
ولو أنّ عبدًا جنى على هذه الأمة، فهو على ثلاثة أوجهٍ: إما أن يكون جنى بعد جنايتها، أو قبل جنايتها، أو اختلفوا في ذلك.
فإن كان جناية العبد بعد جنايتها: فإنّ مولى العبد يخيّر بين الدفع والفداء، فإذا دفع أو فدى أو اختار مولى الأمة دفع الأمة، فإنّه يدفع الأمة مع ذلك الأَرْش؛ لأنّ حق أصحاب الجناية وجب في رقبةٍ تامّةٍ، والأَرْش قامَ مقام بعضها، فوجب أنْ يُدفع معها.
وإن كانت الجناية عليها قبل جنايتها: فأَرْشها يُسلّم للمولى؛ لأنّ حقّ أصحاب الجناية وجب في رقبةٍ ناقصةٍ.
وإن اختلفوا في ذلك، فالقول قول المولى؛ لأنّ أصحاب الجناية يدّعون الحقّ في الأَرْش مع الرقبة، فلا يُقبَل قولهم (١).
стр. 3915
بَابْ: العبد يجني فيحدثُ المولى فيه ما يكون اختيارًا أو لا يكون
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا قتل العبدُ قتيلًا خطأً، فأخرجه المولى من ملكه ببيعٍ أو غيره، أو أعتقه، أو دبّره، أو كاتب أمةً فاستولدها، أو أقرّ به لرجلٍ وهو يعلم بالجناية، فهو مختارٌ، وعليه الدية.
وإن كان لا يعلم فعليه قيمة عبده، وذلك لما بيّنا أنّ المولى مخيّرٌ في جناية العبد بين الدفع والفداء، ومن خُيّر بين أمرين، ففعل ما يدل على اختيار أحدهما، أو ما يمنع من اختيار أحدهما، تعيّن عليه الآخر، ومعلومٌ أنّه إذا باعه أو وهبه فقد تعذّر عليه دفعُه، فصار بذلك مختارًا للفداء.
وكذلك إذا أعتقه؛ لأنّ الدفع تمليكٌ، فلا يصحّ في الحر، وكذلك التدبير والاستيلاد يمنع من نقل الملك في الرقبة، فيتعذّر الدفع بفعل المولى.
فأمّا إذا أقرّ به لغيره، فقد ذكر في الأصل: أنّه لا يكون مختارًا، وفي غير الأصول: أنّه يكون مختارًا، وهو الذي ذكره أبو الحسن رحمه الله تعالى.
وجه ما في الأصل: أنّ الإقرار لا يوُجب سقوط حقّ وليّ الجناية، وليس فيه نقل الملك؛ لجواز أن يكونَ الأمرُ على ما قال المُقِرّ، فكأنّ البيّنة قامت بالملك.
وجه الرواية الأخرى: أنّ العبدَ على ملكه في الظاهر، فإذا أقرّ به، استحقّه المُقَرّ له بإقراره، فصار كما لو باعه أو وهبه.
стр. 3916
وإنّما قلنا: إنّهُ إذا فعل ما يكون به مختارًا وهو لا يعلم بالجناية، فعليه قيمة عبده إذا كانت أقلّ من الأَرْش؛ لأنّ الاختيار إنّما يكون مع العلم، فأمّا مع عدم العلم، فيستحيل أن يوصف بالاختيار، إلا أنّه منع التسليم بفعله مع تعلّق حقّ وليّ الجناية به (١)، فلزمته قيمته؛ لأنّه لم يتلف إلا ذلك.
٢٥١٨ - [فَصْل: أرش الجناية فيما إذا جنى العبد فيما دون النفس]
قال: وكذلك إذا كانت جنايته فيما دون النفس، ففعل شيئًا من هذا وهو يعلم، فعليه أَرْش الجناية.
وإن كان لا يعلم، فعليه الأقلّ من قيمته ومن أَرْش الجناية؛ لأنّ الجناية فيما دون النفس يُخيّر فيها بين الدفع والفداء كالنفس، فإذا فعل ما يمنع من الدفع وهو عالمٌ، صار مختارًا.
وإن كان (غير عالمٍ، لزمه الأقلّ؛ لأنّ الأَرْش إن كان أقلّ، فلا حقّ لولي الجناية فيما زاد عليه، وإن كان) (٢) أكثر، فلم يتلف المولى إلا رقبة العبد، فلزمه ذلك.
وقد قالوا في عبدٍ قطع يد رجلٍ، فوهبه مولاه، فلا شيء على المولى، وإن باعه [المولى] من المجنيّ عليه كان مختارًا؛ لأنّه لو لم يهبه أمكنه التخلّص من الجناية بتسليمه، فلو ضمّنه لضمنه؛ لأنّه وهبه، والهبة لا توجب الضمان.
فأمّا البيع، فيجوز أن يُوجِب الضمان على البائع، فصارَ كما لو باعه من
стр. 3917
أجنبيٍّ؛ ولأنّ الهبة [تقع] (١) كالبيع، فوقع الدفع المُستَحقّ؛ لأنّه تمليكٌ بغير عوضٍ، والبيع لا يقع موقعه؛ لأنّه تمليكٌ بعوضٍ.
ولو [أمر] (٢) المولى المجنيّ عليه بعتقه، فأعتقه، صار المولى مختارًا إذا كان عالمًا بالجناية (٣)؛ لأنّ المجنيّ عليه قام مقامه في [العتق] (٤)، فكأنّه أعتقه بنفسه.
قال: ولو ضربه ضربًا أثّر فيه ونقصه وهو يعلم بالجناية، فهو مختارٌ، وإن كان لا يعلم، فعليه الأقلّ من قيمته ومن أَرْش الجناية؛ إلا أن يرضى وليّ الدم أن يأخذه وبه ذلك النقصان بغير ضمانٍ يلزمه (٥) لذلك النقصان.
وهذه المسألة أطلق جوابها في الأصل، فقال: يكون مختارًا، وإنّما روي عن أبي يوسف أنّه قال هذا التفصيل، فحمل أبو الحسن ما أطلقه في الأصل على تفصيل أبي يوسف.
والدليل على أنّه يكون مختارًا: أنّه حبس جزءًا من العبد بفعله، ومنع من تسليمه، فصار كأنّه قال: اخترت بعضه دون بعض، فيكون مختارًا لجميعه.
والذي قال أبو يوسف، فيجوز أن يكون قولهم؛ لأنّ المنع من الدفع مع النقص، إنّما يثبت لحقّ ولي الجناية، فإذا رضي به، فكأنّه نقص بآفةٍ من السماء.
стр. 3918
٢٥١٩ - [فَصْل: العبد الجاني إذا ضربه المولى فابيضت عينه]
قال: ولو ضربه المولى فابيضّت عينه خطأً وهو يعلم بالجناية (١)، فهو مختارٌ، فإن ذهب البياض قبل أن يخاصم، فإنّه يدفع أو يفدي، وليس هذا باختيارٍ؛ وذلك لأنّ بياض العين يمنع من الدفع للنقص الحاصل، وذلك النقص مراعىً لجواز أن يزول، فإذا زال فكأن لم يكن.
٢٥٢٠ - [فَصْل: العبد الجاني يضمنه القاضي الدية بعد الضرب]
قال: ولو خوصم في حال البياض، فضمّنه القاضي الدية، وقد كان الضرب من المولى وهو يعلم بالجناية، ثم ذهب البياض، فالقضاء نافذٌ لا يُردّ؛ ولأنّ تعذّر الدفع كان مراعىً، فلما حكم الحاكم بأحد وجهي المراعاة، سقط الآخر.
قال: وإن استخدمه بعد العلم بالجناية، فعطب بالخدمة، فلا ضمان عليه، ولا يكون هذا اختيارًا؛ وذلك لأنّ الخدمة لا تختصّ بالملك، فلا يدل على اختيار المالك.
ولهذا قالوا: في العبد المشروط فيه الخيار، إذا استخدمه المشتري، إنّ خياره باقٍ، فكذلك لا يدل على الاختيار في مسألتنا، ولا يضمن المولى بعطبه في الخدمة؛ لأنّه ليس بمتعدٍّ في الاستخدام، ألا ترى أنّ منافعه على ملكه، فموته من الخدمة كموته بآفةٍ من السماء.
وكذلك لو كان عليه دينٌ، فاستخدمه، لم يضمن للغرماء؛ لما بيّنا أنّ [المنافع] (٢) على ملكه، فاستخدامه ليس بمتعدٍّ فيه.
стр. 3919
وكذلك لو كانت أمةً فوطئها، فليس الوطء باختيارٍ، هذا كالخدمة، فإن علقت وقد وطئ وهو يعلم بالجناية (١)، فعليه الدية.
ومن أصحابنا من روى عن أبي يوسف: أنّ الوطء اختيارٌ، وهذا إنّما هو في وطء الثيِّب.
وجه قولهم المشهور: أنّه استوفى منفعةً على ملكه لا توجب نقصًا في العين (٢)، فلا يمنع الدفع كالاستخدام، وليس هذا كوطء البكر؛ لأنّه إتلافٌ لجزءٍ منها من طريق المشاهدة.
وجه قول أبي يوسف: أنّ الوطء أُجري مجرى إتلاف جزءٍ (٣)، ألا ترى أنّه إذا حصل ذلك في [ملك] الغير لم يخل من معنًى يجب به، [إمّا عَقرٍ أو حدٍّ] (٤).
وأمّا إذا علقت، فقد تعذّر الدفع فيها بالاستيلاد، فصار مختارًا.
٢٥٢١ - [فَصْل: فسخ القاضي لإجارة العبد الجاني]
قال: فإن آجره، فإنّ الحاكم ينقض الإجارة، ويقول ادفع أو افد، وقد اختلف جواب هذه المسألة في نسخ كتاب الديّات لمحمد، فقال في بعض النسخ: إنّ الإجارة والرهن ليستا باختيارٍ، ولكن القاضي يفسخهما، ويخيّره.
стр. 3920
ووجه ذلك: أنّ الإجارة تنفسخ بالعذر، وتعلّق حقّ وليّ (١) الجناية [بالرقبة] (٢) عذرٌ في الفسخ، فلم يتمّ العقد، فلا يصير به مختارًا، وكذلك الرهن، يزول عنه يد المرتهن بغير اختياره إذا [قضاه الراهن الدين] (٣)، فصار كالوديعة.
وقال في بعض النسخ: إنّه يكون اختيارًا. ووجهه: أنّ الإجارة والرهن يتعلّق بهما استحقاق يد المولى، فصار كالبيع.
قال: وإن أذن له في التجارة، فاستدان دينًا، فإنّ الحاكم يخيّره: إن شاء فداه، وإن شاء دفعه بالجناية، فإن أراد دفعه، فليس له ذلك إلا أن يرضى المجنيّ عليه أن يقبله ويبيعه (٤) الدين عنده.
وإنّما لم يصر بالإذن له في التجارة مختارًا؛ لأنّ الإذن لا يزيل ملكه، فلا يمنع دفعه، فصار كاستخدامه، فإذا لحقه الدّين فقد نقصت الرقبة بسببٍ من جهة المولى، فلولي الجناية أن يمتنع من قبوله ناقصًا بالدين، ويلزم المولى القيمة؛ لأنّه غير مختارٍ بالإذن، فلا يلزمه الأَرْش، وإذا بطل الدفع (٥) من غير اختيارٍ، فوجبت القيمة، هكذا ذكره محمدٌ في الأصل.
وقد قيل: إنّ محمدًا أجاب بحاصل الضمان، وإلا فالتقدير أن يدفعَ بالجناية، فإن اتّبعه الغرماء فباعوه في يد المجنيّ عليه، رجع المجني عليه بقيمته على المولى؛ لأنّه استُحقّ من يده بسببٍ من جهة المولى. [بعد الجناية]
стр. 3921
٢٥٢٢ - [فَصْل: وطء السيد الجارية الجانية]
قال: وإن وطئ أمته وهي بكرٌ، وقد جَنَتْ، فهو اختيارٌ إذا كان يعلم بالجناية؛ لأنّه حبس بالوطء جزءًا منها، فكأنّه اختار بعضها.
٢٥٢٣ - [فَصْل: كتابة المولى للعبد الجاني ثم عجزه]
قال: ولو كاتب المولى (١) العبد الجاني، ثم عجز، فإذا كان بعد العلم بالجناية، فعليه الأَرْش في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان لا يعلم بالجناية، فإنّه يقال للمولى: ادفعه أو افده.
قال أبو يوسف: ليس الخصومة قبل ما يعجز وبعدما يعجز سواء، وهو مختلفٌ؛ لأنّه لا يقدر على دفعه بالجناية، وهو يقدر (٢) على دفعه إذا عجز.
وقد روي عن أبي يوسف: أنّ الكتابة اختيارٌ.
وجهُ رواية الأصل: أنّ الكتابة لا توجب زوال الملك، والدفع فيها مراعًى؛ لجواز أن يعجز، فيمكن فيه التسليم، فإذا عجز، صارت الكتابة كأن لم تكن.
وأمّا إذا خاصمه في حال الكتابة، فقد تعذّر الدفع، فيقضي القاضي بالأَرْش، فإذا عجز بعد ذلك، لم ينقض ذلك الحكم (٣).
وجه قول أبي يوسف: أنّ الكتابة عقدٌ يوجب زوال يد المولى عنه كالبيع؛
стр. 3922
ولأنّه لا يعود إلى يده إلا بسببٍ من فعل غيره، فصار كالبيع.
وقد قالوا في الكتابة الفاسدة: إنّها اختيارٌ، والبيع الفاسد ليس باختيارٍ حتّى يُسلَّم.
والفرق بينهما: أنّ [عندنا] عقد الكتابة الفاسدة كقبض [البيع]؛ بدلالة تعلّق [العتق] (١) بكلّ واحدٍ منهما، والعقد الفاسد لا يتعلّق [العتق] (٢) به، فهو كإيجابٍ بلا قبولٍ.
٢٥٢٤ - [فَصْل: بيع السيد العبد الجاني ثم رُدّ عليه بعيب]
ولو باعه بيعًا بتاتًا، ثم رُدَّ عليه بعيبٍ بقضاء قاضٍ، فهو مختارٌ للدية؛ وذلك لأنّ البيع يوجبُ زوال ملكه عن العبد، فيتعذّر الدفع ويتعين الفداء، على قياس (٣) أنّ من خُيّر بين أمرين، ففعل ما يمنع أحدهما، تعيَّن الآخر.
٢٥٢٥ - [فَصْل: بيع العبد الجاني والخيار للمشتري]
قال: ولو باعه والخيار للمشتري، كان كذلك في قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنّ من أصل أبي حنيفة: أنّ خيار المشتري لا يمنع زوال ملك البائع، وإذا زال ملكه عن العبد، صار كالبيع الباتّ.
وأمّا على قولهما: فهو أظهر؛ لأنّ المبيع خرجَ من ملك البائع، ودخل في ملك المشتري، وأمّا إذا كان الخيار للبائع، فنقض البيع وهو يعلم أو لا يعلم،
стр. 3923
لم يكن مختارًا، وقيل له: ادفعه أو افده؛ وذلك لأنّ البيع بشرط الخيار للبائع، لا يوجب زوال ملكه، ولا يمنع من الدفع، فلا يكون اختيارًا.
وقد قال أصحابنا: إنّ العرض على البيع ليس باختيارٍ؛ لأنّه لا يزيل الملك، (ولا يمنع الدفع.
وقال زفر: هو اختيارٌ؛ لأنّه يدل على تبقية الملك) (١)، وهذا يسقط (٢) خيار الشرط، فعلى قول زفر: البيع بشرط الخيار أولى أن يكون اختيارًا.
وأمّا إذا باعه بيعًا بتاتًا، وهو لا يعلم بالجناية، ولم يُخاصَم فيها حتّى رُدّ العبد عليه بعيبٍ، بقضاءٍ، أو بخيار رؤيةٍ، أو شرطٍ، فإنّه يقال له: ادفعه أو افده، ولا يلزمه الأَرْش؛ لأنّه لا يصير مختارًا بالبيع؛ لعدم علمه بالجناية، وإنّما تعذّر الدفع، فلما عاد على حكم الملك الأول عاد بحقوقه، فكان الخيار له بحاله.
وقد ذكر في الأصل: أنّ التزويج لا يكون اختيارًا؛ لأنّه لا يمنع الدفع، ولا يوجب نقصًا في العين، وإنّما هو عَيبٌ من طريق الحكم، فصار كالإقرار عليه بدينٍ.
وذكر في الأصل: فيمن قال لعبده: إذا قتلت فلانًا فأنت حرٌّ، فقتله، صار مختارًا.
وقال زفر: لا يكون مختارًا.
وجه قولهم: أنّه لما أضاف العتق إلى حال الجناية، فكأنّه تكلّم (٣) به في
стр. 3924
ذلك الحال، ولو أعتقه بعد قتله، صار مختارًا، كذلك هذا.
ولهذا قال أصحابنا فيمن قال لزوجته: إن دخلت الدار، فوالله لا أقربك: إنّ ابتداء الإيلاء يكون عقيب الدخول، فكأنّه تكلّم به بعد الشرط.
وقالوا فيمن قال لزوجته: إذا مرضتُ فأنت طالقٌ ثلاثًا، فمرض، وقع الطلاق عليها، وورثت؛ لأنّه كالموقع للطلاق في حال المرض.
وجه قول زفر: أنّه لم يوجد منه فعلٌ بعد الجناية يَصير به مختارًا، وإنّما عتق بقولٍ سابقٍ، ولا حقّ لوليّ الجناية [عليه] عند اليمين، (فلم يكن مختارًا) (١).
٢٥٢٦ - [فَصْل: المعتبر في الخبر العدد أو العدالة]
قال: وإذا أَخْبَرَ المولَى رجلٌ واحدٌ ليس بعدلٍ، فليس بمختارٍ؛ فإن أخبره رجلٌ ثقةٌ أو رجلان، فأعتقه، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك: هو مختارٌ.
وقال أبو يوسف: هو عندي واحدٌ، إن أخبره صبيٌّ، أو امرأةٌ، أو كافرٌ، أو مسلمٌ، أو فاسقٌ، أو عدلٌ، فأعتقه، وكان ذلك الخبر حقًا، فهو مختارٌ، وهو قول محمدٍ.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه لا يكون مختارًا حتّى يخبره رجلان عدلان، وهو قول زفر والحسن.
وجه قول أبي حنيفة المشهور: أنّ المعتبر في المخبر أحد شرطي الشهادة: إمّا العدد، أو العدالة؛ لأنّ هذا الخبر أخذ شبهًا من الشهادات؛ لأنّه (٢) يوجب
стр. 3925
الضمان، وله شبهٌ بالأخبار؛ لأنّ لفظ الشهادة لا يُعتَبر فيه، فوجب أن يُعطَى (١) الشبه [حظّه] من الأصلين، فيُعتَبر فيه أحد الشرطين دون الآخر.
وجه رواية الحسن: أنّ هذا القول يتعلّق به إيجاب الضمان على المولى، كالشهادة.
وجه قولهما: أنّه خبرٌ من أخبار المعاملات، فصار كسائر الأخبار.