← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

٢٥٢٢ - [فَصْل: وطء السيد الجارية الجانية] قال: وإن وطئ أمته وهي بكرٌ، وقد جَنَتْ، فهو اختيارٌ إذا كان يعلم بالجناية؛ لأنّه حبس بالوطء جزءًا منها، فكأنّه اختار بعضها. ٢٥٢٣ - [فَصْل: كتابة المولى للعبد الجاني ثم عجزه] قال: ولو كاتب المولى (١) العبد الجاني، ثم عجز، فإذا كان بعد العلم بالجناية، فعليه الأَرْش في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان لا يعلم بالجناية، فإنّه يقال للمولى: ادفعه أو افده. قال أبو يوسف: ليس الخصومة قبل ما يعجز وبعدما يعجز سواء، وهو مختلفٌ؛ لأنّه لا يقدر على دفعه بالجناية، وهو يقدر (٢) على دفعه إذا عجز. وقد روي عن أبي يوسف: أنّ الكتابة اختيارٌ. وجهُ رواية الأصل: أنّ الكتابة لا توجب زوال الملك، والدفع فيها مراعًى؛ لجواز أن يعجز، فيمكن فيه التسليم، فإذا عجز، صارت الكتابة كأن لم تكن. وأمّا إذا خاصمه في حال الكتابة، فقد تعذّر الدفع، فيقضي القاضي بالأَرْش، فإذا عجز بعد ذلك، لم ينقض ذلك الحكم (٣). وجه قول أبي يوسف: أنّ الكتابة عقدٌ يوجب زوال يد المولى عنه كالبيع؛

стр. 3922

ولأنّه لا يعود إلى يده إلا بسببٍ من فعل غيره، فصار كالبيع. وقد قالوا في الكتابة الفاسدة: إنّها اختيارٌ، والبيع الفاسد ليس باختيارٍ حتّى يُسلَّم. والفرق بينهما: أنّ [عندنا] عقد الكتابة الفاسدة كقبض [البيع]؛ بدلالة تعلّق [العتق] (١) بكلّ واحدٍ منهما، والعقد الفاسد لا يتعلّق [العتق] (٢) به، فهو كإيجابٍ بلا قبولٍ. ٢٥٢٤ - [فَصْل: بيع السيد العبد الجاني ثم رُدّ عليه بعيب] ولو باعه بيعًا بتاتًا، ثم رُدَّ عليه بعيبٍ بقضاء قاضٍ، فهو مختارٌ للدية؛ وذلك لأنّ البيع يوجبُ زوال ملكه عن العبد، فيتعذّر الدفع ويتعين الفداء، على قياس (٣) أنّ من خُيّر بين أمرين، ففعل ما يمنع أحدهما، تعيَّن الآخر. ٢٥٢٥ - [فَصْل: بيع العبد الجاني والخيار للمشتري] قال: ولو باعه والخيار للمشتري، كان كذلك في قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنّ من أصل أبي حنيفة: أنّ خيار المشتري لا يمنع زوال ملك البائع، وإذا زال ملكه عن العبد، صار كالبيع الباتّ. وأمّا على قولهما: فهو أظهر؛ لأنّ المبيع خرجَ من ملك البائع، ودخل في ملك المشتري، وأمّا إذا كان الخيار للبائع، فنقض البيع وهو يعلم أو لا يعلم،

стр. 3923

لم يكن مختارًا، وقيل له: ادفعه أو افده؛ وذلك لأنّ البيع بشرط الخيار للبائع، لا يوجب زوال ملكه، ولا يمنع من الدفع، فلا يكون اختيارًا. وقد قال أصحابنا: إنّ العرض على البيع ليس باختيارٍ؛ لأنّه لا يزيل الملك، (ولا يمنع الدفع. وقال زفر: هو اختيارٌ؛ لأنّه يدل على تبقية الملك) (١)، وهذا يسقط (٢) خيار الشرط، فعلى قول زفر: البيع بشرط الخيار أولى أن يكون اختيارًا. وأمّا إذا باعه بيعًا بتاتًا، وهو لا يعلم بالجناية، ولم يُخاصَم فيها حتّى رُدّ العبد عليه بعيبٍ، بقضاءٍ، أو بخيار رؤيةٍ، أو شرطٍ، فإنّه يقال له: ادفعه أو افده، ولا يلزمه الأَرْش؛ لأنّه لا يصير مختارًا بالبيع؛ لعدم علمه بالجناية، وإنّما تعذّر الدفع، فلما عاد على حكم الملك الأول عاد بحقوقه، فكان الخيار له بحاله. وقد ذكر في الأصل: أنّ التزويج لا يكون اختيارًا؛ لأنّه لا يمنع الدفع، ولا يوجب نقصًا في العين، وإنّما هو عَيبٌ من طريق الحكم، فصار كالإقرار عليه بدينٍ. وذكر في الأصل: فيمن قال لعبده: إذا قتلت فلانًا فأنت حرٌّ، فقتله، صار مختارًا. وقال زفر: لا يكون مختارًا. وجه قولهم: أنّه لما أضاف العتق إلى حال الجناية، فكأنّه تكلّم (٣) به في

стр. 3924

ذلك الحال، ولو أعتقه بعد قتله، صار مختارًا، كذلك هذا. ولهذا قال أصحابنا فيمن قال لزوجته: إن دخلت الدار، فوالله لا أقربك: إنّ ابتداء الإيلاء يكون عقيب الدخول، فكأنّه تكلّم به بعد الشرط. وقالوا فيمن قال لزوجته: إذا مرضتُ فأنت طالقٌ ثلاثًا، فمرض، وقع الطلاق عليها، وورثت؛ لأنّه كالموقع للطلاق في حال المرض. وجه قول زفر: أنّه لم يوجد منه فعلٌ بعد الجناية يَصير به مختارًا، وإنّما عتق بقولٍ سابقٍ، ولا حقّ لوليّ الجناية [عليه] عند اليمين، (فلم يكن مختارًا) (١). ٢٥٢٦ - [فَصْل: المعتبر في الخبر العدد أو العدالة] قال: وإذا أَخْبَرَ المولَى رجلٌ واحدٌ ليس بعدلٍ، فليس بمختارٍ؛ فإن أخبره رجلٌ ثقةٌ أو رجلان، فأعتقه، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك: هو مختارٌ. وقال أبو يوسف: هو عندي واحدٌ، إن أخبره صبيٌّ، أو امرأةٌ، أو كافرٌ، أو مسلمٌ، أو فاسقٌ، أو عدلٌ، فأعتقه، وكان ذلك الخبر حقًا، فهو مختارٌ، وهو قول محمدٍ. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه لا يكون مختارًا حتّى يخبره رجلان عدلان، وهو قول زفر والحسن. وجه قول أبي حنيفة المشهور: أنّ المعتبر في المخبر أحد شرطي الشهادة: إمّا العدد، أو العدالة؛ لأنّ هذا الخبر أخذ شبهًا من الشهادات؛ لأنّه (٢) يوجب

стр. 3925

الضمان، وله شبهٌ بالأخبار؛ لأنّ لفظ الشهادة لا يُعتَبر فيه، فوجب أن يُعطَى (١) الشبه [حظّه] من الأصلين، فيُعتَبر فيه أحد الشرطين دون الآخر. وجه رواية الحسن: أنّ هذا القول يتعلّق به إيجاب الضمان على المولى، كالشهادة. وجه قولهما: أنّه خبرٌ من أخبار المعاملات، فصار كسائر الأخبار.

стр. 3926

بَابْ: جنايةِ المُدبَّرِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: جناية المُدَبَّر على سيده في ماله دون عاقلته حالَّةً. فإذا قتل المُدَبَّرُ رجلًا خطأً، أو جنى عليه فيما دون النفس، فذلك كلّه على المولى في قيمة المُدَبَّر، يكون عليه الأقلّ من قيمة المدبَّر ومن أَرْش جنايته، لا يلزم المولى بجناية المُدبَّر أكثر من قيمةٍ واحدةٍ، وإن كثرت الأروش وجاوزت إلى مائة ألفٍ، يشترك من جنى عليه المُدبَّر أوَّلًا وآخرًا، تقارب ما بين الجنايات أو تفاوت (١). والدليل على أنّ جناية المُدبَّر على المولى: ما ذكر محمدٌ في الجنايات: أنّ أبا عبيدة بن الجراح قضى بجناية المدبّر على مولاه (٢)، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلاف، وقد كان أبو عبيدة أمير الشام، وقضاياه تظهر فيما بين الصحابة، وذكر عن عمر بن عبد العزيز وإبراهيم مثل ذلك (٣). ولأنّ المولى صار مانعًا من تسليمه في الجناية بالتدبير من غير اختيارٍ، فكأنّه دبّره وهو لا يعلم بالجناية، وإنّما لزمه الأقلّ؛ لأنّ الأَرْش إن كان أقلّ فلا حقّ لوليّ الجناية فيما زاد عليه، وإن كان أكثر فلم يُتلِف المولى بالتدبير إلا الرقبة.

стр. 3927

وإنّما لزمه في جميع الجنايات قيمةٌ واحدةٌ؛ لأنّ المنع منعٌ واحدٌ، والضمان يتعلّق به، فكأنّ الجنايات اجتمعت ثمّ دبّره. ٢٥٢٧ - [فَصْل: الاستحقاق في قيمة الجاني] قال: وسواءٌ كانت على المولى ثمّ نقص منه (١)، أو كانت قد قبضت منه، فيتضاربون في القيمة بقدر ما لكلّ واحدٍ منهم من أَرْش جنايته، كما بيّنت لك نّهم يتضاربون في قيمة العبد الجاني؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم يستحقّ بقدر جنايته، فيضرب بذلك. ٢٥٢٨ - [فَصْل: الاعتبار بقيمة المدبر] قال: ويُعتبَر بقيمة المُدبَّر [لكلّ واحدٍ منهم] يوم جنى عليه، ولا تعتبر القيمة يوم التدبير، فإذا قتل قتيلًا خطأً وقيمته يوم قتله ألف [درهمٍ]، ثم زادت قيمته فصار ألفًا وخمسمائة، ثم قتل آخر، فإنّ ولي الجناية الثانية يأخذ من المولى خمسمائة فضل القيمة، يحسب ذلك عليه من أَرْش جنايته، ثم يُقسَّم الباقي، وهو ألفٌ، على تسعةٍ (٢) وثلاثين [جزءًا] (٣). وإنّما اعتُبِرَ يوم الجناية؛ لأنّ المولى صار مانعًا بالتدبير السابق من تسليمه في الحال، فكأنّه جنى ثم دبّره، فيعتبر قيمته حينئذٍ. وما زاد من القيمة بعد الجناية لا حقّ لوليّ الجناية الأولى فيه؛ لأنّها زيادةٌ حدثت وقد تعلّق حَقّهُ بالذمّة دون الرقبة.

стр. 3928

فإذا ثبت هذا قلنا: لمّا قتل قتيلًا وقيمته ألفٌ، ثم قتل آخر وقد زادت قيمته خمسمائة، فهذه الزيادة لا حقّ لوليّ الجناية الأولى [فيها]، فينفرد بها وليّ الثانية، وهي محتَسَبٌ بها من حقّه، فيبقى له من الدين تسعة آلاف وخمسمائة، وللأوّل (١) دِيَةٌ بكاملها، فإذا جعلت كله خمسمائة سهمًا، كان للأوّل عشرون، وللثاني تسعة عشر، يقتسمون الألف على ذلك. قال: وكذلك لو كان المولى دفع قيمة المُدبَّر الأوّل خمسمائةً، ثم جنى على آخر وقيمته ألفٌ، فإنّ المولى يدفع خمسمائةً فضل القيمة إلى الثاني، ثم يتبع الثاني الأوّل فيما قبض، فيكون بينهما على تسعةٍ وثلاثين جزءًا؛ لمّا قدمنا أنّ الزيادة لا حقّ للأوّل فيها، فينفرد الثاني بها (٢)، ويبقى حقّهما في الخمسمائة، فيتضاربان فيها بقدر الحقين. ٢٥٢٩ - [فَصْل: موت المدبر بعد قتل القتيل خطأ] قال: ولو قتل المُدبَّر قتيلًا خطأً ثمّ مات بعد الجناية بلا [فصلٍ] (٣)، لم يبطل عن المولى القيمة؛ لأنّها وجبت في ذمّته عقيب الجناية، فبقاء الرقبة وتلفها سواءٌ. وكذلك لو جنى وقيمته ألفٌ، ثم عمي، لم يحطّ عن المولى شيءٌ للعمي، وكان عليه قيمته تامةً؛ لما بيّنا أنّ القيمة وجبت في الذمة، فنقصان العين لا يؤثّر فيها، كما لا يؤثّر تلفها. قال: وإذا قتل المُدبَّر قتيلًا خطأً، فدفع المولى القيمة إلى وليّ الجناية بقضاءٍ

стр. 3929

أو بغير قضاءٍ، ثم قتل آخر، فإن كان دفع القيمة بقضاءٍ، فإنّ الثاني يتبع الأول. وإن كان بغير قضاءٍ، فإنّ الثاني عند أبي حنيفة بالخيار: إن شاء ضَمّن الأوّل ما يخصّه، وإن شاء اتّبع القابضَ بذلك، فإن أخذ من المولى، رجع المولى على القابض بما أخذ الثاني منه، فإن اتبع القابض وترك المولى فأخذ منه ما يخصّه، لم يرجع القابض المأخوذ منه على المولى بشيءٍ. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الدفع بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ واحدٌ، فيتبع الثاني الأوّل، ولا سبيل له [على المولى] (١). [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ جنايات المُدبَّر يستند ضمانها إلى التدبير السابق الذي صار المولى به مانعًا، فكأنّ الجنايات وُجدَت ثم دَبّر (٢)، فيتعلّق حقّ (٣) جماعتهم [بالقيمة] (٤). فإن دفع المولى بقضاءٍ، فقد زالت يد المولى عنها بغير اختياره، فلا يلزمه ضمانها، وإن دفع بغير قضاءٍ، (فقد سلّم إلى الأول ما يتعلّق به حقّ الثاني، فكان الثاني بالخيار في تضمين أيهما شاء. وهذا كما قالوا في الوصيّ إذا صرف التركة إلى الغرماء، ثم ظهر غريم آخر، فإن كان دفع بقضاءٍ شارك الغريم الآخر الغرماء بما قبضوه، ولم يرجع على الوصيّ، وإن كان دفع بغير قضاءٍ) (٥)، كان الغريم بالخيار: إن شاء ضمّن

стр. 3930

الوصيّ، وإن شاء (١) شارك الغرماء. فإن اختار الوليّ تضمين المولى، رجع المولى على وليّ الجناية الأولى؛ لأنّه سلّم إليه ما ليس بحقٍّ له، فإن ضمّن ولي الجناية الأولى لم يرجع على المولى (٢) بشيء؛ لأنّ حاصل الضمان عليه. وجه قولهما: أنّ المولى دفع إلى الأوّل، ولا حقّ لولي الجناية الثانية، فلم يكن متعدّيًا في الدفع، فلم يلزمه ضمانٌ. قال: ولو أعتق المولى المُدبَّر، وقد جنى جناياتٍ كثيرةً، لم يلزمه إلا قيمة واحدة، وعتاقه له وغير عتاقه سواءٌ؛ وذلك لأنّ الضمان متعلّقٌ بالذمّة (٣)، والعتق إنّما يوجب على المولى الضمان؛ لأنّه يمنع به الدفع، وهذا [المعنى] لا يوجد في المُدبَّر. ٢٥٣٠ - [فَصْل: جناية أم الولد على المولى] قال: وجناية أمّ الولد على المولى، وهي جميع ما ذكرت لك بمنزلة المُدبَّر؛ لأنّ حقّ الحريّة يتعلق برقبتها كالمُدبَّرة؛ ولأنّ المولى منع من تسليمها بالاستيلاد السابق من غير اختيارٍ. قال: وإذا أقرَّ المُدبَّر بجنايةٍ لم يجز إقراره، ولم يلزمه شيءٌ، عتق أو لم يعتق، وهذا إنّما يُعنَى به جناية الخطأ؛ لأنّها لازمةٌ لمولاه، فإقراره على المولى لا يتعلّق به حكمٌ [والله أعلم].

стр. 3931

بَابْ: جنايةِ المكاتبِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وجناية المُكَاتَب على نفسه دون سَيِّده ودونَ العَاقلةِ، يُحكَم عليه بالأقلّ من قيمته ومن أَرْش جنايته؛ وذلك لأنّ اكتسابَ المُكَاتَب لنفسه، فكانت جنايته عليه كالحرّ (١)؛ ولأنّه هو المانع من تسليم رقبته في الجناية بقبوله الكتابة، فصار كالمولى المانع لتسليم المُدبَّر بالتدبير، فإذا لزمت (جناية المُدبَّر للمولى، لزمت) (٢) جناية المُكَاتَب المكاتِبِ. ولا يقال: إنّ المولى هو المانع بعقد الكتابة، كما منع بالتدبير؛ لأنّ نفس العقد لا يمنع الدفع إذا حصل العجز، وإنّما يمنع البقاء عليه، وذلك لحقّ المُكَاتَب. وإنّما لزمه الأقلّ (من قيمته ومن الأَرْش) (٣)؛ لأنّ الأَرْش (٤) إذا كان هو الأقلّ، فلا حقّ للمولى في أكثر منه، وإذا كانت القيمة أقلّ، فلم يمنع المكاتب ما زاد عليها، فلا يلزمه ما لم يمنع منه. ٢٥٣١ - [فَصْل: جناية المكاتب تتعلق برقبته] قال: وإذا حكم الحاكم، صارت دينًا عليه وسقطت من رقبته، وما لم يحكم

стр. 3932

الحاكم، فهي في رقبته، وهذا قول أصحابنا: إنّ جناية المُكَاتَب تتعلّق برقبته. وقال زفر: بذمّته. لنا: أنّ الرقبة يجوز تسليمها في الجناية لو عجز المُكَاتَب، وكل رقبةٍ يُتصَوّر إمكان تسليمها، تعلّقت الجناية بها كرقبة العبد. وجه قول زفر: أنّ رقبة المُكَاتَب لا يصحّ فيها التمليك، فصار كالحرّ والمُدبّر، فلا تتعلّق الجناية برقبته. وفائدة هذا الخلاف: أنّ المُكَاتَب إذا عجز قبل انتقال الجناية من رقبته، قيل للمولى: ادفعه أو افده، وقال زفر: يباع في الأَرْش. فعلى قولنا: الجناية في الرقبة، وقد أمكن فيها الدفع، فصارت كجناية العبد. وعلى قوله: الجناية في الذمّة، فيُباع فيها إذا عجز كما يُباع في الديون. ويظهر الخلاف أيضًا في المكاتب إذا جنى، ثم جنى قبل القضاء عليه بالجناية الأولى (١)، قُضِي عليه بقيمةٍ واحدةٍ؛ لأنّ الجناية الأولى متعلّقةٌ برقبته، وكذلك الثانية، فتتضايق الرقبة عنهما كجنايتي العبد. وعلى قول زفر: يُحكَم في كلّ جنايةٍ بقيمةٍ؛ لأنّها تجب عنده في الذمّة، والذمّة لا تتضايق. وإذا ثبت أنّ جناية المُكَاتَب تتعلّق برقبته، لم تنتقل إلى ذمته إلا بأحد معانٍ ثلاثة: إمّا أن يحكم الحاكم عليه بأرشها، أو يصطلحوا على الأَرْش، أو يموت ويترك مالًا أو ولدًا؛ وذلك لأنّ القاضي إذا قضى فقد كانت الجناية موقوفة

стр. 3933

الحكم؛ لجواز أن يعجز، فيدفع أو يعتق، فيتعذّر الدفع، فإذا قضى القاضي بالأَرْش، فقد حكم بأحد جهتي المراعاة وإبطال الجهة الأخرى، وكذلك إذا اصطلحوا؛ لأنّ الصلح يوجب البدل في الذمّة، فتنتقل الجناية عن الرّقبة. وأما إذا مات وترك وفاءً، فقد حكمنا بعتقه في آخر جُزءٍ من أجزاء حياته، وذلك يمنع من دفع الرقبة، فينتقل الحقّ إلى الذمّة، وكذلك إذا أُعتق في حال الحياة؛ لهذه العلة، وكذلك إذا ترك ولدًا؛ لأنّ الولد قام مقامه وتعذّر دفع الرقبة بالموت. ٢٥٣٢ - [فَصْل: الجنايات المتعلقة التي تتضايق رقبة المكاتب عنها] قال: وإذا جنى المُكَاتَب جناياتٍ، جنايةً بعد جنايةٍ قبل أن يُحكَم عليه بشيءٍ، ثمّ رافعوه إلى الحاكم، فإنّ الحاكم يحكم عليه بالأقلّ من قيمته ومن أروش الجنايات التي لزمته، وهذا على ما قدمنا: أنّ الجنايات تتعلّق برقبته، فتتضايق عنها (١). قال: وإن جنى جناية، فحُكِم عليه بالأقلّ من قيمته ومن أَرْش الجناية (٢)، ثم جنى جنايةً أخرى، [فخوصم فيها]، فإنّه يُحكَم عليه أيضًا بالأقلّ من قيمته ومن أَرْش الجناية؛ لأنّه لمّا حكم بالأولى، نقلها من الرقبة إلى الذمّة، فصادفت الجناية الثانية رقبةً فارغةً، فتعلّقت بها الأولى.

стр. 3934

٢٥٣٣ - فَصْل: [جناية المكاتب جنايات قبل الحكم عليه] قال: وينظر الحاكم إلى قيمة المُكَاتَب يوم جنى في كلّ جنايةٍ يُرفع إليه فيها، ولا يُعتبَر زيادة القيمة بعد الجناية، ولا نقصانها؛ لأنّ الدفع لو كان عمدًا يجب عند الجناية، فاعتُبِر ما وقع (١) المنع منه في تلك الحالة على ما بيّنا في المُدبّر. قال: وإذا أقرّ المُكَاتَب بجنايةٍ خطأً، لزمته وحكم الحاكم عليه بها؛ وذلك لأنّ جنايته مستحقّةٌ من كسبه، وهو أحقّ بأكسابه، فينفذ إقراره كالحرّ. قال: فإن لم يحكم حتّى عجز، بطلت؛ وذلك لأنّ الإقرار [صار] لازمًا للمولى، ألا ترى أنّ الجناية لو ثبتت، لزم المولى الدفع أو الفداء، فلم يجز إقرار المُكَاتَب في حقّ غيره (٢). ٢٥٣٤ - [فَصْل: عَجز المكاتب بعد حكم الحاكم] قال: فإن حكم الحاكم عليه بها، ثم عجز، بطلت عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا تبطل، وهي دينٌ. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ المُكَاتَب - فيما لم تتضمن الكتابة الإذن فيه - باقٍ على أصل حجره؛ بدلالة القرض، والكتابة لا تتضمّن الإقرار بالجناية، فكان محجورًا عليه في الإقرار، وإنّما ألزمناه بذلك لثبوت حقّه في أكسابه، فإذا عجز زال هذا المعنى، فبطل ما يتعلّق بإقراره. وجه قولهما: أنّ الحاكم لما حكم عليه، صارت الجناية دينًا في ذمته، فلا

стр. 3935

يبطل بعجزه، كما لو أقرّ بدينٍ ثم عجز. ٢٥٣٥ - [فَصْل: إقرار المكاتب بجناية لم يحكم بها الحاكم] قال: فإن أقرّ بجنايةٍ، فلم يحكم الحاكم بها حتّى أدّى، فعتق، صارت دينًا عليه حين عتق؛ وذلك لأنّ جنايته تلزمه في أكسابه، ولا يلزم المولى عنه، فيتأكد بعتقه، كالديون التي يقرّ بها. وليس كذلك العبد يقرّ بالجناية ثم يعتق؛ لأنّ جنايته على مولاه، ومن أقرّ بحقٍّ على غيره لم يلزمه في نفسه. وعلى هذا الخلاف: إذا جنى المكاتب جناية عمدٍ، فصالح منها، فالصلح جائزٌ في قولهم؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى تبقية الكتابة، ألا ترى أنّه لو لم يصالح اقتُصّ منه وبطلت الكتابة، فإذا صالح جاز صلحه لهذا المعنى. فإن أدّى المال في حال الكتابة جاز؛ لأنّه يملك كسبه، فإن عجز [قبل أن يؤدي] (١) بطل المال عنه في قول أبي حنيفة؛ لأنّ عقد الكتابة لم يتضمن [الإذن في] الصلح، وإنّما جاز في حقّه؛ لأنّه يملك أكسابه، فإذا عجز صار الصلح في حقّ مولاه، فلم يجز. وعلى قولهما: صار المال دينًا عليه بالصلح، والدين [الذي] يلزمه (٢) بعقوده لا يسقط بالعجز، كأثمان البياعات.

стр. 3936

[قال الشيخ]: ومما يلحق بهذا الباب أنّهم قالوا: في المُكَاتَب إذا قتل [قتيلًا] وقيمته أكثر من عشرة آلاف، فإنّه يغرم قيمته عشرة آلاف إلا عشرة؛ لأنّ المملوك لا يتقوّم في الجناية بأكثر من ذلك، أصله: إذا جُني عليه. وقالوا (١): في المُكَاتَب إذا جنى جناية، ثم مات ولم يترك وفاءً، فترك أقلّ من مال الجناية (٢): فما ترك للمولى، ولا شيء لصاحب الجناية إن كان القاضي لم يقض عليه بالجناية؛ لأنّها متعلقةٌ برقبته عندنا، فإذا مات عاجزًا سقطت، كالعبد إذا جنى ثم مات. فأمّا إذا ترك وفاءً (بالجناية، فأصحاب الجناية أولى بما ترك؛ لأنّ المُكَاتَب إذا ترك وفاءً) (٣)، فهو كالحرّ؛ بدلالة أنّا نحكم بعتقه، ولو كان حيًّا كان وليُّ الجناية أولى بما في يده من مولاه. وإن مات المُكَاتَب وترك مالًا وعليه دينٌ وجنايةٌ وكتابةٌ، فإن كان القاضي قد قضى بالجناية، فصاحب الجناية وصاحب الدين سواءٌ؛ لأنّ الجناية صارت دينًا بالقضاء. وأما إذا كان القاضي لم يقض عليه بالجناية، فإنّه يبدأ بالدين؛ لأنّ الدين ثابتٌ في حال الحريّة والرقّ، فكان أقوى، فصاحبه أولى. ثم ينظر إلى ما بقي من تركته، فإن كان فيه وفاءٌ بالكتابة، بُدئ بصاحب

стр. 3937

الجناية، وإن لم يكن فيه وفاءٌ، كان ما بقي بعد الدين للمولى؛ لأنّه مات عبدًا فبطلت جنايته. وقالوا: في المكاتب إذا مات وعليه دينٌ، بُدِئ بالدين قبل مال الكتابة. وحكي عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: إنّ شريحًا يقول: إنّ الأجنبي والمولى يتخاصمان، فقال سعيد بن المسيب: أخطأ شريحٌ وإن كان قاضيًا، قضاء زيد بن ثابت أولى، وزيدٌ كان يقول: يبدأ بدين الأجنبي (١). وهذا صحيحٌ؛ لأنّ دين الأجنبي ثابتٌ في جميع الأحوال، ودين المولى ثابتٌ في حالٍ دون حالٍ، فالبداية بالأقوى أولى. وليس [هذا] (٢) كما قبل الموت، أنّ المُكَاتَب يبدأ بأي الديون شاء، إن شاء: بدين الأجنبي، وإن شاء بالأَرْش، وإن شاء بمال الكتابة؛ لأنّه يؤدي من كسبه، وتدبير أكسابه إليه، فكان له أن يبدأ بأي ديونه شاء. وعلى هذا قالوا في المُكَاتَب إذا مات وترك ولدًا: إنّ ولده يبدأ من كسبه بأي الديون شاء؛ لأنّه قام مقام المُكَاتَب، فتدبير كسبه إليه، فأمّا إذا مات المُكَاتَب، فالأمر في أكسابه إلى الحاكم، فيبتدئ بقضاء الأولى فالأولى. وقالوا في المُكَاتَب إذا جنى ثم اختلف المُكَاتَب وولي الجناية في قيمة

стр. 3938

المُكَاتَب، فقال المُكَاتَب (١): كانت قيمتي وقت الجناية ألف درهمٍ، وقال المولى: كانت قيمتك ألفي درهمٍ وقت الجناية، فالقول قول المُكَاتَب في قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمدٍ؛ لأنّ المُكَاتَب ينكر زيادة الضمان، وولي الجناية يدّعيه. في قول أبي يوسف الأول: ينظر إلى قيمته في الحال، كما قال في المُدبَّر، ذكر هذا الخلاف محمدٌ في كتاب الجنايات (٢).

стр. 3939

بَابْ: جنايةِ المدبرِ والمكاتبِ وأم الولدِ على المولى وجنايةِ المولى عليهم قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا جنى المُدبَّر على مولاه، أو رقيق مولاه، أو متاعه، فهو هدرٌ كله. أما جناية المُدبَّر على المولى، فلا يخلو: إما أن يكون عمدًا، أو خطأً، فإن كانت عمدًا، ثبتت ووجب بها القِصَاص؛ لأنّ المُدبَّر مع مولاه كالأجنبي (في جناية العمد) (١). ألا ترى أنّ المولى لا يملك أنّ يُقرّ عليه بجناية العمد؛ ولأنّ الله تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولم يُفضّل. وقد قال أصحابنا: إنّ المُدبَّر إذا قتل مولاه عمدًا وجب عليه أن يسعى في قيمته؛ لأنّ العتق وصيةٌ، فالوصية لا تُسلّم للقاتل، إلا أنّ فسخ العتق بعد وقوعه لا يَصِحُّ، فوجب عليه قيمة نفسه. ثم الورثة بالخيار: إن شاؤوا عجّلوا القِصَاص، وإن شاؤوا استوفوا السعاية ثم قتلوه؛ لأنّ كلّ واحدٍ من الأمرين حقٌّ لهم. ولا يكون اختيار السعاية مسقطًا للقِصَاص؛ لأنّ السعاية بدلٌ عن الرقّ، وليس بعوضٍ عن المقتول. فأمّا إذا قتل المُدبَّر مولاه خطأً: فالجناية هدرٌ، وكذلك إن كانت فيما دون

стр. 3940

النفس؛ لأنّ جناية المُدبَّر خطأً على غير المولى لازمةٌ للمولى، وإذا جنى على المولى، فلو وجب الضمان لوجب عليه، ويستحيل أن يجب على المولى ضمانٌ لنفسه. ولأنّ المولى [لا] يملك الإقرار على المُدبَّر بجناية الخطأ، كما يملك على نفسه، فإذا لم تثبت جنايته (١) على نفسه، كذلك جناية المُدبَّر عليه، إلا أنّه يسعى في قيمته؛ لأنّ العتق وصيَّةٌ فلا يجوز أنّ يُسلّم للقاتل. وأمّا جنايته على عبيد مولاه: فإن كانت عمدًا، فللمولى القِصاص؛ لما بيّنا أنّه مع مُدبَّره في القصاص كالأجنبي. وقد قيل: إنّ هذه المسألة لا رواية فيها عنهم، ولكنّ الذي تقتضيه مذاهبهم: (٢): أنّ أحد العبدين إذا قتل الآخر، وهما لرجل واحد ثبت للمولى القِصَاص، وكذلك المُدبَّر إذا قتل عبد المولى، وأما إذا جنى على عبد المولى خطأً (٣)، فهي هدرٌ؛ لأنّها لو ثبتت لثبتت للمولى، والمولى لا يثبت له دينٌ على مُدبَّره. وأمّا إذا جنى المولى على مُدبَّره، فجنايته هدرٌ؛ لأنّه على ملكه، فلا يثبت عليه بإتلاف ملكه ضمانٌ. فأمّا أمّ الولد إذا قتلت مولاها عمدًا أو خطأً، فهي كالمُدبَّرة؛ لأنّها على ملكه، وأكسابها له، إلا أنّه لا سعاية عليها؛ لأنّ عتقها ليس بوصيةٍ.

стр. 3941

وأما المُكاتَب، فجناية المولى عليه لازمةٌ [للمولى]، وجناية المُكاتَب أيضًا على سيّده لازمةٌ للمكاتب، وهذا إنّما يريد به في الخطأ؛ لأنّ المُكاتَب في السعاية (١) كالأجنبيّ من المولى، ولهذا يضمن المولى بإتلافها، فجاز أن يثبت لمولاه عليه دينٌ بسبب الجناية، ويثبت له على مولاه كذلك. فأما جناية العمد: فإن قتل المولى، مُكاتَبه، فلا قِصَاص؛ لأنّه على ملكه، ويلزمه القيمة؛ لأنّه قِصَاصٌ سقط بالشبهة (٢)، وإن قتل المُكاتَب مولاه عمدًا، اقتُصّ منه (٣). ٢٥٣٦ - [فَصْل: جناية المولى على رقيق المكاتب] قال: وجناية المولى على رقيق المُكاتَب وعلى ما في يده من كسبه، وجناية المُكاتَب على رقيق المولى أو ماله تلزم كلّ واحدٍ منهما ما جناه على صاحبه في نفسه أو ماله؛ وهذا على ما قدّمنا أنّه بعقد الكتابة صار كالأجنبيّ، فانفرد بأكسابه، فجاز له أن يثبت له على مولاه دينٌ، ويثبت لمولاه عليه دينٌ (٤). وَمِمَّا يَلْحَقُ بِهَذَا البَابِ ما قالوا في أمّ الولد إذا قتلت مولاها عمدًا وله ابنان، فعفا أحدهما، فعليها أن تسعى في نصف قيمتها للابن الذي لم يعف؛ (وذلك لأنّ القِصَاص لمّا سقط

стр. 3942

بالعفو، انتقل نصيب الذي لم يعف) (١) مالًا بعد الموت، وهي حرَّةٌ في هذه الحال يجوز أن يثبت عليها دينٌ لمولاها، وكذلك لوارثه. فإن كان للميت ابنان أحدهما من أمّ الولد، فإنّ القِصَاص يسقط، وعليها السعاية في جميع قيمتها بينهما نصفان؛ لأنّ القِصَاص لو ثبت لثبت للاثنين، ولا يجوز أن يثبت للولد على أمه قِصَاصٌ، وإذا تعذّر القِصَاص في نصيبه، سقط في نصيب شريكه. وإنّما وجبت القيمة؛ لأنّ القِصَاص سقط من طريق الحكم، فانتقل مالًا. ٢٥٣٧ - [فَصْل: قتل العبد مولاه عمدًا وعفو أحد الابنين له] قال أبو حنيفة ومحمدٌ: إذا قتل العبد مولاه عمدًا، وللمولى ابنان، فعفا أحدهما، بطل (٢) القِصَاص، ولم يجب لأحد الابنين على الآخر شيءٌ لأجل الجناية. وقال أبو يوسف: يقال للذي عفا: إما أن تدفع نصف نصيبك - وهو ربع العبد -[إلى] (٣) الذي لم يعف، أو تفديه بربع الدية. وجه قولهما: أنّ أحد الابنين لما عفا انتقل نصيب الآخر مالًا وثبت للميت؛ ولهذا تُقضَى منه ديونه، والميت لا يجوز أن يثبت له على عبده دينٌ، وكذلك لا يثبت لوارثه عليه دينٌ بسببه (٤)؛ لأنّ الوارث يقوم مقام المورِّث.

стр. 3943

[وجه قول] أبي يوسف: أنّ الجناية صارت مالًا بعد انقسام العبد بينهما، وكلّ واحدٍ [منهما] يصحّ أن يكون له في نصيب الآخر دينٌ، فوجب أن تُعتَبر هذه الحال، ولا تُعتَبر الحال المتقدّمة، ألا ترى أنّ مدبرًا لو قتل مولاه عمدًا فعفا أحد الابنين انتقل نصيب الآخر مالًا، ولا يُجعَل كأنه صار مالًا في ملك الموروث، فكذلك هذا. والجواب: أنّ المدبر عتق بموت المولى، ومَلك نفسه وكسبه، وصارت الجناية مالًا بعد الحريِّة، وليس بملكٍ للورثة. فأمَّا في مسألتنا: فالعبد على ملك الورثة، وهم يقومون فيه مقام الموروث. وإذا ثبت لأبي يوسف: أنّ نصيب الذي لم يعف ينتقل مالًا، يثبت نصف الدية في نصف العبد، نصفها في نصيبه، ونصفها في نصيب شريكه، فما كان في [نصف] نصيبه يسقط، وما كان في نصيب شريكه ثبت. ولهذا، قيل للذي لم يعفُ: ادفع نصيبك أو افده بربع الدية.

стр. 3944

بَابْ ضمان الراكب قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا سارَ الرجل في طريقٍ من طرق المسلمين، فأوطأ دابته رَجُلًا بيدها أو رِجْلها، أو كدمت، أو صدمت، [أو خبطت] بيدها، فهو ضامنٌ (١). والأصل في هذا: أنّ المشي في الطريق بشرط السلامة، فكلّ ما تولد في (٢) السَّيْر ممّا يمكن الاحتراز منه، فهو مضمونٌ، وما لا يمكن الاحتراز منه، فليس بمضمونٍ. ألا تري أنّه مأذونٌ في المشي، فلو ضمن ما لا يمكن الاحتراز منه، كان ذلك منعًا من التصرّف (٣)، وما لا يمكن الاحتراز منه لا يؤدي ضمانه إلى المنع من المشي؛ لأنّه يقدر أن يتحفّظ منه. ولهذا قال أصحابنا: إنّ ما ثار من الغبار بالمشي أو بسير الدابة، لا يُضمن ما تولّد منه؛ لأنّه لا يمكن الاحتراز منه في السير، (وكذلك ما أثارت الدابة بسنابكها (٤) من الحصى الصغار؛ لأنّه لا يمكن الاحتراز منه في السير) (٥).

стр. 3945

فأما الحصى الكبار، فإنّ الراكب يضمن ما تولّد منه؛ لأنّ ذلك لا يكون إلا بالعنف على الدابّة في السير. فإذا ثبت هذا، فالراكب يمكنه الاحتراز من الوطء بالدابة، ومما تُصيبُ بيدها ورجلها إذا وطئت، وكذلك الصدم والكدم، فكان ذلك مضمونًا عليه. وكذلك السائق؛ لأنّه يمكنه الاحتراز، وكذلك القائد؛ لأنّه مقرِّبٌ للدابة إلى الجناية، والمُرْتَدِف كالراكب (١)؛ لأنّه يتمكن من الاحتراز. قال: وليس على قائدٍ ولا سائقٍ كفارةٌ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما سببٌ للإتلاف، والقتل بالأسباب لا يتعلّق به كفارةٌ، كحفرِ البئر. فأمَّا الراكب والمُرتَدِف، فعليهما الكفارة - يعني فيما وطئت الدابة؛ لأنّ التلف حصل [بفعلهما] (٢)، والقتل بالفعل [تتعلّق] به الكفارة. قال: وإن نفحت (٣) الدابّة برجلها وهي تسير، أو بذنبها (٤)، فلا ضمان في ذلك على راكبٍ (٥)، ولا سائقٍ، ولا قائدٍ، ولا مرتدِفٍ؛ لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "الرِّجل جُبارٌ" (٦)، وإنّما يعني بذلك نفحة الرِّجْل؛ ولأنّ

стр. 3946

الاحتراز لا يمكن من النفحة، وإنّما يمكن من الإيطاء والصدم، وقد بيّنا أنّ ما لا [يمكن الاحتراز] (١) منه لا يُضمن. وكذلك ما أصابت بذَنَبها، فهو كرِجلٍ؛ لأنّه لا يمكن الاحتراز منه. قال: وكذلك إذا أثارت الدابّة وهي تسير غبارًا، فأفسد متاع رجل، أو حصاةً ففقأت عين إنسانٍ، فلا ضمان على أحدٍ في ذلك، وهذا على ما بيّنا (٢). ٢٥٣٨ - [فَصْل: ضمان صاحب الدابّة في الطريق] قال: فإن وقف صاحب الدابّة في الطريق، فهو ضامنٌ في ذلك كلّه، والنفحة بالرِّجل والذَنَب، ولمن عُطِب بروثها أو بولها أو لعابها. وكذلك من أوقف دابّةً على باب المسجد الأعظم، أو على باب مسجدٍ من مساجد المسلمين، فهو مثل وقوفه في الطريق؛ وذلك لأنّ السير بشرط السلامة مأذونٌ فيه، والوقوف ليس بمأذونٍ [فيه]؛ لأنّه مأذونٌ في التصرّف الذي لا يضرّ بغيره، والسير لا يضرّ بالغير، والوقوف يضرّ؛ لأنّه يمنع [من] الانتفاع بتلك البقعة على الدوام، فصار متعدّيًا في الوقوف، فضمن ما تولّد من ذلك ممّا يمكن الاحتراز منه، وممّا لا يمكن.

стр. 3947

٢٥٣٩ - [فَصْل: ضمان جناية الدواب في المواقف المأذون بها] قال: فإن كان الإمام قد جعل للمسلمين عند باب المسجد موقفًا يوقفون فيه دوابهم، فلا ضمان عليه فيما أصابت في وقوفها، أو حدث منها في ذلك الموقف (١)؛ لأنّ الإمام يملك أن يقطع الطريق إذا لم يضر بالناس، فإذا جعله لموقف الدواب، فكأنّه قطعه، فصارَ الوقوف مأذونًا فيه، فلم يضمن ما تولّد منه، كمن أوقف في ملك نفسه (٢). ٢٥٤٠ - [فَصْل: ضمان مايصيب في الطريق العام المشترك] قال: فإن سار فيه أو قاد، فهو ضامنٌ لما يصيب إذا فعل ذلك في الطريق العامّ المشترك؛ وذلك لأنّ القائد والسائق مقرّبٌ للدابّة إلى الجناية، والإذن في الوقوف في هذا المكان لم يخرجه من أن يكون طريقًا، فيضمن ما يُضمَن في الطريق، إلا ما يتناوله الإذن. [قال]: وكذلك إن كان ذلك الموضع قد أذن الإمام فيه بمنزلة سوق الخيل والدوابّ، فلا ضمان على الواقف بدابّته فيما كان من الدابّة من نفحٍ برِجلٍ، أو ذنبٍ، أَو بَوْلٍ، أَو رَوْثٍ، أو لُعَابٍ. وكذلك إن كان راكبًا عليها واقفًا، فلا ضمان عليه في شيء من ذلك؛ لما بيّنا أنّه مأذونٌ في الوقوف (٣)، فما يتولّد منه ليس بمضمونٍ.

стр. 3948

٢٥٤١ - [فَصْل: الضمان في الوقوف في الفلاة] قال: وكذلك الفلاة في الأرض، إذا أوقف فيها دابته [عليها] أو [كان] راكبًا عليها (١)، وكذلك طريق مكّة إذا كان وقوفه في غير الْمَحَجَّةِ (٢) ناحيةً عنها؛ وذلك لأنّ الفلاة لا يستضرّ الناس بوقوفه فيها، فصار مأذونًا في الوقوف، فلم يضمن ما تولّد منه فأمَّا إن وقف في الْمَحَجَّةِ، فهو كالوقوف في الطريق؛ لأنّ الوقوف في الْمَحَجَّةِ يضرّ بالناس، فيضمن ما تولّد من ٢٥٤٢ - [فَصْل: الضمان في المواضع التي أذن الإمام فيها بالوقوف] قال: وإن كان سائرًا في هذه المواضع التي أذن الإمام فيها بالوقوف، أو قائدًا، أو سائقًا، فهو ضامن، لا يزيل - ذلك عنه - ضمانَ الوقوف بالإذن (٣)؛ [وذلك لأنّ البقاع من جملة الطريق، وإنّما سقط عنه ضمان الوقوف بالإذن]، فأمّا السير، فعلى ما كان عليه، ولأنّ السير مأذونٌ فيه من جهة الله تعالى، ومع ذلك يضمن ما تولّد ما تولد منه، فكذلك إذا أذن الإمام. قال: وأمّا الواقف في ملكه، والسائر فيه، أو القائد، أو السائق، فلا ضمان في شيءٍ من ذلك، إلا فيما وطئت بيدٍ أو رجلٍ؛ وذلك لأنّ السائر في ملكه والقائد والواقف غير متعدٍّ في فعله، فلم يضمن ما تولّد؛ ولأنّه يتصرّف في ملك نفسه، فلا يكون بشرط السلامة.

стр. 3949

وليس كذلك السائر في الطريق؛ لأنّه متصرّفٌ في حقّ غيره، فجاز أن يكون على شرط السلامة. فأما إذا أوطأ (١)، فالتلف حصل بفعله؛ ولهذا تلزمه الكفارة، ومن أتلف شيئًا بفعله لم يختلف أن يكون في ملكه أو في غير ملكه (٢). قال: وسواءٌ كان الذي لحقته الجناية مأذونًا له في دخول الملك أو غير مأذونٍ؛ لأنّه تلف بفعله، ومن دخل [ملك الغير] (٣) بغير إذنٍ لا يجوز إتلافه. قال: وكذلك لو كان في الملك كلبٌ عَقُوْرٌ، فعقر في الدار (٤) [لم يضمن] (٥)، أُذن له في الدخول أو لم يؤذن؛ وذلك لأنّ ترك الكلب في الملك ليس بتعدٍّ، فما يتولّد منه لا يُضمن (٦). ٢٥٤٣ - : [فَصْل: إصابه الدابّة بعد انفلاتها ونفورها] قال: وإذا نَفَرت الدابّة من الرجل، أو انفلتت منه، فما أصابت في فورها ذلك، فلا ضمان عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "جرح العجماء جُبارٌ، والبئر جُبارٌ، والمعدن جُبارٌ، وفي الركازِ الخمس" (٧).

стр. 3950

قال مالك: الجُبارُ: الهدرُ الذي لا دية فيه. قال محمدٌ: والعجماء: هي الدابّة المتفلّتة، وسواءٌ كان انفلاتها في ملك صاحبها أو في الطريق، أو في ملك غيره؛ لأنّه لا صنع له في انفلاتها، ولا يمكنه الاحتراز من فعلها، فلا يضمن ما تولّد منه. وقد قالوا فيمن أرسل دابته: فما أصابت في فورها ضمن؛ لأنّه لمّا أرسلها، فهو كالدافع لها، وهو متعدٍّ (١) في الإرسال، فصار كالسابق. وإن عطفت يمينًا وشمالًا ثم أصابت، فهو على وجهين: إن لم يكن لها طريقٌ إلا ذلك، فالضمان على المُرسل؛ لأنّها باقيةٌ على الإرسال، وإن كان لها طريقٌ آخر، فانعراجها باختيارها، فانقطع حكم الإرسال، فصارت كالمنفلتة.

стр. 3951

بَابْ ما يحدثُه الرجلُ في الطريقِ مما يضمنُ به قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا حفر الرجل بئرًا (١) في طريقِ المسلمين، أو في فنائه، أو أخرج جناحًا، أو نصب فيه ميزابًا، أو بنى ساباطًا (٢)، أو وضع حجرًا، أو خشبةً، أو متاعًا، أو صبَّ الماء في الطريق، أو قعد ليستريحَ في الطريق، أو ضعفَ لمرضٍ أصابه أو عمىً لحقه، فقعد في الطريق، فعثر بشيء من ذلك عاثرٌ، فوقع فمات، أو وقع على غيره فقتله، أو حدث به أو بغيره من ذلك العثر والسقوط جنايةٌ؛ قتلٌ أو غيره، فهو في ذلك كلّه ضامنٌ. وكذلك ما وقع في البئر، أو صدمه الجناح، أو ما أحدث من ذلك [في] الطريق، أو زلق بالماء الذي صبّه في الطريق، فهو ضامنٌ في ذلك أجمع. وكذلك ما عطب بذلك من الدوابّ، فهو في ضمانه؛ لأنّه متعدٍّ فيما يُحدثه في الطريق، وما تولّد من فعلٍ مُتَعدٍّ فيه، فهو مضمونٌ، كما يتولّد من الرمي (٣). ٢٥٤٤ - [فَصْل: ما تتحمله العاقلة من الجنايات وما لا تتحمله] قال: وما كان من جناية بذلك في بني آدم، فهو على العاقلة إذا بلغ القدر

стр. 3952

الذي عرَّفتُك (١) أنّ العاقلة تتحمّله، وما لم يبلغ ذلك فهو في ماله. وما كان من جناية على غير بني آدم، فهو في ماله دون عاقلته؛ لأنّ ضمان الآدمي جناية، تتحمّلها العاقلة، وضمان غيره ضمان مالٍ فلا تتحمّله العاقلة، كما لا تتحمّل الديون. [قال]: وليس على محدث هذه الأشياء كفارةٌ لو حدث منها قتلٌ؛ وذلك لأنّ الكفارة تتعلّق بالقتل، وحافر البئر ليس بقاتلٍ، ألا ترى أنّه لا يجوز أن يكون قاتلًا بالحفر، ولا مقتول [هناك]، ولا يجوز أن يكون قاتلًا بالوقوع؛ لأنّه قد يقع (٢) [في البئر] بعد موت الحافر فيستحيل أن يكون قاتلًا بعد موته ولأنّ الكفارة تجب (٣) فيما يجوز أن يقع في جنسه العمد؛ لأنّها تكفيرٌ، وذلك يجب في المأثم، فما لا يُتصَوّر في جنسه العمد، لا يدخله الكفارة. ٢٥٤٥ - [فَصْل: حرمان الميراث في القتل بسبب] قال: ولا تَحرِم ميراثًا إن كان يرث المجنيّ عليه؛ وذلك لما بيّنا أنّه ليس بقاتلٍ، وحرمان الميراث يتعلّق بالقتل؛ ولأنّ حرمان الميراث يثبت على وجه العقوبة لمن تعمدّ القتل؛ [إذ] (٤) جاز أن يكون متعمدًا في الباطن، وهذا المعنى لا يوجد في حفر البئر. * * *

стр. 3953

٢٥٤٦ - : [فَصْل: الضمان إذا وقع القتل بسبب وقوع شيء هو لابسه] قال محمدٌ: قال أبو حنيفة: إذا كان الرجل يمشي في الطريق وعليه شيءٌ (١) لابسه، [أو] سيفٌ أو طيلسانٌ أو غيره، فوقع ذلك عنه، فعطب به عاطبٌ فقتله، أو وقع عليه إنسانٌ (٢) فأعطبه، أو وقع في الطريق فعثر به عاثرٌ، فلا ضمان عليه في شيءٍ من ذلك؛ وذلك لأنّ ما يلبسه الإنسان لا يمكن الاحتراز منه، وقد بيَّنّا أنّ ما لا يمكن الاحتراز منه، لا يُضمَن في الطريق. ٢٥٤٧ - : [فَصْل: الموت بسبب وقوع شيء حامل له] قال: ولو لم يكن لابسًا ذلك، ولكنه حاملٌ له (٣) فوقع منه على إنسانٍ فقتله، أو وقع منه فعثر به عاثرٌ، فهو ضامنٌ لدية ما هلك بذلك، وهذا قول أبي يوسف ومحمدٍ؛ وذلك لأنّ الحَمْل يمكن الاحتراز منه، وله منه بدٌّ، فما تولّد منه مضمونٌ (٤). قال أبو الحسن: وحمله مباحٌ، إلا أنّه بشرط السلامة، ألا ترى أنّ الله أباح الاصطياد ورَمْي الصيد، فلو رمى صيدًا فوقع بشاةٍ أو إنسانٍ ضمن، وكذلك لو رمى مشركًا في حال القتال، فأصاب مسلمًا، وقد فرض الله عزَّو جلَّ رميه في تلك الحال، فهكذا الإباحة في الحمل. فأمّا اللباس، فأمرٌ عامٌّ يشترك فيه المسلمون جميعًا، وهم فيه سواء؛ لأنّ

стр. 3954

لكلّ أحدٍ منه [لبسه]؛ فلهذا [باين] (١) سائر ما وصفت لك. قال محمدٌ: وإنّما نجيز من ذلك ونبطل الضمان فيما كان يلبسه الناس، فإذا لبس من ذلك ما لا يلبسونه، جعلناه بمنزلة الحامل لذلك، وضمّناه كما يضمن الحامل. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ ما لا يلبسه الناس لا تدعو إليه الحاجة، فيكون كالحامل، فيكون بشرط السلامة (٢). وقد قالوا فيمن وضع كنانتة في الطريق (٣)، فعطب بها إنسانٌ: ضمن؛ لأنّه متعدٍّ في الوضع، وقال محمد: إن وَضَع ذلك في طريق غير نافذٍ وهو من أهله لم يضمن؛ لأنّها بقعةٌ مشتركةٌ، فهي كالدار المشتركة، فيجوز لكلّ واحدٍ من الشريكين الانتفاع بها. ومِمَّا يُلْحَقُ بِهَذَا البَابِ ٢٥٤٨ - [فَصْل: في عطب إنسان ببناء المسجد] ما قاله أصحابنا: في أهل المسجد إذا بنوا فيه بناءً، أو حفروا [فيه] بئرًا، أو وضعوا جناحًا (٤)، فعطب به إنسانٌ، فلا ضمان عليهم؛ لأنّ النظر في مصالح

стр. 3955

المسجد إليهم، فما فعلوه فيه، فلا ضمان فيه، كالوصيّ أو الأب إذا فعلوا ذلك في دار اليتيم، ووالي الوقف إذا فعل في الوقف. وأمّا إذا بنى رجلٌ من غير أهل المسجد بناءً في المسجد (١)، أو حفر بئرًا، أو علّق فيه قنديلًا، أو وضع حصيرًا، أو ألقى فيه الحصير، فعطب به إنسانٌ، فهو ضامنٌ في قول أبي حنيفة، وقالا (٢): لا ضمان عليه إلا في البناء والحفر. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ النظر في مصالح المسجد إلى أهله، وليس إلى غيرهم؛ بدلالة أنّ لهم أن يمنعوا غيرهم من عمله، فصار مَن ليس من أهله كمن وضع شيئًا في دار غيره. [ولأنّه] (٣) لو لم يضمن في القنديل والحصير، لم يضمن في البناء والحفر كأهل المسجد. وجهُ قولهما: أنّ المسجد لجميع الناس، وقد أُذِن للمسلمين في عمارته بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، إلا أنّ لأهل المسجد اختصاصًا به، فصاروا كالمالك، وغيرهم كالمستعير (٤)، ومعلوم أن للمستعير أنّ يضع في الدار الحصير (٥) والقنديل، وليس له أنّ يحفر فيها ولا

стр. 3956

يبني، فكذلك هذا. والجواب: أنّه لا يمتنع أن يكون المسجد لجماعة المسلمين، ويختصّ تدبيره بأهله، ألا ترى أنّ النبي ﷺ أخذ مفاتيح الكعبة من بني شيبة، فأمره الله تعالى بردها عليهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (١)، والكعبة حقٌّ لجميع المسلمين، وإن خُصَّ قومٌ بتدبيرها. ٢٥٤٩ - [فَصْل: الضمان لعطب في المسجد] قال أبو حنيفة فيمن جلس في مسجدٍ لغير [قُربةٍ] (٢)، لحديثٍ أو نومٍ أو ما [أشبه ذلك] (٣)، فعطب به إنسانٌ فهو ضامنٌ، وقالا (٤): لا ضمان عليه. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ المسجد إنّما بُني للعبادات، فإذا اشتغل بغيرها صار متعديًا، ألا ترى أنّ الطريق لما جُعِل للاجتياز كان من جلس فيه متعديًا. وجه قولهما: أنّه لو جلس في المسجد للطاعة ولذكر الله، لم يضمن، فكذلك إذا جلس لغيره، ألا ترى أنّ الماشي في الطريق [للطاعة]، لمّا لم يضمن، [لم يضمن] إذا مشى للمعصية. ٢٥٥٠ - [فَصْل: فيمن حفر بئرًا في السوق ويقع فيها إنسان] وقد قال أصحابنا فيمن حفر بئرًا في سوق العامة لمصلحة المسلمين، فوقع

стр. 3957

فيها إنسانٌ، فإن كان الحفر بغير إذن السلطان: ضمن، وكذلك إذا اتخذ قنطرةً للعامّة. وروي عن أبي يوسف: أنّه لا يضمن. وجه قولهم المشهور: أنّ هذا حقٌّ لعامة المسلمين؛ وتدبير أمر العامة إلى الإمام، فما فُعل بغير أمره [يُضمَن] كما فُعل في دار الغير بغير أمره. لأبي يوسف: أنّ هذا من مصالح المسلمين، والإنسان مأذونٌ في مصالحهم، فصار الإذن من طريق الحكم، كالإذن بالنطق (١).

стр. 3958

بَابْ [في] الناخس قال [أبو الحسن]: وإذا كان الرجل يسير على دابّته، أو واقفًا عليها في ملكه أو في طريقٍ، فنخس (١) دابته رجلٌ، فضربت بيدها أو بذنبها أو برجلها، أو نفرت، فصدمت إنسانًا من فورها من النخسة، فالناخس ضامنٌ دون الراكب إذا فعل ذلك بغير أمر الراكب؛ وذلك (٢) لما روى القاسم بن عبد الرحمن: أنّ رجلًا نخس دابّةً فصدمت رجلًا، فاختصموا في ذلك إلى سليمان بن ربيعة، فضمّن الراكب، فبلغ ذلك إلى ابن مسعود، فقال: "ألا إنّما يضمن الناخس، ألا إنّما يضمن الناخس، ألا إنّما يضمن الناخس" (٣) وروي عن عمر: أنّه ضمّن الناخس دون الراكب (٤)؛ وذلك لأنّه تعدّى في النخس، فضمن ما تولّد منه، وكأنّه دفع الدابّة على غيره. وإنّما استوى ما كان بالرِّجل والذَّنَب وباليد؛ لأنّه كالدافع لها بضربه، فعلى أي وجهٍ عطب بها ضمن.

стр. 3959

وإنّما شُرِط في الضمان أن يكون من فورها؛ لأنّها إذا سكنت من فورة الضرب، فما تصيبه بعد ذلك إنّما تفعله باختيارها، فلا يضمنه كما تصيب قبل نخسه. ٢٥٥١ - [فَصْل ضرب الدابّة بأمر الراكب] : قال وكذلك لو ضربها رَجلٌ؛ لأنّه دافعٌ لها بالضرب. قال: فإن فعل ذلك بأمر الراكب، فقتلت رجلًا نفحته برجلها، فإن كان الراكب يسيرُ في الطريق أو واقفًا في ملكه، أو في موضعٍ قد أُذن فيه في الوقوف [من هذه الأسواق] ونحوها، فلا ضمان في هذا على راكبٍ ولا سائقٍ ولا ضاربٍ؛ وذلك لأنّه لما ضرب بأمر الراكب، والراكب يملك الأمر بالضرب، صار ضَرْبه كضرب الراكب، فلا يضمن به ما أصابت بالرّجل في هذه الأحوال. قال: فإن كان الراكب واقفًا في بعض طريق المسلمين التي لم يؤذن في الوقوف فيها، فأمر رجلًا أن يضرب دابته، [فضربها]، فنفحت رجلًا فقتلته، فالدية عليهما نصفان: نصفٌ على الضارب (١)، ونصفٌ على الراكب، على عاقلتهما، ولا كفارة عليهما، وذلك لأنّ ضربه لها بأمر الراكب كضرب الراكب، ولو ضربها الراكب وهو واقفٌ في هذا المكان، ضمن ما يتولّد من الرِّجل، فكذلك إذا أمر بالضرب. وإنّما شاركه الضارب في الضمان؛ لأنّه تعدّى في الفعل، فاشتركا في التعدّي، فضمنا (٢).

стр. 3960

٢٥٥٢ - [فَصْل: الكفارة في القتل بسبب] قال: ولا كفارة عليهما؛ لأنّه قتلٌ بسببٍ (١). وقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجلٍ على دابّةٍ يسير، أمر رجلًا أن ينخس به، ففعل، فوطئت إنسانًا فمات، فالضمان عليهما، وكذلك لو نخس بغير أمر الراكب، فوطئت، فالضمان عليهما. ولو نخس بأمره وهي سائرةٌ، فنفحت (٢) إنسانًا فمات، فلا شيء عليهما؛ وذلك لأنّه لمّا نخس بأمره [وهي سائرةٌ] فوطئت، فقد مات الرجل بثقل الراكب وفعل الناخس، فاشتركا في الضمان؛ لاشتراكهما في سبب القتل، وأما إذا نفحت برِجْلها، فضَرْبه بأمر الراكب كضرب الراكب، فلا يضمن. قال: ولو نخس بغير أمره، فنفحت فقتلت إنسانًا وهي سائرةٌ، ضمن الناخس، وكان على عاقلته؛ لما بيّنا أنّه كالدافع لها، وهو متعدٍّ (٣) في فعله. ٢٥٥٣ - [فَصْل: الضمان في حال النخس وهي واقفه] [قال]: وإن كانت واقفةً فنخس بأمره، فعلى الراكب [الضمان]، وإن كان بغير أمره، فعلى الناخس؛ وذلك لأنّه إذا نخس بأمره فكأنّ الراكب (٤) نخس، فيضمن ما تعلّق بالرِّجل، وإن كان بغير أمره فقد تعدّى في الفعل، فصار كالدافع للدابّة.
следующие страницы →