← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

يبني، فكذلك هذا. والجواب: أنّه لا يمتنع أن يكون المسجد لجماعة المسلمين، ويختصّ تدبيره بأهله، ألا ترى أنّ النبي ﷺ أخذ مفاتيح الكعبة من بني شيبة، فأمره الله تعالى بردها عليهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (١)، والكعبة حقٌّ لجميع المسلمين، وإن خُصَّ قومٌ بتدبيرها. ٢٥٤٩ - [فَصْل: الضمان لعطب في المسجد] قال أبو حنيفة فيمن جلس في مسجدٍ لغير [قُربةٍ] (٢)، لحديثٍ أو نومٍ أو ما [أشبه ذلك] (٣)، فعطب به إنسانٌ فهو ضامنٌ، وقالا (٤): لا ضمان عليه. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ المسجد إنّما بُني للعبادات، فإذا اشتغل بغيرها صار متعديًا، ألا ترى أنّ الطريق لما جُعِل للاجتياز كان من جلس فيه متعديًا. وجه قولهما: أنّه لو جلس في المسجد للطاعة ولذكر الله، لم يضمن، فكذلك إذا جلس لغيره، ألا ترى أنّ الماشي في الطريق [للطاعة]، لمّا لم يضمن، [لم يضمن] إذا مشى للمعصية. ٢٥٥٠ - [فَصْل: فيمن حفر بئرًا في السوق ويقع فيها إنسان] وقد قال أصحابنا فيمن حفر بئرًا في سوق العامة لمصلحة المسلمين، فوقع

стр. 3957

فيها إنسانٌ، فإن كان الحفر بغير إذن السلطان: ضمن، وكذلك إذا اتخذ قنطرةً للعامّة. وروي عن أبي يوسف: أنّه لا يضمن. وجه قولهم المشهور: أنّ هذا حقٌّ لعامة المسلمين؛ وتدبير أمر العامة إلى الإمام، فما فُعل بغير أمره [يُضمَن] كما فُعل في دار الغير بغير أمره. لأبي يوسف: أنّ هذا من مصالح المسلمين، والإنسان مأذونٌ في مصالحهم، فصار الإذن من طريق الحكم، كالإذن بالنطق (١).

стр. 3958

بَابْ [في] الناخس قال [أبو الحسن]: وإذا كان الرجل يسير على دابّته، أو واقفًا عليها في ملكه أو في طريقٍ، فنخس (١) دابته رجلٌ، فضربت بيدها أو بذنبها أو برجلها، أو نفرت، فصدمت إنسانًا من فورها من النخسة، فالناخس ضامنٌ دون الراكب إذا فعل ذلك بغير أمر الراكب؛ وذلك (٢) لما روى القاسم بن عبد الرحمن: أنّ رجلًا نخس دابّةً فصدمت رجلًا، فاختصموا في ذلك إلى سليمان بن ربيعة، فضمّن الراكب، فبلغ ذلك إلى ابن مسعود، فقال: "ألا إنّما يضمن الناخس، ألا إنّما يضمن الناخس، ألا إنّما يضمن الناخس" (٣) وروي عن عمر: أنّه ضمّن الناخس دون الراكب (٤)؛ وذلك لأنّه تعدّى في النخس، فضمن ما تولّد منه، وكأنّه دفع الدابّة على غيره. وإنّما استوى ما كان بالرِّجل والذَّنَب وباليد؛ لأنّه كالدافع لها بضربه، فعلى أي وجهٍ عطب بها ضمن.

стр. 3959

وإنّما شُرِط في الضمان أن يكون من فورها؛ لأنّها إذا سكنت من فورة الضرب، فما تصيبه بعد ذلك إنّما تفعله باختيارها، فلا يضمنه كما تصيب قبل نخسه. ٢٥٥١ - [فَصْل ضرب الدابّة بأمر الراكب] : قال وكذلك لو ضربها رَجلٌ؛ لأنّه دافعٌ لها بالضرب. قال: فإن فعل ذلك بأمر الراكب، فقتلت رجلًا نفحته برجلها، فإن كان الراكب يسيرُ في الطريق أو واقفًا في ملكه، أو في موضعٍ قد أُذن فيه في الوقوف [من هذه الأسواق] ونحوها، فلا ضمان في هذا على راكبٍ ولا سائقٍ ولا ضاربٍ؛ وذلك لأنّه لما ضرب بأمر الراكب، والراكب يملك الأمر بالضرب، صار ضَرْبه كضرب الراكب، فلا يضمن به ما أصابت بالرّجل في هذه الأحوال. قال: فإن كان الراكب واقفًا في بعض طريق المسلمين التي لم يؤذن في الوقوف فيها، فأمر رجلًا أن يضرب دابته، [فضربها]، فنفحت رجلًا فقتلته، فالدية عليهما نصفان: نصفٌ على الضارب (١)، ونصفٌ على الراكب، على عاقلتهما، ولا كفارة عليهما، وذلك لأنّ ضربه لها بأمر الراكب كضرب الراكب، ولو ضربها الراكب وهو واقفٌ في هذا المكان، ضمن ما يتولّد من الرِّجل، فكذلك إذا أمر بالضرب. وإنّما شاركه الضارب في الضمان؛ لأنّه تعدّى في الفعل، فاشتركا في التعدّي، فضمنا (٢).

стр. 3960

٢٥٥٢ - [فَصْل: الكفارة في القتل بسبب] قال: ولا كفارة عليهما؛ لأنّه قتلٌ بسببٍ (١). وقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجلٍ على دابّةٍ يسير، أمر رجلًا أن ينخس به، ففعل، فوطئت إنسانًا فمات، فالضمان عليهما، وكذلك لو نخس بغير أمر الراكب، فوطئت، فالضمان عليهما. ولو نخس بأمره وهي سائرةٌ، فنفحت (٢) إنسانًا فمات، فلا شيء عليهما؛ وذلك لأنّه لمّا نخس بأمره [وهي سائرةٌ] فوطئت، فقد مات الرجل بثقل الراكب وفعل الناخس، فاشتركا في الضمان؛ لاشتراكهما في سبب القتل، وأما إذا نفحت برِجْلها، فضَرْبه بأمر الراكب كضرب الراكب، فلا يضمن. قال: ولو نخس بغير أمره، فنفحت فقتلت إنسانًا وهي سائرةٌ، ضمن الناخس، وكان على عاقلته؛ لما بيّنا أنّه كالدافع لها، وهو متعدٍّ (٣) في فعله. ٢٥٥٣ - [فَصْل: الضمان في حال النخس وهي واقفه] [قال]: وإن كانت واقفةً فنخس بأمره، فعلى الراكب [الضمان]، وإن كان بغير أمره، فعلى الناخس؛ وذلك لأنّه إذا نخس بأمره فكأنّ الراكب (٤) نخس، فيضمن ما تعلّق بالرِّجل، وإن كان بغير أمره فقد تعدّى في الفعل، فصار كالدافع للدابّة.

стр. 3961

٢٥٥٤ - [فَصْل: نخس الرجل الدابّة وعليها راكب] قال: وإذا نخس الرجل الدابّة وعليها راكبٌ بغير أمره، فوثبت به وألقت الراكب، فالناخس ضامنٌ لما حدث عليه من جناية؛ لأنّه تعدّى في السبب، فضمن ما تولّد منه. فإن لم تلقه، وجمحت (١) به، فما أصابت في فورها ذلك، فعلى الناخس؛ لأنّه سببٌ فيه على طريق التعدّي. فإن نفحت الناخس، فقتلته، كانت ديته هدرًا؛ لأنّه في حكم الجاني على نفسه، ألا ترى أنّها لو نفحت غيره كان الضمان عليه (٢). قال: ولو أمره بنخسها وهي تسير، فوطئت إنسانا فقتلته، فالدية عليهما جميعًا نصفان؛ لأنّ الراكب والناخس كالسائق والراكب، يشتركان فيما كان من جناية الدابّة فيما (٣) يُحتَرز منه. وقال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف: وكذلك إن نخس بغير أمر الراكب، فوطئت، فالضمان عليهما؛ لأنّه تلفٌ بثقل الراكب ودفع الناخس. قال: ولا ضمان على الناخس حتّى يظهر أنّ الذي أصابته كان في فورها الذي نخسها فيه، وهذا على ما قدّمنا.

стр. 3962

٢٥٥٥ - [فَصْل: وقوع النخس بغير إذن القائد والسائق] قال: فإن كان للدابة سائقٌ وقائدٌ، فنخس بغير إذن واحدٍ منهما، فنفحت، فالضمان على الناخس دونهما؛ لأنّ الناخس كالدافع للدابّة، فإن كان كلّ واحدٍ منهما أمره، فلا ضمان عليه، ولا على واحد منهما إذا نفحت؛ لأنّه فعله بأمرهما كفعلهما. [والله أعلم] (١). * * *

стр. 3963

بَابْ جنايةِ القطار قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا قاد الرجل قطارًا (١)، فما أوطأه أوله وآخره، فهو ضَامنٌ له، وكذلك إن صدمَ إنسانًا فقتله؛ لأنّ القائد مُقرِّبٌ للبهيمة إلى الجناية، فكأنّه ألقاها على غيره، ولأنّه يقدر على الاحتراز بأن يذود الناس عن الطريق، وما أمكن الاحتراز منه، ضُمِن. فإن كان معه سائقٌ، فالضمان عليهما؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما مُقرَّبٌ للقطار، فاشتركا في سبب الجناية. فإن كان السائق في وسط القطار، فما أصاب مما خلف هذا السائق وما بين يديه من شيءٍ، فهو عليهما؛ لأنّ ما بين يديه هو له سائقٌ، والأوّل له قائدٌ، وما خلفه هما له قائدان، فيشتركان في الضمان. قال: وإن كان يكون أحيانًا وسطًا، [وأحيانًا يتأخر] (٢)، وأحيانًا يتقّدم، وهو يسوقها مع ذلك، فهو بمنزلة الأوّل؛ لأنّه سائقٌ لبعضها أو قائدٌ، وكلا الأمرين يتعلّق به الضمان. ٢٥٥٦ - [فَصْل: الاشتراك في الضمان] وقال محمدٌ في إملاء الكيسانيّ: لو أنّ رجلًا كان يقودُ قطارًا، وآخر من

стр. 3964

خلف القطار يَسُوقُه ويزجر الإبل، فتنزجر لسوقه (١)، وعلى الإبل قومٌ في المحامل (٢)، نيامٌ أو غير نيام، فوطئ بعيرٌ منها إنسانًا فقتله، فالدية على عاقلة القائد والسائق والراكبين على البعير الذي وطئ، وعلى الراكبين جميعًا الَّذين قُدّام البعير الذي وطئ، على عواقلهم جميعًا على عدد الرؤوس. والكفارة على الركّاب خاصةً؛ وذلك لأنّ القائد والسائق مُقرِّبون إلى الجناية، والركّاب أمام البعير كالقادة لما خلفهم والراكب على البعير حصل التلف بثقله، فاشتركوا في سبب سبب الضمان، فانقسم عليهم. والكفارة على راكب البعير الذي وطئ خاصّةً؛ لأنّ القتل بثقله، ومن سواه قاتلٌ بسببٍ. ٢٥٥٧ - [فَصْل: الضمان على من كان من الركبان خلف البعير] قال: ومَن كان من الركبان (٣) خلف البعير الذي وطئ لا يزجر الإبل ولا يسوقها، راكبًا على بعير منها أو غير راكبٍ، فلا ضمان على واحدٍ منهم؛ لأنّهم لمّا لم يسوقوا (٤)، ولم يقودوا، صاروا كمتاعٍ على الإبل. ٢٥٥٨ - [فَصْل: الضمان على من كان من الركبان أمام البعير الواطئ] قال: وأما الركبان أمام البعير الواطئ، فإنّهم جميعًا قادةٌ للبعير الواطئ

стр. 3965

وجميع ما خلفه، وهذا [محمولٌ] على أنّهم يفعلون فعلًا في القَوْد، فأمَّا إذا لم يكن منهم فعلٌ في القَوْد فهم كالمتاع؛ [لأنّ الإنسان قد يكون قائدًا وإن لم يفعل القَوْد، ألا أنّ تري النائم يجوز أن يكون قائدًا، ولا يجوز أن يكون سائقًا إذا لم يفعل السوق، فلذلك افترقا]. ٢٥٥٩ - فَصْل [ربط البعير بالقطار والقائد لا يعلم] قال: وإذا كان الرجل يقود قطارًا فجاء رجلٌ فربط إليه بعيرًا والقائد لا يعلم، فوطئ البعير إنسانًا فقتله، فالدية على عاقلة القائد، يرجعون بها على عاقلة الرابط؛ لأنّ القائد (١) قرّب البعير من الجناية، وضمان الإتلاف يستوي فيه العلم والجهل، ويرجع عاقلته بالضمان على عاقلة الرابط؛ لأنّ الرابط تعدّى في رباطه، فصار هو السبب في إلزامهم الضمان، فكان الرجوع عليه. ٢٥٦٠ - فَصْل: قال: ولو كانت الإبل وقوفًا لا تُقاد، فجاء رجلٌ فربط إليها بعيرًا والقائد لا يعلم، فقادها القائد، فانقاد البعير معها، فوطئ البعير إنسانًا فقتله، فالضمان على القائد، ولا يرجعون على عاقلة الرابط؛ لأنّ الرابط تعدّى في الربط، فلما قاد القائد أزال جنايته عن مكانها، فزال الضمان عنه وتعلّق بالقائد، كمن وضع حجرًا في الطريق، فدحرجه آخر، ثم عُطِب به إنسانٌ، فالضمان على عاقلة الثاني دون الأوّل. وليس كذلك المسألة الأولى؛ لأنّه ربط البعير والإبل سائرةٌ، فلم يستقرّ به الجناية حتّى يتغير حكمها بالانتقال، فيبقى التعدّي ببقاء الربط.

стр. 3966

٢٥٦١ - [فَصْل: [ربط البعير بالقطار والقائد يعلم] قال: وإن كان القائد علم بالبعير في المسألتين جميعًا أنّه قد رُبِط إلى إبله، فقادها على ذلك، فوطئ البعير إنسانًا فقتله، فالدية على عاقلة القائد، ولا يرجعون على الرابط؛ لأنّه لمّا قاد بعد العلم بالربط، فقد رضي بذلك، فزال الضمان عن الرابط، فكأنّه ربط بأمره (١).

стр. 3967

بَابْ الرجل يجنى عليه جناياتٌ مختلفةٌ بعضُها مضمونٌ وبعضها غيرُ مضمونٍ قال أبو الحسن رحمهُ الله تعالى: وإذا جرحَ الرجل رجلًا جراحةً أو جراحتين، وجرحه سَبُعٌ فمات من ذلك، فإنّ على الرجل نصف الدية، ونصفها هدرٌ. وكذلك لو جرحه السَّبُعُ جراحتين، والرجل جراحةً واحدةً؛ وذلك لأنّ الجراحتين من رجلٍ واحدٍ كجنايةٍ واحدةٍ، بدلالة أنّ حكمها واحدٌ. ولهذا قالوا: في رجلٍ جرح رجلًا جراحةً، وجرحه آخر جراحتين، أو عشر جراحاتٍ، فمات من ذلك، فالدية عليهما نصفان؛ لأنّ الإنسان قد يموت من جراحةٍ واحدةٍ ولا يموت من عشر جراحاتٍ (١)، فاحتمل أن يكون الموت من الجراحة المنفردة، واحتمل أن يكون من الجراحات الباقية. فإذا ثبت هذا، قلنا: قد مات في مسألتنا من جِرَاحَتَين مختلفتي الحكم؛ لأنّ جراحة السبع هدرٌ، وجراحة الآدمي مضمونةٌ، فانقسم الضمان، فوجبَ على الجارح النصف، وسقط ما أصاب جراحة السبع؛ لأنّه هدرٌ. ٢٥٦٢ - فَصْل: [اشتراك السَّبُع مع الإنسان في الجراحة] قال: وكذلك لو جرحه الرجل جراحةً، وعقره سَبْعٌ، ونهشته حيّةٌ، وخرج به (٢)

стр. 3968

خراجةٌ، وأصابه حجرٌ، ورمت به الريح، فمات من ذلك، فعلى الرجل نصف الدية (١)، تجعل الجراحات التي ليس لها حكمٌ يلزم [أحدًا] كجراحةٍ واحدةٍ، فكأنّه مات من جنايتين (٢): إحداهما هدرٌ، والأخرى مضمونةٌ، فيلزمه نصف الدية، ويبطل نصفها. ولا يُبالى كثر عدد الهدر أو قلّ، هو كجراحةٍ [واحدة] (٣)؛ وذلك لأنّ الهدر له حكمٌ واحدٌ، فصار كجراحات الرجل الواحد، أنّها في الحكم كجراحةٍ واحدةٍ. ٢٥٦٣ - فَصْل: [اشتراك رجلين في الجراحة] قال: وكذلك لو جرحه رجلٌ جراحةً واحدةً (٤)، وجرحه آخر أخرى، ثم انضمّ إلى ذلك ما ذكرنا ممَّا لا حكم له، يلزم فاعله، فإنّ على كلّ رجلٍ ثُلُث الدية، ويهدر الثلث؛ لأنّ جراحتي الرجلين كلّ واحدةٍ منهما تنفرد بحكم الضمان، والهدر في الجراحات كجراحةٍ واحدةٍ، فكأنّه مات من ثلاث جنايات، فتقسّم الدية أثلاثًا. ٢٥٦٤ - فَصْل: [الدية في الجنايات مختلفة الأحكام] قال: فإن كان لبعض الجناية [جراحاتٌ] (٥) مختلفة الأحكام، فقسّمت مما يخصه إذا قسمت على عدد الجنايات على أحكام الجنايات.

стр. 3969

وذلك كرجلٍ أمر رجلًا أن يقطع يده لعلّةٍ بها (١)، ثم إنّ المأمور جرح الآمر جراحةً أخرى بغير أمره، ثم جرحه رجلان (٢) آخران، كلّ واحد منهما جراحةً، ثم عقره سَبُعٌ، ونهشته حيّة، وخرج به خراجٌ، فمات من ذلك، فإنّ الجناة الذين لجنايتهم أحكامٌ ثلاثةٌ وسائر ما لا حكم له واحدٌ، فربع الدية هدرٌ، ويُقسَّم باقي الدية على الجناة، وهم ثلاثةٌ، فيكون على كلّ واحدٍ منهم الثلث. فما أصاب (٣) المأمور بالقطع، فله حكمان: حكمٌ هدرٌ: وهو القطع الذي أمر به، وحكمٌ مضمونٌ: وهو الجراحة التي فعلها بغير أمر، فسقط نصف ما يخصّه: وهو سدس الدية، ويلزمه من الدية سدسها؛ وذلك لأنّ جراحتي المأمور وإن اختلف حكمها، فهي من فعلٍ (٤) واحدٍ، فلا تثبت لها في حقّ شركائه في الجناية، إلا حكم الجناية الواحدة. فقد مات من جناية المأمور، وجناية الآخرين، والجنايات التي هي هدرٌ، فهي كجنايةٍ واحدةٍ، فصار الموت من أربع جناياتٍ: إحداها هدرٌ، فيسقط ربع الدية، وتلزم كلّ واحدٍ من المأمور والجارحين بعده ربع الدية، فما أصاب المأمور، يُقسَّم على جراحته لاختلاف حكمها، فسقط نصف ما أصابه؛ لأنّه مأمورٌ بالقطع، وبقي نصفه، وهو الثمن. والذي ذكر في الكتاب: السدس، وإنّما يريد به سدس ما بقي من الدية بعد إسقاط الهدر، وسدس الثلاثة الأرباع، ثمن الجميع.

стр. 3970

٢٥٦٥ - فَصْل: [اشتراك غير المأمور مع المأمورين بالضرب] قال: ولو أنّ رجلًا أمر عشرة أن يضربوا عبده، أمر كلّ واحدٍ منهم أن يضربه سوطًا، فضربه كلّ واحدٍ [منهم] كما أمره، ثم ضربه آخر لم يأمره سوطًا، فمات من ذلك كله، فعلى الذي لم يُؤمر أَرْش (السوط [الذي ضربه من قيمته مضروبًا عشرة أسواط] (١)، ثمّ على الذي لم يؤمر) (٢) جزءٌ من أحد عشر جزءًا من قيمته، مضروبًا (١) أحد عشر سوطًا. وذلك لأنّ الضارب الذي لم (٣) يُؤمر، قد أحدث في العبد نقصًا بضربه، والعبد ناقصٌ بما تقدّم من الضرب، فوجبّ أن يضمنَ ما نقصه السوط الحادي عشر من قيمته، وهو مضروب عشرة [أسواطٍ]؛ لأنّه لم يجن عليه إلا بعد نقصانه. ثمّ قد مات العبد من إحدى عشر جراحةً؛ لأنّ كلّ واحدٍ من السياط فعل آدميٍّ، فتعلّق بفعله حكمٌ، فانقسم الضمان على عددهم، فما أصاب العشرة سقط؛ لأنّه وقع بأمر المالك، وما أصاب الحادي عشر ضمنه، وذلك جزءٌ من أحد عشر جزءًا من قيمته مضروبًا بأحد عشر سوطًا؛ لأنّ العشرة الأسواط أوجبت نقصًا بفعل غيره، فلا [يضمنه] (٤)، والسوط الحادي عشر قد ضمن نقصه ابتداءً، فلا يضمنه (٥) ثانيًا. وإنّما لم يدخل نقصان السوط فيما وجب عليه من القيمة؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما [جزء و] ضمان الجزء، وضمان الجزء والجزء إذا تعلقا بسبب واحدٍ، لم

стр. 3971

يدخل أحدهما في الآخر. (وليس هذا كمن انفرد بضرب العبد فمات، أنّه يضمن القيمة دون النقصان؛ لأنّه اجتمع ضمان جزءٍ وضمان كلٍّ، وتعلّقا بسببٍ واحدٍ، فدخل أحدهما في الآخر) (١). قال: ولو كان المولى هو الذي ضربه عشرة أسواطٍ بيده، ثم ضربُه أجنبيٌّ سوطًا، فمات من ذلك كلّه، فعلى الأجنبي ما نقصه السوط الحادي عشر، مضروبًا عشرة أسواط، ونصف قيمته مضروبًا أحد عشر سوطًا. لأنّ ضرْبَ المولى لمّا حصل من فعلٍ واحدٍ، صار كجنايةٍ واحدةٍ وإن كثر عدده، فكأنّه مات من سوطين، فيسقط نصف الدية ويثبت نصفها. ولا يقال: ضرب العشرة بأمره كضربه بنفسه، فَهَلّا كانا سواءً؛ ولأنّ لضربهم كلّهم حكمًا واحدًا، وهو سقوط الضمان. قيل له: جنايةُ الآدميَّين المختلِفَين - وإن استوى حكمها - لا تصير كجنايةٍ واحدةٍ، بدلالة الجنايتين المضمونتين من اثنين، لا يكون كجنايةٍ واحدةٍ، والجنايتان من واحدٍ يتساويا في الضمان، وهي كجنايةٍ واحدةٍ. فأمّا ضرب الجماعة بأمر المولى، فهو في حقّ المولى كفعله في باب سقوط الضمان. فأمَّا في حقّ من شاركهم في الجناية، فإنّما يعتبر عددهم؛ لأنّ لفعل كلّ واحدٍ منهم حكمًا ينسب إليه، وهو الضمان، أو المأثم.

стр. 3972

٢٥٦٦ - فَصْل: [الدية في اختلاف الجراحات] قال: ولو أنّ رجلًا جرح رجلًا جِراحةً، وجرحه آخر جِراحتين أو أكثر من ذلك، فمات، فالدية عليهما نصفان إذا كان جراحة الواحد ممّا قد يقتل مثلها، إنّما يُنظر إلى الجناة (١)، ولا يُنظر إلى عدد الجنايات؛ لأنّه قد يموت من واحدةٍ [ويَسْلم من عشرةٍ]، وقد يموت من عشرة، ويسلم من واحدةٍ، وهذا على ما بيّناه. ٢٥٦٧ - فَصْل: [عفو المجروح عن أكثر الجراحات] [وقد قالوا في رجل جرح رجلًا عشر جِراحاتٍ، وجرحه آخر جِراحةً واحدةً، فعفا المجروح الجارحَ عن جرحٍ من العشرة وما يحدث منه، ثمّ مات من ذلك، فعلى صاحب الجرح الواحد نصف [الدية]، وعلى صاحب العشر ربع الدية؛ لأنّ الجراحة الواحدة كالعشرة في الضمان، فلمّا عفا عن واحدةٍ منها، انقسمت العشرة فتغيّر حكمها، فصار لتسعةٍ حكمٌ، ولواحدةٍ حكمٌ، فصار ما يتعلّق بها نصفين، فيسقط الربع، ويبقى الربع. ٢٥٦٨ - فَصْل: [عفو المجروح عن أقل الجراحات] ولو أمره أن يجرحه واحدةً، فجرحه عشرًا، أو جرحه آخر جرحًا واحدًا، ثمّ عفا المجروح لصاحب العشر عن واحدٍ من التسع التي كانت بغير أمره، ثمّ مات المجروح من ذلك كلّه، فعلى صاحب العشر ثمن الدية؛ لأنّ نصف الدية تعلّق بفعله، وانقسم [العشرة] بأمر المجروح بواحدةٍ، فصار عليه الربع، ثمّ انقسم ذلك بالعفو، فسقط نصفه، فبقي عليه الثمن] (٢) (٣).

стр. 3973

بَابْ الرجل يأمرُ غيرهُ بالجنايةِ عليهِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل للرجل اقتلني، فقتله بسيفٍ عمدًا أو خطأً، لم يكن عليه ديةٌ في قول أبي حنيفة، روى ذلك ابن سَمَاعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، والحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف. وروى بِشْر بن الوليد وعلي بن الجعد عن أبي يوسف: أنّ على القاتل الدية في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذلك روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة: أنّ عليه الدية. وروى ابن سَمَاعة عن محمد نفسه: أنّه عليه الدية استحسانًا. والكلام في هذه المسألة يقع في سقوط القصاص، فقال أصحابنا: لا قِصَاص على القاتل. وروى الحسن عن زفر: أنّ عليه القِصَاص. وجهُ قولهم (١): أنّ القِصَاص إذا ثبت، ثبت للمقتول؛ بدلالة سقوطه بعفوه، ويستحيل أن يثبت له مع أمره به، كما لو أمر بقطع يده. وجه قول زفر أنّ الأمر بالقِصَاص لا يتعلّق به حكمٌ، بدلالة أنّ المأمور لا يحلّ له القتل (٢)، فصار وجود أمره وعدمه سواءً؛ ولأنّ القِصَاص يثبت بعد

стр. 3974

الموت، وأمره لا يؤثر في إسقاط ما يجب لورثته بعد موته. وليس هذا كقطع يده؛ لأنّ الحقّ يجبُ له، فجاز أن يسقط بأمره. فأما ضمان (١) الدية، فوجه رواية ابن سَماعة - وهي أصح الروايتين: أنّ الدية لو وجبت، وجبت له؛ بدلالة أنّ ديونه تُقضَى منها، وتنفذ وصاياه، فإذنه في سبب وجوبها يُسقطُها، كما لو أذن في قطع يده؛ ولأنّه ضمانٌ يجب له، فوجب أنَّ يسقط بإذنه في الإتلاف، كضمان المال. وجه الرواية الأخرى: أنّ الدية إنّما تجبُ بعد الموت، ويستحيل أن يثبت للميت حقٌّ مبتدأٌ بعد موته، فعُلِم أنّها تثبت للورثة، فإذنُ الميت لا يؤثّر في إسقاط حقّهم؛ ولأنّ القياس: أن لا يسقط القِصَاص بالإذن؛ لأنّه يجب بعدَ الموت، إلا أنّ الإذن في سببه صار شبهةً في سقوطه (٢)، فانتقل مالًا، والمال لا يسقط [بالشكّ] (٣) والشبهة. وقال ابن سَمَاعة وهشام عن محمدٍ: إذا أمر الرجلُ الرجلَ أن يقطع يده، أو يفقأ عينه، فلا شيء عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأنّ الضمان إنّما يجب له، فإذنه في سببه يسقط الضمان لحقّه قال: ولو قال: اقتل عبدي، أو اقطع يده، لم يضمن فيهما؛ لأنّ الضمان يثبت في الوجهين جميعًا للمولى، وقد أذن في الإتلاف، فلا يثبت الضمان.

стр. 3975

٢٥٦٩ - فَصْل: [القصاص في الأمر بقتل الوارث] وقال هشام عن محمدٍ: إذا [قال]: اقتل أخي، وهو وارثه، قال محمدٌ: كان زفر يقول: أقتله به، وقال أبو حنيفة: أستحسن أن آخذ الدية من القاتل. وجه القياس: أنّه غير مالك لدم أخيه (١)، فإذنه لا يتعلّق به حكمٌ. وجه الاستحسان: أنّ القِصَاص (٢) لو وجبَ لوجبَ للأخ، وقد أذن في سببه، فصار ذلك شبهةً في سقوطه، فانتقل مالًا. وقال علي بن الجَعْد عن أبي يوسف، قال أبو حنيفة: إذا أمر الرجل رجلًا آخر بقتل عبده، فقتله، فلا شيء عليه، فإن أمر أن يقتل ابنه ولا وارث غير الأب، فقَتَله، قُتِل به. وروى الحسن عن أبي يوسف أنّه قال: أستحسن أن أجعل عليه الدية. قال أبو يوسف: وهذا مخالفٌ لنفسه وعبده. أما أبو حنيفة: فيجوز أن تكون هذه الرواية عنه هي القياس، والاستحسان ما قال أبو يوسف في وجوب الدية. والفرق بين هذا وبين أمره بقتل نفسه: أنّهُ مالكٌ لدمه؛ بدلالة أنّه لو أقرَّ بما يوجب القتل، قُتِل، فجاز أن يكون إذنه فيما يملك مُسقِطًا للضمان، وليس بمالكٍ لدم ابنه، فإذنه فيه لا يُسقِط الضمان (٣).

стр. 3976

٢٥٧٠ - فَصْل: [القصاص فيما إذا أمر بقطع يد ابنه] قال: ولو أمره بأن يَشجّه، فشجّه، فلا شيء عليه، وإن مات منها كانت عليه الدية. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: هذا على أصل أبي حنيفة؛ لأنّ أمره بالشَّجّة لا يكون أمرًا بالنفس، كما لا يكون إبراؤه من الشَّجّة إبراءً من النفس؛ وذلك لأنّه أسقط الضمان في الشَّجّة بالإذن، ولم يسقط في النفس، ومن أسقط ما ليس بحقٍّ له، لم يسقط حقّه، إلا أنّ الشَّجّة سببٌ للقِصَاص، فالإذن فيها شبهةٌ. وقال أبو يوسف في رجل أمر رجلًا أن يقطع يد ابنٍ له صغيرٍ، فقطعها: إنّ للأب أن يقتصّ منه؛ لأنّ القِصَاص يثبت للصغير، فإذن الأب لا يُسقِط حقّ غيره. وقال ابن سَمَاعة في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل أمر رجلًا أن يقطع يده، ففعل، فمات المجروح منها، قال: ليس على قاطعه شيءٌ. قال: ولا يشبه هذا رجل شجّ رجلًا مُوضِحَةً (١)، فعفا له عنها، ولم يقل: وما حدث منها، فمات منها، قال: هذا في قول أبي حنيفة عليه الدية من قِبَل أنّه عفا عن الشَّجّة، ولم يقل: وما يحدث منها، فلما مات علمنا أنّه قاتلٌ، ولم يعف عن النفس، فعليه الدية. قال: والذي أمر بقطع يده فمات من ذلك لا يشبه هذا، من قِبَل أنّ قطع اليد لا شيء فيه، فلمّا لم يكن في قطع اليد شيءٌ، لم يكن في النفس الذي ذهبت (٢)

стр. 3977

من اليد شيءٌ، وهذا الذي ذكره ابن سَمَاعه مخالفٌ لما رواه أبو يوسف، وبناه أبو الحسن على هذا الأصل. والفرق الذي ذكره محمدٌ صحيحٌ؛ لأنّ الشَّجّة وقعت هناك مضمونةً، وإنّما يسقط ضمانها بالعفو، فإذا عفا عنها فَسَرت، تبيّنّا أنّه عفا عن غير حقّه، فبقي الضمان، وإذا أمر ابتداءً بالشّجّة، فقد وقعت غير مضمونةٍ، (وإنّما يسقط ضمانها بالعفو، فإذا عفا عنها فقد وقعت غير مضمونةٍ) (١)؛ بدلالة أنّها لو استقرت لم يضمن، فما يتولّد منها لا يكون مضمونًا. [وقد قالوا فيمن قال لرجلٍ: اجنِ عليّ! فرماه بحجرٍ، فجرحه جرحًا لا يعيش من مثله، فهذا قاتلٌ، ولا يسمّى جانيًا، فعليه الدية. لأنّ قوله: اجنِ عليّ، إنّما يُراد به ما دون النفس، ألا ترى أنّه لو أراد النفس لقال: اقتلني. ولو جرحه جرحًا يُعاش من مثله، فمات من ذلك، فلا شيء على الجاني؛ لأنّ هذا [لا] يُسمى جنايةً (٢)؛ لأنّه لا يقتل لا محالة (٣)، فقد فعل ما أمره به، فسقط الضمان عنه] (٤).

стр. 3978

بَابْ الجنايةِ بحفرِ البئر قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا حفر الرجل الحرّ بئرًا في طريق المسلمين، فوقع فيها رجلٌ فمات، أو أصابته جنايةٌ فيما دون النفس بسقوطه، فهو ضامن للجناية، حيًا كان الحافر (١) أو ميتًا؛ وذلك على عاقلته إذا كان ما لزمه بالجناية خمسمائة فصاعدًا (٢). فإن كان أقلّ من ذلك، فهو في ماله، يؤخذ منه إن كان حيًا، ومن تركته إن كان ميتًا؛ وذلك لِما [روي] عن شريح: أنّ عمرو بن الحارث حفر بئرًا عند درب أسامة، فعطبت فيها بغلة، فضمّنه شريح (٣)، وقضاياه كانت بحضرة الصحابة، ولم يُحك في ذلك خلافٌ. ولأنّه متعدٍّ في الحفر، فضمن ما تولّد منه، كمن تعدّى في الرمي؛ ولأنّه لمّا حفر في غير حقه، صار مسببًا في الإتلاف على طريق التعدي، فكأنّه دفع الواقع فيها. وقد روي عن أبي يوسف في الأمالي أنّه قال: إذا مات الواقع في البئر من الوقوع، ضمن في قول أبي حنيفة، فإن مات غمًّا [أو جوعًا] (٤)، لم يضمن.

стр. 3979

وقال أبو يوسف: إن مات غمًّا ضمن، وإن مات جوعًا، لم يضمن. وروي عن محمدٍ أنّه [قال]: يضمن في الجميع. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ الجناية هي الحفر، فما تولّد منه مضمونٌ، وما حدث بسببٍ آخر لا يضمنه الحافر (١)، كما لو دفع رجلٌ فيها رجلًا، والغمّ والجوع ليس بفعل الحافر، فلم يضمنه. [وجه قول] أبي يوسف أنّ الغمّ [حصل] بسبب البئر (٢)، فصار كالمُتلَف بالوقوع، والجوع تأخير الأكل، وذلك لا يعود إلى الحفر. [وجه قول] محمدٍ: أنّ الحافر صار سببًا في الجميع، فكأنّه حبسَ رجلًا حتّى مات. وأمّا وجوب الضمان على العاقلة؛ فلأنّه قُتل بسببٍ، فهو أضعف من قتل الخطأ، فإذا أوجب ضمان الخطأ على العاقلة، فهذا أولى، ويتحمّلون ما بلغ أرشًا مقدرًّا على ما بيّنا (٣)، وما لم يبلغ الأَرْش المُقدّر في مال الحافر؛ لأنّه يجرى مجري ضمان الأموال. وإنّما يستوي في ذلك حياة الحافر وموته؛ لأنّ الضمان يستند إلى حال الحفر، فكأنّه جنى في ذلك الوقت، ثم مات. ٢٥٧١ - فَصْل: [أرش الجناية بسبب الحفر] قال: ويجب عليه لكلّ جنايةٍ كانت منه بالحفر أَرْش الجناية، لا يسقط شيءٌ

стр. 3980

ذلك من بشيءٍ منه، ولا يشترك المجنيّ عليهم فيما يجب لكلّ واحدٍ منهم، وهو كلّه على العاقلة، إلا ما نقص من خمسمائة؛ وذلك لأنّ ما يجب بالحفر [إنما هو] في ذمم العاقلة، والحقوق المتعلّقة بالذمم لا تتضايق (١). ٢٥٧٢ - فَصْل [أرش الجناية إذا كان الحافر مُدَبّرًا] قال: وإن كان الحافر مُدبَّرًا أو أمّ ولدٍ، فما لَحِق من جنايته بالحفر، فهو على المولى في قيمة المُدبَّر وفي قيمة أمّ الولد ولا يلزمه في كلّ واحدٍ منهما إلا قيمةٌ واحدةٌ على ما بيّنت لك في جنايتهما بأيديهما (٢)، غير أنّ قيمة المُدبَّر وأمّ الولد تلزم المولى يوم حفرا، ولا يُنظر إلى قيمتهما بعد ذلك إن زادت أو نقصت؛ لأنّ حفرهما جنايةٌ، وجنايتهما تلزم المولى؛ لأنّه منع من تسليمهما فيها بتدبيره واستيلاده، فكأنّه دبّر بعد الجناية وهو لا يعلم. و [هو] لا يجب عليه إلا قيمةٌ واحدةٌ؛ لأنّ الضمان يلزمه بالمنع، والمنع منعٌ واحدٌ. وإنّما اعتُبرَت قيمتهما يوم الحفر؛ لأنّ الحفر هو الجناية دون الوقوع، فصار كالجناية بالمباشرة، فاعتبرت قيمتهما عندها. قال: وإن كان الحافر مُكَاتَبًا، لزمته الجنايات دون سيّده على ما بيّنت لك من جنايته بيده، إلا أنك تعتبر أيضًا قيمته يوم حفر، لا يوم الجناية؛ وذلك لأنّ المُكاتّب أحقّ بأكسابه، فجنايته عليه كالحرّ.

стр. 3981

٢٥٧٣ - فَصْل: [أرش الجناية إذا كان الحافر عبدًا] قال: (وإن كان الحافر عبدًا، فالجنايات كلّها في رقبته، يقال للمولى: ادفعه أو افده) (١)، ويتضاربون في الرقبة على [قدر] ما لكلّ واحدٍ منهم فيها، وذلك لأنّ الحفر جنايةٌ كالمباشرة، فيتعلّق برقبته، والرقبة تتضايق عن الحقوق، فيتضاربون فيها. فإن اختار المولى الفداء، فداه بجميع الأَرْش؛ لأنّه إنما يظهر (٢) رقبة عبده بإيفاء (٣) ما تعلّق بها. قال: فإن أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع، ثم لحقت الجنايات، فذلك على المولى في قيمته يوم عتق، فتشترك الجنايات التي كانت بعد العتق وقبله فيها لكلّ واحدٍ منها بقدر أَرْش جنايته؛ لأنّ المولى صار مانعًا من تسليم الرقبةِ بالعتقِ من غير اختيارٍ، فيلزمه القيمةُ. ٢٥٧٤ - فَصْل: [تعلق الحقوق برقبة العبد الحافر] قال: وكذلك لو لم يعتق، ولكن وقع في البئر رجلٌ فمات، فدفعه بالجناية، ثم وقع في البئر آخر، فإنّه يشارك الأوّل في الرقبة المدفوعة، وكذلك ما حدث من جناية بعد الدفع، فإنّهم يشاركون المدفوع إليه الأوّل في رقبة العبد، كلّ واحدٍ منهم بقدر جنايته؛ وذلك لأنّ المولى إنّما يلزمه الضمان في الرقبة، وقد زال ملكه عنها بغير اختياره، فتعلّق بها حقّ الثاني كما تعلّق بها حقّ الأوّل.

стр. 3982

ومما يلحق بهذا الباب: ٢٥٧٥ - فَصْل: [الضمان بحال الاشتراك في حفر البئر] ما قالوا: فيمن حفر بئرًا في الطريق، فجاء رجلٌ فحفر في أسفلها، ثم وقع فيها إنسانٌ، فالضمان على الأوّل، ولا ضمان على الثاني؛ لأنّ الأوّل كالدافع، والثاني كالحافر، فكأنّ رجلًا دفع رجلًا في بئرٍ حفرها غيره، فالضمان على الدافع. قال محمدٌ في الكتاب: ينبغي في القياس [أن لا] (١) يضمن الأوّل، ثم قال: وبه نأخذ، ولم يذكر الاستحسان. (وذكر في الاستحسان: أنّ الضمان عليهما؛ لأنّهما اشتركا في الجناية، وإنّما تُرك هذا الاستحسان) (٢)؛ لأنّ ابتداء السبب كان من الأول، فصار كمن حفر بئرا فنصب غيره فيها سكينًا، فوقع فيها رجلٌ (٣) فمات، فالضمان على الحافر دون واضع السكين. ولو أوسع رجلٌ رأسها، فوقع فيها إنسانٌ، فالضمان عليهما نصفان، وهذا موضوعٌ على أنّه وسعها قليلًا بمقدار ما يضع رجله في حفرها. فأمّا إذا وسَع الثاني كثيرًا حتّى يصير وضع القدم في حفر الثاني دون حفر الأول، فالضمان على الثاني؛ لأنّ جناية الأوّل زالت (٤)

стр. 3983

٢٥٧٦ - [فَصْل: الاشتراك في سبب الوقوع] قال: ولو حفر بئرًا وكَبَسها بحجارةٍ أو جِصٍّ، فجاء رجلٌ آخر، فأخرج منها الحجر والجِصّ، فوقع فيها إنسانٌ، فالضمان على الذي أخرج الحجارة، ولو كان كبسها بحنطةٍ أو شعيرٍ، ثم جاء رجل فأخرجها، ثم وقع فيها إنسانٌ، فالضمان على الأوّل. والفرق بينهما: أنّ الكبس بالحجر والجِصّ، طمٌّ للبئر، فيخرجها من حكم الآبار، وتزول الجناية، وإنّما تصير بئرًا بفعل الثاني، فصار بمنزلة حفرٍ مُستقبلٍ. وأما إذا كبسها بحنطةٍ أو شعيرٍ، فحكم الحفر باقٍ؛ لأنّ البئر لا تُطَمّ بذلك، فإذا جاء الثاني فأخرج ما فيها، فهي [في حكم البئر] بفعل الأول، فالضمان عليه. قال: ولو [عشر] (١) رجلٌ بحجرٍ، فسقط (٢) في بئر حفرها آخر، فهو على وجهين: إن كان الحجرُ وضعه إنسانٌ على الطريق، فالضمان على واضع الحجر (٣)؛ لأنّه كالدافع للرجل في البئر، فالضمان عليه. وإن كان [الحجر] بغير فعل أحدٍ - حمله السيل - فالضمان على حافرِ البئر؛ لأنّه لا حكم للحجر، فصار وقوعه في البئر بغير فعل أحدٍ (٤)، فالضمان على الحافر (٥).

стр. 3984

٢٥٧٧ - [فَصْل: الحافر سَدَّ رأس البئر فجاء آخر فنقض ذلك] قال: ولو سدّ الحافر رأس البئر، فجاء آخر فنقض ذلك، ثم وقع فيها إنسانٌ، فالضمان على الحافر؛ لأنّ الأوّل وإن غطّى رأسها، فلم يخرج من حكم الآبار، فإذا فتح الثاني رأسها، فالجناية بفعل الأوّل، وإنّما أظهرها الثاني، فالضمان على الأول. وقالوا فيمن حفر بئرًا في ملك غيره، فوقع فيها إنسانٌ، فقال صاحبُ الدار: أنا كنت أمرته، وأنكر أولياء الميت، فالقياس أن لا يُصدّق صاحب الدار؛ لأنّه يبرئ الحافر من ضمانٍ وجب في الظاهر. والاستحسان: أن يُصدّق؛ لأنّه لو (١) أذن في الحال جاز إذنه، فإذا أقرّ بما يملكه بعد إقراره أولى (٢). وإذا حفر الرجل بئرًا في طريق مكة في غير ممرّ الناس، فلا ضمان على الحافر [عند أبي يوسف ومحمدٍ]؛ لأنّ المفازة موضعٌ مباحٌ، فلكلّ أحدٍ أن يحفر فيه، وقد ملكها الحافر عند أبي يوسف ومحمدٍ وما حولها من الحريم، وعند أبي حنيفة: لا يملك إلا أن يكون حفرها بإذن الإمام. وإذا سقط رجل في البئر، فقال الحافر: ألقى نفسه فيها عمدًا، وقال ورثة الميت: وقع فيها، كان قول أبي يوسف الأوّل: إنّ القول قول الورثة، ثم رجع فقال: القول قول الحافر، وهو قول محمدٍ. وجه قوله الأول: أنّ الإنسان في العادة (٣) لا يتعمّد إلقاء نفسه في البئر،

стр. 3985

فلم يُقبَل قول الحافر فيما يخالف الظاهر. وجه قوله الثاني: أنّ الاختلاف وقع في وجوب الضمان، فالقول قول المنكر؛ ولأنّ الظاهر أنّ الإنسان يرى البئر في الطريق [الذي يمشي فيه]، كما أنّ الظاهر أنّه لا يتعمّدُ الوقوع، فيقابل الظاهران، والأصل عدم الضمان. ٢٥٧٨ - [فَصْل: وقوع إنسان في بئر بفناء الدار] وذكر محمدٌ في الديات: فيمن استأجر رجلًا ليحفر له بئرًا في الطريق، [فحفر] فوقع فيها إنسانٌ، فإن كانت [البئر] في فناء المستأجِر، فالضمان عليه دون الأجير. وإن لم يكن ذلك في فنائه، وقد أعلم المستأجر الأجير أنّه ليس في فنائه، فالضمان على الأجير، وإن لم يُعلمه فالضمان على المستأجر. أمّا إذا كان في فنائه فقد روي عن شريح: أنّه ضمّن عمرو بن الحارث قيمة بغلةٍ وقعت في بئرٍ حفرها (١)، وقد كان عمرو بن الحارث أحد الرؤساء، فهو لا يحفر بئرًا بنفسه، وإنّما يستأجر من يحفرها، وقد ضمّنه شريحٌ بحضرة السّلف. ولأنّ لصاحب الدار اختصاصًا بفنائه، ألا ترى أنّ عند أبي يوسف ومحمدٍ: لا يُمنَع من التصرف فيه إذا لم يضر، وعند أبي حنيفة: إذا لم يُمنَع، ساغ له الانتفاع، فتعلّق بأمره فيه حكمٌ، فكأنّه حفر بنفسه. وأما إذا لم يكن في فنائه، وقد علموا أنّها ليست في فنائه، فأمره (٢) لا يتعلّق

стр. 3986

به حكمٌ؛ لأنّه لا يجوز له الانتفاع بهذا المكان، فبقي أن يكون أمرًا بالجناية، وضمان الجناية يلزم الجاني دون الأمر. فأما إذا لم يعلموا أنّ الموضع ليس بفناء، فقد غرَّهم الآمر (١)؛ لأنّ الإنسان في العادة إنّما يأمر بما يملك، فكان الضمان عليه بحكم الغرور (٢) ٢٥٧٩ - : [فَصْل موت أحد العاملين أثناء الحفر] قال: وإذا استأجر الرجل أربعة نفرٍ يحفرون له بئرًا، فوقعت عليهم من حَفْرِهم، فمات أحدهم، فعلى كلّ واحدٍ من الثلاثة رُبُعُ الدِّيَة، ويسقط الربع؛ لأنّه مات بجناية نفسه وجناية أصحابه، فيسقط ما أصاب فعله، ويثبت ما أصاب شركاؤه. وقد روي عن الشعبي عن عليٍّ رضوان الله عليه: "أنّه قضى على القارصةِ والواقصةِ (٣) والقامصةِ بالدية أثلاثًا؛ وذلك لأنّ ثلاث جوارٍ كنّ يلعبن، فركبت إحداهنّ صاحبتها، فجاءت الثالثة (٤) فقرصت المركوبة، فسقطت الراكبة، فوُقِص عنقها، فجعل علي بن أبي طالب ﷺ على القارصة ثلث الدية، وعلى القامصة الثلث، وأسقط الثلث؛ لأنّ الواقصة أعانت على نفسها" (٥). وروي: "أنّ عشرةً مدّوا نخلةً، فسقطت على أحدهم فمات، فقضى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على كلّ واحدٍ بعُشر الدية، وأسقط العُشْر؛ لأنّ

стр. 3987

المقتول أعان على نفسه" (١). وهذا إذا كانت البئر في الطريق، فإن كانت في ملك المستأجر، فينبغي أن لا يجب شيءٌ؛ لأنّ الفعل كان مباحًا، فما تولّد منه غير مضمونٍ. ٢٥٨٠ - : [فَصْل موت الجميع بتعلق بعضهم ببعض في بئر] [قال]: وإذا وقع الرجل في بئرٍ في الطريق، فتعلّق بآخر، وتعلّق الثاني بثالث، فوقعوا جميعًا، فماتوا، فإنّ هذا على وجهين: إما أن يُعرَف حال موتهم، وهو أن يخرجوا [أحياء] فيخبروا عن حال موتهم، وإما أن لا يعرف حال موتهم. فإن عرف ذلك، فإنّ موت الأول لا يخلو من [سبعة] أوجه: إما أن يموت بوقوعه في البئر، أو بوقوع الثاني عليه، أو بوقوع الثالث عليه، (أو بوقوع الثاني والثالث عليه، أو بوقوعه ووقوع الثاني عليه، أو بوقوعه ووقوع الثالث عليه، أو بوقوعه ووقوع الثاني والثالث عليه) (٢). فإن عُرف أنّه مات بوقوع نفسه في البئر، فالضمان على الحافر [خاصّةً]؛ لأنّه مات من جنايته. وإن مات بوقوع الثاني عليه، فدمه هدرٌ (٣)؛ لأنّه هو الذي جرّ الثاني على نفسه. (وإن مات بوقوع الثالث عليه، فديته على الثاني لأنّ الثاني هو الذي جرّ

стр. 3988

الثالث عليه) (١). وإن مات بوقوع الثاني والثالث عليه، فنصف ديته هدرٌ، ونصفها على الثاني. وإن مات بوقوعه ووقوع الثاني عليه، فالنصف على الحافر، والنصف هدرٌ. (وإن مات بوقوعه ووقوع الثالث عليه، فنصفه على الحافر، ونصفه على الثاني) (٢). وإن مات بوقوعه ووقوع الثاني والثالث، فديته أثلاثًا: ثلثٌ على الحافر، وثلث هدرٌ، وثلث على الثاني؛ لأنّه مات بثلاثة أسباب، فتنقسم ديته أثلاثًا. وموت الثاني لا يخلو من ثلاثة أوجهٍ: إما أن يموت بوقوعه في البئر، أو بوقوع الثالث عليه، أو بوقوعه ووقوع الثالث عليه. فإن مات بوقوعه في البئر، فديته على الأوّل؛ لأنّ الأوّل هو الذي جرّه في البئر. وإن مات بوقوع الثالث عليه، فديته هدرٌ؛ لأنّه هو الذي جرّه على نفسه. وإن مات بوقوعه ووقوع الثالث عليه، فديته نصفان، نصفها هدرٌ، ونصفها على الأوّل. فأمّا موت الثالث، فليس له إلا وجهٌ واحدٌ: وهو وقوعه في البئر، فديته على الثاني؛ لأنّ الثاني هو الذي جرّه.

стр. 3989

وهذا إذا عُلم كيف حالهم، فإن وُجِدوا موتى ولا يُعرَف كيف كان موتهم (١) فالقياس أنّ ديةَ الأوّل على الحافر، ودية الثاني على الأوّل، ودية الثالث على الثاني، وهو قول محمدٍ. وفي الاستحسان - وهو قولٌ لم يبيّن محمد من قال به، فيقال: إنّه قول أبي يوسف، ويُقال: هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف -: إن دية الأول أثلاث: على صاحب البئر الثلث، وعلى الأوسط الثلث، والثلث هدرٌ، ودية الثاني نصفان: نصفٌ على الأوّل، ونصفٌ هدرٌ، وديّة الثالث على الثاني بالاتفاق، وإنمّا يتبيّن الخلاف في دية الأول والثاني. وجه القياس: أنّ دية الأوّل على الحافر؛ لأنّ وقوعه في البئر قد ظهر، فموته من ذلك ما لم يثبت سببٌ آخر. وكذلك موت الثاني، سببُ وقوعه كان أسبق، فعندنا: أنّه مات من الوقوع ما لم يظهر سببٌ آخر. وجه الاستحسان: أنّ هذه الأسباب الثلاثة قد ظهرت، وليس أحد الأسباب أولى من الآخر، فوجب أن يُقسّم أثلاثًا، فيُجعَل كأنّه مات من الأسباب كلّها، ويجعل الثاني كأنّه مات من السببين. قال محمدٌ في الكتاب: فإذا لم يُعرَف من أي ذلك ماتوا، بطل نصف ذلك. وأخذ بالنصف. يعني: أنّه يجب البعض ويسقط البعض، ولا يريد أنّه النصف خاصةً؛ لأنّ

стр. 3990

دية الأول يسقط ثلثها، ويجب الثلثان. أو يقال: إنّه أراد بالنصف: دية الثاني خاصةً؛ لأنّهم اتفقوا أنّه لا يسقط من دية الثالث شيءٌ، فعُلم أنّ قوله: يسقط النصف؛ انصرف إلى بعضهم دون بعضٍ، فيُحمَل على الثاني (١). ٢٥٨١ - [فَصْل: وقوع إنسان في بئر حفره العبد بأمر سيده] وإذا أمر الرجل عبده أن يحفر بئرًا في الطريق، فوقع فيها إنسانٌ، فإن كان في فنائه، فالضمان على عاقلة المولى، فكأنّ المولى حفر؛ لأنّه يملك الإذن (٢) هذا المكان، فكأنّه استأجر من حفر. وأمّا إذا كان في غير فنائه، فالضمان في رقبة العبد، أعلمه أنّه ليس في فنائه أو لم يُعلِمه؛ لأنّه لا غرور بينه وبين العبد؛ لأنّه يتلف ماله في الوجهين جميعًا، [وفي الأجنبيّ] (٣) يحتاج إلى العلم؛ لأنّ الغرور يثبت، فإذا كان كذلك، فالأمر لم يتعلّق به حكمٌ، فصار العبد هو الجاني، فالجناية في رقبته (٤). ٢٥٨٢ - [فَصْل: في موت أُجرَاء مختلفين أثناء حفر البئر] وإذا استأجر الرجل أجيرًا حرًّا (٥) وعبدًا (٦) محجورًا عليه ومُكاتَبًا، يحفرون

стр. 3991

له بئرًا، فوقعت البئر عليهم، فماتوا، فلا ضمان على المستأجر في الحرّ، ولا في المكاتب، ويضمن قيمة العبد لمولاه؛ لأنّ استئجار الحرّ والمُكاتب ليس بجنايةٍ، واستئجار العبد جنايةٌ؛ لأنّه استعمل عبد غيره بغير إذنه، فصار غاصبًا. فإذا دفع القيمة إلى المولى، دفع المولى القيمة إلى ورثة الحرّ، وإلى ورثة المُكاتب؛ لأنّ القيمة قامت مقام العبد، فإذا دفع [المولى] القيمة، ضرب ورثة الحرّ بثلث الدية، وورثة المكاتب بثلث قيمة المُكاتب؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما هلك بثلاث جنايات: بجناية نفسه، وجناية صاحبيه، فكأنّ العبد استهلك ثلث الحرّ وثلث المُكاتب، فتُقسّم القيمة على ذلك، ثم يرجع المولى على المستأجر بقيمةٍ أخرى، فيسلم له؛ لأنّ المستأجر غصب عبدًا فارغًا، فردّ رقبته (١) مشغولةً، فإذا استُحقَّت بسبب كان في يده، رجع عليه بها، وصار كأنّ العبد للمستأجِر؛ لأنّه غرم قيمته، وللمستأجِر أن يرجع على عاقلة الحرّ بثلث قيمة العبد، وأولياء المُكاتَب يأخذون أيضًا من عاقلة [الحرّ] بثلث قيمة المكاتب، ثم يؤخذ من تركة المُكاتَب مقدار قيمته، فيكون بين ورثة الحرّ والمستأجِر، يضربُ فيها ورثةُ الحرّ بثلثِ الدية، والمستأجِر بثلث القيمة؛ لأنّ المُكاتَب قد استهلك ثلث كلّ واحدٍ منهما (٢).

стр. 3992

بَابْ: الحائطِ يميلُ على الطريقِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا مال حائطٌ من دار رجلٍ على طريقٍ نافذٍ، أو دار رجلٍ ولم يطالِب بنقضه، ولم يُشهِد عليه [فيه] حتّى سقط على رجلٍ، فقتله، أو على متاعٍ فأفسده، أو على حيوانٍ فعطب به، فلا ضمان على صاحب الحائط في شيء من ذلك (١). وهذا على وجهين: إن بنى الحائط مائلًا إلى ملك غيره أو إلى الطريق، فهو ضامنٌ لما عطب بسقوطه وإن لم يُطالب؛ لأنّه تعدى بالبناء في حقّ غيره، ألا ترى أنّ هواء البقعة في حكمها، ولو بنى في ملك غيره كان متعدِّيًا، فكذلك إذا بنى في هواء ملك غيره، وهواء طريق المسلمين كطريقهم، فكما لا يجوز البناء في الطريق، كذلك لا يجوز في هوائه، وإذا ثبت أنّه متعدٍّ، ضمن ما يتولّد منه. (فأمّا إذا بناه في حقّه، فمال الحائط، فقد حصل الهواء في يده بغير فعله، فلا يضمن ما يتولّد منه) (٢)، كحَجَر ألقته الريح في داره أو ثوب. ٢٥٨٣ - [فَصْل: ضمان صاحب الحائط إذا لم يهدم بعد الإشهاد عليه] قال: وإن تُقُدّم إليه في هدمه، وأُشِهد عليه، ثم سقط في مدّةٍ قد أمكنه نقضهُ فيها بعد الإشهاد، فهو ضامنٌ؛ وذلك لأنّ حائطه في يده، فإذا [مال] (٣)، فقد

стр. 3993

حصل حقّ غيره -وهو الهواء- في يده بغير فعله، فإذا طولب بإزالة اليد، فلم يفعل مع الإمكان، ضمن، كثوبٍ ألقته الريح في دار إنسانٍ، فطولب به، فامتنع من ردّه مع القدرة. وقد روي عن الشعبيّ، وشريحٍ، وإبراهيم، وغيرهم من التابعين أنّهم قالوا: "إذا تقدّم إليه في الحائط فلم يهدم، وجب عليه الضمان" (١)، والمُعتَبر عندنا المطالبة بالهدم، وإنما يُحتَاج إلى الإشهاد؛ ليثبت به المطالبة. وهذا كما نقول في الشفعة: إنّ المعتبر به المطالبة، وإنما يُشهِد ليُثِبت (٢) المطالبة بالشهادة، ولو اعترف صاحبُ الحائط أنّه طولب وجب عليه الضمان وإن لم يشهد عليه (٣) (٤). ٢٥٨٤ - [فَصْل: موت إنسان بسقوط حائط أثناء بحث صاحبه من يهدمه] قال: وإن كان لم يفرّط في نقضه، وذهب يطلب من يهدمه، فكان في طلب ذلك حتّى استأجر من يهدمه، فسقط الحائط فقتل إنسانًا، أو عقر دابّةً، أو أفسد متاعًا، فلا ضمان عليه؛ لأنّه لم يتمكن من إزالة يده فلم يضمن ما يتولّد، كالثوب إذا ألقته الريح، فطولب به، وهو لا يقدر على ردّه، لم يضمنه إذا هلك. قال محمدٌ: والإشهاد أن يقول الرجل: اشهدوا أنّي قد تقدّمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا، فإذا فعل، فقد لزمه نقضه على حال الإمكان؛ وذلك

стр. 3994

لما بيّنا أنّ المعتبر المطالبة، والإشهاد يُحتَاج إليه لثبوتها، فإذا أشهد على المطالبة، حصل الغرض المقصود. ٢٥٨٥ - [فَصْل: فيما تتحمله العاقلة من الجناية وما لا تتحمله] قال: فإن كانت جنايته على إنسانٍ، فهو على العاقلة إذا كانت نفسًا أو ما دونها، إذا بلغ من دية الرجل نصف عشر ديته، وفي المرأة عشر ديتها. وما كان أقلّ من ذلك، فهو في ماله، وهذا على ما قدّمنا: أنّ العاقلة تتحمّل مقدار أَرْش الجنين فصاعدًا، ولا تتحمّل ما دون ذلك. ٢٥٨٦ - [فَصْل: الضمان بالجناية في غير بني آدم] قال: وما كان في غير بني آدم، فهو في ماله؛ لأنّ ضمان الأموال لا تتحمّله العاقلة، وإنّما تحمّلت جناية الحائط؛ لأنّها دون الخطأ، فهو أولى بالتحمّل. ٢٥٨٧ - [فَصْل: الإشهاد حقّ لجميع أهل الدار بالإزالة] قال: ومن أشهد عليه من الناس -إذا كان المَيَلان إلى الطريق- ممّن له المرور في الطريق، فذلك إشهادٌ، وتقدّم أهل الذمّة وأهل الإسلام في ذلك سواء؛ لأنّ الطريق حقٌّ لجميع أهل الدار، فمن طالب بإزالة الأذى عنه، فقد طالب لما له فيه حقٌّ، فصحّت مطالبته، والذميّ له حقٌّ في الطريق، فمطالبته كمطالبة المسلم. ٢٥٨٨ - [فَصْل: الإشهاد إذا كان الميلان إلى دار رجل] قال: وإن كان الميلان إلى دار رجلٍ، فالإشهاد إلى صاحب الدار؛ لأنّ

стр. 3995

ذلك حقٌّ يختصّ به، فالمطالبة به إليه. وإن كان فيها ساكنٌ، فالإشهاد إلى السُّكان؛ لأنّ [الساكن] (١) له حقٌّ في المطالبة بإزالة ما شغل الدار، فكذلك يطالب بما يشغل الهواء. ٢٥٨٩ - [فَصْل: تعلق الضمان بالتفريط في النقض] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإنما يحتاج إلى الإشهاد في هذا تحرّزًا من الجحود، وإلا فإذا تقدّم إليه في نقضه، فطولب، فلم يفعل حتّى سقط الحائط، لزمه ما جنى عليه فيما بينه وبين الله ، وهذا على ما بيّنا أنّ الضمان يتعلّق بالتفريط [في النقض] بعد المطالبة، والإشهاد تثبت به المطالبة. ٢٥٩٠ - [فَصْل (٢): إباء أو تأجيل صاحب الدار في الهدم] قال: وإذا مال إلى الطريق وأشهد رجلٌ عليه، ثم استأجل الذي أشهد عليه أن يؤخّره، أو استأجل الحاكم، فأجّله، فالتأجيل باطلٌ لا يُبرِئ من شيءٍ. وإن كان الميلان إلى دار رجل، فأجّله صاحبُ الدار أو أبرأه منه، أو فعل ذلك ساكن الدار، فذلك جائزٌ، ولا ضمان عليه فيما جنى الحائط. والفرق بينهما: أنّ الحائط إذا مال إلى الطريق، فالحقّ لجماعة المسلمين، فإذا طالب أحدهم، تعلّق الضمان بالحائط لحقّ الجماعة، فإذا أجله أحدهم أو أجّله الحاكم، فقد أسقط حقّ نفسه وحق غيره، وذلك لا يجوز. وأمّا صاحبُ الدار فالحقّ له، وكذلك الساكن، فإذا أجّل أو أبرأ فقد أسقط
следующие страницы →