← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

له بئرًا، فوقعت البئر عليهم، فماتوا، فلا ضمان على المستأجر في الحرّ، ولا في المكاتب، ويضمن قيمة العبد لمولاه؛ لأنّ استئجار الحرّ والمُكاتب ليس بجنايةٍ، واستئجار العبد جنايةٌ؛ لأنّه استعمل عبد غيره بغير إذنه، فصار غاصبًا. فإذا دفع القيمة إلى المولى، دفع المولى القيمة إلى ورثة الحرّ، وإلى ورثة المُكاتب؛ لأنّ القيمة قامت مقام العبد، فإذا دفع [المولى] القيمة، ضرب ورثة الحرّ بثلث الدية، وورثة المكاتب بثلث قيمة المُكاتب؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما هلك بثلاث جنايات: بجناية نفسه، وجناية صاحبيه، فكأنّ العبد استهلك ثلث الحرّ وثلث المُكاتب، فتُقسّم القيمة على ذلك، ثم يرجع المولى على المستأجر بقيمةٍ أخرى، فيسلم له؛ لأنّ المستأجر غصب عبدًا فارغًا، فردّ رقبته (١) مشغولةً، فإذا استُحقَّت بسبب كان في يده، رجع عليه بها، وصار كأنّ العبد للمستأجِر؛ لأنّه غرم قيمته، وللمستأجِر أن يرجع على عاقلة الحرّ بثلث قيمة العبد، وأولياء المُكاتَب يأخذون أيضًا من عاقلة [الحرّ] بثلث قيمة المكاتب، ثم يؤخذ من تركة المُكاتَب مقدار قيمته، فيكون بين ورثة الحرّ والمستأجِر، يضربُ فيها ورثةُ الحرّ بثلثِ الدية، والمستأجِر بثلث القيمة؛ لأنّ المُكاتَب قد استهلك ثلث كلّ واحدٍ منهما (٢).

стр. 3992

بَابْ: الحائطِ يميلُ على الطريقِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا مال حائطٌ من دار رجلٍ على طريقٍ نافذٍ، أو دار رجلٍ ولم يطالِب بنقضه، ولم يُشهِد عليه [فيه] حتّى سقط على رجلٍ، فقتله، أو على متاعٍ فأفسده، أو على حيوانٍ فعطب به، فلا ضمان على صاحب الحائط في شيء من ذلك (١). وهذا على وجهين: إن بنى الحائط مائلًا إلى ملك غيره أو إلى الطريق، فهو ضامنٌ لما عطب بسقوطه وإن لم يُطالب؛ لأنّه تعدى بالبناء في حقّ غيره، ألا ترى أنّ هواء البقعة في حكمها، ولو بنى في ملك غيره كان متعدِّيًا، فكذلك إذا بنى في هواء ملك غيره، وهواء طريق المسلمين كطريقهم، فكما لا يجوز البناء في الطريق، كذلك لا يجوز في هوائه، وإذا ثبت أنّه متعدٍّ، ضمن ما يتولّد منه. (فأمّا إذا بناه في حقّه، فمال الحائط، فقد حصل الهواء في يده بغير فعله، فلا يضمن ما يتولّد منه) (٢)، كحَجَر ألقته الريح في داره أو ثوب. ٢٥٨٣ - [فَصْل: ضمان صاحب الحائط إذا لم يهدم بعد الإشهاد عليه] قال: وإن تُقُدّم إليه في هدمه، وأُشِهد عليه، ثم سقط في مدّةٍ قد أمكنه نقضهُ فيها بعد الإشهاد، فهو ضامنٌ؛ وذلك لأنّ حائطه في يده، فإذا [مال] (٣)، فقد

стр. 3993

حصل حقّ غيره -وهو الهواء- في يده بغير فعله، فإذا طولب بإزالة اليد، فلم يفعل مع الإمكان، ضمن، كثوبٍ ألقته الريح في دار إنسانٍ، فطولب به، فامتنع من ردّه مع القدرة. وقد روي عن الشعبيّ، وشريحٍ، وإبراهيم، وغيرهم من التابعين أنّهم قالوا: "إذا تقدّم إليه في الحائط فلم يهدم، وجب عليه الضمان" (١)، والمُعتَبر عندنا المطالبة بالهدم، وإنما يُحتَاج إلى الإشهاد؛ ليثبت به المطالبة. وهذا كما نقول في الشفعة: إنّ المعتبر به المطالبة، وإنما يُشهِد ليُثِبت (٢) المطالبة بالشهادة، ولو اعترف صاحبُ الحائط أنّه طولب وجب عليه الضمان وإن لم يشهد عليه (٣) (٤). ٢٥٨٤ - [فَصْل: موت إنسان بسقوط حائط أثناء بحث صاحبه من يهدمه] قال: وإن كان لم يفرّط في نقضه، وذهب يطلب من يهدمه، فكان في طلب ذلك حتّى استأجر من يهدمه، فسقط الحائط فقتل إنسانًا، أو عقر دابّةً، أو أفسد متاعًا، فلا ضمان عليه؛ لأنّه لم يتمكن من إزالة يده فلم يضمن ما يتولّد، كالثوب إذا ألقته الريح، فطولب به، وهو لا يقدر على ردّه، لم يضمنه إذا هلك. قال محمدٌ: والإشهاد أن يقول الرجل: اشهدوا أنّي قد تقدّمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا، فإذا فعل، فقد لزمه نقضه على حال الإمكان؛ وذلك

стр. 3994

لما بيّنا أنّ المعتبر المطالبة، والإشهاد يُحتَاج إليه لثبوتها، فإذا أشهد على المطالبة، حصل الغرض المقصود. ٢٥٨٥ - [فَصْل: فيما تتحمله العاقلة من الجناية وما لا تتحمله] قال: فإن كانت جنايته على إنسانٍ، فهو على العاقلة إذا كانت نفسًا أو ما دونها، إذا بلغ من دية الرجل نصف عشر ديته، وفي المرأة عشر ديتها. وما كان أقلّ من ذلك، فهو في ماله، وهذا على ما قدّمنا: أنّ العاقلة تتحمّل مقدار أَرْش الجنين فصاعدًا، ولا تتحمّل ما دون ذلك. ٢٥٨٦ - [فَصْل: الضمان بالجناية في غير بني آدم] قال: وما كان في غير بني آدم، فهو في ماله؛ لأنّ ضمان الأموال لا تتحمّله العاقلة، وإنّما تحمّلت جناية الحائط؛ لأنّها دون الخطأ، فهو أولى بالتحمّل. ٢٥٨٧ - [فَصْل: الإشهاد حقّ لجميع أهل الدار بالإزالة] قال: ومن أشهد عليه من الناس -إذا كان المَيَلان إلى الطريق- ممّن له المرور في الطريق، فذلك إشهادٌ، وتقدّم أهل الذمّة وأهل الإسلام في ذلك سواء؛ لأنّ الطريق حقٌّ لجميع أهل الدار، فمن طالب بإزالة الأذى عنه، فقد طالب لما له فيه حقٌّ، فصحّت مطالبته، والذميّ له حقٌّ في الطريق، فمطالبته كمطالبة المسلم. ٢٥٨٨ - [فَصْل: الإشهاد إذا كان الميلان إلى دار رجل] قال: وإن كان الميلان إلى دار رجلٍ، فالإشهاد إلى صاحب الدار؛ لأنّ

стр. 3995

ذلك حقٌّ يختصّ به، فالمطالبة به إليه. وإن كان فيها ساكنٌ، فالإشهاد إلى السُّكان؛ لأنّ [الساكن] (١) له حقٌّ في المطالبة بإزالة ما شغل الدار، فكذلك يطالب بما يشغل الهواء. ٢٥٨٩ - [فَصْل: تعلق الضمان بالتفريط في النقض] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإنما يحتاج إلى الإشهاد في هذا تحرّزًا من الجحود، وإلا فإذا تقدّم إليه في نقضه، فطولب، فلم يفعل حتّى سقط الحائط، لزمه ما جنى عليه فيما بينه وبين الله ، وهذا على ما بيّنا أنّ الضمان يتعلّق بالتفريط [في النقض] بعد المطالبة، والإشهاد تثبت به المطالبة. ٢٥٩٠ - [فَصْل (٢): إباء أو تأجيل صاحب الدار في الهدم] قال: وإذا مال إلى الطريق وأشهد رجلٌ عليه، ثم استأجل الذي أشهد عليه أن يؤخّره، أو استأجل الحاكم، فأجّله، فالتأجيل باطلٌ لا يُبرِئ من شيءٍ. وإن كان الميلان إلى دار رجل، فأجّله صاحبُ الدار أو أبرأه منه، أو فعل ذلك ساكن الدار، فذلك جائزٌ، ولا ضمان عليه فيما جنى الحائط. والفرق بينهما: أنّ الحائط إذا مال إلى الطريق، فالحقّ لجماعة المسلمين، فإذا طالب أحدهم، تعلّق الضمان بالحائط لحقّ الجماعة، فإذا أجله أحدهم أو أجّله الحاكم، فقد أسقط حقّ نفسه وحق غيره، وذلك لا يجوز. وأمّا صاحبُ الدار فالحقّ له، وكذلك الساكن، فإذا أجّل أو أبرأ فقد أسقط

стр. 3996

حقّ نفسه؛ فلذلك جاز (١) ٢٥٩١ - [فَصْل: الضمان في حال سقوط الحائط إلى الطريق] [قال أبو يوسف: إذا سقط الحائط إلى الطريق، وقد أُشهد على صاحبه، فعثر به إنسانٌ فعطب، فلا ضمان فيه. وقال محمدٌ: صاحب الحائط ضامنٌ. وجه قول أبي يوسف: أنّ الحائط زال عن الموضع الذي أُشهد فيه، وصار في موضعٍ آخر بغير فعل صاحبه، فيحتاج إلى مطالبةٍ أخرى، كما قالوا فيمن وضع حجرًا في الطريق، فدحرجته الريح إلى مكانٍ آخر. وجه قول محمدٍ: أنّه حصل في الطريق بسببٍ هو متعدٍّ فيه، فضمن ما يتولّد منه، كحافر البئر]. ٢٥٩٢ - [فَصْل: إبراء صاحب الدار للمحدث حدثا في داره] قال: وكذلك لو أنّ رجلًا وضع في دار رجلٍ حجرًا، أو حفر فيها بئرًا، أو بنى فيها بناءً، وأبرأه صاحب الدار منه، كان بريئًا، ولا يلزمه ما عطب بشيءٍ من ذلك، كان صاحب الدار، أو داخل دخل عليه، فكأنّ صاحب الدار فعل ذلك؛ لأنّ الضمان إنّما يجب لحقّ صاحب الدار، (فإذا أبرأه، فقد أسقط حقّه، فكأنّ الفعل وقع بإذنه.

стр. 3997

٢٥٩٣ - [فَصْل: بيع الدار وسقوط الحائط المائل في يد المشتري] قال: ولو باع صاحبُ الدارِ الدارَ) (١) التي فيها الحائط المائل بعد التقدّم إليه والإشهاد، فسقط الحائط بعدما قبضه المشتري، أو بعدما ملكه، لم يضمن ما جنى [عليه] الحائط؛ وذلك لأنّه لمّا باع، فقد صار بحالٍ لا يملك فيها النقض، والضمان يجب عليه بترك النقض، فإذا لم يتمكّن منه لم يضمن. وليس هذا كمن أشرع جَناحًا إلى الطريق، ثم باع الدار أو الجَناح، فوقع على إنسانٍ، ضمن البائع؛ لأنّ نفس الموضع جنايةٌ، فزوال ملكه عنه لا يغيّر حاله. وليس كذلك في (مسألتنا (٢)؛ لأنّ بناء الحائط لم يكن جنايةً، وإنما الجناية بترك النقض، فإذا صار لا يملك) (٣) النقض في حال الوقوع، خرج فعله من أن يكون جنايةً. ٢٥٩٤ - [فَصْل: الضمان فيما إذا أشهد ممن لا يجوز له نقضه] قال: وكذلك [كلّ] من أشهد عليه ممَّن لا يجوز له نقضه، فإنّه لا يَضمنُ. وإن كانت الدار في يده مثل المُرتهن أو المستأجِر أو [المستعير (٤) أو] المودَع، فإنّ هذا باطلٌ لا يلزمه شيءٌ؛ لأنّهم لا يملكون النقض، فلا يصحّ مطالبتهم به. فإن أشهد على المالك، صحّ؛ وذلك (٥) لأنّه يقدر على قضاء الدين، وهدم

стр. 3998

الحائط فصار مفرًطًا بالترك (١). ٢٥٩٥ - [فَصْل: الإشهاد في هدم حائط الصغير] قال: وإذا أُشهد على الوصيّ أو الأب في هدم حائط الصغير في حجرهما، لزمهما النقض، فإن لم ينقض حتّى سقط الحائط، فما لَحِق من جنايةٍ فهي لازمةٌ للصبيّ ما كان منها يلزم في مال البالغ، فهو في مال الصغير، وما كان على العاقلة فعلى العاقلة؛ وذلك لأنّ الوليّ يملك نقض الحائط، فصار الإشهاد عليه كالإشهاد على المالك. ٢٥٩٦ - [فَصْل: الضمان في نقص الحائط على أحد الشركاء دون سائر شركائه] قال: وإن كانت الدار بين الورثة، فأشهد على بعضهم، ولم يشهد على جماعتهم، فسقط الحائط، فلا ضمان على من أشهد عليه في القياس. قال محمدٌ: ولكنَّا نستحسن، فنلزمه بقسط (٢) ما يملك منه. وجه القياس: أنّ أحد الشركاء لا يملك النقض دون شركائه، فلم يصر مفرّطًا بتركه. وإنّما استحسنوا؛ لأنّه يقدر أن يخاصم شركاءه ويطالبهم بالنقض، فإذا لم يفعل ذلك صار مفرّطًا. ٢٥٩٧ - [فَصْل: العقل في حال إنكار العاقلة بملكية الدار لصاحبها] قال: وإذا أنكرت العاقلة أن تكون الدار ملكًا لصاحبهم، [فلا عقل عليهم] (٣).

стр. 3999

قال محمدٌ: لا تضمن العاقلة حتّى يشهد الشهود على ثلاثة أشياء: على [التقدم] (١) إليهم في الحائط، وعلى أنّه مات من سقوط الحائط، وعلى أنّ الدار له؛ وذلك لأنّ كون الدار في يده ظاهرٌ في الملك، فالظاهر لا يستَحقّ به حقًا على الغير، فلم يجب على العاقلة التحمّل. ولهذا قلنا: إنّه لا يستحقّ بهذه الدار الشُّفعة حتّى يقيم البيّنة على الملك. وفي قول زفر: يجب على العاقلة بظاهر اليد؛ لأنّها دلالة على الملك، كما يحكم لصاحب اليد بالشُّفعة. فأمّا الشهادة على [التقدم] (٢) إليه؛ فلأنّ المطالبة هي التي تجعل الفعل جنايةً. وأمّا موته من السقوط؛ فلأنّ ذلك إذا لم يُعلَم [لم تحصل] الجناية، فلا يجب الضمان (٣).

стр. 4000

[٦٤] بَابْ: القسامةِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال ابن سَمَاعة، وبِشر بن الوليد، وعلي بن الجَعْد: سمعنا أبا يوسف قال في القتيل يوجدُ في المَحلَّةِ، أو في دار رجلٍ في المصر، فإنّ أبا حنيفة قال في ذلك: إذا كانت به جراحةٌ، أو أثر ضربٍ، أو أثر (١) خنقٍ، كان هذا قتلًا، وفيه القَسَامة (٢) على عاقلة ربّ الدار وعلى عاقلة أهل المحلَّةِ (٣). قال أبو الحسن: يعني: على عاقلة ربّ الدار إذا وُجد في الدار، وعلى عاقلة أهل المحلَّةِ إذا وُجد في المحلَّةِ. قال أبو يوسف في تمام الحكاية عن أبي حنيفة: يقسم كل رجلٍ منهم: بالله ما قتلت ولا علمت له (٤) قاتلًا، ثم يغرمون الدية في ثلاث سنين على أهل الديوان (٥)، في كل سنةٍ الثلث. وقال مالكٌ: إذا كان هناك لَوْثٌ (٦) استُحلِف الأولياء خمسين يمينًا، واقتصّ

стр. 4001

من المدَّعى عليه، واللوث عنده: أن يكون هناك علامة القتل في واحدٍ بعينه، أو يكون هناك عداوةٌ ظاهرةٌ (١). وقال الشافعي ﵀: إذا كان هناك لوثٌ، استُحلِف الأولياء، وقُضِي لهم على المُدّعى عليه بالدية (٢). والأصل في وجوب (٣) القَسَامة: حديث سهل بن أبي حَثْمَة قال: وُجِد عبد الله بن سهل قتيلًا في قليبٍ من قُلب خيبر، فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل إلى رسول الله ﷺ ، وعمّاه حُويصة ومحيصة، فذهبَ عبد الرحمن يتكلّم عند النبي ﷺ ، فقال: "الكُبْرُ، الكُبْرُ"، فتكلّم أحد عمّيه -إما حُوَيِّصَة، وإما مُحَيِّصَة، الكبير منهما-، فقال: يا رسول الله، إنّا وجدنا عبد الله قتيلًا في قليبٍ من قُلب خيبر، وذكر عداوة يهود لهم، قال: "يبرئكم من يهود بخمسين يحلفون أنّهم لم يقتلوه"، قالوا: كيف نرضى بأيمانهم وهم مشركون؟ قال: "فيقسم منكم خمسون أنّهم قتلوه"، فقالوا: كيف نقسم على ما لم نره، فوداه رسول الله ﷺ من عنده (٤). وروى الزهري عن سعيدٍ: أنّ القسامة كانت في الجاهلية، فأَقَرّهَا رسول الله ﷺ في قتيلٍ من الأنصار وُجِد في جُبِ اليهود، فأرسل رسول الله ﷺ إلى اليهود، فكلّفهم قسامة خمسين، فنكلت اليهود أن تحلف (٥)، فقال للأنصار:

стр. 4002

"أفتحلفون"، فأبت الأنصار أن تحلف، وغرّم رسول الله ﷺ اليهود ديته لأنّه قتل بين أظهرهم (١). وروى خصيبٌ عن زياد بن أبي مريم قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّي وجدت أخي قتيلًا في بني فلانٍ، فقال: "اجمع منهم خمسين، فيحلفون بالله ما قتلوا ولا علموا قاتلًا"، فقال يا رسول الله، ليس لي من أخي إلا هذا، قال: "بلى، مائةٌ من الإبل" (٢). وقد ورى أبو يوسف عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس أنّه قال: وجد قتيل بخيبر، فقال رسول الله ﷺ : "أخرجوا من هذا الدم"، فقالت اليهود: قد كان وجد قتيل في بني إسرائيل على عهد موسى ﵇، فقضى في ذلك، فإن كنت نبيًّا فاقض، فقال لهم: "تحلفون خمسين يمينًا، ثم تغرمون الدية"، فقالوا: قضيت بالناموس، يعني: بالوحي (٣). وقال الشعبيّ: كانت القسامة في الجاهلية، فأوّل من قضى بها في الإسلام عمر بن الخطاب ﵁ (٤)

стр. 4003

وروي عن الحارث بن الأزمع، قال: قتل فينا قتيلٌ باليمن، بين حيَّيْن، فكتب إلى عمر بن الخطاب أنّه وُجِدَ [قتيلٌ] لا ندري من قتله، فكتب أمير المؤمنين: أَنْ قِس بين القريتين، فأيُّهما كان أقرب، فألزمهم، فأتوا عمر، فاستحلف منهم خمسين رجلًا بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا، وكانوا تسعةً وأربعين رجلًا، فأخذ منهم رجلًا [وكرر عليه اليمين] حتّى تمّوا خمسين، فقالوا: نعطي أيماننا وأموالنا؟ قال: نعم، فيم يبطل دمه هذ (١). وروي أنّ النبي ﷺ كتب إلى يهود: "إمّا أن [تَدُوا] (٢)، أو تأذنوا بحرب من الله" (٣)، فدلت هذه الأخبار على وجوب الأيمان على أهل المَحَلَّة، وعلى وجوب الدية عليهم. ولأنّ أهل المحلَّة تلزمهم نصرة محلَّتهم، فإذا فرّطوا في ذلك لزمهم الضمان؛ ولأنّ الظاهر أنّ القاتل منهم، وأنّ الإنسان لا يأتي من مَحَلَّة فيقتل في محَلَّة أخرى، والقاتل منهم إنّما يَقتُل بظهرهم، فصارو (٤) كالعاقلة له. فأمّا الذي قاله مالكٌ والشافعيّ في استحلاف الأولياء. فهو مخالفٌ (٥) للقرآن؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]،

стр. 4004

فقال النبي ﵇: "لو أعطي الناسُ بدعاويهم، لادّعى ناسٌ دماء ناسٍ وأموالهم، لكنّ البينة على المُدّعي، واليمين على المُدّعَى عليه" (١) وقد روى أبو أيوب عن أبي رجاء مولى أبي قِلابة: أنّ عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القَسَامة، فأشاروا عليه أن يَقِيد بها، وقالوا: قاد بها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء بعدهم، وأبو قِلابة ساكتٌ عند السرير أو خلف السرير، فقال عمرُ: ما تقول يا أبا قِلابة، فقال: يا أمير المؤمنين، عندك (٢) رؤساء الأخيار، وأشراف العرب، لو شهد رجلان من أهل حمص على رجلٍ من أهل دمشق أنّه سرق ولم يرياه، أكنت تقطعه؟ قال: لا، قال: يا أمير المؤمنين، عندك رؤساء الأخيار وأشراف العرب، لو شهد أربعةٌ من أهل حمص على رجلٍ من أهل دمشق أنّه زنى، ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قال أبو قِلابة: والله ما نعلم رسول الله ﷺ قتل نفسًا بغير نفسٍ، إلا رجلًا كفر بالله بعد إيمانٍ، أو زنى بعد إحصانٍ، أو قتل نفسًا بغير نفس، فحدّث أبو قلابة حديث خيبر: أنّ رسول الله ﷺ وداه من عنده (٣). ولأنّ يمين المُدّعى معنًى لا يُستَحقّ به المال ابتداءً، فلا يُستَحقّ القِصَاص كنفس الدعوى. وأما قولو ﵇ للأنصار: "أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم (٤)؟ "، فعلى

стр. 4005

طريق الإنكار عليهم لمّا قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، بدلالة أنّه لو كان أمرًا لقال: "أتحلفون، [وتستحقوا] (١) "، فلما أتت النون، عُلم أنّه على طريق استفهامٍ وإنكارٍ، والذي روي: "تحلفون وتستحقون" معناه: أتحلفون، كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، يعني: أتريدون (٢). وإنّما اعتُبِر أن يكون بالقتيل أثرٌ؛ لأنّه إذا لم يكن به أثرٌ، فالظاهر أنّه مات حتف أنفه، وليس بقتيلٍ، فلا يتعلق به ضمانٌ، ولهذا قالوا: إنّ من وُجد والدّمُ يخرج من فمه، أو أنفه، أو من فرجه، فليس بقتيلٍ؛ لأنّ ذلك يكون برعافٍ، وقيءٍ، وعارضٍ. فإن كان الدم يخرج من عينيه، أو أذنه، فهو قتيلٌ؛ لأنّ الظاهر أنّ هذا لا يكون إلا بضربٍ (٣) حادثٍ. وإنّما استُحلِفوا: بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا؛ لأنّ إحدى اليمينين على فعلهم، فكانت على الثبات، والأخرى على فعل غيرهم، فكانت على العلم. وفائدة قولهم: ولا علمنا له قاتلًا؛ [لأنه] (٤) لا يجوز أن يكون حتّى إذا عرفوا القاتل ذكروه؛ لأنّ قولهم لا يُقبل عليه، ألا ترى أنّهم يسقطون بذلك

стр. 4006

الضمان عن أنفسهم. والفائدة فيه: أنّ الحالف يجوز أن يُقِرّ على عبده، فيُقبَل إقراره، أو يُقِرّ على عبد غيره (١) من غير أهل المَحلّةِ، فيصدّقه المولى فيسقط الحكم عن أهل المَحلّةِ. وإنما قال: إنّ العدد إذا لم يكمل كُرّرت الأيمان، لما روي عن عمر ابن الخطاب أنّه وافاه تسعة وأربعون رجلًا، فكرر على أحدهم اليمين حتّى تمت الخمسون، ثم قضى بالدية (٢). وروي محمد بن سيرين عن شريح: أنّ قسامةً كانوا ستةً أو سبعةً، فردّد عليهم الأيمان حتّى حلفوا خمسين يمينًا (٣)، وروي عن النخعيّ أنّه قال مثل ذلك (٤). وإنما وجبت الدية على عواقلهم؛ لأنّ وجود القتيل بين أظهرهم دون وجود القتل الخطأ منهم، فإذا كان قتل الخطأ على العاقلة، فهذا أولى. وأما قوله: إنّه على أهل الديوان، فعندنا: أنّ العقل على أهل الديوان فيمن له ديوانٌ، ومن لا ديوان له، فالعقل على عاقلته من النسب. وقال الشافعي: لا يلزم أهل الديوان إلا أن يكونوا من النسب (٥).

стр. 4007

لنا: ما روي عن النخعيّ أنّه قال: "كانت الدية على القبائل، فلما وضع عمر الدواوين، جعلها على أهل الديوان" (١)، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلافٍ. ولا يقال: كيف يُقبَل فعل عمر بخلاف فعل رسول الله ﷺ ؛ لأنّ الصحابة لو علمت أنّه مخالفٌ لفعله لأنكروه، وكيف يكون مخالفًا، ورسول الله ﷺ قضى على العاقلة ولا ديوان، ففهمت الصحابة أنّه قضى عليهم بالنُّصرة، فلما صارت النُّصرة بالديوان، علّقوا الحكم بالمعنى الذي علّقه رسول الله ﷺ ، ولأنّ العاقلة إنّما تتحمّل النّصرة، وأهل الديوان يتناصرون [به] ويقاتلون قبائلهم (٢) دفعًا عن ديوانهم. وقد كان الناس في الجمل وصِفّين يخرج كل قبيلة إلى قبيلتها، فوجب أنّ يُقدّم الديوان لتعلّق النُّصرة به (٣). ٢٥٩٨ - [فَصْل: اختيار الخمسين الذين يحلفون من العاقلة] قال أبو الحسن: والذين يحلفون خمسون رجلًا، يتخيّرهم من العاقلة وليّ الدم؛ لأنّ الأيمان [حقٌّ] للأولياء، فلهم أن يختاروا؛ ولأنّ في اختيارهم فائدةً: وهو أنّهم يستحلفون من يتهمونه، [أو يستحلفون] (٤) صالحي العشيرة الذين لا يحلفون على الكذب، فإن لم يكمل العدد، كُرّرَت الأيمان عليهم على ما قدّمنا. فإن كان العدد كاملًا، فأراد الولي أن يكرّر (٥) على بعضهم، فقد روي عن

стр. 4008

محمد أنّه قال: ليس لهم ذلك؛ لأنّ الأيمان في الأصول لا تُكرّر على الواحد، وإنما فعلنا ذلك عند نقصان العدد للضرورة، فإذا تمّ العدد عدنا إلى الأصل. قال: وليس يحلّف فيهم صبيٌّ ولا امرأةٌ ولا عبدٌ؛ وذلك لأنّ الصبيّ لا يتعلّق بقوله حكمٌ، واليمين قولٌ؛ ولأنّها عقدٌ، وعقوده لا يتعلّق بها حكمٌ، فأمّا المرأة والعبد، فليسا من أهل النّصرة، والأيمان إنّما تجبُ على من ينصر البقعة. قال أبو يوسف (١): فإن كان مشتري الدار من غير أهل المَحَلَّة، وقد وجد فيها القتيل، فإنّ القسامة عليه وعلى عاقلته في ذلك المصر، وكذلك دارٌ بالسواد، أو أرضٌ بالسواد يوجد فيها القتيل، وهي لرجلٍ من المسلمين من القبيلة، أو من [حواليهم] (٢)؛ وذلك لأنّ صاحب الدار أخصّ بنصرة [داره] (٣) من أهل المَحَلّة مع أهل المَحَلّة، وهو مع أهل المَحَلّة كأهل المَحَلّة مع أهل المصر، (فكما لا يدخل أهل المصر مع أهل المَحَلّة، كذلك لا يدخل أهل المَحَلَّة مع صاحب الدار) (٤). ٢٥٩٩ - [فَصْل: القسامة على أهل الخِطة] قال: وإن كانت المَحَلّة فيها من قبائل شتّى، فإنّ الدية والقسامة على أهل الخِطّة (٥)، وليس على المشترين في قول أبي حنيفة قسامةٌ ولا ديّةٌ.

стр. 4009

وقال أبو يوسف: عليهم معهم، وعلى السكان (١) مع أهل الملك. أمّا أهل الخِطّة والمشترين، فالقَسامة على أهل الخِطّة عند أبي حنيفة ما بقي منهم واحدٌ دون المشترين. وقال أبو يوسف القَسامة والدية على أهل الخِطّة والمشترين جميعًا، ولم يذكر أبو الحسن قول محمدٍ، وقد ذكره أصحابنا مع أبي حنيفة. وجه قولهما: أنّ أهل الخِطّة أخصّ بنصرةِ البقعةِ من المشترين، والحكم يتعلّق بالأخصّ فصارَ المشترين معهم كالأجنبي؛ ولأنّ العقل في الأصل يتعلق بأهل الخِطّة، فما بقي واحدٌ منهم لم ينتقل عنهم كموالي الأب، لمّا لزمهم العقل لم ينتقل إلى موالي الأمّ ما بقي من موالي الأب واحدٌ، كذلك هذا. ومن أصحابنا من قال: إنّ أبا حنيفة بنى [هذا] على ما شاهد بالكوفة، وكان أهل الخِطّة هم الذين يدبّرون أمر المَحَلّة وينصرونها (٢) دون المشترين، فبنى الأمر على ذلك [وجه قول] أبي يوسف: أنّ أهل الخِطّة يلزمهم القسامة بالملك، وهذا المعنى موجودٌ في المشترين؛ ولهذا [المعنى] يلزم المشترين بالاتفاق إذا لم يبق من أهل الخِطّة أحدٌ. وأمّا إذا فُقِد أهل الخِطّة، وكان في المَحَلّة ملاكٌ وسكانٌ، فعند أبي حنيفة ومحمدٍ: القَسَامة والدية على المُلّاك دون السّكّان.

стр. 4010

وقال أبو يوسف عليهم جميعًا. وجه قولهما: أنّ المُلّاك أحقّ بنصرة البقعة دون السكان، ألا ترى أنّ السكان يكونون في وقتٍ، وينتقلون في وقتٍ، والقَسَامة تجب على من هو أخصّ بالنُّصرة (١). [وجه قول] أبي يوسف: أنّ النبي ﷺ أوجبَ القسامة على اليهود، وكانوا سكّانًا بخيير. والجواب: أنّ اليهود أقرّهم رسول الله ﷺ على أملاكهم، وكان ما يأخذه منهم على وجه الخراج. ٢٦٠٠ - [فَصْل: القسامة في أهل الذِّمَّة] قال: وأمّا أهل الذمة، فهم كالأحرار المسلمين، يُستحلفون في القَسَامة إذا كان القتل في محلتهم؛ لأنّ النبي ﷺ أوجب القَسَامة على أهل خيبر؛ ولأنّ وجود القتيل في محلّةٍ كمباشرة الواحد منهم القتل، وهذا المعنى موجودٌ في أهل الذّمة والمسلمين (٢). ٢٦٠١ - [فَصْل: دية القتيل يوجد في السجن] وقال أبو حنيفة في القتيل يوجد في السجن لا يُعرَف من قتله: [فالدية] على بيت المال. وقال أبو يوسف: على أهل السجن القَسَامة والدية.

стр. 4011

[وجه قول] أبي حنيفة (١) ومحمد: أنّ أهل السجن مقهورون، فالظاهر أنّه لا نصرة لهم، فلا يتعلّق بهم ما يجبُ لأجل النُّصرة (٢)، ولأنّ منفعة السجن لجماعة المسلمين؛ بدلالة أنّه وُضِع لاستيفاء حقوقهم، ولدفع الضرر عنهم، (فصاروا أخصّ بنصرته، فكانوا أولى بالقَسَامة فيه) (٣). [وجه قول] أبي يوسف: أنّ الظاهر أنّ القتل حصل من أهل السجن، فوجب أن تكون القسامة عليهم، وهذه المسألة من فروع مسألة المالك والساكن؛ لأنّ أهل السجن في حكم السُّكَّان في البقعة، فلا يلزمهم عند أبي حنيفة ومحمد قَسامةٌ ولا ديةٌ. ٢٦٠٢ - [فَصْل: القتيل يوجد في السوق] وقال أبو حنيفة في السوق يوجد فيها القتيل: فعلى أرباب السوق، فإن كان السوق للعامّة، فعلى بيت المال. أمّا السوق [المملوك] (٤)، فعند أبي حنيفة ومحمدٍ: يجب على مالكها (٥)؛ لأنّه أخصّ بنصرتها، وعند أبي يوسف: يجب على سكانها. فأمّا إذا لم تكن مملوكةً، فهي كالشوارع العامة التي يثبت فيها حقّ جماعة المسلمين، فما يوجد فيها يكون على بيت المال.

стр. 4012

٢٦٠٣ - [فَصْل: دية القتيل يوجد في مسجد الجامع] قال: ولو وُجِد في مسجد الجامع، كان على بيت المال، وكذلك الجسور العامة؛ وذلك لأنّ الجامع والجسر لا يختصّ به طائفةٌ من المسلمين، بل يتعلّق به حقّ جماعتهم، فما يجبُ لأجله يكون في بيت المال. وليس هذا كمساجد القبائل إذا وُجد فيها قتيلٌ كان على أهل القبيلة؛ لأنّهم أخصّ بنُصْرة المسجد والتصرف فيه من غيرهم، فصار وجود القتيل فيه كوجوده في محلّتهم (١). ٢٦٠٤ - [فَصْل: القتيل وجد في سفينة] وإن وجد قتيلٌ في سفينةٍ، فعلى أرباب السفينة، فإن كان فيها ركّابٌ مع أربابهم، فعليهم جميعًا، وهذا ظاهرٌ على قول أبي يوسف في إيجاب القَسَامة والدية على المُلّاك والسكان جميعًا (٢). وأمّا على أصل أبي حنيفة ومحمدٍ، ففرّقا (٣) بين هذا وبين المَحَلّة؛ لأنّ السفينة [تتعلق] مّما تنتقل وتتحوّل، فيعتبر فيها اليد دون الملك، كالدابّة إذا وجد عليها قتيلٌ. قال: وقال أبو حنيفة: إن كان السوق في ملك رجلٍ، فعلى عاقلة صاحب الملك، وإن كان للسلطان فعلى بيت المال؛ وذلك لأنّ المالك للسوق أخصّ بنصرته، فيلزمه ما تعلّق به.

стр. 4013

فأمّا سوق السلطان، فهي للمسلمين، فما يتعلّق بها عليهم، وما وجب على جماعة المسلمين استُوفي في بيت المال ٢٦٠٥ - [فَصْل: القتيل وجد في نهر جار صغير] (قال: وإذا وجد القتيل في نهرٍ جارٍ صغيرٍ خاصٍّ مما يُقضَى فيه بالشُّفْعة للشريك، فعلى عاقلة أرباب النهر؛ وذلك لأنّ هذا النهر مملوكٌ لهم، فهم أخصُّ به من غيرهم، فيتعلّق بهم ما يوجد فيه، كالدار المملوكة والسوق المملوكة) (١). ٢٦٠٦ - [فَصْل: الرجل يُجْرح في القبيلة فيُحْمل إلى أهله فيموت] قال أبو حنيفة (٢) في الرجل [يُجرح في القبيلة] (٣)، فيحمل إلى أهله فيموت من تلك الجراحة: فإن كان صاحب فراشٍ حتّى مات، فعلى عاقلة القبيلة القَسَامة، وإن لم يكن صاحب فراش، فلا ضمان فيه ولا قَسَامة. وقال ابن أبي ليلى: لا قَسَامة فيه ولا ضمان في الوجهين، وبه قال أبو يوسف. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ الجراحة إذا أدّت إلى الموت، فكأنّ القتل حصل عقيبها؛ بدلالة وجوب القِصَاص على الجارح، فصار في مسألتنا كأنّ [الموت] (٤) حصل في المَحَلّة التي جرح فيها، فيلزم أهلها القَسَامة والدية. [وجه قول] أبي يوسف: أنّ الذي حصل في المَحَلّة ما دون النفس، وذلك

стр. 4014

لا يثبت به قَسَامةٌ، كمن قطعت يده (١) في مَحَلّةٍ. وأمَّا إذا لم يكن صاحب فراشٍ، فلا يُعلَم أنّ الموت حصل من الجراحة، فلا يلزم أهل المَحَلّة حكمها. ٢٦٠٧ - [فَصْل: القتيل وجد في درب من دروب الأرض] قال: وإذا وُجِد قتيلٌ في دربٍ من دروب (٢) الأَرْباض (٣)، فإن كان في دربٍ يجمعهم مصلى فعليهم جميعًا، وإن كان في دربٍ يجمعهم مصليان أو ثلاثةٌ، فهو على جميع أهل الدروب (٤)، وعلى جميع الرَّبَض (٥) الذي ذلك الدرب فيه، الرَّبَض بمنزلة القبيلة، والدرب بمنزلة الطريق من طرق القبائل، (وكذلك هذه الأَرْباض: هي المَحَالٌ، وهي القبائل) (٦)؛ وذلك لأنّ أهل الدرب إذا جمعهم مسجدٌ واحدٌ، فهم أخصّ بذلك الدرب من أهل المَحَلّة، فكانوا أولى بالقسامة، كصاحب الدار وأهل المَحَلّة. وأمّا إذا كان فيه مصليان أو ثلاثةٌ، فليس بعضهم أخصّ به من بعضٍ، فصاروا وأهل المَحَلّة الذين لا ينفردون به سواءً، فكانت القسامة عليهم جميعًا. ٢٦٠٨ - [فَصْل: القتيل وجد في دار مفرغة مغلقة في يد رجل] قال بِشْرٌ عن أبي يوسف: إذا كانت الدار مُفَرَّغةً مغلقةً في يد رجلٍ، فوُجِد

стр. 4015

قتيلٌ فيها، فعلى عاقلة ربّ الدار القَسَامة والدية في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأنّ نصرة الدار تجب على من هي في يده، فسواءٌ سكنها أو لم يسكنها، وهذا ظاهرٌ على أصل أبي حنيفة؛ لأنّه يوجب على المالك دون الساكن، والسكنى لا يُعتبر بها. فأمّا أبو يوسف: فإنما يوجب على الساكن؛ لأنّه أخصّ باليد، فأمّا إذا يكن، فصاحب الدار أخصّ باليد. وذكر عمرو بن أبي عمرٍو عن محمدٍ: قال أبو حنيفة: في القتيل إذا وجد في المَحَلّة مثل ما تقدّم، وزاد فيه: أنّ الدية عليهم في أعطياتهم في ثلاث سنين، أعطيات المقاتلة دونَ أعطيات [الذرِّيّة] (١). فإن لم يكونوا أهل عطاء، وكانت لهم أرزاقٌ، جعلت الدية في أرزاقهم، وهذا على ما قدّمنا: أنّ الدية تجب على أهل الديوان. وأمّا [الذريّة] (٢) فلا يدخلون فى العَقْل؛ لأنّهم لا نصرة لهم، فلا يؤخذ من أعطياتهم شيءٌ. وإن كانوا من أهل الرزق، أخذ من أرزاقهم، والفرْق بين العطية والرزق: أنّ العطيّة: هي المفروض للمقاتلة، والرزق: هو الذي يُجعَل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلةً (٣).

стр. 4016

٢٦٠٩ - [فَصْل: أخذ الدية من الديوان] قال: وإن كانت دواوينهم على غير القبائل، فعلى القيادات والرايات؛ وذلك لأنّ الديوان إذا كان على القبائل، فقد اجتمع في العَقْل القبيلة والديوان، فتؤخذ الدية من ديوانهم بإجماع. وأمّا إذا لم يكن الديوان على القبائل، فالمعتبر عندنا الديوان، فاعتُبِر من يجمعهم رايةٌ واحدةٌ، وقائدٌ واحدٌ، أو عِرَافةٌ (١) واحدةٌ؛ لأنّهم يتناصرون بها. ٢٦١٠ - [فَصْل: الامتناع عن الأيمان في القسامة] قال محمدٌ: ومن أبى منهم أن يحلف، حُبِس؛ وذلك لأنّ اليمين في القَسَامة نفس الحقّ، ألا ترى أنّه يُجمع بينها وبين الدية، ولهذا قال الحارث بن الأزمع لعمر بن الخطاب: أنبذل أيماننا وأموالنا؟ أما يجزئ هذه عن هذه؟ قال: لا، وروي أنّه قال: "فيم يبطل دم صاحبكم" (٢). وإذا كانت اليمين نفس الحق، فمن امتنع عن الحقّ، وهو يقدر على أدائه، حُبِسَ. وليس كذلك النكول (٣) في سائر [الأموال] (٤)؛ لأنّ اليمينَ ليست هناك نفس الحقّ، ألا ترى أنّ المدّعى عليه إذا لم يَحلف ولم يُقرّ وبذل المال، لم يلزمه

стр. 4017

شيءٌ، فعلمت أنّ المال هو الحقّ المُدّعى، فإذا نكل استوفي المال، ولا معنى للحبس بما ليس بحقٍّ. قال: ولا يُقْسِم صبيٌّ، ولا امرأةٌ، ولا عبدٌ، ولا مُدبّرٌ، ولا مُكَاتَبٌ، وهذا قد بيّناه، وذكرنا: أنّ اليمين قولٌ، والصبيّ لا قول له، والمرأة ليست من أهل النُّصرة، والعبد والمُكَاتَب والمُدَبَّر، لا يُستنصَر بهم. ٢٦١١ - [فَصْل: الاستحلاف في القسامة من أهل النصرة] قال: ويقسم الأعمى والمحدود في القذف [والكافر؛ وذلك لأنّ الأعمى والمحدود في القذف] يُستحلفان في الحقوق، ويحصل بهما النُّصرة، فهما كغيرهما. ٢٦١٢ - [فَصْل: وجود القتيل في السوق العام أو المسجد] قال: وإذا وُجِد القتيل في سوق المسلمين، أو في مسجد جماعتهم، فالدية على بيت المال ولا قسامة، وذلك لأنّ القسامة إنّما تجب على من يختصّ بالنُّصرة، وليس لهذه البقاع من يختصّ بنصرتها؛ ولأنّ اليمين للتهمة، وذلك لا يوجد في جماعة المسلمين (١). فأمّا الدية؛ فإنّما تجب لأنّ حماية (٢) تلك البقعة تلزم المسلمين، فإذا فرّطوا فيها ضمنوا. ٢٦١٣ - [فَصْل: الدية المؤجلة] قال: وتؤخذ من بيت المال في ثلاث سنين؛ لأنّ من حكم الدية أن تجب

стр. 4018

مؤجّلةً، بدلالة العاقلة، فإذا أُخذَت من غيرهم كانت مؤجّلةً؛ بدلالة أنّ ما يؤخذ من مال المُقِرّ [بقتل] (١) الخطأ، إنّما تؤخذ في ثلاث سنين. ٢٦١٤ - [فَصْل: وجود القتيل في سوق خاص] وإن كانت السوق (٢) لرجلٍ خاصة، فالدية والقَسَامة عليه وعلى قومه؛ وذلك لأنّه أخصّ بالنُّصرة من المسلمين، فكان أولى بالقَسَامة. قال محمدٌ: وإذا وجد القتيل في فلاةٍ من الأرض، نُظِر في ذلك المكان، فإن كان مِلْكًا لإنسان، فالقَسَامة على ذلك الرجل الذي يملك الموضع وعلى قبيلته، وعليهم الدية. وإن كان ذلك الموضع لا مالك له، فإن كان موضعًا يُسمع فيه الصوت من مصرٍ من الأمصار، فعلى أقرب القبائل إلى ذلك الموضع من المصر القَسَامة والدية، فإن كان ذلك الموضع لا يُسمَع فيه الصوت، وليس بملكٍ لأحدٍ، فدمه هدرٌ. وذلك لأنّ البقعة إذا كانت مملوكةً، فمالكها أخصُّ بها، فكان أولى (٣) بالقَسَامة والدية، وإذا لم تكن مملوكةً، وكان الصوت يبلغ إليها من بعض القرى، فعلى أقرب القرى إليها، فإن كان من مصرٍ، فعلى أقرب محالّ المصر؛ لما روي في قصة الحارث بن الأزمع: "أنّ قتيلًا وجد بين وداعة [وخيران] (٤)، فكتب إلى عمر عاملُه بذلك، فكتب إليه بأن يقيس بين القريتين، فوجد القتيل إلى وداعة

стр. 4019

أقرب، فقضى عليهم بالقسامة والدية" (١)، ولأنّ ما يبلغه الصوت من المصر في حكم التابع له. وأمّا إذا كان لا يبلغه الصوت، وليس بمملوكٍ، لم يكن أحدٌ من الناس أخصّ به، فلم يتعلّق به (٢) حكمٌ؛ ولأنّه لا يد لأحدٍ على هذه البقعة. وذكر محمدٌ في الأصل (٣): في القتيل إذا وُجد بين القريتين، أنّهُ يقاس (٤) إلى أقربهما (٥)؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريّ: "أنّ النبي ﷺ أمر بأن يُذرع بين قريتين في قتيلٍ وُجد بينهما" (٦)، وأَمَر عمر بأن يُقاس ما بين وداعة والقرية الأخرى، وهذا محمولٌ عندنا (٧) على أنّه يبلغ الصوت إلى الموضع (٨). [ولم] يذكر [ذلك] محمدٌ في الأصل: وإنّما حكاه أبو الحسن رحمه الله تعالى عنه، وذكره هلال. وهو الصحيح؛ لأنّ الصوت إذا بلغ، فالغوث يلحق تلك البقعة من القرية، وإذا لم يبلغ الصوت، لم يلحق الغوث، فلا يلزمه شيءٌ. ٢٦١٥ - [فَصْل: وجود القتيل في مثل الفرات أو دجلة ونحوهما] قال: وإن وجد في مثل الفرات أو دجلة يجري به الماء، فلا قَسَامة فيه ولا

стр. 4020

دية على أحدٍ؛ وذلك لأنّ تلك البقعة لا تثبت عليها اليد، فلا تجب فيها قَسَامةٌ. ٢٦١٦ - [فَصْل: القَسَامة فيمن وجد في الفرات محتبسًا] قال: فإن وُجد محتبسًا في موضعٍ من دجلة أو الفرات، فعلى أقرب القرى ذلك الموضع -من حيث يسمع الصوت- القَسَامةُ والدية؛ وذلك لأنّ شطّ من الفرات في يد من يقرب (١) إليه، ألا ترى أنّهم يستقون منه الماء، ويوردون بهائمهم، فصار في أيديهم، فوجبت القَسَامة عليهم. ٢٦١٧ - [فَصْل: وجود القتيل في فلاة من الأرض] وقال: في القتيل يوجد في العسكر في فلاة من الأرض ليس بملك أحدٍ، أنّه [إن] وُجد في خيامٍ أو فُسطَاط [أو خِباءٍ]، فعلى من يسكن [الخباء] والفسطاط الدية والقَسَامة على عواقلهم. وإن وُجد خارجًا من الفسطاط والخِباء، فعلى أقرب الأخبية منهم القَسَامة والدية. وإن كان القوم قد لقوا [عدوًّا] (٢) فقاتلوا، فلا دية ولا قَسَامة في قتيلٍ وُجد بين أظهرهم، وكذلك روى بِشرٌ عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنّه لا قَسَامة فيه إذا لقوا العدو ولا دية، وإن لم يلقوا عدوًا، فعلى أرباب الأرض التي فيها العسكر. فإن لم يكن لها مالكٌ، فعلى عاقلة أقرب الأخبية والفساطيط؛ وذلك لأنّهم إذا لقوا عدوًا، فالظاهر أنّ العدو قتله، وأنّ المسلمين لا يقتل بعضهم

стр. 4021

بعضًا، فكان هدرًا. وأمّا إذا لم يلقوا عدوًا، فإن كان في خيمةٍ، فصاحب الخيمة أحقّ بها (١) من أهل العسكر، فصارَ كالقتيل يوجد في الدار: أنّ القَسَامة على صاحبها دون المَحَلَّة. فإن كان بين الخيم، فعلى جماعتهم، كالقتيل يوجد في المَحَلَّة. فإن كان للأرض مالكٌ، فالعسكر كالسكان (٢)، فتجب القَسَامة عند أبي حنيفة على المالك دون الساكن (٣). ٢٦١٨ - [فَصْل: وجود القتيل في سفينة] قال محمدٌ: إذا وجد القتيل في سفينةٍ، فالدية والقَسَامة على من في السفينة، وعلى من يمدّها ممن يملكها، ومَنْ لا يملكها إذا كان فيها أو كان يمدّها، فعليهم القَسَامة [والدية]. وكذلك العجلة والدابّة، وقد بيّنا ذلك، وذكرنا: أنّها تنقل وتحول، ففارقت الدار (٤). ٢٦١٩ - : [فَصْل: وجود القتيل على دابة ولها قائد] قال: وإذا كان القتيل مع رجلٍ يحمله، أو كان على دابةٍ ولها قائدٌ، أو سائقٌ، أو راكبٌ، فعلى أيّهم كان القَسَامة والدية.

стр. 4022

فإن اجتمعوا جميعًا، فعليهم؛ وذلك لأنّ القتيل في أيديهم، فصار كوجوده في دارهم (١). قال عمرو: وسألت محمدًا عن القتيل يوجد في قرية امرأة لا يكون بها وغيرها، قال: قال أبو حنيفة: تُستَحلف، وتُردّد عليها الأيمان، وعلى عاقلتها الدية، أقرب القبائل [إليها]، [وهو قول محمدٍ (٢). وقال أبو يوسف: ينظر إلى أقرب القبائل] تكون القَسَامة عليهم، ولا قَسَامة على المرأة. قلت لمحمدٍ: أقرب القبائل إليها في النسب (أو في الجوار؟ قال: بل في النسب) (٣)، والصبيّ ليس عليه قَسَامة. وجه قولهما: أنّ المرأة ممن تُستحلَف في الحقوق، وقد صارت ممن تلزمها الخصومة في هذا الموضع والمشاركة في الدية، فصارت [كالرجل] (٤)؛ ولأنّ وجود القتيل في الدار كمباشرتها القتل، فإذا كانت ممّن تُستحلَف، صارت كالرجل. وليس هذا كالصبيّ؛ لأنّه لا يُستحلَف في الحقوق، وليس هذا كالقتيل يوجد في المَحَلَّة؛ لأنّ النساء لا يُحلّفن؛ لأنّ أهل المَحَلَّة يلزمهم لأجل النُّصرة،

стр. 4023

والمرأة لا تنصر، فصاحب الدار يلزمه؛ لأنّه كالمباشر، وهي ممّن يجوز أن تباشر (١) [وجه قول] أبي يوسف: أنّ القسامة تجبُ للنُّصرة، فلا تدخل المرأة فيها، كما لا تدخل مع أهل المَحَلَّة. وقد قال أصحابنا المتأخرون: إنّ المرأة تدخل مع العاقلة في هذه المسألة في التحمّل. وذكر الطحاوي: أنّ القاتل لا يدخل في التحمّل، إلا أن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا. فعلى ما قال: إذا لم تدخل عند مباشرتها، فعند وجود القتيل في دارها أولى. وكان أصحابنا ينكرون هذا القول، ويقولون: إنّ القاتل (٢) يدخل في الدية بكل حالٍ. وذكر في المنتقى في المرأة وُجد في دارها قتيلٌ، وقد انقرض قومها: فإنّي أحلّفها خمسين يمينًا، ثم أُقَسِّم الدية على أقرب القبائل من قومها، فإن جنت بعد هذه الجناية، أُقَسِّم هؤلاء عليها (٣) الذين ضمّنتُهم العقل؛ وذلك لأنّ قومها لما انقرضوا، لم يبق من يستحق القَسَامة غيرهم، فأمَّا الدية فيجوز أن [تلحق] (٤)

стр. 4024

من بَعُد منها، كما يدخلون مع عاقلتها إذا قلّوا (١). وإذا وجد قتيلٌ آخر، فقد صاروا هؤلاء عاقلةً لها بالقضاء عليهم، فيدخلون في الأيمان. ٢٦٢٠ - [فَصْل: وجود القتيل في أرض رجل غريب عن القرية] قال: وسئل محمدٌ (٢) عن رجلٍ وجد قتيلًا في أرض رجل إلى جانب قريةٍ، ليس صاحب الأرض من أهل القرية؟ (قال: على صاحب الأرض؛ وذلك لأنّه أخصُّ بنصرة قوارضه من أهل القرية) (٣)، فكان أولى بالضمان. ٢٦٢١ - [فَصْل: وجود قتيل في دار] وقال محمد: في قتيلٍ وُجد في دارٍ، فالقَسَامة على ربّ الدار، وعلى عاقلته إن كانوا جيرانه، وإن لم يكونوا: فعلى عاقلته من أهل المصر، وعليهم الدية. (وذكر في الأصل: أنّ القتيل إذا وجد في دار رجلٍ، فالقَسَامة على ربّ الدار، وعلى قومه) (٤) [الدية] (٥)، وذكر اختلاف زفر وأبي يوسف: أنّ القَسامة عليه وعلى عاقلته، غُيَّبًا كانوا أو حضورًا. وقال أبو يوسف: لا قَسَامة على العاقلة. وكان أبو الحسن يقول: إن كانت العاقلة حاضرةً في المصر، دخلوا في

стр. 4025

القسامة، وإن كانت غائبةً فالقَسَامة على صاحب الدار، تُكرّر عليهم الأيمان، والدية عليه وعلى العاقلةِ. أمّا دخول العاقلة في القَسَامة إذا كانوا حضورًا، فهو قول أبي حنيفة ومحمدٍ، وظاهر قول أبي يوسف يَقتضي أن لا يدخلوا. وجه قولهما: أنّ الحضور قد لزمتهم نصرة الموضع لنصرة صاحب الدار، فوجب أن يشاركوه في القَسَامة؛ ولأنّهم شاركوه في التهمة، فشاركوه في القَسَامة كما شاركوه في الدية. وأمّا إذا كانوا غُيّبًا، فالتهمة قد ارتفعت في حقهم؛ لأنّهم قد عُلِم أنّهم لم يباشروا القتل، ولا يلحق الموضع نصرةٌ من جهتهم، فالقَسَامة ثبتت بأحد هذين المعنيين، وليس القَسَامة من التحمّل في شيءٍ؛ لأنّه لا يتعلّق بالتهمة، ألا ترى أنّهم يتحمّلون عن القاتل [المعيّن] (١) إذا كان صبيًا أو مجنونًا أو خاطئًا. وجه قول زفر: أنّه لمّا لزمتهم (٢) الدية، فكذلك القَسَامة، كأهل المَحَلَّة. [وجه قول] أبي يوسف: أنّ صاحب الدار أخصُّ بالتهمة، فلم يشارك في القَسامة، كما لا يشارك أهل المَحَلَّة عواقلهم. وقال أبو يوسف: لو أنّ رجلًا معه جريحٌ به رمقٌ يحمله، حتّى أتى به أهله، فمكث يومًا أو يومين، ثم مات، لم يضمن الذي حمله في قول أبي يوسف، وفي قياس قول أبي حنيفة: يضمن.

стр. 4026

وهذا فرعٌ على من جُرح في قبيلةٍ، فتحامل إلى أخرى، فمات. ووجه [القياس] (١): أنّ الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحًا، فإذا مات من الجراح، فكأنّه مات في يده. ٢٦٢٢ - [فَصْل: وجود القتيل في دار نفسه] قال: وإذا وجد الرجل قتيلًا في دار نفسه، فديته على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة (٢). وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا شيء فيه، وهو قول زفر والحسن، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة مثله. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ القَسَامة تثبت في [حالِ] ظهور القتيل؛ بدلالة أنّ مَن مات قبل ذلك لا يدخل في الدية، وحال ظهوره الدار لورثته، فكانت الدية على عواقلهم، كما لو وجد في دار ابنه (٣). ولا يجوز أن يقال: إذا كان الوجوب على الورثة، فكيف تتحمّل العاقلة عنهم لهم؟ لأنّ الدية في الحقيقة للمقتول؛ بدلالة أنّ ديونه تُقضَى منها، وتنفذ وصاياه، وإنّما تملكها ورثته بسببٍ آخر، ومثل هذا غير ممتنعٍ، كما لو وجد الأب قتيلًا في دار ابنه، أو وقع في بئرٍ حفرها ابنه. وجه قولهما: أنّ الحكم يتعلّق بحال الجراح، والدار في تلك الحال ملكٌ

стр. 4027

للمقتول، فكأنّه قتل نفسه؛ ولأنّ وجودَ القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل. فكأنّه قتل نفسه (١). ٢٦٢٣ - [فَصْل: المكاتب وجد قتيلًا في دار نفسه] وقد قالوا: في المُكاتَب لو وجد قتيلًا في دار نفسه، فدمه هدرٌ؛ لأنّ داره في حال ظهوره ليست للورثة، وإنّما هي على حكم ملكه، إلا أن يقضي مال الكتابة، فصار كأنّه هو القاتل لنفسه (٢). وقد روي عن محمدٍ عن أبي يوسف: في رجلين في بيتٍ ليس معهما أحدٌ، وُجد أحدهما مذبوحًا، قال: أُضمّنُ الآخر الدية، وقال محمدٌ: لا أضمّنه. وجه قول أبي يوسف: أنّ الظاهر أنّ الإنسان لا يقتل نفسه، ولهذا إذا وجد قتيلٌ في محلةٍ، كان عليهم، ولم يُعتَبر جواز أن يكون قتل نفسه، وإذا كان الظاهر أنّ غيره قتله، وليس هناك أقرب من الآخر، كانت الدية عليه. [وجه قول] محمدٍ: أنّه يجوز أن يكون القتيل قتل نفسه، ويجوز أن يكون الآخر قتله، فلا أضمّنه بالشكّ. ٢٦٢٤ - [فَصْل:] قال: وإذا وجد في دار المُكاتَب قتيلٌ، فهو عليه، يَسعى (٣) في الأقلّ من قيمته ومن الدية؛ لأنّ وجود القتيل في داره كمباشرته القتل، ولا يجوز أنّ يلزم (٤)

стр. 4028

مولاه كما لا يلزمه في مباشرته. ٢٦٢٥ - [فَصْل: وُجد المولى قتيلًا في دار مكاتبه] قال: ولو وُجد المولى في دار المُكاتَبِ قتيلًا، كان عليه الأقلّ من القيمة أو الدية؛ لأنّ وجود المولى في داره كمباشرته لقتله. قال: وتكون القيمة حالّة؛ لأنّ القيمة تلزم بالمنع من الدفع، فتكون حالّةً كما يجب على المولى بجناية مُدبَّرِهِ. ٢٦٢٦ - [فَصْل: وُجد المكاتب قتيلًا في دار مولاه] قال: ولو وجد المكاتب قتيلًا في دار مولاه، فعلى مولاه قيمته في ثلاث سنين، ولا تتحمّله العاقلة؛ لأنّ وجود المُكاتب في دار السيد كمباشرة السيد القتل؛ إلا أنّ العاقلة لا تتحمّل؛ لأنّ المُكاتَب على ملكه، وإنّما ضمن جنايته عليه بعقدٍ عقده، وذلك العقد ثابتٌ فيما بينهما، غير ثابتٍ في حقّ العاقلة، فصار في حقّهم كما لو وجد في داره عبدٌ قنٌّ [له]. ٢٦٢٧ - [فَصْل: وجود القتيل في دار عبد مأذون له في التجارة] قال: وإذا وجد في دار عبدٍ مأذون له في التجارة، وعليه دينٌ أو لا دين عليه، أو غير مأذونٍ وُجد في داره قتيل، فعلى عاقلة مولاه القَسَامة والدية. وقد قالوا: إنّ القياس في العبد المأذون يوجد في داره قتيلٌ: أن تجب القَسَامة على العبد، ويقال لمولاه: ادفعه أو افده. وفي الاستحسان: تجبُ على المولى، ولا تجب على العبد.

стр. 4029

أمّا وجه القياس؛ فلأنّ العبد في التجارة (١) كالحرّ، ولو وجد قتيلٌ في دار [حُرٍّ] (٢)، كان هو (٣) القاتل، فكذلك العبد يدفع أو يفدي كما لو باشر القتل. وجه الاستحسان: أنّ العبد ليس ممّن تجب عليه الجناية بالقول، بدليل أنّه لو أقرّ بالجناية لم يجز إقراره، والقَسَامة قول العبد، فلا معنى لاستحلافه، ولو أقرّ لم يُقبَل قوله، وإذا سقطت القسامة عن العبد، وجبت على المولى؛ لأنّ المِلْكَ له. ولو كان العبد عليه دينٌ فينبغي في قياس قول أبي حنيفة: أن [لا] (٤) تجب على العبد في القياس؛ لأنّ المولى (٥) لا يملك ماله. وفي الاستحسان: تجب على المولى؛ لأنّ المولى وإن كان لا يملك، والغرماء أيضًا لا يملكون الدار، والعبد لا مال له (٦)، والمولى أقربُ الناس إليه؛ لأنّه يقدر على تحصيلها لنفسه (٧)، والقَسَامة يُعتَبر فيها الأقرب [فالأقرب]، فلمّا كان المولى أقرب الناس إليه، كانت القَسَامة عليه. ٢٦٢٨ - [فَصْل: وجود المأذون في دار مولاه قتيلًا] قال: ولو وجد المأذون في دار مولاه قتيلًا، فإن كان عليه دينٌ، فإنّ على

стр. 4030

المولى قيمته لغرمائه حالّةً في ماله، وهذا بمنزلة استهلاكه إياه بعتقٍ، ولا تكون القيمة عليه في ثلاث سنين. وكذلك (١) لو قتله عمدًا، فعليه قيمته حالّةً، وكذلك لو كان العبد جنى جنايةً، ثم وجد قتيلًا في دار مولاه، فعلى المولى قيمته حالّةً، وكذلك لو [كان العبد] قتله خطأً وهو لا يعلم؛ وذلك لأنّ العبد على ملك المولى، وقتل الإنسان لملكه لا يتعلق به ضمانٌ، وإنّما [يتعلق به الضمان] (٢) هاهنا؛ لما تعلّق على العبد من الحقّ (٣)، وهذا لا يعود إلى الجناية، فلم تلزم العاقلة. وإنّما كان حالًا؛ لأنّه في حكم ضمان الاستهلاك (٤)، ألا ترى أنّه صار مانعًا بالجناية من دفعه (٥) في الدين، أو تسليمه في الجناية، والضمان المتعلّق بالمنع (٦) يكون حالًا. ٢٦٢٩ - [فَصْل: وُجود ابنِ الرجل أو أخيه قتيلًا في داره] قال محمدٌ: وإذا وجد ابن الرجل أو أخوه قتيلًا في داره، فإنّ على عاقلته دية ابنه ودية أخيه وإن كان هو وارثه، وهذا على ما بيّنا أنّ وجودَ القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل، فيلزم عاقلته ذلك [للمقتول]، ثم يستحقّها صاحب الدار بالإرث (٧).
следующие страницы →