← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وهذا فرعٌ على من جُرح في قبيلةٍ، فتحامل إلى أخرى، فمات. ووجه [القياس] (١): أنّ الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحًا، فإذا مات من الجراح، فكأنّه مات في يده. ٢٦٢٢ - [فَصْل: وجود القتيل في دار نفسه] قال: وإذا وجد الرجل قتيلًا في دار نفسه، فديته على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة (٢). وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا شيء فيه، وهو قول زفر والحسن، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة مثله. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ القَسَامة تثبت في [حالِ] ظهور القتيل؛ بدلالة أنّ مَن مات قبل ذلك لا يدخل في الدية، وحال ظهوره الدار لورثته، فكانت الدية على عواقلهم، كما لو وجد في دار ابنه (٣). ولا يجوز أن يقال: إذا كان الوجوب على الورثة، فكيف تتحمّل العاقلة عنهم لهم؟ لأنّ الدية في الحقيقة للمقتول؛ بدلالة أنّ ديونه تُقضَى منها، وتنفذ وصاياه، وإنّما تملكها ورثته بسببٍ آخر، ومثل هذا غير ممتنعٍ، كما لو وجد الأب قتيلًا في دار ابنه، أو وقع في بئرٍ حفرها ابنه. وجه قولهما: أنّ الحكم يتعلّق بحال الجراح، والدار في تلك الحال ملكٌ

стр. 4027

للمقتول، فكأنّه قتل نفسه؛ ولأنّ وجودَ القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل. فكأنّه قتل نفسه (١). ٢٦٢٣ - [فَصْل: المكاتب وجد قتيلًا في دار نفسه] وقد قالوا: في المُكاتَب لو وجد قتيلًا في دار نفسه، فدمه هدرٌ؛ لأنّ داره في حال ظهوره ليست للورثة، وإنّما هي على حكم ملكه، إلا أن يقضي مال الكتابة، فصار كأنّه هو القاتل لنفسه (٢). وقد روي عن محمدٍ عن أبي يوسف: في رجلين في بيتٍ ليس معهما أحدٌ، وُجد أحدهما مذبوحًا، قال: أُضمّنُ الآخر الدية، وقال محمدٌ: لا أضمّنه. وجه قول أبي يوسف: أنّ الظاهر أنّ الإنسان لا يقتل نفسه، ولهذا إذا وجد قتيلٌ في محلةٍ، كان عليهم، ولم يُعتَبر جواز أن يكون قتل نفسه، وإذا كان الظاهر أنّ غيره قتله، وليس هناك أقرب من الآخر، كانت الدية عليه. [وجه قول] محمدٍ: أنّه يجوز أن يكون القتيل قتل نفسه، ويجوز أن يكون الآخر قتله، فلا أضمّنه بالشكّ. ٢٦٢٤ - [فَصْل:] قال: وإذا وجد في دار المُكاتَب قتيلٌ، فهو عليه، يَسعى (٣) في الأقلّ من قيمته ومن الدية؛ لأنّ وجود القتيل في داره كمباشرته القتل، ولا يجوز أنّ يلزم (٤)

стр. 4028

مولاه كما لا يلزمه في مباشرته. ٢٦٢٥ - [فَصْل: وُجد المولى قتيلًا في دار مكاتبه] قال: ولو وُجد المولى في دار المُكاتَبِ قتيلًا، كان عليه الأقلّ من القيمة أو الدية؛ لأنّ وجود المولى في داره كمباشرته لقتله. قال: وتكون القيمة حالّة؛ لأنّ القيمة تلزم بالمنع من الدفع، فتكون حالّةً كما يجب على المولى بجناية مُدبَّرِهِ. ٢٦٢٦ - [فَصْل: وُجد المكاتب قتيلًا في دار مولاه] قال: ولو وجد المكاتب قتيلًا في دار مولاه، فعلى مولاه قيمته في ثلاث سنين، ولا تتحمّله العاقلة؛ لأنّ وجود المُكاتب في دار السيد كمباشرة السيد القتل؛ إلا أنّ العاقلة لا تتحمّل؛ لأنّ المُكاتَب على ملكه، وإنّما ضمن جنايته عليه بعقدٍ عقده، وذلك العقد ثابتٌ فيما بينهما، غير ثابتٍ في حقّ العاقلة، فصار في حقّهم كما لو وجد في داره عبدٌ قنٌّ [له]. ٢٦٢٧ - [فَصْل: وجود القتيل في دار عبد مأذون له في التجارة] قال: وإذا وجد في دار عبدٍ مأذون له في التجارة، وعليه دينٌ أو لا دين عليه، أو غير مأذونٍ وُجد في داره قتيل، فعلى عاقلة مولاه القَسَامة والدية. وقد قالوا: إنّ القياس في العبد المأذون يوجد في داره قتيلٌ: أن تجب القَسَامة على العبد، ويقال لمولاه: ادفعه أو افده. وفي الاستحسان: تجبُ على المولى، ولا تجب على العبد.

стр. 4029

أمّا وجه القياس؛ فلأنّ العبد في التجارة (١) كالحرّ، ولو وجد قتيلٌ في دار [حُرٍّ] (٢)، كان هو (٣) القاتل، فكذلك العبد يدفع أو يفدي كما لو باشر القتل. وجه الاستحسان: أنّ العبد ليس ممّن تجب عليه الجناية بالقول، بدليل أنّه لو أقرّ بالجناية لم يجز إقراره، والقَسَامة قول العبد، فلا معنى لاستحلافه، ولو أقرّ لم يُقبَل قوله، وإذا سقطت القسامة عن العبد، وجبت على المولى؛ لأنّ المِلْكَ له. ولو كان العبد عليه دينٌ فينبغي في قياس قول أبي حنيفة: أن [لا] (٤) تجب على العبد في القياس؛ لأنّ المولى (٥) لا يملك ماله. وفي الاستحسان: تجب على المولى؛ لأنّ المولى وإن كان لا يملك، والغرماء أيضًا لا يملكون الدار، والعبد لا مال له (٦)، والمولى أقربُ الناس إليه؛ لأنّه يقدر على تحصيلها لنفسه (٧)، والقَسَامة يُعتَبر فيها الأقرب [فالأقرب]، فلمّا كان المولى أقرب الناس إليه، كانت القَسَامة عليه. ٢٦٢٨ - [فَصْل: وجود المأذون في دار مولاه قتيلًا] قال: ولو وجد المأذون في دار مولاه قتيلًا، فإن كان عليه دينٌ، فإنّ على

стр. 4030

المولى قيمته لغرمائه حالّةً في ماله، وهذا بمنزلة استهلاكه إياه بعتقٍ، ولا تكون القيمة عليه في ثلاث سنين. وكذلك (١) لو قتله عمدًا، فعليه قيمته حالّةً، وكذلك لو كان العبد جنى جنايةً، ثم وجد قتيلًا في دار مولاه، فعلى المولى قيمته حالّةً، وكذلك لو [كان العبد] قتله خطأً وهو لا يعلم؛ وذلك لأنّ العبد على ملك المولى، وقتل الإنسان لملكه لا يتعلق به ضمانٌ، وإنّما [يتعلق به الضمان] (٢) هاهنا؛ لما تعلّق على العبد من الحقّ (٣)، وهذا لا يعود إلى الجناية، فلم تلزم العاقلة. وإنّما كان حالًا؛ لأنّه في حكم ضمان الاستهلاك (٤)، ألا ترى أنّه صار مانعًا بالجناية من دفعه (٥) في الدين، أو تسليمه في الجناية، والضمان المتعلّق بالمنع (٦) يكون حالًا. ٢٦٢٩ - [فَصْل: وُجود ابنِ الرجل أو أخيه قتيلًا في داره] قال محمدٌ: وإذا وجد ابن الرجل أو أخوه قتيلًا في داره، فإنّ على عاقلته دية ابنه ودية أخيه وإن كان هو وارثه، وهذا على ما بيّنا أنّ وجودَ القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل، فيلزم عاقلته ذلك [للمقتول]، ثم يستحقّها صاحب الدار بالإرث (٧).

стр. 4031

٢٦٣٠ - [فَصْل: عبد الرهن يوجد قتيلًا في دار الراهن] وقال بِشرٌ عن أبي يوسف: في العبد الرهن يوجد في دار الراهن (أو المرتهن، قتيلًا: فالقيمة على ربّ الدار دون العاقلة. أما إذا وجد في دار الراهن) (١)؛ فلأنّه على ملكه، وإنّما صار مضمونًا عليه بالعقد الذي عقده، وذلك العقد بينه وبين المرتهن، فيلزمهما حكمه دون العاقلة. وأمّا إذا وجد في دار المرتهن، فالقيمة على عاقلته؛ لأنّ الضمان لم يتعلّق بالعقد، فهو كعبدٍ غير رهنٍ. وإنّما قال أبو يوسف: إنّه في ماله، على أصله: أنّ العاقلة لا تتحمل قيمة العبد (٢). ومما يلحق بهذا الباب ٢٦٣١ - [فَصْل: في دية قتيل وجد بين دارٍ لرجلين] [ما] قال محمدٌ في الأصل: في دارٍ بين رجلين، لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث: فالدية على عاقلتهما نصفان؛ لأنّ النُّصرة لا تتبعّض، فكلّ واحدٍ منهما تلزمه نصرة الدار، كما يلزم الآخر. وهذا على ما قدّمنا (٣): أنّ دارًا لو بيعت إلى جانبها، تساويا في الشُّفعة. وقال: إذا وجد بدن قتيل في مَحَلَّة أو أكثر بدنه، فإنّ القَسَامة واجبةٌ، وإن

стр. 4032

وجد عضوٌ من أعضائه أو أقلّ من نصف [البدن] (١)، فلا قسامة فيه؛ لأنّ القَسَامة إنّما تجب في القتيل، والعضو لا يسمى قتيلًا؛ ولأنّا لو أوجبنا في [الأقلّ] القَسَامة، لأوجبنا [في] الباقي قسامةً أخرى، فيؤدي إلى إيجاب قَسَامتين (٢) في نفسٍ واحدةٍ، وهذا لا يصحّ. وهذه المسألة نظير ما قالوا في الصلاة على أكثر البدن إذا وجد، وإن وجد الأقلّ لم يُصلّ عليه. وذكر الطحاوي: أنّ القاتل يدخل مع العاقلة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ، وقال الشافعيّ: لا يدخل معهم (٣). لنا: أنّ القياس ينفي تحمّل العاقلة، ويقتضي وجوب الدية على [القاتل] (٤)؛ لأنّه أحد (٥) بدلى النفس كالقَودِ؛ ولأنّه بدل مُتلَفٍ كالقيمة في المُتلَفات. وإنّما أوجبنا على العاقلة مقدار ما أجمعوا عليه؛ ولأنّهم تحمّلوا على طريق التخفيف، فإذا جُعِل [القاتل] كواحدٍ منهم لم يحتج في ذلك القدر إلى تخفيفهم؛ لأنّ مثله قد لزم كلّ واحدٍ منهم، وليس بأن يخفّفوا عنه بأولى من أن يخفّف عنهم.

стр. 4033

٢٦٣٢ - [فَصْل: دية قتيل في دارٍ مباعة] قال في الجامع الصغير: فيمن باع دارًا، فوُجد فيها قتيلٌ: إنّ الدية على من الدار في يده، سواءٌ كان هناك خيارٌ أو لم يكن، وهذا قول أبي حنيفة (١). وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الدية على مالك الدار إن لم يكن ثَمّ خيار، [وإن كان ثَمّ خيارٌ]، فعلى من تصير له الدار. وقال زفر: الدية على المشتري، إلا أن يكون للبائع الخيار، فتكون الدية عليه في جميع الأحوال. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ الدار ما دامت في يد البائع، على حكم ملكه، وهو أحقّ باليد فيها، فصار كما لو قَبْل البيع؛ ولأنّ ظهور القتيل في الدار بمنزلة مباشرة صاحبها لقتله، فالدار هاهنا على حكم ملك البائع، وفي يده، فكأنّه وهو القاتل؛ ولأنّ هذا معنًى يتعلّق به الضمان، فصار كجناية العبد في يد البائع قبل القبض، فيكون [كالعيب] (٢). ولا يلزمه ضمانه للمشتري، ولا يقال: فيجب أن يكون للمشتري الخيار؛ لأنّ هذا الضمان لم يتعلّق برقبة الدار، وإنّما يجب على العاقلة، فلم يكن عيبًا، وجناية العبد تتعلّق برقبته، فصارت عيبًا، وليس يمتنع أن يكون هذا كجناية العبد من وجهٍ، ويفارقه من وجهٍ.

стр. 4034

وجه (١) قولهما: أنّ الملك للمشتري، وليس للبائع يد تصرّف، فصار كالمُودَع (٢). وأما إذ كان [ثم] خيارٌ، فعلى من تصير له الدار؛ لأنّها إن صارت للبائع، انفسخ البيع بالخيار، فصار كأن لم يكن، وإن صارت للمشتري، فقد ملكها بالعقد، فكأنّ الخيار لم يكن. وأمَّا زفر، فاعتبر الملك حال الظهور، وزواله بعد ذلك بالخيار أو الإجازة كالبيع. ٢٦٣٣ - [فَصْل: ادعاء مولى القتيل على رجل بعينه من أهل المحلة] قال في الأصل: إذا ادَّعى [وليّ القتيل] (٣) على رجلٍ من أهل المَحَلَّة بعينه، فالقَسَامة والدية بحالها (٤). وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أنّ القَسَامة تسقط، وعن محمدٍ مثله. قال أبو يوسف: القياس: أن تسقط، إلا أنّا تركناه للأثر. وجه رواية الأصل: أنّا قد علمنا أنّ القاتل أحد أهل المَحَلَّة في الظاهر؛ ولذا يجب عليهم الضمان، فإذا ادّعى الولي ذلك على واحدٍ بعينه، فلم [يزد] (٥) على ما علمناه، فلا يتعيّن (٦) حكم القَسَامة؛ ولأنّ هذه الدعوى لا يثبت بها القتل

стр. 4035

عليه، فصار كعلمنا بأنّ القاتل منهم. وجه الرواية الأخرى: أنّ (١) دعواه على واحدٍ إبراءٌ للباقين، فلم يجز استحلافهم مع إبراء الوليّ لهم (٢). ٢٦٣٤ - [فَصْل: ادعاء الولي القتل على رجل من غيرهم] قال: وإذا ادّعى الوليّ القتل على رجلٍ من غيرهم، فقد أبرأهم من القَسَامة والدية؛ لأنّ هذا المعنى لم يحكم به بظهور القتل (٣)، فصار دعوى الوليّ له نفيًا للقتل عن أهل المَحَلَّة. فإن شهد اثنان من أهل المَحَلَّة [للوليّ] بهذه الدعوى، لم تُقبَل شهادتهما في قول أبي حنيفة، وقالا (٤): تُقبَل. [وجه قول] أبي حنيفة: أنّ شهادة أهل المَحَلَّة قبل الدعوى على غيرهم لا تُقبَل، فإذا أبرأهم الولىّ، اتُّهم أن يكون توصل بالبراءة إلى تصحيح شهادتهم (٥)، فلم تُقبَل؛ ولأنّ أهل المَحَلَّة صاروا خصومًا في هذه الدعوى، فلم تُقبَل شهادتهم وإن خرجوا من الخصومة، كالوكيل إذا خاصم ثم عُزِل؛ ولأنّ الوليّ اصطنع إليهم معروفًا حين أسقط عنهم القَسَامة، والدية، فاتُّهم أن يكونوا قابلوه على ذلك، والشهادة تسقط بالتهمة. وجه قولهما: أنّ أهل المَحَلَّة لا يدفعون عن أنّفسهم بهذه الشهادة مغرمًا،

стр. 4036

ولا يجتذبون بها مغنمًا، فوجب أن تُقبَل كالأجانب (١). ٢٦٣٥ - [فَصْل: ادعاء الأولياء القتل على واحد من أهل المحلة] قال: ولو ادعى الأولياء (٢) القتل على واحدٍ من أهل المَحَلَّة بعينه، فشهد شاهدان من أهل المَحَلَّة (عليه، لم تقبل) (٣) شهادتهما في قولهم (٤)؛ لأنّ الخصومة قائمةٌ بعد هذه الدعوى على ما بيّنا، فالشاهد يقطع عن نفسه الخصومة، إلا أنّه روي عن أبي يوسف: أنّ الشهود يحلفون: بالله ما قتلنا [ولا علمنا له قاتلا]، ولا يزادون على ذلك؛ لأنّهم قد أخبروا أنّهم عرفوا القاتل، فلم يُقبَل قولهم، فلا معنى لاستحلافهم. وروي عن محمدٍ أنّه قال: يحلفون بالله ما قتلنا، ولا علمنا له قاتلًا غير فلانٍ؛ لأنّهم لما أقرّوا بالقتل على رجلٍ واحدٍ، صار ذلك الرجل مستثنى من اليمين، فبقي حكم من سواه (٥). ومما لم يُلحقه (٦) أبو الحسن من المسائل المشهورة ٢٦٣٦ - [فَصْل: قطع المرأة يد رجل عمدًا ثم تزوجها على تلك الجراحة] ما قاله محمدٌ في الأصل: إذا قطعت المرأة يد رجلٍ عمدًا، أو جرحته، ثم

стр. 4037

تزوّجها على تلك الجراحة أو الشَّجّة أو الضربة أو القطع لليد (١)، فإن برئ الرجل من ذلك، جاز النكاح، والأَرْش مهرٌ لها، سواءٌ كان القطع عمدًا أو خطأً؛ لأنّه لا قِصَاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس، وإنّما الواجب المال، فصار كرجلٍ له على امرأة (٢) دينٌ، فتزوّجها على ذلك الدين، جاز النكاح، وكان الدين مهرًا لها في قولهم جميعًا. فإن كانت الجراحة عمدًا، فمات منها، فالقياس عند أبي حنيفة: أن يجب عليها القِصَاص، ويجب عليه المهر (٣). والاستحسان: أن لا قِصَاص عليها، فيلزمها الدية في مالها، ولها عليه مهر مثلها، (فيتقاصّان ويترادّان الفضل. فإن كان القطع خطأً، فالدية على عاقلتها، ولها عليه مهر مثلها) (٤). وقال أبو يوسف ومحمدٌ (٥): إن كانت الجراحة عمدًا، فكأنّه تزوجها على القِصَاص، فسقط القِصَاص، ولها عليه مهر مثلها. وإن كانت الجراحة خطأً (٦)، فكأنّه تزوجها على الدية، فيجوز النكاح على ذلك، فإن كان مهر مثلها مقدار الدية، فيسقط عن العاقلة؛ لأنّ العاقلة تعقل عن

стр. 4038

القاتل، ولا تعقل [للقاتل] (١)، وإن كان مهر مثلها أقلّ من ذلك، فمقدار مهر مثلها يجوز، ويسقط ذلك المقدار عن العاقلة، وما زاد على ذلك، إن كان الرجل ليس بصاحب فراشٍ، (جاز، وإن كان صاحب فراش) (٢)، فتلك الزيادة تخرج من الثلث، (جاز، وكانت وصيةً للعاقلة. وإن كانت لا تخرج من الثلث) (٣)، جاز منها مقدار الثلث، وبطل الفضل، وهذا فرعٌ على اختلافهم فيمن صالح على الجراحة [فألقت نفسًا] وقد قدّمناه. ولو كان تزوّجها على اليد وما يحدث منها (٤)، أو على الجناية، ففي قولهم جميعًا: كما قال أبو يوسف ومحمدٌ فى الفصل الأوّل؛ وذلك لأنّ التزويج وقع على الأمرين جميعًا (٥). ٢٦٣٧ - [فَصْل: قطعُ عضوٍ عمدًا ثم قتله] قال أبو حنيفة: إذا قطع رجلٌ (٦) يد رجلٍ عمدًا، ثم قتله، فالوليّ بالخيار: إن شاء قطع يده ثم قتله، وإن شاء قتله. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يقتله، ولا يقطع يده. [وجه قول] أبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا

стр. 4039

عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ ولأنّهما جنايتان يمكن المماثلة بينهما، فجاز للوليّ أن يقتصّ منهما، كما لو كان الجاني اثنين. وجه قولهما: أنّ ما دون النفس يسقط حكمه مع النفس، أصله: إذا قطع يده خطأً ثم قتله؛ ولأنّ للإمام أن يأمره (١) بالقتل، فلولا أنّ القطع ليس بواجبٍ، لم يأمره الإمام بتركه؛ لأنّ الإمام لا يشفع للخصم. فالجواب: أمّا الخطأ، فلأنّ الواجب به المالُ، وما دون النفس قبل البرء لا يستقرّ ما فيه من الأَرْش، فلذلك دخل في الدية. وأما القِصّاص فعقوبةٌ، فإذا أمكن استيفاء المماثلة فيها (٢)، لم تتداخل. وأما الإمام، فإنّما يبين للولي الأَولى من الأمرين، فأمّا أن يشفع، أو يلزم ترك القطع، فلا يجوز. ٢٦٣٨ - [فَصْل: حصول الموت بسراية القطع] قال [أصحابنا]: وإذا قطع يد رجل عمدًا، فمات من ذلك، فللوليّ أن يقتله، وليس له أن يقطع يده (٣). وقال الشافعي: تقطع يده، فإن مات، وإلا قُتِل (٤) لنا: أنّ القِصَاص هو المماثلة، فلو قطعنا يده ثم قتلناه، استوفينا منه أكثر

стр. 4040

مما استوفى، وذلك لا يجوز، ولأنّ ما دون النفس إذا سرى إلى النفس، سقط حكمه، كالخطأ. ٢٦٣٩ - [فَصل: استيفاء القود] قال أصحابنا: لا يستوفى القود إلا بالسيف (١). وقال الشافعي: يقتل القاتل بمثل ما قتل من الآلة (٢). واختلف أصحابه فيمن أَوْجر (٣) رجلًا خمرًا حتى مات، فقال بعضهم: يوجر الماء حتّى يموت، وقالوا فيمن يلوط برجلٍ حتّى مات: يجعل له آلةٌ من الخشب يُفعَل به كما فعل، فإن مات وإلا يقتل. لنا: قوله ﷺ : "لا قود إلا بحديدة" (٤)، وقال: "إن أحسن الناس قِتْلةً، المسلمون" (٥)، "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (٦)، ولأنّه تفويت روحٍ (٧) على وجهٍ مباحٍ، فاعتبر فيه أوجز الآلات مع القدرة، كالذبح. * * *

стр. 4041

٢٦٤٠ - : [فَصْل: الضمان في القتل بالسمّ] وقالوا: فيمن أطعم غيره سُمًّا فمات، فإن كان الميت أكله بنفسه، فلا ضمان على الذي أطعمه، ولكنه يُعزّر ويُضرب، فإن أوجره، فعليه الدية. والوجه في ذلك ما روي: "أنّ امرأةً أضافت النبيّ ﵊ فقدّمت له شاةً مسمومةً، فأكل منها ومات من ذلك بشر بن البراء ابن معرور، ولم يقتصّ رسول الله ﷺ منها" (١)؛ لأنّه أكل بنفسه، فهو القاتل لها، والذي قدّم الطعام إنّما [قرّبه] (٢) منه، وهذا لا يتعلّق به ضمان النفس. ٢٦٤١ - [فَصل: دية اصطدام الفارسين] قال أصحابنا: إذا اصطدم الفارسان فماتا، فدية كلّ واحدٍ منهما على عاقلة الآخر. وقال زفر: على عاقلة كلّ واحدٍ منهما نصف ديَةٍ، وهو قول الشافعي (٣). وروي عن عليٍّ مثل قولنا (٤). والوجه فيه (٥): أنّ كلّ واحدٍ منهما مات من صدم صاحبه له، فصار كمن

стр. 4042

بنى حائطًا في الطريق فصدم رجلًا [فمات]، ولا يجوز أن يُعتدّ بصدم كلّ واحدٍ منهما مع صدم الآخر؛ لأنّ ذلك لو كان جنايةً من الإنسان على نفسه، لم يلزم باني الحائط في الطريق جمع الدية؛ لأنّ الميت قد مشى إليه فصدمه، وكذلك حافر البئر يلزمه جميع الدية، وإن كان الماشي قد مشى إليها، إلا أنّ فعله غير معتدٍّ به في الجناية على نفسه. وجه قول زفر: أنّ كلّ واحدٍ منهما مات بجنايتين: وهو صدم صاحبه، وصدمه لصاحبه (١)، فصار كمن جرح نفسه، وجرحه أجنبيٌّ [فمات] (٢). ٢٦٤٢ - [فصل: موت رجلين بانقطاع حبل وسقوط كلٍ منهما على ظهره] وقد قالوا: في رجلين مدَّا حبلًا حتى انقطع فسقط كلّ واحدٍ منهما على ظهره، فماتا، فلا ضمان فيهما؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما لم يمت من فعل صاحبه، ألا ترى أنّه لو غلب فعل أحدهما الآخر لجذبه على وجهه، فلما سقط على قفاه، علم أنَّهما تكافآ في الفعل، ومات كلّ واحدٍ منهما (من فعل نفسه. ولو سقطا على وجوههما، فماتا، فدية كلّ واحدٍ منهما) (٣) على عاقلة الآخر؛ لأنّه مات من جذبه. ولو سقط أحدهما على ظهره، (والآخر على وجهه) (٤)، فماتا جميعًا، فدية

стр. 4043

(الذي سقط على وجهه على عاقلة الآخر؛ لأنّه مات بجذبه، ودية) (١) الذي سقط على ظهره هدرٌ؛ لأنّه مات من فعل نفسه. ولو قطع قاطعٌ الحبل فسقطا جميعًا فماتا، فالضمان على القاطع؛ لأنّه سببٌ في إتلافهما. ٢٦٤٣ - [فَصل: موت الصبي بجذبه من يد أبيه] وقالوا: في صبيٍّ في يد أبيه، جذبه رجلٌ من يده، والأب يمسكه حتّى مات، فديته على جاذبه (٢) [من يد أبيه]، ويرثه أبوه؛ لأنّ الأب ممسكٌ بحقٍّ، والجاذب متعدٍّ في الجذب، فكان الضمان عليه. ولو تجاذب رجلان صبيًّا، وأحدهما يدّعي أنّه ابنه، والآخر يدّعي أنّه عبده، فمات من جذبهما، فعلى الذي يدّعي أنّه عبده ديته؛ وذلك لأنّ المتنازعين في الصبيّ إذا زعم أحدهما أنّه أبوه، فهو أولى من الذي يدّعي أنّه عبده، فصار إمساكه بحقٍّ، وجذب الآخر بغير حقٍّ، فضمن. ٢٦٤٤ - [فَصل: الضمان في خرق ثوب بجذبه صاحبه] وقالوا: في رجل في يده ثوب، فتشبث به رجلٌ، فجذبه صاحب الثوب من يده، فتخرق الثوب، ضمن الممسك نصف الخرق؛ لأنّ الإمساك ليس بأذىً، فيمكنه دفعه بغير جذبٍ، فإذا [جذب] (٣)، فقد حصل التلف بفعلهما، فانقسم الضمان بينهما.

стр. 4044

٢٦٤٥ - [فَصل: سقوط أسنان الذي عض ذراع آخر] و [قال] (١) في رجلٍ عضَّ ذراع رجلٍ، فجذب ذراعه من فيه، فسقطت أسنانه، وذهب لحم ذراع هذا، قال: تهدر دية الأسنان، ويضمن العاضّ أَرْش الذراع؛ وذلك لأنّ العضّ ضررٌ، فله أن يدفعه عن نفسه بالجذب، فما يتولّد منه من سقوط الأسنان لا يضمنه. ٢٦٤٦ - [فَصل: الضمان في شقّ ثوب بسبب الجلوس عليه] وقالوا: في رجلٍ جلس إلى جنب رجلٍ، فجلسَ على ثوبه وهو لا يعلم، فقام صاحب الثوب، فانشق ثوبه من جلوس هذا عليه، قال: يضمن نصف الشقّ؛ لأنه لم يكن له أن يجلس عليه، فصار ذلك تعدّيًا و [من جهته] وقد حصل التلَف من الجلوس والجذب، فانقسم الضمان. وقال: في رجلٍ أخذ بيد إنسانٍ، فجذب الآخر يده من يده، فانفلت (٢) فمات، قال: إن كان إنّما أخذ يده لمصافحةٍ، فلا شيء عليه، وإن كان أخذ بيده لعصرها، فآذاه، فمدّها، ضمن ديته؛ وذلك لأنّه إذا صافحه فلم يجذب يده لدفع ضررٍ، فصار جانيًا على نفسه، وإذا آذاه بعصرها فإنّما دفع الضرر عن نفسه، فإن مات، ضمن الممسك. وإن انكسرت يد الممسك، لم يضمن الجاذب. وفرّق محمدٌ بين جذب الثوب وبين جذب النفس، فقال: في الثوب إذا انخرق: إن الضمان ينقسم، وقال في النفس: إنها كلها مضمونة؛ لأنه

стр. 4045

لم يجعل جذب الإنسان جنايةً منه على نفسه، كما لم يجعل صدمه لغيره جنايةً على نفسه، وجعل مده لثوبه جناية منه على ثوبه، فقسم الضمان بينهما. ٢٦٤٧ - [فَصَّل: اشتراك جانيين في قطع يد رجل] قال أصحابنا: فيمن قطع أصبع رجل عمدًا، وقطع آخر يده من الزند فمات: فالقصاص على الثاني. وقال زفر: عليهما، وبه قال الشافعي (١). وجه قولهم: أن الموت حصل ولم يبق لجناية الأول (٢) أثرٌ، فصار كما لو برأت، ثم مات؛ ولأن زوال الجناية بالقطع أكثر من زوالها بالبرء؛ لأن البرء قد يُنتَقَض، فإذا كان [زوالها] (٣) بالبرء يقطع حكم السراية، فزوالها بالقطع أولى. وجه قول زفر: أن القطع الأول اتصل بالنفس منه ألم، وتكامل بالقطع الثاني، فصار الموت منهما، فوجب القصاص عليهما. ٢٦٤٨ - [فَصل: فيما لا قصاص فيه على القاتلين] وقال أبو يوسف: في رجلين قتل كلّ واحدٍ منهما ابن صاحبه (٤) عمدًا، وكلّ واحدٍ منهما وارث الآخر: فلا قصاص عليهما، ويضمن كلّ واحدٍ منهما الديَة في ماله. وقال زفر: ويقال للقاضي: ابدأ بأيهما شئت وسلمه إلى الآخر حتى يقتله،

стр. 4046

ويسقط قصاص الآخر. وقال الحسن بن زياد: يوكل كلّ واحدٍ منهما وكيلًا يستوفي القصاص، فيقتلهما الوكيلان معًا. لأبي يوسف (١): أن القصاص قد سقط في أحد القاتلين؛ لأنا إذا بدأنا بأحدهما وقتلناه يرثه الآخر، فيسقط القصاص عنه، وإذا سقط القصاص عن أحد القاتلين بغير عينه، صار شبهةً في سقوطه عنهما، كما لو عفا أحدهما ولم يُعرف؛ ولأنا لو بدأنا بأحدهما، أوفيناه حقه، وأسقطنا حق الآخر، ولا يجوز أن يثبت الحقّ لمستحِقَّين فيوفي القاضي حقّ أحدهما ويسقط حقّ (٢) الآخر. وجه قول زفر: أن الحقّ ثابتٌ لهما لم يسقط، وللقاضي الخيار في الابتداء بأيّ الحقين شاء، فإذا اقتصّ من أحدهما سقط عن الآخر القصاصُ حكمًا. وجه قول الحسن: أنه يُمكن [له] استيفاء القصاص منهما بالوكالة، حتى يصير كل واحد منهما مقتولًا [في الحالة التي يقتل فيها الآخر، فلا يتوارثان، ولا يسقط الآخر، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنه يمكن أن تقع] الضربتان (٣) معًا، ولا يمكن أن يكون خروج الروح معًا، فيجوز أن يسبق خروج الروح في أحدهما دون (٤) الآخر، وذلك لا يسقط القصاص. وقد قالوا في رجل قطع يد رجل عمدًا، ثم إن المقطوعة يَدُه قَتَلَ (٥) ابن

стр. 4047

القاطع عمدًا، ثم مات المقطوعة يده من القطع. قال: فعلى القاطع القصاص لولي المقطوعة يده؛ لأن المقطوعة يده مات بجناية قبل أن يحل دمه بالقصاص للقاطع، فوجب القصاص على القاطع، ولم يسقط [بقتل] (١) المقطوع للابن (٢). ٢٦٤٩ - [فَصل: الضمان بالسبب] ذكر الطحاوي: فيمن أرسل كلبًا أو طائرًا أو دابَّةً فأصابت في فورها إنسانًا فأتلفته: أنه لا يضمن في الطائر والكلب، ويضمن في الدابّة، وكان أصحابنا يقولون: يضمن في جميع ذلك، وقد روي عن محمد مثل ما قاله الطحاوي، وعن أبي يوسف: أنه يضمن. لأبي يوسف: أن الإرسال سببٌ في التلف، فصار كحفر البئر؛ ولأن ما أصابت في فورها، فهو بسبب إرساله (٣)، فصار [كالسائق] (٤). لمحمد (٥): أن الطائر والكلب كلّ واحدٍ منهما خارج عن يده، فما يتولّد منهما إنما يتولّد من فعلهِ، فلا يضمن المرسِل، وهذا الذي قاله موجودٌ في الدابة المنفلته. ويجوز أن يفَصِّل فيقول: إن الدابّة إنّما تُصيب بصدمها، والمرسِل كالدافع لها، فأما الكلب والطائر، فإنما يُصيب بجرحه، وذلك فعلٌ مبتدأٌ منه، فصار كصدم الدابة.

стр. 4048

٢٦٥٠ - فَصْل [الخيار في جناية العبد] قال أبو حنيفة: فيمن فقأ عيني (١) عبد، فمولاه بالخيار: إن شاء سلمه إلى الفاقئ (٢) وأخذ قيمته، وإن شاء أمسكه ولا شيء له. وقال أبو يوسف ومحمد: يمسكه ويأخذ ما نقصه. وقال الشافعي: يمسكه ويأخذ (٣) جميع القيمة. لأبي حنيفة: أنه لو فقأ إحدى عينيه، وجب عليه نصف القيمة، فإذا فقأهما، وجب فيهما (٤) ضعف ذلك كعيني الحر، ولا يلزم [على هذا] البائع إذا فقأ عيني العبد أنه لا يسقط جميع الثمن؛ لأن البائع لا يلزمه أرش جنايته، وإنما يسقط بجنايته ما نقص المبيع، ولا يجوز أن يكون النقصان جميع القيمة (مع بقاء القيمة. وإذا ثبت أن الواجب فيهما جميع القيمة، لم يجز أن يأخذ) (٥) مع بقاء العبد على ملكه، فيجتمع البدل والمُبدَل على ملكٍ واحدٍ، [كما يجتمع المبيع والثمن في ملكٍ واحدٍ]. ولا يلزم على هذا إذا اشترى عبدًا بيعًا فاسدًا فقبضه، مَلَكه والثمن على ملكه؛ لأن الثمن ليس ببدل في البيع الفاسد، وإنما البدل القيمة، وقد [ملكت عليه] (٦) بملك العبد، فلم يجتمع البدل والمبدل في ملكه.

стр. 4049

ولا يلزم إذا غصب مدبرًا فأبق منه، أن المولى يضمّنه قيمته والمدبر على ملكه؛ لأنا قلنا فيما يصح تمليكه بالمعاوضات، والمدبر لا يصح تمليكه. ولا يلزم الهبة على عوض إذا سَلَّمها ولم يقبض العوض، أنه على ملك الموهوب، فاجتمع على ملكه العوض والمُعَوّض؛ لأن الهبة بعوضٍ لا يتعلق الاستحقاق فيها إلا بالقبض، فما لم يقبض العوض، لم يكن عوضًا، فلا يجتمع على ملكه عوضٌ ومُعوّضٌ. ولا يلزم [على هذا] مسألة كتاب المأذون: وهي إذا اشترى عبدًا بجارية على أنه بالخيار، فقبض العبد وأعتقهما جميعًا معًا، نفذ عتقه فيهما، واجتمع العوض والمُعَوّض على ملكه؛ لأنه لما أعتقهما فسد البيع في الجارية، وصار العوض عن العبد القيمة، [وهلكت عليه في مقابلة ذلك العبد، فلم يجتمع العوض والمُعوّض]. ولا يلزم من استأجر شيئًا وأسلف الأجرة، أن المؤاجِر ملكها، والمنافع على ملكه؛ لأن المنافع لا تملك عندنا إلا بعد وجودها، وكلما وجد جزءٌ منها، حدث على ملك المستأجر، فلا يجتمع على ملك المؤاجِر العوض والمعوَّض. ولا يلزم على هذا إذا غصب غاصبٌ عبدًا، فجنى عنده جنايةً ثم [ردّه على] (١) مولاه، فجنى عنده جنايةً أخرى، ودُفِع بالجنايتين، أنه يرجع على الغاصب بنصف القيمة، فيدفعها إلى ولي الجناية، (وهي عوضٌ عن نصف الرقبة التي سلم له، فيجتمع على ملكه العوض والمُعوَّض؛ وذلك لأن ولي الجناية) (٢) إنما يأخذها

стр. 4050

عوضًا عن جنايته، ونحن لا نمنع أن يملك الرجل العوض والمُعوّض بغير سبب المعاوضة، كرجل استوهب المبيع من البائع، والثمن من المشتري، أو ورثهما. وأما الكلام على الشافعي؛ فلأنها جنايةٌ (على مملوكٍ يجوز تمليكه، فلا يستحقّ بها جميع قيمته مع بقائه على ملك المالكِ كالثوب. وجه قولهما: أنها جنايةٌ) (١) على ملكه، فلم يكن من شرط ضمانها تسليم الملك، كالجناية على الثوب والمُدبَّر. ٢٦٥١ - [فَصل: المزاحمة في الاستحقاق بالجناية] قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا غصَب رجلٌ عبدًا، فقتل عبده قتيلًا خطأً، فرده على مولاه، فقتل عنده قتيلًا خطأً، ودفعه المولى بالجنايتين، رجع [على] الغاصب بنصف القيمة، ودفعه إلى ولي الأولى، ثم يرجع به على الغاصب فيسلم له. وقال محمد وزفر: إذا أخذ نصف القيمة، لم يدفعها (إلى ولي الأولى) (٢). وجه قولهما: أن الأوّل قد استحقّ جميع الرقبة، بدلالة أنه لو لم يجنِ، دُفِع إليه، وإنما يسقط حقّه عن بعضها بالمزاحمة، (وما أخذ المولى جزء من الرقبة) (٣)، فكان المجني عليه أولى به، كما لو قُتِل العبد الجاني، فأخذ المولى أرشه. وجه قول محمد وزفر: هو أن نصف القيمة الذي أخذه المولى، بدلٌ عن النصف الذي أخذه ولي الجناية [الأولى]؛ (لأن ذلك النصف هو المُستحَقّ

стр. 4051

بسبب كان في يد الغاصب، فلم يجز أن يسلم لولي الجناية) (١)، فيستحق بجناية واحدة الرقبة والبدل عنها. ٢٦٥٢ - [فَصل: تداخل الضمان بسبب واحدٍ] قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا وطئ الرجل امرأةً بشبهةٍ، فأفضاها والبول لا يستمسك، فعليه الدية ولا مهر لها. وقال محمد: لها المهر والدية. وجه قولهما: أن الديّة وجبت بدلًا عن البضع، والمهر في حكم العوض عن جزءٍ منه، وضمان الكلّ والجزء إذا تعلّقا بسببٍ واحدٍ، دخل أحدهما في الآخر، (كالأب يستولد جارية ابنه. وأما إذا استمسك البول، فعليه ثلث الدية والمهر؛ لأن ضمان الجزء والجزء إذا تعلّقا بسببٍ واحدٍ، لم يدخل أحدهما في الآخر) (٢). لمحمد: أن المهر يجب باستيفاء المنفعة، والديَة تجب بالجناية، وهما أمران مختلفان، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ ولأن المهر يجب بالتقاء الختانين، والديّة تجب بالإفضاء، وذلك يكون بمجاوزته الموضع المعتاد، فتعلّق كلّ واحدٍ منهما بسببٍ غير السببِ الآخر. وإنما أوجبوا جميع الدية إذا لم تستمسك البول؛ لأن منفعة العضو ذهبت، ففوات المنفعة كتلف العضو، مثل ذهاب ضوء العين.

стр. 4052

فأما إذا كان البول يستمسك، فلم تتلف منافع العضو، وإنما هي جراحةٌ جائفةٌ، فيجبُ فيها ثلث الدية. وأما إذا زنى بامرأة مطاوعةٍ، فأفضاها، فلا شيء عليه، وكذلك إذا وطئ زوجته فأفضاها؛ لأن الوطء مأذونٌ فيه في مسألتنا من جهتها، فلا يضمن ما يتولّد منه من التلف كالبكارة. وكذلك لو وطئ زوجته فماتت، فلا شيء عليه في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه مأذونٌ [له] في الوطء من جهتها، فلا يضمن ما يتولّد منه. وقال أبو يوسف: إن ماتت من وطئه فعلى عاقلته الدية، وإن أفضاها والبول لا يستمسك، فالديَة في ماله، وإن استمسك، فثلث الديَة في ماله؛ وذلك لأنه مأذونٌ في الوطء المعتاد، فالموت والإفضاء (إنما يكون بمجاوزة المعتاد) (١). وإنما جعل الديَة في الموت على العاقلة، وفي الإفضاء في ماله؛ لأن الإفضاء يكون باعتماد التجاوز، والموت يكون غير مقصودٍ بالفعل، فصار في حكم الخطأ. وقد قالوا جميعًا: إنه لو كسر فخذها، ضمن؛ لأن هذا غير متولّدٍ من الوطء المأذون. قال أصحابنا: إذا ضرب الزوج امرأته لنشوزٍ أو نحوه، فماتت منه، فهو ضامنٌ؛ لأنه يستوفي منفعةً فيه) (٢)، فكان على شرط السلامة. وأما إذا ضرب الأب أو الوصي الصبي للتأديب، ضَمِنا عند أبي حنيفة.

стр. 4053

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمنان. لأبي حنيفة: أن الأب يضرب الصبي لمنفعةٍ تعود إليه، ألا ترى أن في تأديب ابنه منفعةً له، فكان على شرط السلامة كضرب الزوجة. وجه قولهما: أن الأب إنما يضرب الصبي لمنفعة الصبي، فكان كتعزير الإمام. وقالوا جميعًا في المعلم والأستاذ الذي يُسلَّم الصبي إليه في صناعةٍ: إذا ضرباه بغير أمر أبيه أو وصيه ضمنا؛ لأنه لم يؤذن لهما في الضرب. وأما إذا ضرباه بإذن الأب أو الوصي، لم يضمنا؛ لأنهما لم يضرباه لمنفعتهما، وإنما هولمنفعته، فلم يضمنا. ٢٦٥٣ - [فَصل: فيما لا قصاص فيه على الولي ولا على الشهود] قال أصحابنا: في الشهود إذا شهدوا على رجلٍ بالقتل، فحكم الحاكم بشهادتهم، فقتله الوليّ، ثم رجعوا، أو جاء (المشهود عليه) (١) حيًّا: فلا قصاص على الولي، ولا على الشهود (٢). وقال الشافعي: على الشهود القصاص (٣). لنا: أنهم صاروا سببًا في الإتلاف [من] غير إلجاءٍ، كحافر البئر؛ ولأنه شاركهم مختارًا، لا قود عليه بنفس الفعل، وهو الولي، فحل محلّ المُخطئ والعَامِد (٤).

стр. 4054

وعليهم الدية؛ وذلك لأنهم سبب في الإتلاف على طريق التعدّي كحافر البئر، ولا يرجعون بذلك على الولي في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لهم الرجوع بما غَرِموا على الولي. لأبي حنيفة: أن الشهود أوجبوا للولي دم العمد، وذلك ليس بمال ولا متقوم؛ بدلالة أنه يستوفى من الحرّ (١)، ولا يضمن من أتلفه، فلا يتعلّق به حقّ الغرماء، فلم يجز تقويمه على المشهود له في [حقّ] الشهود؛ لأنا نلزمه لهم ما لم يوجبوه؛ ولأن الدم لا ينتقل إلى الشهود [بالضمان] (٢)؛ إذ لا قيمة له، فهو مثل الطلاق، ولأنه لا يجوز أن يستحقه غير القاتل، ألا ترى أن أجنبيًا لو بذل المال للولي على أن يكون الدم له، لم يصحّ ذلك، فإذا لم ينتقل إليه، لم يجز أن يرجع بما ضمن على الغير إلا بغرور متقدم، ولم يوجد ذلك، فلا يرجع. وجه قولهما: أن الدم قد انتقل مالًا للثاني، فكان للولي الخيار بين تضمين الشهود، وبين تضمين القاتل، فإذا اختار ضمان الشهود، كان لهم أن يَرجعوا على القاتل، مثل أن يكون المُوجَب بالشهادة المال. ٢٦٥٤ - [فَصل: فيما لا قصاص فيه على أحد الجانيين] قال أصحابنا في الأب والأجنبي إذا اشتركا في قتل الابن: لا قصاص على الأجنبي. وقال الشافعي عليه القصاص (٣).

стр. 4055

لنا: أنه شاركه في القتل مختارًا، لا قود عليه بنفس الفعل، فصار كالمخطئ والعامد؛ ولأن خروج النفس لا يتبعّض، فإذا اشتركا فيه، فكأن الأب استوفى جميع النفس؛ ولهذا لا يوجب على من شاركه بخطأ؛ لأن جميع النفس المستوفاة على وجه الخطأ، فلا يجب على المتعمد فيها القصاص. (وأما إذا اشتركا وهما عامدان، ثم عفي عن أحدهما، فالمشهور: أن الآخر يجب عليه القصاص) (١)؛ لأن القصاص وجب عليهما، وسقط في أحدهما بمعنى طارئ، فلا يسقط في حقّ الآخر، كما لو مات أحد القاتلين. وذكر في المنتقى عن أبي يوسف: أنه لا قصاص على واحدٍ منهما؛ لأن العفو لما أسقط القصاص عن أحدهما، فكأن النفس مستوفاة بفعله (٢). (تم كتاب الجنايات ولله الحمدُ والمنةُ، وعلى نبيِّهِ أفضل الصلواتٍ) (٣)

стр. 4056

[٦٥] كتابُ الحدودِ قال الشيخ أيّده الله تعالى: الحد في اللغة: عبارة عن المنع، ومنه سمي البوَّاب حدَّادًا؛ لما يقع به من المنع، وسُمِّي اللفظ الذي يفيد المعنى ويجمعه: حدًّا؛ لأنه يمنع من دخول غيره فيه، ولما كانت العقوبة موضوعةً للمنع من الفعل المنهي عنه سميت حدًّا لهذا المعنى. والحدّ في الشريعة: كلّ عقوبةٍ مقدّرةٍ تستوفى لحقّ الله تعالى؛ ولهذا لم يسمّ القصاصُ حدًّا وإن كان عقوبةً؛ لأنه يستوفى لحقّ الآدميّ. والتعزير ليس بحدٍّ؛ لأنه ليس بمقدَّرٍ. فالحدود على ضربين: ضرب منها يأتي على النفس: وهو الرجم، والقتل بالردة، وبقطع الطريق. والضرب الثاني لا يأتي على النفس: وهو الجلد في الزنا، وحدّ قاطع الطريق إذا لم يقتل، وحدّ السارق، وحدّ الشارب، وحدّ القاذف. وكلّ واحدٍ من هذه الحدود قد أفرده في الكتاب، وبدأ بحدّ الزنا: وهو على ضربين: حدّ مُحصَنٍ، وحدّ غير مُحصَنٍ، فحدّ المُحصَن: الرجم، وحدّ غير المُحصن: الجلد. وقالت الخوارج: حدّ الزاني الجلد لكلّ حالٍ، ولا يرجم.

стр. 4057

لنا: ما روي: "أن النبي ﷺ رجم ماعز بن مالك، ورجم الغامدية" (١). وروى زيد بن خالد الجهني، وشبل بن [خالد] (٢)، وأبو هريرة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقال: إن ابني كان عسيفًا (٣) على هذا، وأنه زنى بامرأته، فافتديته بمائة شاةٍ، ثم استفتيت قومًا من أهل العلم، فقالوا: على ابني الحدّ، فقال النبي ﵊: "أما المائة فردٌّ عليك، وأما ابنك فعليه جلد مائةٍ، واغد يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٤)، فأوجب عليها الرجم إذا اعترفت؛ لأنها كانت مُحصَنةٌ. وروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني، (خذوا عني) (٥)، قد جعل الله لهنّ سبيلًا، الثيبُ بالثيب جلد مائةٍ (ورجمٌ بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائةٍ) (٦) وتغريب عامٍ" (٧). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: [على المنبر]: (أليس مما أنزل الله تعالى آية الرجم: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، وسيجيء قومٌ ينكرون الرجم، ولولا أن يقال: إن عمر زاد في كتاب الله، لكتبتها في المصحف) (٨).

стр. 4058

فدلّ هذا على وجوب الرجم، وهذا إجماع الفقهاء. [ولما منعت الخوارج من قبول الأخبار، امتنعوا من الرجم كذلك. ٢٦٥٥ - فَصل: [الجمع بين الجلد والرجم] وقد قال أصحابنا: لا يُجمع بين الجلد والرجم، وهو قول عامة الفقهاء] (١). وقال أصحاب الظاهر: يجلد المُحصَن، ثم يرجم (٢). لنا: ما روي (أنّ النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده) (٣)؛ ولأن الجلد حد بنفسه، فلا يُضمّ إلى الرجم كالقطع. فأما حديث عبادة: أن النبي ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم" (٤)، فمعناه: الجلد تارةً، والرجم تارةً؛ لأن الثيّب على ضربين: ثيب مُحصَنٌ، وثيب غير مُحصَنٍ، فذكر حدّ الثيب في الحالتين، يبيّن ذلك أنه قال في قصة العسيف: "واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٥)، ولم يذكر جلدها. والذي روي عن علي رضوان الله عليه: أنه جلد شراحة الهمدانية، ثم رجمها، وقال: (جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ ) (٦)، فيجوز

стр. 4059

أن يكون لم يثبت إحصانها، فلما جلدها أقرت بالإحصان. ٢٦٥٦ - [فَضل: حَدُّ البِكْر] وأما [البكر] (١)، فحدّه الجلد، ولا يُغرّب (٢) على طريق الحدّ، فإن رأى الإمام (أن يفعل) (٣) ذلك على طريق التعزير، فعله (٤). وقال الشافعي: يجمع بين التغريب والجَلْد على طريق الحدّ (٥). لنا: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وهذا بيانٌ لجميع الأحكام، فلا يجوز الزيادة فيه إلا بما يساويه في النقل؛ ولأن (النفي) (٦) حدٌّ بنفسه في قاطع الطريق، فلا يضمّ إلى الجلد على وجه الحدّ كالقطع. وأما قوله ﵊: "البِكر بالبِكر جلد مائةٍ وتغريب عامٍ"، فهذا عندنا منسوخٌ بالآية؛ لأنها نزلت بعده، ألا ترى أن حدّ الزنا كان في الأصل الأذى بالكلام، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ثم نسخ ذلك بالحبس، فقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ

стр. 4060

سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، [ثم قال ﷺ : "خذوا عني، فقد جعل الله لهنّ سبيلًا"]، ولم يقل: خذوا عن القرآن، فدلّ على أن هذا كان سابقا للآية، فنسخ بها. والذي روي أنه ﷺ : جلد وغرّب، [وأبا بكر جلد وغرّب]، وأن عمر جلد وغرّب (١)، فقد روي [عن عليٍّ] أنه قال: "كفى بالنفي فتنة" (٢). ويروى عن عمر ﵁: أنه نفى رجلًا، فلحق بالروم، فقال: (لا أنفي بعدها أحدًا) (٣)، فدلّ على أن النفي كان على طريق التعزير؛ إذ لو كان على وجه الحدّ، لم يجز تركه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]. وقد روي عن إبراهيم: أن عليًا وعبد الله اختلفا في أمّ ولدٍ يتوفى عنها سيدها، أو يعتقها، ثم تزني، فقال علي ﵇: تجلد مائةً ولا تنفى، وقال ابن مسعود ﵁: تُجلد وتنفى (٤).

стр. 4061

بَابُ صفةِ المُحْصَن قال أيده الله تعالى: الإحصان عندنا على ضربين: إحصانٌ يعتبر في وجوب الرجم على الزاني، وإحصان يُعتبرُ في المقذوف لوجوب الحدّ على قاذفه. فأما إحصان القذف، فنذكره في موضعه. وأما إحصان الرجم: فهو عبارةٌ عن سبع شرائط عند أبي حنيفة ومحمد، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، الحريَّة، والنكاح الصحيح، والدخول على وجهٍ يوجب الغسل من غير إنزال، وهما على صفة الإحصان. وروي عن أبي يوسف أنه قال: الإسلام ليس بشرطٍ، وهو قول الشافعي (١). وروي عن أبي يوسف: أنه لا يعتبر الدخول بها وهما على صفة الإحصان، وقال: إن المسلم إذا وطئ الكافرة صار بها مُحصَنًا. وروي عنه: أن الوطء إذا حصل قبل الحرية، ثم أعتقا، صارا مُحصَنين بالوطء المتقدم. [قال الشيخ] وجملة هذا: أن الإحصان يعبّر به عن الإسلام، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، يعني: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب،

стр. 4062

يعني: فعليهن نصف ما على الحرائر، فدلّ على أن الإحصان اسم للإسلام وللحرية، وقد يعبر به عن النكاح، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، يعني: ذوات الأزواج. فإذا ثبت هذا قلنا: يُعتبر البلوغ والعقل؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق … " (١)، ولأن الحدّ عقوبةٌ، والصبيّ والمجنون لا يستحقان العقوبة. وأما الحريّة؛ فلما بيّنا أن الإحصان اسمٌ للحرية؛ ولأن الله تعالى قال في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فأوجب عليهنّ عقوبة تتبعّض، والرجم لا يتبعّض. وأما النكاح؛ فلما بيّنا: أن الإحصان يعبر به عن النكاح؛ ولأن النبي ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢)، والبكر عبارةٌ عمّن لم تتزوج، فدلّ على أن النكاح من شرائط الإحصان. وإنما اعتبر الدخول؛ لقوله ﵇: "والثيب بالثيب الجلد والرجم"، وهي (٣) عبارةٌ عن الواطئ والموطوءة. وإنما اعتبرنا الوطء الذي يوجب الاغتسال من غير إنزال؛ لأن الوطء الذي يصير [به] ثيبًا هو الوطء في الفرج، فأما الوطء في غير الفرج فلا يصير به ثيِّبًا. فأما الإسلام، فوجه قول أبي حنيفة [ومحمد]: قوله ﵊: "من أشرك بالله

стр. 4063

فليس بمُحصَنٍ" (١)؛ ولأن الإسلام شرطٌ في إحصان القذف مع قلة شرائطه؛ فلأَن يكون شرطًا في إحصان الرجم مع كثرة شرائطه، وهو مما يمكن اعتباره أولى. ولا يلزم على هذا العفّة عن فعل الزنا؛ أنها شرطٌ في إحصان القذف، وليست بشرطٍ في إحصان الرجم؛ لأن ذلك لا يمكن اعتباره، ألا ترى أنه يستحيل أن يشترط في الزاني العفة عن فعل الزنا. لأبي يوسف (٢): ما رُوي (أن النبي ﷺ رجم اليهوديين) (٣)؛ ولأن الرجم عقوبةٌ، والكافر أَدْخَل في العقوبات من المسلم. وأما الدخول وهما على صفة الإحصان؛ فلأن كلّ وطءٍ لا يوجب الإحصان لأحد الواطئين، لا يُوجب للآخر كوطء المملوكين. وعلى الرواية الأخرى: أن كلّ وطءٍ لا يوجب الإحصان عند [وجوده] (٤)، يوجبه في الثاني، كوطء المولى. لأبي يوسف (٥): أن الحرّ المسلم إذا وطئ الأمة أو الكافرة، وقد كملت شرائط الإحصان فيه، ففقد الشرائط في الموطوءة لا يمنعُ من وجوب الحدّ على الواطئ. وأما الرواية الأخرى فقال: إنه إذا وطئها وهُمَا كافران أو مملوكان، فقد

стр. 4064

تمت شرائط الإحصان إلا الإسلام أو الحرية، فإذا وجد ذلك، كملت الشرائط، فلا معنى لاعتبار شرطٍ آخر. قال: فإن ثبت إحصان الزاني بإقراره، أو ببيِّنةٍ قامت عليه، فهو سواء، يُرجم؛ وذلك لأن المقِرّ غير متهمٍ على نفسه في إقراره، والبيّنة غير متهمةٍ عليه، فإذا ثبت الإحصان بأحدهما، وجب الحدُّ. قال: وإن كانت البينة شهدت أنه تزوج امرأةً ودخل بها، أو جامعها، أو باضعها، فهو مُحصَنٌ عند أبي حنيفة، وينوبُ هذا عن قوله وطئها في الفرج. وقال محمد: إذا قالوا: دخل بها، فإنه لا يكون مُحصَنًا، ولم يذكر قول أبي يوسف، وهو مع أبي حنيفة. أما إذا قالوا: جامعها؛ فلأن الجماع اسم للوطء في الفرج، (فإذا قالوا: باضعها؛ فالمباضعة مفاعلةٌ من البضع، وذلك لا يكون إلا بالوطء في الفرج) (١). وأما إذا قالوا: دخل بها، فوجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٢): أن الدخول إذا أضيف إلى النساء، لم يفهم منه إلا الوطء، وإن كان مشتركًا في الأصل، ألا ترى أن الوطء مشتركٌ، وإذا أضيف إلى النساء زال الاشتراك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالمراد بذلك: الوطء في الفرج. لمحمدٍ (٣): أن الدخول قد يعبّر به عن الاجتماع، ولهذا لو شهد شهود الزنا

стр. 4065

أنه دخل بها لم يقبل؛ لما فيه من الاحتمال، وهذا ليس بصحيح؛ لأنهم لو شهدوا أنه جامعها أو وطئها، لم يقبل في الزنا حتى يقولوا: جامعها في الفرج، أو وطئها في الفرج، وذلك لا يعتبر في الإحصان، فدلّ على الفرق بينهما. قال: فإن لم يشهد الشهود على الدخول، وكان له منها ولدٌ، فهي مُحصنةٌ، وهو بها مُحصَنٌ، كفى بالولد شاهدًا؛ وذلك لأنا حكمنا بثبوت نسب الولد منه، وثبوت النسب أدلّ على الوطء من الشهادة، فإذا ثبت الإحصان بالشهادة، فثبوت النسب أولى (١).
следующие страницы →