← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

بَابُ صفةِ المُحْصَن قال أيده الله تعالى: الإحصان عندنا على ضربين: إحصانٌ يعتبر في وجوب الرجم على الزاني، وإحصان يُعتبرُ في المقذوف لوجوب الحدّ على قاذفه. فأما إحصان القذف، فنذكره في موضعه. وأما إحصان الرجم: فهو عبارةٌ عن سبع شرائط عند أبي حنيفة ومحمد، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، الحريَّة، والنكاح الصحيح، والدخول على وجهٍ يوجب الغسل من غير إنزال، وهما على صفة الإحصان. وروي عن أبي يوسف أنه قال: الإسلام ليس بشرطٍ، وهو قول الشافعي (١). وروي عن أبي يوسف: أنه لا يعتبر الدخول بها وهما على صفة الإحصان، وقال: إن المسلم إذا وطئ الكافرة صار بها مُحصَنًا. وروي عنه: أن الوطء إذا حصل قبل الحرية، ثم أعتقا، صارا مُحصَنين بالوطء المتقدم. [قال الشيخ] وجملة هذا: أن الإحصان يعبّر به عن الإسلام، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، يعني: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب،

стр. 4062

يعني: فعليهن نصف ما على الحرائر، فدلّ على أن الإحصان اسم للإسلام وللحرية، وقد يعبر به عن النكاح، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، يعني: ذوات الأزواج. فإذا ثبت هذا قلنا: يُعتبر البلوغ والعقل؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق … " (١)، ولأن الحدّ عقوبةٌ، والصبيّ والمجنون لا يستحقان العقوبة. وأما الحريّة؛ فلما بيّنا أن الإحصان اسمٌ للحرية؛ ولأن الله تعالى قال في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فأوجب عليهنّ عقوبة تتبعّض، والرجم لا يتبعّض. وأما النكاح؛ فلما بيّنا: أن الإحصان يعبر به عن النكاح؛ ولأن النبي ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢)، والبكر عبارةٌ عمّن لم تتزوج، فدلّ على أن النكاح من شرائط الإحصان. وإنما اعتبر الدخول؛ لقوله ﵇: "والثيب بالثيب الجلد والرجم"، وهي (٣) عبارةٌ عن الواطئ والموطوءة. وإنما اعتبرنا الوطء الذي يوجب الاغتسال من غير إنزال؛ لأن الوطء الذي يصير [به] ثيبًا هو الوطء في الفرج، فأما الوطء في غير الفرج فلا يصير به ثيِّبًا. فأما الإسلام، فوجه قول أبي حنيفة [ومحمد]: قوله ﵊: "من أشرك بالله

стр. 4063

فليس بمُحصَنٍ" (١)؛ ولأن الإسلام شرطٌ في إحصان القذف مع قلة شرائطه؛ فلأَن يكون شرطًا في إحصان الرجم مع كثرة شرائطه، وهو مما يمكن اعتباره أولى. ولا يلزم على هذا العفّة عن فعل الزنا؛ أنها شرطٌ في إحصان القذف، وليست بشرطٍ في إحصان الرجم؛ لأن ذلك لا يمكن اعتباره، ألا ترى أنه يستحيل أن يشترط في الزاني العفة عن فعل الزنا. لأبي يوسف (٢): ما رُوي (أن النبي ﷺ رجم اليهوديين) (٣)؛ ولأن الرجم عقوبةٌ، والكافر أَدْخَل في العقوبات من المسلم. وأما الدخول وهما على صفة الإحصان؛ فلأن كلّ وطءٍ لا يوجب الإحصان لأحد الواطئين، لا يُوجب للآخر كوطء المملوكين. وعلى الرواية الأخرى: أن كلّ وطءٍ لا يوجب الإحصان عند [وجوده] (٤)، يوجبه في الثاني، كوطء المولى. لأبي يوسف (٥): أن الحرّ المسلم إذا وطئ الأمة أو الكافرة، وقد كملت شرائط الإحصان فيه، ففقد الشرائط في الموطوءة لا يمنعُ من وجوب الحدّ على الواطئ. وأما الرواية الأخرى فقال: إنه إذا وطئها وهُمَا كافران أو مملوكان، فقد

стр. 4064

تمت شرائط الإحصان إلا الإسلام أو الحرية، فإذا وجد ذلك، كملت الشرائط، فلا معنى لاعتبار شرطٍ آخر. قال: فإن ثبت إحصان الزاني بإقراره، أو ببيِّنةٍ قامت عليه، فهو سواء، يُرجم؛ وذلك لأن المقِرّ غير متهمٍ على نفسه في إقراره، والبيّنة غير متهمةٍ عليه، فإذا ثبت الإحصان بأحدهما، وجب الحدُّ. قال: وإن كانت البينة شهدت أنه تزوج امرأةً ودخل بها، أو جامعها، أو باضعها، فهو مُحصَنٌ عند أبي حنيفة، وينوبُ هذا عن قوله وطئها في الفرج. وقال محمد: إذا قالوا: دخل بها، فإنه لا يكون مُحصَنًا، ولم يذكر قول أبي يوسف، وهو مع أبي حنيفة. أما إذا قالوا: جامعها؛ فلأن الجماع اسم للوطء في الفرج، (فإذا قالوا: باضعها؛ فالمباضعة مفاعلةٌ من البضع، وذلك لا يكون إلا بالوطء في الفرج) (١). وأما إذا قالوا: دخل بها، فوجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف (٢): أن الدخول إذا أضيف إلى النساء، لم يفهم منه إلا الوطء، وإن كان مشتركًا في الأصل، ألا ترى أن الوطء مشتركٌ، وإذا أضيف إلى النساء زال الاشتراك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالمراد بذلك: الوطء في الفرج. لمحمدٍ (٣): أن الدخول قد يعبّر به عن الاجتماع، ولهذا لو شهد شهود الزنا

стр. 4065

أنه دخل بها لم يقبل؛ لما فيه من الاحتمال، وهذا ليس بصحيح؛ لأنهم لو شهدوا أنه جامعها أو وطئها، لم يقبل في الزنا حتى يقولوا: جامعها في الفرج، أو وطئها في الفرج، وذلك لا يعتبر في الإحصان، فدلّ على الفرق بينهما. قال: فإن لم يشهد الشهود على الدخول، وكان له منها ولدٌ، فهي مُحصنةٌ، وهو بها مُحصَنٌ، كفى بالولد شاهدًا؛ وذلك لأنا حكمنا بثبوت نسب الولد منه، وثبوت النسب أدلّ على الوطء من الشهادة، فإذا ثبت الإحصان بالشهادة، فثبوت النسب أولى (١).

стр. 4066

بَاب صفةِ الزنا قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الزنا: أن يطأ الرجل المرأة في الفرج أو وطئًا متعريًا (١) من نكاحٍ أو ملك أو شبهةٍ من أحدهما، ويجاوز الختانُ الختانَ، فإن لم يكن على ذلك في جميع ما ذكرنا، فليس بزنًا وإن كان الوطء محرمًا، و [ليس] في شيء مما ذكرنا من هذه الجملة خلاف بين أصحابنا. والدليل على أن الزنا هو الوطء في الفرج: أن ماعزًا لما أقرّ بالزنا عند رسول الله ﷺ استفسر حتى قال: "كالميل في المكحلة، والرشاء في البئر" (٢)؛ ولأن الزنا في اللغة مأخوذٌ من الزناء، وهو الضيق (٣)، وذلك لا يوجد إلا في الفرج. وإنما اعتبر مجاوزة الختان؛ لأن المخالطة لا تكون إلا بذلك، وما دون المخالطة ملابسة لا يتعلق بها أحكام الوطء: من الغسل، وفساد الحج، وكفارة رمضان؛ ولأن ما يتعلّق به الحد يعتبر فيه أعالي (٤) النوع، وهذا لا يوجد في الوطء إذا لم يجاوز الختانُ الختانَ. وإنما اعتبرنا تعري الوطء عن العقد؛ لأن اسم الزنا مأخوذ من اللغة، وأهل اللغة لا يسمون ما صدر عن عقدٍ زنا، ألا ترى أنهم كانوا يستحلون نكاح امرأة الأب ولا يسمون ذلك زنا.

стр. 4067

وأما تعرّيه عن الملك؛ فلأن الملك سببُ الإباحة، والوطء إذا وجد مع سبب الإباحة، فليس بزنا. وأمَّا تعرّيه عن الشُّبهة؛ فلقوله ﷺ : "ادرَؤُوا الحدود بالشبهات" (١)، والشبهة على ضروبٍ: فالعقد شبهةٌ عند أبي حنيفة، حلالًا كان أو حرامًا، اتفق على تحريمه أو اختلف فيه، علم الواطئ أنه محرمٌ أو جهل، وهو قول زفر. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تزوج نكاحًا مجمعًا على تحريمه، مَحْرَمًا كانت المرأة أو غير مَحْرَمٍ، والواطئ يعلم أنها حرام، فليس ذلك شُبهةً، وعليه الحدّ في ذلك الوطء، وإن كان لا يعلم فلا حدّ عليه، وهذا كنكاح ذوات المحارم، والخامسة، وأخت المرأة. لأبي حنيفة (٢): أن هذا الوطء لا يسمى زنًا، ألا ترى أن الجاهلية كانوا يستحلون نكاح الأختين، والخمسة، وامرأة الأب، ولا يسمون ذلك زنا، والأسماء لا تتغيّر بالشرع، والحدّ ورد في الزنا، فلا يجوز أن يلحق به ما ليسَ من نوعه، كما لا يلحق بحدّ السرقة المختَلِس والمُنتَهب؛ ولأن هذه الأنكحة قد حَلّت في شرائع من [كان] قبلنا، ولم يحل الزنا في شريعةٍ من الشرائع، فدلّ على أنها ليست بزنا؛ ولأن المجوس يستحلّون نكاح الأمهات والبنات، ولا تسميهم العرب زناةً ولا أولاد الزنا. وجه قولهما: أنه وطءٌ مجمعٌ على تحريمه على التأبيد في غير ملكٍ، فتعلّق به الحدّ كالزنا؛ ولأن الشبهة تعود إلى الاشتباه، وهذا مما لا يشتبه.

стр. 4068

وأما إذا كان لا يعلم بالتحريم، فلا حدّ عليه عندهما؛ لأن الشرعيات لا يثبت حكمها إلا بالسمع، فإذا لم يعلم بالتحريم لم يجب الحدّ، وقد روي عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا تضيفَ أهل بيتٍ باليمن، فأصبح يحدث أنه زنى بربّة منزله، فكتب فيه إلى عمر، فكتب فيه: (إن كان يعلم أن الله حرم الزنا، فاجلدوه، وإن كان لا يعلم، فعلموه، فإن عاد فاجلدوه) (١). قال: فإن كان النكاح مما يختلف العلماء فيه، مثل النكاح بغير وليٍّ وما أشبه ذلك، فلا حدّ فيه وإن كان عنده أنه محرمٌ، إذا كان بعض الفقهاء يجيزه، فهو شبهة ولا حدّ عليه، وهذا كالنكاح بغير شهودٍ؛ (لأن مذهب) (٢) من يُسقط الحدّ يكون شبهةً؛ ولأنه اجتمع المُوجب والمُسقط، فالحكم للمُسقط. وذكر بعدَ (٣) هذا العقد المتفق على تحريمه والخلاف فيه، وقد بيّناه. قال: وقال أبو حنيفة: يعزّره الإمام ولا يبلغ به أربعين سوطًا؛ وذلك [لأنه أتى أمرًا منكرًا ليس فيه حدٌّ] (٤)، فيجب فيه التعزير، وقال في موضع آخر من الأصل: إذا تزوج أمةً على حرةٍ، أو تزوج مجوسيةً، أو تزوج خمسًا في عقده، أو تزوج امرأةٌ بغير شهود أو أمةً بغير إذن مولاها، [ودخل بها، أو كان عبدًا فتزوج امرأة بغير إذن مولاه]، فأقرّ عند الإمام بذلك أنه فعله وهو يعلم أنه عليه حرام، [هل يحدّ] (٥)؟

стр. 4069

قال: ليس في شيء من هذا حدٌّ، لأن هذا نكاحٌ، والحدّ يدرأ بالشبهة، وهو قول أبي حنيفة. وقالا (١): يُحدّ في ذات الرَّحِمِ المَحْرَم، ويحدّ في ذلك كله، ولا [يعذر] (٢) في ذلك بالنكاح، وهذا إنما يعود إلى ذوات المحارم والخامسة، وأما تزويج الأمة على الحُرّة، فمختلف فيه، وكذلك نكاح العبد بغير إذن مولاه، ونكاح الأمة بغير إذن سيدها (٣)، ليس بمحرّمٍ على التأبيد، وهما شرطا في [وجوب الحدّ] أن يكون الوطء محرمًا على التأبيد، والوطء بغير شهودٍ مختلف في تحريمه، [فهذه الشُّبَه اللاتي تعود إلى العقد] (٤). وقد تعود الشبهةُ إلى المِلك: مثل الجارية المشتركة، وجارية الابن، وجارية المكاتب، وتارة تكون الشبهة لمعنى يعود إلى الاشتباه: مثل من زفّت إليه غير امرأته، وقد تكون الشبهة في المال: مثل جارية الزوجة، وجارية المولى إذا وطئها العبد، والكلام في هذا يأتي في موضعه. قال: وإن كان الوطء نفسه مما يختلف فيه أهل العلم أو لا يختلفون إذا كان ذلك وطئًا لامرأةٍ صحيح نكاحها، أو كان وطئًا بمِلْكِ يمين، فإنه لا حدّ عليه، وذلك مثل أن يطأ امرأةً أو جاريةً له وهي حائضٌ أو نفساء، أو صائمة في رمضان، أو مُحْرمة بحجة الإسلام، أو قد ظاهَر منها أو آلى، أو تزوجت ولها زوجٌ، ففُرِّق بينهما واعتدَّتْ، أو لم يفُرَّق بينهما، أو وطئت بشبهة فوجب عليها العدة من ذلك

стр. 4070

الوطء، فوطئها زوجها الأوّل وهو يعلم أنها تحت زوج، أو قد تزوجت، أو هي في عدةٍ من غيره، أو يطأ أمته وهي أخته من الرضاعة، أو أمه، أو غير ذلك مما يحرمه الرضاع، أو تكون [أمةً] قد وطئها أبوه أو ابنه بملك يمين، أو يكون عنده أختٌ (١) قد وطئ أختها، والأخت في ملكه يحلّ وطؤها له، أو ذات رَحِمٍ مَحْرَم منها (٢)، فيطَؤُها وهو يعلم أن وطُئَها عليه حرامٌ، أنه لا حدّ عليه في جميع ذلك. (وكذلك إن وطئ أمته) (٣) وهي مجوسيةٌ أو مرتدةٌ، أو كان قد كاتبها، فلا حدّ عليه في ذلك وإن علم بتحريم الوطء؛ وذلك لأن هذا وطءٌ في ملكٍ، فتحريمه لا يوجبُ الحد، كمن وطئ أمته وهي مريضة أو صغيرةٌ لا توطأ. ولأن النبي ﷺ أوجب في الوطء في حال الحيض الصدقة، ولم يوجب الحدّ، والمعنى فيه: أنه تحريمٌ عارض في الملك، وهذا موجودٌ في هذه المسائل. قال: وكذلك إن وطئ جارية يملك بعضها، كائنًا ما كان البعض؛ وذلك لأنه وطءٌ في الملك، [فليس وجوب الحدّ لنصيب الشريك أولى من إسقاطه لأجل نصيبه؛ ولأنه يجتمع في الحدّ المعنى الموجب للحدّ والمسقط، فكان الحكم للمسقط، ولأنّ الوطء لا يتبعّض، فإذا حصل بعضه في الملك، فكأن جميعه في الملك]، وصار كالمخطئ والعامد لما كان خروج الروح لا يتبعّض، صار كأنّ جميعها خرجت على وجه الخطأ. قال: وكذلك [إذا] وطئ جارية ابنه وهو يَعلم أن الوطء حرامٌ؛ وذلك لأن مال الابن مضافٌ إلى الأب؛ لأنه ملكه، قال ﵊: "أنت ومالك

стр. 4071

لأبيك" (١)، وأقلّ حال هذه الإضافة أن تفيد الشُّبهة، وقال: "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، فكلوا من كسب أولادكم" (٢)، وكسب الإنسان لا يجبُ فيه حدٌّ. قال: وكذلك جارية مُكاتَبه؛ لأن مال المُكاتَب موقوفٌ عليه وعلى مولاه، وما وقف على حكم (٣) ملك الإنسان فلا حدّ [فيه] (٤). وكذلك جارية عبده المأذون له في التجارة وعليه دين يستغرق رقبته وما في يده، أو ليس عليه دينٌ؛ وذلك لأن من أصل أبي يوسف ومحمد: أن المولى مالكٌ لما في يده مع الدين، فلا يجبُ الحدّ في ملكه. فأما على قول أبي حنيفة: وإن كان لا يملك؛ إلا أنه مختلفٌ في ملكه، وما اختلف في الملك فيه، لم يجب به حدٌّ كالنكاح المختلف فيه. قال: وكذلك إن وطئ الجَدّ من قبل الأب وإن علا، كان بينه وبن المالك أبٌ أقرب منه أو لم يكن، فإنه لا حدّ عليه؛ وذلك لأن الجدّ له ولاءٌ، فحلّ محلّ الأب. قال: إلا أنه إذا ادَّعى نسب الولد، لم يثبت منه نسبه ولم يحد؛ لأن ثبوت النسب إنما يكون للولاية الثابتة في حال الصغر في نقل الجارية إليه، فإذا بلغ لم ينفسخ حكم تلك الولاية في باب الاستيلاد، والجَدّ لا ولاية له مع الأب، فلم

стр. 4072

يثبت نسب الولد منه. فإن لم يكن أب أقرب منه، ثبت نسبُ ولده؛ وذلك لأن الولاية ثابتة له في هذه الحالة، كثبوتها للأب. قال: وكذلك الرجل من الغانمين يطأ جاريةً من المغنم قبل القسمة، بعد أن أخرجت الغنائم إلى دار الإسلام، فلا حدّ عليه وإن علم أنها حرامٌ. وكذلك إن كان في دار الحرب؛ وذلك لأن الغنيمة مشتركةٌ بين الغانمين؛ لأن الحقَّ يثبتُ فيها بالأخذ لكلّ واحدٍ منهم، ويستقرّ بالحيازة، ويُملَك بالقسمة، ولكلّ واحدٍ منهم حكم الملك (١)، فلا عليه الحدّ. قال: ولا يثبت نسب الولد؛ لأنه لا يملك الغنيمة إلا بالقسمة، وإنما يثبت له فيها حق أن يتملك، وهذا المعنى لا يوجب ثبوت النسب. قال: والوطء في الدبر ليس بزنا عند أبي حنيفة في أنثى كان أو في ذكرٍ، ولا يوجب حدًا، ويوجب التعزير. وهو عند أبي يوسف ومحمد: بمنزلة الوطء في الفرج، [يُوجب من الحدّ ما يوجب الزنا] (٢). لأبي حنيفة (٣): أن هذا الوطء لا يسمى في اللغة زنا، ألا ترى أنهم خَصُّوه باسم، وهذا التخصيص يعلم به نفي الاشتراك، ألا ترى أنهم سمّوا شخصًا

стр. 4073

حمارًا، وشخصًا فرسًا، فعلم بذلك أن كلّ واحدٍ منهم لا يسمى باسم الآخر وإن لم تنص العرب على ذلك، وإذا لم يكن زنًا، لم يجز (١) أن يلحق بحد الزنا، كما لا يلحق به الوطء بالشبهة؛ ولأن هذا الوطء لا يوجبُ المال بحالٍ، فلا يتعلّق به الحدّ كالوطء فيما دون الفرج. وجه قولهما: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" (٢)، وروي أن رجلًا وُجد باليمن يُنَكح كما تنكح المرأة، فكتب فيه إلى أبي بكر الصديق ﵁، فاستشار فيه الصحابة، فمنهم من قال: يقتل، ومنهم من قال: يُرمى [به] من شاهق الجبل، ومنهم من قال: يُرمى عليه حائطٌ (٣). والجواب: أن هذا محمولٌ على من فعل ذلك على وجه الاستحلال؛ بدلالة إيجاب القتل من غير فصلٍ بين مُحصَن وغيره، وهذا لا يكون إلا مع استحلال. وقد قال أصحاب الشافعي: إن القتل يجب بكلّ حالٍ على أحد قوليه (٤)، وهذا قولٌ خالف إجماع من تقدّمه، فلا يعتدّ به. قال: وعليه التعزير؛ لأن القائل أحد قائلين: إما من أوجب الحد، أو من أسقط وأوجب التعزير، فإذا دلّلنا على سقوط الحدّ، ثبت التعزير بالإجماع.

стр. 4074

بَاب الرجل يطأ امرأةً [لا تحلّ له] ويقول: ظننتها تحلّ لي [أو يقول: ظننتها امرأتي أو أَمَتي، ما يصدّق فيه، وما لا يصدّق] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: جملة هذا الباب: أن الشُبهةَ إذا كانت في الموطوءة، أسقطت الحدّ، سواءٌ قال: ظننت أنها تحلّ لي، أو قال: علمت أنها [عليّ] حرامٌ. وإن كانت الشبهةُ في الفعل: بأن قال علمتُ أنها حرامٌ، حُدَّ، وإن قال: ظننت أنها حلالٌ، لم يُحدّ. وذلك لأن الشبهة في الموطوءة موجودةٌ، سواءٌ علم بالتحريم أو لم يعلم، والشبهة في الفعل غير موجودةٍ إذا علم بالتحريم، فإذا قال: ظننت أنها حلال، فقد حصلت الشبهة، فمنعت الحدّ. وجملة هذا: أن الشبهة في الفعل في سبع مواطن: جارية الأب، وجارية الأم، وجارية الزوجة، والمطلقة ثلاثًا ما دامت في العدة، وأم الولد ما دامت تعتد منه، والعبد إذا وطئ جارية مولاه، والجارية المرهونة في رواية كتاب الرهن (١). وأربع مواضع لا يحدّ وإن قال علمت بالتحريم: جارية الابن والجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل القبض، والجارية المتزوّج عليها إذا كانت في يد

стр. 4075

الزوج، والمطلقة طلاقًا بائنًا، والجارية بين شريكين. قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا وطئ الرجل جارية أبيه (١) أو زوجته، فعليه الحدّ، فإن قال: ظننت أنها تحلّ لي (٢)، فلا حدّ عليه، وإن قال: علمت أنها حرامٌ، حُدَّ. أما إذا ادّعى الشبهة؛ فلأن الابن يتبسط في مال أبيه، ويأكل [من] طعامِه، فيجوز أن يشتبه عليه الوطء، (وكذلك الزوج يتبسّط في مال زوجته، ويستخدم أمتها وينتفع بمتاعها، فيجوز أن يشتبه عليه الوطء) (٣)، ومن ادّعى شبهةً واستندت دعواه إلى ظاهر، قُبِلَ قوله (٤). وأما إن قال: علمت أنها حرامٌ، فقد زال الاشتباه، ولا شبهة في الموطوءة ولا في الفعل، فحُدّ. قال: ولا يثبت نسب الولد في الوجهين جميعًا؛ لأنه لا شبهة له في الأمة، وإنما شبهته في الفعل، والشبهة في الفعل تسقط الحدّ ولا تثبت النسب؛ لأن النسب لا يتعلّق بالفعل، وإنما يتعلّق بالمفعول فيه. قال: فإن حضرا جميعًا، فقال أحدهما - أيهما كان -: ظننت أن ذلك حلال لي، درئ عنهما [جميعًا] حتى يقرا جميعًا أنهما قد علما أن ذلك عليهما حرامٌ؛ وذلك لأن أحدهما إذا ادّعى شبهةً خرج فعله من أن يكون زنًا للشبهة، فخرج

стр. 4076

فعل الآخر أن يكون زنًا، وسقط الحدّ عنهما. قال: وإن وطئ جارية أخيه أو أخته، أو ذي [رَحِمِ] مَحْرَمٍ منه غير الولد والوالد والوالدة وولد الولد، حُدَّ وإن قال ظننتُ أنها تحل لي، ولم يُدرأ عنه الحدّ. وكذلك إن وطئ جارية ذات مَحْرَمٍ من امرأته؛ لأنه لا تبسّط له في مال هؤلاء، ولا شبهة في الموطوءة، والشبهة إذا لم توجد في الفعل ولا في المفعول، وجب الحدّ. قال: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا، ثم وطئها، وقال: ظننت أن وَطْئَها يحلّ لي، لم يحدّ، وإن قال: علمت أنها عليّ حرامٌ، حدّ؛ وذلك لأن العدة من أحكام الملك، فيجوز أن يشتبه عليه أن حكم الملك كالملك في إسقاط الحدّ، ومن ادّعى شبهةً استندت إلى ظاهر، قبلت دعواه. وأما إذا قال: علمت أنها عليّ (١) حرام، ولا ملك له فيها، ولا شبهة في الفعل، فوجب الحدّ. ولا يجوز أن يعلّل سقوط الحد؛ باختلاف الناس في وقوع الطلاق الثلاث؛ لأن هذه المسألة لا يسوغ الاجتهاد فيها عندنا، فلا يتعلق بالخلاف فيها حكمٌ؛ ولهذا قالوا: إنه لو وطئها بعد انقضاء العدة، حُدَّ وإن قال ظننت أنها حلال، ولو كان الحكم يتعلق بالخلاف، لم يجب الحدّ. (قال: وإن كان إنما طلقها واحدةً بائنةً، لم يجب عليه الحدّ) (٢) وإن قال

стр. 4077

إنها حرام عليّ؛ لأن السلف اختلفوا في الواحدة البائنة، هل يزيل الملك أو لا؟ والاختلاف في ذلك يوجب اختلافًا في الفعل، هل هو زنّا أو ليس بزنًا؟، فيمنع ذلك من وجوب الحدّ. فإن خالعها أو طلقها بعوضٍ، فينبغي أن تكون كالمطلقة ثلاثًا؛ لأنه لا خلاف في وقوع التحريم، فلم يبق إلا الشبهة التي تعود إلى الفعل. وقال ابن رستم (عن محمد: يُدرأ الحدّ عن هؤلاء الأربعة: من وطئ جارية أمّه أو أبيه أو زوجته، أو كانت رهنًا عنده) (١). إذا وطئ واحد منهم الأمة (٢) وقال: ظننت أنها تحلّ لي، فإن كان عالمًا ضرب الحد ولم يصدق في قوله: ظننت أنها تحلّ لي، وقد بَيّنّا حكم جارية الأب والأم والزوجة. وأما المرهونة، فذكر في كتاب الرهن: إذا قال: ظننت أنها تحل لي لا يحدّ؛ وذلك لأنها محبوسةٌ للاستيفاء كالمبيعة. وذكر في كتاب الحدود: أنه يحدّ وإن قال: ظننت أنها حلالٌ، لأنه لا ملك له فيها ولا حكم ملك، وإنما يثبت له حقّ الاستيفاء، فصار كالغريم إذا وطئ جارية الميت. وقال محمد: إن وطئ جارية ابن ابنه، وابنه حيّ، قال: لا يحد، ولا يثبت النسب؛ وذلك لأن بينهما وِلادًا، فصارت كجارية الابن؛ ولأنه لا يقتص منه

стр. 4078

بقتلها كجارية الابن فأمَّا النسب، فقد قدمناه. قال: وإن وطئ جارية ابنه، وقال: علمت أنها علي حرام، لم يحدّ، وإن ادعى الولد يثبت نسبه، وكانت الجارية أم ولد له، وغرم قيمتها [لابنه]، صدّقه الابن أو كذبه؛ وذلك لأنها على حكم ملكه، فصارت كجاريته، فلا يجب عليه الحدّ وإن علم بتحريمها. فأما ثبوت النسب؛ (فالأصل فيه أن الشبهة في الموطوءة تسقط الحد ويثبت النسب، وقد بينا ثبوت النسب) (١) وأحكام الضمان فيما مضى من كتاب العتاق. قال: وكذلك الجدّ - إن كان الأب ميتًا - لا يحدّد وإن قال علمت أنها عليّ حرامٌ؛ لما بينا. قال: وإذا وطئ الرجل المرأة الأجنبية وقال: ظننتها امرأتي، أو شبّهتها بامرأتي، أو بجاريتي، حدّ؛ وذلك لأنه لا يجوز له أن يطأ بالظنّ، ولا بالاشتباه، حتى يعرفها بكلام أو يخبره مخبرٌ أنها امرأته، فإذا وطئ بغير ذلك لم يكن معذورًا، فحدَّ. وذكر عن إبراهيم أنه قال: لو قبل هذا ما أقيم الحدّ (على واحدٍ) (٢) (٣). قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا وجد في بيته امرأةً، فقال: ظننتها امرأتي، فوقع عليها، كان عليه الحدّ وإن كان أعمى، ليس يُدرأ الحد بهذا، وكذلك قول أبي يوسف؛ وذلك لأن وجود المرأة في بيته وعلى فراشه ليس بشبهةٍ؛ لأنه قد يكون

стр. 4079

في بيته أمّه وأخته والأجنبية، والشبهة إذا لم تستند إلى سبب ظاهرٍ لم يُعتدّ بها. وقال ابن رستم عن محمد: في أعمى دعا امرأته، فقال: يا فلانة، فأجابته غيرها، فوقع عليها، قال: يحدّ، ولو أجابته فقالت: أنا فلانة، فوقع عليها، فإذا هي [غير فلانة، يعني] غير امرأته، فإنه لا يحدّ، ويثبت نسبه (١)، وهي كالمرأة المزفوفة [إلى غير] زوجها (٢)؛ وذلك لأنها إذا أجابت ولم تقل أنا فلانة، لم يحلّ له وطؤها، فلم يكن ذلك شبهةً، وإذا قالت: أنا فلانة، ولا يتوصل الأعمى إلى معرفة امرأته إلا بذلك، فكان ذلك شبهةً. ولو دعا رجل جاريةً له، فأجابته امرأةٌ حرّةً، وهو لا يراها، فقال: ظننتها أمتي، قال: يحدّ أيضًا ولا يصدّق؛ وذلك لأن هذا يتوصّل إلى معرفتها بالمشاهدة، فلم يكن ذلك مغرورًا في وطئها بالجواب. وقال الحسن بن زياد عن زفر: في رجل أعمى دخل بيته، فإذا في فراشه أو في حجلته (٣) امرأة فوقع عليها، ثم قال: ظننت أنها امرأتي، يُدرأ عنه الحدّ، (وعليه عُقر (٤) مثلها بما استحلّ من فرجها. وقال أبو يوسف: لا يعذر بذلك، وعليه الحدّ) (٥).

стр. 4080

قال ابن سماعة: وأخبرني ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنه قال: القياس: أن يدرأ عنه الحد، ولكن أتبع في ذلك ما روي عن عمر ﵁: في رجلٍ كان يواعد جاريةً له، وكان أعمى (١)، وروي ذلك عن أبي حنيفة. والوجه فيه ما بيّنا: أن وجودها على فراشه ليس بشبهة؛ لجواز أن ينام على فراشه غيرها، فلم يعذر [فيه]. وجه قول زفر: أن وجودها على فراشه ظاهر، فصار كمن زفت إليه غير امرأته. فأما المبيعة إذا وطئها البائع، والمتزوج عليها إذا وطئها الزوج؛ فلأنهما على حكم ملكه؛ بدلالة أنهما لو هلكا، هلكا على ملكه؛ ولأن ملك المشتري لم يتم فيهما، وحكم الملك ينفي الحدّ. وأما الجارية المشتركة فقد قدمناه. وأما الجارية المستأجرة [والعارية] والوديعة؛ فإنه يحدّ وإن قال ظننت أنها تحلّ لي؛ لأنه لا شبهة له في الموطوءة ولا في الفعل، فلم يسقط الحدّ إذا لم تستند شبهته إلى ظاهرٍ (٢).

стр. 4081

بَاب الإقرار بالزنا قال أبو الحسن ﵀: إذا جاء الرجل إلى الإمام فأقرّ (١) بالزنا بامرأةٍ بعينها، أو بغير عينها، لم يحدّه الإمام حتى يقرّ أربع مراتٍ في أربع مواطن. قال [الشيخ]: وجملة هذا: أن الإقرار بالزنا لا يتعلّق به الحدّ حتى يقرّ أربع مراتٍ في أربع مجالس مختلفةٍ في مجالس المقِرّ. وقال ابن أبي ليلى: يعتبر أربع مراتٍ في مجلسٍ واحدٍ. وقال الشافعي: يقام الحدّ بإقراره مرةً واحدةً (٢). لنا: ما روي: أن ماعزًا أقرّ عند النبي ﷺ بالزنا، فأعرض عنه، فعاد وأقرّ، فأعرض عنه، فعاد الثالثة فأقرّ، فأعرض عنه، فعاد فأقرّ رابعًا، فقال ﷺ : "الآن أقررت أربعًا، في مَن"؟ (٣)، ولو كان الحدّ يجب بإقراره مرةً واحدةً، لم يؤخره إلى الرابعة، ألا ترى أنه قال ﷺ : "ما ينبغي لوالي حدٍّ أتي في حدٍّ من حدود الله إلا أقامه" (٤)، ولو وجب الحدّ بالإقرار الأوّل، لم يؤخّره.

стр. 4082

ولا يجوز أن يقال: إنه ظنه مجنونًا؛ لأنه كان ثائر الرأس؛ لأنه لو كان ذلك لم يعلّق الحكم بالرابعة، ولعلّقه بظهور حاله. وقد روي أن أبا بكر قال لماعز في الثالثة: (إنك إن أقررت الرابعة رجمك رسول الله ﷺ ) (١)، وهذا لا يُعلم إلا بالتوقيف. وروي عن أبي بريدة أنه قال: (كنا نتحدث بين يدي [أصحاب] رسول الله ﷺ أن ماعزًا لو قعد في بيته بعد المرة الثالثة ولم يقرّ لم يرجمه رسول الله ﷺ (٢)، وهذا يدل على أنهم عرفوا ذلك من شريعته؛ ولأنه سببٌ لثبوت حد الزنا، فاعتبر فيه العدد كالشهادة. ولأن حد الزنا قد اعتبر فيه من التأكيد ما لم يعتبر في غيره من الحدود، ولهذا يعتبر شهادة أربعةٍ، ولا يعتبر ذلك في شيءٍ من الحدود، فجاز أن يتأكد الإقرار فيه بالعدد على الإقرار بسائر الحقوق. فإن قيل: إذا لم يثبت الحد بإقراره مرَّةً، وقد اعترف بالوطء على وجهٍ لم يوجب الحدّ، وجب المهر، والوطء الموجبُ للمهر لا يوجب الحدّ، وهذا كما قلتم: أنّا لو لم نثبت [الحدّ] بالسرقة بإقراره مرّةً، لأوجبنا الضمان بها، وإيجاب الضمان ينافي القطع، فلم يكن إيجابه بالإقرار الثاني. قيل له: لما أقرّ بالزنا، فحكم الإقرار مراعى؛ لأن الزنا لا يوجب المهر، فلم يحكم بوجوب المهر ما دامت المراعاة في الإقرار بالزنا باقيةً؛ فلذلك أوجبناه بالتكرار.

стр. 4083

فأما السرقة، فإن الإقرار بها يُوجب الضمان، وإنما يسقط بالقطع، فلم يكن في إقراره بالسرقة مع المراعاة ما يمنعُ من الحكم بالضمان. وإنما اعتبر أصحابنا أربع مرات في أربع مجالس، خلاف ما قال ابن أبي ليلى؛ لأن ماعزًا لما أقرّ عند النبي ﷺ أعرض عنه، فخرج من المسجد، ثم عاد فأقرّ، حتى أقرّ أربع مرات، يخرج في كلّ مرةٍ. وقد روي أنه أقرّ خمس مراتٍ (١)، ولا وجه يحمل عليه ذلك، إلا أنه أقرّ مرتين في مجلس، فجعلا مرةً واحدةً. ولأن الإقرار إذا تكرر في مجلس واحدٍ، فهو كإقرار واحد، والدليل عليه: من أقرّ بدينٍ ثم بدينٍ في مجلس، لم يجعل كلّ واحدٍ من الدينين غير الآخر. قال: وينبغي للإمام أن يزجره عن الإقرار، ويظهر له كراهة ذلك، (ويأمر بتنحيته عنه، فإن عاد ثانيةً فعل به مثل ذلك، فإن عاد ثالثة، فعل مثل ذلك) (٢)؛ وذلك لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: (اطرد المعترفين) (٣)، يعني في الزنا. وروي أن النبي ﵊، طرد ماعز بن مالك؛ ولأن النبي ﷺ لَقَّنَ المقرّ بالسرقة الرجوع، فقال: "ما أخاله سَرق" (٤)، [وإنما كان] (٥) مأمورًا بتلقينه الرجوع، وزجره، وأظهر له كراهة الإقرار ليرجع.

стр. 4084

قال: وإذا أقرّ الرابعة، وقد فعل الإمام ما وصفت لك، نُظر في حاله، هل هو صحيحُ العقل ممن يجوز إقراره على نفسهِ؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال لماعز: "أَبِكَ خَبَلٌ" (١)، وبعث إلى قومه فسألهم عنه، وهذا يدلّ على أن الإقرار بالزنا يتأكد على الإقرار بغيره باختبار حال المقِرّ في الباطن. قال: وإذا عرف صحة عقله، سأله عن الزنا، ما هو؟ وكيف زني؟ وقد قال أصحابنا: إنه يسأله عن الزنا، فيقول: ما الزنا؟ وكيف زنيتَ؟ وبمن زنيتَ؟ وأين زنيتَ؟. أما المسألة عن الزنا؛ فلأن النبي ﷺ قال لماعز: "لعلك لمستَ، لعلك قبلت، لعلك باشرت" (٢)، فلما ذكر له ماعز النون والكاف، قَبلَ إِقرارَه. ولأن الإنسان قد يظن أن الفعل المحرم زنا، وقد قال ﷺ : "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ثم يحقق ذلك الفرج" (٣)، فدلّ على أن الزنا قد يُعبّر به عن غير (٤) الفعل [المخصوص]؛ ولهذا يُسأل المقِرّ عنه احتياطًا. وأما قوله: كيف زنيت؛ فلأنه يجوز أن يكون وطئ فيما دون الفرج، أو في موضع غير الفرج، فوجب أن يُستفسر [عن ذلك]. وأما سؤاله عن المزني بها؛ فلأن النبي ﷺ قال لماعز: "الآن أقررت أربعًا،

стр. 4085

فبِمَنْ؟ "؛ ولأنه يجوز أن يكون وطئ من لا يجب الحدّ بوطئها، كجارية الابن والجارية المشتركة (١)، فوجب أن يسأله القاضي ليعلم أن المزنيّ بها ممّن يتعلّق بوطئها حدٌّ. وأمَّا قوله: أين زنيت، فلأنه يجوز أن يكون زنى في دار الحرب، فلا يقيم الإمام عليه الحدّ. وقد قالوا: إنه لا يسأله في الإقرار: متى زنيت؟ وإنما يسأل الشهودَ عن ذلك؛ لأن تقادمَ الزنا يمنع من قبول الشهادة، ولا يمنع من قبول الإقرار. ويجوز أن يقال: إنه يسأله متى زنيت؟؛ لجواز أن يكون زنى في حال الصغر. قال: فإذا بيّن ذلك، سأله: أمُحصَنٌ هو أو غير مُحصَنٍ؟ فإن قال: إنه مُحصَنٌ، سأله عن الإحصان ما هو؟ فإن وصف الإحصان على شرائطه حكم بأنه مُحصَن، وأمر برجمه؛ وذلك لأن حد الزنا يختلف بالمُحصَن وغير المُحصَن، فوجب أن يسأله ذلك حتى يعلم الواجب عليه ما هو، فإذا أقرّ بالإحصان، استفسره؛ لأن شرائط الإحصان مختلفٌ فيها، فيجوز أن يعتقد المقِرّ ما لا يعتقده الحاكم؛ فلذلك يُسأل عنه، فإذا بيّنه (٢) قُبِلَ إقراره؛ لأنه يجوز إقراره بالزنا، فكذلك يجوز إقراره بالإحصان الذي هو من شرائط الرجم. وقد قال محمد في الأصل: إن المقِرّ إذا قال (٣): لست بمُحصَنٍ، فشهد عليه الشهود بالإحصان، رجمه الإمام، ولا يكون هذا كالرجوع؛ لأنه مقيم على

стр. 4086

إقراره بالزنا، وقد ثبت إحصانه بالبيّنة، فقوله: لست بمُحصَن، ليس برجوع عن الإقرار، وإنما هو إخبارٌ عن سقوط الرجم عنه، فصار كالمقِرّ بالزنا إذا قال: لا حدّ عليّ، لم يكن ذلك رجوعًا (١). وقد قالوا: [إنه] إذا أقرّ أربع مراتٍ في مجلسٍ واحدٍ، للقاضي رجمه؛ وذلك لأن ماعزًا تردّد إلى النبي ﷺ في الإقرار، والنبي ﷺ جالسٌ في مكانه، فدلّ على أن المعتبر بمجلس المقِرّ، لا بمجلس الحاكم. و [قد] قال الحسن في روايته: إذا أقرّ أنه زنى بامرأةٍ غائبةٍ، أقام عليه الحدّ، وهذا استحسانٌ، والقياس: أن لا يقام عليه الحدّ حتى تحضر؛ لأنه يجوز تحضر فتدّعي شبهةً تُسقط الحدّ عنه، فلم يجز إقامة الحد عليه مع الشبهة. وجه الاستحسان: أن ماعزًا لما أقرّ بالزنا بأمةٍ لآل فلان، رجمه رسول الله ﷺ قبل إحضارها، وقال في قصة العسيف: "واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٢)، وهذا بعد قوله: "أما على ابنك، فجلدُ مائة"، فدلّ على أن حدّ المقر لا يقف على اعتراف المرأة. ولأن الحدّ قد وجب بإقراره، وجواز أن تحضر فتدعي شبهةً كجواز أن يرجع المقِرّ، أو يدعي شبهةً في الثاني، وجواز ذلك لا يمنع من إقامة الحدّ. قال الحسن: ويقيم عليه الحدّ إذا أقرّ في مجلس القاضي قبل أن يقوم، أو في مجالس، أو أقرّ كلّ يومٍ، أو كلّ شهرٍ مرةً، وصحّ ذلك عند القاضي، وقد تقادم الزنا الذي أقرّ به أو لم يتقادم، فهو سواءٌ، كأن أتى عليه منذ زنى إلى أن

стр. 4087

أقرّ شهرٌ أو أيامٌ، أقام عليه الحدّ؛ وذلك لأن المعتبر اختلاف مجالس المقِرّ دون الحاكم. وإذا أقرّ في مجلسٍ واحدٍ للحاكم، أو في مجالس مختلفةٍ، فهو سواءٌ، ولا فرق بين التقادم في الإقرار وغير التقادم؛ وذلك لأن التقادم إنما يؤثر في الشهادة للتهمة، ألا ترى أن الظاهر من الشهود أنهم اختاروا الستر، فلما شهدوا بعد حين، فقد هيجهم أمرٌ أوجب تهمةً في شهادتهم، وهذا لا يوجدُ في المقرّ؛ لأنه لا يُتّهَمُ على نفسه؛ فلذلك قُبل إقراره وإن تقادم. وقد قال زفر: إن الإقرار بالزنا لا يقبل بعد حينٍ؛ لأنه أحد سببي الحدّ، كالشهادة. وقال محمد في الإملاء [في] رواية الكيساني: قال أبو حنيفة: إذا أقرّ الرجل بالزنا أربع مراتٍ في مجالس متفرقةٍ، والمجالس المتفرقة عنده: أن يذهب المقرّ حتى لا يراه ولا يكون معه في المجلس، ثم يجيء فيقرّ إقرارًا مستقبلًا، فهذا إذا أقرّ هكذا أربع مرات، أقام عليه الحدّ ما لم يرجع. وإن أقر أربع مراتٍ في مجلس واحدٍ، فإنما هذه مرةٌ واحدةٌ، ولا خلاف بين أصحابنا في هذه الجملة، وهذا على ما بيّنا. فأما الإقرار بغير الزنا: فعند أبي حنيفة ومحمد يعتبر فيه مرة واحدة. وقال أبو يوسف: كلّ ما يسقط بالرجوع، فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود. وجه قولهما (١): أنه حقٌّ يثبت بشهادة شاهدين، فيثبت بإقراره مرةً كالديون.

стр. 4088

لأبي يوسف (١): أنه حدٌّ، فاعتبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهود، كحدّ الزنا. قال: وإذا كان إقرارُ الزاني بالزنا (٢) عند غير الإمام، أو عند من لم يجعل إليه إقامة الحدود، لم يحدّ بذلك الإقرار وإن شهد عليه الشهود أنه أقرّ بذلك في أربع مواطن مختلفةٍ، فلا يحد إلا بإقراره عند من يقيم الحدود، وهو قولهم جميعًا؛ وذلك لأن الشهود إذا شهدوا عليه، لم يخل من أن يكون مقرًا أو جاحدًا، فإن كان مقرًا، فلا معنى للشهادة مع الإقرار، وإن كان جاحدًا، فجحوده رجوع عن الإقرار، فلا معنى للحكم به. قال: فإن رجع المقرّ عن الإقرار بعد الحكم أو قبله، أو رجع بعد الرجم إذا كان محصنًا، أو جلد بعض الجلد إذا كان بكرًا، فإنّ الحدّ يُدرأ عنه؛ وذلك لأن النبي ﷺ ، لقّن المقرّ الرجوع، فقال لماعز: "لعلك لمست، لعلك قَبَّلت" (٣)، وقال للسارق: "ما أخاله سرق" (٤)، فلو لم يقبل رجوعهم، لم يكن لتلقينهم الرجوع معنى. وروي أن ماعزًا لما مسّه حرّ الحجارة، هرب، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "هلا خليتم سبيله" (٥)، فجعل الهرب الدالّ على الرجوع مسقطًا للحدّ؛ فلأن يسقطه تصريح الرجوع أولى (٦).

стр. 4089

قال وممَّا يُلحقُ بهذا الباب: ما ذكره محمد في الأصل: أن الذمي إذا أقرّ بالزنا حُدّ، وقال مالكٌ: لا يحدّ. لنا: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]؛ ولأن النبي ﵊ رجم اليهوديين (١)؛ ولأنه غير مقر على سببه [كالمسلم]. وليس كذلك حدّ الشرب؛ لأنا أقررناهم على سببه بعقد الأمان. ٢٦٥٧ - [فَصل: إقرار العبد بالزنا] وقال: في العبد يقر بالزنا أربع مراتٍ، يحدّ. وقال زفر: لا يحدّ إذا كذبه المولى. وقال الطحاوي: لم يوافق زفر على هذا القول إلا عمرو بن دينار. لنا: أن كلّ ما لا يملكه المولى من عبده - وهو مما يُملَك - فإن العبد يملكه [من نفسه] كالطلاق، وعكسه الإقرار بالدين؛ ولأن العبد لا يُتّهم على نفسه في الحدود؛ لما في ذلك من إلحاق (٢) الضرر به، وإذا لم يتّهم نفذ إقراره كالحرّ. وجه قول زفر: أن إقرار العبد يتعلّق به إتلاف رقبته، وهي حقّ المولى، وإقراره في حق المولى لا يُقبل، كما لا يقبل إقراره بالدين. و [قد] قالوا في الأخرس إذا أقرَّ بالزنا أربع مرات في كتاب كتبه، أو إشارةٍ

стр. 4090

أشار بها، فإنه يحدّ؛ لأن الإشارة قائمةٌ مقام الكلام، كالكتابة التي تقوم مقام الصريح، وكالشهادة على الشهادة؛ ولأن الأخرس أكثر أحواله أن يشير إلى وطءٍ محرمٍ، فصار كالصحيح إذا قال: وطئت وطئًا حرامًا. وقد قالوا في الشهود إذا شهدوا على الأخرس بالزنا: لم تقبل شهادتهم؛ لأنه لا يَسمع ما يشهدون به عليه، فصار كالغائب؛ ولأنه يجوز أن يكون لو قدر على الكلام لادّعى شبهةً، وعجزه عن الكلام يمنع من ذلك، فلم يجز إقامة الحدّ عليه مع الشبهة. (وقالوا: في الأعمى إذا أقرّ بالزنا، حُدّ؛ لأنه لا شبهة في إقراره فصار كالصحيح) (١). والذي يجنّ ويفيق، إذا أقرّ بالزنا في حال إفاقته مثل الصحيح، وكذلك إذا شهد عليه؛ لأنه مكلّفٌ (٢) في حال إفاقته، لا شبهة في إقراره. والمجنون إذا أقر بالزنا، أو شهد عليه [به]، لم يحدّ؛ لأن المجنون لا يكون منه الزنا، فكأنه أقرّ بالمباشرة. و [أما] الخصِيّ إذا أقر أو شهد عليه، حُدّ؛ لأن الخصيّ يجامع كما يجامع غيره، وإنما لا ينزل، فصار كغير الخصيّ إذا قال وطئت ولم أنزل. والعِنّيْن إذا أقرّ بالزنا، حُدّ، لأن الآلة باقية، ويجوز أن يكون وطئ (٣).

стр. 4091

بَاب كيف يقامُ الحدُّ؟ قال أبو حنيفة وزفر ومحمد: إذا شهد الشهودُ على الرَّجل بالزِّنا وهو مُحصَنٌ، فإن الإمام يأمر الشهودَ أن يرجموا، فإذا رجموا رجم الإمام بعدهم، ثم الناس. وقال الشافعي: بداية الشهود بالرجم ليس بشرطٍ (١). لنا ما روي أن شراحة الهمدانية لما أقرت عند عليٍّ رضوان الله عليه بالزنا، خطَب فقال: الرجم رجمان، رجم سرٍّ، ورجم [علانية] (٢)، فرجم العلانية: أن يشهد على المرأة ما في بطنها، ورجم السرّ: أن يشهد الشهود فيرجمها الشهود، ثم الإمام، ثم الناس (٣). ولأن بداية الشهود فيها ضربٌ من الاحتياط، ألا ترى أنهم إن كانوا كذبوا جاز أن يستعظموا حرمة النفس، ورجعوا عن الشهادة، والرجم قد اعتبر فيه الاحتياط. قال: ولا ينبغي أن يُربط المرجوم، و [لا] يُمسك، ولا يحفر له إذا كان رجلًا، ولكنه يقام قائمًا، فينصب للناس، ثم يرجم. وإن كانت امرأة: فإن شاء حفر، وإن شاء لم يحفر، كلّ ذلك حسنٌ، هكذا

стр. 4092

في الأصل (١). وذلك لأن الربط والإمساك زيادة لا يحتاج إليه في إقامة الحدّ، فصار كالضرب والقيد، فأما الحفر فقد أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز ولم يحفر له، ألا ترى أنه هربَ، ولو كان حفر له لم يستطع أن يهرب. وأما المرأة، فيجوز أن يحفر لها؛ لأن النبي ﷺ حفر لليهوديين، وروي أنه حفر للغامدية حفرةً إلى ثَندوتها (٢)، وأخذ حصاة مثل الحمصة فرمى بها وقال: "ارموا واتقوا الوجه"، فلما طفئت أخرجها وصلى عليها، ثم قال: "لقد تابت توبةً لو قسمت على أهل الحجاز لوسعتهم" (٣)؛ ولأنه أستر لها، ولأن ترك الحفر جاز؛ لأنها مستورةٌ بثيابها. قال: فإن امتنع الشهود أو بعضهم، أو كانوا غيبًا، أو ماتوا، أو مات بعضهم، أو عمي، أو خرس، أو جُنَّ، أو غاب، أو ارتَدَّ، أو قذف، فضرب الحدّ، لم يرجم المشهود عليه في قول أبي حنيفة، وهي رواية محمد عن أبي يوسف. وروى ابن سماعة عن محمد بن شجاع، عن الحسن، عن أبي يوسف: في الشهود إذا امتنعوا، أو امتنع بعضهم، أو غابوا، رجم الإمام، ثم الناس. لأبي حنيفة ومحمد (٤): أن بداية الشهود شرطٌ، فإذا امتنعوا من غير عذرٍ، صار ذلك شبهةً، لجواز أن يكونوا عرفوا أن الحدّ ليس بمستحَقٍّ، فلم يجز إقامة

стр. 4093

الحدّ مع الشبهة. وأما إذا ماتوا، فيجوز أن يكون لو كانوا أحياءً لامتنعوا من الرجم، فيسقط الحدّ، فلم يجز استيفاؤه مع التجويز. لأبي يوسف (١): أنه حدٌّ، فلا يشترط فيه مباشرة الشهود للاستيفاء، كالجلد. والجواب: أن الجلد لا يحسنه كلّ الناس، فلو أوقفناه على فعل الشهود لسقط، والرجم يُحسنه كلّ أحدٍ، فلم يكن في تعليقه بالشهود إبطاله. (وقال عمرو عن محمد: إذا جُنّوا) (٢)، أو ارتدّوا، أو ضُربوا حدَّ القذف، سقطت شهادتهم؛ لأن الطارئ على الحدود قبل الاستيفاء بمنزلة الموجود في الابتداء، بدلالة رجوع المقرّ، فصَار كأنهم شهدوا على هذه الصفة، فلم يثبت الحد بشهادتهم. ولأن الحدود يؤثر فيها الشُّبه، فلو اعتبرنا فيها حال الشهادة (ولم نوقفها) (٣) على الاستيفاء، لسوّينا بين الحدود والأموال، وهذا لا يصحّ. وقال عمرو عن محمد: في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، وهم مقطوعو الأيدي، أو مرضى لا يستطيعون أن يرموا، فإن الإمام يرمي ويأمر الناس أن يرموا. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا أصاب الشهودَ مرضٌ لم يقدروا معه على الرجم من أجل ذلك، فإنه يُرجَم في قوله وقول أبي حنيفة؛ وذلك لأن

стр. 4094

الامتناع إذا كان لعذرٍ ظاهر، زالت التهمة، فلم يجز أن يشترط فعلهم مع التعذّر. وليس كذلك الموت؛ لأنه يجوز أن يكون لو عرض عليهم الرمي امتنعوا منه، فلذلك كان شبهةً. ولا بأس لكلّ من رمى من الناس أن يتعمّدَ مقتله، (إلا أن يكون في القوم ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ من المرجوم، فإنه لا يستحب له أن يتعمّد مقتله) (١)، ويولي ذلك غيره؛ لما روي أن حنظلة بن أبي عامر استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه، وكان كافرًا، فمنعه من ذلك، وقال: "دعه يقتله (٢) غيرك" (٣)؛ ولأنه مأمورٌ بصلة رحمه، فلم يجز أن يتعمّد قتله؛ لما في ذلك من قطع الرحم من غير حاجةٍ. قال: وإذا كان المشهود عليه غير مُحصَن، فإن بشرًا قال عن أبي يوسف: حدثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: يُضرب الزاني والشارب في إزار، والقاذف وعليه ثيابه، إلا أن يكون عليه فروٌ أو حشوٌ. وقال أبو حنيفة: ويضرب في التعزير بإزار. وروى أبو يوسف عن مطرف، عن الشعبي قال: يضرب القاذف في ثيابه، إلا أن يكون عليه فروٌ أو حشوٌ فينزع. والأصل في هذا: أن التعزير عندنا أشدّ الضرب، ثم الجلد في الزنا، ثم في الشرب، ثم في القذف. فأما التعزير، فالمقصود به الزجر، ولا يمكن الزيادة في عدده، فلا بدّ من

стр. 4095

الزيادة في صفته. وأما الزنا؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وأما الشرب؛ فلأنه يتعلّق بسببٍ متيقَّنٍ، والقذف يتعلّق بسببٍ غير متيقَّنٍ، فكان أخفّ منه. فإذا ثبت هذا، قالوا: يجرد في التعزير وحدّ الزنا؛ لأن ذلك أبلغ في وصول الألم إليه، والمعتبر فيه وصول الألم. فأما حدّ الشرب فيجرّد في الرواية المشهورة، وروى ابن رستم، عن محمد: أن الشارب لا يجرَّد. لنا: أن حدّ (١) الشرب يتعلّق بسببٍ متيقَّن كحدّ الزنا. لمحمد: أن حدّ الشارب كان في زمن رسول الله ﷺ بالجريد والنعال، ثم نقل إلى السوط في زمن عمر؛ ولهذا قال علي رضوان الله عليه: ما من رجل أقمت عليه حدًا من حدود الله فمات، فأحببت أن أديه، إلا شارب الخمر، فإنه شيء فعلناه برأينا. وإذا خفّ حكمه، حلّ محلّ القذف، إلا أنه ينزع في حدّ القذف الحشو والفرو؛ وذلك لأنه يمنع من وصول الألم إليه، والمقصود من الحدّ الألم. فأما المرأة، فلا ينزع عنها ثيابها في سائر الحدود، إلا الحشو والفرو؛ لأن بدنها عورةٌ، فحلّ محلّ عورة الرجل، فلا يجوز كشفها. وقال أبو حنيفة: الحدّ في الأعضاء كلّها، ما خلا الفرج والوجه والرأس،

стр. 4096

وقال أبو يوسف: يتقي الوجه والفرج والبطن (١) والصدر، ويضرب الرأس والكتفين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين؛ وذلك لأن في تفريق الضرب تخفيفًا على المضروب، وإذا جمع في مكانٍ واحدٍ لم يؤمن أن يؤدي إلى التلف، وهذا غير مُستَحقٍّ بالحدّ، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يحسم السارق لمّا قطعه (٢)؛ حتى لا يؤدي إلى التلف الذي ليس بمُستَحقٍّ؛ ولأنه يجب أن يدخل الألم على كلّ عضوٍ كما وصلت إليه اللذة. إلا أنه يتقي الأعضاء الذي لا يؤمن منها التلف، أو تلف ما ليس بمستحق، فالرأس مقتلٌ، والوجه مكان البصر والشمّ، والمذاكير مقتلٌ، والصدر والبطن مقتلٌ، فينبغي أن يتقي ذلك. وقد روي عن عمر [بن الخطاب]﵁ أنه قال للجلاد: اتق الرأس والوجه (٣). لأبي يوسف: أن الرأس إذا ضرب سوطًا أو سوطين يخشى منه التلف، فصار كسائر الأعضاء. قال: ولا يفرق التعزير على الأعضاء؛ لما بيّنا: أن المقصود منه زيادة الألم، فكان جمعه أولى من تفريقه. (وقال أبو حنيفة: لا يبلغ التعزير في الحر والعبد والمرأة أربعين سوطًا) (٤). وقال أبو يوسف: وكان ابن أبي ليلى يضرب في التعزير خمسةً وسبعين،

стр. 4097

ولا أحفظ عنه تعزير العبد. قال بِشْرٌ: وقال أبو يوسف: في التعزير على قدر عِظَمِ الجرم وصغره، وعلى قدْر (١) ما يرى الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقلّ من ثمانين. وجه قولهما: قوله ﷺ : "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين" (٢)، والأربعون حدٌّ في العبد، فلا يبلغ إليها في التعزير؛ ولأنه حدٌّ بنفسه، فلا يستوفى على وجه التعزير كالقطع. لأبي يوسف: ما روي عن عليّ رضوان الله عليه أنه قال: في التعزير خمسة وسبعين (٣)، قال أبو يوسف: فقلدته (٤) في نقصان الخمس، واعتبرت أدنى الحدود. وقد روي عنه أنه قال: أقربُ كلّ نوعٍ في بابه، وأقربُ التعزير في اللمس والقبلة من حدّ الزنا، والقذف بغير الزنا من حدّ القذف؛ ليكون إلحاق كلّ نوعٍ ببابه. قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة تضرب المرأة الحدّ وهي قاعدة، ولا ينزع عن المرأة شيءٌ من ثيابها. قال أبو يوسف: وإن لبست [ما لا تلبس النساء] (٥)، ينزع عنها تلك الفضول، وإنما ضُربَت قاعدةً؛ لأن ذلك أستر لها، فأما فضول اللباس التي لم

стр. 4098

العادة بها، فإنها تمنع من وصول الألم، فصارت كالحشو. قال: ولا يقام حدٌّ في مسجد عند أصحابنا جميعًا؛ لحديث حكيم بن حزام قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يستقاد في المساجد، أو ينشد فيها الأشعار، أو تقام فيها الحدّ" (١). وروى طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد" (٢)؛ لأنه لا يؤمن أن ينفصل من المحدود نجاسةٌ، وقد قال ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" (٣)؛ لأن الصبي لا يؤمن منه تلويث المسجد. فإذا ثبت أنه لا يقام الحد في المسجد؛ جاز للإمام أن يخرج المحدود إلى باب المسجد فيأمر بجلده وهو يشاهده؛ لأن ذلك إقامة حدٍّ في غير المسجد، وإن شاء بعث بأمين وأمرَه أن يقيم الحدّ؛ لأن النبي ﷺ قال: "واعد يا أنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٤). قال: ولا يقام على مريضٍ حتى يبرأ؛ وذلك لأنا لو ضربناه لم نأمن أن يؤدّي ضربه إلى التلف، وذلك غير مُستحقٍّ بالجلد؛ ولهذا لا يجلد في الحر الشديد و [لا في] البرد الشديد؛ ولذلك لا يقام الحد على حامل حتى تضع؛ لأنه يؤدي إلى إتلاف حملها وذلك غير مستحَقٍّ، ولا نفساء حتى تتعالى من نفاسها؛

стр. 4099

وذلك لأن النفاس مرضٌ، فهو كسائر الأمراض وروي أن الغامدية لما أقرت بالزنا وهي حاملٌ، قال لها النبي ﷺ : "اذهبي حتى تضعي" (١)، وقد روي أن النبي ﷺ [بعث عليًا] يحدّ أمةً، فرأى منها آثار الدم، فرجع ولم يحدّها، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فلم ينكره (٢). قالوا: وتحدُّ الحائض في حال حيضها؛ لأن الحيض ليس بمرضٍ، فهي كالصحيحة. فأما حدّ [الرجم] (٣)، فيقام في كلّ حالٍ، إلا على الحامل؛ لأن المقصود منه التلف، فلا معنى لتخصيص الأحوال. فأما الحامل فلا ترجم؛ لأن إتلاف ولدها غير مستحقٍّ، وروي أن عمر ﵁ همّ برجم حامل فقال له علي: إن يك لك عليها سبيلٌ، فلا سبيل لك على ما في بطنها (٤)، والذي روي (أن النبي ﷺ حد مريضًا بعثكال) (٥)، فيجوز أن يكون مريضًا آيسًا من صحته، فطهره بإقامة الحدّ عليه على هذه الصفة؛ لأنه يألم بها كما يألم الصحيح بالسوط.

стр. 4100

وقال الحسن عن أبي حنيفة: في القاذف ينزع عنه الفرو والحشو، وإن كان عليه قميص أو قميصان أو جبةٌ مبطنةٌ، ضرب عليها؛ وذلك لأن هذا هو اللبس المعتاد. قال: ويُلْقى عنه الرداء؛ لأن ذلك يلتف على السوط، فيمنع من الضرب. قال: وينبغي للقاضي أن يأمر الجلاد أن لا يضرب (بسوطٍ له ثمرةٌ، ويأمر بثمرته فتقطع؛ لأن الثمرة إذا ضرب بها صار كلّ ضربة) (١) ضربتين، وهذا لا يجوز. قال: وينبغي أن يقيم الحدود رجلٌ يعقل ويبصر كيف يضرب، ويأمره أن يضرب ضربًا بين الضربين، ليس بالضرب المُبَرِّح، ولا بالضرب الذي لا يوجد له مسٌّ؛ وذلك لأن من لا يُبصر الضرب، يقتل بضربه، والقتل ليس بمستحقٍّ، وإنما الضرب الوسط؛ لأن النبي ﷺ أمر الجلاد أن لا يُبين إبطه (٢)؛ ولأن الضرب المُبَرِّح يؤدّي إلى التلف، والخفيف لا يؤلم، فاعتبر الوسط. وقال في المُجَرَّد في المرجوم: إن الناس يتعمّدون مقتله؛ لأن المقصود برجمه القتل، فما كان أسرع، كان أولى، وروي أن عليًا رضوان الله عليه لما رجم الغامدية، اعتمد أصل أذنها بالرمي (٣). قال: وإذا قتله دفعه إلى أهله، فيغسّلونه ويكفّنونه ويصلون عليه، ويدفنونه، لما روي أن النبيّ ﵇ قال في ماعز: "اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم" (٤)،
следующие страницы →