← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وقال أبو يوسف: يتقي الوجه والفرج والبطن (١) والصدر، ويضرب الرأس والكتفين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين؛ وذلك لأن في تفريق الضرب تخفيفًا على المضروب، وإذا جمع في مكانٍ واحدٍ لم يؤمن أن يؤدي إلى التلف، وهذا غير مُستَحقٍّ بالحدّ، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يحسم السارق لمّا قطعه (٢)؛ حتى لا يؤدي إلى التلف الذي ليس بمُستَحقٍّ؛ ولأنه يجب أن يدخل الألم على كلّ عضوٍ كما وصلت إليه اللذة. إلا أنه يتقي الأعضاء الذي لا يؤمن منها التلف، أو تلف ما ليس بمستحق، فالرأس مقتلٌ، والوجه مكان البصر والشمّ، والمذاكير مقتلٌ، والصدر والبطن مقتلٌ، فينبغي أن يتقي ذلك. وقد روي عن عمر [بن الخطاب]﵁ أنه قال للجلاد: اتق الرأس والوجه (٣). لأبي يوسف: أن الرأس إذا ضرب سوطًا أو سوطين يخشى منه التلف، فصار كسائر الأعضاء. قال: ولا يفرق التعزير على الأعضاء؛ لما بيّنا: أن المقصود منه زيادة الألم، فكان جمعه أولى من تفريقه. (وقال أبو حنيفة: لا يبلغ التعزير في الحر والعبد والمرأة أربعين سوطًا) (٤). وقال أبو يوسف: وكان ابن أبي ليلى يضرب في التعزير خمسةً وسبعين،

стр. 4097

ولا أحفظ عنه تعزير العبد. قال بِشْرٌ: وقال أبو يوسف: في التعزير على قدر عِظَمِ الجرم وصغره، وعلى قدْر (١) ما يرى الحاكم من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقلّ من ثمانين. وجه قولهما: قوله ﷺ : "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين" (٢)، والأربعون حدٌّ في العبد، فلا يبلغ إليها في التعزير؛ ولأنه حدٌّ بنفسه، فلا يستوفى على وجه التعزير كالقطع. لأبي يوسف: ما روي عن عليّ رضوان الله عليه أنه قال: في التعزير خمسة وسبعين (٣)، قال أبو يوسف: فقلدته (٤) في نقصان الخمس، واعتبرت أدنى الحدود. وقد روي عنه أنه قال: أقربُ كلّ نوعٍ في بابه، وأقربُ التعزير في اللمس والقبلة من حدّ الزنا، والقذف بغير الزنا من حدّ القذف؛ ليكون إلحاق كلّ نوعٍ ببابه. قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة تضرب المرأة الحدّ وهي قاعدة، ولا ينزع عن المرأة شيءٌ من ثيابها. قال أبو يوسف: وإن لبست [ما لا تلبس النساء] (٥)، ينزع عنها تلك الفضول، وإنما ضُربَت قاعدةً؛ لأن ذلك أستر لها، فأما فضول اللباس التي لم

стр. 4098

العادة بها، فإنها تمنع من وصول الألم، فصارت كالحشو. قال: ولا يقام حدٌّ في مسجد عند أصحابنا جميعًا؛ لحديث حكيم بن حزام قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يستقاد في المساجد، أو ينشد فيها الأشعار، أو تقام فيها الحدّ" (١). وروى طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقام الحدود في المساجد" (٢)؛ لأنه لا يؤمن أن ينفصل من المحدود نجاسةٌ، وقد قال ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" (٣)؛ لأن الصبي لا يؤمن منه تلويث المسجد. فإذا ثبت أنه لا يقام الحد في المسجد؛ جاز للإمام أن يخرج المحدود إلى باب المسجد فيأمر بجلده وهو يشاهده؛ لأن ذلك إقامة حدٍّ في غير المسجد، وإن شاء بعث بأمين وأمرَه أن يقيم الحدّ؛ لأن النبي ﷺ قال: "واعد يا أنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٤). قال: ولا يقام على مريضٍ حتى يبرأ؛ وذلك لأنا لو ضربناه لم نأمن أن يؤدّي ضربه إلى التلف، وذلك غير مُستحقٍّ بالجلد؛ ولهذا لا يجلد في الحر الشديد و [لا في] البرد الشديد؛ ولذلك لا يقام الحد على حامل حتى تضع؛ لأنه يؤدي إلى إتلاف حملها وذلك غير مستحَقٍّ، ولا نفساء حتى تتعالى من نفاسها؛

стр. 4099

وذلك لأن النفاس مرضٌ، فهو كسائر الأمراض وروي أن الغامدية لما أقرت بالزنا وهي حاملٌ، قال لها النبي ﷺ : "اذهبي حتى تضعي" (١)، وقد روي أن النبي ﷺ [بعث عليًا] يحدّ أمةً، فرأى منها آثار الدم، فرجع ولم يحدّها، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فلم ينكره (٢). قالوا: وتحدُّ الحائض في حال حيضها؛ لأن الحيض ليس بمرضٍ، فهي كالصحيحة. فأما حدّ [الرجم] (٣)، فيقام في كلّ حالٍ، إلا على الحامل؛ لأن المقصود منه التلف، فلا معنى لتخصيص الأحوال. فأما الحامل فلا ترجم؛ لأن إتلاف ولدها غير مستحقٍّ، وروي أن عمر ﵁ همّ برجم حامل فقال له علي: إن يك لك عليها سبيلٌ، فلا سبيل لك على ما في بطنها (٤)، والذي روي (أن النبي ﷺ حد مريضًا بعثكال) (٥)، فيجوز أن يكون مريضًا آيسًا من صحته، فطهره بإقامة الحدّ عليه على هذه الصفة؛ لأنه يألم بها كما يألم الصحيح بالسوط.

стр. 4100

وقال الحسن عن أبي حنيفة: في القاذف ينزع عنه الفرو والحشو، وإن كان عليه قميص أو قميصان أو جبةٌ مبطنةٌ، ضرب عليها؛ وذلك لأن هذا هو اللبس المعتاد. قال: ويُلْقى عنه الرداء؛ لأن ذلك يلتف على السوط، فيمنع من الضرب. قال: وينبغي للقاضي أن يأمر الجلاد أن لا يضرب (بسوطٍ له ثمرةٌ، ويأمر بثمرته فتقطع؛ لأن الثمرة إذا ضرب بها صار كلّ ضربة) (١) ضربتين، وهذا لا يجوز. قال: وينبغي أن يقيم الحدود رجلٌ يعقل ويبصر كيف يضرب، ويأمره أن يضرب ضربًا بين الضربين، ليس بالضرب المُبَرِّح، ولا بالضرب الذي لا يوجد له مسٌّ؛ وذلك لأن من لا يُبصر الضرب، يقتل بضربه، والقتل ليس بمستحقٍّ، وإنما الضرب الوسط؛ لأن النبي ﷺ أمر الجلاد أن لا يُبين إبطه (٢)؛ ولأن الضرب المُبَرِّح يؤدّي إلى التلف، والخفيف لا يؤلم، فاعتبر الوسط. وقال في المُجَرَّد في المرجوم: إن الناس يتعمّدون مقتله؛ لأن المقصود برجمه القتل، فما كان أسرع، كان أولى، وروي أن عليًا رضوان الله عليه لما رجم الغامدية، اعتمد أصل أذنها بالرمي (٣). قال: وإذا قتله دفعه إلى أهله، فيغسّلونه ويكفّنونه ويصلون عليه، ويدفنونه، لما روي أن النبيّ ﵇ قال في ماعز: "اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم" (٤)،

стр. 4101

رواه محمد في الأصل (١). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لقد تاب توبةً لو تابها صاحبُ [مكسٍ] (٢) لغفر له، وقد رأيته ينغمس في أنهار الجنة" (٣)، وروي أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال في ماعز: لم تدعه نفسه حتى جاء واعترف بالزنا، وقُتل كما قتل الكلب، فسكت النبي ﷺ حتى مروا بموضع فيه حمار ميّت شائل الرجل، فقال النبي ﷺ : "انزلا وكلا"، فقالا: لا يا رسول الله إنه ميّت، فقال ﷺ : "ما تناولتما من أخيكما أعظم من هذا" (٤). [قال: فإن أمر برجمه، فقال: لم أزن، خلى سبيله، وإن لم يقل، وهرب، لم يعرض له، وقد بينا ذلك]. قال: ولو ثبت على الزنا ورجع عن الإحصان، قُبل ذلك منه (٥)، ولم يرجمه، وجلده مائة؛ لأنه إذا قُبل رجوعُه عن الجميع، فقبوله (٦) عن البعض أولى (٧).

стр. 4102

بَاب الإقرارِ بالزنا والمزني به منكِرٌ قال محمد في [كتاب] الأصل: في رجلٍ أقرّ بالزنا بامرأة غائبة، أن القياس لا يحدّ، ولكن أدعُ القياس للأثر الذي بلغنا عن رسول الله ﷺ في ماعز بن مالك (١). وجه القياس: أن المرأة لو حضرت جاز أن تدّعى شبهةً تسقط الحدّ عن المقرّ، فلم يجز استيفاء الحدّ منه مع تجويز الشبهةِ. وجه الاستحسان: ما رُوي أن ماعزًا أقرّ عند النبي ﷺ بالزنا، فأمر برجمه، ولم يحضر المزني بها، وقال في قصة العسيف: "أما على ابنك، فجلد مائة وتغريبُ عام، واغدُ يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (٢)، فأوجب الحدّ على الزاني باعترافه قبل أن يعلم أن المزني بها معترفةٌ بالزنا. قال: ولو جاءت المرأة تطلب مهرها، وقالت: هو زوجي، فقال هو: كذبت، وإنما زنيت بها، وهذا بعدما حُدّ حَدّ الزنا، فلا مهر عليه، ولو كان هذا قبل الحد دُرِئ عنه وكان عليه المهر للمرأة؛ وذلك لأن الإمام لما حدّه فقد حكم بكون الوطء زنا، فلا تُصدق المرأة بدعواها في إبطال الحكم؛ ولأن هذا الوطء قد استوفى به الحدّ، والمهر والحدّ لا يجتمعان بوطءٍ واحدٍ. وأما إذا ادّعت الزوجية قبل الحدّ، سقط الحدّ؛ وذلك لأنه يجوز أن تصدق

стр. 4103

في دعواها، فلم يجز إيجابُ الحدّ قبل إقامةِ البينة على النكاح. ولا يجوز أن يحدّه إذا لم تقم البينة؛ لأن وجوب الحدّ لا يقف على انقطاع الخصومة، وإذا ثبت أن الحدّ قد سقط والوطء في ملك الغير لا يخلو من حدٍّ أو مهرٍ، فإذا سقط الحدّ بالشبهة، بقي المهر. ٢٦٥٨ - [فَصْل: الحدّ في حالة إنكار الزنا بها] قال: ولو لم تقل: هو زوجي، ولكن قالت كذب، ما زني بي، ولا أعرفه، فلا حدّ عليه في قول أبي حنيفة. وقال زفر وأبو يوسف ومحمد: يحدّ الرجل. وعلى هذا الخلاف: إذا أَقَرّت المرأة بالزنا أربع مراتٍ في مواطن، فقال الرجل: كذبت، ما زنيت بها ولا أعرفها، دُرِئ الحدّ عنها في قول أبي حنيفة، ذكر هذا الفصل في بعض نسخ الأصل، وذكره أبو الحسن. وجه قول أبي حنيفة: أن الزنا لا يجوز أن ينفرد به أحدهما، لاستحالة أن يزني بغير مزني بها، فإذا أنكرت الفعل، لم يصدق عليها، فعله فخرج من أن يكون زنا؛ لعدم المفعول به؛ ولأنه لا يخلو إما أن يجعله زانيًا بها، أو بغيرها، ولا يجوز أن يحكم بزناها مع إنكارها، ولا يجوز أن يجعله زانيًا بغيرها؛ لأن هذا خلاف ما أقرّ به، فلم يبق إلا إسقاط الزنا. وليس كذلك إذا أقرّ أنه زنى بغائبةٍ؛ لأن القياس يمنع من إيجاب الحدّ لعدم ثبوت الزنا في حقها، وإنما تركنا القياس للأثر. ولا يلزم إذا أقرّ أنه زنى بها، فسكتت؛ لأن السكوت لا يبطل حكم الإقرار،

стр. 4104

والتكذيب يُبطله، ألا ترى أن من أقرّ لغيره بحقٍّ فكذّبه، بطل إقراره، ولو سكت لم يبطل الإقرار، وكان له حقّ التصديق في الثاني. وجهُ قولهم: ما روي في حديث سهل بن سعدٍ: أن رجلًا أقرّ عند النبي ﷺ أنه زنى بامرأةٍ، فأنكرت، فحدّه رسول الله ﷺ (١)؛ ولأن سقوط الحدّ عن أحد الواطِئَين لا يوجبُ سقوطه عن الآخر، كمن زنى بمجنونةٍ أو صغيرةٍ. والجواب: أما الخبر، فقد ضعّفه أهل النقل، وهو محتملٌ؛ لجواز أن يكون أنكرت وطالبت بحدّ القذف، فحدّه رسول الله ﷺ لها (٢). وأما وطء الصغيرة والمجنونة، فلم يبطل حكم الوطء في حقّهما؛ فلذلك وجب الحدّ على الواطئ، وفي مسألتنا: أبطل حكم الوطء في حقها [بإنكارها]، فلم يصدّق عليها، ولم يمكن إثباته في حقه. ٢٦٥٩ - [فَصْل: اعتراف الرجل بالزنا ولكن المرأة قالت مستكرهة] وقال محمد في الحدود - حاكيًا عن أبي حنيفة -: إذا أقرّ الرجل: أنه زنى بامرأةٍ في أربعة مواطن متفرقةٍ، فقالت المرأة: زنى بي مستكرهةً، قال: أما هذا، فإني أحدّ فيه الرجل، ولا أحدّ فيه المرأة؛ وذلك؛ لأن الوطء لم (٣) يسقط في حقها، وإنما اعترفت بوطء لا حدّ فيه عليها، وسقوط الحدّ عن التبع، لا يوجب سقوطه عن المتبوع.

стр. 4105

قال: وإذا أَقَرَّ الرجل أنه زنى بمجنونةٍ أو بصبيّةٍ مثلُها يجامع، فعليه الحدّ؛ وذلك لأن الوطء لم يحكم بعدمه في حقها، وإنما سقط الحدّ بمعنى فيها، وسقوط الحدّ عن التبع لا يوجب سقوطه عن المتبوع. قال: وإن كان المقِرّ امرأةً أنها زنت بمجنون أو صبيٍّ مثلُه يجامع، فلا حدّ عليها. وقال الشافعي: عليها الحدّ (١). لنا: أن فعل الواطئ هو المتبوع، وفعل المرأة تبعٌ، بدلالة أن الواطئ ينفردُ بالفعل، والموطوءة لا تنفرد [به]، وإذا سقط الحدّ عن المتبوع لم يجز إيجابه في التبع؛ ولأن فعل الواطئ لم يحكم له بالزنا، فلم يجز إيجاب الحدّ على الموطوءة كما لو ادعى شبهةً. ٢٦٦٠ - [فَصْل: إقرار المرأة المسلمة بالزنا بحربي مسلم] قال: ولو أن حربيًّا مستأمنًا في دار الإسلام أقرّت امرأةٌ مسلمةٌ أنها زنت به، حدّت المرأة في قول أبي حنيفة، [وفي المنتقى عن أبي حنيفة: لا حدّ عليها]. وقال محمد: لا تحدّ المرأة مثل الصحيحة تقر بالزنا بالمجنون. لأبي حنيفة: أن فعل المستأمن زنا، وإنما لا يحدّ لأنا أعطيناه الأمان على أن لا نأخذه بأحكامنا في حقوق الله تعالى، وفعل الواطئ إذا كان زنا فتعذَّر فيه [الحدّ] (٢)، لم يسقط عن المرأة، كما لو مات أو هرب.

стр. 4106

فأما على أصل أبي يوسف: فالحربي يُحدُّ كما يحدُّ المسلم، فإقرارها بوطئه يوجب الحدّ عليها. وأما محمد فقال: إن فعل الواطئ متبوعٌ، وقد سقط الحدّ فيه، فسقط عنها كوطء الصبي والمجنون. قال: ولو أقرّ مسلمٌ أنه زنى بحربيّةٍ مستأمنةٍ في دار الإسلام، حُدّ المسلم في قولهم جميعًا. أما على أصل أبي حنيفة؛ فلأن الحد وجب عليهما، (وإنما تعذّر في المرأة بالأمان، فهو كتعذره بموتها. وأما على أصل محمد: فسقوط الحدّ عن التبع لا يوجبُ سقوطه عن المتبوع، كالعاقل يزني بالمجنونة. وأما أبو يوسف: فيوجب الحدّ عليهما جميعًا) (١)، والمستأمنة عنده كالمسلمة في الحدِّ. ٢٦٦١ - [فَصْل: إقرار الرجل بالزنا بخرساء أو العكس] قال: وإذا أقرّ الرجل أنه زنى بخرساء، أو امرأةٌ أنها زنت بأخرسٍ، فلا حدّ على المقرِّ في قولهم؛ وذلك لأن الأخرس يجوز أن يكون عنده شبهةٌ، لو قدر على الكلام لبيّنها، فلم يجز إيجاب الحدّ على المقِرّ مع الشبهةِ. وليس كذلك الغائبة؛ لأنه ليس هناك سببٌ ظاهرٌ مانعٌ من ذكر الشبهة،

стр. 4107

فلذلك لم يسقط الحدّ عن المقِرّ. وقال في الأصل: قال أبو حنيفة: إذا زنى الرجل بمستكرهةٍ، أو بمجنونةٍ، أو صبِيَّةٍ مثلها يجامع، أقمت عليه الحدّ، وكذلك إن زنى بكل امرأةٍ يُزنى بها لا يجب عليها [هي] الحدّ من غير شبهة. وذلك لما بيَّنا: أن فعل الرجل هو المتبوع، فسقوط الحد عن التبع لا يوجبُ سقوطه عنه. قال: وكل رجل زنى بامرأةٍ لا يجب [عليها] الحدّ للشبهة، مثل الخرساء، والمرأة التي تقول تزوّجني، فلا حدّ عليه ولا عليها؛ وذلك لأن الشبهة إذا دخلت في الفعل من أحد الجهتين خرج من أن يكون زنًا، فلا يتعلّق به حدٌّ. قال: وكل امرأة زُني بها، فإن كانت ممن يجب الحدّ عليها، فعليه وعليها الحدّ إذا كانت مطاوعةً، [وإن كان لا يجب عليه الحدّ، فلا حدّ عليها ولا عليه] (١)، وقد بيّنا هذا. قال: وكل نكاحٍ درأت فيه الحدّ عن الرجل والمرأة، أوجبت فيه المهر؛ وذلك لقوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطلٌ، فإن دخل بها، فلها مهر مثلها بما استحلّ من فرجها" (٢)، فأوجب بالنكاح الفاسد المهر وأسقط الحدَّ (٣).

стр. 4108

بَاب الشهادة على الزنا قال أبو الحسن ﵀: ولا يُقبل على الزنا أقل من أربعة شهداء، وبذلك نزل القرآن، وأجمعت عليه الأمَّةُ، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، ولو ثبت الزنا بشهادة أقلّ من أربعةٍ، لم يكن لشرطهم معنى. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وهذا يدلّ على أن القاذف إذا شهد له أقل من أربعة حدّ. وقال النبي ﵇ لهلال بن أميّة لما قذف امرأته: "ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحدٌّ في ظهرك" (١)، ولا خلاف في ذلك. قال: وإذا شهد على الزنا أقل من أربعة، لم تجز شهادتهم على المشهود عليه، وهم قذفةٌ يحدُّون جميعًا حد القذف إذا طلب ذلك المشهود عليه. وقال الشافعي: إذا جاؤوا مجيء الشهادة لم يحدّوا (٢). لنا: إجماع الصحابة، وهو ما روي أن أبا بكرة، وشبل بن معبد، ونافع بن

стр. 4109

الحارث شهدوا على المغيرة بالزنا عند عمر بن الخطاب، ثم قام زياد وكان الرابع، فقال: رأيت أقدامًا باديةً، ونَفَسًا عاليًا، وأمرًا منكرًا، ولا أعلم ما وراء ذلك، فقال عمر بن الخطاب: الحمد لله الذي لم يفضح رجلًا من أصحاب رسول الله، وحدّ الثلاثة (١)، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلافٍ. ولأن المعنى المانع من قبول شهادتهم، نقصان العدد، وهو مقطوع به، فصار كترك لفظ الشهادة؛ ولأنا لو لم نحد من جاء مجيء الشهادة، لسقط حدّ القذف؛ لأن كل قاذف يخرج قذفه مخرج الشهادة، فيسقط بذلك الحدّ عن نفسه، وهذا لا يجوز. ٢٦٦٢ - [فَصْل: مجيء الشهود متفرقين يشهدون على الزنا] قال: وكذلك إن جاء الأربعة متفرقين يشهدونَ على الزنا، واحدٌ بعد واحدٍ، لم تقبل شهادتهم، وهم قذفةٌ يحدُّ كلّ واحدٍ حدَّ القذف ما كان عددهم. وذلك لأن كمال العدد لو اعتدّ به في مجلسين لم يعجل عمر ﵁ بحدّ الثلاثة، ولسألهم هل معهم من يشهد بدل زياد، فلما حدّهم في الحال ولم ينتظر كمال العدد، دلَّ على أن من شهد في مجلسٍ ثانٍ لا يعتدّ بشهادته؛ ولأنهم إذا حضروا وعددهم ناقص، صاروا قذفةً على ما قدمنا، ولزمهم الحد للمشهود عليه، فلم يجز الحكم عليه بشهادتهم بعد ذلك. وأما إذا حضروا في مجلس واحدٍ، وجلسوا مجلسَ الشهود، وقام إلى القاضي واحدٌ بعد واحدٍ، فشهدوا، قبلت شهادتهم؛ لأنه لا يمكن أداء الشهادة

стр. 4110

دفعةً واحدةً؛ لأن القاضي لا يفهم عنهم، وإنما يشهد واحد بعد الآخر، فلم يوجد في الشهادة ما يقتضي كونها قذفًا. وقد روي أن عمر سمع الشهادة على هذا الوجه؛ وذلك لأنه أجلس المغيرة، فلما شهد عليه واحد، قال له: ذهب ربعك، فلما شهد الثاني، قال له: ذهب نصفك، فلما شهد الثالث قال له: ذهب ثلاثة أرباعك، فلما قام زياد، قال له: قم يا سُلَح (١) العقاب (٢)، فهذا يدلّ على أن الشهادةَ: تقبل إذا اجتمع الشهود في مجلسٍ واحدٍ، وإن فرَّقوا الشهادة. وقال ابن رستم عن محمد: في الشهود على الزنا إذا جاؤوا فرادى، قال: إذا كانوا قعودًا في موضع الشهود، فجاء واحدٌ بعد واحدٍ، فهؤلاء لا حدّ عليهم والشهادة جائزة، وإن كانوا خارجين من المسجد، فهؤلاء يضربون الحدّ، ولو كانوا مثل ربيعة ومضر. وقال محمد في الأصل: إن الشهود إذا جاؤوا متفرقين واحدًا بعد واحد، إن شهادتهم لا تجوز، وأحدّهم جميعًا، وإن كانوا في مقعدٍ واحدٍ، فلما قاموا إلى القاضي، [قاموا] واحدًا بعد واحد، فإن هؤلاء تجوز شهادتهم، وهذا على ما قدمنا: أن الشهود لا يمكنهم أداء الشهادة دفعةً واحدةً، فلا بدَّ من هذا التفريق، فلا يقدح في الشهادة (٣). وأما إذا كانوا خارج المسجد، فهذا التفريق لا تدعو الحاجة إليه، فصار من

стр. 4111

حضر منهم قاذفًا، فلم تقبل شهادتهم. قال: وإذا شهد الشهود على رجلٍ (بالزنا بعد تقادم العهد) (١)، لم تجز شهادتهم عند أصحابنا جميعًا، وقال الشافعي: تقبل شهادتهم. لنا: ما وري عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما شهودٌ شهدوا بحدٍّ، لم يشهدوا عند حضرته، فإنما هم شهود ضغنٍ لا تقبل شهادتهم (٢)؛ ولأن الشاهد مخيَّر بين إقامة الشهادة وبين اختيار الستر، وهو مندوبٌ إلى الستر، فإذا أخّر الشهادة من غير عذر، فالظاهر أنه اختار الستر، فلما عاد فشهد، اتُّهم في شهادته؛ لأنه لم يترك ما اختاره من الندب إلا لأمرٍ هيّجه على ذلك، والشهادة تسقط بالتهمة (٣). وليس كذلك المقرّ بالحدّ بعد حين؛ لأن المقرّ لا يلحقه تهمةٌ فيما يقرّ به على نفسه، فلذلك قُبل إقراره. ولهذا قال أصحابنا: إن المشهود عليه إذا كان في موضع ليس فيه حاكم، فحمل إلى بلد الإمام، جازت الشهادة وإن تأخرت؛ لأن هذا عذر في التأخير، فالظاهر أنهم تركوا الشهادة للعذر. ولهذا سمع عمر الشهادة على المغيرة مع تأخرها؛ لأنه كان أمير البصرة، فلم يكن هناك من يشْهَدُ عنده، فكتب عمر إليه: سلم ما قبلك إلى أبي موسى والْحَقْ بى، فلذلك قُبلتِ الشهادة مع التأخر.

стр. 4112

٢٦٦٣ - [فَصْل: في توقيت التقادم] قال: وكان أبو حنيفة لا يوقّت في التقادم شيئًا. قال مُعَلَّى عن أبي يوسف (١): جهدنا بأبي حنيفة أن يُوقِّت في التقادم شيئًا، فأبى. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا شهدوا بعد مضي شهرٍ من وقت ما عاينوا، فهو تقادمٌ، لا تجوز شهادتهم. وحكى الحسنُ بن زياد ومحمد عن أبي حنيفة: أنهم إذا شهدوا بعد سنةٍ لم تجز شهادتهم. وجه قول أبي حنيفة: أن التقادم يختلف باختلاف الأحوال والأعذار، فوقف ذلك على اجتهاد الحاكم فيما يُعد تفريطًا وما لا يُعد؛ فلذلك لم تتقدر كما لا تتقدر قيم المتلفات. والذي رواه الحسن عن أبي حنيفة لا ينافي هذا؛ لأنه جعل السنة تقادمًا، ولم يمنع ما دونها، والكلام في التقدير الذي اختصّ الحكم به. وجه قولهما: أن الشهر في حكم البعيد، وما دونه في حكم القريب؛ ولهذا يُجعل أجلًا في الديون، فوجب أن يقدر التأخير به إذا لم يكن هناك عذرٌ ظاهرٌ. ٢٦٦٤ - [فَصْل: الشهادة على زنا متقادم] قال: وحكى الحسن: أنهم إذا شهدوا على زنًا متقادم، أنهم يضربون الحدّ.

стр. 4113

قال أبو الحسن: لم أره عن غيره، والظاهر أنه لا حدّ عليهم؛ لأن الشهادة كاملةُ العدد، وإنما يسقط الحد عن المشهود عليه للشبهة، فلا يكون ذلك سببًا في إيجاب الحد على الشهود؛ (ولأن التهمة في تأخير الشهادة ليس بأكثر من فسق الشهود) (١)، ولو شهد الفساق بالزنا لم يجب عليهم الحد، فالعدول إذا اتهموا أولى. وجه رواية الحسن: أنهم لما اختاروا الستر، خرج قولهم من أن يكون شهادة، فبقي أن يكون قذفًا، فتعلق به وجوبُ الحدّ. ٢٦٦٥ - [فَصْل: معرفة الشهود بتفاصيل موجبات الحدّ] قال: وإذا شهدوا أنه زنى بامرأةٍ لا يعرفها الشهود، لم تجز شهادتهم، ولم يحد المشهود عليه. قال [الشيخ] أيده الله تعالى: وجملة هذا الباب (٢): أن الشهود إذا شهدوا بالزنا، سألهم القاضي عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟، فإن وصفوا الزنا وقالوا: رأيناه وطئها في الفرج، يولج كما يولج الميل في المكحلة، سألهم القاضي: متى زنى؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ فإذا بيّنوا ذلك، وجب الحدّ. وإنما يسألهم عن الزنا وكيفيته؛ لأن ما دون الزنا يسمى باسم الزنا على وجه (٣) المجاز، ولهذا قال ﷺ : "العينان تزنيان واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ثم يحقق ذلك الفرج" (٤)، فلا يؤمن أن أن يسمي الشهود مقدمات الزنا.

стр. 4114

ولهذا يسألهم الحاكم عن الزنا: ما هو؟ وكيف زنى؟، فإذا بيّنوا ذلك سألهم متى زنى؛ لأنه يجوز أن يكون زنى في وقتٍ متقادمٍ، وقد بيّنا أن التقادم من غير عُذر يمنع [من] قبول الشهادة، وسألهم: أين زنى؛ لجواز أن يكون زنى في دار الحرب، والمُسلم إذا زنى في دار الحرب ثم خرج إلينا، لم يقم عليه الحدّ؛ لأنه لم يكن للإمام يدٌ عليه عند وجوبِ الحدِّ، فصار ذلك شبهةً فيه. ويسألهم: بمن زنى؛ لأنهم (إذا لم يعرفوا المزني بها، جاز أن تكون زوجته، أو جاريته، فلا يجب الحدّ بوطئها) (١)، فإذا قالوا: لا نعرفها، صار ذلك شبهةً، فمنعت من قبول الشهادة (٢). وإذا صحت الشهادة؛ سأل الحاكم المشهود عليه: أمُحصَنٌ هو أم لا؛ لأن النبي ﷺ سأل ماعزًا عن الإحصان، فأقرّ به، فرجمه. وإنما وجبت المسألة؛ لأن الحدّ يختلف على ما قدمنا: أن الواجب في حدّ البكر الجلد، وفي الثيب الرجم، فوجبَ على القاضي أن يسأل عن ذلك ليعلم مقدار الحدّ الواجب. [قال]: فإن أقر بالإحصان عند الحاكم، أو شهد الشهود على إحصانه، سأله الحاكم عن الإحصان: ما هو؟ فإذا وصف الإحصان الذي بيَّنتُ لك، أمر برجمه، وإن كان إحصانه ثبت بشهودٍ، سأل الحاكم الشهود عن الإحصان: ما هو؟ فإذا بيّنوه، أمر برجمه. وإنما ابتدأ بمسألته؛ لأنه يجوز أن يقرّ، فيستغني بإقراره عن البينة، فإذا

стр. 4115

أقر قَبلَ إقراره؛ لأن النبي ﷺ قبل إقرار ماعز بالإحصان؛ ولأنه غير متهم على نفسه. وإنما يسأله القاضي عن تفسير (١) الإحصان، ويسأل الشهود عن ذلك؛ لأن شرائط الإحصان مختلفٌ فيها، فلا (٢) يؤمن أن يعتقد المقرّ أو الشهود في الإحصان ما لا يعتقده الحاكم، فوجب أن يسألهم عن تفسيره (٣). ٢٦٦٦ - [فَصْل: ثبوت الإحصان بالشهادة] قال: والشهادة على الإحصان مثل الشهادة على الأموال، تثبت بشاهدين، وبرجل وامرأتين، وبالشهادة على الشهادة. وقال زفر: لا يثبت الإحصان بشهادة النساء. وجه قولهم: أن الإحصان هو النكاح والبلوغ والعقل والإسلام والدخول، وهذه المعاني تثبت بشهادة الرجال والنساء عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع؛ ولأن الإحصان سببٌ في الرجم، والأسباب تثبت بما لا يثبت به مُسبباتها؛ بدلالة أن الولادة تثبت بشهادة النساء، وإن لم يثبت [بها] النسب. وجه قول زفر: أن [هذه] الشهادة يثبت بها القتل، وشهادة النساء لا تقبل في القتل. والجواب: أن القتل يثبت بالزنا، فأما الإحصان فإنما هو سببٌ فيه، فلو

стр. 4116

وجب اعتبار الذكورية [فيه]- كما وجبت في الزنا -، لوجب اعتبار العدد الذي يثبت به الزنا، وهذا لا يصحّ. ٢٦٦٧ - [فَصْل: تعمد الشهود النظر إلى الوقاع] قال: وإذا تعمدوا (١) [النظر] إذا رأوا الزاني حتى أثبتوا الإيلاج على الصفة (التي يكون) (٢)، جَاز ذلك لهم أن يفعلوه، وإن وقع ذلك على مفاجأةٍ، جاز؛ وذلك لأنه لا يمكن إقامة الحدّ بشهادةٍ إلا باعتماد النظر، حتى يتبين لهم الفعل، والشهادة معنى جائز، فجاز ما لا يتوصل إليه إلا به، كما يجوز للقابلة تعمد النظر إلى الفرج (لإقامة الشهادة على الولادة، وكما جاز للطبيب تعمد النظر إلى الفرج) (٣) إذا احتاج إلى مداواته (٤).

стр. 4117

بَاب رجوع الشهود وما في معناه قال أبو الحسن: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا، وهم عدول، فقضى عليه الحاكم بالحدِّ أو لم يقض، ثم رجع أحدهم وقد ضرب [بعض] (١) الحدّ أو لم يضرب، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: يُضْرَب الشهود جميعًا - من رجع ومن لم يرجع - حدَّ القذف، إلا أن يكون الرجوع بعدما كمل الحد، فيحدّ الراجع وحده. وقال زفر: إذا رجع واحد منهم بعدما شهدوا، فلا حد إلا على الذي رجع. قال [الشيخ] أيده الله تعالى: وجملة هذا: أن الرجوع لا يخلو: إما أن يكون قبل الحكم، أو بعد الحكم قبل الاستيفاء، أو بعد الحكم والاستيفاء، فإذا رجع أحدهم قبل أن يحكم به، حدُّوا جميعًا عند أصحابنا، وقال زفر: يحدّ الراجع وحده. وجه قولهم: أن الطارئ على الشهادة قبل الحكم بها كالموجود في الابتداء، (الدليل عليه: عُمْيُ الشهود ورِدَّتُهم، ومَعلومٌ أنه لو شهد في الابتداء أقلّ من أربعةٍ، حُدّوا، كذلك إذا صاروا كذلك قبل الحكم؛ ولأن الطارئ قبل الحكم في الأموال كالموجود في الابتداء) (٢)، ففي الحدود أولى. وجه قول زفر: أن عدد الشهود لما تمّ عند الأداء، صحت شهادتهم،

стр. 4118

فالراجع يصدّق على نفسه في إيجاب الحدّ، ولا يصدّق عليهم. وأما إذا رجع أحدهم بعد الحكم قبل الاستيفاء، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يحدون جميعًا. قال محمد: يحدُّ الراجع خاصَّةً. وجه قولهما: أن الطارئ على الشهادة في الحدود بعد الحكم قبل الاستيفاء، كالموجود في الابتداء؛ بدلالة رِدّة الشهود، وقد بيّنا أن رجوع أحدهم قبل الحكم يوجب الحدّ عليهم، فكذلك رجوعه بعده. وجهُ قول محمد: أن الشهادة قد صحّت بحكم الحاكم، فلم يُصدّق الراجع على إبطال الشهادة بعد صحتها، فكأنه رجع بعدَ الاستيفاء، وليس كذلك رجوعه قبل الحكم؛ لأن صحة الشهادة موقوفٌ على الحكم، فلم يكن رجوعه إبطالًا للشهادة (التي صحّت) (١). فأما إذا رجع أحدهم بعد استيفاء الحدّ، فلا يخلو: إما أن يكون الحدّ الجلد، أو الرجم، فإن كان الجلد فرجع أحدهم، فعليه الحدّ خاصةً في قولهم؛ وذلك لأن الطارئ على الشهادة بعد استيفاء ما وجب بها لا يتعلّق به حكمٌ، فلم يقدح رجوع الراجع في الشهادة، وإنما اعترف على نفسه بالقذف، فوجب عليه الحدّ خاصةً. قال أبو حنيفة: لا ضمان على الراجع من أرش السياط، وكذلك إن مات من الجلد. وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن.

стр. 4119

وجه قول أبي حنيفة: أن الأثر والموت ليس بموجب الشهادة، بدلالة أن الجلاد قد يجلده فيبقى لجلده أثرٌ وقد لا يبقى، ويموت المجلود ولا يموت، فلو كان ذلك من موجب الشهادة، لم ينفك عنها كزوال (١) الجلدات، وكالموت في الرجم، وما لم يوجبه الشاهد بشهادته، لم يلزمه ضمانه. ولأنه لا يخلو: أن يجب الضمان في بيت المال، أو على الشاهد، أو على الجَلَّاد، ولا يجوز إيجابه في بيت المال؛ لأن الأثر ليس من موجب الحكم، ألا ترى أنه [قد] ينفك عن الحكم، وما لم يوجبه الحاكم لا يجوز أن يتعلق ببيت المال، ولا يجوز أن يضمن الشاهد لما قدّمنا، ولا يجوز أن يضمن الجلاد؛ لأنه مأذون في الفعل من طريق الحكم لا على وجه البدل، ولم يعتمد تجاوز ما أمر به، فصار كمن يستعين به في دقّ ثوبٍ فتخرّق، فلم يبق إلا سقوط الضمان. وجه قولهما: أن الأثر من موجب الضرب، والضرب حصل بمقتضى الشهادة، فكان الشاهد هو الموجب له، فوجب عليه ضمانه. وإذا ثبت هذا، لزم الراجع ربع أرش الضرب؛ لأن ذلك هو الموجب له لشهادته، وإن مات المضروب، وجب عليه ربع الدية، وسقط أرش الضرب؛ لأنه ضمان حدٍّ، فيدخل في ضمان النفس. وأما إذا كان الحدّ للرجم فمات المرجوم، ثم رجع أحد الشهود، فعلى الراجع الحدّ عند أصحابنا، وقال زفر: لا حدّ عليه. وجه قولهم: أن الراجع صار قاذفًا عند رجوعه بالشهادة السابقة، ولم يصر قاذفًا بالشهادة، بدلالة أنا لو جعلناه قاذفًا حينئذٍ، أوجبنا على بقية الشهود الحدّ،

стр. 4120

كما لو شهد ثلاثةٌ مع القاذف، فلما لم يجب الحدّ عليهم بالاتفاق، دلَّ على أنا جعلناه قاذفًا في الحال بالقول السابق، ومن قذف ميتًا وجبَ عليه الحدّ. ولا يقال: لو جعلناه قاذفًا في الحال لم يجب عليه الحدّ؛ لأنه قذف من حكم الإمام بزناه، فصار كما لو قذفه غير الشاهد؛ وذلك لأن غير الشاهد إذا قذف لم يقدح في الشهادة، فبقيت على حالها، فسقط الحد عنه بقذفه مَن حُكم بزناه، فأما الشاهد، ففي زعمه أنه كذب في شهادته، فإن المشهود عليه على إحصانه، فقبل قوله على نفسه. ولا يقال: لو كان كما قلتم؛ لوجب أنه إذا قذف المرجومَ أجنبيٌّ، ثم قال: كذبت عليه في قذفي وهو مُحصَنٌ، حُدَّ؛ وذلك لأن الأجنبي إذا قذفه وأكذب نفسه، لم يقدح ذلك في زعمه في الشهادة الموجبة لإبطالِ إحصانه، [وفي زعم] هذا الشاهد أن الشهادة المبطلة للإحصان قد بطلت، فلذلك صدّق في حق نفسه. وجه قول زفر: أن الشاهد برجوعه معترفٌ بإحصان المقذوف، فلا يجوز أن يجعل وصفه له بالعفة قذفًا، فلم يبق إلا أن يكون قاذفًا بالشهادة، ومن قذف حيًّا ثم مات، سقط الحد [عنه] على أصلنا: أن الحدّ لا يورث (١). ٢٦٦٨ - [فَصْل: رجوع الشاهد الخامس بعد مضي الحد] قال: فإن كان الشهود خمسةً فضرب الحدّ بشهادتهم، ثم رجع واحد، لم يكن عليه شيء، وأُمضي الحدّ على المشهود عليه بشهادة مَن بقي؛ وذلك لأن الباقي على الشهادة إذا كان ممن [ثبت بشهادته الحدّ] (٢)، لم يجب على الراجع

стр. 4121

برجوعه شيء؛ لأن ما شهد به مستحَقٌّ بشهادة غيره. فإن رجع آخر ضمن الراجعان ما كان يضمنه الواحد إذا كانوا أربعة، فيضمنان ربع الدية إن كان مات، وإن لم يمت، ضمنا ربع الأرش في قول أبي يوسف ومحمد، ولا يضمنان في قول أبي حنيفة أرش الضرب؛ وذلك لأن المعتبر عند الرجوع بالباقي على الشهادة، (من ثبت بشهادته الحقّ، لم يجب على الراجع ضمان، وقد بقي على الشهادة) (١)، في مسألتنا من ثبت بشهادته ثلاثة أرباع الحق، فصار الربع تالفًا بشهادة الراجعين، فكان عليهما ضمانه. ولا يقال: إن الأول لما رجع لم يجب عليه برجوعه ضمان، فكيف يجب عليه الضمان برجوع غيره؛ وذلك لأن هذا المعنى لو صحّ لكان خمسة إذا رجعوا معًا، لم يجب على واحد منهم ضمان؛ لأن من حجة كل واحد أن يقول: لو انفردت برجوعي لم يجب عليّ ضمان، فلا يجب عليّ برجوع غيري، فلما وجب عليهم الضمان، دلّ على بطلان هذا السؤال. ٢٦٦٩ - [فَصْل: الحد فيما إذا لم يُعرف عدالة الشهود] قال: ولو شهد أربعةٌ على رجلٍ بالزنا، فسمع الحاكم ولم يَعرف عدالة الشهود، فزكوا أو لم يزك واحدٌ منهم، فلا حدّ على أحدٍ منهم. وكذلك إن كانوا فسَّاقًا أو مجانين؛ وذلك لأن الزنا شهد به أربعةٌ من أهل الشهادة، وإنما لم يثبت الحدّ بشهادتهم للتهمة، وما كان سببًا في إسقاط الحدّ عن واحدٍ، لم يكن سببًا (٢) لإيجاب الحدّ على غيره.

стр. 4122

قال: ولو كانوا أربعة، فشهد ثلاثة منهم عليه بالزنا، وشهد الرابع على شهادة غيره، فإنه يحدّ الثلاثة الذين شهدوا على شهادة أنفسهم. قال (١): ولا يحدّ الذي شهد على شهادة غيره، ولا يحد المشهود عليه؛ وذلك لأن الشهادة على الشهادة لا تقبل في الحدّ؛ لأنها قائمةٌ مقام الغير، كشهادة النساء، وإذا سقطت شهادةُ الشاهد على شهادة غيره، بقي الشهود ثلاثةً، فوجب عليهم الحدّ، ولا حدّ على الرابع. وكذلك لو شهد أربعةٌ على شهادة أربعةٍ؛ لأن الشاهد على شهادة غيره حاكٍ للقذف عن غيره، والحاكي للقذف لا يجب عليه الحدّ. قال: وإن كان في الشهود - وقد شهدوا بشهادة أنفسهم - عبدٌ أو مكاتبٌ أو مدبّرٌ (أو صبيٌّ) (٢) أو أعمى أو محدودٌ في قذفٍ، حدّوا جميعًا؛ وذلك لأن المانع من قبول شهادتهم ثبت من طريق الحكم، فصار كنقصان العدد وترك لفظ الشهادة. قال: فإن علم ذلك بعد أن أقيم على المشهود عليه الحد، وهو جلدٌ أو رجمٌ، فإن كان رجمًا لم يحدّوا، والدية على الحاكم في بيت المال. وإن كان الحد جلدًا ضربوا الحد إذا طلب ذلك المشهود عليه. ولا يلزم الشهود شيءٌ من أرش الضرب في قول أبي حنيفة، ويكون ذلك على الإمام في بيت المال على قول أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأنه لما رجم

стр. 4123

بشهادتهم، فقد حكمنا أنهم قذفةٌ عند الشهادة، ومن قذف حيًّا ثم مات سقط الحدّ عنه؛ لأن الحدّ لا يورث على ما سنبيِّنه. فإن كان الحدّ جلدًا حدُّوا حدَّ القذف؛ لأن المقذوف باقٍ، فكان له المطالبة بالحدِّ. فأما أرش الضرب والدية فلا ضمان فيهما عند أبي حنيفة على ما قدمنا: أن الجرح والموت غير موجب بالشهادة، ولا بالحكم، وعلى قولهما: يجب في بيت المال؛ لأنه غلطٌ من الإمام. [فأما في الرجم: فالدية في بيت المال في قولهم جميعًا؛ لأنّ الرجم موجبٌ بالشهادة، وقد تبيّنا غلط الإمام] في حكمه بشهادة من ليس من أهل الشهادة، والإمام [لا يجوز أن يلزمه] (١) ضمان فيما يتصرف به للمسلمين؛ إذ لو لزمه ضمانٌ لم ينفذ حكمه كحقوقِ نفسه، وإذا سقط الضمانُ عنه، وجب على من وقع التصرف له، وما وجب على المسلمين كان في بيت مالهم. ولهذا قالوا: إن الإمام لو حكم بالقصاص بشهادة عبيد، أو بمال، ثم بان له ذلك، وجب الضمان على المقضي له، ولا يجب في بيت المال؛ لأن الحكم وقع لحقّ المدّعي، فكان الضمان عليه، وفي مسألتنا: وقع [الحكم] لحقّ المسلمين، فكان الضمان عليهم (٢). ٢٦٧٠ - [فَصْل: كون أحد الشهود زوجًا] قال: وإن كان المشهود عليه امرأةً، وأحد الشهودِ زوجها، فلم يزكوا أحد

стр. 4124

الثلاثة، لاعَنَ الزوجُ والمرأةُ؛ وذلك لأن الزوج إذا لم يثبت زنا امرأته، كان موجب قذفه اللعان، وإذا وجب عليه اللعان، خرج من أن يكون شاهدًا، وصار مُدَّعيًا، فنقص عدد الشهود عن أربعة، فوجب عليهم الحدُّ. ٢٦٧١ - [مَسألةٌ: اختلاف الشهود بين الإكراه والطوع بالتساوي] قال (١): وإذا شهد أربعةٌ على رجل بالزنا بهذه المرأة، فشهد اثنان أنها طاوعته، وشهد الآخران أنه استكرهها، فلا حدّ على الرجل ولا على المرأة في قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف ومحمد يحدّ الرجل وحده، ولا حدَّ على الشهود في قولهم. [وجه قول أبي حنيفة وزفر] (٢): أن كلّ واحدٍ من الفريقين يشهد بفعلٍ غير الفعل الذي شهد به الفريق الآخر، ألا ترى أن شهود الإكراه شهدوا بفعلٍ ينتقل حكمه إلى غير الفاعل، وشهود الطوع شهدوا بفعلٍ لا ينتقل حكمهُ (٣) إلى غير الفاعل، وإذا اختلف الفعلان، لم تقبل الشهادة، كما لو شهد كل فريقٍ بزنا في بيتٍ [آخر] (٤). ولأن كل شهادةٍ لم تستوف الحدّ من أحد الواطئين لاختلافهما، لم تستوف من الآخر، كالشهادة على الزنا في بيتين. واحتج الطحاوي: أن شاهدي الطوع قذفا المرأة، وإنما سقط الحد عنهما

стр. 4125

بشهادة الشاهدين أنها وطئت مكرهةً، وإذا صارا خصمين في هذه الشهادة، احتاجا إلى بيّنةٍ، فلم يجز أن يحكم بشهادتهما فيما صارا خصومًا فيه. وجه قولهما: أنهم اتفقوا في الرجل على فعل واحد، وإنما اختلفوا في المرأة، فوجب الحد على من اتفقوا على زناه، وسقط عمَّن اختلفوا في حاله، كما لو شهد شاهدان أنه زنى بها وهي مجنونةٌ، و [شهد] شاهدان أنه زنى بها وهي عاقلةٌ. وإنما لم يجب الحد على الشهود؛ لأنهم اتفقوا على الشهادة (على وطء) (١) امرأةٍ واحدةٍ، فصار كالشهادة على الزنا في بيِّنتين؛ ولأن شاهدي الإكراه [قد] شهدا أنها وُطئت وطئًا يُسقط الحدّ عن قاذفها، فلا يجب على شاهدي الطوع [الحدّ]. ٢٦٧٢ - [فَصْل: شهادة الرابع بالإكراه مخالفًا للثلاثة] قال: ولو شهد ثلاثةٌ أنه زنى بها مطاوعةً، وواحد أنه استكرهها، لم يحدّ واحدٌ من الشهود في قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: يحدّ الثلاثة. حنيفة [وزفر]: أنهم اتفقوا على وطء امرأةٍ واحدةٍ، وإنما اختلفوا في الفعل، فصار كالشهادة بالوطء في بيتين؛ ولأنهم لما اتفقوا على الشهادة، وسقط الحد عن المشهود عليه للشبهة، لم يجز إيجاب الحد بذلك على الشاهد. وجه قولهما: أن الثلاثة شهدوا بالطوع، ولم يثبت وطؤها وطئًا حرامًا إلا بشهادة واحدٍ، وذلك لا يعتد به في إبطال الإحصان، فبقي إحصانها بحاله، فوجب على الثلاثة الحدّ.

стр. 4126

ولهذا المعنى لم يحكما بوجوب الحدّ على الواطئ؛ لأنهم صاروا خصومًا في هذه الشهادة، حتى وجب عليهم الحدّ [لها] (١)، فلم يجز الحكم بشهادتهم. ٢٦٧٣ - [فَصْل: شهادة الرابع بالطوع مخالفًا للثلاثة] قال: وقد روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف: إذا شهد ثلاثةٌ بالإكراه، وواحدٌ بالطوع، لم يحدّ الواحد؛ وذلك لأن إحصانها بطل بشهادة ثلاثةٍ أنها وُطئت وطئًا حرامًا، فلم يجب على شاهدِ الطوع الحدّ بقذفه. والكلام في هذه (٢) الفصول على هذه الرواية: أن الشهود إذا شهدوا على المرأة أنها وطئت مكرهةً، سقط الحد عن قاذفها؛ لأنه وطءٌ محرمٌ في غير ملكٍ، وإنما سقط الحدّ فيه بالشبهة، فأبطل الإحصان. [وقد روي عن أبي يوسف] (٣): أن من زُنيَ بها مكرهةً، لم يسقط الحدّ عن قاذفها، فعلى هذه الرواية عنه يجب الحد على شهود الطوع، وإن كان شهود الإكراه اثنين فصاعدًا. ٢٦٧٤ - [مَسألةٌ: اختلاف الشهود في المكان والزمان] قال: وإذا شهد شاهدان أنه زنى بها في مكان كذا وكذا، وشهد الآخران على مكان آخر، والمكانان لا يجوز أن يقع فيهما فعلٌ واحدٌ، فلا حدّ على المشهود عليه ولا على الشهود في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد والحسن بن زياد.

стр. 4127

وقال زفر: يحدّ الشهود، وكذلك الاختلاف في الأوقات. وجه قولهما: أن الأربعة اتفقوا على الشهادة بالزنا بامرأةٍ واحدةٍ، وإنما سقط عن المشهود عليه بالشبهة، فلم يجز إيجابُ الحدّ بذلك على الشهود. وجه قول زفر: أن كلّ واحدٍ من (الفريقين يشهد بفعلٍ غير الفعل الذي شهد به الفريق الآخر، وكلّ واحد من) (١) الفعلين لا يثبت بأقلّ من أربعةٍ، والشهود بالزنا إذا نقص عددهم عن أربعةٍ حُدُّوا. ٢٦٧٥ - [مَسألةٌ: الحد فيما شهد الشاهدان بزاوية في البيت والآخران بأخرى] قال: ولو شهد أربعةٌ على رجل بالزنا في بيتٍ واحدٍ، فقال اثنان: في هذه الزاوية، وقال آخران في هذه الزاوية الأخرى، فإنه يحدّ المشهود عليه إذا كان متقاربًا يجوز أن يقرّبها أحد الفريقين إلى أحدهما؛ لأنها أقرب إليه عندهما، ويقرّبها الآخران إلى الأخرى؛ لأنه عندهما أقرب إلى هذه [الزاوية]، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو استحسان. والقياس: أن لا حدّ على المشهود عليه وما حكيناه من العلة فليس بمنصوصٍ عنهم، ولكنه موضوعٌ على هذا عندي. وقال زفر: يحدّ الشهود، ولا يحدّ الرجل. أما وجه القياس: فلأن كل واحد من الفريقين شهد بالزنا في مكانٍ غير المكان الذي شهد به الآخر، فصار كالشهادة بالزنا في بيتين. وجه الاستحسان: أن الشهود عدولٌ، فما أمكن حمل أمرهم على الصحة،

стр. 4128

كان ذلك أولى من حمل أمرهم على الفساد والبيت الصغير يجوزُ أن يقرب الشهود موضع الفاعل من أحد زواياه، ويقربه الآخر من زاويةٍ أخرى، فلا يتبين بذلك الاختلاف في الشهادة، فوجب الحدّ بها، [هذه] (١) طريقة أبي الحسن. ومن أصحابنا من قال: إن البيت الصغيرَ قد يبتدأ الفعل في بعض جوانبه، وينتهي الفاعل بالحركة إلى جانبٍ آخر، فيكون الفعل فعلًا واحدًا وإن اختلف مكان الفاعل؛ فلذلك وجب الحدّ، وهذا الاستحسان عندنا في تصحيح الشهادة، فإذا صحّت بالاستحسان، وجب الحدّ بالنص؛ لأنا إذا لم نوجب الحدّ بالقياس، فأولى أن لا نوجبه بالاستحسان. وجه قول زفر: أن كلّ واحدٍ منهم شهد بفعلٍ غير الفعل الذي شهد به الآخر، فصار كالشهادة بالفعل في بيتين، وإنما أوجب زفر على الشهود الحدّ على أصله: أن اختلاف الفعل يوجب الحدّ على الشهود كما بيّنا في البيتين. ٢٦٧٦ - [مَسألةٌ: ظهور خلاف التزكية في الشهود بعد إقامة الحد] قال: وإذا زكَّى الشهود نفرٌ زعموا أنهم أحرار، فرُجِم بشهادتهم، ثم وُجِد بعض الشهود عبيدًا، فلا بأس (٢) على المزكين عند أبي حنيفة، إذا تمّ المزكون على شهادتهم أنهم أحرار، لم يقض على المزكين بشيء، وإن رجع المزكون عن شهادتهم ضمنوا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليهم. وجه قول [أبي حنيفة] (٣): أن المزكين جعلوا شهادة الشهود شهادةً، ألا

стр. 4129

ترى أنها كانت موجودة قبل التزكية، ولا يتعلّق بها حكمٌ، وإنما تعلّق بها بالتزكية، وإذا كانوا هم الذين جعلوا شهادتهم شهادةً، وجب عليهم الضمان، كالشهود إذا رجعوا، لما كان كل واحد منهم جعل شهادة الباقين شهادة، وجب عليه الضمان عند رجوعه، وليس كذلك شهود الإحصان إذا رجعوا؛ لأنهم لم يجعلوا شهادة شهود الزنا [شهادةً]، ألا ترى أنها كانت موجودةً، والحكم يتعلّق بها، فلذلك لم يجب عليهم [ضمانٌ. وجه قولهما: أن المزكين سببٌ، فلا يجب عليهم] ضمانٌ كشهود الإحصان. وأما إذا ثبت المزكون على التزكية، فلم يجب عليهم الضمان؛ لأنهم لم يتعرضوا (١) لما يوجب الضمان عليهم، فلذلك لم يلزمهم شيءٌ، ولا يضمن الشهود؛ لأنا لا نتبيّن كذبهم؛ لجواز أن يكونوا صدقوا (٢)، فإن كانوا عبيدًا فالضمان إنما يجب عليهم بإتلاف المشهود عليه (٣) بغير حق. قال: فإن كان المزكون إنما قالوا: إنهم عدولٌ، ثم وُجِدوا عبيدًا، فلا ضمان عليهم؛ لأن الرق والعدالة لا يتنافيان، فلم يخبروا بأمرٍ تبينّا خلافه (٤). قال: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا، فادعى المشهود عليه أن أحد الشهود عبدٌ، فالقول قوله حتى يقيم الشهودُ بيّنةً أنه حرٌّ؛ لأن الناس أحرارٌ في كل شيءٍ إلا في أربعة خصالٍ: الشهادة والقصاص، والعقل، والحدود؛ وذلك لأن

стр. 4130

الحرية ثابتة من طريق الظاهر، والظاهر يُدفَع به دعوى المدعي (١)، ولا يُستحقّ به على الغير، ولو حكمنا بالحريّة في الشهود لاستحققنا به على المشهود عليه الحدّ بظاهر حريَّتهم، وهذا لا يجوز. وأما القصاص، فهو إذا قطع رجلٌ يد رجل، وزعم القاطع أن المقطوع عبدٌ، لم يقتص منه حتى يقيم البينة على حريته؛ لأن الحريّة ظاهرٌ، فلا يستحقّ بها القصاص على القاطع. وأما العقل، فإذا قتل الرجل رجلًا [خطأً]، فزعمت عاقلته أنه عبد، لا يلزمهم تحمل العقل منه، والقول قولهم حتى تثبت حريته؛ لأن ظاهر الحرية لا يستحق به العقل عليهم. وأما الحدود، فإذا قال من وجب عليه الحد: عليه الحد: إني عبدٌ (٢)، لم يضرب (٣) حتى يشهد الشهود بحريَّته؛ لأن الاستحقاق عليه لا يثبت بظاهر الحريَّة (٤).

стр. 4131

بَاب الحدِّ تدخلهُ الشبهةُ بعد وجوبِهِ قال ابن سماعة وعلي بن الجعد في الإملاء عن أبي يوسف، ورواه أيضًا ابن سماعة في نوادره، قالا: سمعنا أبا يوسف قال: في رجل فجر بامرأة ثم تزوَّجها، إن أبا حنيفة قال: لا حدّ عليه. وقال أبو يوسف: عليه الحدّ. وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره، في رجل يزني بأمةٍ ثم يشتريها، (أو يزني بحُرةٍ ثم يتزوجها، قال عليه الحدّ في ذلك كله في قول أبي حنيفة ومحمد. ولأن الشهود إذا قالوا: نشهد أنه زنى بها، فالزنا على وجهٍ واحدٍ، لا أبالي اشتراها أو لم يشتر) (١)، أو تزوجها أو لم يتزوجها. قال: فإن اشترى -[يعني] السارق - المتاع من صاحبه قبل القطع، أو وهبه له، أو تصدّق به عليه، وصار المتاع لا خصم [فيه] (٢)، إني لا أقطع السارق حتى يحضر المسروق منه، فيدعي المتاع. قال محمد: وقال أبو يوسف: لا أحده في الحُرة ولا الأمة، يقول: لأن الفرج قد حلّ [له]، فلا أحدّه في شيء قد حَلّ له.

стр. 4132

قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: ورواه محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف [مثل] (١) رواية الإملاء في القولين جميعًا. وقال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا زنى بامرأةٍ ثم تزوجها، كان عليه الحدّ وعليها، ولو زنى بأمةٍ ثم اشتراها، دُرئ عنه الحدّ. وكذلك لو وُهبت له أو تُصدِّق بها عليه، فقبضها، وكذلك لو ورثها أو أوصي له بها، أو ملك شيئًا منها، درئ عنه الحدّ في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يقام عليه الحدّ في ذلك كله. وجه رواية الإملاء: أن الطارئ على الحدود قبل استيفائها بمنزلة الموجود في الابتداء، فلو تزوجها ابتداءً أو اشتراها، ثم وطئها، سقط الحدّ عنه، فكذلك إذا ملكها في الثاني. وعلى هذا قالوا في السارق إذا ملك العين المسروقة قبل القطع سقط القطع عنه لهذه العلة. وجه رواية محمد: أن الزنا وجب لاستيفاء منفعة المزني بها، لا لعينها، والمنفعة التي يوجب الحدّ بها لا تُملَك بعقد النكاح ولا بالشراء، وإنما تُملَك منافع أخرى، وملك ما لا يتعلّق به الحدّ لا يُسقط الحدّ، وليس كذلك إذا اشترى العين المسروقة؛ لأن الحدّ وجب لأجل العين، وقد طرأ الملك على نفس ما تعلّق به الحدّ. وجهُ رواية الحسن: أن الحُرّة لا تُملك بضعها بالنكاح؛ بدلالة أنها لو

стр. 4133

وطئت بشبهةٍ كان المهر لها، وإذا لم يُملَك ما وجب الحد لأجله، لم يسقط الحدّ. فأمَّا الأمة، فقد ملك بضعها؛ بدلالة أنها لو وطئت بشبهة استُحِقّ مهرها؛ ولأنه يملّك بضعها لغيره بحقّ نفسه، وإذا ملك ما وجب الحدّ لأجله، سقط الحدّ. ٢٦٧٧ - [فَصْل: الملك في الأمة يسقط الحد أو لا يسقط؟] وقال علي بن الجعد وابن سماعة عن أبي يوسف: في رجلٍ غصَب أمةً فزنى بها فماتت من ذلك، أو غصب حرَّةً [نفسها] ففجر بها، فماتت من ذلك، قال: فإن أبا حنيفة قال: عليه الحدّ في الوجهين جميعًا، وعليه مع ذلك دية الحرة وقيمة الأمة. أما الحرة، فلا شبهة فيها؛ لأنها لا تُملَك بدفع الدية، وإذا لم تملك لم يسقط الحدّ. وأما الأمةُ فإنها تُملَك بالقيمة على الرواية التي: (الملكُ في الأمة يُسقِط الحدّ) (١)، إلا أنه يقول: إن الضمان وجب بعد الموت، والميت لا يَصِحُّ تمليكه، وإنما يثبت للغاصب حق الملك من طريقِ الحكم، ولا يسقط الحدّ ذلك. قال: ولو لم تمت الأمة ولكن ذهب بصرها، غرم الغاصب القيمة على قول أبي حنيفة وسَلَّمها إليه، أو أبِقَت فضمن القيمة، فلا حدّ عليه في الأمة، وهذا بمنزلة الشراء. وقال أبو يوسف: ليس عليه حدٌّ في الأمة في الوجهين جميعًا، وكذلك روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 4134

أما على رواية علي بن الجعد (١)، فلأن الضمان إذا وجب بفقء العين والإباق، فالمضمون يصح تمليكه، فيملكها الغاصبُ بالضمان، فيصير كملكها بالشراء. وأما المستهلكة، فالتمليك لا يصحُ فيها، وإنما يثبت حكم التمليك، فلا يسقط ذلك الحدّ. وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الضمان سببٌ للتمليك في المتلف؛ لأن الضمانَ يستند إلى حال الغصب، فيملك العين من ذلك الوقت حكمًا، والعين في تلك الحال يصحّ تمليكها، وإذا ملكها بالضمان سقط الحدّ عنه، وهذه الرواية أصحّ على أصولهم في تعليق الحكم بالضمان (٢).

стр. 4135

بَاب حدّ القذف (١) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية [النور: ٤]، والرمي المذكور في الآية: هو الرمي بالزنا دون الرمي بغيره من الفجور والفسوق والكفر، وسائر الوطء الحرام، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. والذي يدل على أن الرمي المذكور هو الزنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، فدلّ على أن المعنى المرمي به: هو الذي يفتقر في ثبوته (٢) إلى أربعة شهود، وما ذلك إلا الزنا. وقد دل على وجوب الحد بالقذف الآية، وقوله ﷺ لهلال بن أميّة لما قذف امرأته: "ائتني بأربعة يشهدون، وإلا فحدٌّ في ظهرك" (٣). قال: والمُحصَنة عندنا: هي الحرة المسلمة العفيفة، فإذا رماها الرامي بما لو أتى عليه بأربعة شهداء حُدّ المرمي بها (٤) حدّ الزاني (٥)، فذلك القذف، يجب
следующие страницы →