← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

بَاب الحدِّ تدخلهُ الشبهةُ بعد وجوبِهِ قال ابن سماعة وعلي بن الجعد في الإملاء عن أبي يوسف، ورواه أيضًا ابن سماعة في نوادره، قالا: سمعنا أبا يوسف قال: في رجل فجر بامرأة ثم تزوَّجها، إن أبا حنيفة قال: لا حدّ عليه. وقال أبو يوسف: عليه الحدّ. وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره، في رجل يزني بأمةٍ ثم يشتريها، (أو يزني بحُرةٍ ثم يتزوجها، قال عليه الحدّ في ذلك كله في قول أبي حنيفة ومحمد. ولأن الشهود إذا قالوا: نشهد أنه زنى بها، فالزنا على وجهٍ واحدٍ، لا أبالي اشتراها أو لم يشتر) (١)، أو تزوجها أو لم يتزوجها. قال: فإن اشترى -[يعني] السارق - المتاع من صاحبه قبل القطع، أو وهبه له، أو تصدّق به عليه، وصار المتاع لا خصم [فيه] (٢)، إني لا أقطع السارق حتى يحضر المسروق منه، فيدعي المتاع. قال محمد: وقال أبو يوسف: لا أحده في الحُرة ولا الأمة، يقول: لأن الفرج قد حلّ [له]، فلا أحدّه في شيء قد حَلّ له.

стр. 4132

قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: ورواه محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف [مثل] (١) رواية الإملاء في القولين جميعًا. وقال الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا زنى بامرأةٍ ثم تزوجها، كان عليه الحدّ وعليها، ولو زنى بأمةٍ ثم اشتراها، دُرئ عنه الحدّ. وكذلك لو وُهبت له أو تُصدِّق بها عليه، فقبضها، وكذلك لو ورثها أو أوصي له بها، أو ملك شيئًا منها، درئ عنه الحدّ في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يقام عليه الحدّ في ذلك كله. وجه رواية الإملاء: أن الطارئ على الحدود قبل استيفائها بمنزلة الموجود في الابتداء، فلو تزوجها ابتداءً أو اشتراها، ثم وطئها، سقط الحدّ عنه، فكذلك إذا ملكها في الثاني. وعلى هذا قالوا في السارق إذا ملك العين المسروقة قبل القطع سقط القطع عنه لهذه العلة. وجه رواية محمد: أن الزنا وجب لاستيفاء منفعة المزني بها، لا لعينها، والمنفعة التي يوجب الحدّ بها لا تُملَك بعقد النكاح ولا بالشراء، وإنما تُملَك منافع أخرى، وملك ما لا يتعلّق به الحدّ لا يُسقط الحدّ، وليس كذلك إذا اشترى العين المسروقة؛ لأن الحدّ وجب لأجل العين، وقد طرأ الملك على نفس ما تعلّق به الحدّ. وجهُ رواية الحسن: أن الحُرّة لا تُملك بضعها بالنكاح؛ بدلالة أنها لو

стр. 4133

وطئت بشبهةٍ كان المهر لها، وإذا لم يُملَك ما وجب الحد لأجله، لم يسقط الحدّ. فأمَّا الأمة، فقد ملك بضعها؛ بدلالة أنها لو وطئت بشبهة استُحِقّ مهرها؛ ولأنه يملّك بضعها لغيره بحقّ نفسه، وإذا ملك ما وجب الحدّ لأجله، سقط الحدّ. ٢٦٧٧ - [فَصْل: الملك في الأمة يسقط الحد أو لا يسقط؟] وقال علي بن الجعد وابن سماعة عن أبي يوسف: في رجلٍ غصَب أمةً فزنى بها فماتت من ذلك، أو غصب حرَّةً [نفسها] ففجر بها، فماتت من ذلك، قال: فإن أبا حنيفة قال: عليه الحدّ في الوجهين جميعًا، وعليه مع ذلك دية الحرة وقيمة الأمة. أما الحرة، فلا شبهة فيها؛ لأنها لا تُملَك بدفع الدية، وإذا لم تملك لم يسقط الحدّ. وأما الأمةُ فإنها تُملَك بالقيمة على الرواية التي: (الملكُ في الأمة يُسقِط الحدّ) (١)، إلا أنه يقول: إن الضمان وجب بعد الموت، والميت لا يَصِحُّ تمليكه، وإنما يثبت للغاصب حق الملك من طريقِ الحكم، ولا يسقط الحدّ ذلك. قال: ولو لم تمت الأمة ولكن ذهب بصرها، غرم الغاصب القيمة على قول أبي حنيفة وسَلَّمها إليه، أو أبِقَت فضمن القيمة، فلا حدّ عليه في الأمة، وهذا بمنزلة الشراء. وقال أبو يوسف: ليس عليه حدٌّ في الأمة في الوجهين جميعًا، وكذلك روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 4134

أما على رواية علي بن الجعد (١)، فلأن الضمان إذا وجب بفقء العين والإباق، فالمضمون يصح تمليكه، فيملكها الغاصبُ بالضمان، فيصير كملكها بالشراء. وأما المستهلكة، فالتمليك لا يصحُ فيها، وإنما يثبت حكم التمليك، فلا يسقط ذلك الحدّ. وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الضمان سببٌ للتمليك في المتلف؛ لأن الضمانَ يستند إلى حال الغصب، فيملك العين من ذلك الوقت حكمًا، والعين في تلك الحال يصحّ تمليكها، وإذا ملكها بالضمان سقط الحدّ عنه، وهذه الرواية أصحّ على أصولهم في تعليق الحكم بالضمان (٢).

стр. 4135

بَاب حدّ القذف (١) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية [النور: ٤]، والرمي المذكور في الآية: هو الرمي بالزنا دون الرمي بغيره من الفجور والفسوق والكفر، وسائر الوطء الحرام، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. والذي يدل على أن الرمي المذكور هو الزنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، فدلّ على أن المعنى المرمي به: هو الذي يفتقر في ثبوته (٢) إلى أربعة شهود، وما ذلك إلا الزنا. وقد دل على وجوب الحد بالقذف الآية، وقوله ﷺ لهلال بن أميّة لما قذف امرأته: "ائتني بأربعة يشهدون، وإلا فحدٌّ في ظهرك" (٣). قال: والمُحصَنة عندنا: هي الحرة المسلمة العفيفة، فإذا رماها الرامي بما لو أتى عليه بأربعة شهداء حُدّ المرمي بها (٤) حدّ الزاني (٥)، فذلك القذف، يجب

стр. 4136

عليه حدّ القذف إذا لم يأت بالشهداء على صحة قوله. (وقال أيده الله تعالى) (١): وجملة هذا: أن شرائط الإحصان عندنا: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والعفّة عن فعل الزنا. فأما البلوغ والعقل؛ فلأن الحدّ وجب على القاذف للشَّين الذي يُلحقه بالمقذوف، والصبي والمجنون لا يكون منهما الزنا، فلا يلحقهما شَينٌ بالقذف. وأما الحُرِّيَّةُ، فلقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدلّ على أن الإحصان يعبر به عن الحريّة. وأما الإسلام، فلقوله ﵇: "من أشرك بالله فليس بمُحصَنٍ" (٢). وأما العِفَّةُ عن فعل الزنا؛ فلأن من لا يعفّ عن فعل الزنا، لا يلحقه الشين بالقذف؛ ولأن القاذف ليس بكاذب في قذفه. فإذا كملت شرائط الإحصان في المقذوف، وكان القذف حصل (٣) بفعلٍ لو ثبت وجبَ به حدّ الزنا على المقذوف، فمتى لم يثبت وجب الحدّ على القاذف بظاهر الآية. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإن كان القاذف لو أقام أربعةً من الشهود على صحة ما قذف به، لم يحدّ المقذوف حدّ الزنا، فكذلك لا يحدّ القاذف حدّ القذف؛ وذلك لما بيّنا (٤) أن القذف الموجب للحدّ: هو القذف بالزنا، فما لا

стр. 4137

يوجَب بثبوته حدّ الزنا فليس بزنا، فالرمي لا يُوجبُ الحدّ. قال: ووجهٌ آخر يجب أيضًا حدّ القذف به: وهو أن ينفي نسب إنسانٍ من أبيه، فهو قاذفٌ لأمه، فإن كانت الأم مُحصنةً، وجب على القاذف إذا طالبه به؛ وذلك لأن النسب إنما ينتفي عن أبيه إذا كانت أمه زانيةً، فصار قوله: ليس هو بيه، كقوله: زنت أمه. وقد [كان] يجوز أن يقال: إن هذا قذف مشتبهٌ؛ لأنه يحتمل أن ينفى النسب عن الأب إذا وطئها واطئٌ بشبهةٍ أو بنكاحٍ فاسدٍ، إلا أن الأمَّة أجمعت على صحة القذف، ووجوب الحدّ به؛ ولأن النسب لا يراد به هاهنا إلا نفي النسب بالزنا دون الشبهة. قال: وإذا كان المقذوف بالزنا حيًا فلا خصومة لأحدٍ في الحدّ غيرُه، حاضرًا كان أو غائبًا؛ وذلك لأن الحدّ يجب بالشَّين الذي لحقه [به]، فالمطالبةُ به من حقوقهِ، فلا يقوم غيره فيه مقامه إلا برضاه. قال: وإن مات قبل أن يطالب أو بعد ما طالب، وقد ضُرب القاذف بعض الحدّ، بطل الحدّ، وبطل ما بقي، وبطل ما بقي منه، وإن كان الباقي سوطًا واحدًا. قال: وهذا مبنيٌّ على أصلنا: أن حدّ القذفِ لا يُورث، وقال الشافعي: يُورث (١). لنا (٢): أنه حدٌّ فلا يُورث كحدّ الزنا؛ ولأن من أصلنا أنَّهُ حقٌّ لله تعالى على

стр. 4138

ما سنبيِّنه، والله تعالى حيٌّ باقٍ، فلا تورث حقوقه، وإذا لم يورث، سقط بموت الطالب؛ ولأنه حقٌّ (١) ليس فيه معنى المال والوثيقة، فلا يقوم الوارث فيه (مقام المورث) (٢)، كالوصية والمضاربة. وإذا سقط الحدُ بالموت، فكذلك إذا بقي بعضه؛ لأن البعض يعتبر بالكل، فكما سقط الجميعُ بالموت، فكذلك ما بقي منه (٣). ٢٦٧٨ - [فَصْل: الوكالة في استيفاء الحدود] قال: ولا تجوز الوكالة في حد القذف، ولا في شيء من الحدود في استيفائها عند أصحابنا جميعًا، وقال الشافعي: تجوز الوكالة في استيفاء حد القذف (٤). لنا: أن الموكل بالاستيفاء إذا كان غائبًا، استوفى وكيله الحدَّ مع الشبهة؛ لجواز أن يكون المقذوف قد صدق القاذف بعد التوكيل، أو ترك المطالبة، والحدود لا يجوز استيفاؤها مع الشبهة؛ ولأنه استيفاءٌ للحد بما قام مقام الغير، واستيفاء الحدود بما قام مقام الغير لا يجوز كشهادة الرجال والنساء، والشهادة على الشهادة. ٢٦٧٩ - [فَصْل: الوكالة في الخصومة وإقامة البينة في القذف] قال: ويجوز عند أبي حنيفة ومحمد الخصومة فيه، وإقامة البيّنة على إثبات الحدّ، ولا يضرب الحدّ حتى يحضر المقذوف.

стр. 4139

وقال أبو يوسف: لا تجوز الوكالة في شيء من ذلك، خصومة ولا غيرها. وجه قولهما (١) في جواز التوكيل بإثبات الحدّ: أنه إثباتُ حقٍّ، فجاز التوكيل فيه كإثبات سائر الحقوق؛ ولأن الثبوت يُمكن استدراكه، فيجري مجرى الأموال التي يمكن استدراكها، فتجوز الوكالة فيها كالأموال. لأبي يوسف: أن الإثبات إنما يراد للاستيفاء، فإذا لم يجز الاستيفاء بما قام مقام الغير للشبهة، فكذلك الإثبات. ٢٦٨٠ - [فَصْل: إسقاط الحد بعد ثبوته عند الإمام] قال: وإذا ثبت الحدّ عند الإمام، وعند من نُصّب لإقامته، لم يجز إسقاطه على وجهٍ، ولا العفو عنه من الوالي ولا من المقذوف، وكذلك إن عفا المقذوف عن القاذف قبل أن يرفعه أو أبرأه من الحدّ، أو صالحه على مالٍ، فإن ذلك كله (٢) لا يجوز، ويردّ المال على القاذف، وللمقذوف أن يطالب الحدّ بعد ذلك ويرجع فيه، وهذا قول أصحابنا جميعًا. أما الوالي، فلا يجوز له العفو عن الحد؛ لقوله ﷺ : "ما ينبغي لوالي حدٍّ أُتي في حد من حدود الله إلا أقامه" (٣)، ولأن الحدّ إما أن يكون من حقوق الله تعالى على ما نقول، فلا يجوز عفو الإمام عنه، كما لا يجوز عفوه عن حدّ الزنا، وعن الزكوات، أو يكون من حقوق الآدميين، فلا يجوز إسقاطه كالقصاص.

стр. 4140

وأما المقذوف إذا عفا لم يصح عفوه، وحكى الطحاوي عن ابن أبي (١) عمران، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف أنه قال: يسقط بالعفو، وهو قول الشافعي، وهذا مبنىٌّ على أن حدّ القذف [حقٌّ] (٢) لله تعالى (٣). وقد قال محمد في كتاب الحدود: إن حدَّ القذف من حقوق الآدميين (٤)، وإنما أراد بذلك: أن المطالبة [به] (من حقوق الناس؛ والدليل على ذلك: أنها عقوبةٌ سمّيت في الشريعة حدًّا كحدّ الزنا؛ ولأن الإحصان مشروطٌ فيها كحدّ الزنا؛ ولأنها تتبعض بالرقّ والحرية كحدّ الزنا) (٥). وجه قول أبي يوسف: أن الحد يجب للشين الذي لحق المقذوف، كما يجب القصاص للشين الذي يلحق المجروح بالجرح، وإذا كان القصاص حقًّا له يسقط بعفوه، فكذلك حدّ القذفِ، فإذا ثبت أنه من حقوق الله تعالى، ثبت أنه لا يصح العفو عنه، ولا أخذ العوض عنه، كسائر الحدود، (إلا أن المطالبة) (٦) بهذا الحدّ إلى الآدمي، فإذا عفا، فالحدّ لا يسقط، ولكنه لا يستوفى لعدم المطالبة، وإن عاد إلى المطالبة استوفي بمطالبته. ٢٦٨١ - [فَصْل: سؤال المدّعى عليه عن القذف] وإذا ترافع الرجلان إلى الحاكم، وأحدهما يدعي على صاحبه قذفًا، فإن

стр. 4141

الحاكم يسأل المُدّعى عليه عن القذف، فإن أقرّ أنه قذفه، قال له الحاكم: أقم البينة على صحة قذفك، فإن فعل، وإلا أقام عليه الحدّ. فإن أحضر القاذف شهوده، وقد ضرب بعض الحد، سُمعت بيّنته، ودُرئ عنه ما بقي من الحدّ، ولم تبطل شهادته، ولم يلزمه اسم الفسق. وإنما قلنا: إنه (١) يبتدئ بمسألة المدّعى عليه؛ لجواز أن يُقرّ فيستغنى بإقراره عن بينةٍ؛ ولأن البينة لا يثبت حكمها إلا بإنكاره، فوجب أن يسأل، فإن أنكره أقيمت عليه البينة. فأما إذا أقرّ بالقذف، طولب بالبيّنة على صحته؛ لأن الحدّ إنما يجب عليه بعجزه عن إقامة البينة، فلذلك سأله الحاكم عن [إقامة] البّينة، فإذا عجز عنها حدّه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]، فأما إذا ضرب بعض الحدّ، ثم أقام القاذف البينة، فإنها تسمع؛ لأنا لا نحكم بكذب القاذف، ألا ترى أن كذبه إنما ينفرد بكمال الحد، فما لم يوجد سمعت البينة [عليه] كالابتداء. وإذا سمعت البيّنة، سقط ما بقي من حدّ القذف، كما يسقط الجميع لو ابتدأ بإقامة البيّنة. قال: ولا تبطل شهادته، ولا يلزمه اسم الفسق؛ وذلك لأن ما دون الحدّ لا تبطل به الشهادة، كالتعزير.

стр. 4142

٢٦٨٢ - [فَصْل: الاستحلاف في إثبات القذف] قال: فإن لم تكن له بيّنةٌ على القاذف بأنه قذفه، فأراد استحلافه بالله (١) ما قذفه، فإن الحاكم لا يستحلفه في قول أصحابنا جميعًا، وقال الشافعي: يُستحلف. لنا: أنها دعوى حدٍّ، فلا يستحلف فيها كحدّ الزنا؛ (ولأن اليمين إنما شرعت لفائدة النكول) (٢)، والنكول عند أبي حنيفة أُجري مجرى البذل، فما لا يصحّ بذله لا يصحّ الاستحلاف فيه، كحدّ الزنا. وعلى قولهما: النكول قائمٌ مقام الإقرار (٣)، (والحد لا يجوز إثباته بما قام مقام الغير) (٤)، كالشهادة على الشهادة. قال: فإن ترك المقذوف مطالبة القاذف قبل أن يُرافعه إلى الحاكم، وسعه ذلك، وكان ذلك حسنًا. وكذلك يحسن من الحاكم (إذا رفعه) (٥) إليه أن يقول للمدعي قبل أن يثبت الحد: أعرض عن هذا ودعه؛ وذلك لأن هذا الحد تؤثر فيه الشبهة، فجاز للحاكم التوصل إلى إسقاطه كسائر الحدود. وأما المقذوف؛ فلأن الحدّ إن كان من حقوق الله تعالى، فقد ندبنا إلى الستر فيها، وإن كان من حقوق الآدميين، فقد ندبنا إلى العفو، كالقصاص.

стр. 4143

قال: فإن أقرّ المقذوف أن القاذف قد صدق عليه في قذفه عند الحاكم، أو شهدت عليه الشهود أنه أقرّ بذلك قبل أن يرفعه، جازت الشهادة، ولا حدّ على القاذف؛ وذلك لأن الحد يجب للشين الذي لحق المقذوف بكذب القاذف عليه، فإذا صدّقه المقذوف، فقد زال الشين عن فعل القاذف، فسقط الحد. ٢٦٨٣ - [فَصْل: في الشهادة على القاذف] قال: [ويجوز] (١) في الشهادة على القاذف شهادة رجلين، ولا يجوز عليه شهادة رجلٍ وامرأتين، ولا شهادةٌ على شهادةٍ، ولا كتاب قاضٍ إلى قاضٍ؛ وذلك لما بيّنا أن شهادة النساء لا تقبل في الحدود والقصاص، وكذلك الشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي. فإن أقام القاذف على المقذوف أنه صدّقه في قذفه له رجلًا وامرأتين، أو شاهدين على شهادة شاهدين، أو أتى في ذلك بكتاب قاضٍ، جاز ذلك؛ لأن إسقاط الحدود يجوز فيها ما لا يجوز في إثباتها، ألا ترى أن الحدود لا تثبت مع الشبهة، وتسقط بالشبهة؛ فلذلك لم تثبت بالشهادة على الشهادة، وشهادة النساء والرجال، وإن ثبت بذلك ما يوجب إسقاطها. ٢٦٨٤ - [فَصْل: حبس المدعي وكفالته] [قال]: وإن ادّعى المقذوف أن له بيّنةً حاضرةً في المصر أن هذا قذفه، والقاذف ينكر، وسأل المقذوفُ الحاكمَ أن ينظره [إلى أن يقيمها]، فإن أبا حنيفة قال: أحبس المُدَّعَى عليه القذف إلى قيام الحاكم من مجلسه، فإن أحضر بيّنته

стр. 4144

وإلا خلى سبيله، ولا يأخذ منه كفيلًا بنفسه. وقال أبو يوسف: آخذ منه كفيلًا بنفسه، ولا أحبسه، وروى ذلك بشر عنه. لأبي حنيفة: أن الكفالة للتوثق، والقاضي مأمور بدرء الحد وإسقاطه، فلا يجوز أن يتوثق منه. وأما الحبس الذي ذكره، فإنما يريد [به] أن يلزمه إلى أن يقوم القاضي؛ لأنه لا يمكن إحضار البيّنة إلا بحضور المدّعى عليه. لأبي يوسف: أن الدعوى يجوز أخذ الكفالة بها إلى أن تقوم البينة، كدعوى الأموال؛ ولأن الحبس أكثر من الكفالة، فإذا جاز الحبس فالكفالة أولى، فأما إن أقام المُدَّعِي شاهدًا واحدًا عدلًا، فإن أبا حنيفة كان يحبسه وإن لم يكن عدلًا لم يحبسه، ولم يكفله. وقال أبو يوسف: لا أحبسه في شاهدٍ واحدٍ، عدلًا كان أو غير عدلٍ، ولكن يكفل، فأما إذا شهد (شاهدان، حُبس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، رواه عنه بشر. لأبي حنيفة: أنه إذا شهد) (١) شاهدٌ عدلٌ أو شاهدان لا تعرف عدالتهما، فقد حصل أحد سببي الحق: إما العدد، أو العدالة، فصار أحد السببين في جواز الحبس كالآخر؛ ولأنه إذا أخبر رجل عدل أنه قذف، فقد أوجب ذلك تهمةً في حاله، والحبس موضوعٌ للتهمة، وليس كذلك الكفالة؛ لأنها موضوعةٌ للتوثق، والتوثق في الحدود لا يجوز.

стр. 4145

لأبي يوسف: أن الشاهد العدل لا يثبت بشهادته الحقّ، وإنما يثبت بقول الاثنين، فإذا شهد من يجوز أن يثبت الحق بشهادته، ولم يحكم بها، جاز أن يحبس للتهمة. ٢٦٨٥ - [فَصْل: الكفالة بعد ثبوت الحد وقبله] قال أبو يوسف: إذا ثبت الحدّ، فلا كفالة فيه، وما كان دعوى لم يثبت ولم يتبين، فلا بد من الكفالة، وإلا ضاعت حقوق الناس؛ وذلك لأن الحد ما لم يثبت، لم يجز الحبس، فلا بد من الكفالة، فإذا ثبت الحق (جاز الحبس، فلم تجز الكفالة؛ لأنه لا يكون له معنى) (١). وقال ابن رستم عن محمد: لا كفالة في حدٍّ ولا قصاص، يقال له: الزمه ما بينه وبين قيام القاضي، وهذا قول أبي حنيفة. وقال محمد: أما أنا فأكفله ثلاثة أيام ما لم تقم البيّنة، فإن قامت البيّنة فلا كفالة، ولكني أستحسن حتى يُسأل عن الشهود. أما قوله: لا كفالة فى حدٍّ ولا قصاص، فإن كان يريد به نفس الحد، ونفس القصاص، فلا خلاف بين أصحابنا في ذلك؛ لأن الحد والقصاص لا يمكن استيفاؤها من الكفيل، فلا تصح الكفالة بهما، وإنما المراد بذلك: لا كفالة في الإحضار للحدود والقصاص. ووجهه ما قدمنا عن أبي حنيفة: أن الكفالة للتوثق، والحدود لا يجوز التوثق فيها.

стр. 4146

وكان أبو بكر الرازي يقول: معنى قول أبي حنيفة: أن الكفالة في الحد والقصاص لا تجوز، أن القاضي لا يبتدئ بالمطالبة بذلك، فإن بذلها قبلها الحاكم؛ لأن الحضور واجبٌ، فيجوز أن يضمنه الكفيل، إلا أن القاضي لا يبتدئ بطلب ذلك حتى لا يتوصل إلى التوثق [بالكفالة] في الحدّ. وأما على أصلهما: فالتوثق بالحبس أكثر من التوثق بالكفالة، [فإن جاز أن يحبس]؛ فلأن يؤخذ منه كفيل أولى، وقدّر ذلك محمد بثلاثة أيام؛ لأن حد القذف المطالبة فيه حق لآدميّ كالديون. وقال محمد في رجلٍ ادعى قذفًا، وأقام رجلًا عدلًا يشهد، فإن أبا حنيفة قال: أحبسه إذا ادعى بيّنة حاضرةً في المصر، فإن أقام شاهدًا غير عدل قال: أؤجله مقدار قيام القاضي. قال محمد: إذا ادعى بيّنةً حاضرةً، كفلناه ثلاثة أيام، فقدَّر ذلك أبو حنيفة بالمجلس؛ لأن الكفالة عنده لا تؤخذ، وفي حبسه ضررٌ من غير حقٍّ عليه، فلم يتقدّر ذلك بأكثر من المجلس. وعلى قول محمد: أن القذف لما كانت المطالبة فيه حقًّا لآدمي، يجري [فيه] مجرى الديون. وقال في الأصل: إذا أحضر شاهدًا عدلًا، وادعى أن له آخر في المصر، فإني أحبس يومين أو ثلاثةً استحسانًا؛ وذلك لأن أحد سببي الحقّ قد حصل، فأوجب ذلك تهمةً فى حاله، والحبس للتهمة. قال: فإن ادّعى ذلك خارج المصر، (لم أحبسه؛ وذلك لأن البينة إذا كانت

стр. 4147

خارج المصر) (١)، لم يلزمهم الحضور لإقامة الشهادة، فحَبس الخصم يؤدي إلى إلحاق (٢) الضرر به (٣). وقال أبو يوسف ومحمد: آخذ منه كفيلًا يومًا أو يومين أو ثلاثة، وإنما قدّروا ذلك بما بين المجلسين، فإن كان بينهما أكثر من ثلاثة أيام، جاز أخذ الكفالة. وقال بشر عن أبي يوسف: إذا ادعى القاذف أن له شهودًا على الزنا، فإنه يؤجل إلى قيام القاضي، فإن أحضر ذلك، وإلا حدّه. وقال أبو يوسف: أحبسه وأستأني به، ولا أعجل. وقال في الأصل: إذا قال: عندي بيّنة بالزنا، وهم غيّب، فأجلني، قال: لا يؤجله. فإن قال: هم في المصر (٤)، فأجلني حتى آتيك بهم، قال: يؤجّله [ما] بينه وبين قيامه، فإن جاء بالبينة، وإلا أقام الحدّ عليه. قلت: أفتكفله في ذلك، فتدعه يطلب شهوده، قال: ليس في حدٍّ كفالةٌ، ولكنه يحبسه ويقول له ابعث إلىّ شهودك، فائت بهم (٥) وجه قول أبي حنيفة: أن الحدّ قد ثبت عليه بالبينة، وفي تأخيره أكثر من مجلس الحاكم تأخير المستحَقّ من غير حجّةٍ، وفي ذلك ضررٌ على صاحب

стр. 4148

الحقّ، فلم يجز تأخير الواجب: بأن يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون. وليس كذلك التأخير بقدر مجلس الحكم؛ لأن هذا القدر لا يلحق فيه ضررٌ، ألا ترى أن القاضي قد يؤخّر هذا القدر حتى يحضر الجلاد، وإذا لم يكن فيه ضررٌ، جاز تأخيره لإقامة البينة. لأبي يوسف: في أنه يؤخر إلى المجلس الثاني: أن الله تعالى أوجب حدّ القذف بشرط العجز عن إقامة (١) البينة بالزنا، فوجب أن يؤجل (٢) مقدار ما يمكنه إحضار الشهود في العادة. فأما تكفيله: فعند أبي حنيفة لا يجوز، فلم يبق إلا حبسه وأمره أن يستنيب في إحضار الشهود. وقال ابن رستم عن محمد: إذا لم يجد أحدًا يبعث به إلى الشهود، قال: أتركه يذهب، وأبعثُ معه شُرُطًا يحفظونه، ولا أدعه [يفرّ]؛ وذلك لأنه لا يقدر على إحضار الشهود إذا لم يجد من ينوب عنه إلا بنفسه، وحفظه بالشُّرَطِ كحفظه بالحبس، فوجب أن يتركوا معه. قال: فإن لم يجد شهوده، ضربته الحد، فإن أقام بعد ذلك بيّنة على ما قال: [قبلت] (٣) شهادته، وأجزتها، وذلك لأن هذه البيّنة [ثبت] بها زنا المقذوف، فتبين أنه قذف من ليس بمُحصَنٍ، وقذف من ليس بمُحصَنٍ لا يتعلّق به الحدّ، والضرب الذي ليس بحدٍّ لا يمنع قبول [الشهادة] (٤).

стр. 4149

قال: وإذا قذف رجل رجلًا، فقال: يا ابن الزانية، وادّعى القاذف أن أم المقذوف أمةٌ أو نصرانيةٌ، والمقذوف يقول: هي حرةٌ مسلمةٌ، فالقول قول القاذف، إلا أن يقيم المقذوف على ذلك بيّنةً. والأصل في ذلك: أن قذف الأمّ لا يتعلّق به الحدّ حتى يطالبه الابن حين يثبت موتها وإحصانها؛ لأنها ما دامت حيّةً فالمطالبة من حقوقها، فلا يجوز للابن أن يقوم مقامها. وإذا ثبت موتها، وجب أن يثبت إحصانها؛ لأن الحدّ لا يتعلّق إلا بالقذف الصحيح، وقذف من ليس بمُحصَنٍ لا يصحّ. ولا يجوز أن يرجع في ذلك إلى ظاهر الحريّة والإسلام؛ لما بيّنا: أن الظاهر لا يُستحَقّ به حقٌّ على الغير، فلم يكن له بدٌّ من [إقرار] القاذف بالإحصان، أو إقامة البينة على ذلك. قال: وكذلك لو قال: يا زانٍ، فقذقه في نفسه، ثم قال القاذف للمقذوف: إنه عبدٌ، فقال المقذوف: أنا حرٌّ، فالقول قول القاذف أيضًا، وهذا على ما قدمنا: أن الحرية في الإحصان لا تثبت بالظاهر، وأن الناس أحرارٌ إلا في أربعةٍ. قال: وإذا قال القاذف: أنا عبد، فحدّني حدّ العبد، وقال المقذوف: أنت حرٌّ، فالقول قول القاذف في ذلك؛ لأن الحرية ظاهرةٌ، فلا يجوز أن يستحقّ بها كمال الحدّ. وقال معلّى عن أبي يوسف: إذا قذف رجلٌ أم رجلٍ، فإن كان القاضي يعرف أمه أنها حرةٌ مسلمةٌ، جلد القاضي (١) القاذف، وإلا حبسه وسأل المقذوف

стр. 4150

البيّنة على ذلك؛ لأن الحرية قد ثبتت بعلم القاضي، فهو كثبوتها بالشهادة، ولا يقال: [إن] القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود؛ لأن الحرية هاهنا سببٌ في ثبوت الحدّ، وسببُ الحدّ يثبت بما لا يثبت به الحد، كالإحصان الذي يثبت بدون العدد الذي يثبت به الزنا. [قال]: وإن زعم أن له بيّنةً، بالغ القاضي في النظر في ذلك، ويؤجله أجلًا، فإن لم يأت ببيّنةٍ أخرجه من السجن وأخذ منه كفيلًا. وليس للقاضي أن يعزِّرَه، وهذا إنما يعني به: إذا لم يثبت إحصان الأم بعلم القاضي، حبسه القاضي (١)؛ لأنه قد استحق العقوبة بقذفه لها، حرّةً كانت أو أمةً، فجاز أن يتوثق منه في الحبس. وإن لم يقم بيّنةً أخذ منه كفيلًا وأخرجه؛ لأنه لا يجوز [تأبيد] (٢) الحبس عليه، فلم يبق إلا تكفيله. فأما التعزير؛ فلأن القاضي إذا عزرهُ صارَ كالحكم بإبطال الإحصان؛ لأن قذف المُحصَنة يتعلّق به الحدّ، ويجوز أن يقيم المقذوف بيّنةً، فلم يجز (٣) أن يقتصر على التعزير. وقال في الأصل: أرأيت الرجل إذا أقر عند القاضي فقال: قد قلت له: يا زان، ولكنه عبد، هل يحبس القاضي [القاذف] ويسأل المقذوف البينة أنه حرّ؟ قال: نعم؛ وذلك لما بينا أن القذف يستحق به العقوبة، حرًّا كان المقذوف أو

стр. 4151

عبدًا، فجاز أن يحبس لإقامة البينة. وقال عمرو: قال محمد في رجل قذف رجلًا، قال: أحبسه في السجن حتى يجيء بالبينة أن أمّه حرةٌ مسلمةٌ، فإن قال: يا ابن الفاعلة، وهذا على ما قدمنا. قال: ولا يكون القذف بوطءٍ في غير الفرج قذفًا يجب به الحدّ، ولكنه يوجب التعزير عند أبي حنيفة. وقالا (١): الفرج والدُّبر من الرجل والمرأة (٢) سواءٌ في إيجاب الحدّ على القاذف، وإيجاب الحدّ على من فعله. أما القذف باللواطة، فعند أبي حنيفة لا يتعلق به الحد؛ لأنه قذف بغير زنًا عنده، والقذف بغير الزنا لا يوجبُ الحدّ. فأما على قولهما: فهذا الوطء أجري مجرى الزنا في وجوب الحدّ به؛ وكذلك القذف به يوجب الحد على القاذف (٣). قال أبو حنيفة: الوطء في موضع المكروه لا يوجب الحدّ، وإنما يوجب التعزير. وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان مُحصنًا رجم، وإن كان بِكْرًا جلد، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قوله الآخر: يقتل مُحصَنًا كان أو غير مُحصَنٍ (٤)

стр. 4152

لأبي حنيفة: أن هذا الفعل ليس بزنا، بدلالة أن العرب خصّته باسمٍ، وخصت الفعل الآخر باسمٍ، وتفريقهم بين الاسمين يدلّ على أن كلّ واحدٍ منهما لا يسمى باسم الآخر، إلا أن يدل الدليل على الاشتراك، كتسميتهم لحيوانٍ بفرسٍ، وتسميتهم لحيوانٍ بحمارٍ، فإذا لم يسمّ باسم الزنا، فإيجاب الحدّ فيه (١) إلحاق فعلٍ لم يرد فيه الحدّ بالفعل الذي ورد فيه الحدّ بقياسٍ أو بخبرٍ واحدٍ، وذلك لا يجوز؛ ولأن هذا الفعل لا يتعلّق به وجوب مالٍ بحالٍ، فلا يتعلق به وجوب الحدّ، كالوطء فيما دون الفرج. وجه قولهما: ما روي أن الصحابة اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: يلقى من شاهق الجبل، ومنهم من قال: يلقى عليه حائطٌ، ومنهم [من قال]: يحرق بالنار، وكان أشدهم قولًا في ذلك علي بن أبي طالب رضوان الله عليه؛ ولأنه وطءٌ يوجب الاغتسال من غير إنزال، كالوطء في الفرج. والجواب: أما الخبر، (فإنما أورد) (٢) فيمن عمل عمل قوم لوط، وهذا لا يكون إلا فيمن يسلك طريقهم في الاستحلال، والمُستحل مرتدٌّ يقتل بردته؛ ولهذا أمرت الصحابة بالمثلة به كما يمثل بالمرتد. فأما الغسل، فإنه يجب على وجه الاحتياط (٣)، والحد يسقط بالاحتياط، فلا [يدل] (٤) وجوب الغسل على وجوب الحدّ (٥).

стр. 4153

بَاب من له المطالبةُ بالحدِّ قال أصحابنا: في رجل قُذِف فمات قبل أن يأخذ القاذف بالحدّ، أن الحدّ يبطل عن القاذف، وليس لمن بعده من وارثٍ ولا غيره أن يطالب به، ولا يورث الحدّ عند أصحابنا. ورواه محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال عليّ رضوان الله عليه: الحدّ لا يُورث (١)، وقد بيّنا هذه المسألة. وليس هذا كما لو قذف بعد موته؛ لأن الحق يثبت ابتداءً للوارث، فلا يكون على طريق الإرث، وفي مسألتنا يثبت الحق للميت، فلو طالب به الوارث لكان على وجه الإرث. وهذا لا يصح. قال: وإن كان المقذوف حيًّا غائبًا، فلا مطالبة لأحدٍ أيضًا بقذفه حتى يحضر الغائب؛ وذلك لأن الحدّ (٢) يثبت للمقذوف، فلا يجوز أن ينتقل إلى غيره؛ لأن الحدّ لا يثبت بما قام مقام الغير. قال: وإن وكّل الغائبُ وكيلًا بطلب حقّه، فإن كانت الوكالة بإقامة الشهود والخصومة في ذلك دون ضرب الحدّ، جازت الوكالة، فإذا ثبت الحد لم يضرب الحدّ حتى يحضر الغائب، فيقام الحدّ بحضرته، وهذا قول أبي حنيفة وأبي

стр. 4154

يوسف ومحمد. ثم رجع عن ذلك أبو يوسف فقال: لا تجوز وكالةٌ في حدودٍ ولا قصاصٍ، في إقامة بيّنةٍ ولا غير ذلك. وقد بينا فيما مضى: أن الوكالة باستيفاء الحد مع غيبة المقذوف لا تجوز في قولهم، والوكالة بإثبات الحد تجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ولا يجوز عند أبي يوسف (في قوله الآخر) (١). ٢٦٨٦ - : [فَصْل: فيمن يأخذ بالحدّ للميت] وقالوا جميعًا: إذا قذف الميت، فلولده أن يأخذوا بحدّه، ولابنه ولابن ابنه أو ابنة ابنه أن يأخذوه بالحدّ للميت، ولا يأخذ بالحد للميت إلا والدٌ أو ولدٌ، ولا يأخذ بذلك أخٌ ولا عمٌّ ولا مولى. وقال ابن أبي ليلى: يأخذ بالحدّ الولد والوالد والأخ. وقال محمد: لا يأخذ بالحدّ إلا الوالد والولد ممن يرث ويورث، وتأخذ ابنة ابنه بالحدّ إذا قذف جدها وهو ميت، ولا يأخذ بذلك ابنة الابنة، والجدة أم الأم إذا قذفت، لم يكن لابن ابنتها أن يأخذ بحدها، وكذلك إن قذف -[وهو ميتٌ]، وهي حيَّةٌ- لم تأخذ بحدّه. قال: وجملة هذا أن كلّ من يقع بقذف الميت قدحٌ في نسبه، فله أن يطالب بحدّه، ومن لا يقع بقذف الميت قدحٌ في نسبه لا يطالبُ بالحدّ؛ لأن الحد عندنا لا يورث، وإنما يثبت للوارث ابتداءً بقذف المورث، فمن يقع بالقذف قدحٌ في

стр. 4155

نسبه [يلحقه الشين بالقذف، فيطلب بالحدّ، ومن لا يقدح القذف في نسبه]، لا يلحقه شينٌ به، ومعلومٌ أن الأخ والعم لا ينقطع نسبهما بقذف الأخ وابن الأخ، فلم يجب الحد بالقذف. فأما الآباء والأبناء، فإن القدح يقع في نسبهم بزنا المقذوف، ألا ترى أن الزاني لا يثبت نسبُ ولده منه، و [لا] يثبت نسبُ أولاده من أبيه، فصار قذفه قدحًا (١) للنسب في آبائه وأبنائه، فوجب لهم المطالبة بالحد؛ ولذلك استوى في المطالبة بالحدّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف ولد الابن وولد الابنة؛ لأن ولد البنت ينقطع نسبهم من جهة الأم، كما ينقطع نسبهم من جهة الأب، فيلحقهم الشين بكلّ واحدٍ من الأمرين. وأما محمد فقال: بأن الانتساب إنما هو إلى الآباء، فانقطاع النسب من قبل الأم لا يلحق به الشين إذا ثبت النسب من قبل الأب، فلم يكن لهم المطالبة. ومعنى قول محمد إذا كان ممن يرث ويورث. (قال أبو الحسن: معناه: أنه يرثه ويورث) (٢) مع العصبة كأولاد الابن. فأما أولاد البنت، فيرثون عندنا، وإنما لا يرثون مع العصبات. ٢٦٨٧ - : [فَصْل: مطالبة الأبعد من الولدان بحد الميت] قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد جميعًا: يجوز للأبعد من الولدان أن يطالب بحدّ الميت مع بقاء الأقرب، فيكون لابن الابن أن يطالبَ بقذف الميت،

стр. 4156

وإن كان الابن حيًّا [لا يطالب]. وقال زفر: ليس للأبعد حقٌّ مع وجود الأقرب. وجه قولهم: أن القدح بقذف الميت يقع في نسب كلّ واحدٍ منهما، ويلحق به الشين، فجاز له المطالبة بالحد، كما لو قذفه في نفسه؛ ولأن الحد لا يثبت على وجه الإرث عن الميت، فلو أثبتناه للأقرب فالأقرب لصارَ في حكم الموروث، وهذا لا يصح. وجه قول زفر: أن الشَّيْنَ الذي يلحق القريب ليس في [مثل] الشين الذي يلحق البعيد، فلم يكن للبعيد المطالبة، كما ليس للولد أن يطالب بقذف الأب الحيّ إذا ترك المطالبة بذلك وإن كان الشين يلحقهم؛ لأن الشين الذي يلحق الأب أعظم. ٢٦٨٨ - [فَصْل: مطالبة العبد والذِّمي بحد الميّت المقذوف] وقال أبو حنيفة: وللولد والوالد إن كان عبدًا أو ذميًّا أن يطالب بالحدّ إذا كان المقذوف حرًّا مسلمًا (١)؛ وذلك لأن الشين يلحق العبد بانقطاع نسبه عن أبيه، كما يلحق الحر، والقذف قذف صحيح، فلذلك تعلّق به الحدّ. ولا يقال: إن العبد لو قُذف في نفسه لم يحدّ قاذفه، فكيف يجب الحدّ للشين الذي لحق به بقذف غيره؛ لأنه إذا قذف في غيره فالقذف قذفٌ صحيحٌ؛ لأنه قذف محصنٍ، والشين إذا حصل بقذفٍ صحيحٍ تعلّق به الحدّ، وإذا قذف في نفسه، فالقذف ليس بقذف صحيح، لفقد الإحصان في المقذوف؛ فلذلك لم يحد القاذف.

стр. 4157

قال: وكذلك إن كان المطالبُ بالحد قاتلًا للميت، ممن حُرِم الميراث بقتله؛ لأن الحدّ لا يثبت له على طريق الإرث حتى يؤثر فيه القتل، وإنما يثبت له للشين الذي يلحقه [به]، وهذا المعنى موجودٌ، وهذا الفعل أظهر من قذف والد العبد؛ لأنه لو قذفه هاهنا حُدّ، والعبد لو قذفه في نفسه لم يحدّ، فكان المعتبر وجود النسب الذي يرث به ويورث مع العصبة، تعلّق به الإرث أو لم يتعلق، إذا لم يتعلق به لمانعٍ. ٢٦٨٩ - : [فَصْل: مطالبة الولد بحد القذف إذا كان القاذف أباه أو جدّه] قال: وليس للولد أن يطالب بحدّ القذف إذا كان القاذف أباه أو جدّه وإن علا، ولا أمه ولا جدته وإن علت، وكذلك إن قذفه في نفسه أحدٌ من هؤلاء؛ وذلك لأن الولد ممنوعٌ من إلحاق الضرر بأبيه، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وإلحاق الضرر بإقامة الحدّ أكثر، فلم يجز إيجابُ الحدّ عليه بقذفه، وقد قالوا: إنه لو قتله لم يقتصّ منه، فإذا قذفه أولى أن لا يحد بقذفه. وإذا ثبت أنه لا يحدّ بقذفه في نفسه لما بيّنا من الحُرمة، فلأن لا يطالبه بقذف غيره أولى. ٢٦٩٠ - [فَصْل: الحد في قذف الرجل جماعةً بكلمة واحدة] قال: وإذا قذف رجلٌ جماعةً [من الناس] بالزنا بكلمةٍ واحدةٍ، أو قذف كلّ واحدٍ منهم بكلامٍ على حدةٍ، أو في أيامٍ متفرقةٍ، فعليه حدٌّ واحدٌ، فإن حضر المقذوفون جميعًا يطالبون بالحد، أو حضر واحدٌ منهم، فإنما على القاذف حدٌّ واحدٌ، لا يحدّ لهم في ذلك أكثر من حدٍّ واحدٍ، خاصموا في ذلك مجتمعين أو

стр. 4158

متفرقين، إذا قام به أحدهم كان ذلك لجماعتهم، وإن حضر بعد ذلك من لم يخاصم في قذفه يطلبُ الحدّ، لم يحدّ له كرّةً أخرى. وقال الشافعي: إن قذفهم بكلمةٍ واحدةٍ وجب حدٌّ واحدٌ، فإن فرّق القذف فلكلّ واحدٍ منهم الحدّ (١). وهذه المسألة فرعٌ على أن حدّ القذف حقٌّ لله تعالى، والآدمي يطالب به لحقّ الله تعالى، فإذا طالب الواحد، قام مقام الجماعة في الاستيفاء، ولأنها عقوبةٌ سمِّيت حدًّا في الشريعة، فإذا اجتمع أسبابها تداخلت كحدّ الزنا. [قال]: فإن حُدَّ للقاذف وفرغ من حده (٢)، ثم قذف آخر، حُدّ للثاني حدًّا آخر، وإنما يسقط حد القذف إذا ضرب القاذف ما قبله من القذف، ولا يسقط ما بعده. وكذلك السرقات، وذلك لأن الحد تقرر به الكذب على القاذف، فيسقط موجب القذف في كلّ واحدٍ من الجماعة، وإذا استأنف القذف بعد الحد، لم يُسقط الحدّ [المتقدّم] موجب القذف المتأخر، كمن زنى فحدّ ثم زني. قال: ولو قذف رجلًا، فضرب تسعةً [وسبعين] (٣) سوطًا، ثم قذف آخر، ضُرب السوط الباقي ولم يكن عليه حدٌّ للثاني، فإذا بقي من الحدّ الأول شيءٌ فقذف الآخر قبل تمامه، ضرب بقيّة حدّ الأول ولم يحدّ للثاني في قولهم؛ وذلك

стр. 4159

لأن الشين الذي [يتحقق] (١) به الكذب هو السوط الأخير، ألا ترى أن ما قبل ذلك لا يُبطل الشهادة، فصار السوط الأخير في تحقق الشين كجملة الحد، ومعلومٌ بأنه لو حُدّ جملة الحدّ بعد القذفين سقط حكمهما، فكذلك إذا ضرب السوط الآخر بعد القذفين (٢).

стр. 4160

بَاب ما يكون الوطء شبهةً في إسقاط الحدّ عن القاذف وما لا يكون قال أصحابنا جميعًا: إذا زنى رجلٌ، فقذفه رجل بذلك الزنا أو بغيره، أو قذفه قذفًا مبهمًا، فلا حدّ على القاذف. وروى بشر عن أبي يوسف، عن ابن أبي ليلى وعن إبراهيم: أن القاذف يحدّ إلّا أن يقذفه بذلك الزنا بعينه. لنا: أن الحدّ يجب على القاذف للشين الذي يلحقه بالمقذوف، والزاني لا يلحقه شينٌ بالقذف، فلم يجب الحدّ على قاذفه؛ ولأنه صادقٌ فيما أخبر من الزنا إذا اتهم، ألا ترى أنه يحتمل الإخبار عن الزنا المعلوم، ويحتمل أن يكون أخبر عن غيره، فلم يجز إيجاب الحدّ على القاذف بالشك. ٢٦٩١ - [فَصْل: فيما لا يحدّ القاذف] قال أبو الحسن: وإذا كان المقذوف حرًّا مسلمًا قد وطئ وَطْئًا حرامًا، أو كانت امرأة قد وطئت وَطْئًا حرامًا، وليس بزنا، فقذفها قاذف بالزنا، [فإن هذا على وجهين: إن كان وَطْئًا حرامًا في زوجةٍ أو مملوكةٍ للواطئ، فعلى القاذف بالزنا الحدّ] (١)، ولا يكون ذلك الوطء شبهةً في إسقاط الحدّ عن القاذف. وذلك مثل أن يطأ جاريةً له مجوسيةً، أو ذات مَحْرَمٍ منه من رَضَاعٍ، أو

стр. 4161

مَحْرَمٍ بغير رضاعٍ، مثل أن يكون أبو الواطئ قد وطئها قبله بملك يمين، أو كان هو وطئ أمها أو ابنتها، أو وطئ أختين بملك اليمين جمع بينهما بالوطئ وهما في ملكه، أو جمع بين وطئ ذواتي محرم منه بملك اليمين، أو وطئ أمته وقد زوّجها، أو وطئ مكاتبته، وكذلك الزوجة إذا وطئها وهي حائضٌ، أو نفساء، أو مُحْرِمةٌ، أو صائمةٌ في رمضان، أو كانت في عدّةٍ من وطءٍ بشبهةٍ، أو كان ظَاهر منها فوطئها قبل أن يكفّر، ثم قذفه قاذفٌ بالزنا، فإن هذا كلّه لا يسقط الحد عن القاذف. وجملة هذا: أن الوطء على ضربين: وطءٌ في ملك، ووطءٌ في غير مِلك. فالوطء في المِلْك على وجوهٍ: أحدها: أن يكون التحريم عارضًا مثل وطء الحائض والنفساء، والأمة التي زوّجها أو كاتبها، والحرة التي ظاهر منها، أو وجب عليها العدة، فهذا الوطء لا يسقط الحد عن القاذف؛ لأنه تحريم عارض في المِلك، فصار كوطء زوجته المريضة التي تستضر بالوطء، وكوطء الصائمة، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أصحابنا، إلا في المكاتبة. قال أبو حنيفة ومحمد: إن وَطْءَ المولى مكاتبته لا يسقط الحد عن قاذفه. وقال زفر: لا يحد قاذفه، وعن أبي يوسف روايتان. وجه قولهما: أنه تحريمٌ عارضٌ في الملك كالحيض والإحرام. وجه قول زفر وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن ملكه زال عن وطئها؛ بدلالة أن المهر لها عليه، فصار كالوطء في غير الملك. وأما إذا كان التحريم في الملك مؤبدًا، مثل وطء ذوات المحارم، فقد ذكر

стр. 4162

في الأصل: أنه يسقط الحد عن القاذف، وذكر أبو الحسن: أنه لا يسقط. وجه قولهم الذي ذكر في الأصل: أنه وطءٌ محرم على التأبيد، فصار آكد من الزنا. وجه ما ذكره أبو الحسن: أنه وطءٌ في ملكٍ، فمقارنة التحريم لا تسقط الإحصان كوطء أمته المزوَّجة. وأما إذا كان التحريم يشبه المؤبد من وجهٍ، ويشبه العارض من وجهٍ، مثل من قبّل امرأةً لشهوةٍ، أو نظر إلى فرجها لشهوةٍ، ثم تزوج ابنتها، فوطئها، قال أبو حنيفة: لا يسقط الحدّ عن قاذفه. [وقال أبو يوسف ومحمد: يسقط الحدّ عن قاذفه]. لأبي حنيفة: أن هذا الوطء مختلفٌ في تحريمه في السلف، وليس فيه نصٌّ يقتضي التحريم، ويجوز أن يقع حكم حاكمٍ بإباحته (١)، فحلّ محلّ التحريم العارض. وجه قولهما: أن هذا تحريمٌ مؤبدٌ، فصار كوطء الابنة والأخت. وعلى هذا الخلاف: إذا قبّل امرأة وتزوج بابنتها. وكان أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى يقول: لا خلاف بينهم أنّ من زنى بامرأةٍ ثم تزوّج ابنتها فوطئها، أن الحد يسقط عن قاذفه وإن كان الخلاف في مسألة الوطء وفي مسألة القبلة موجودٌ، إلا أن التحريم

стр. 4163

بالوطء فيه نصٌّ لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والنكاح: الوطء. وأما القسم الثاني: وهو الوطء في غير ملك، فقال أبو الحسن: إذا كان الوطء المحرم (في غير زوجةٍ ولا مملوكةٍ، فلا حد على قاذفه في قول أبي حنيفة. وإن كان الوطء المحرم) (١) ليس بزنا، مثل أن يتزوج امرأةً نكاحًا فاسدًا مجمعًا على فساده، وهو يعلم أو لا يعلم، أو يطأ جاريةً مشتركةً، أو يشتري جاريةً فيطؤها، ثم تُستَحقّ وهو لا يعلم أنها لغير البائع، أو يطأ بنكاحٍ ثم يعلم (أن المرأة ممن لا يحلّ له نكاحها، فيقذفه قاذفٌ بالزنا، فلا حدّ على قاذفه. وجملة هذا القسم) (٢): أن الوطء في غير ملكٍ يسقط الحدّ عن القاذف في قولهم إلا في مسألةٍ واحدةٍ: وهي المجوسي إذا تزوّج بأمه فدخل بها، ثم أسلم فقذفه قاذفٌ، حُدّ عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد (٣): لا يحدّ. لأبي حنيفة: أن هذا وطءٌ يقرّ عليه، فأجري مجرى الوطء الحلال، فلا يسقط الإحصان. وجه قولهما: أنه وطءٌ محرمٌ في غير ملك، كالزنا، [فأشبه عقد المسلم على ذوات محارمه].

стр. 4164

فأما ما سوى هذه المسألة، فالحدّ يسقط عن القاذف؛ لأنه وطئ وطءًا حرامًا في غير ملك، وذلك يشبه الزنا، فإذا قذفه قاذفٌ، جاز أن يكون اشتبه الأمر عليه، وهذه الشبهة مستندةٌ إلى سببٍ صحيحٍ، فأسقط الحد عن القاذف (١). ومن هذه الجملة قالوا: فيمن تزوج امرأةً نكاحًا بغير شهودٍ، ووطئها، سقط الحد عن قاذفه؛ لأن العقد لم يوجد بجميع شرائطه، والخلاف فيه غير معتدٍّ به عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يعرفه من الصحابة، فصار كالوطء المجمع عليه. قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره: إن أبا يوسف قال: أحسن ذلك عندي أنه إذا تزوج امرأة وهو يعلم أن لها زوجًا، أو امرأة يعلم أنها في عدّةٍ من زوجٍ، أو امرأةً ذات رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه وهو يعلم، فلا حدّ على قاذفه. قال: وإذا أتى شيئًا من ذلك بغير علم، فإني أحدّ قاذفه. وذكر بعد هذا ابن رستم عن محمد: في رجل اشترى جاريةً فوطئها، ثم استحقّها مستحقٌّ، وقذف إنسان المشتري، [قال]: قال أبو حنيفة: لا حدّ عليه، وهو وقول محمد. وقال أبو يوسف: يحدّ قاذفه. وقال ابن سماعة عن محمدٍ: في رجلٍ طلّق امرأته طلاقًا بائنًا، وكتمها ذلك، وجعل يطؤها، ثم علمت بعد (٢)، فقذفها إنسان بالزنا، فإني أحد قاذفها. قال محمد: لأنه وجب الصداق، وثبت النسب، ووجبت العدة، ولم تأثم.

стр. 4165

ثم قال: وكذلك لو اشترى أمةً فوطئها وهو لا يعلم، ثم استبان أنها أخته، فحصل في هذا [النوع] (١)، وهو الوطء مع الجهل. [في] قول أبي حنيفة: إن الحدّ يسقط عن القاذف، وهي رواية ابن رستم عن محمد. وقال أبو يوسف ومحمد: يحدّ القاذف، وهي رواية ابن سماعة [وهشام] عن محمد. لأبي حنيفة: أنه وطءٌ محرمٌ بالإجماع في غير ملكٍ، فالجهل لا يمنع من سقوط الإحصان، كمن زنى بامرأةٍ ظنها امرأته، وهو لا يعلم أن الزنا حرامٌ. لأبي يوسف وإحدى الروايتين عن محمد: أنه وطءٌ يتعلق به الأحكام، ولا مأثم فيه، فحمل على الوطء المباح. وقال بشر عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: إذا وطئ الرجل امرأةً وطئًا حلالًا، ثم وطئ أمها أو ابنتها -يعني بنكاح- فلا حد على قاذفه؛ وذلك لأن هذا وطءٌ محرمٌ في غير ملكٍ مجمعٌ على تحريمه. وقال: إن قبّل امرأةً لشهوةٍ، أو لمسها لشهوةٍ، ثم وطئ أمها أو ابنتها -يعني بنكاح- ثم قذفه رجلٌ، فعليه الحدّ، وذكر أن هذا مخالفٌ للأول. (وقال أبو يوسف: هما عندي سواءٌ، ولا حدّ على قاذفه، وقد بيّنا هذه المسألة) (٢).

стр. 4166

وقال محمد في الأصل: في رجلٍ تزوج أمةً وحرةً في عقدة واحدة، فوطئهما، فعلى قاذفه الحد. وقال ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: ولو تزوج أمةً على حرّةٍ فوطئها، فإني أحد قاذفه؛ وذلك لأن هذا الوطء مختلفٌ فيه في السلف، وقد وجد العقد بجميع شرائطه، فصار كالتحريم العارض، ولم يسقط الإحصان. قال: ولو وطئ رجلٌ جارية ابنه، فأحبلها أو لم يحبلها، فإني لا أحد قاذفه. وقال ابن سماعة: [ولم يُرْوَ وطء الرجل جارية ابنه عن أبي حنيفة] (١)؛ وذلك لأن هذا وطءٌ محرمٌ في غير الملك، متفقٌ على تحريمه كالزنا. وأما إذا وطئ [أختين] (٢) بملك يمينٍ، فإن قاذفه يحد؛ لأن هذا الوطء مختلفٌ فيه في الصحابة، وقد دلّ على إباحته قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فجرى مجرى التحريم العارض، فلا يسقط الحدّ عن القاذف (٣).

стр. 4167

بَاب الرجلِ ينفي الرجلَ عن أبيه قال ابن سماعة، عن أبي يوسف في نوادره وفي الإملاء: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ قال لرجلٍ: لست لأبيك: هذا قاذفٌ، يُحدّ، ولا يكون هذا على وجهٍ من الوجوه غير قذف في رضًا ولا غصبٍ؛ وذلك لأن هذا لا يذكر إلا على وجه نفي النسب، [وقد قدّمنا: أن نفي النسب] على وجه السب، إنما يراد به قذف الأم بالزنا. [قال]: ولو قال: ليس هذا أباك، فإن قاله في رضا أو على وجه الاستفهام، فليس بقاذفٍ، ولا حدّ عليه، وإن قاله في غضبٍ أو على وجه التعيير، فهو قذفٌ، والحدّ له لازمٌ؛ وذلك لأن هذا اللفظ يذكر على وجه المدح، (كما يقول العرب: فلان ابن ماء السماء، وابن مزيقياء (١)، على وجه المدح له) (٢)؛ ولأن أخلاقه تشبه أخلاق هذا الممدوح. وقد يذكر على وجه الذم ونفي النسب، فإذا كان في حال الرضا، فالظاهر منه المدح، فحمل عليه، وإن كان في حال الغضب، فالظاهر منه الذم، فحمل عليه. وقال ابن سماعة في مسألةٍ أخرى: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ قال لرجلٍ: لست لأبويك، فليس هذا بقاذفٍ، وإذا قال: لست لأبيك، فقد قذف أمّه؛

стр. 4168

وذلك لأن نفيه عن أبويه يمنع من القذف بالزنا؛ لأنه يقول لم تلدك أمك، والزانية التي ولدت من الزنا، فأما التي لم تلد الولد، فلا تكون مقذوفةً به. وأما إذا قال: لست لأبيك، فلم ينف الولادة، ونسبه إنما ينفى عن أبيه إذا زنت أمه، فكان قاذفًا. قال ابن سماعة: وقال أبو يوسف في هذا الموضوع: وإذا قال هذا على وجه الاستفهام أو على وجه الغضب على الإنسان (١)، فليس بقاذف؛ وذلك لأن هذا اللفظ فيه احتمال، فإذا قاله على وجه الاستفهام، لم يقطع بالزنا. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: لو قال: يا ابن الزانيتين، وكانت أمه الدنيا مسلمةً، فعليه الحدّ، ولا يبالى أمسلمةً كانت الجدة أم لا، وإن كانت الجدة مسلمةً، والأم الدنيا كافرةً، فلا حدّ عليه؛ وذلك لأن الإضافة إلى الولادة إنما يتناول الأقرب فالأقرب، ألا ترى أن حقيقة البنوة (٢) تتناول الأم، والجدة إنما تسمى بذلك على وجه المجاز، فوجب اعتبار صفة الأم، فإن كانت محصنةً حدّ قاذفها، وإلا لم يحدّ. قال: وكذلك قوله: يا ابن مائة زانية؛ لأن هذا اللفظ إنما يراد به في العادة أن أمه زنت مائة مرة، وليس المراد به أن في أمهاته هذا العدد من الزناة، ومن قذف امرأة بتكرار الزنا، حُدّ. وقال مُعَلَّى عن أبي يوسف: فيمن قال لرجل: أنت ابن فلانٍ، لرجلٍ أجنبيٍّ، وذلك في صحةٍ، فهو قاذفٌ للرجل الأجنبي، ولأم الرجل الذي شَانَه

стр. 4169

يضرب لهما جميعًا حدًّا واحدًا؛ وذلك لأن الإنسان لا يُنسب إلى غير أبيه في حال الغضب إلا ويراد به السّبُّ، والسبُّ بالنسب إنما يكون بزنا الأم بفلان، وذلك قذفٌ لهما. وقال هشام عن محمد: في رجلٍ قال لرجلٍ: يا ابن فلان، نسبه إلى غير أبيه، فأخبرني أن أبا حنيفة كان يقول: إن كان في غضبٍ، فعليه الحدّ، وإن كان في غير غضبٍ، فلا حدّ عليه، إنما هذا غلطٌ؛ وذلك لأن العادة أن الإنسان يقول: أنت ابن فلانٍ على طريق المدح، يعني: تشابه أخلاقهما، وقد جرت العادة (١) بذلك على ما قدمنا، وقد يذكر على طريق السبِّ، فوقف على دليل الحال. وقال ابن سماعة: قال أبو يوسف: إذا قال رجلٌ لرجلٍ: لستَ لأبيك، ولستَ لأمك، فليس عليه حدٌّ؛ لأن هذا كلامٌ موصولٌ، وهذا على ما قدمنا: أنه نفى ولادة أمه له، وهذا يمنع من قذفها بالزنا. وقال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لرجلٍ: أنت ابن فلانٍ، لعمِّه أو لخاله، أو لزوج أمه، قال: لا حدّ عليه؛ وذلك لأن العمّ يسمى أبًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فسمى العمّ باسم الأب. وكذلك الخال؛ لأن النبي ﷺ قال: "الخالة والدة" (٢)، وهذا يقتضي كون الخال والدًا (٣). وكذلك زوج الأم يسمى أبًا، قيل في التفسير في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي

стр. 4170

مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]: إنه كان ابن امرأته، وأجاز رسول الله ﷺ أبا رافع، ولم يُجز سمرة، وقال زوج أمه: أجزت أبا رافع، ولم تُجز ابني (١)، وإذا كان هذا يُنسب إليه في العادة، لم يكن قاذفًا، وإنما يحمل على المعتاد. ولو قال [له]: لست (٢) بابن فلانٍ لجده، لم يكن عليه حدّ؛ وذلك لأن الجد ليس بأبٍ في الحقيقة، فإذا نفاه عنه صدَق في نفيه. وقال ابن رستم عن محمد: في رجل له جدٌّ جاهلي، فقال له رجلٌ: لست بابن فلان جدك، لجد أبيه الجاهلي، أنه لا حدّ في مثل هذا. وكذلك رجل مسلم له أبٌ كافرٌ، أو جدٌّ كافرٌ، فقيل للابن المسلم: ليس فلان بأبيك، يعني جدك (٣)، فقال له المسلم: أنت [سببتني حتى أزلت نسب أبي] (٤)، أنه لا حدّ عليه فيه أيضًا؛ وذلك لأن هذا قذف لامرأة كافرة، فلم يكن قذفًا صحيحًا، فلم يجز للمسلم المطالبة بالحدّ فيه. وقال ابن رستم عن محمد: قال أبو حنيفة: في رجل قال لرجل عربي: يا نَبَطي، إنه لا حدّ عليه، ولو كان في هذا حدٌّ كان لو قال للرومي: يا فارسي حُدّ؛ وذلك لأن هذا يذكر ولا يراد به النسب، وإنما يريد (٥) الطباع والأخلاق، فيقال للعربي: أنت نَبَطيٌّ، بمعنى: إنك لتشبه النبط في أخلاقهم، فلم يكن ذلك قذفًا.
следующие страницы →