وقال محمد في الأصل: في رجلٍ تزوج أمةً وحرةً في عقدة واحدة، فوطئهما، فعلى قاذفه الحد.
وقال ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: ولو تزوج أمةً على حرّةٍ فوطئها، فإني أحد قاذفه؛ وذلك لأن هذا الوطء مختلفٌ فيه في السلف، وقد وجد العقد بجميع شرائطه، فصار كالتحريم العارض، ولم يسقط الإحصان.
قال: ولو وطئ رجلٌ جارية ابنه، فأحبلها أو لم يحبلها، فإني لا أحد قاذفه.
وقال ابن سماعة: [ولم يُرْوَ وطء الرجل جارية ابنه عن أبي حنيفة] (١)؛ وذلك لأن هذا وطءٌ محرمٌ في غير الملك، متفقٌ على تحريمه كالزنا.
وأما إذا وطئ [أختين] (٢) بملك يمينٍ، فإن قاذفه يحد؛ لأن هذا الوطء مختلفٌ فيه في الصحابة، وقد دلّ على إباحته قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فجرى مجرى التحريم العارض، فلا يسقط الحدّ عن القاذف (٣).
стр. 4167
بَاب الرجلِ ينفي الرجلَ عن أبيه
قال ابن سماعة، عن أبي يوسف في نوادره وفي الإملاء: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ قال لرجلٍ: لست لأبيك: هذا قاذفٌ، يُحدّ، ولا يكون هذا على وجهٍ من الوجوه غير قذف في رضًا ولا غصبٍ؛ وذلك لأن هذا لا يذكر إلا على وجه نفي النسب، [وقد قدّمنا: أن نفي النسب] على وجه السب، إنما يراد به قذف الأم بالزنا.
[قال]: ولو قال: ليس هذا أباك، فإن قاله في رضا أو على وجه الاستفهام، فليس بقاذفٍ، ولا حدّ عليه، وإن قاله في غضبٍ أو على وجه التعيير، فهو قذفٌ، والحدّ له لازمٌ؛ وذلك لأن هذا اللفظ يذكر على وجه المدح، (كما يقول العرب: فلان ابن ماء السماء، وابن مزيقياء (١)، على وجه المدح له) (٢)؛ ولأن أخلاقه تشبه أخلاق هذا الممدوح.
وقد يذكر على وجه الذم ونفي النسب، فإذا كان في حال الرضا، فالظاهر منه المدح، فحمل عليه، وإن كان في حال الغضب، فالظاهر منه الذم، فحمل عليه.
وقال ابن سماعة في مسألةٍ أخرى: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ قال لرجلٍ: لست لأبويك، فليس هذا بقاذفٍ، وإذا قال: لست لأبيك، فقد قذف أمّه؛
стр. 4168
وذلك لأن نفيه عن أبويه يمنع من القذف بالزنا؛ لأنه يقول لم تلدك أمك، والزانية التي ولدت من الزنا، فأما التي لم تلد الولد، فلا تكون مقذوفةً به.
وأما إذا قال: لست لأبيك، فلم ينف الولادة، ونسبه إنما ينفى عن أبيه إذا زنت أمه، فكان قاذفًا.
قال ابن سماعة: وقال أبو يوسف في هذا الموضوع: وإذا قال هذا على وجه الاستفهام أو على وجه الغضب على الإنسان (١)، فليس بقاذف؛ وذلك لأن هذا اللفظ فيه احتمال، فإذا قاله على وجه الاستفهام، لم يقطع بالزنا.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: لو قال: يا ابن الزانيتين، وكانت أمه الدنيا مسلمةً، فعليه الحدّ، ولا يبالى أمسلمةً كانت الجدة أم لا، وإن كانت الجدة مسلمةً، والأم الدنيا كافرةً، فلا حدّ عليه؛ وذلك لأن الإضافة إلى الولادة إنما يتناول الأقرب فالأقرب، ألا ترى أن حقيقة البنوة (٢) تتناول الأم، والجدة إنما تسمى بذلك على وجه المجاز، فوجب اعتبار صفة الأم، فإن كانت محصنةً حدّ قاذفها، وإلا لم يحدّ.
قال: وكذلك قوله: يا ابن مائة زانية؛ لأن هذا اللفظ إنما يراد به في العادة أن أمه زنت مائة مرة، وليس المراد به أن في أمهاته هذا العدد من الزناة، ومن قذف امرأة بتكرار الزنا، حُدّ.
وقال مُعَلَّى عن أبي يوسف: فيمن قال لرجل: أنت ابن فلانٍ، لرجلٍ أجنبيٍّ، وذلك في صحةٍ، فهو قاذفٌ للرجل الأجنبي، ولأم الرجل الذي شَانَه
стр. 4169
يضرب لهما جميعًا حدًّا واحدًا؛ وذلك لأن الإنسان لا يُنسب إلى غير أبيه في حال الغضب إلا ويراد به السّبُّ، والسبُّ بالنسب إنما يكون بزنا الأم بفلان، وذلك قذفٌ لهما.
وقال هشام عن محمد: في رجلٍ قال لرجلٍ: يا ابن فلان، نسبه إلى غير أبيه، فأخبرني أن أبا حنيفة كان يقول: إن كان في غضبٍ، فعليه الحدّ، وإن كان في غير غضبٍ، فلا حدّ عليه، إنما هذا غلطٌ؛ وذلك لأن العادة أن الإنسان يقول: أنت ابن فلانٍ على طريق المدح، يعني: تشابه أخلاقهما، وقد جرت العادة (١) بذلك على ما قدمنا، وقد يذكر على طريق السبِّ، فوقف على دليل الحال.
وقال ابن سماعة: قال أبو يوسف: إذا قال رجلٌ لرجلٍ: لستَ لأبيك، ولستَ لأمك، فليس عليه حدٌّ؛ لأن هذا كلامٌ موصولٌ، وهذا على ما قدمنا: أنه نفى ولادة أمه له، وهذا يمنع من قذفها بالزنا.
وقال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لرجلٍ: أنت ابن فلانٍ، لعمِّه أو لخاله، أو لزوج أمه، قال: لا حدّ عليه؛ وذلك لأن العمّ يسمى أبًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فسمى العمّ باسم الأب.
وكذلك الخال؛ لأن النبي ﷺ قال: "الخالة والدة" (٢)، وهذا يقتضي كون الخال والدًا (٣).
وكذلك زوج الأم يسمى أبًا، قيل في التفسير في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي
стр. 4170
مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]: إنه كان ابن امرأته، وأجاز رسول الله ﷺ أبا رافع، ولم يُجز سمرة، وقال زوج أمه: أجزت أبا رافع، ولم تُجز ابني (١)، وإذا كان هذا يُنسب إليه في العادة، لم يكن قاذفًا، وإنما يحمل على المعتاد.
ولو قال [له]: لست (٢) بابن فلانٍ لجده، لم يكن عليه حدّ؛ وذلك لأن الجد ليس بأبٍ في الحقيقة، فإذا نفاه عنه صدَق في نفيه.
وقال ابن رستم عن محمد: في رجل له جدٌّ جاهلي، فقال له رجلٌ: لست بابن فلان جدك، لجد أبيه الجاهلي، أنه لا حدّ في مثل هذا.
وكذلك رجل مسلم له أبٌ كافرٌ، أو جدٌّ كافرٌ، فقيل للابن المسلم: ليس فلان بأبيك، يعني جدك (٣)، فقال له المسلم: أنت [سببتني حتى أزلت نسب أبي] (٤)، أنه لا حدّ عليه فيه أيضًا؛ وذلك لأن هذا قذف لامرأة كافرة، فلم يكن قذفًا صحيحًا، فلم يجز للمسلم المطالبة بالحدّ فيه.
وقال ابن رستم عن محمد: قال أبو حنيفة: في رجل قال لرجل عربي: يا نَبَطي، إنه لا حدّ عليه، ولو كان في هذا حدٌّ كان لو قال للرومي: يا فارسي حُدّ؛ وذلك لأن هذا يذكر ولا يراد به النسب، وإنما يريد (٥) الطباع والأخلاق، فيقال للعربي: أنت نَبَطيٌّ، بمعنى: إنك لتشبه النبط في أخلاقهم، فلم يكن ذلك قذفًا.
стр. 4171
وقال في رجل قال لرجل: يا ابن الأقطع، أو يا ابن الأعور، [أو يا ابن الأسود، ونحو هذا، وليس في آبائه أقطع ولا أسود ولا أعور]: إنه لا حدّ عليه؛ لأن هذا لا يراد به أن أمه زنت برجلٍ على هذه الصفة، وإنما يراد به أن أباه موصوفٌ بهذه الصفة، وقد يذكر هذا [في الصحيح] على طريق الذم والسبّ، كما يقال للبصير: يا أعمى.
وقال بشر عن أبي يوسف: فيمن قال لرجل: لست لآدم، أو لست لرجلٍ، أو لست لإنسانٍ، أو لست لأحدٍ، قال: لا يكون قاذفًا؛ لأن القذف هو أن يصف أمه بوطءٍ للآدمي لها، وإذا نفى أن يكون وطئها إنسانٌ، لم يكن قاذفًا.
وقوله: لست لآدم، كذبٌ، فلا يثبت به القذف.
قال: ولو قال: لست لأب، أو لأبيك، أو للآباء، أو لم يلدك أبوك، فإن هذا كله قذفٌ، وكذلك لو قال: لست للرَّشْدَة (١)؛ وذلك لأن نفي النسب عن الأب إنما يكون بزنا الأم (٢).
стр. 4172
بَاب متشابه القذف
قال (أبو الحسن ﵀) (١) في رجلٍ قال لرجلٍ: يا زاينة، قال: لا حدّ عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانًا.
وقال محمد: يجب (٢) حدّ القاذف، وروي عن أبي يوسف مثل قول محمد، والأول أصحّ.
وجه قولهما: أن "الهاء" إنما تثبت في صفة المذكر للمبالغة في العلم بالشيء، يقول العرب: فلانٌ نسابةٌ، وعلامةٌ، فكأنه قال له: أنت أعلم الناس بالزنا، أو أنت عالم بالزنا، وهذا ليس بقذفٍ.
وجه قول محمد: أنه أتى بالقذف وزاد عليه زيادةً لا يحتاج إليها، فتعلق الحكم بلفظ القذف، وسقطت الزيادة.
ولأنه لو قال لامرأةٍ: يا زانٍ، كان قاذفًا وإن وصفها بصفة المذكر، وكذلك إذا قال لرجلٍ: يا زانية، فوصفه بوصف المؤنث.
[قال]: وإن قال للمرأة: يازانٍ، فعليه الحدّ في قولهم جميعًا؛ وذلك لأن الأصل في الكلام المذكر، والتأنيث داخل عليه للفصل، فإذا أسقط علامة التأنيث، فقد أتى بأصل الكلام، فكان قاذفًا.
стр. 4173
فإن قال: يا ابن الزاني، أو يا ابن الزانية، حُدّ؛ وذلك لأنه قذف أباه وقذف أمه، فإذا كانا مُحصَنين ميتين (١)، فله المطالبة بحدهما.
وإن قال: يا ابن الزنا، قال: يحدّ في ذلك كله؛ لأن الزنا فعلٌ، ولا ينسب الإنسان إليه، وإنما معناه أنه مولودٌ من الزنا، وأنه ابن فاعل الزنا، وهذا قذفٌ.
وقال (٢) في رجلٍ قال لرجل: يا معفوج (٣)، قال: يعزِّره؛ وذلك لأن [هذا وصفٌ] (٤) بهذا الفعل، وليس فيه فرق بين الوطء وغيره، فلم يكن قذفًا [على قول أبي يوسف ومحمد حتى يضيف الفعل إلى السبيل، وعلى قول أبي حنيفة لا يكون قاذفًا به] بحال، وعليه التعزير؛ لأنه قذفه بأمر ألحق به الشين، وليس عليه حدٌّ مقدّرٌ.
وقال في رجل قال لآخر: يا ابن القحبة، قال: يعزِّره؛ وذلك لأن القحبة قد تكون المتعرّضة بالزنا وإن لم تفعل، فلم يكن هذا صريح قذف.
وقال فيمن قال لامرأته: يا خليلة فلان، قال: ليس عليه حدٌّ؛ لأن الخليلة تقتضي المودة، وقد يكون ذلك مع الوطء، وقد يكون مع غيره.
وقال: في رجل قال لآخر: جَدُّك زانٍ، أنه لا حد عليه؛ لأن اسم الجد يتناول الأعلى والأدنى على طريق الحقيقة، وفي جملة الأجداد كافرٌ، فإذا لم يتميز الجدّ المقذوف، لم يكن قاذفًا.
وقال: فيمن قال لرجل: يا ابن ألف زانيةٍ، أنه يُحدّ؛ وذلك لأنه قد قذف
стр. 4174
الأمّ ومن فوقها من الأمهات، وقَذْف الأم يكفي في إيجاب الحدّ.
وقال هشام: سألت محمدًا عن رجل قال لقوم مجتمعين: ليس فيكم إلا زانٍ إلا واحد، أو قال: كلكم زان إلا واحدٌ، أو قال: لرجلين: أحدكما زان، فقيل له هذا؟ لأحدهما، فقال: لا، قال: لا أحدّه للآخر؛ وذلك لأنه قذفٌ لمجهولٍ، والقذف للمجهول لا يثبت له حقّ المطالبة، فسقط الحدّ.
وأما إذا قال: أحدكما، فالقذف لم يَصحّ؛ لأنه لغير مُعيَّن، فإذا نفي [القذف] (١) عن أحدهما، فلم يحد بقذف الآخر، فلم يتعلّق بقذف المبتدأ حكم لم يتعلق به [حدٌّ] عند وجوده.
وسمعت محمدًا قال في رجلٍ قال لآخر: أخوك زانٍ، فقال الآخر: لا بل أنت، قال: يحدّ القاذف الآخر؛ لأن قوله: لا، للنفي، وبل للإثبات، وهذا آكد ما يكون من الإثبات؛ ولهذا يستعمل في لفظ الشهادة بالتوحيد، فإذا ثبت القذف، حدَّ.
فأما القاذف الأول، فإنما قذف أخاه، وقذف الأخ لا يثبت به المطالبة لأخيه، فإن حضر الأخ وطالب وليس للمسبوب أخ إلا هو، ثبت له الحد.
وقال أصحابنا: لو كان رجلٌ قال لآخر: يا زانٍ، فقال له آخر: صدقت، فعلى القاذف الحدّ، وليس على المصدق حدّ؛ لأن المصدق يحتمل أن يكون صدقه في القذف، ويحتمل التصديق في غيره، فلم يجز إثبات القذف بالشكِّ.
وإن قال: صدقت هو كما قلت، فهو قاذفٌ؛ لأنه لا احتمال في هذا
стр. 4175
التصديق إلا القذف، فحمل عليه.
٢٦٩٢ - [فَصْل: الحد فيما إذا اختلف الشاهدان في موقع القذف]
قال: وإذا شهد رجلان على رجل بالقذف، فقال أحدهما: قذفه هاهنا، وقال الآخر: قذفه بالرقة، قال: أما على قول أبي حنيفة: فلا حَدَّ عليه، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه الحَدُّ، وكذلك إذا قال أحدهما: يوم الجمعة، وقال الآخر: يوم الخميس، فهذا على هذا الخلاف.
وهذه المسألة على قلب هذا الخلاف عند أبي حنيفة: يجب الحد، وعندهما: لا يجب، وهو خلافٌ في الأصل لا يشتبه، وإنما وقع السهو من الناقل في النسخ.
لأبي حنيفة: أن القذف طريقه الأقوال، والأقوال تعاد وتكرر (١)، فاختلاف الأيام لا يؤثر فيها كالاختلاف في الإقرار.
وجه قولهما: أنّ [كل واحدٍ منهما شهد بقذفه عن القذف الآخر]، وكلّ واحدٍ من القذفين لا يجوز إثباته إلا بشاهدين، وليس هذا كالإقرار؛ لأن الشبه (٢) لا يؤثر فيه، والحد يؤثر فيه الشبه، فجاز أن يؤثر فيه الاختلاف.
قال: ولو شهد أحدهما أنه قال له: يا زانٍ، يوم الخميس، وشهد الآخر: أنه أقر أنه قال له يوم الخميس: يا زان، لم يحد في قولهم؛ وذلك لأن أحدهما شهد بالقذف، والآخر بالإقرار به، وكل واحدٍ من الأمرين لا يصح إثباته إلا بشاهدين.
وقال ابن رستم عن محمد: في رجل شهد عليه شهود، فقالوا: رأيناه يزني
стр. 4176
فيما دون الفرج، قال: لا يحد، ولا يحدون؛ وذلك لأنهم ذكروا الزنا، وفسّروه بما ليس بزنا موصولًا بالكلام، فأسقط ذلك الظاهر، وصار كما لو قالوا: زنا ببهيمة، أو زنا بحمار (١).
ولو قالوا: رأيناه يزني (فأبهموا، ضُرِبوا الحد) (٢)؛ لأن إطلاق الزنا يتناول الوطء في الفرج، والكلام محمولٌ على إطلاقه، إلا أن يبيّن المتكلم غير ذلك.
قال: ولو قال لامرأةٍ: يا زانية، فقالت: زنيتُ بِكَ، حُدّت المرأة، ولم يُحدّ الرجل؛ وذلك لأنها صدقته في القذف، حتى قالت: زنيت، وقذفته بقولها: زنيت بك، فسقط حكم قذفه، وبقي حكم قذفها.
ولو قال: يا زانية، فقالت: لا بل أنتَ الزاني، حُدَّا جميعًا؛ لأن كل واحد منهما قذف الآخر، ولم يوجد من المقذوف تصديقٌ.
ولو قال: يا زانية، فقالت: زنيت معك، فلا حدّ على واحدٍ [منهما]؛ لأن قولها زنيت تصديق في القذف، وقولها: معك، يحتمل وأنت حاضر، أو شاهد، فلم يكن ذلك مع الاحتمال قذفًا.
ولو قال: أنتِ زانية، فقالت: أنتَ أزنى مني، قال: يُحَدّ الرجل؛ لأنه قاذف، وليست هي بقاذفة من قِبَل أن رجلًا لو قال لرجل: أنت أزنى مني، أو أنت أزنى الناس، لم يكن عليه حدٌّ؛ لأنه ليس بقاذفٍ؛ وذلك لأن قولها: أنت أزنى مني وأزني الناس، يحتمل أن يراد به: أنت أعلم الناس بالزنا؛ لأن لفظ أفعل يستعمل في الفعل والعلم، ولم يذكر أبو الحسن في هذه المسألة خلافًا،
стр. 4177
وذكره غيره على الخلاف.
وعند أبي حنيفة (١) وزفر والحسن بن زياد: إذا قال: أنت أزني الناس، [أو أزنى من الزناة، أو أزنى من فلانٍ الزاني، فإنه قاذفٌ ويُضرب الحدّ، ولو قال]: أزنى مِنّي أو من فلانٍ، (لم يكن عليه حدٌّ لما قدمنا.
وقال أبو يوسف: إذا قال: أنت أزنى الناس، أو أنت أزنى من فلان، لم يحد) (٢)؛ وذلك لأنه إذا قال: أزنى من الزاني، فقد أضاف لفظة أفعل إلى من وجد منه الفعل، فالظاهر أن المفاضلة في الفعل (٣)، وكذلك إذا قال: أزني الزناة، فإذا قال: أنت أزنى الناس، فقد علمنا أن في الناس زناةً، فقد أضاف لفظة أفعل إلى من وُجد منه الزنا، وإذا قال: أزنى مني، وأزنى من [فلانٍ] (٤)، فقد أضاف اللفظة إلى من لم يعلم منه فعل الزنا، فاحتمل أن يكون المراد بها العلم، فلم يحدّ.
وقال ابن رستم عن محمد: في رجلٍ قال لرجلٍ: يا ماص كذا وكذا من أمّه، فذكر الفحش، قال: يعزّر، ولا حدّ عليه؛ وذلك لأن هذا سبٌّ، والسب بغير الزنا إذا ألحق به الشين، (فلا حد عليه) (٥)، ووجب به التعزير.
وقال ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة: في رجلين استبّا، فقال (أحدهما: ما أنا بزانٍ) (٦)، [ما أبي بزانٍ]، ولا أمي بزانية، قال: لا حد في هذا، وهو قول
стр. 4178
محمد؛ وذلك لأن هذا رجلٌ مدح نفسه (١) وأباه، ومدح أمه، ومَدْح الإنسان لنفسه أو لأبيه [أو لأمه] لا يتعلّق به وجوب الحدّ.
وقد قال مالك: إن هذا قذفٌ؛ لأنه في حال المسبة (٢) غنيٌّ عن مدح أبيه، وإنما يكني بهذا عن عكس الصفة في أب المخاطب، فصار قذفًا (٣)
وهذا ليس بصحيح؛ لأن أكثر الأحوال أن يكون قذفًا بكناية، والقذف قائم مقام الصريح، والحدود لا يجوز إثباتها بما قام مقام الغير.
وقال محمد: قال أبو حنيفة في رجلٍ قال: من قال إني فعلت كذا وكذا فهو ابن الزانية، فقال رجلٌ: أنا قلته، فلا حدّ على المبتدئ، علم أن ذلك الرجل قال أو لم يعلم.
وكذلك لو قال: من يقول في كذا وكذا فهو ابن الزانية، فقال رجل: أنا أقوله، لم يكن (٤) عليه أيضًا حدٌّ؛ لأن هذا قذفٌ لغير معيّنٍ، وقذفٌ معلّقٌ بشرطٍ، والقذف لا يجوز تعليقه بالشروط، ألا ترى أن الإنسان لا يكون زانيًا إن قال قولًا، فلم تصح إضافة الزنا إلى قوله، وإذا لم تصح الإضافة، لم يلحق المقذوف الشين.
وقال هشام: سمعت أبا يوسف قال: في رجل قذف رجلًا، [فقال]: يا لوطي، إنه إن أفصح بذلك حددته.
стр. 4179
وقال هشام: والإفصاح أن يقول: أنت تعمل عمل قوم لوط.
وقال في الأصل: في الرجل يقول للرجل: يا لوطي، قال: لا حد عليه، فإن قال: أنت تعمل عمل قوم لوط، وسمّى ذلك، ولم يُكَنّ عنه، قال: يحدّ في قول أبي يوسف ومحمد (١)، ويعزّر في قول أبي حنيفة ولا يحد.
وهذا فرع على اختلافهم في حكم هذا الفعل، فعند أبي حنيفة: أنه ليس بزنا، والقذف بغير الزنا لا يوجب الحد.
وعندهما: أنه زنا، فالقذف [به] يتعلق به الحد؛ إلا أنهما لا يوجبان ذلك إلا بصريح القذف، وقوله: يا لوطي، يحتمل الفعل، ويحتمل السبَّ (٢)، فلا يحمل على الفعل بالشكّ.
وقال هشام: عن محمد في رجل قال لرجل: يا أخا الفاعلة، يعني: الزانية، أو يا عم الزانية، قال: ليس على قائل هذا حدٌّ؛ لأن هذا تعييرٌ، وليس بشتمٍ؛ وذلك لأن الأخ لا يكون له المطالبة بقذف أخته، وكذلك العمّ؛ لما بيّنا: أن القدح في نَسَبِه لا يقع بقذفها، [ولا بزناهما].
قال هشام: إلا أن معنى قول محمد: حتى تجيء الأخت [نفسها] (٣) فتطالب؛ وذلك لأنه قاذف لأخته، فإن لم يكن له إلا أخت واحدة فقط، فالقذف لمعيّنٍ، فلها أن تطالب بذلك.
стр. 4180
قال هشام: قال محمد (١) في رجل قال لرجل: أنت تزني، قال: لا حَدَّ عليه؛ لأن حروف المضارعة إذا دخلت على الفعل، خلص للمستقبل، والإخبار عن الفعل في المستقبل ليس بقذفٍ.
فإن قال: أنت تزني، وأُضرب أنا، فلا حدّ عليه؛ لأن هذا إنما يقال على طريق الاستفهام والتغرير، أي كيف يجوز أن يعاقب غير الفاعل، فلا يقصد بذلك القذف.
قال هشام: سمعت أبا يوسف قال في رجل قال لآخر: يا ابن الدعيّة، قال: لا يحد؛ لأن الدعية للنسبة في العرف (٢)، ولا نسب لها فيهم، وهذا لا يوجب الزنا.
قال هشام: سمعت محمدًا قال: إذا قال الرجل لآخر: يا زأن، فأدخل فيه الهمزة، وقال: عنيت أن تصعد على شيءٍ، قال: عليه الحدّ، ونيته باطلةٌ؛ وذلك لأن العامة لا تفصل بين إدخال الهمز وإسقاطه، فقد يليّن المهموز ويهمز الملين، وإذا لم يفصل كان الظاهر من قوله القذف.
فإن قال: زنأت في الجبل، ثم قال: عنيت الصعود فيه، فعليه الحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا حَدَّ عليه.
وجه قولهما: ما ذكرنا أن العامة لا تفصل بين إدخال الهمز وإسقاطه، فصار هذا لغةً لهم، والقاذف بغير لغة العرب يجب عليه الحد (٣).
стр. 4181
فإن قيل: فما تقولون في العربي الذي يفصل بين الأمرين إذا قال هذا؟
قلنا: لا رواية فيه، فمن أصحابنا من قال: لا حدّ عليه؛ (لأنه ممن يفصل بين الأمرين، فإذا أدخل الهمزة، فإنما أراد الصعود، ومنهم من قال: عليه الحد) (١)؛ لأن العامة لما اعتادت استعمال هذه اللفظة في القذف، صار العربي كالقاذف بلغة غيره.
وجه قول محمد: أن الزناء -بالهمزة- هو الصعود (٢)، فإذا ذكر معه الجبل، فقد زال الاحتمال، وصار الظاهر ما قاله، وليس كذلك إذا لم يذكر الجبل؛ لأنه لا ظاهر يدل على الصعود إلا الهمزة، وهو أمر [مشتبه] (٣) عند العامة، فلم يعتد به.
قال: فإن قال: زنأت على الجبل، فعليه الحد في قولهم؛ وذلك لأنه لا يقال: صعدت على الجبل، والجبل موضع يصح عليه الزنا، فصار كما لو قال: زنأت على السطح أو على الفراش.
وقال بِشر عن أبي يوسف في رجلٍ قال لامرأته: ما رأيت زانيةً خيرًا منك، أو قال لرجلٍ: ما رأيت قط زانيًا خيرًا منك، [قال]: قال أبو حنيفة: لا حدّ عليه، وهو قول أبي يوسف؛ لأنه جعل المخاطب خيرًا من الزناة، وهذا لا يقتضي المشاركة في الزنا، وإنما يقتضي صفة التفضيل خاصة.
وقال في رجل قال لامرأته: زنى بك زوجك قبل أن يتزوجك، قال: هو
стр. 4182
قاذفٌ؛ وذلك لأن الزنا يصحّ منهما قبل النكاح، فقد قذفها بزنا يسبّها به، فوجب عليه الحد.
قال: ولو قال: زنى فخذك، أو ظهرك، أو يدك، فليس عليه حد؛ وذلك لأن الزنا بغير الفرج إنما يكون بالفعل الداعي إلى الزنا، (كما قال ﷺ : "العينان تزنيان" (١)، والفعل الداعي إلى الزنا) (٢) ليس بقذفٍ.
قال: وإن قال: زنى بك بإصبعه، لم يكن عليه حدٌّ؛ لأنه فسّر الزنا بفعلٍ ليس بزنا بكلامٍ متصلٍ، فخرج أن يكون قاذفًا (٣).
стр. 4183
بَاب آخرُ مما لا يكونُ قذفًا
قال: وإذا قال الرجل لامرأته: زنيتِ وأنتِ مستكرهة، أو أنتِ معتوهة، أو نائمة، أو مجنونة، أو أضاف الزنا إلى وطئ (١) لا يجب عليه حدٌّ لو فعله، أو قال: وطئك فلان وَطئًا حرامًا، أو جامعك حرامًا، أو فجر بك فلان، أو قال لرجلٍ: فجرت بفلانة، أو فعلت بفلانة، فسمَّى فحشًا لا يكنى عنه، أو جامعها حرامًا، أو وطئًا حرامًا، أو باضعها، فلا حدّ عليه في هذا؛ وذلك لأنه قذفها بالزنا وفسّره بما ليس بزنا، لأن الصغيرة والمجنونة والمستكرهة لا يوصف فعلهن بالزنا، وإذا فسر الكلام تفسيرًا متصلًا حمل القذف على تفسيره.
وأما إذا قال: وطئت وَطئًا حرامًا، فالوطء الحرام قد يكون زنا وغير زنا، فلا يثبت القذف بالشك، وكذلك الفجور، اسم للزنا، واسم للوطء المحرم.
فأما إذا [قال]: وطئها فلان أو فعل بها فلان، وذكر الفحش، فقد يكون هذا الفعل حلالًا، وقد يكون حرامًا، فلم يثبت به القذف.
٢٦٩٣ - : [فَصْل: اعتبار القذف بحال المقذوف]
وأما إذا قال لأمةٍ أعتقت أو كافرةٍ أسلمت في حال الحرية أو في حال الإسلام: زنيت وأنت أمةٌ أو كافرة، فعليه الحد؛ لأنه قاذفٌ يوم تكلم بزناها قبل ذلك، فيحد.
стр. 4184
وجملة هذا: أن المعتبر عندنا في القذف حال ظهوره، دون حال الإضافة، وقال الشافعي: المعتبر بحال الإضافة.
والدليل على ما قلناه: أن الحدود يُعتبر فيها حال ظهور أسبابها، الدليل عليه سائر الحدود.
ولأن المعتبر لو كان بحال الإضافة، لوجب إذا قال ابن عشرين سنةً لابن خمسين سنةً: زنيت منذ ثلاثين سنة، لا يجب عليه الحدّ؛ لأنه قاذفٌ قبل أن يخلق، فلما وجب عليه الحدّ، دل على أن المعتبر حال القذف دون حال الظهور.
ولأنه ألحق الشين بمقذوف مُحْصَنٍ، فوجب عليه الحد كما لو قذفه بزنا في حال الإسلام.
[قال: ولو قال لمرتدّةٍ: زنيت قبل أن تَرْتَدّي، فلا حدّ عليه، وهذا على ما قدمنا أن المعتبر حال القذف دون حال الإضافة، وهي في الحال غير محصنةٍ].
قال: وإذا قذف الرجل رجلًا بغير لسان العربية، أيّ لسان كان، فهو قذفٌ صحيحٌ؛ لأن الشين يلحق بالمقذوف بغير اللغات، والحدّ يجب للشين.
وإذا قال: يا آكل الربا، أو يا شارب الخمر، فعليه التعزير؛ لأنه رماه بما يلحق به الشين، وليس عليه حد مقدّر.
ولو قال: يا حمار، (أو يا ابن الحمار) (١)، أو يا ثور، أو يا خنزير، لم يعزر؛ لأنه غير قاذف في قوله، فلا يلحق المسبوب شينًا بذلك.
ولو قال رجلٌ لرجلٍ: فعلت يا ابن الآخر كذا وكذا، لا يكني عن الفحش،
стр. 4185
غير أنه لا يقول: زنيت زنًا (١)، فلا حدّ عليه.
وكذلك لو قال: أنا فاعلٌ بأُمِّه؛ لأن هذا الفعل قد يكون على وجه الزنا، وقد يكون بنكاح، وقد يكون لتهمة.
ولو قال رجل لرجل: اذهب فقل لفلان: يا زان، أو يا ابن الزانية، فلا حَدّ على المُرْسِل؛ لأنه أمره بالقذف، ولم يقذف، والآمر بسبب الحَدِّ لا حَدَّ عليه، كالأمر بالزنا.
وأما الرسول، فإن قذفه قذفًا مطلقًا حُدَّ.
وإن قال له: أرسلني إليك، فلا حدّ عليه؛ لأنه حاك القذف عن غيره.
ولو قال رجلٌ لرجلٍ: قد أخبرت بأنك زانٍ، أو أشهدني فلان أنك زانٍ، فلا حدّ عليه؛ لأنه حكى القذف عن غيره، وشهد على شهادة غيره.
ولو قال رجل لرجل: أشهد أنك زان، فقال الآخر: وأنا أشهد، فعلى الأول الحدّ، ولا حدّ على الثاني؛ لأنه يحتمل أن يقول: أنا أشهد بزناك، أو أشهد شهادة الحق، فلا يثبت القذف بالاحتمال.
وإذا قال: قد زنى فرجك، فعليه الحدّ؛ لأنه أضاف الزنا إلى العضو الذي يقع به الزنا، فكأنه قال: زنيت بفرجك.
وإذا قال: زنيت وفلان معك، فهو قاذف لهما، فإن قال: عنيت: وفلان معك شاهد، لم أنظر إلى قوله هذا، وعليه الحد؛ وذلك لأنه عطف فلانًا على الضمير في قوله زنيت، فاقتضى اشتراكهما في الفعل.
стр. 4186
وإذا قال الرجل لامرأةٍ: زنيت ببعير، أو بثورٍ، أو بحمار، أو بفرس، أو ببرذون، فليس عليه حدٌّ؛ وذلك لأنه أضاف الزنا إلى من [لا] يكون منه الوطء، فكأنه قال: وطئك حمارٌ، أو فرسٌ، فلا يكون ذلك قذفًا.
فإن قال لها: زنيت بناقة، أو ببقرة، أو بشاة، [أو بدابةٍ]، (أو بدنانير، أو بدارهم) (١)، أو بشيءٍ من سائر الأمتعة، فهو قاذفٌ لها؛ وذلك لأن الانثى لا يكون منها فعل الزنا بالأنثى، فكان ذلك عوضًا، فكأنه قال لها: زنيت بعوض هو حمار أو بقرة.
وإذا قال ذلك لرجلٍ، فلا حدّ عليه في جميع ذلك، إلا أن يقول: زنيت بأمة.
وقد قال أصحابنا: إن هذا على التفصيل، فإن قال له: زنيت بأنثى كالبقرة والشاة، فليس بقاذف؛ لأنه يصِحّ أن يطأ هذا الحيوان، و [هذا] ليس بزنا إلا في الجارية خاصّة.
وأما إذا قال: زنيتِ بذكرٍ مثل الحمار والفرس، لا يمكن حمل ذلك على الوطء، فحمل على العوض والجُعل، فكأنه قال: زنيت بعوضٍ هو حمارٌ.
قال: وإذا قال رجل لرجل: يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، أو يا ابن اليهودي، أو يا ابن المجوسي، فلا حد عليه، ويعزَّر، وكذلك إن قال: يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا ابن الفاسق، أو يا ابن الفاجر؛ وذلك لأن هذا رمي بما يلحق به الشين، وليس بزنا، فلا يكون [به] قاذفًا، إلا أنه رماه بأمرٍ منكر ليس عليه حدٌّ في الشريعة، فيعزّر (٢).
стр. 4187
[٦٦] بَابُ في التعزير
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال أبو حنيفة وزفر ومحمد: لا يبلغ في التعزير (١) أربعين سوطًا [في حرٍّ ولا عبدٍ]، قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: في حرٍّ ولا عبدٍ ولا امرأةٍ.
قال أبو يوسف: وكان ابن أبي ليلى يضرب في التعزير خمسة وسبعين سوطًا، ولا أحفظ عنه [في] تعزير العبد [شيئًا].
وقال الحسن بن زياد: التعزير ما بين ثلاثة أسواط إلى خمسة وسبعين على قدر ما يرى القاضي، (وعلى قدر ما جنى الذي يُعزَّر.
قال: ويُعزَّر العبيد ما بين ثلاثة أسواط إلى خمسة وثلاثين سوطًا، على قدر ما يرى القاضي) (٢)، ولا يبلغ تعزير حرّ حدَّ الحرّ، ولا تعزير عبدٍ حدّ العبد.
وحكى الحسن عن ابن أبي ليلى: يبلغ بتعزير الحر خمسة وسبعين سوطًا، وبتعزير العبد خمسة وثلاثين.
أما الكلام في أقل التعزير، فوجه ما ذكره الحسن: أن المقصود بذلك الزجر، وما دون ثلاث جلدات لا يقع به الزجر.
стр. 4188
وأما أكثره، فلا يزاد على تسعة وثلاثين عند أبي حنيفة ومحمد؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من بلغ حدًّا في غير حدٍّ، فهو من المعتدين" (١)، وروي أنه قال: "لا يُجلد أكثر من عشر جلدات، إلا في حَدٍّ من حدود الله" (٢).
ولأن الأربعين حدٌّ في العبد بنفسها، فلا يستوفى في التعزير، كالقتل والقطع.
لأبي يوسف: ما روي عن علي رضوان الله عليه أنه قال: في التعزير خمسة وتسعين (٣)، فاعتبر أعلى الحدود، ونقص منها خمسة، فأقلده في النقصان، واعتبر أدنى حد الحر، فيجب خمسة وسبعين.
وعلى هذا قال: في العبد خمسة وثلاثين؛ لأن أدنى جلد العبد أربعون (٤)، فينقص منها خمسة.
وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: يقرّب كل شيء من نوعه، فيقرب الوطء فيما دون الفرج من حد الزنا، والقذف بما سوى الزنا من القذف بالزنا، ويقرب المحرّم الذي ليس بخمر من حدّ الخمر، حتى يلحق كل نوع من المعاصي بنظيره.
وقالوا جميعًا: لا يعزر في المسجد؛ لأن المعنى المانع من إقامة الحدود في المساجد؛ أنه لا يؤمن أن ينفصل منه (٥) نجاسةٌ، وهذا المعنى موجودٌ في التعزير.
стр. 4189
وقال ابن رستم عن محمد: يؤخذ في التعزير الكفيل، ولا يُحبس له حتى يسأل عن شهوده، ويُقبل فيه الشهادة على الشهادة، وشهادة النساء مع الرجال؛ وذلك لأن التعزير حقٌّ لآدمي لا يسقط بالشبهة، فيؤخذ فيه الكفيل كالديون؛ ولهذا يقبل فيه شهادة النساء والرجال، كما يُقبل في الديون، ويصحُّ العفو عنه؛ لقوله ﷺ : "تجافوا عن عقوبة ذوي المروءات" (١)، وقال: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" (٢).
ولأنه حقٌّ لآدميٍّ، فيجوز عفوه عنه كـ[ما يجوز] عفوه عن سائر حقوقه.
وذكر علي [بن الجعد] عن أبي يوسف أنه قال: للإمام أن يعزّر ما بينه وبين المائة وهذا يجوز أن يكون تقليدًا لعلي ﵇ في تجويز التعزير بخمسة وتسعين.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: لو أن رجلًا قال لآخر: يا فاسق، أو يا لصُّ، وهو رجل من أهل الصلاح لا يرمى (٣) بفسقٍ ولا لصوصيةٍ، عزّر القائل، وإن كان يرمى بفسق أو لصوصيةٍ، لم يكن على القائل (٤) شيء؛ [لأنه إذا لم يرم ألحق به الشين، وذلك أمرٌ منكرٌ ليس عليه حدٌّ في الشرع، وإذا كان يرمى]، لم يلحقه شينٌ بالرمي، فلم يعزّر.
قال: فإن قال [قائلٌ] لرجلٍ: يا ابن الخبيثة، أو يا ابن الفاسقة، أو قال: يا ماص بظر أمه، وأمُّهُ ميتة، عُزِّر، ولا يبلغ بضرب القائل الحدّ؛ لأنه رمى [بما]
стр. 4190
دون الزنا، فألحق الشين بالمرمي.
وقال الحسن في نسق روايته عن أبي حنيفة: لا يقبل في التعزير شهادة النساء.
قال: وفيها قول آخر: تقبل شهادة النساء ء مع الرجال في التعزير، ويُحبس الذي وجب عليه التعزير أيامًا، ويُخلى سبيله ولا يضرب.
أما ما رواه عن أبي حنيفة: فوجهه أن التعزير عقوبة، فلا تثبت بشهادة النساء مع الرجال (١)، كالحدود والقصاص.
وقوله: فيها قولٌ آخر، إنما يريد بذلك مذهب نفسه؛ [ولأنها عقوبة بالحبس، فتقبل شهادة النساء] (٢)، ولم يضرب بها، ولكنه حبس؛ لأن التعزير قد يكون بالحبس، وقد يكون بالضرب، وقد يكون بهما، فلم يثبت الضرب بشهادتهم، وأثبت الحبس الذي هو أدنى أدنى منه (٣).
стр. 4191
بَابْ: الحدودِ إذا اجتمعت ما يقام منها وما يبطل
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: في رجل قذفَ قومًا، وزني، وشرب الخمر، وسرق، [ولم يحصن]، وحضر بين يدي الإمام (١)، كيف ينبغي للإمام أن يصنع؟
قال: يبدأ فيضرب حد القذف، فإذا فرغ أمر بحبسه حتى إذا برأ وخفّ الضرب، ثم هو بالخيار: إن شاء بحدّ الزنا، وإن شاء بحد السرقة، ثم يحبسه حتى إذا برأ أقام عليه الحدّ الآخر، فإذا فرغ حبسه، فإذا برأ أقام عليه حدّ الخمر.
أما البداية بحدّ القذف، فإن المطالبة [به] لحقّ الآدميّ، وحقوق الله تعالى إذا اجتمعت مع حقوق الآدميين في حكم الدنيا، قدّم حقّ الآدمي.
وإنما حبس حتى يبرأ؛ لأن الإمام لو جمع بين الحَدَّين لأدّى ذلك إلى التلف، والحدود فيما دون النفس تستوفى على وجهٍ لا يؤدي إلى التلف.
ثم الإمام مخيرٌ: بين البداية بحدّ السرقة، أو بحد الزنا؛ لأن كلّ واحدٍ منهما يثبت لحق الله تعالى، وهو ثابتٌ بالقرآن، فجريا في التأكيد مجرى واحدًا.
ويؤخر حدّ الشرب عنهما (٢)؛ لأن وجوبه معلومٌ بالسنة، فهو أضعف مما
стр. 4192
يثبت بالقرآن، فكان البداية بالمتأكد أولى.
[قال]: وإن كان مع ذلك قتلٌ: ضربته للقذف، ثم ضمنته للسرقة، وقتلته، ودرأت عنه ما سوي ذلك من الحدود، كذلك إن كان زنى وهو محصن، بلغنا نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ (١).
أما حدّ القذف، فلا يدخل في القتل؛ لأنه حقٌّ يتعلق به مطالبة آدمي، فتأكد في الوجوب، كما تتأكد الديون.
وأما بقية الحدود، [فقد اجتمع] النفس وما دون النفس لحق الله تعالى، فإذا بدأ الإمام بالنفس، سقط ما دونها حكمًا، وإن بدأ بما دونها لم يسقط النفس، والإمام مأمون بفعل ما يؤدي إلى درء الحدود وإسقاطها (٢).
стр. 4193
بَابْ: يرى الرجلَ أو يسمَعه أو يعلم به قبل أن يُستقضى هل يحكم به أم لا؟
قال أبو حنيفة ﵁: فيما علم الحاكم وشهد عليه قبل أن يستقضى، ثم استقضي، فاختصم إليه، فإنه لا يحكم فيه بعلم، [إنما] (١) هو شاهدٌ، فإن طولب بالشهادة عند من فوقه ونفذ الحكم بشهادته مع شاهدٍ آخر، وهو في ذلك وغيره ممن ليس بقاضٍ سواءٌ، كائنًا من كان [ذلك] الحقّ حدًّا أو غيره.
وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم في ذلك بعلمه من غير شهادة عنده، وفي جميع الحقوق والمطالبات إلا الحدود، فإنه لا يحكم بها، غير أن السرقة إن كانت قائمةً بعينها في يد السارق رَدَّها على صاحبها، وإن كانت مستهلكة ضمّنه إياها.
أما ما علم القاضي قبل الحكم، فلا يحكم به عند أبي حنيفة؛ لأنه تحمل شهادة، فلا يجوز أن يجعله حكمًا، كمن شهد على شهادة غيره، ثم ولي القضاء، لم يجز أن يحكم بذلك.
وجه قولهما (٢): أن القاضي يجوز أن يحكم بالشهادة التي يقع له الظنُّ بها، فإذا كان قد شاهد، فقد حصل له العلم، فالحكم به أولى.
стр. 4194
وأما إذا علم في حال القضاء (١)، فإنه يحكم به إلا في الحدود، هذا قولهم المشهور.
وروي عن محمد: أنه رجع حين رأى تخليط القضاة، وقال: لا يقضي القاضي بعلمه في حدٍّ ولا غيره.
وجه قولهم المشهور: أن الأمة اقتصرت على قاضٍ واحد في كل مصر، فلو لم يقبل قوله فيما يقر به الخصوم عنده، لوجب أن يولى جماعة ليشهدوا بالحق، وإلا أدّى إلى ذهاب أموال الناس.
ولأن أقوال القاضي مقبولةٌ في تزكية الشهود في مذهبه، وصحّة الحكم تتعلقُ به، وكذلك يقبل قوله في وجوب الحقوق.
وجه قول محمد: أني لو قبلت قول القاضي لقتلت بقوله، والقتل لا يجوز إثباته إلا بقول رسول الله ﷺ ؛ ولهذا روي أن رجلًا أغلظ على أبي بكر الصديق، فقال أبو برزة (٢): ألا أمرتني يا خليفة رسول الله فضربت عنقه، فقال: أو كنت فاعلًا لو أمرتك؟ فقال: نعم، قال: ما كان ينبغي ذلك لأحدٍ بعد المرسلين (٣).
وأما الحدود فلا يقضي (٤) القاضي فيها بعلمه؛ لما أن روي عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف: أرأيت لو رأيت رجلًا قتل أو سَرَق أو زَنَى، فقال: أرى شهادتك شهادة رجلٍ من المسلمين، قال: أصبت (٥).
стр. 4195
وروى سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري قال: قال أبو بكر: لو وجدت رجلًا على حدٍّ من حدود الله، لم أحدّه أنا، ولم أدع [له] أحدًا حتى يكون معي شاهدٌ غيري (١).
ولأن الحدود تجب لحق الله تعالى، والقاضي خصمٌ في استيفائها، فإذا قضى بعلمه، فكأنه قضى بما هو خصمٌ فيه، فلا يجوز.
وأمّا تضمين السرقة؛ فلأنه حكمٌ بمال، والأموال يجوز أن يقضي القاضي فيها بعلمه في المشهور من قولهم.
وما علمه القاضي في غير المصر الذي يليه، لم يحكم به عند أبي حنيفة ومحمد في مصره، وقال أبو يوسف: يحكم.
والخلاف فيه كالخلاف فيما علمه قبل القضاء؛ لأنه لا يملك الحكم في الموضع الذي علم، فهو إنما تحمّل شهادةً، فلم يجز أن يجعلها حكمًا.
وقال أبو حنيفة: من أُقِرّ به من زنا، أو سرقةٍ، أو شرب خمرٍ، أو سُكْرٍ في غير مجلس قضائه الذي يجلس فيه الناس يقضي بينهم، وأقر بذلك مرارًا أربعًا في الزنا، ومرةً في غير ذلك، [ثم] لم يرجع عنه، لم يأخذه بشيءٍ من ذلك، وهذا بمنزلة رؤية القاضي له على بعض ذلك (٢)، إلا أنه يضمّنه السرقة لصاحبها، وإنما يأخذ به من الإقرار ما كان من إقرار (٣) عند القاضي وهو في مجلس قضائه قد جلس لذلك؛ وذلك لأن الإقرار إذا حصل في مجلس القاضي فَبِنا ضرورةٌ
стр. 4196
إلى إيجاب الحدّ به، لولا ذلك لم يقع التوثق بقاضٍ واحدٍ.
فأما ما سمعه القاضي من الإقرار في غير مجلسه، فلا ضرورة به إليه، فيصيرُ كمشاهدته سبب الحدّ.
فأمَّا ما لا يصحُّ الرجوع عنه بعد الإقرار به، مثل القذف والقصاص إذا أقر بذلك في مجلس القاضي أو في غير مجلسه، أقام القاضي عليه ذلك؛ لأن هذا حقٌّ لآدميٍّ، فإذا علم القاضي في حال [القضاء] (١)، حكم بعلمه فيه كما يحكم في الأموال.
تم كتاب الحدود والله المشكور والمحمود
والصلاة على محمد وآله الرُّكع السُّجود (٢)
стр. 4197
[٦٧] كتابُ السرقةِ وقطع الطريقِ
قال [الشيخ] أيده الله تعالى: السرقة (١) عبارةٌ عن أخذ المال على وجه الاختفاء؛ لأن الأخذ إذا كان على غير وجه الاختفاء سُمِّي نهبًا وخِلسَةً، فإذا كان على وجه الاختفاء سُمِّى سرقةً.
والأصل في وجوب قطع السارق (٢): قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده" (٣)، وروي أن سارقًا رُفع إليه، فأقر بالسرقة فقطعه (٤).
والسرقة يعتبر فيها [صفات] (٥) السارق، والعين المسروقة، والحِرْز المسروق منه، والمالك للعين المسروقة.
فأما السارق، فيعتبر أن يكون بالغًا عاقلًا؛ لأن الحدود لا تجب إلا مع
стр. 4198
وجود التكليف، ويعتبر في فعله أن يكون على وجه الاستخفاء؛ لأن السرقة لا تكون مع الجهر.
ويعتبر في المكان المأخوذ منه: أن يكون حِرْزًا؛ لأن النبي ﷺ قال في حريسة الجبل: " [فيها] غرامة مثليها، وجلدات نكالٍ" (١)، فلم يوجب فيها القطع؛ لأنها ليست بحرزٍ، ويعتبر أن يكون غير مأذون له في دخول الحرز من جهة الآدمي؛ لأن الآدمي (٢) إذا أذن له في دخول الحرز، خرج من أن يكون حرزًا في حقّه.
ويعتبر في المال: أن يكون جنسه لا يوجد مباحًا [تافهًا] في دار الإسلام، ولا يسرع إليه الفساد، ولا يكون فيه شركةٌ ولا شبهة [ملك].
ويعتبر في المسروق منه: أن يكون له يد صحيحة في المال، وأن لا يكون بينه وبين السارق رَحِم كامل، ولا زَوْجِيَّةٌ.
والكلام في تفصيل هذه المسائل يجيء فيما بعد.
وأما محل القطع: فهو مِفصل الزَّنْد، وقالت الخوارج: من المنكب، ومن الناس من قال: الأصابع.
لنا (٣): ما روي أن النبي ﷺ قطع السارق من مِفصل الزند (٤)، وهذا بيانٌ للمراد بالآية.
стр. 4199
واليد التي يتعلّق بها القطع: هي اليمنى، كما قُرئ (١) في قراءة [عبد الله] بن مسعود: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ (٢)، (وروى الضحاك عن ابن عباس) (٣) في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قال: أيمانهما، وكذلك روي عن الحسن وإبراهيم (٤).
ولا خلاف في أن القطع يبتدأ به في اليمنى، وهذا إذا كانت اليسرى صحيحةً والرِّجلُ اليمنى صحيحةً يمكن الانتفاع بها إذا قطعت اليد اليمنى، فإن كانت اليمنى متى قطعت لم ينتفع بيده اليسرى، أو لم ينتفع برجله اليمنى [بشيءٍ دخلها قبل قطع اليمنى يمنع الانتفاع بها أو أكثره، لم يقطع].
قال أصحابنا: إذا كانت اليد اليسرى مقطوعةً، أو شَلَّاء، أو مقطوعٌ منها الإبهام، أو أصبعٌ غير الإبهام، لم تقطع اليمنى؛ لأنها متى قطعت -واليسرى على هذه الحال- بطل الانتفاع باليدين جميعًا، ومنفعة الجنس لا يجوز أن تستوفى بالسرقة، كما لا يجوز أن تقطع اليدين.
وعلى هذا، إذا كانت الرجل اليمنى مقطوعةً، أو شلاء، أو بها عرجٌ يمنع المشي عليها، أو أكثره، لم يقطع الرجل اليسرى؛ لأنها تبطل مشيه، فيؤدي ذلك إلى إبطال منفعة الجنس (٥).
стр. 4200
وقد استدل [أبو الحسن] على ذلك بعدول الأمة عن قطع اليسرى إذا كانت اليمنى مقطوعة إلى الرِّجْل [اليسرى]، فلو كان القطع متعلقًا باليسرى، لم يعدلوا عنها، وهي منصوص عليها بقوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ بعموم الآية في غير قراءة ابن مسعود (١)، إلى [ما لم ينصّ] (٢) عليه.
ولأن قطع الرجل اليسرى أخفّ ضررًا على السارق من قطع يده اليسرى، أو رجله اليمنى؛ لأن قطع اليسرى يذهب بمنافع اليدين جميعًا، وقطع الرجل اليمنى يمنع المشي كله، ومع قطع الرجل اليسرى بعد يمناه ما ينتفع ببعض منافع يديه، وبعض منافع رجله.
ولهذا عدل إلى قطع الرجل اليسرى؛ ولهذه العلة لمّا أوجب الله تعالى في المحارب من قطع اليد والرجل، قطعت اليد اليمنى، والرجل اليسرى في دفعة واحدة.
ولا قطع عندنا في اليد اليسرى على حال، وإنما تقطع اليد اليمنى ابتداءً ثم الرجل اليسرى، ثم يعزّر بعد ذلك ويحبس.
وقال الشافعي: في المرة الثالثة تقطع يده اليسرى (٣).
وقد روى عبد الله بن سلمة: أن عليًّا رضوان الله عليه أتي بسارق، فقطع يده، ثم أتي به الثانية قد سرق، فقطع رجله، ثم أتي الثالثة قد سرق، قال: اقطعه؟
стр. 4201
إن قطعت يده بأي شيء يأكل، بأي شيءٍ يتمسح، وإن قطعت رجله، بأي شيءٍ يمشي، إني لأستحي من الله، فضربه بخشبةٍ وحبسه (١).
وروى عبد الرحمن بن عابد قال: أتي عمر بن الخطاب ﵁ برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، يقال له: سدوم، فأراد أن يقطعه، فقال له علي رضوان الله عليه: إنما عليه قطع يدٍ ورجلٍ، فحبسه عمر، ولم يقطعه (٢).
ولأن استيفاء منفعة الجنس لا يجوز في السرقة كالقتل؛ ولأن السرقة إذا تكررت ضعف حكمها؛ ولهذا لا يستوفى بها في المرة الخامسة شيءٌ من الأطراف، فإذا لم يجب قطع اليد اليسرى في المرة الثانية، ففي الثالثة أولى.
قال: وإذا سرق الرجل ويمناه شَلّاء، أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع، فإنها تقطع؛ وذلك لأنها لو كانت كاملةً قطعت، فإذا كانت ناقصة أولى؛ ولأن العدول عن اليد اليمنى في الدفعة الأولى لا يجوز، كما لو كانت صحيحةً.
قال: وإذا سرق بعد قطع يده ورجلهِ حُبسَ وضربَ؛ لأن القطع لما سقط فيما بيّنا لم يبق إلا الزجر بالضرب [والحبس، قال ابن رستم عن محمد: ينكل به ويستودع الحبس حتى يحدث توبةً، وهذا صحيحٌ؛ لأن الفعل] المنكر لا بدّ له من زجر، فإذا سقط الزجر بالقطع، لم يبق إلا الزجر بالحبس والضرب (٣).
стр. 4202
بَابْ: القدرِ الذي يقطعُ فيه السارِقُ
قال أصحابنا ﵏: لا يقطع السارق في أقل من عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا: لا تقطع اليد إلا فيما قيمته [أربعة دراهم] (١)، وقال عكرمة: أربعة أو خمسة (٢)، وقال مالك: ثلاثة دراهم، وقال الشافعي: ربع دينار (٣)، وحكى محمد عن الحسن البصري: أنه يقطع في القليل والكثير، وهو قول الخوارج (٤).
وأما الدليل على تعلّق القطع بمقدارٍ مقدّرٍ؛ فلحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ قال: "هي ومثلها والنكال، فإذا جمعها المراح ففيه قطع اليد فيما بلغ [ثمن] المجن" (٥)
وروي أن رجلًا من مُزينة سأل رسول الله ﷺ عن ضالة الإبل، فقال: "معها
стр. 4203
حِذاؤها وسقاؤها، تَرِد الماء وتأكل الشجر، حتى يأتي راعيها (١) "، وسئل عن الحريسة التي تؤخذ من مراعيها، فقال: "ثمنها مرتين، وضربًا ونكالًا، وما أخذ من أعطانه، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المِجَن" (٢).
وروى هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كانت لا تقطع على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المِجَنّ" (٣)، فهذا يدلّ على أن القطع يتعلق بمقدَّرٍ.
وعن عائشة قالت: كان لا يقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه (٤).
ولأن الحدود تجب بالمقصود من كل نوع؛ ولهذا وجب حدّ الزنا بالوطء في الفرج، وحدّ القذف بالقذف بالزنا خاصّة، والقدر اليسير ليس بمقصودٍ بالسرقة، فلا يجب فيه القطع.
وإذا ثبت أن القطع لا يجبُ إلا في مقدّر، فالدليل على اعتبار العشرة: أن النبي ﷺ علّق القطع بالمِجَنِّ، فلا يخلو: إما أن يكون علّقه بمجن معيّن [معروفٍ]، أو بمجن مجهول، ولا يجوز أن يعلقه بمجهول؛ لاختلاف قِيَم المجان، وكلامه خرج مخرج البيان، ولا يجوز أن يبين بما ليس بمعلومٍ.
وقد روى عطاء بن أبي رباح ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن قال: كان قيمة
стр. 4204
المجن الذي يقطع فيه على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم (١)، وكذلك قال ابن عباس (٢)، وهذا بيانٌ منهما؛ لأن القطع تعلّق بمجن معيّن.
وقد اختلف الصحابة في تقويمه، فكلّ من أثبت الزيادة في القيمة أولى، ألا ترى أن مَن استهلك عينًا فاختلفت الشهود في قيمتها، كان شهادة من شهد بزيادة القيمة أولى ممن شهد بنقصانها؛ ولأن مَن روي عنه أقل من عشرة قوَّم المجن مطلقًا، ولم يقل (٣) على عهد رسول الله ﷺ ، وابن عباس وأيمن ذكرا القيمة على عهد رسول الله ﷺ ، وقد كان السلاح بعده كثيرًا، فيجوز أن يكون نقصت قيمته.
وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قطع في أقل من عشرة دراهم" (٤).
وروى ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب قال: دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت: هؤلاء أصحابك عروة بن الزبير (ومحمد بن مسلم بن يسار) (٥) يقولان: إن ثمن المجن خمسة دراهم، فقال: ليس لهم قولٌ، أما هذا فقد مضت سنة رسول الله ﷺ عشرة دراهم (٦).
وروى القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر أُتي بسارق وسَرِقَتُه تبلغ قيمة ثمانية
стр. 4205
دراهم، فلم يقطعه، وروي أنه أمر به أن يقطع، فقال له عثمان: ما يساوي سرقته عشرة دراهم، قال: فقوّمت، فبلغت خمسة دراهم، أو قال: ثمانية (١) دراهم، فلم يقطعه عمر ﵁ (٢)، وهذا يدل من اتفاقهما على أن القطع مقدّر بعشرة دراهم.
ولأن ما لا يتقدر به أقل المهر، لا يتقدر به نصاب القطع، كما دون ربع دينار (٣)؛ ولأن كل مقدار اختلف في تعلق القطع به، لم يتعلق به القطع كاليسير.
وأما حديث الزهري، عن عمرة، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "القطع في ربع دينار" (٤)، فحديث أنكره أهل العلم، وخالف الأثبات الثقاتُ -الزهريَّ في رفعه إلى النبي ﷺ ، ووقفوه على عائشة.
ومنهم من أنكر أن تكون عائشة قالته على هذا اللفظ، يبين ذلك ما روي عنها أنها قالت: كان لا يقطع على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المجن، فكيف يجوز أن يكون معها قدرٌ مقدرٌ وتسكت عنه وروي فيه شيءٌ مختلف في تقويمه.
وقد روي عن يحيى بن سعيد أن عبد الرحمن بن القاسم سمع رجلًا يروي هذا الحديث عن عائشة عن النبي ﷺ ، فأخذ كفًّا من حصًا فأهوى به إليه وقال: إنما هو عن عائشة فقط (٥).