إن قطعت يده بأي شيء يأكل، بأي شيءٍ يتمسح، وإن قطعت رجله، بأي شيءٍ يمشي، إني لأستحي من الله، فضربه بخشبةٍ وحبسه (١).
وروى عبد الرحمن بن عابد قال: أتي عمر بن الخطاب ﵁ برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، يقال له: سدوم، فأراد أن يقطعه، فقال له علي رضوان الله عليه: إنما عليه قطع يدٍ ورجلٍ، فحبسه عمر، ولم يقطعه (٢).
ولأن استيفاء منفعة الجنس لا يجوز في السرقة كالقتل؛ ولأن السرقة إذا تكررت ضعف حكمها؛ ولهذا لا يستوفى بها في المرة الخامسة شيءٌ من الأطراف، فإذا لم يجب قطع اليد اليسرى في المرة الثانية، ففي الثالثة أولى.
قال: وإذا سرق الرجل ويمناه شَلّاء، أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع، فإنها تقطع؛ وذلك لأنها لو كانت كاملةً قطعت، فإذا كانت ناقصة أولى؛ ولأن العدول عن اليد اليمنى في الدفعة الأولى لا يجوز، كما لو كانت صحيحةً.
قال: وإذا سرق بعد قطع يده ورجلهِ حُبسَ وضربَ؛ لأن القطع لما سقط فيما بيّنا لم يبق إلا الزجر بالضرب [والحبس، قال ابن رستم عن محمد: ينكل به ويستودع الحبس حتى يحدث توبةً، وهذا صحيحٌ؛ لأن الفعل] المنكر لا بدّ له من زجر، فإذا سقط الزجر بالقطع، لم يبق إلا الزجر بالحبس والضرب (٣).
стр. 4202
بَابْ: القدرِ الذي يقطعُ فيه السارِقُ
قال أصحابنا ﵏: لا يقطع السارق في أقل من عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة دراهم، وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا: لا تقطع اليد إلا فيما قيمته [أربعة دراهم] (١)، وقال عكرمة: أربعة أو خمسة (٢)، وقال مالك: ثلاثة دراهم، وقال الشافعي: ربع دينار (٣)، وحكى محمد عن الحسن البصري: أنه يقطع في القليل والكثير، وهو قول الخوارج (٤).
وأما الدليل على تعلّق القطع بمقدارٍ مقدّرٍ؛ فلحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ قال: "هي ومثلها والنكال، فإذا جمعها المراح ففيه قطع اليد فيما بلغ [ثمن] المجن" (٥)
وروي أن رجلًا من مُزينة سأل رسول الله ﷺ عن ضالة الإبل، فقال: "معها
стр. 4203
حِذاؤها وسقاؤها، تَرِد الماء وتأكل الشجر، حتى يأتي راعيها (١) "، وسئل عن الحريسة التي تؤخذ من مراعيها، فقال: "ثمنها مرتين، وضربًا ونكالًا، وما أخذ من أعطانه، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المِجَن" (٢).
وروى هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كانت لا تقطع على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المِجَنّ" (٣)، فهذا يدلّ على أن القطع يتعلق بمقدَّرٍ.
وعن عائشة قالت: كان لا يقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه (٤).
ولأن الحدود تجب بالمقصود من كل نوع؛ ولهذا وجب حدّ الزنا بالوطء في الفرج، وحدّ القذف بالقذف بالزنا خاصّة، والقدر اليسير ليس بمقصودٍ بالسرقة، فلا يجب فيه القطع.
وإذا ثبت أن القطع لا يجبُ إلا في مقدّر، فالدليل على اعتبار العشرة: أن النبي ﷺ علّق القطع بالمِجَنِّ، فلا يخلو: إما أن يكون علّقه بمجن معيّن [معروفٍ]، أو بمجن مجهول، ولا يجوز أن يعلقه بمجهول؛ لاختلاف قِيَم المجان، وكلامه خرج مخرج البيان، ولا يجوز أن يبين بما ليس بمعلومٍ.
وقد روى عطاء بن أبي رباح ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن قال: كان قيمة
стр. 4204
المجن الذي يقطع فيه على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم (١)، وكذلك قال ابن عباس (٢)، وهذا بيانٌ منهما؛ لأن القطع تعلّق بمجن معيّن.
وقد اختلف الصحابة في تقويمه، فكلّ من أثبت الزيادة في القيمة أولى، ألا ترى أن مَن استهلك عينًا فاختلفت الشهود في قيمتها، كان شهادة من شهد بزيادة القيمة أولى ممن شهد بنقصانها؛ ولأن مَن روي عنه أقل من عشرة قوَّم المجن مطلقًا، ولم يقل (٣) على عهد رسول الله ﷺ ، وابن عباس وأيمن ذكرا القيمة على عهد رسول الله ﷺ ، وقد كان السلاح بعده كثيرًا، فيجوز أن يكون نقصت قيمته.
وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قطع في أقل من عشرة دراهم" (٤).
وروى ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب قال: دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت: هؤلاء أصحابك عروة بن الزبير (ومحمد بن مسلم بن يسار) (٥) يقولان: إن ثمن المجن خمسة دراهم، فقال: ليس لهم قولٌ، أما هذا فقد مضت سنة رسول الله ﷺ عشرة دراهم (٦).
وروى القاسم بن عبد الرحمن: أن عمر أُتي بسارق وسَرِقَتُه تبلغ قيمة ثمانية
стр. 4205
دراهم، فلم يقطعه، وروي أنه أمر به أن يقطع، فقال له عثمان: ما يساوي سرقته عشرة دراهم، قال: فقوّمت، فبلغت خمسة دراهم، أو قال: ثمانية (١) دراهم، فلم يقطعه عمر ﵁ (٢)، وهذا يدل من اتفاقهما على أن القطع مقدّر بعشرة دراهم.
ولأن ما لا يتقدر به أقل المهر، لا يتقدر به نصاب القطع، كما دون ربع دينار (٣)؛ ولأن كل مقدار اختلف في تعلق القطع به، لم يتعلق به القطع كاليسير.
وأما حديث الزهري، عن عمرة، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "القطع في ربع دينار" (٤)، فحديث أنكره أهل العلم، وخالف الأثبات الثقاتُ -الزهريَّ في رفعه إلى النبي ﷺ ، ووقفوه على عائشة.
ومنهم من أنكر أن تكون عائشة قالته على هذا اللفظ، يبين ذلك ما روي عنها أنها قالت: كان لا يقطع على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المجن، فكيف يجوز أن يكون معها قدرٌ مقدرٌ وتسكت عنه وروي فيه شيءٌ مختلف في تقويمه.
وقد روي عن يحيى بن سعيد أن عبد الرحمن بن القاسم سمع رجلًا يروي هذا الحديث عن عائشة عن النبي ﷺ ، فأخذ كفًّا من حصًا فأهوى به إليه وقال: إنما هو عن عائشة فقط (٥).
стр. 4206
٢٦٩٤ - [فَصْل: صفة ما يقطع في السرقة من الدراهم]
وأما صفة الدراهم التي تعتبر منها عشرة دراهم، (فقد ذكر أبو الحسن: أنه يُعتبر عشرة دراهم) (١) مضروبة، هكذا رواه بشر بن الوليد عن أبي يوسف.
قال: وروى ابن سماعة عن محمد فيمن سرق عشرة دراهم تبرًا قال: لا يقطع حتى يكون قيمتها عشرة دراهم مضروبةً.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: في السارق إذا سرق عشرة دراهم فيما [يجوز] بين الناس، قطع، وهذا يقتضي أن يقطع في المضروبة وغير المضروبة إذا جازت بين الناس.
والوجه في ذلك: أن النصاب إذا تعلق بمبلغ من الدراهم، استوى فيه المضروب وغير المضروب، كنصاب الزكاة؛ ولأن التقويم للمِجَنِّ لما وقع بعشرة، والدراهم التي تقومه بها هي التي يتعامل بها الناس، [والناس] يتعاملون بالصحاح وغيرها في سائر الأعصار.
وجه قولهما: أن التبر ناقص القيمة عن المضروب، فصار كالناقص من طريق الوزن؛ ولأنه [لما] احتمل أن يكون التقويم وقع بالصحاح، واحتمل
стр. 4207
الصحاح وغيرها، لم يجز إثبات القطع بالشك.
وقد قالوا: يعتبر عشرة دراهم وزن سبعة؛ لأن إطلاق الدراهم إنما يتناول ذلك؛ بدلالة نصاب الزكاة ومقادير الديات؛ ولأن الدراهم كانت على عهد رسول الله ﷺ صغارًا وكبارًا، فإذا جمع كل اثنين، كانا درهمين من وزن سبعة، فكان هذا هو الوَسَطُ من المقادير.
٢٦٩٥ - [فَصْل: اعتبار كمال القيمة من وقت الأخذ إلى حال القطع]
قال: ولا يقطع السارق حتى يكون قيمة ما سرق يوم سرق: عشرة دراهم، ويوم يقطع عشرة، فتكون القيمة كذلك في الوقتين.
وجملة هذا: أن العين المسروقة إذا كانت كاملةً في وقت الأخذ، ثم نقصت بعد ذلك، فإما أن تنقص قيمتها أو عينها، فإن نقصت عينها لم يسقط القطع عن السارق في قولهم؛ لأن ما نقص من عينها بعد الأخذ مضمونٌ على السارق، والقطع يتعلق بالعين المسروقة إذا ثبت جميعها في ذمته بالاستهلاك، فكذلك إذا ثبت [بعضها] (١) في ذمته.
وليس هذا كما لو نقصت العين (٢) في الحرز بفعله، أن النقص ثابت في ذمته، ولا قطع في العين؛ لأنه لم يفصل بين الحرز وبين ما في ذمته، فلم يفصل بين الحرز وبين عين كاملة، وإن كان الضمان تامًّا (٣).
стр. 4208
وفي مسألتنا فصل بين الحرز وبين عين كاملة، فوجب ضمانها بعد ذلك في الذمة، أو وجوب بعضها لا يسقط القطع.
وأما إذا انتقصت من طريق السعر، فإن القطع يسقط.
وروي عن محمد: أنه لا يسقط [القطع]، وهو قول الشافعي.
لنا: أن نقصان السعر صفة للعين قد جعلت كالموجود في حال الأخذ؛ بدلالة سقوط ضمانها عن السارق، ولو كان هذا النقص موجودًا عند الأخذ، لم يجب القطع، فكذلك إذا صار (صفة السعر) (١) في حكم الموجود عند الأخذ.
وليس كذلك نقصان العين؛ لأن هذه الصفة لم تجعل كالموجودة في حال الأخذ؛ بدلالة أن ضمانها لا يسقط عن السارق، فلذلك لم تؤثر في إسقاط القطع.
قال: وإذا سرق في بلد، ووجد في بلد آخر القيمة فيه أنقص، لم يقطع حتى تكون القيمة في البلدين جميعًا عشرة دراهم؛ وذلك لما بيّنا: أن كمال القيمة معتبرٌ من وقت الأخذ إلى حال القطع، فإذا نقصت في إحدى الحالتين، أو فيما بين ذلك، سقط القطع.
قال: فإن كان النقص لشيءٍ دخل في نفس العين بعد أخذها، قطع؛ وذلك لما بيّنا: أن نقصان العين يثبت في الذمة، فإذا حصل بعد الإخراج من الحرز لم يسقط القطع (٢).
стр. 4209
بَابْ: معرفةِ الحرز
(قال: والحِرْز (١) عند أصحابنا جميعًا) (٢): ما يُبنى للسكنى وحفظ الأموال من الأمتعة وما في معناه.
وكذلك الفَسَاطِيْطُ، والمَضَاربُ، والخِيمُ التي يسكن الناس فيها ويحفظون أمتعتهم بها، وكل ذلك يكون حِرْزًا، وإن لم يكن فيه حافظ.
قال [الشيخ] أيده الله تعالى: وجملة هذا: أن البقعة تكون حِرْزًا بأحد أمرين: إما بأن تكون مُعدَّةً للإحراز، كالدُّور والدكاكين، والخِيَم والفساطيط، والخزائن والصناديق، أو تكون البقعة حرزًا بالحافظ، كمن جلس في الطريق أو في المسجد وعنده متاعه.
فإذا كانت البقعة في نفسها حِرْزًا، لم يحتج في وجوب القطع إلى حافظ؛ لأن الأخذ حصل من الحرز، وإن لم تكن في نفسها حرزًا، فلا بدّ من الحافظ؛ لأن ما فيها يصير محفوظًا بالجالس، فالأخذ منها أخذٌ من حرز.
والأصل في اعتبار الحرز في وجوب القطع: قوله ﷺ في حريسة الجبل: "فيها غرامة مثليها، وجلدات نكال، فإذا أواها المراح، ففيها القطع" (٣)، وقال ﷺ :
стр. 4210
"لا قطع في ثمرٍ ولا كَثَرٍ (١)، حتى يؤويه الجرين، فإذا أواه المراحُ، ففيها القطع" (٢)، فدل على اعتبار الحرز في وجوب القطع.
ولأن الحدود تجب في المقصود من كل نوع، والمقصود في السرقة الأخذ من الحرز دون غيره، فيختص القطع به.
وإنما قلنا: إن البيوت والدور والخيم حرزٌ بغير حافظٍ؛ لقوله ﷺ : "فإذا آواها المراح ففيها القطع" فأوجب القطع بحكم الحرز، ولم يفصّل.
والدليل على أن البقعة التي لم تعد للحرز تكون حرزًا بالحافظ: ما روي أن صفوان نام في المسجد وتوسّد رداءه، فسرقه رجل من تحت رأسه، فقطعه رسول الله ﷺ (٣)
وقال أصحابنا: إن ما كان حرزًا لنوع، فهو حرز لكل نوع، وجعلوا شَريحة البقال حرزًا للجوهر.
وقال الشافعي: (أعتبر) (٤) في كلّ شيءٍ حرز مثله (٥).
وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأن البقال قد يحرز خلف شريحته الدراهم والدنانير، ويقصد بذلك إحرازها.
стр. 4211
ولهذا المعنى قال أصحابنا: لا قطع على النباش؛ لأن القبر ليس بحرزٍ [لغير] الكفن، فلم يكن حرزًا للكفن.
قال: وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب، أو لا بَاب له إذا حجز بالبناء؛ لأن الدار يقصد بها الإحراز وإن فتح بابها، فإذا قصد بها الإحراز تعلق بهتكها (١) القطع.
فأما المكان الذي لم يوضع للحرز، فيعتبر فيه الحافظ على ما بيّنا، إذا كان الحافظ قريبًا منه في مكان يمكنه حفظه؛ لأنه إذا بَعُد (٢) فليسَ بحافظٍ، فلم يصر ما في الموضع محرزًا.
قال: وسواء كان الحافظ نائمًا في ذلك المكان، أو مستيقظًا؛ لأن الإنسان يقصد الحفظ في الحالين؛ ولأن صفوان كان نائما، فقطع النبي ﷺ سارق الرداء منه.
قال: وما ذكرت لك أنه محرزٌ بالأبنية وإن لم يكن له حافظ، فإنه إذا أذن في دخوله فسرق هذا المأذون له في الدخول شيئًا منه، لم (٣) يقطع، فلا يكون حرزًا منه على وجهٍ من الوجوه وإن كان فيه حافظٌ لما فيه، أو كان صاحب المنزل نائمًا على شيء منه؛ وذلك لأن المأذون له في دخول الحرز قد خرج [الحرز] من أن يكون حرزًا في حقه بالإذن له في الدخول، والأخذ من غير حرز، لا قطع [عليه].
стр. 4212
ولأنه إذا صار في حكم أهل الدار بالإذن، فهو خائنٌ فيما يأخذ، وقد قال ﷺ : "لا قطع على مختلس ولا منتهب ولا خائن" (١)، وكذلك إن سرق في بعض بيوت [الدار] المأذون في دخولها وهو مقفل، أو من صندوق في الدار، أو بعض البيوت وهو مقفلٌ عليه إذا كان البيت من جملة الدار المأذون فيها؛ لأن الدار الواحدة حرزٌ واحدٌ، وقد خرجت بالإذن في حقّه من جملة الحرز، فكذلك بيوتها.
والذي روي أن أسودًا بات عند أبي بكر الصديق، فسرق حليًا لهم، فقطعه (٢)، فيجوز أن يكون سرق من دار النساء، والداران المختلفان إذا أُذن له في دخول أحدهما، لم يسقط عنه القطع فيما يأخذ من الأخرى.
قال: فأما ما كان من هذه الأبنية، يدخل إليه بلا إذن، يأذن (٣) فيه إذا شاء، ويمنع منه إذا شاء، فإن هذا البناء والصحراء والبرية بمنزلةٍ واحدةٍ، سواءٌ كان محرزًا بحافظٍ يحفظ ما فيه، نائمًا أو يقظانًا، إذا كان بمكانٍ يحفظ (في مثله المسروق.
وهذا الضرب مثل المساجد؛ وذلك لأنه ليس لأحدٍ حق المنع من المساجد) (٤) والطرقات، فلا تكون حرزًا إلا بالحافظ.
قال الفضل بن غانم: سمعت أبا يوسف قال في رجل كان في حَمَّام أو خان، وثيابه تحت رأسه، فسرقها سارق، قال: لا قطع عليه، وكذلك إن لم يكن
стр. 4213
نائمًا وكان يقظانًا، وإن كان في صحراء وثوبه تحت رأسه، قطعته.
وقال ابن رستم عن محمد: في رجل سرق من حمام [من] رجل وهو معه في الحمام، أو سرق [من] رجل وهو معه في سفينة، أو نزل قوم في [خانٍ] (١) فسرق بعضهم من بعضٍ، فلا قطع على السارق، وكذلك الحانوت؛ وذلك لأن الحَمَّامَ والحانوت حرز بأنفسهما، فإذا أذن للآدمي في دخولها، خرجت من أن تكون حرزًا، فلم يجب القطع وإن كان عندهما حافظ؛ لأن ما كان حرزًا بنفسه، [فلا يصير أن يكون] (٢) حرزًا بالحافظ، إذا سقط حكم الحافظ، بقي الحرز بالحمام والبيت، والإذن في الدخول يسقط القطع.
ولهذا قالوا فيمن سرق من الحمام ليلًا: إنه يقطع؛ لأنه لم يؤذن للناس في دخوله ليلًا، فأما المسجد والصحراء وإن كان مأذونًا في الدخول [فيهما]، فليستا حرزًا بأنفسهما، وإنما تصيرا حرزًا بالحافظ، ولم يوجد من الحافظ إذن، فلم يبطل معنى الحرز؛ فلذلك وجب القطع.
وقد قال: في السارق من المسجد لما عنده حافظ يُقطع وإن لم يخرج من المسجد؛ لأن البقعة التي فيها الحافظ بنفسها هي الحرز لا المسجد، فإذا انفصل [منها]، فقد بان عن الحرز فقُطع.
وأما الدار فبناؤها هو الحرز، فما لم يخرج منها لم يلزمه القطع.
وقال ابن رستم عن محمد: لو سرق رجل من حانوت في السوق، [فتحه
стр. 4214
ربّ الحانوت] وقعد فيه للبيع، وأذن للناس في دخوله، لم يقطع السارق منه.
وكذلك لو سرق منه وهو مغلق على شيءٍ [لم يفتحه]، لم يقطع السارق؛ وذلك لأنه لما أذن في دخول الحانوت، أخرجه من أن يكون حرزًا، فلم يقطع وإن أخذ من بيتٍ منه، وكذلك لو كان فيه صندوق مقفل، فسرق منه؛ لأن الموضع ليس بحرزٍ في حقه لمكان الإذن.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجلٍ بأرضٍ فلاةٍ معه جوالق، وضعه ونام عنده يحفظه، فسرق منه رجلٌ شيئًا، أو سرق الجوالق، فإني أقطعه؛ وذلك لأن الجوالق محرزٌ بالحافظ، فسواءٌ أخذ جميعه أو أخذ بعضه.
قال: وكذلك أقطعه إذا سرق فسطاطًا ملفوفًا قد وضعه رجل ونام عنده يحفظه؛ وذلك لأن الفسطاط [الموضوع محفوظٌ بالحافظ، فقد أخذ من حرزٍ.
فإن كان فسطاطًا مضروبًا، وفيه رجلٌ نائمٌ، فإني لا أقطع سارقه؛ وذلك لأنّ الفسطاط] حرزٌ في نفسه، [من أخذه] فقد أخذ نفس الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز، فسارقه كسارق باب الدار.
وليس كذلك إذا كان ملفوفًا؛ لأنه خرج من أن يكون حرزًا، فصار محرزًا بالحافظ، فوجب فيها القطع، كالباب المقلوع إذا كان في الدار، فسرقه سارقٌ (١).
стр. 4215
بَابْ: كيف يصحُّ الأخذُ من الحِرزِ
قال: وإذا دخل السارقُ حرزًا فأخذ منه متاعًا، فحمله أو لم يحمله حتى عثر عليه وهو في الحرز قبل أن يخرجه، فلا قطع عليه في قولهم؛ وذلك لأن القطع يجب بإخراج المال من الحرز؛ لأنه المقصودُ، وهذا النوع من الحدود إذا وجبت، وجبت بالمقصود؛ ولأن غرض السارق ليس هو ثبوت يده على المال، وإنما غرضه إخراج المال [من الحرز]، فما لم يفعل ذلك، لم يوجد الغرض بالفعل، فلا يتعلق به الحدّ.
قال: وإن رمى به خارجَ الحرز ثم ظُهِر عليه قبل أن يخرجَ هو من الحرز، فلا قطع عليه؛ لأنه لما ألقاه ثم ظُهِر عليه، فلم تثبت يده عليه عند الخروج من الحرز، والقطع يتعلق بثبوت يد السارق على المال عند انفصاله.
قال: وإن لم يظهر عليه حتى خرج فأخذ ما كان رمي به خارج الحرز، قطع في قولهم جميعًا (١)، وروي عن زفر أنه قال: لا قطع عليه.
لنا: أنه إذا ألقى المتاع فيده ثابتةٌ عليه؛ بدلالة أن من ألقى متاعه في الطريق فهو في حكم يده ما لم تثبت عليه يدٌ أخرى، وإذا خرج من الحرز والمسروق في يده من طريق الحكم، وجب عليه القطع، كما لو كان في يده من طريق المشاهدة.
ولهذا [المعنى] قال أبو حنيفة: إن من وجد لُقَطَةً في الطريق فأخذها ثم
стр. 4216
ردها إلى مكانها برئ منها؛ لأنه جعل تلك البقعة كيد المالك في باب جواز الردّ (١) إليها.
وجه قول زفر: أنه انفصل من الحرز، وليس المال في يده، فصار كما لو ناوله غيره.
قال: فإن كان رمى به إلى صاحبٍ له خارج الحرز، فأخذه الذي رمى به إليه، فلا قطع على واحدٍ منهما.
أما الخارج؛ فلأنه لم يهتك الحرز، فلا يلزمه قطعٌ، وأما الداخل؛ فلأنه خرج والمال ليس في يده، ألا ترى أن ثبوت يد الخارج على المال يزيل يد الداخل عنه؛ فلذلك لم يلزمه قطعٌ.
قال: فإن كان ناوله صاحبًا له، فناوله من وراء الجدار، فأخذه، ولم يخرج هو به، فإن أبا حنيفة قال: لا قطع على واحد منهما، وقال أبو يوسف ومحمد: يقطع الداخل ولا يقطع الخارج إذا كان الخارج لم يدخل يده إلى الحرز.
أما أبو حنيفة فقال: إن الخارج لم يهتك حرمة الحرز الهتك المقصود، فلا يجب عليه قطعٌ، وأما الداخل، فقد زالت يده عن المال بثبوت اليد الثانية عليه، فانفصل من الحرز، ولا يد له فيه، فلا يقطع.
وجه قولهما: أن يد الثاني قائمةٌ مقام يد الأول في الإمساك، فكأنه خرج والشيء في يده.
قال: فإن كان الخارج أدخل يده إلى الحرز فأخذها من الداخل، فلا قطع
стр. 4217
على واحد منهما في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: أقطعهما جميعًا.
لأبي حنيفة: أن الخارج لم يهتك الحرز الهتك المقصود في مثله؛ لأن هتك الدور يكون بدخولها، فلم يلزمه القطع، وأما الداخل، فقد انفصل من الحرز، ولا يد له على المال، فلا يقطع.
لأبي يوسف: أن إدخال اليد عنده يتعلق به القطع لو (١) لم يكن هناك متناول على ما سنبيّنه، فصار هو السارق، فيوجب عليه القطع، والآخر مناولٌ له في السرقة؛ لأن يده قائمةٌ مقام يده فيما ناوله، فقطع.
قال: ولو أن لصًّا نقب منزلًا لرجل، ثم أدخل يده فسرق سرقة تساوي عشرة دراهم، فلا قطع عليه في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف في الإملاء: أقطعه ولا أبالي أدخل الحرز أو لم يدخل.
ولم يذكر محمد في الأصل ولا في الجامع الصغير في هذه المسألة خلافًا (٢)، والخلاف في الإملاء.
وجه قولهما: ما روي عن علي ﵇ أنه قال: "إذا كان اللص ظريفًا لم يقطع"، قيل له فكيف يكون ظريفًا؟ قال: " (يدخل يده إلى الدار ويمكنه دخولها) (٣) " (٤)، [ولأنه لم يهتك الحرز الهتك المقصود في مثله، ألا ترى أن الدور يمكن دخولها]، فذلك هو المقصود من هتكها، والحد إنما يعلق بالمقصود
стр. 4218
دون غيره.
وليس كذلك من أدخل يده في صندوق الصيرفي، فسرق منه؛ لأن ذلك الحرز لا يمكن هتكه بالدخول، فكان الهتك المقصود منه: إدخال اليد، فتعلق القطع به.
لأبي يوسف: أن هذا الفعل لما تعلق به وجوب القطع في بعض الأحراز، وهو صندوق الصيرفي والجوالق، تعلق بها في بقيتها.
قال: ولو أن لصوصًا دخلوا منزل رجل، فسرقوا سرقةً، فحملها منهم رجل أو رجلان حين أخرجوها من المنزل، فإنهم جميعًا يقطعون، ولا يُدرأ عنهم الحد بحمل بعضهم دون بعضٍ، وكذلك قال أبو يوسف.
هذه رواية ابن رستم، والجامع الصغير والأصل من غير خلاف، وكذلك رواها علي ابن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال: والقياس أن لا يقطع إلا الذي أخرج المتاعَ (١).
وأما في الاستحسان: فإنهم يقطعون جميعًا.
وجه القياس: أن الحامل للمتاع هو المباشر، والباقون مكّنوه من الفعل، والحدّ يجب على المباشر دون المعين والممكِّن، كحدّ الزنا والشرب.
وجه الاستحسان ما بيّنا: أن الحدود تتعلق بالمقصود من كل نوعٍ، ومقصود السرّاق ليس هو الحمل، وإنما هو التمكين وهتك الحرز؛ بدلالة أن الحمل ينفرد به أصاغرهم دون أكابرهم، والحد يجب بحصول المقصود من النوع.
стр. 4219
وليس كذلك حد الزنا والشرب؛ [لأن المقصود منهما ليس هو التمكين، إنما المقصود منهما الفعل، فوجب الحدّ على الفاعل]، ولأن الحامل من جملة السّرّاق وحاملٌ لهم، فكأنهم حملوا المتاع على حمارٍ وساقوه حتى أخرجوه من الحرز، وجب القطع عليهم جميعًا؛ ولأن هذا حكمٌ يتعلق بأخذ مالٍ يحتاج فيه إلى المعاونة في الغالب، فاستوفى فيه المعين والمباشر، كالغنيمة.
وقال في الأصل: لو كانا اثنين، فنقبا البيت، ثم دخل أحدهما واستخرج المتاع، فلما خرج به إلى السكّة، حملاه جميعًا، قال: إن عُرف الداخل بعينه قطع الداخل، ودرأت الحدّ عن الآخر، غير أني أعزّره، وإن لم يعرف الداخل، لم يقطع واحد منهما، ويعزّران (١)؛ وذلك لأن الداخل هو الذي فصل المتاع من الحرز، فصار سارقًا والآخر إنما حمله بعد تمام الفعل، فلم يجب عليه حدٌّ، إلا أنه عاون على المعصية، وذلك أمر منكرٌ لا حدّ فيه، فيعزّر.
فإن لم يعرف الداخل منهما، فلا حد على واحد منهما؛ لأنه لم يتعين من وجب عليه الحد، فلم يجز إيجابُ الحدّ على مجهولٍ، ويعزّران؛ لأن كلّ واحدٍ منهما فعل منكرًا لم يستوف الحدّ منه.
قال: ولو نقب بيت رجل، فدخل عليه فكابره ليلًا حتى سرق منه متاعه، والمتاع يساوي ألفًا أو أكثر، فإنه يقطع؛ وذلك لأن السارق هو أخذ المال من الحرز على طريق الاستخفاء، فمن فعل هذا ليلًا فهو مستخفٍ من الناس، وإن لم يستخف من المالك؛ لأن الغوث لا يلحق بالليل، فصار معنى السرقة موجودًا في فعله فقُطع.
стр. 4220
وليس كذلك إذا كابره في الطريق بالكوفة نهارًا؛ وذلك لأن هذا ليس باستخفاء، ألا ترى أن الغوث يلحق في مثله، فلم يوجد معنى السرقة فيه (١).
قال: ومن سرق تمرًا في نخل، أو شجرًا معلقًا فيه، فلا قطع عليه في قولهم جميعًا؛ لما روى رافع بن خديج: أن النبي ﷺ (قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر، حتى يؤويه الجرين" (٢).
قال محمد: الثمر: ما كان في الشجر؛ ولأنه غير مستخفٍ في الشجر، فصار من جملة ما يسرع الفساد إليه، فلا يقطع فيه (٣).
ولا يقال: إن النبي ﷺ ) (٤) أسقط القطع في الثمر؛ لأن ثمار المدينة غير محرزة؛ وذلك لأن عموم اللفظ يقتضي المحرز وغير المحرز.
قال: وإِن جُدَّ من النخل والشجر، ثم جعل في الجرين، (ثم سرقه سارق، قطع؛ لقوله ﵊: "لا قطع في ثمرٍ ولا كَثرٍ، حتى يؤويه الجرين) (٥)، فإذا آواه الجرين وبلغ ثمن المِجنّ، ففيه القطع"، وهذا محمول عندنا على أنه جُدَّ بعدما استحكم جفافه، وصار فيما يبقى ولا يسرع الفساد إليه.
قال: وكذلك حنطة في سنبل لم تحصد؛ لأن الحنطة التي لم تحصد في حكم التمر المعلق؛ ولأنه لم يستحكم قبل الحصاد، وما لم يستحكم من الحبوب
стр. 4221
لم يكمل معنى المالية فيه.
قال: وكذلك إن كان عليه حائط قد استوثقوا منه، وقد أحرزوه، فسرق ما يساوي عشرة دراهم، فلا قطع عليه [في شيءٍ من هذا؛ لما] بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ"؛ وذلك لأن المعنى الموجب لسقوط القطع، ليس هو عدم الحرز، وإنما هو عدم الاستحكام، ونقصان معنى المال فيه، وإنما ذكر رسول الله ﷺ الجرين؛ لأن الثمار لا تحصل فيه (١) في العادة إلا بعد استحكامها.
وقال ابن رستم عن محمد: الثمر ما كان في رؤوس النخل، والكَثَر الجُمّار (٢).
قال: ولو سرق من المرعى شاةً، أو بعيرًا، أو بقرةً، لم يقطع، وإن سرقه من العطن (٣) أو المراح الذي يأوي إليه، قطع؛ وذلك لقوله ﷺ : في حريسة الجبل: "غرامة مثليها، وجلدات نكال، فإذا آواها المراح وبلغت ثمن المجن ففيه القطع" (٤)؛ ولأن المواشي لا تجعل في مراعيها للحفظ، وإنما تجعل للرعي، والأخذ من غير حرز لا يتعلق به القطع.
قال: ولو سرق النخلة بأصلها، والشجرة بأصلها من البستان، وهي تساوي عشرة دراهم، فلا قطع في شيء من هذا؛ وذلك لأن هذا يوجد جنسه مباحًا تافهًا في دار الإسلام، فلا يتعلق به قطع على ما سنبيّنه.
стр. 4222
وقد روى حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان: أن غلامًا لعمه واسع بن حبان سرق وديًا من أرض جار له، فغرسه في أرضه، فرفع إلى مروان، فأمر بقطعه، فأتى مولاه فذكر ذلك له، فقال: لا قطع عليه، فقال: تعال معي إلى مروان، فجاء به، فحدّثه أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" (١).
وقد روي أن رافع بن خديج روى هذا الخبر لمروان، فأسقط عنه القطع.
فإذا لم يجب القطع في الودي -وهو صغار النخل- (٢)، لم يجب في كباره.
قال: فإن حصد الحنطة، وحرز الثمر، وجعل ذلك في حظيرة عليها باب، فسرق رجل منها ما يساوي عشرة دراهم، قطع.
وإن سرق منها بعد أن حصدت أو حرزت، وهي في الصحراء أو ليس معها من يحفظها، فلا قطع عليه، وإن كان صاحبها نائمًا عليها يحفظها، قطع السارق؛ وذلك لأن الثمر ما لم يحرز، والحنطة ما لم تحصد، لم يجب القطع فيها لصفة فيها، فلا معتبر بالحرز، فإذا أحرزت بعد استحكامها، وحصدت الحنطة بعد استحكامها، فقد صارت على صفةٍ يتعلّق بها القطع.
وإن كانت محرزة بالمكان، أو الحافظ، قطع سارقها، وإلا لم يقطع لعدم الحرز.
قال: و [كذلك] المسافر بالصحراء يجمع متاعه ويبيت عليه (٣)، فسرق منه
стр. 4223
ما يساوي عشرة دراهم، فإنه يقطع السارق؛ لأن الموضع صار حرزًا بالحافظ.
قال: وكذلك إن كان المتاع في جوالقَ على ظهر بعيرٍ، أو دابةٍ، فشقه فسرق منه ما يساوي عشرة دراهم، فإنه يقطع السارق؛ وذلك لأن الجوالق على ظهر البعير حرزٌ لما فيه، والأخذ من الحرز يوجب القطع.
قال: فإن سرق الجوالق كما هو، فلا قطع عليه، (وكذلك إن سرق الجمل مع الجوالق، فلا قطع عليه) (١)؛ لأن الحمل لا يوضع على الجمل للإحراز، وإنما يوضع عليه للحمل، فإذا أخذه فقد أخذ نفس الحرز، و [نفس الحرز] ليس في الحرز كمن سرق باب الدار.
وليس كذلك إذا شقّه فأخذ ما فيه؛ لأن ما فيه محرزٌ به، والأخذ من الحرز يتعلق به القطع (٢).
قال: ولا قطع على النَّبَّاش فيما أخذ من القبر في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه سرق من غير حرزٍ؛ ولأنه لا مالك للكفن.
وقال أبو يوسف: يقطع النبّاش، [وإليه ذهب الشافعي] (٣).
وجه قولهما: ما روي عن الزهري قال: أُخذ نباش في زمن مروان بالمدينة، فأجمع أصحاب رسول الله ﷺ وهم متوافرون: أن لا قطع عليه (٤).
стр. 4224
ولأن اسم السارق لا يتناوله، ألا ترى أن العرب أفردته باسم، والحد إنما ورد في السارق، فلو ألحقنا به مَن لا يتناوله الاسم، أوجبنا الحد بالقياس، وهذا لا يجوز.
(ولأن الكفن ليس بمملوكٍ، ألا ترى أن الميت لا ملك له، ولا يضاف إليه الكفن) (١)، ولا يجوز أن يكون على ملك الورثة؛ لأنه يستحق عليهم (٢) كما يستحق الدين والوصية، وكما أن الدين إذا قضي، والوصية إذا نفذت، لم يبق على حكم ملكهم، فكذلك الكفن، وإذا لم يكن له مالكٌ معينٌ، صار كمال بيت المال.
ولأنه ليس بمحرزٍ، ألا ترى أنه لو سرق من القبر الدراهم والدنانير، لم يقطع، وكل بقعة لو سرق منها الدراهم والدنانير لم يقطع، إذا سرق منها الثياب لم يقطع كالحمّام.
ولأن الكفن لا يقصد إحرازه في الأرض، ألا ترى أن الثياب تبلى في الأرض وتتلف، وإذا لم يقصد إحرازه، والسرقة من غير حرز لا يتعلق بها قطع.
وجه قول أبي يوسف: أنه أخذ مالًا من حرز مثله من غير شبهةٍ، كما لو أخذه من البيت.
قال: ولا قطع على مختلسٍ ولا منتهبٍ ولا خائنٍ؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع على مختلس ولا منتهب ولا خائن" (٣)، وروي عن
стр. 4225
علي رضوان الله عليه أنه سئل عن المختلس والمنتهب؟ فقال: "تلك الدعابة لا شيء فيها" (١)؛ ولأن اسم السارق لا يتناوله، فلم يجز أن يلحق بالنوع الذي ورد فيه الحدّ.
ولا [على] سارقٍ من ذوي الرَّحِمِ المَحْرَم، وقال الشافعي: يقطع السارق ممن لا ولاء بينه وبينه (٢).
لنا قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]، فأباح الأكل من هذه البيوت، فصارت الإباحة شبهةً في الدخول، فمنعت القطع.
ولا يقال: إنه في الآية قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، والسارق من صديقه يقطع؛ لأنه إذا سرق منه، خرج من أن يكون صديقه، فلم يوجب عليه القطع مع وجود السبب المبيح، ومن سرق من أخيه لم يخرج من أن يكون أخًا له؛ لأن بينهما رحمًا كاملًا كالوالدين والولد.
ولأن من أصلنا: أنه يثبت له في ماله حقّ النفقة عند [الحاجة] (٣)، كما يثبت للوالد في مال الولد.
قال: ولا قطع على زوج سرق من زوجته، ولا على امرأة سرقت من زوجها، وقال الشافعي: إن سرق أحدهما من الآخر من البيت الذي هما فيه، فلا
стр. 4226
قطع، وإن سرق من بيت آخر قطع (١).
لنا: أن بينهما سببًا يوجب التوارث من غير حجبٍ، كالوالدين والولد (٢)؛ ولأن كل واحد منهما له تبسط في مال الآخر في العادة (٣)، كما ينبسط في مال ذلك الولد، فمنع من وجوب القطع.
قال: وكذلك إن كانت بانت منه، فسرق واحدٌ منهما من صاحبه، وهي في العدة من ثلاث تطليقات كانت تعتدّ، أو غير ذلك من العِدَدِ؛ وذلك لأن العِدَّةَ من أحكام النكاح، وأحكام النكاح [قد] أُجريت مجرى نفس النكاح في بعض الأحكام (٤)، والحدود تسقط بالشبهة، فصارت العدة شبهةً في سقوط القطع.
قال: ولا قطع على خادم القوم إن سرق من متاعهم، ولا ضيف سرق متاع من أضافه، ولا أجير سرق من موضع مأذونٍ له في دخوله؛ وكذلك إن كان في موضع لا يدخل إليه، إذا كان المتاع فيما هو مأذون له في التصرف فيه؛ وذلك لأن الإذن في دخول الحرز يخرجه من أن يكون حرزًا في حق المأذون له، والسارق من غير حرز لا يقطع (٥).
فأما الأجير إذا أخذ المتاع المأذون له في أخذه، فالإذن له شبهةٌ في الأخذ، وذلك يسقط القطع؛ ولأن الإذن في التصرف في المال أكثر من الإذن في دخول الحرز.
стр. 4227
قال: وإذا أجّر الرجل داره من رجل، فسرق المؤاجِر من المستأجر، أو المستأجر من المؤاجِر، وكل واحد منهما في منزلٍ على حدةٍ، فإنه يقطع السارق منهما، رواه علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
وقال في الأصل: في المؤاجر إذا سرق من المستأجر، قال: أما أنا فلست أرى عليه قطعًا؛ لأن الدار له.
فإن كانت الدار عظيمةً، لها حُجَرٌ، وهو في حجرةٍ منها، وآجر حجرة أخرى من رجل، ثم إن المستأجر نقب على رب الدار، قال: هو سواء، وأيهما سرق من صاحبه ما يجب فيه القطع، قطع، رواها علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، هكذا على لفظٍ واحدٍ.
وأما ما سرقه المستأجر من المؤاجر، ففيه القطع في قولهم إذا كان في بيتٍ منفردٍ؛ لأنه لا شبهة له في الحرز ولا في المال (١).
فأما ما سرق المُكرِي (٢) من المستأجر، ففيه القطع عند أبي حنيفة؛ لأن المستأجر أخصّ بالحرز من المالك، (ألا ترى أن له أن يمنعه من دخوله) (٣)، فصار المؤاجر كالأجنبي.
ولأن شبهته في الحرز أدون من شبهة السارق من المسجد، ألا ترى أن له حقًّا فيه، وليس لأحد منعه من دخوله، والمؤاجر مالكٌ، وهو ممنوعٌ من الدخول، فإذا كان حق السارق في المسجد لا يسقط القطع، فحق المؤاجر أولى.
стр. 4228
وجه قولهما: أن ملكه الحرز شبهةٌ في درء الحدّ، كمالك المال؛ ولأن الملك في الحرز أكبر من الإذن في دخوله، فإذا سقط الحد بالإذن في الدخول، فالملك أولى.
قال: وإذا كان في الدار بيوتٌ، فدخلها سارقٌ وأخذ من بعض البيوت شيئًا قيمته عشرة دراهم، فأخرجه من البيت إلى الدار، فلا قطع عليه حتى يخرج السَّرْقَةَ من الدار إلى خارجها؛ لأن الدار الواحدة حرزٌ واحدٌ وإن اختلفت بيوتها؛ ولهذا قالوا في المودَع إذا قيل له: احفظ في هذا البيت، فحفظ في بيت آخر، لم يضمن، ونقل المال من بعض مواضع الحرز إلى بعض، لا يوجب القطع، ما لم يخرجه من الحرز (١).
قال: وإن كان فى الدار [حُجْرٌ] ومقاصير، فسرق من مقصورةٍ منها، وخرج به إلى صحن الدار، قطع؛ وذلك لأن المقاصير المختلفة كل واحدة منها حرز على حياله، فصارت كالدُّور في محلةٍ واحدةٍ، فإذا أخرجت السرقة من دارٍ منها إلى دارٍ، وجب عليها (٢) القطع، كذلك هذا. (٣).
стр. 4229
بَابْ: ما يكون في حكم سرقة واحدةٍ، أو سرقاتٍ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا دخل الرجل دارًا (١)، فسرق من بيتٍ منها درهمًا، فأخرجه إلى صحنها، ثم عاد فأخذ درهما من البيت، فأخرجه، فلم يزل يفعل ذلك حتى أخذ عشرة دراهم، فهذه سرقةٌ واحدةٌ، فإذا أخرج العشرة من الدار قطع؛ وذلك لأن صحن الدار منها، فإخراج الشيء [إليه] (٢) لا يكون سرقةً، وإنما السرقة إخراجه من الحرز، وقد أخرج من الحرز جملةً هي نصابٌ، فتعلق به القطع.
قال: ولو [كان] خرج في كلّ مرةٍ من الدار، ثم عاد حتى فعل ذلك عشرة مرات، لم يقطع؛ لأنها سرقات؛ وذلك لأن كل خروج من الحرز غير الخروج الآخر، فلم يضم أحد الفعلين إلى الآخر، فاعتبر بنفسه، وسرقة ما دون النصاب لا يتعلق به قطع.
قال: وكذلك جماعةٌ دخلوا دارًا، فأخرجوا من بيتٍ من بيوتها متاعًا مرةً بعد أخرى (٣) إلى صحن الدار، ثم أخرجوه منها جملةً واحدةً، قطعوا إذا كان ما أخرجوا يخص كل واحد منهم عشرة دراهم، وإن كانوا يخرجونه متفرقًا في كل مرة، لا يخص ما أخرجوه [جملةً] في أحدى المرات كلّ واحدٍ عشرة دراهم،
стр. 4230
فلا قطع عليهم (١)؛ وذلك لأنهم إذا أخرجوه جملة، فهي سرقة واحدة، وإذا تفرق الإخراج، فهي سرقات، فكل واحدٍ منها معتبرٌ بنفسه.
وإنما قلنا: إن المعتبر في حال الاشتراك أن يخصَّ كل واحد منهم نصابٌ، خلاف ما قال مالك: إن المشتركين في سرقة في نصابٍ واحدٍ، يجب عليهم القطع؛ لأن كلّ واحدٍ منهم سارقٌ لما دونَ النصاب، فكأنه انفرد به [بذلك القدر]؛ ولأن أخذ المال يتبعض، ففعل كل واحد منهم في حال الاشتراك في قدر ما أصابه، كفعله في حال انفراده (٢).
وليس كذلك قتل الجماعة للواحد؛ لأن القصاص يتعلق بإخراج الروح، وهو معنى لا يتبعض، فكل واحد منهم كالفاعل لجميعه.
قال: وما أوجب القطع، فإن السارق لا يضمن إذا قطع، لا يجتمع ضمانٌ وقطعٌ.
وقال الشافعي: يقطع، ويضمن ما استهلكه (٣).
لنا: ما روي في حديث عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ﷺ قال: "إذا قطع السارق، فلا غرم عليه" (٤)، ولأن كل أخذ يستقرُّ به الضمان لا يتعلق بالبقاء عليه القطع، أصله: أخذ الغاصب، فلو أوجبنا الضمان بهذا الأخذ، لم يجتمع معه القطع، وقد استوفينا القطع، فلم يجز إثبات ما ينافيه.
стр. 4231
فأما إذا كانت العين قائمةً، فإنها تردّ؛ لأن النبي ﷺ قطع سارق رداء صفوان، وردّ الرداء عليه؛ ولأن ردّ العين ليس فيه أمرٌ ينافي القطع، فجاز أن يجتمع معه، وفي إيجاب الضمان تمليك العين المضمونة، والملك ينافي القطع، فلم يجز إثباته مع ما ينافيه.
قال: فإن سقط القطع لشبهة، ضمن؛ وذلك لأن أخذ مال الغير إذا حصل [بغير] (١) حقّ تعلّق به الضمان، وإنما سقطت المطالبة بالقطع، فإذا سقط القطع بقي الضمان على ما كان عليه.
وقال ابن سماعة عن محمد: لو أن رجلًا سرق من رجل تسعة دراهم من منزله، ثم أتى منزلًا له آخر، فسرق منه درهمًا أو تسعة، لم أقطعه؛ لأن هاتين سرقتان؛ وذلك لأن حرمة كلّ حرزٍ غير حرمة الحرز الآخر، فهتك أحد الحرزين بما لا يتعلّق به القطع، لا يعتد به في هتك الآخر، فبقي أن يعتبر كلّ حرزٍ بانفراده.
قال: ولو سرق عشرة دراهم لعشرة أنفس في موضع واحد، قطعته؛ لأنها سرقة واحدة، وهي تبلغ عشرة دراهم، وإن تفرق من يملكها؛ وذلك لأن كمال النصاب فيما يعتبر فيه النصاب يعتبر في حق من يجب عليه الحكم المتعلق بالنصاب، والموجب عليه هو السارق، وقد تم النصاب في حقه، فنقصانه في ملك [كلّ] واحدٍ من المسروق منهم لا يؤثر؛ لأنه نقصانٌ [في] النصاب في حقّ من لا يتعلّق به الوجوب؛ ولهذا جعلنا الشركة في النصاب في الزكاة مؤثرةً؛ لأن النصاب نقص في حقّ من يتعلّق وجوب الزكاة به.
قال: وإن كان عشرة أنفس في دار، كلّ واحدٍ في بيتٍ على حدةٍ، فسرق
стр. 4232
من كلّ واحدٍ منهم درهمًا، قطعته، يعني: ثم خرج بالجميع من الدار؛ لأن الدار حرز واحد، وقد خرج منها بنصاب كامل، والشركة في النصاب لا معتبر بها، فوجب عليه القطع.
قال: ولو كانت حُجَرٌ كثيرةٌ في دارٍ عظيمةٍ، فسرق من كلّ حُجْرَةٍ أقلّ من عشرة دراهم، لم أقطعه؛ وذلك لأن كل حجرة حرزٌ بانفرادها [عن الأخرى]، والسرقات إذا اختلفت، اعتبر كمال النصاب في كلّ واحدٍ منها.
و [قد] قال ابن رستم: قال محمد في عشرة أنفس سرقوا عشرة دراهم من رجلٍ واحدٍ، قال: لا يقطعون، ولو سرق واحدٌ من عشرةٍ، لكلّ واحدٍ منهم درهم، قطعته إذا كانت الدراهم مجتمعةً، وهذا على ما قدمنا: أن السرقة يعتبر فيها النصاب في حقّ السارق دون المسروق منه.
قال: ولو كان سرقها متفرقًا، من كل كيس درهمًا من عشرة أنفس، قطعته أيضًا إذا كان (١) قد أخذها من قبل أن يخرج من النقب؛ لأنه حرزٌ واحدٌ، فإذا انفصل عنه بنصابٍ مسروقٍ قطع.
قال محمد: ولو سرق ثوبًا قيمته تسعة دراهم، فوضعه بإزاء البيت (٢)، ثم دخل فأخذ ثوبًا آخر يساوي تسعة دراهم، فأخرجه، لم يقطع؛ لأنهما سرقتان، وهذا على ما بَيَّنَّا: أنه انفصل في كلّ مرةٍ من الحرز ومعه أقلّ من النصاب، وأحد السرقتين لا يضاف إلى الآخر (٣).
стр. 4233
بَابْ: السارقِ يُحْدِثُ في السرقة قبل إخراجها ما يوجب الضمان عليه
قال: ولو أن لصًّا دخل منزل رجل، فأخذ منه ثوبًا، فخرَّقه في الدار، شقّه نصفين ثم أخرجه، وهو يساوي عشرة دراهم مشقوقًا، فإنه يقطع في قول أبي حنيفة.
وهي رواية الجامع الصغير (١)، ورواية علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهشام عن محمد عن أبي حنيفة، وابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وعمرو بن أبي عمرو [عن محمد] عن أبي حنيفة.
ويضمن السارق ما نقص الشقُّ الثوبَ، وهذا قول أبي يوسف في رواية ابن سماعة، وقول محمد مثل قول أبي حنيفة، لا أعلم عنه خلافًا.
قال الطحاوي: وقياس قول محمد: أن لا يقطع في شيء من ذلك.
ورواية ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يقطع في الثوب.
وقال أبو يوسف: لا يقطع استحسانًا (٢).
وجه رواية الأصول: أنه لما شقّ (٣) الثوبَ ثم أخرجه، وقيمته
стр. 4234
نصابٌ كاملٌ، فكأنه سرقه على هذه الصفة، (ووجوب الضمان عليه في الجزء المتلف) (١)، كإتلاف ثوب آخر في الحرز، ولو أن سارقًا استهلك في الحرز ثوبًا وأخرج ثوبًا قيمته عشرة دراهم، قطع، فكذلك هذا.
وجه الرواية الأخرى: أن الضمان قد وجب بشقه الثوب، وثبت للمالك حق التضمين، وذلك شبهةٌ في سقوط القطع (٢)، وإنما جمع أبو حنيفة في الرواية المشهورة بين القطع وضمان الشق؛ لأنه إنما قطع في بقية الثوب، وألزمه الضمان في الجزء المتلف، والمعنى المانع من الضمان إنما يملك به النصاب، فيصير القطع في ملكه، وهذا المعنى لا يوجد إذا ضمن مقدار النصاب.
وقد قالوا: لو اختار صاحب الثوب أن يسلم الثوب إلى السارق ويلزمه قيمته، لم يقطع؛ لأنه تملكه بالضمان، فلا يقطع فيما هو على ملكه.
وقال ابن سماعة عن أبي حنيفة في السارق إذا خرق الثوب تخريقًا يصير به مستهلكًا، وقيمته بعد تخريقه عشرة، أنه لا قطع عليه في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يقطع.
وذلك لأن الخرق إذا استهلك به الثوب، استقر الضمان، إلا أن يختار المالك البراءة منه، فلم يجز إيجاب القطع مع استقرار الضمان، والرواية التي ذكرها عن أبي يوسف تضاد الأولى؛ لأنه لم يقطعه في الخرق الذي لم (٣) يستهلك، ففيما استهلك أولى.
стр. 4235
فأما إذا دخل الحرز، فذبح الشاة، ثم أخرجها، فلا قطع عليه عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنها صارت لحمًا في الحرز، وسارق اللحم لا قطع عليه.
وعلى قول أبي يوسف في الرواية المشهورة: يسقط القطع لعلتين: إحداهما: وجوب الضمان عليه بالذبح، كما قال في تخريق الثوب، والأخرى: كونها لحمًا لا قطع فيه.
وأما على الرواية الأخرى التي قال: إنه يقطع في اللحم، وفيما يسرع إليه الفساد، فإنه لا يقطع لعلةٍ واحدةٍ: وهي وجوب الضمان.
وقد ذكر محمد بن سماعة عن أبي يوسف قال: إذا كان اللحم يساوي عشرة دراهم قطعته، وهي على الرواية التي [قال] فيها: إذا شق الثوب، قطع فيه، فكذلك إذا ذبح الشاة، واللحم عنده مما يقطع فيه (١).
стр. 4236
بَابْ: السارقُ يُحدثُ في السرقة حدثًا بعد إخراجها من الحرز
قال: وإذا قطعت يدُ السارق والسرقة قائمةٌ بعينها في يده، رُدّت على صاحبها؛ وذلك لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تردّ" (١)، وقوله: "من وجد عين ماله فهو أحقّ به" (٢)، ولأنه ﷺ ردّ رداء صفوان، وقطع السارق فيه.
قال: وكذلك إن كان السارق قد ملَّكها رجلًا بوجهٍ من وجوه الملك: ببيعٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو تزوّج عليها، أو كان السارق امرأةً، فاختلعت بها.
وعلى أي وجه ملّكها وهي قائمةٌ في يد المُمَلَّك، فهي تُرَدُّ على صاحبها، وهي على ملك المسروق لم يخرج منه، وتمليك السارق فيها باطل؛ وذلك لأن القطع لا يوجب ملك [العين] (٣)، [فإذا ملّك ما لا يملك لم يصح تمليكه، فوجب ردّ العين.
قال: وكذلك لو فعل ذلك بعد القطع، فذلك كله باطلٌ؛ لأن القطع لا يوجب ملك العين]، فتمليكها بعد القطع كتمليكها قبله.
فإن هلكت في يد المشتري، وقد كان البيع قبل القطع أو بعده، فلا ضمان على السارق ولا على القابض، روى ذلك بشر وعلي عن أبي يوسف في مسألة
стр. 4237
تاريخها عند بشر سنة ثمان وسبعين ومائة؛ وذلك لأن السارق إن ضمن تملّك الشيء (١) من وقت الأخذ، فوقع القطع فيما هو على ملكه، وذلك لا يجوز.
وأما المشتري، فلو ضمن، لرجع بالضمان على السارق، وقد بينّا أن ضمان السارق لا يجوز، وكذلك لا يجوز تضمين من يرجع عليه.
قال: ولو كان متاع المسروق قائمًا بعينه عند الغاصب، (وأراد السارق أن يُضمّنه، فأراد ربُّ المتاع أن يُضمّنه، فلا ضمان لواحدٍ منهما على الغاصب) (٢)، وهذا إنما يعني به: إذا كان المتاع قائمًا في يد الغاصب عند القطع وهلك بعده، فلا ضمان للسارق؛ لأنه ليس بمالك للعين، ولا ضمان للمالك؛ لأن العين صارت في حكم ما ليس بمتقوم؛ بدلالة أن السارق لو استهلكها بعد القطع لم يضمن في الرواية المشهورة، فلم [يتعلق] (٣) على صاحبها ضمانٌ.
وقد كان الأولى أن يضمن الغاصب (٤)؛ لأنه لا يرجع بالضمان على السارق، فيؤدي ذلك إلى ما بيّنا في القطع، وليس يمتنع أن لا يجب الضمان على السارق ولو هلكت العين في يده، ويجب على الغاصب منه كالوديعة (٥).
وقال ابن رستم عن محمد: في السارق إذا استهلك المتاع بعد القطع، لم يكن عليه ضمان.
وقال الحسن في سياق روايته عن أبي حنيفة: إذا قُطِع والمتاع عنده، ثم
стр. 4238
استهلكه [ببيعٍ أو هبةٍ]، ضمن قيمته، وإن هلك أو سرق، لم يكن عليه شيءٌ.
وجه الرواية الأولى، وهي الأصح عندهم: أن الضمان بالاستهلاك يوجبُ ملك العين المسروقة بسبب سابق، فيؤدي إلى إيجاب القطع فيما هو على ملكه.
وجه رواية الحسن: أن العين لم يملكها السارق بالقطع، وقبضه خرج من أن يتعلق به الضمان، فصارت العين كالأمانة، فإن هلكت لم يضمن، فإن استهلكها ضمن.
ولأنها ملكٌ للغير في يده؛ بدلالة أن الردّ واجبٌ، وملك الغير إذا استهلكه مستهلكٌ ضمنه.
قال: وإن وجد في يد غيره بهبةٍ من اللصِّ وهبها له، أو بيعٍ منه باعها إياه قبل القطع، ثم قطع، كان لصاحبه أن يأخذه، ويرجع المأخوذ على السارق بالثمن الذي كان اشترى منه؛ وذلك لأن الرجوع لا يؤدي إلى إيجاب الضمان على السارق، ألا ترى أن المشتري لا يرجع عليه بالقيمة، وإنما يرجع عليه بالثمن الذي قبضه، فلم يكن في ذلك ما يؤدي إلى تضمين السارق على وجهٍ ينافي القطع.
قال: وكذلك لو كان المشتري أو الموهوب له قد استهلكها، كان لصاحبها أن يُضَمِّنَهُ القيمةَ، ويرجع المشتري على [السارق] (١) بالثمن؛ وذلك لأن إيجاب الضمان على المشتري من السارق لا يؤدي إلى تضمين السارق العين، وإنما يرد الثمن الذي قبض، وهذا لا ينافي القطع.
стр. 4239
قال: ولو سرق ثوبًا فصبغه بعُصْفُرٍ، أو زَعْفَران، أو صبغٍ يكون زيادةً، أو قطعه وخاطه قميصًا، أو قِبَاءً، أو جعله جُبَّةً وبطّنها، فكل ما كان من هذا لو [كان] غصبًا [في يديه] ففعل به مثل ذلك، لم يكن للمغصوب منه عليه سبيلٌ، وكان على الغاصب فيه (١) قيمته، وكان مما للمغصوب منه أن يأخذه ويعطي ما زاد الصبغ فيه، فإنه يقطع في ذلك كله في قول أبي حنيفة، ولا ضمان على السارق، ولا سبيل للمسروق منه عليه.
فأما أبو يوسف ومحمد فقالا في النقصان كما قال أبو حنيفة، ولا يضمن السارق النقصان، والزيادة على وجهين: ما كان ليس للمغصوب عليه سبيلٌ، مثل الثوب يقطعه الغاصب ويخيطه، فهو كما قال أبو حنيفة، وما كان للمسروق منه أن يأخذه ويعطي الزيادة، مثل الصبغ، كان للمسروق منه أن يأخذه ويرد على السارق ما زاد الصبغ، ويقطع السارق، روى قول أبي يوسف [هذا] بشرٌ وعليٌّ.
قال أبو يوسف: هو استحسان، والقياس: ما قال أبو حنيفة.
وروى قولَ محمدٍ (٢) ابن سماعة.
وجملة هذا: أن ما يحدثه السارق في العين المسروقة على وجهين: إما أن يكون نقصانًا، أو زيادةً.
فإن كان نقصًا، قطع ولا ضمان عليه، وردت العين؛ وذلك لأن نقصان العين ليس بأكثر من هلاكها، ولو هلكت وجب القطع وسقط الضمان، فكذلك إذا هلك بعضها، وجب القطع، ولا ضمان.
стр. 4240
وأما إذا اتصلت السرقة بالزيادة، فهو على وجهين: إن كانت تلك الزيادة تسقط حق المالك عن العين، كالقطع والخياطة، قطع السارق، ولا سبيل للمالك على العين في قولهم، ولا ضمان؛ لأن العين زالت عن ملك المسروق منه، والتضمين متعذّرٌ لأجل القطع، فصار ذلك كالاستهلاك.
وأما الزيادة التي لا تقطع حق المسروق منه عن العين، كالصبغ، فقال أبو حنيفة: يقطع السارق، ولا سبيل على العين المسروق منه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذ المسروق منه الثوب، ويعطي ما زاد الصبغ فيه.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لا يخلو إما أن يضمنه الثوب، أو يرد الثوب ويضمن المالك الزيادة، ولا يجوز تضمين الثوب بعد القطع، ولو رددنا الثوب صار السارق شريكًا [فيه] بسببٍ متقدّمٍ على القطع، والشركة في العين المسروقة مسقطة للقطع ابتداءً، فإذا حصل القطع، لم يجز إثبات ما ينافيه.
وليس كذلك إذا صبغه السارق بعد القطع؛ لأن الشركة بعد القطع لا تسقط القطع (١)، كما لو باع المالك بعض الثوب من السارق.
وجه قولهما: أن المالك [في الصبغ] مخيّرٌ بين تضمين الثوب، وبين أخذه وضمان الزيادة، وقد تعذر تضمين الثوب بالقطع، ومن خيّر بين أمرين فتعذّر أحدهما، تعيّن الآخر.
قال أبو حنيفة: ولا يحل للسارق أن ينتفع به بوجه من الوجوه؛ وذلك لأن