بَابْ: السارقُ يُحدثُ في السرقة حدثًا بعد إخراجها من الحرز
قال: وإذا قطعت يدُ السارق والسرقة قائمةٌ بعينها في يده، رُدّت على صاحبها؛ وذلك لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تردّ" (١)، وقوله: "من وجد عين ماله فهو أحقّ به" (٢)، ولأنه ﷺ ردّ رداء صفوان، وقطع السارق فيه.
قال: وكذلك إن كان السارق قد ملَّكها رجلًا بوجهٍ من وجوه الملك: ببيعٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو تزوّج عليها، أو كان السارق امرأةً، فاختلعت بها.
وعلى أي وجه ملّكها وهي قائمةٌ في يد المُمَلَّك، فهي تُرَدُّ على صاحبها، وهي على ملك المسروق لم يخرج منه، وتمليك السارق فيها باطل؛ وذلك لأن القطع لا يوجب ملك [العين] (٣)، [فإذا ملّك ما لا يملك لم يصح تمليكه، فوجب ردّ العين.
قال: وكذلك لو فعل ذلك بعد القطع، فذلك كله باطلٌ؛ لأن القطع لا يوجب ملك العين]، فتمليكها بعد القطع كتمليكها قبله.
فإن هلكت في يد المشتري، وقد كان البيع قبل القطع أو بعده، فلا ضمان على السارق ولا على القابض، روى ذلك بشر وعلي عن أبي يوسف في مسألة
стр. 4237
تاريخها عند بشر سنة ثمان وسبعين ومائة؛ وذلك لأن السارق إن ضمن تملّك الشيء (١) من وقت الأخذ، فوقع القطع فيما هو على ملكه، وذلك لا يجوز.
وأما المشتري، فلو ضمن، لرجع بالضمان على السارق، وقد بينّا أن ضمان السارق لا يجوز، وكذلك لا يجوز تضمين من يرجع عليه.
قال: ولو كان متاع المسروق قائمًا بعينه عند الغاصب، (وأراد السارق أن يُضمّنه، فأراد ربُّ المتاع أن يُضمّنه، فلا ضمان لواحدٍ منهما على الغاصب) (٢)، وهذا إنما يعني به: إذا كان المتاع قائمًا في يد الغاصب عند القطع وهلك بعده، فلا ضمان للسارق؛ لأنه ليس بمالك للعين، ولا ضمان للمالك؛ لأن العين صارت في حكم ما ليس بمتقوم؛ بدلالة أن السارق لو استهلكها بعد القطع لم يضمن في الرواية المشهورة، فلم [يتعلق] (٣) على صاحبها ضمانٌ.
وقد كان الأولى أن يضمن الغاصب (٤)؛ لأنه لا يرجع بالضمان على السارق، فيؤدي ذلك إلى ما بيّنا في القطع، وليس يمتنع أن لا يجب الضمان على السارق ولو هلكت العين في يده، ويجب على الغاصب منه كالوديعة (٥).
وقال ابن رستم عن محمد: في السارق إذا استهلك المتاع بعد القطع، لم يكن عليه ضمان.
وقال الحسن في سياق روايته عن أبي حنيفة: إذا قُطِع والمتاع عنده، ثم
стр. 4238
استهلكه [ببيعٍ أو هبةٍ]، ضمن قيمته، وإن هلك أو سرق، لم يكن عليه شيءٌ.
وجه الرواية الأولى، وهي الأصح عندهم: أن الضمان بالاستهلاك يوجبُ ملك العين المسروقة بسبب سابق، فيؤدي إلى إيجاب القطع فيما هو على ملكه.
وجه رواية الحسن: أن العين لم يملكها السارق بالقطع، وقبضه خرج من أن يتعلق به الضمان، فصارت العين كالأمانة، فإن هلكت لم يضمن، فإن استهلكها ضمن.
ولأنها ملكٌ للغير في يده؛ بدلالة أن الردّ واجبٌ، وملك الغير إذا استهلكه مستهلكٌ ضمنه.
قال: وإن وجد في يد غيره بهبةٍ من اللصِّ وهبها له، أو بيعٍ منه باعها إياه قبل القطع، ثم قطع، كان لصاحبه أن يأخذه، ويرجع المأخوذ على السارق بالثمن الذي كان اشترى منه؛ وذلك لأن الرجوع لا يؤدي إلى إيجاب الضمان على السارق، ألا ترى أن المشتري لا يرجع عليه بالقيمة، وإنما يرجع عليه بالثمن الذي قبضه، فلم يكن في ذلك ما يؤدي إلى تضمين السارق على وجهٍ ينافي القطع.
قال: وكذلك لو كان المشتري أو الموهوب له قد استهلكها، كان لصاحبها أن يُضَمِّنَهُ القيمةَ، ويرجع المشتري على [السارق] (١) بالثمن؛ وذلك لأن إيجاب الضمان على المشتري من السارق لا يؤدي إلى تضمين السارق العين، وإنما يرد الثمن الذي قبض، وهذا لا ينافي القطع.
стр. 4239
قال: ولو سرق ثوبًا فصبغه بعُصْفُرٍ، أو زَعْفَران، أو صبغٍ يكون زيادةً، أو قطعه وخاطه قميصًا، أو قِبَاءً، أو جعله جُبَّةً وبطّنها، فكل ما كان من هذا لو [كان] غصبًا [في يديه] ففعل به مثل ذلك، لم يكن للمغصوب منه عليه سبيلٌ، وكان على الغاصب فيه (١) قيمته، وكان مما للمغصوب منه أن يأخذه ويعطي ما زاد الصبغ فيه، فإنه يقطع في ذلك كله في قول أبي حنيفة، ولا ضمان على السارق، ولا سبيل للمسروق منه عليه.
فأما أبو يوسف ومحمد فقالا في النقصان كما قال أبو حنيفة، ولا يضمن السارق النقصان، والزيادة على وجهين: ما كان ليس للمغصوب عليه سبيلٌ، مثل الثوب يقطعه الغاصب ويخيطه، فهو كما قال أبو حنيفة، وما كان للمسروق منه أن يأخذه ويعطي الزيادة، مثل الصبغ، كان للمسروق منه أن يأخذه ويرد على السارق ما زاد الصبغ، ويقطع السارق، روى قول أبي يوسف [هذا] بشرٌ وعليٌّ.
قال أبو يوسف: هو استحسان، والقياس: ما قال أبو حنيفة.
وروى قولَ محمدٍ (٢) ابن سماعة.
وجملة هذا: أن ما يحدثه السارق في العين المسروقة على وجهين: إما أن يكون نقصانًا، أو زيادةً.
فإن كان نقصًا، قطع ولا ضمان عليه، وردت العين؛ وذلك لأن نقصان العين ليس بأكثر من هلاكها، ولو هلكت وجب القطع وسقط الضمان، فكذلك إذا هلك بعضها، وجب القطع، ولا ضمان.
стр. 4240
وأما إذا اتصلت السرقة بالزيادة، فهو على وجهين: إن كانت تلك الزيادة تسقط حق المالك عن العين، كالقطع والخياطة، قطع السارق، ولا سبيل للمالك على العين في قولهم، ولا ضمان؛ لأن العين زالت عن ملك المسروق منه، والتضمين متعذّرٌ لأجل القطع، فصار ذلك كالاستهلاك.
وأما الزيادة التي لا تقطع حق المسروق منه عن العين، كالصبغ، فقال أبو حنيفة: يقطع السارق، ولا سبيل على العين المسروق منه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يأخذ المسروق منه الثوب، ويعطي ما زاد الصبغ فيه.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لا يخلو إما أن يضمنه الثوب، أو يرد الثوب ويضمن المالك الزيادة، ولا يجوز تضمين الثوب بعد القطع، ولو رددنا الثوب صار السارق شريكًا [فيه] بسببٍ متقدّمٍ على القطع، والشركة في العين المسروقة مسقطة للقطع ابتداءً، فإذا حصل القطع، لم يجز إثبات ما ينافيه.
وليس كذلك إذا صبغه السارق بعد القطع؛ لأن الشركة بعد القطع لا تسقط القطع (١)، كما لو باع المالك بعض الثوب من السارق.
وجه قولهما: أن المالك [في الصبغ] مخيّرٌ بين تضمين الثوب، وبين أخذه وضمان الزيادة، وقد تعذر تضمين الثوب بالقطع، ومن خيّر بين أمرين فتعذّر أحدهما، تعيّن الآخر.
قال أبو حنيفة: ولا يحل للسارق أن ينتفع به بوجه من الوجوه؛ وذلك لأن
стр. 4241
الثوب على ملك المسروق منه، وإنما تعذر الرد والتضمين من طريق الحكم، فلا يحل للسارق الانتفاع بما لم يملكه.
وكذلك في مسألة الثوب إذا خاطه، لا يحل له أن ينتفع به؛ لأنه ملكه بوجهٍ محظورٍ لم يؤدّ بدله.
وليس كذلك إذا لم يقض عليه بالردّ أو بالضمان أبحنا له الانتفاع بالعين، كما قالوا في المُسلم إذا دخل دار الحرب بأمانٍ، فأخذ شيئًا من أموالهم، فهذا لم يحكم عليه بردّه، ولزمه ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك البغاة إذا أتلفوا أموالنا، ثم رجعوا، لم يحكم عليهم بالضمان، قاضيناهم فيما بينهم وبين الله تعالى.
وقالوا: في الحربي إذا أخذ شيئًا من مالنا، ثم أسلم، لم يلزمه رده؛ لأنه ملكه [بالأخذ] (١) ثم أسلم عليه.
قال ابن سماعة عن محمد: في السارق إذا قطعت يده في السرقة، وقد استهلكها، فإني آمره فيما بينه وبين الله تعالى أن يرد قيمة ما استهلك، وإن كنت لا أقضي عليه [بذلك] (٢)؛ لأن القضاء يؤدي إلى إيجاب ما ينافي القطع، ولكنه يُفتى بالرد؛ لأنه أتلف مالًا محظورًا بغير حقٍّ.
قال: وكذلك قطاع الطريق إذا استهلكوا المال، ثم أقيم عليهم حدّ قطع الطريق، فإني أفتيهم برد قيمة ذلك أو مثله فيما يكون عليهم مثله؛ لأنهم استهلكوا ما ليس لهم، وهذا على ما بيّنا.
стр. 4242
قال: وكذلك قاطع الطريق إذا قتل رجلًا بِعَصًا (١)، فإني آمره أن يؤدي ديته إلى وليه، يُفتى بذلك إذا جاء تائبًا، وبطل الحدّ عنه؛ لأنه قتل نفسًا بغير حقٍّ.
قال: ولو قتل الحربي مسلمًا بَعَصًا، ثم أسلم، فإني لا أفتيه بدفع قيمة المقتول إلى وليه؛ لأن القتل وقع غير موجبٍ للضمان، فلم يجب عليه بالإسلام (٢).
فأما الباغي وقاطع الطريق بفعليهم الضمان؛ لأنّ] فعلهم وقع موجبًا للضمان؛ بدلالة أن الحدّ لو سقط ابتداءً بشبهةٍ، وجب الضمان، وإذا سقط الحكم به لأجل الحدّ، يُفتى فيما بينه وبين الله تعالى (٣).
стр. 4243
بَاب ما يجبُ في سرقتِه القطعُ، وما لا يجبُ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قد قدمنا الرواية عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" (١)، والثمر: ما في رؤوس النخل والشجر، ولا قطع فيه، ولا في حنطةٍ في سنبلها لم تحصد، وإن كان على ذلك حائطٌ قد استوثق منها، ومعها حافظٌ، فإنه لا يقطع فيه.
وهذا على ما قدمنا: أن الثمر على رؤوس النخل مما يسرع إليه الفساد، ولا يكمل معنى المال فيه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمرٍ معلق حتى يؤويه الجرين" (٢)، والسنبل ما لم يُحصد في حكم الثمرة المعلقة؛ لاتصاله بأصله، ولا فرق بين المحرز وغير المحرز؛ لأن القطع سقط لمعنى فيه.
قال: وكذلك إن سرق من الحائط نخلةً بأصلها فلا شيء فيه؛ لقوله ﵇: "لا قطع في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ"، وقد قيل في التفسير: إن الكَثَر: هو النخل الصغار؛ ولأن النخل يوجد أصله في دار الإسلام مباحًا تافهًا، فلا يقطع فيه.
قال: فإذا أحرز الثمر، وجعل في حظيرة وعليها بابٌ، أو حنطة قد حصدت، فجعلت في هذه الحظيرة، فإن سارقه يقطع.
وإن لم يكن معه من يحفظه، فلا قطع على من سرقه.
стр. 4244
وإن كان صاحبه نائمًا عليه يحفظه، وكان محصورًا في [غير] حظيرةٍ، فإن سارقه يقطع، وهذا محمول على أن التمر حُرز بعدما استحكم، حتى صار بحيث لا يلحقه الفساد، فكمل معنى المال فيه، فإذا سرق من حرزٍ، قطع.
قال: وكذلك ما سرق من الغنم، والإبل، والبقر، والخيل من مراعيها، وإن كان الراعي معها، فلا قطع فيه في قولهم جميعًا، وإن كان يأوي بالليل إلى حائط قد بُني لها، عليه بابٌ، ومعها حافظٌ، أو ليس معها أحدٌ غير أن الباب مغلقٌ، فكسر الباب ثم دخل، فسرق بقرةً قادها قودًا حتى أخرجها، أو ساقها سوقًا حتى أخرجها، أو ركبها حتى أخرجها، فإنه يقطع؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه سُئل عن حريسة الجبل، فقال: "غرامة مثليها وجَلَدات نكال، فإذا آواها المراحُ وبلغت ثمن المجن، ففيها القطع" (١)؛ ولأن المقصود بكون المواشي في المراعي ليس هو الحفظ، (وإنما المقصود الرعي) (٢)، وأخذ المال الذي ليس بمحفوظ لا يتعلّق به القطع (٣).
٢٦٩٦ - [فَصْل: فيما لا قطع فيها من الأشياء]
وجملة مسائل (٤) هذا الباب مبنيّةٌ على مسألتين:
إحداهما: سرقة ما يسرع إليه الفساد، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع فيما يسرع إليه الفساد: مثل الطعام، والرطب، والفاكهة الرطبة، والبقول.
стр. 4245
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: يقطع في الطعام كله، رطبه ويابسه، وفي البقول كلها، وهي رواية الحسن بن زياد عنه.
وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف أنه [قال]: لا قطع في الخبز، ولا في الثريد، ولا في الفاكهة التي لا تبقى في أيدي الناس.
وجه قولهما: ما روى الحسن: أن النبي ﵇ قال: "لا قطع في طعام" (١)؛ ولأن البقول وما في معناها تافهةٌ؛ بدليل أن القادر على أخذها يتركها مع القدرة [على أخذها]، وقد قالت عائشة ﵂: كان لا يقطع في عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه (٢).
ولأنها لما لم يبق نقص معنى المال فيها، ونقصان معنى المال كنقصان قدره، فيمنع من وجوب القطع؛ ولأن الحدود تجب في المقصود من كلّ نوعٍ، والمقصود من السرقة ليس هو ما لا يبقى، فلم يتعلق به الحدّ.
وجه قول أبي يوسف: قوله ﵇: "لعن الله السارق، يسرقُ البيضة، فتقطع يده" (٣)؛ ولأنه مالٌ يباع ويشترى كسائر الأموال.
وأما المسألة الثانية: فقال أبو حنيفة ومحمد: كلّ ما يوجد جنسه مباحًا تافهًا في دار الإسلام، لم يجب فيه القطع، وقال أبو يوسف: يقطع.
وجه قولهما: قوله ﷺ : "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ"، وقد قيل في الكثر: أنه
стр. 4246
النخل الصغار، وقيل: الجُمّار (١)، والمعنى فيه: أنه يُوجد مباحًا تافهًا في دار الإسلام.
ولأن الأغراض تختلف باختلاف المقادير، كما تختلف باختلاف الأجناس، فإذا كان في المقادير ما لا يقطع فيه، وجب أن يكون في أجناس الأموال ما لا يقطع فيه.
وجه قول أبي يوسف: أن هذا متموّلٌ يباع ويشترى كسائر الأموال قال: ولا يقطع في طيرٍ، ولا في صيدٍ في برٍّ ولا بحرٍ، وحشيًا كان أو غيره، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد (٢).
وروي عن أبي يوسف أنه قال: يقطع في كل شيء إلا الطين، والتراب، والسرقين.
قال أصحابنا: وكذلك يجب أن يكون الماء.
وجه قولهما: ما روى الثوري عن جابر بن عبد الله الجهني قال: سرق رجلٌ دجاجةً، فرفع إلى عمر بن عبد العزيز، فأراد أن يقطعه، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمعت عثمان ﵁ يقول: (لا قطع في الطير)، فتركه (٣)، وعن عليٍّ رضوان الله عليه مثله (٤)، وليس لهما مخالفٌ؛ ولأن جنسه يوجد مباحًا تافهًا في دار الإسلام، فصار كالتراب.
стр. 4247
وجه قول أبي يوسف: أنه متمول كسائر الأموال.
وقد روى ابن سماعة، عن أبي يوسف، عن روح بن عطيف الثقفي، عن الزهري (١): أن عثمان ﵁ قال: لا قطع في طير. وأن عليًا ﵁ قال: لا قطع في الطير.
قال: وكذلك ما صيد من الجوارح، فعُلِّم فصاد صيودًا، فلا قطع على سارقه، وهذا على ما بيَّنَّا: أن جنسه يوجد مباحًا تافهًا (في دار الإسلام.
وقال بشر عن أبي يوسف في الإملاء: قال أبو حنيفة: لا قطع في السمك، مملحًا كان أو طريًا؛ وذلك لأنه يوجد مباحًا تافهًا في دار الإسلام) (٢)، ألا ترى أن القادر عليه يترك أخذه مع القدرة على أخذه.
وكان يقطع في الفاكهة اليابسة التي تبقى في أيدي الناس؛ لقوله ﵇: "حتى يؤويه الجرين"، والجرين في العادة تنقل إليه الثمار بعد استحكامها.
قال: وروى ابن رستم عن أبي حنيفة أنه قال: لا قطع في الفاكهة اليابسة، وأجراها مجرى السمك؛ فلما لم يقطع في رطبها، لم يقطع في يابسها.
والصحيح من الرواية: وجوب القطع؛ لأن الفاكهة لا توجد مباحةً تافهةً، وإنما يسقط القطع في رطبها لأنها لا تبقى.
وقال بِشر عن أبي يوسف: كان أبو حنيفة يقول: لا قطع في بقل ولا ريحان رطب، وكان يقطع في الحِنَّاء وما أشبه ذلك؛ لأن الحِنَّاء لا يُسرع إليه الفساد،
стр. 4248
فهو كالفاكهة اليابسة.
قال: ولا يقطع في شيء من الحطب والخشب، ما خلا الساج (١) والقَنا (٢)؛ وذلك لأن جنس الخشب يوجد مباحًا في دار الإسلام تافهًا على الأصل الذي قدمنا.
فأما الساج، والقَنا، والأَبَنُوس (٣)، والصندل (٤)، فلا يوجد جنسه في دار الإسلام مباحًا، وإنما يوجد في دار الحرب، والإباحة في دار الحرب لا معتبر بها، ألا ترى أن جميع الأموال مباحةٌ هناك وإن وجب القطع فيها في دارنا.
قال: وإن صنع الخشب أو الحطب بابًا، أو إناء، قطعته؛ وذلك لأنه بالصنعة والتأليف خرج من حكم أصله، وصار في حكم جنس آخر، ألا ترى أن العمل غالبٌ عليه، وهو على هذه الصفة لا يوجد مباحًا، فتعلق به القطع.
وقال أبو يوسف: عن أبي حنيفة قال: لا قطع في اللحم؛ وذلك لأنه مما يُسرع إليه الفساد (٥).
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا قطع في التراب، والطين، والجصّ، والنورة، والزرنيخ، واللَّبِن، والآجر، والفخار، والزجاج، وإن كان محرزًا.
стр. 4249
وروى محمد عن أبي حنيفة: في الزجاج في الأصل.
وقال أبو يوسف: أقطع في ذلك كله ما خلا التراب، والسرجين، والطين.
وقال أبو يوسف: عن أبي حنيفة: لا أقطع في شيء من الحجارة، والمغرة، والكحل، والملح، والقدور، والفخار، والزجاج؛ وذلك لأن جنس هذه الأشياء يوجد في دار الإسلام مباحًا تافهًا.
(فأما الفخار والآجُرُّ، فإنه من الطين، والصنعة غير غالبةٍ على قيمته، والطين لا يقطع فيه.
فأما الزجاج، فمن أصحابنا من يحمله على زجاج لم يعمل؛ لأنه من جنس الرمل، وذلك يوجد مباحًا تافهًا) (١)، فأما إذا عمل، ففيه القطع.
ومن أصحابنا من يُسَوِّي بينهما، وقال: لا قطع فيه؛ لأن معني المال فيه ناقص، ألا ترى أن الكسر يسرع إليه، فصار في حكم ما لا يبقى.
قال بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يقطع في الجوهر كله، وفي اللؤلؤ.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: فأما الياقوت، والزمرد، والفيروزج، فإنه يقطع فيه إذا ساوى عشرة دراهم؛ وذلك لأنه وإن وجد في دار الإسلام مباحًا، فلا يوجد تافهًا، ألا ترى أن القادر على أخذه لا يتركه مع القدرة عليه، فصار كالذهب والفضة.
وقال: في سارق الصليب الذهب والفضة، وهو محرز، لا قطع
стр. 4250
عليه؛ وذلك لأن الصليب مأذونٌ له في أخذه لكسره، وكذلك الصنم من الذهب، وإن كان له في الأخذ شبهةٌ، لم يقطع فيه.
فأما الدراهم التي عليها التماثيل، فيقطع فيها؛ لأنها ليست معدّةً للعبادة، فلا شبهة في أخذها.
وقال ابن رستم عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في ذِمِّيٍّ سرق من ذِمِّيٍّ (١) خمرًا، لم يقطع فيه؛ لأن معنى المال فيها ناقصٌ، ألا ترى أنها مالٌ عندهم، وليست بمالٍ عندنا، ونقصان معنى المال ينفي القطع.
فأما الصلبان والأصنام، فلا قطع فيها لما قدمنا.
قال أبو يوسف في الصليب: إذا كان في مُصَلَّاهُمْ، فلا قطع فيه؛ لأنه بيتٌ مأذونٌ في دخوله، وإن كان في يد رجل منهم محرزًا، قطع فيه؛ لأنه مال يباع ويشترى.
وقال هشام عن محمد: فيمن سرق شطرنجًا ذهبًا، [قال]: لا قطع فيه؛ وذلك لأنه يتأول أخذه للكسر والمنع من اللعب به، والشبهة إذا تمكّنت في الأخذ منعت من القطع.
وقال ابن رستم عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: فيمن سرق صحفًا فيها شعرٌ أو عربيّةٌ أو حديثٌ، فلا قطع فيه.
وقال أبو يوسف: إذا كانت الصحيفة تساوي عشرة دراهم ونحوه (٢)، قطعته فيها.
стр. 4251
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن المقصود من المصحف ما فيه، وهو كلام الله تعالى، وذلك ليس بمالٍ، والمقصود من السرقة إذا لم يجب فيه القطع، لم يتعلق القطع بغيره، كمن سرق صبيًا حرًّا عليه حليٌّ.
ولأن المصحف مختلفٌ في كونه مالًا، ألا ترى أن من منع من بيع المصحف، أخرجه من أن يكون مالًا، وما اختلف في كونه مالًا لم يتعلّق به قطعٌ (١).
ولأنه مأذون في أخذها عند الحاجة، ألا ترى أنه إذا احتاج إلى تلقين (٢) القرآن، لم يجز منعه منها، والإذن في الأخذ يمنع وجوب القطع، وعلى هذا جميع الدفاتر؛ لأن المقصود ما فيها، وليس بمالٍ.
وأما دفاتر الحساب، ففيها القطع؛ لأن ما فيها لا يقصد بالأخذ، وإنما المقصود الكاغد (٣)، فإذا كان نصابًا، قطع فيه، وعلى هذا الدفاتر البيضاء، يقطع فيها؛ لأنها هي المقصودة، وهي مالٌ.
وجه قول أبي يوسف: أن المصاحف مال [يباع و] يشترى ويتمول، كسائر الأموال.
قال بِشر عن أبي يوسف: كان أبو حنيفة يقطع في الحبوب كلها، والأدهان، والطيب، والعود والمسك، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا متموّلٌ ولا يسرع إليه الفساد، ولا يوجد جنسه مباحًا تافهًا [في دار الإسلام].
وقال: في الخل القطع، ولا أعلمه إلا قول أبي حنيفة؛ لأن الخل مما لا
стр. 4252
يسرع إليه الفساد.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: إذا سرق قطنًا أو كتانًا، أو صوفًا، قطع؛ لأن هذا متمولٌ لا يسرع إليه الفساد، ولا يوجد مباحًا تافهًا.
وقال في الأصل: إذا سرق حنطة، أو شعيرًا، أو دقيقًا، أو سويقًا، أو سمنًا، أو تمرًا، أو زبيبًا، أو بذرًا، أو زيتًا، أو خَلًّا، قطع، وكذلك سائر الحبوب (١)، وسائر الأدهان، وسائر الأمتعة الملبوسة والمفروشة (٢).
وكذلك جميع (٣) الأواني من الحديد والصفر والشَّبَه (٤) والرصاص والخشب، وجميع ما يصنع منه [من] الأواني والأبواب والظروف، مثل الصناديق، والنحوت، وغير ذلك من الآلة التي يتخذها الناس، والخشب والساج والأبنوس والعاج؛ وذلك لأن هذا مال متموّلٌ لا يسرع إليه الفساد، ولا يوجد مباحًا تافها في دار الإسلام.
وأما العاج، فنبيّنه من بَعدُ.
قال: وكذلك لو سرق النحاس، أو الشبَه (٥)، أو الرصاص، أو الصفر، أو الحديد؛ وذلك لأن الصفر والحديد وإن وجد جنسه مباحًا، فلا يوجد تافهًا، وإنما يستخرج من المعادن، ويتعلق به حق الله تعالى، كالذهب [والفضة].
стр. 4253
قال: ولا قطع في بواري (١)؛ وذلك لأن القصب يوجد مباحًا تافهًا في دار الإسلام (٢)، فالصنعة الحاصلة فيه بالتأليف ليست غالبةً على أصله، فكأنه سرق قصبًا من غير تأليف.
وقال: ويقطع إذا سرق شعرًا من شعر الغنم، أو مِرعِزَّى (٣)، أو أدمًا عربيًا، أو صحفًا، أو قراطيس، أو سكاكين، أو مقاريض، أو ميزانًا، (أو حرمًا، أو أرسابًا) (٤)، وهذا على ما قدمنا: أن كلّ متموّلٍ لا يوجد جنسه مباحًا ولا يسرع إليه الفساد، يتعلّق به القطع [إذا بلغ قيمته نصابًا].
وقال في الإملاء: في الزعفران، والوَرْس، والعود، والعنبر، والحِناء، والوسْمة، والكَتْم، وغير ذلك الطِّيب القطع، وقد بيّنا هذا.
وقال ابن رستم عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا قطع في عفص (٥)، ولا إهلِيلَج (٦)، ولا أشنان (٧)، ولا في فحمٍ؛ وذلك لأن العفصَ والأشنان والفحم
стр. 4254
يوجد جنسه مباحًا تافهًا في دار الإسلام، فلا يقطع]، وأما الإهليلج، فلا يوجد جنسه مباحًا في دارنا (١)، ولا يسرع إليه الفساد، ففيه القطع.
ويجوز أن يكون أبو حنيفة ظن أنه يوجد في دار الإسلام، فأجراه مجرى العفص، والحكم فيه يتبع هذا المعنى.
وقد روى بشر عن أبي يوسف أنه قال: أقطع في العفص، والإهليلج، والأدوية اليابسة كلها، وهذا على أصله.
وقال هشام: سألت محمدًا عن شطرنج ذهب سرقَهُ إنسان، قال: لا أقطعه.
وأضمنه ذهبًا مثلها، يعني مثل وزنه، وقد بيّنا هذا.
[وقال: لا أقطع في الرُّخَام والحِجَارة والآجُرِّ والفَخَّار، وقد بيَّنَّاه].
قال: ولا أقطع في اللؤلؤ والياقوت، وهذا مخالف لما قدمنا، ووجهه: أن اللؤلؤ والياقوت يوجد مباحًا لا يتعلّق بأخذه شيءٌ، فصار كالصيد.
قال: ولا أقطع في العاج (٢) ما لم يعمل منه شيءٌ، فإن عمل منه شيءٌ، قطعته فيه.
وكان أصحابنا يقولون: يجب أن لا يقطع في معمول العاج وغير معموله؛ لأنه مختلفٌ في كونه مالًا، ألا ترى [أن] من الفقهاء من يمنع الانتفاع به، ومن جواز بيعه، فعلى هذا يجبُ أن لا يقطع في معموله، إلا أن يكون أبو حنيفة لم يعرف هذا الخلاف فيعتدّ به.
стр. 4255
وكانوا يقولون: ينبغي أن يكون [هذا] الجواب في العاج الذي من عظام الجمال، فلا يقطع في غير معموله؛ لأنه يوجد مباحًا تافهًا، ويقطع في معموله؛ لأن الصنعة تغلب عليه، فيصير كالخشب إذا عمل.
وقال محمد: لا أقطع في طعامٍ لا يبقى، ولا في اللحم الطري، ولا الصفيف (١).
وقال هشام: قلت لمحمد: اللحم المملح قد يبقى، قال: لا أقطعه فيه؛ وذلك لأن اللحم الصفيف يسرع إليه الفساد، ولا يبقى كبقاء الفواكه؛ ولأنه تافه؛ بدلالة أن القادر عليه يترك أخذه مع القدرة [عليه].
وقال هشام عن محمد: في جلود السباع [المدبوغة] (٢)، لا قطع فيها، فإن جعلت مصلياتٍ (٣) أو بُسُطًا قطعته فيها، وهذا يدل على أنه لم يعرف الخلاف في أن جلود السباع لا تطهر بالذكاة ولا بالدباغ، وإذا لم يعتد بهذا الخلاف، فما لم تعمل فهي من أجزاء الصيد، فلا يقطع فيه، وإذا عملت، غلبت عليه الصناعة، فقطع فيها.
قال هشام: سمعت محمدًا يقول: ليس في الدجاج، ولا في البط، ولا الإوز، قطعٌ؛ وهذا على ما بيَّنَّا من سقوط القطع في الطير.
قال محمد: لا أقطعه في قصب (٤) النشاب، فإن اتُّخِذ نشابًا قطعته؛ وذلك
стр. 4256
لأن قصب النشاب يوجد مباحًا تافهًا، فإن اتُّخِذ نشابًا، غلبت عليه الصنعة، فصار كالخشب إذا عمل.
وذكر في رواية الحسن عن زفر: أنه لا قطع في نبيذ تمر، (أو نبيذ عنب) (١)، أو نبيذ زبيب، أو طلاء (٢) مطبوخ، أو سرق لبنًا، فإنه لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة، وبه يأخذ الحسن؛ وذلك لأن النبيذ مختلف في إباحته، فاختلف في كونه مالًا، فلا يتعلق به قطع.
وأما اللبن؛ فلأن الفساد يسرع إليه.
وقال بشر عن أبي يوسف في نوادره: قال أبو حنيفة: لا أقطع في القرون، معمولةً كانت أو غير معمولةٍ.
وقال أبو يوسف: إن كانت معمولةً، وهي تساوي عشرة دراهم قطعته، ولا أقطعه إذا كانت غير معمولةٍ، وهذا الخلاف يجب أن يكون لاختلاف السؤال، فأجاب أبو حنيفة في قرون الميتة؛ لأنها مختلفٌ في كونها مالًا، فلا يجب فيها القطع، وأجاب أبو يوسف على قرون المذكاة، فلم يوجب فيه القطع؛ لأنها من أجزاء الحيوان، فأوجب في معمولها كما يجب في معمول الخشب (٣).
стр. 4257
بَاب من لا يُقطع السارقُ فيه
قال: ولا قطع على سارق من ذي رَحمٍ مَحْرَمٍ [منه]، كائنًا من كان.
أما ما سرقه الوالد من الولد، فلا قطع فيه بالإجماع؛ لأن الأب له شبهة ملك في مال ولده؛ ولهذا قال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (١)، وشبهة الملك تمنع من وجوب الحدّ.
ولأن مال الولد مضافٌ إلى الأب بأنه كَسْبه؛ بدلالة قوله ﵇: "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوا من كسبكم (٢) " (٣)، وما أضيف إليه بأنه كسبه، لم يقطع فيه كمال نفسه.
وأما ما سرق الولد من الوالد، (فلا قطع فيه؛ لأن بينهما ولادًا، فصار كسرقة الوالد من الولد) (٤).
وأما من سواهما من ذوي الأرحام، فلا قطع على من سرق من ذي رَحِم
стр. 4258
مَحْرَمٍ؛ لأن بينهما رحمًا كاملًا، فصار كالوالدين (١)؛ ولأن بينهما تباسطًا في العادة، [وكذلك إذا سرق أحد الزوجين من الآخر؛ لأن بينهما سببًا يوجب التوارث] كما بين الوالد والولد، فصار كالوالدين.
قال: ولا على خادمٍ إذا سرق ممن يخدمه، ولا على خادم زوجةٍ إذا سرق من الزوج، [ولا على خادم الزوج إذا سرق من الزوجة]؛ لأنه مأذونٌ له في دخول الحرز.
ولأن رجلًا حمل عبدًا إلى عمر بن الخطاب، فقال: إن عبدي هذا سرق مرآةً لزوجتي، فقال عمر: عبدكم أخذ مالكم، فلا قطع عليه (٢).
قال: ولا على من سرق من بيت المال، ولا من الخمس؛ وذلك لأن للسارق حقًّا فيه، فصار كالسارق للمال المشترك.
قال: ومن سرق من ذي رحمٍ محرمٍ منه من الرضاع، قطع في قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف لا يقطع، إلّا أن تكون أمّه من الرضاعة (٣).
وجه قولهما: أن الرضاع يوجب التحريم، ومجرد التحريم لا (٤) يمنع القطع، كمن سرق من امرأة قد كان وطئ ابنتها؛ ولأن هذا السبب - وهو الأمومة
стр. 4259
من الرضاع - لو منع القطع، لمنعت الأخوة من الرضاع كالنسب.
لأبي يوسف: أن ابن المرأة من الرضاع له تبسطٌ في مالها في العادة، فصار كالابن من النسب.
وأما الأخت من الرضاعة، فلا يقع التبسط في منزلها، فلذلك وجب القطع.
قال: ولا قطع على من سرق في دار الإسلام من [حربيٍّ مستأمنٍ] (١)، استحسانًا.
والقياس: أن يقطع؛ لأن ماله محظورٌ بالأمان، كالذِّمِّي.
وجه الاستحسان: أن الحظر في ماله مؤقّتٌ، والإباحة مؤجّلةٌ، والتأجيل في الحقّ لا يمنع من ثبوته في الحال، فإذا كان معنى الإباحة قائمًا في المال، منع من وجوب القطع.
وليس كذلك مال الذميّ؛ لأنه محظورٌ على التأبيد كمال المسلم؛ إلا أنّ الضمان واجبٌ في مال الحربيّ؛ لأن السارق تناول في دار الإسلام مالًا محظورًا، وإنما سقط القطع للشبهة، والضمان لا يسقط بالشبهة.
قال: ولا قطع على رجلٍ سرق من عبده المأذون وعليه دينٌ يحيط به وبما في يده، وهذا ظاهر على قول أبي يوسف ومحمد (٢)؛ لأنه مالك عندهما لما في يده.
فأما على قول أبي حنيفة: وإن كان لا يملك، إلا أن المأذون (٣) لا يملكه
стр. 4260
أيضًا، والغرماء لا يملكون، وللمولى حكم الملك؛ بدلالة أنه يقدر على تملكه بقضاء الدين، ولا يقدر الغرماء على تملكه باختيارهم (١)، فصار المولى أقرب إلى هذا المال، فلم يقطع فيه.
قال: ولا يقطع في سرقته من مُكاتَبِه؛ وذلك لأن ما في يد المُكاتَبِ موقوفٌ عليه وعلى مولاه، والمال الذي يقف ملكه على الإنسان، لا يقطع فيه، كأحد المتبايعين إذا سرق ما شرط فيه الخيار.
قال: ولا يقطع عبد في سرقةٍ من مولاه، مكاتبًا كان العبد أو مُدَبَّرًا، أو تاجرًا عليه دينٌ، ولا على أمّ ولدٍ سرقت من مولاها؛ لما قدمنا من حديث عمر أنه قال: "عبدكم سرق متاعكم، لا قطع عليه".
ولأن هؤلاء على ملك المولى، فلا يقطع ماله لأجل ماله.
ولأنهم يتبسطون في منزله في العادة، فيدخلون للخدمة، والتبسط في الحرز يمنع من القطع.
قال: فإن سرق رجلٌ من امرأة أبيه، أو من زوج أُمّه، أو من ابن امرأته، أو ابنتها، أو أمها، فلا قطع عليه، وكذلك امرأة ابنه، وكذلك ابن امرأته وابنتها.
وقال أبو يوسف: يقطع في ذلك كلّه -[غير امرأته]- بعد أن سرق [ذلك] من غير منزل السارق، أو منزل أبيه أو ابنه.
وجملة هذا: أن السارق إذا سرق من هؤلاء، وهم في منزل من يضاف السارق إليه، لم يقطع في قولهم؛ لأنه مأذونٌ في دخول منزل أبيه وابنه، فخرج
стр. 4261
المنزل من أن يكون حِرْزًا في حقّه.
وأما إذا سرق مالهم من منزلٍ آخر، لم يقطع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يقطع.
لأبي حنيفة: أنه لو سرق من المضاف إليه، لم يقطع، فإذا سرق من المضاف، لم يقطع، أصله: العبد إذا سرق من ابن مولاه، أو من امرأة مولاه.
لأبي يوسف: أنه لا قرابة بينه وبين امرأة أبيه، وابنة امرأته، وأمها، ولا زوجته، فصاروا كالأجانب.
وليس كذلك عند ابنه (١)؛ ولأنه مال الأب، ففي قطعه إلحاق ضررٍ بالأب؛ فلذلك اعتبر حكمه بحكم الأب.
قال: ولا قطع على الرجل يسرق من مطلقته وهي في العدة، والمطلقة تسرق من مطلقها وهي في العدة؛ ثلاثًا كانت أو طلقةً، أو هي في رجعتها، أو في خلعٍ، أو [مبانة] (٢)؛ وذلك لأن العدة أثرٌ من آثار النكاح، فصار بقاؤها كبقاء النكاح، ومعلوم أن النكاح بقاؤه يمنع القطع على ما قدمنا، فكذلك أثره يصير شبهةً.
قال: ولو أن رجلًا سرق من منزلِ غريمٍ له دراهم، لم يلزمها قطعٌ، وهي
стр. 4262
قضاءٌ (١) من حقه إذا كان دينه (٢) عليه حالًا، فإن كان إلى أجل، فإنه يقطع إذا صححت هذا الكلام، ولكن أدعه وأستحسن، وأدرأ الحد عنه؛ وذلك لأن السارق إذا أخذ من جنس حقه، صار قصاصًا بحقه إذا كان حالًا، ألا ترى أنه لا يجبر على رده، والأخذ المستحقّ لا يتعلّق به وجوب القطع.
فأما إذا كان دينه مؤجلًا، فالقياس: أن يقطع؛ لأنه أخذٌ بغير حقٍّ، فصار كمن [لا دين له] (٣)، والاستحسان: أن لا يقطع؛ لأن الدين المؤجل ثابتٌ في الحال، فيصير ثبوته شبهةً في درء القطع عن [الآخذ] (٤).
قال: وكذلك لو سرق أكثر مما عليه؛ وذلك لأن مقدار دينه لا قطع فيه، وإذا سقط القطع في بعض المال المأخوذ، سقط في باقيه، كمن سرق مالًا مشتركا.
قال أبو يوسف: لو سرق الراهنُ رهنه من بيت المرتهن، لم أقطعه؛ لأنه ملكه، وشبهة الملك تسقط الحد، فنفس [الملك] (٥) أولى أن يُسقِط.
قال: ولو كان الرهن في يد عدلٍ، فسرقه الراهن أو المرتهن، فلا قطع على واحدٍ منهما.
أما الراهن؛ فلما بيّنا: أنه ملكه، وأخذ الإنسان لملكه لا يتعلق به قطع وإن حظر عليه الأخذ، كما لا يجب عليه الحد بوطء ملكه وإن حرم عليه الوطء (٦).
стр. 4263
وأما المرتهن؛ فلأن يد العدل قائمة مقام يده، ألا ترى أنه يمسكه بحقه، فصار كالمودع إذا أخذ الوديعة من المودع.
قال: ولو سرق رجلٌ من غريمٍ له ودينه عليه دراهم أو دنانير، والسرقة متاعٌ في مثله يقطع، قطعته.
وكذلك لو كان الحقّ دراهم، فسرق دنانير، أو دنانير فسرق دراهم؛ وذلك لأن هذا الأخذ لا يكون قصاصًا، فصار أخذًا بغير حقٍّ، فيتعلّق به القطع.
وهذا يدل على أنه لم يعرف الخلاف الذي يقول أصحاب الشافعي: إن الغريم يجوز أن يأخذ من غير جنس حقّه، أو يكون عرف [هذا] الخلاف، فلم يعتدّ به؛ لأنه لم يقل به السلف.
فأما مع الاعتداد به، فلا قطع؛ لأنه أخذ شبهة، ألا ترى أن من الفقهاء من يقول: إنه يأخذه بدينه.
قال: وإذا أخذ صنفًا من الدراهم أجود من حقه أو أردأ منه، لم أقطعه؛ وذلك لأن المأخوذ مما يقع به الاقتضاء، ألا ترى أنه إذا كان أردأ من حقه كان قصاصًا [إذا رضي به الطالب، وإن كان أجود صار قصاصًا] إذا رضي الذي عليه الحق؛ ولأن الجودة إذا لاقت جنسها فيما فيه الربا، لا قيمة لها، فكأنه أخذ نفسَ حقه.
قال: ولو سرق حُلِيًّا من فضة وعليه دراهم، أو حلِيًّا من ذهب وعليه دنانير، فإنه يقطع؛ لأن هذا لا يكون قصاصًا من حقه إلا على وجه البيع والمعاوضة، فصار كالعروض.
стр. 4264
قال: وإن كان المتاع أو الحُلِيُّ قد استهلكه السارق، فوجب عليه قيمته (١)، وهو مثل الذي عليه من الدَّيْن، فإن هذا يقطع أيضًا؛ وذلك لأن المقاصة بعد الاستهلاك ليست بأكثر (٢) من سقوط الضمان في العين المسروقة؛ وذلك لا يوجب سقوط القطع، كما لو هلكت ولا دين للسارق على المسروق منه؛ ولأن القطع لو سقط بهلاك العين، لم يجب بأخذها، أصله: سائر ما لا يقطع فيه.
قال: ولو سرق عبدٌ أو مكاتبٌ من غريم مولاه، قطعته؛ لأن المكاتب لا يثبت له حقّ القبض في ديون المولى، فصار كالأجنبي.
قال: ولو كان المولى وكلّه بقبض الدين، لم يقطع؛ لأنه يثبت له حق القبض بالوكالة، فصار كصاحب الدين.
قال: ولو سرق رجلٌ من غريم أبيه أو ولده الكبير (٣)، قطعته، ما خلا الولد الصغير؛ لأنه لا حقّ له في ديون أبيه وابنه الكبير، فلم يقع ما قبضه موضع المقاصة لولده (٤)، فقطع.
وأما الولد الصغير؛ فلأن حقّ القبض في ديونه إليه، فصار كدين نفسه.
قال: ولو سرق من ابنه من الرضاعة، أو من ولده من الرضاعة، أو [من] امرأته وهو نازلٌ في منزلٍ على حدةٍ، قطع؛ لما بيّنا: أن الرضاع سببٌ يوجب التحريم، وأسباب التحريم لا تمنع القطع.
стр. 4265
قال: ولو سرق من امرأة أبيه، أو من زوج ابنته، من منزل يجمعهما جميعًا، لم يقطع؛ لأنه مأذونٌ في دخول المنزل إذا كان (لابنه).
قال: ولو سرق وديعةً عندهما، أو عند أحدهما في المنزل، أو عارية، لم يقطع؛ لأن المنزل ليس بحرزٍ في حقه.
قال: ولو سرق من غريم مكاتبه، أو من غريم عبده، وعلى عبده دينٌ، قطعته؛ لأنه ليس له حق القبض في ديون مكاتبه وديون عبده المأذون؛ فصار كالأجنبي.
قال: وإن لم يكن على عبده دينٌ فسرق من غريمه من جنس دين عبده، لم يقطع؛ لأن دين عبده ماله، وإنما يقوم العبد مقامه فيه.
وقال ابن رستم عن [محمد و] أبي يوسف: قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا سرق من امرأةٍ، ثم تزوجها قبل أن يقضى عليه بالقطع، فإنه لا يقطع، فإن قضي عليه بالقطع، فإنه لا يقطع في قول أبي حنيفة، ويقطع في قول أبي يوسف؛ وذلك لأن الشبهة الطارئة على الحدود بمنزلة الموجودة ابتداءً، ألا ترى أن من قذف رجلًا، فزنى المقذوف قبل الحدّ، سقط الحدّ عن القاذف، ومعلومٌ أنه لو سرق من زوجته، لم يقطع، فكذلك إذا طرأت الزوجية بعد السرقة.
وأما إذا تزوجها بعد الحكم بالقطع، فوجه قول أبي حنيفة: أن الطارئ على الحدود قبل الاستيفاء، كالطارئ قبل القضاء، أصله: زنا المقذوف.
لأبي يوسف: أن القاضي لما قضى بالقطع استقرّ، فالتزويج لا يُسقطه كما لا يسقطه (١) ملك العين المسروقة عنده.
стр. 4266
وقد كان الأولى بأبي يوسف أن يقول مثل قول أبي حنيفة؛ لأنه وافق أبا حنيفة في رجوع الشاهد بعد القضاء قبل الإمضاء، وجعله كرجوعه قبل القضاء، وإنما خالف محمد في ذلك، وفرّق بين الرجوع [قبل القضاء] وبعده.
قال: ولو سرقت امرأة من زوجها، أو سرق هو منها، ثم طلقها ولم يدخل بها فبانت بغير عدّةٍ، فإنه لا يقطع واحدٌ منهما؛ لأن الأخذ وقع غير موجب للقطع، والطارئ على الحدود، كالموجود في الابتداء إذا كان مما يُسقطها.
فأما إذا كان مما يؤكدها، فالمعتبر بأخفّ الحالتين؛ لأن الحدود تسقط بالاحتياط (١).
стр. 4267
بَاب السارقِ يسرقُ مالًا من غير مالكهِ
قال [الشيخ] أيده الله تعالى: جملة هذا الباب: أن الأيدي على ضربين: يدٌ صحيحةٌ، ويدٌ غير صحيحةٍ.
فالسرقة من يدٍ صحيحةٍ يتعلّق بها القطع، يد المالك كانت أو غير مالك.
والسرقة من يد ليست بصحيحةٍ لا يتعلّق بها القطع.
واليد الصحيحة: يد ملكٍ، ويد أمانةٍ، ويد ضمانٍ، واليد التي ليست بصحيحةٍ: يد السارق.
فالسارق من المالك يقطع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]؛ ولأن النبي ﷺ قطع يد سارق رداء صفوان (١).
فأما يد الأمانة: فهي يد المودَع، والمستعير، والمضارب، والمُبضِع، فمن سرق من هؤلاء قطع؛ لأنه أخذ المال من يدٍ صحيحةٍ، كيد المالك؛ ولأن يد المودَع يدٌ لمودِعه، فكأنه أخذه من يد المودَع.
وقد قالوا: إن المؤتمن إذا طالب السارق برد العين، وأقام البينة عليه بالسرقة مع غيبة المالك، قطعه الإمام؛ وذلك لأن السارق إنما يقطع لإزالة اليد
стр. 4268
الصحيحة، فلا يعتبر حصول يد أخرى في صحة المطالبة.
فأما إذا حضر المالك وغاب المؤتمن، فقد قالوا: (إن المودَع إذا لم يخاصم حتى قدم المالك، فله أن يخاصم، ويقطع السارق، ذكر ذلك) (١) في الجامع الصغير (٢).
وذكر ابن سماعة عن محمد: فيمن سرق من المودَع، فلم يخاصمه حتى حضر ربّ المال، فأقر المستودِع أن المال له -: يعني: مال المودَع - ثم عاد (٣)، فليس لربّ المال أن يقطع السارق؛ لأنه لم يسرق منه، إنما سرق من الذي كان عنده.
قال محمد في النوادر: لا أقطع السارق وإن أَقَرَّ السارق أن المال مال المودع وطالبه بذلك المودع.
وجه الرواية الأولى: أن الملك للمودِع، والمودَع يقوم مقامه في الحفظ والمطالبة، فإذا وجب القطع بمطالبة المودَع، فلأن يجب بمطالبة المالك أولى.
وجه رواية ابن سماعة: أن الأخذ إنما وقع من المودَع، والقطع وجب بإزالة يده، فلم يجز أن يطالب بذلك غيره، كما لو سرق من مالكٍ فحضر وكيله يطالب بالمال، لم يقطع السارق.
ويجوز أن يجعل ما ذكره في الجامع، وما ذكره ابن سماعة روايةً واحدة؛ لأنه لم يقل في الجامع: إن المالك حضر وطالب وغاب المودَع، فيحمل ذلك
стр. 4269
على أن المالك طالب [مع حضور المودَع، فيقضى بالقطع بحضورهما، ويصير المالك كالنائب عن المودَع في الخصومة] مع حضوره، فيجب القطع، وتحمل مسألة ابن سماعة على ما ذكر من غيبة (المودَع، فلا تقبل نيابة المالك مع غيبة) (١) المسروق منه.
وأما يد الضمان: فهي يد الغاصب، والقابض على وجه السوم، والمرتهن، فالسارق منها يجب عليه القطع؛ لأنها يدٌ صحيحةٌ، ألا ترى أن الضمان يتعلّق بها، فهي كيد المالك؛ ولأن الغاصب يتعلّق بيده حكم التمليك، فهي كيد المشتري.
وقد قال في الجامع: إن للغاصب أن يطالب بالقطع، وكذلك للمغصوب منه، ولم يحكِ ابن سماعة في الغصب خلافًا، وينبغي أن يكون الخلاف في المودَع والغاصب سواءً.
وأما القابض على وجه السوم، فيده يد ضمان، (وهي يد صحيحة، فيتعلق بإزالتها القطع) (٢) كيد الغاصب.
وأما المرتهن، فيده يد ضمان، وهي يدٌ صحيحةٌ، فيتعلق بإزالتها القطع.
قالوا: وليس للراهن أن يقطع السارق؛ لأنه ليس له حقّ القبض في العين مع قيام الرهن، فإذا لم تثبت [له] المطالبة، لم يجب القطع بخصومته، إلا أن يقضي الدين، ثم يخاصم، فيثبت له حق القطع؛ لأن له المطالبة برد العين إلى يده، فصار كالمالك.
ويجب أن يقول محمد: إن القطع لا يثبت بمطالبة الراهن مع غيبة المرتهن،
стр. 4270
كما قال في المودَع، وهو أولى؛ لأن يد المرتهن أقوى من يد المودَع؛ لأن يد المرتهن لنفسه، ويد المودَع لغيره.
فأما اليد التي هي غير صحيحة (١): فالسرقة منها لا يتعلّق بها القطع، كالسرقة من السارق؛ لأن يد السارق ليست بيد ملكٍ ولا ضمانٍ ولا أمانةٍ، فصار الأخذ من السارق كالأخذ من الطريق، أو كأخذ المال المُضيّع، ولا يثبت القطع أيضًا بمطالبة المالك؛ لأن السارق لم يُزِل عن المال يدًا صحيحة، فصار كمن أخذ متاعًا من الطريق.
قال: وإذا هلك الرهن في يد السارق [من المرتهن]، فللمرتهن أن يقطع السارق، ولا سبيل للراهن عليه؛ وذلك لأن السارق أزال يدًا صحيحةً، فوجب لصاحبها القطع وإن هلكت العين.
وأمَّا الراهن، فلم يبق له حقٌّ في العين، ألا ترى أنه يسقط عنه الدين بهلاكها، فلم تثبت له المطالبة.
قال ابن رستم عن أبي يوسف: لو أن سارقًا قطع في سرقةٍ، ثم سرقها [منه] آخر، لم تقطع يد الثاني، وهذا على ما قدمنا.
قال: ولو كان القطع دُرِئ عنه، قطع الآخر؛ وذلك لأن القطع إذا درئ عنه، تعلّق بأخذه الضمان، ويد الضمان يدٌ صحيحةٌ، فإزالتها يوجب القطع.
وقد قالوا في السارق: هل له أن يطالب برد العين المسروقة إلى يده؟ فيه روايتان:
стр. 4271
أحدهما: ليس (١) له أن يطالب؛ لأنه ليس له يدٌ صحيحةٌ فيلزم السارق ردّها، ويصير السارق منه كالآخذ من الطريق.
والرواية الأخرى: أن له المطالبة؛ لأنه يجوز أن يختار المالك الضمان ويترك القطع، فيتخلص السارق بردّ العين عليه من الضمان (٢).
ويجوز أن يقال: إنه ما لم يقطع، فله أن يطالب؛ لأنه يجوز أن يضمن، فيتخلص بردّ العين، فأما بعد القطع فلا يجوز أن يلزمه ضمانٌ، فلا حقّ له في المطالبة.
ويجوز أن يقال: إن المطالبة تثبت له بعد القطع؛ لأنه يتخلّص بردّ العين من الضمان الواجب فيما بينه وبين الله تعالى، كما يتخلّص قبل القطع من الضمان الذي يجب عليه في الحكم.
стр. 4272
بَاب السارق يردُّ السرقةَ على صاحبها أو يملكها قبلَ القطعِ
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا جاء السارق بالسرقة تائبًا، فلا قطع عليه، رواه بشر عنهما.
فإذا رَدَّها قبل الرفع على غير هذا الوجه؛ لأنه عينٌ عليه فردّ، أو طولب بها فردها قبل رفعه إلى السلطان، فلا قطع عليه عند أبي حنيفة ومحمد، ويقطع عند أبي يوسف، روى ذلك عن أبي يوسف (١) ابن سماعة وعَلِيّ بن الجعد.
واتفقوا: أنه إذا رفع إلى الحاكم فردها قبل الحكم أو بعد الحكم، فإنه يقطع؛ لأن الحاكم يحكم بردها ويقطعه.
وجملة هذا: أن السارق إذا رد العين قبل الترافع، سقط الحد عند أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف.
وروي عن أبي يوسف: أنه لا يسقط.
وجه قولهما: أن العين إذا رُدّت سقطت المطالبة بها، وسقوط المطالبة بالمال يمنع من الخصومة فيه، والقطع لا يجب إلا بمطالبة الآدمي بالمال؛ الدليل عليه: إذا وهبها المسروق منه للسارق.
لأبي يوسف: أن الردَّ لو حصل بعد الترافع، لم يسقط الحدّ، فكذلك
стр. 4273
قبله كالهلاك.
وأما إذا ردّها بعد الترافع، لم يسقط القطع (١)؛ لأن السارق فعل ما يفعله الإمام، ألا ترى أن الإمام يحكم بردّ العين، ثم يقطع، وإذا فعل السارق ما يفعله الإمام، لم يسقط القطع، كما لا يسقط برد الإمام.
وإذا اشتراها السارق من المسروق منه، أو وهبها له، فإنه لا يقطع في قول أبي حنيفة [ومحمد]، سواءٌ كان ذلك قبل القضاء أو بعده.
وقال أبو يوسف: إن كان ذلك قبل الترافع، أسقط القطع، وإن كان بعده، لم يسقط.
وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الملك إذا حصل للسارق، لم يجز قطعه في ملكه، كما لو أخذ ملكه ابتداءً؛ ولأن ما طرأ على الحدود قبل الاستيفاء، كالموجود في الابتداء.
لأبي يوسف: ما روي عنه ﷺ أنه لما أمر بقطع سارق رداء صفوان، قال صفوان: وهبته منه يا رسول الله، فقال: "هلَّا قبل أن تأتيني به" (٢)، فدلّ على أن الهبة قبل الترافع تسقط القطع، (وبعده لا تسقط.
وهذه لا دلالة فيه؛ لأنه روي أنه قال: وهبت له القطع) (٣)، وذلك لا يسقط
стр. 4274
القطع (١)؛ ولأنه يجوز أن يكون وهب له ولم يقبضه، والقطع إنما يسقط بالهبة مع القبض.
ولا يقال: بأن الهبة من غير قبض لا تسقط القطع قبل الترافع، (وقوله ﵇: "هلّا قبل أن تأتيني به" يدلّ على أنه فعل فعلًا يسقط القطع قبل الترافع) (٢)؛ وذلك لأن الهبة من غير إقباضٍ إذا حصلت قبل الترافع أسقطت المطالبة، وترك المطالبة قبل الترافع يسقط القطع، ولا يسقطه بعد الترافع.
وقال ابن رستم عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا سرق من امرأةٍ، ثم تزوجها قبل أن يقضى بالقطع، فإنه لا يقطع؛ وذلك لأن الزوجية لو كانت موجودةً في الابتداء منعت من وجوب القطع، فكذلك إذا طرأت في الثاني، كملك العين.
قال: ولو أمر الإمام بقطع سارق، فعفا المسروق منه، كان عفوه باطلًا؛ لقوله ﷺ : "تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا رفعت إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا" (٣)؛ ولأن القطع حقٌّ الله تعالى، فعفو المسروق منه [عنه] لا يسقطه.
قال: ولو قال المسروق منه: شهد شهودي بزورٍ، أو قال: لم يسرق مني، لم يقطع؛ وذلك لأن إقراره بهذا يمنع من ثبوت المالِ، ووجوب القطع موقوفٌ على صحة الحكم بالمال، فإذا لم يثبت المال، لم يثبت القطع (٤).
стр. 4275
بَاب السارِق يسرقُ السرقةَ فيقطع فيه، ثم يعودُ فيسرقهُ
[قال أبو الحسن (١): روى ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: إذا قُطعت يد السارق في سرقةٍ، ورُدَّتْ إلى صاحبها، ثم عاد فسرقها بعينها، لم أقطعه استحسانًا.
وبذلك قال في الجامع الصغير (٢)، إلا أنه لم يذكر الاستحسان؛ وذلك لأن العين المسروقة إذا قطع السارق بها صارت في حقه كمالٍ غير متقوّمٍ، بدلالة أنه لا ضمان عليه باستهلاكها، وما ليس بمتقوّمٍ من المال في حقّ السارق لا يقطع فيه.
ولأن الحدّ وجب عليه بهتك حرمة العين، فإذا استوفي الحدّ، ثم عاد فهتك تلك الحرمة في العين، لم يلزمه حدٌّ آخر، كمن قذف رجلًا فحدّ، ثم عاد فقذفه.
ولم يذكر في هذه المسألة خلافًا في الأصل، ولا في سائر الروايات إلا في رواية الحسن بن زياد عند أبي يوسف الضمان، وكذلك في باب القطع.
وقال عن أبي حنيفة: إذا سرق غزلًا، فقطع فيه، ثم نسج الغزل ثوبًا، فعاد فسرقه مرةً أخرى، يقطع.
وجملة هذا: أن العين المسروقة إذا رُدّت ففعل فيها المسروق منه ما لو