← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

أحدهما: ليس (١) له أن يطالب؛ لأنه ليس له يدٌ صحيحةٌ فيلزم السارق ردّها، ويصير السارق منه كالآخذ من الطريق. والرواية الأخرى: أن له المطالبة؛ لأنه يجوز أن يختار المالك الضمان ويترك القطع، فيتخلص السارق بردّ العين عليه من الضمان (٢). ويجوز أن يقال: إنه ما لم يقطع، فله أن يطالب؛ لأنه يجوز أن يضمن، فيتخلص بردّ العين، فأما بعد القطع فلا يجوز أن يلزمه ضمانٌ، فلا حقّ له في المطالبة. ويجوز أن يقال: إن المطالبة تثبت له بعد القطع؛ لأنه يتخلّص بردّ العين من الضمان الواجب فيما بينه وبين الله تعالى، كما يتخلّص قبل القطع من الضمان الذي يجب عليه في الحكم.

стр. 4272

بَاب السارق يردُّ السرقةَ على صاحبها أو يملكها قبلَ القطعِ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا جاء السارق بالسرقة تائبًا، فلا قطع عليه، رواه بشر عنهما. فإذا رَدَّها قبل الرفع على غير هذا الوجه؛ لأنه عينٌ عليه فردّ، أو طولب بها فردها قبل رفعه إلى السلطان، فلا قطع عليه عند أبي حنيفة ومحمد، ويقطع عند أبي يوسف، روى ذلك عن أبي يوسف (١) ابن سماعة وعَلِيّ بن الجعد. واتفقوا: أنه إذا رفع إلى الحاكم فردها قبل الحكم أو بعد الحكم، فإنه يقطع؛ لأن الحاكم يحكم بردها ويقطعه. وجملة هذا: أن السارق إذا رد العين قبل الترافع، سقط الحد عند أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وروي عن أبي يوسف: أنه لا يسقط. وجه قولهما: أن العين إذا رُدّت سقطت المطالبة بها، وسقوط المطالبة بالمال يمنع من الخصومة فيه، والقطع لا يجب إلا بمطالبة الآدمي بالمال؛ الدليل عليه: إذا وهبها المسروق منه للسارق. لأبي يوسف: أن الردَّ لو حصل بعد الترافع، لم يسقط الحدّ، فكذلك

стр. 4273

قبله كالهلاك. وأما إذا ردّها بعد الترافع، لم يسقط القطع (١)؛ لأن السارق فعل ما يفعله الإمام، ألا ترى أن الإمام يحكم بردّ العين، ثم يقطع، وإذا فعل السارق ما يفعله الإمام، لم يسقط القطع، كما لا يسقط برد الإمام. وإذا اشتراها السارق من المسروق منه، أو وهبها له، فإنه لا يقطع في قول أبي حنيفة [ومحمد]، سواءٌ كان ذلك قبل القضاء أو بعده. وقال أبو يوسف: إن كان ذلك قبل الترافع، أسقط القطع، وإن كان بعده، لم يسقط. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الملك إذا حصل للسارق، لم يجز قطعه في ملكه، كما لو أخذ ملكه ابتداءً؛ ولأن ما طرأ على الحدود قبل الاستيفاء، كالموجود في الابتداء. لأبي يوسف: ما روي عنه ﷺ أنه لما أمر بقطع سارق رداء صفوان، قال صفوان: وهبته منه يا رسول الله، فقال: "هلَّا قبل أن تأتيني به" (٢)، فدلّ على أن الهبة قبل الترافع تسقط القطع، (وبعده لا تسقط. وهذه لا دلالة فيه؛ لأنه روي أنه قال: وهبت له القطع) (٣)، وذلك لا يسقط

стр. 4274

القطع (١)؛ ولأنه يجوز أن يكون وهب له ولم يقبضه، والقطع إنما يسقط بالهبة مع القبض. ولا يقال: بأن الهبة من غير قبض لا تسقط القطع قبل الترافع، (وقوله ﵇: "هلّا قبل أن تأتيني به" يدلّ على أنه فعل فعلًا يسقط القطع قبل الترافع) (٢)؛ وذلك لأن الهبة من غير إقباضٍ إذا حصلت قبل الترافع أسقطت المطالبة، وترك المطالبة قبل الترافع يسقط القطع، ولا يسقطه بعد الترافع. وقال ابن رستم عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا سرق من امرأةٍ، ثم تزوجها قبل أن يقضى بالقطع، فإنه لا يقطع؛ وذلك لأن الزوجية لو كانت موجودةً في الابتداء منعت من وجوب القطع، فكذلك إذا طرأت في الثاني، كملك العين. قال: ولو أمر الإمام بقطع سارق، فعفا المسروق منه، كان عفوه باطلًا؛ لقوله ﷺ : "تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا رفعت إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا" (٣)؛ ولأن القطع حقٌّ الله تعالى، فعفو المسروق منه [عنه] لا يسقطه. قال: ولو قال المسروق منه: شهد شهودي بزورٍ، أو قال: لم يسرق مني، لم يقطع؛ وذلك لأن إقراره بهذا يمنع من ثبوت المالِ، ووجوب القطع موقوفٌ على صحة الحكم بالمال، فإذا لم يثبت المال، لم يثبت القطع (٤).

стр. 4275

بَاب السارِق يسرقُ السرقةَ فيقطع فيه، ثم يعودُ فيسرقهُ [قال أبو الحسن (١): روى ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: إذا قُطعت يد السارق في سرقةٍ، ورُدَّتْ إلى صاحبها، ثم عاد فسرقها بعينها، لم أقطعه استحسانًا. وبذلك قال في الجامع الصغير (٢)، إلا أنه لم يذكر الاستحسان؛ وذلك لأن العين المسروقة إذا قطع السارق بها صارت في حقه كمالٍ غير متقوّمٍ، بدلالة أنه لا ضمان عليه باستهلاكها، وما ليس بمتقوّمٍ من المال في حقّ السارق لا يقطع فيه. ولأن الحدّ وجب عليه بهتك حرمة العين، فإذا استوفي الحدّ، ثم عاد فهتك تلك الحرمة في العين، لم يلزمه حدٌّ آخر، كمن قذف رجلًا فحدّ، ثم عاد فقذفه. ولم يذكر في هذه المسألة خلافًا في الأصل، ولا في سائر الروايات إلا في رواية الحسن بن زياد عند أبي يوسف الضمان، وكذلك في باب القطع. وقال عن أبي حنيفة: إذا سرق غزلًا، فقطع فيه، ثم نسج الغزل ثوبًا، فعاد فسرقه مرةً أخرى، يقطع. وجملة هذا: أن العين المسروقة إذا رُدّت ففعل فيها المسروق منه ما لو

стр. 4276

فعله الغاصب أسقط حقّ المالك عن العين، ثم عاد السارق فسرقها، قطع؛ وذلك لأنها صارت بهذا الفعل في حكم عينٍ أخرى، وهذا يسقط حقّ مالكها، ومن قطع في عينٍ، فسرق غيرها، قطع كذلك إذا سرقها، وقد تغيّرت عن حالها إلى حكم عينٍ أخرى. وقال هشام: سألت محمدًا عن رجلٍ سرق بقرةً قيمتها عشرة دراهم، فقطعته، ثم عاد فسرقها ثانيةً، لم أقطعه، فإن وضَعَت البقرة فسرق ولدها، قطع؛ وذلك لأن الولد عينٌ أخرى لم يقطعه فيها، فصار كولد غيرها. قال: ولو سرق ثوب خزٍّ فقطعته، ثم نقض الثوب فصار منقوشًا، فسرقه، قال: لا أقطعه؛ لأن هذا الفعل لا يسقط حقّ المالك إذا فُعِل على وجه الغصب، فلم تصر العين في حكم عينٍ أخرى، فإن غزل قطعته؛ لأنه صار في حكم جنسٍ آخر، ولأنّ حقّ المالك يسقط بهذا الفعل في الغصب].

стр. 4277

[بَاب الرجل يسرقُ سرقاتٍ مختلفةً فيُرفع في بعضها] قال محمد في الجامع الصغير عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في نوادره: إن أبا حنيفة قال: إذا سرق سرقاتٍ فرُفع في بعضها، فقطع فيما رفع فيه، فإن القطع للسرقات كلها، ولا يُقطَع في شيءٍ منها بعد ذلك وإن خُوصِم فيها. وهو قول أصحابنا جميعًا: [أنه] لا يقطع في سرقةٍ كانت منه [قبل] قطعه. واختلفوا في الضمان فيما لم يُخاصَم فيه، فروى محمد في المواضع التي قدمنا ذكرها: أنه لا يضمن في شيءٍ من السرقات في قول أبي حنيفة، وكذلك روى ابن زياد عن أبي حنيفة. وقال محمد عن أبي يوسف: إنه يضمن السرقات كلها إلا التي قطع فيها. وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره مثل قول أبي يوسف. وروى ابن سماعة وعَليّ بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يضمن السرقات إلا التي قطع فيها. وقال أبو يوسف: لا أضمنه، وهذا قلب رواية محمد. أما سقوط القطع في السرقات المختلفة؛ فلأن كلّ سرقة بانفرادها أوجبت القطع، وأسباب الحدود إذا اجتمعت من جنسٍ واحدٍ، اقتصر منها على حدٍّ واحدٍ، كالزنا إذا تكرر؛ ولأن كلّ سرقة تعلّق بها قطع يده اليمنى، فإذا قطعت

стр. 4278

في واحدةٍ منها، فقد فات العضو الذي تعلّق به القطع، ومعلوم أن يد السارق لو ذهبت بعد السرقة بآفةٍ من السماء، سقط القطع، فإذا ذهبت على وجه الحدّ أولى. وأما الضمان، فإن حضر أصحاب السرقات يخاصموا، فقطع بمخاصمتهم، سقط الضمان في جميع ذلك في قولهم جميعًا؛ لأن مطالبة المسروق منه بالقطع كالبراءة من الضمان عندنا، فإذا طالبوا جميعًا، فقد أبرؤوا، فصار كالواحد إذا طالب. فأما وجه قول أبي حنيفة إذا طالب الواحد: أن القطع وقع لجميع السرقات، بدلالة أنه ليس لواحدٍ منهم قطعٌ وإن طالب، فإذا وقع القطع لجماعتهم، فكأنهم حضروا فطالبوا. وجه قولهما: أن مطالبة المسروق منه بالقطع، براءةٌ من القاطع (١)، فمن طالب منهم بحقّه، فقد وجد منه الإبراء، ومن لم يطالب لم يوجد منه ما يقتضي البراءة، فبقي حقّه في الضمان بحاله. قال: وإن كانت السرقات قائمةً في يد السارق، رددتها؛ لأن القطع لا يسقط الرد فيما قطع فيه، فما لم يقع القطع فيه أولى. قال: وذكر في الأصل هذه المسألة، فقال في السارق يسرق السرقات ثم يرفع في واحدةٍ منها، فيقطع، قال: أضمنه إياها، إلا التي أتيت به فيها فقطعته. وقال أبو يوسف: لا أضمنه، وهذا موافقٌ لرواية ابن سماعة وعليٍّ، إلا أن هذا القول في الأصل منهم لم يُضفه إلى أحد.

стр. 4279

وقد قال في نسخةٍ أخرى من رواية ابن أبي سليمان، فقال فيها: أضمنه كلها، إلا السرقة التي أثبتُّ عليه، فقطعته فيها، قال: وهو قول أبي يوسف، وكان أبو حنيفة يقول: لا أضمّنه شيئًا من ذلك، وهذه الرواية في نسخٍ، وهي الصحيحة عندي؛ لأنه بيّن المبهم في الرواية الأخرى، وهو موافق لرواية محمد في غير الأصل (١).

стр. 4280

بَاب القومُ يشتركون في السرقةِ قال محمد في الأصل: في جماعة رجال دخلوا منزل رجلٍ، فجمعوا المتاع جميعًا، ثم حملوه على رجل منهم، وكان هو الذي خرج به، وقد خرجوا مع الرجل الحامل للمتاع، والمتاع يساوي ألف درهم، قال: أما في القياس: فينبغي أن لا يقطع إلا الخارج الذي حمل المتاع وخرج به، وأما في الاستحسان: فيقطعون جميعًا، وبه نأخذ. وكذلك روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال أبو يوسف: وبه نأخذ. وقد بيّنا هذه المسألة (١) وذكرنا: أن المقصود من السرقة ليس هو الحمل، وإنما المقصود التمكين من الأخذ، والحدّ يتعلق بالمقصود من كلّ نوعٍ؛ لأن الحمل على واحدٍ منهم كالحمل على دابةٍ، فيجب فيه القطع على الجماعة. وقال الحسن عن أبي يوسف في اختلاف زفر وأبي يوسف، في قوم نقبوا على رجل منزله، فأخذوا متاعه، فخرجوا به، وفيهم مجنونٌ أو صبيٌّ، قال: يُدرأ عنهم القطع جميعًا في قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف: إن كان الصبي أو المجنون ولِيَا إخراج المتاع، درئ القطع

стр. 4281

عنهم جميعًا، وإن كان [وليه] سواهما، قطعوا إلا المجنون والصبي. أمَّا الصبي والمجنون، فلا قطع عليهما؛ لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث" (١)، وذكر [فيه] الصبي والمجنون؛ ولأن القطع عقوبةٌ، فلا يتعلّق بفعل الصبي، كحدّ الزنا. وأما الباقون، فوجه قول أبي حنيفة وزفر: أنه اشترك في سبب الحد من يجب عليه الحد ومن لا يجب عليه الحد بنفس الفعل، فصار ذلك شبهةً في سقوط ما يسقط بالشبهة، كالعامد والمخطئ إذا اشتركا في القتل؛ ولأن العين معتبرةٌ، كما أن الفعل معتبرٌ، ومعلومٌ أن المشاركة في العين يجوز أن تمنع من القطع، فكذلك المشاركة في الفعل؛ ولأنا قد بيّنّا: أن حمل الواحد منهم كحمل جماعتهم، فصار حمل غير المجنون كحمله. لأبي يوسف: أن الصبي والمجنون إذا وليا الحمل، ففعلهما هو المقصود، وفعل غيرهما تبعٌ، فإذا لم يجب الحدّ بمتبوع الفعل، (لم يجب في تبعه. وإذا كان الحامل) (٢) عاقلًا بالغًا، ففعله مما يتعلق به القطع (٣)، وهو المتبوع، فسقوط الحدّ عن التبع لا يوجب سقوطه عن المتبوع. وقال ابن سماعة في نوادره: قال أبو حنيفة: في رجلين يقرّان بسرقة ثوب يساوي مائة درهمٍ من فلان، فلما أمر بقطعهما، قال أحدهما: الثوب ثوبنا لم نسرقه، فإني أدرأ القطع عنهما جميعًا؛ لأنه شيءٌ واحدٌ، فإذا درأت بعضه،

стр. 4282

درأت كلّه؛ وذلك لأن الاشتراك في الأخذ قد ثبت بإقرارهما، فإذا ادعى أحدهما الثوب، خرج فعله من أن يكون سَرقة، فخرج فعل الآخر من ذلك، كما لو سرقا مالًا لأحدهما فيه شركةٌ. قال: ولو قال أحدهما: سرقنا هذا الثوب من فلانٍ، فقال الآخر: كذبت لم نسرقه، ولكنه لفلانٍ، قطعت المقرّ، ولم أقطع المنكر. وقال أبو يوسف: لا أقطع واحدًا منهما. لأبي حنيفة: أن المقرّ أقرّ بالسرقة، ولم يثبت مشاركة الآخر له، فجحوده الفعل من غير ثبوت المشاركة لا يوجب سقوط القطع عن الآخر، وصار كمن قال: زنيت أنا وفلان، فقال فلان: كذبت، لم يسقط الحدّ عن المقرّ. وكذلك لو [قال]: قتلت أنا وفلانٌ [فلانًا]، وكَذَّبه فلان، وجب القصاص عليه؛ لأن المشاركة لم تثبت (١) باعترافهما، فإذا كان فعل أحدهما ليس بسرقة، فكذلك فعل الآخر. وليس (٢) هذا عند أبي حنيفة كرجل قال: زنيت بفلانة، فقالت: كذبت؛ لأن فعل الواطئ لا يجوز أن ينفرد عن الموطوءة، فإذا لم تصدقه على إثبات فعلها، لم يكن إثبات فعله منفردًا عنها، فلذلك سقط الحدّ عنه. وأما في مسألتنا: ففعل كل واحد من السارقين يجوز أن ينفرد عن فعل الآخر، فلم يكن جحود الآخر [للفعل] مانعًا من ثبوت الفعل في حقّ المقرّ.

стр. 4283

لأبي يوسف: أن المقرّ لم يقرّ إلا بسرقة بعض الثوب مع الآخر، وقد بطل حكم السرقة في حقّ الآخر، فبطل في حقّ المشارك؛ لاستحالة أن يكون أخذ الثوب بعضه سرقةً، وبعضه ليس بسرقةٍ. وليس هذا عنده كما لو أقر بالزنا بفلانة، فجحدت؛ لأن الزنا يجوز أن يثبت في حق الواطئ دون الموطوءة، ولا يجوز أن تثبت السرقة في حقّ أحد الآخِذَيْن دون الآخر. قال أبو الحسن: وهذه المسألة في الأصل، وفي روايتهما التباس، وفي بعضها مثل ما ذكر ابن سماعة في النوادر، وهو الصحيح. قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة في رجلٍ سرق هو وصبيٌّ، أو هو وذو رَحِمٍ من المسروق منه المتاع، قال: أدرأ عن الأجنبي الحدّ، إذا درأت [الحدّ] عن أحدهما درأت عن الآخر. قال أبو يوسف: أستقبح هذا، وأقطع الذي وجب عليه القطع، وأدرأ عن الصَّبِي وعن المَحْرَم، وإن كان أحدهما شريكًا للمسروق منه المتاع [لم أحدّهما]؟ وفرّق بين أن يكون أحدهما ذا رحم أو شريكًا. أما أبو حنيفة: فوجه قوله ما قدمنا: أنه اشترك في الفعل من لا يلزمه الحد بنفس الفعل، فكان ذلك شبهة في حق الباقين. لأبي يوسف (١): أن فعل كلّ واحد منهما معتبرٌ على حياله، فاعتبر حاله بحال الانفراد، وهذا مخالفٌ للرواية الأولى عن أبي يوسف؛ لأنه اعتبر هناك

стр. 4284

المباشرة، فأسقط القطع عن الجماعة إذا باشر الصبي، وأطلق الجواب هاهنا، وفرّق بين مشاركة الصبي والمباشر، وبين مشاركة الشريك؛ وذلك لأن المشارك في المال مأذون له في أخذه، فإذا اجتمع أخذ مأذون وأخذ غير مأذون، لم يتعلق بغير المأذون حكم القطع. وليس كذلك أخذ الصبي والمباشر؛ لأن كلّ واحدٍ منهما غير مأذون فيه، وإنما سقط القطع لمعنى في أنفسهما، وذلك المعنى لا تعلّق له بغيرهما. وكذلك روى ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا كان في قطاع الطريق صبيٌّ أو مجنونٌ أو أخرس، قال أبو حنيفة: أدرأ الحدّ عنهم جميعًا. وقال أبو يوسف: يدرأ عن الصبي والمجنون والأخرس، ويقام الحد على الباقين. فأبو حنيفة بنى على ما قدمنا: أن الأخذ في قطاع الطريق يتعلق به الحدّ (١)، كأحد السارقين، وأبو يوسف بنى على هذا أيضًا. فأما الأخرس، فالحدّ لا يجب عليه؛ لأنه يجوز أن يكون لو قدر على الكلام لادّعى شبهة، فمشاركته كمشاركة الصبي في إسقاط الحدّ عن شركائه. وقال أبو يوسف في رواية ابن رستم: إذا سرقا من ابن أحدهما، فلا قطع عليهما، وهذا مخالفٌ للصغير، وهذه الرواية عن أبي يوسف تخالف ما قدمنا من رواية ابن سماعة، ووجهها: أن الابن له تبسّطٌ في مال أبيه، فسقط الحدّ لمعنى في فعله، فسقط عن شريكه (٢).

стр. 4285

بَاب الرجلُ يسرقُ شيئين أحدهما لا قطعَ فيه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا وقع أخذ السارق على شيئين، يُوجب أحدهما القطع إذا انفرد بأخذه، ولا يوجب الآخر القطع لو انفرد بأخذه، فلا قطع عليه في قول أبي حنيفة وزفر والحسن بن زياد. وذلك مثل أن يسرق إناءً فيه طعامٌ لا يبقى مثله، كائنًا ما كان، أو يكون في [الإناء] (١) لبنٌ، أو ماءٌ، أو نبيذٌ، [أو شرابٌ]، أو نحو هذا. وقال أبو يوسف: إذا كان الإناء بلغ قيمته عشرة دراهم قطعته. قال هشام عن محمد: في رجل سرق إناء فضةٍ فيه مائة درهمٍ، وفي الإناء نبيذٌ أو ماءٌ، فإنه لا يقطع، وكذلك لو كان في الإناء ثريدٌ، فلا قطع عليه. قال محمد: انظر إلى الذي في جوفه، فإن كان ما في جوفه لا يقطع فيه، لم أقطعه. قال: وجملة هذا: أن المقصود من السرقة إذا كان مما لا قطع فيه، لم أقطعه لغيره وإن بلغ نصابًا، وإذا كان المقصود يجب فيه القطع وبلغ النصاب، قطع فيه في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يقطع في الوجهين جميعًا (٢).

стр. 4286

وجه قولهما: أن المقصود من السرقة ما في الإناء، ألا ترى أنه لو قصد الإناء بالأخذ (١) لألقى ما فيه، وما في الإناء لا يتعلّق به قطعٌ، فلا يقطع (٢) بما ليس بمقصودٍ، كمن سرق صبيًا حرًا عليه حُليٌّ؛ ولأن العين معتبرةٌ في وجوب القطع كالفعل، فإذا كان الفعل لو اشترك فيه من يجب عليه القطع ومن لا يجب، صار شبهةً، كذلك العين المأخوذة إذا اجتمع فيها ما يتعلّق به القطع وما لا يتعلق به القطع، كان شبهةً. لأبي يوسف: أن الإناء لو سرقه على الانفراد وجب فيه القطع، فانضمام غيره إليه لا يسقط القطع فيه، وصار وجودُ ما فيه وعدمُه سواءً. قال محمد: وكذلك لو سرق مصحفًا فيه ذهبٌ وياقوتٌ قيمته ألف دينار، لم أقطعه. وروي عن أبي يوسف أنه قال: يقطع. وجه قولهما (٣): أن المقصود من السرقة المصحف دون ما عليه من الذهب [والفضة]، والمقصود (٤) لا يتعلّق به قطعٌ، فلا يتعلّق بالتبع (٥). لأبي يوسف: أن سرقة الذهب على الانفراد يتعلّق به القطع، فانضمام المصحف إليه لا يغير حكمه، وجرى وجوده وعدمه مجرى واحدًا.

стр. 4287

وقال محمد: إن سرق كوزًا فيه عسلٌ، قيمة الكوز تسعة [دراهم]، وقيمة العسل الذي فيه درهمٌ، قطعته، فإن سرق حمارًا يساوي تسعة [دراهم]، وعليه إكافٌ يساوي درهمًا، قطعته؛ وذلك لأن المقصود بالسرقة وهو العسل، يتعلّق به القطع، فلم يسقط حكم الإناء، وجُمِعا جميعًا، فكمل النصاب بهما. وكذلك الحمار والإكاف، كلّ واحدٍ منهما يتعلّق به القطع على الانفراد، فكمل أحدهما بالآخر. قال هشام عن محمد: ولو شرب ما في الإناء في الدار قبل أن يخرج الإناء منها، ثم أخرج الإناء فارغًا منه، قطع؛ لأن المقصود الآن هو الإناء، ألا ترى أنه أخرجه ولا شيء فيه، والمقصود بالسرقة إذا كان مما يتعلّق به القطع، قطع. قال محمد عن أبي يوسف في الإملاء وفي نوادره: قال أبو حنيفة: إن سرق صبيًا عبدًا لا يتكلم، وقال في النوادر: [صبيًّا] لا يتكلم ولا يمشي، وقال في الأصل: صغيرًا لا يتكلم ولا يعقل، قطعته، وإن سرق حرًّا صغيرًا لم أقطعه (١). أما الصغير إذا كان عبدًا لا يعقل ولا يتكلم، فهو مالٌ في نفسه، ولا يد له على نفسه، فصار كالبهيمة، وليس كذلك الحر الصغير؛ لأنه ليس بمال، وسرقه ما ليس بمال لا يتعلّق به القطع. وروي عن أبي يوسف: أنه لا قطع فيهما، قال: لأن العبد من جنس الحر، ولا قطع في الحر، وبعض الجنس إذا سقط فيه القطع، سقط في بقيته. وقال أبو يوسف: إن كان على الصبي الصغير حُليٌّ، أو طوق ذهبٍ، أو

стр. 4288

فضةٍ، فإن أبا حنيفة قال: لا أقطعه، وهو قول زفر ومحمد. وقال أبو يوسف: أقطعه إذا كان ما عليه يساوي عشرة دراهم فصاعدًا. وجه قولهم: أن المقصود بالسرقة هو الصبي، ألا ترى أنه لو قصد إلى الحُلي لأخذه وترك الصبي، والمقصود بالسرقة إذا لم يتعلّق به القطع، لم يتعلّق بغيره. لأبي يوسف: أن الحليّ بانفراده يتعلّق به القطع، فانضمام الصبيّ [إليه] وهو لا يعقل، كانضمام الحمار أو البهيمة. وقالوا جميعًا: إذا كان الصبي الحرّ يمشي ويتكلم، فلا قطع عليه وإن كان عليه حليّ؛ لأن له يدًا (١) على نفسه وعلى ما عليه، فأخذه ليس بسرقةٍ، وإنما هو خداعٌ، والخداع لا يتعلّق به القطع. قال محمد: لو سرق كلبًا في عنقه طوقٌ ثمنه مائة درهم، لم أقطعه. وقال الحسن عن زفر: إن سرق قردًا، أو خنزيرًا، أو كلبًا، [أو أسدًا]، أو ضبعًا، [وفي عنقه] شيءٌ من ذلك (٢): قلادة تساوي عشرة أو أكثر أو أقلّ، إنه لا يقطع، وبه يأخذ الحسن. وهذا على ما قدمنا: أن المقصود بالسرقة إذا لم يتعلّق به القطع، لم يتعلّق بالتابع له. وقال ابن سماعة: عن أبي يوسف: إن سرق منديلًا فيه صرّة دراهم، فعليه

стр. 4289

القطع، وكذلك قال أبو يوسف، وهذا إنما يريد به: المنديل الذي تشدّ (١) فيه الدراهم في العادة؛ لأن المقصود بالأخذ ما فيه دونه، وما فيه نصابٌ كاملٌ، فتعلّق به القطع. قال: ولو سرق ثوبًا في طرفه صرّة فيها دراهم، فإن أبا حنيفة قال: لا قطع عليه، إلا أن يكون الثوب قيمته عشرة دراهم. قال: كل شيء لا يكون وعاءً، مثل المنديل [تصرّ فيه الدراهم في العادة]، فكانت في ناحيةٍ منه صرّة دراهم، سرقه رجل، فلا يقطعه حتى يكون ذلك الشيء يساوي ما يقطع فيه. قال أبو يوسف: إن علم بها فعليه القطع، وإن لم يعلم فلا قطع عليه. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف خلاف هذا، قال: قال أبو حنيفة: إن سرق ثوبًا لا يساوي عشرة دراهم، وفيه عشرةٌ مصرورةٌ (٢)، فإن كان علم بها السارق قطع، وإن كان لم يعلم لم يقطع. وقال أبو يوسف: يقطع علم أو لم يعلم؛ لأنه قد سرقهما جميعًا. وجه الرواية الأولى عن أبي حنيفة: أن المقصود بالسرقة هو الثوب دون ما فيه؛ لأن الثوب ليس بظرف لعشرة دراهم في العادة، فإن كان المقصود نصابًا قطع فيه، وإلَّا لم يقطع. وكان أصحابنا يقولون: إن كان في الثوب جملةٌ من الدراهم يشدّ مثلها في

стр. 4290

ثوب، قطع؛ لأن الثوب يكون ظرفًا لمثلها، فصار حينئذٍ كالمنديل إذا كان فيه صرّة. وجه الرواية الأخرى عن أبي حنيفة، وهي إحدى الروايتين عن أبي يوسف: (أنه إذا علم بالدراهم، فقد قصدها، فيتعلق بها القطع، فإذا لم يعلم بها، فالمقصود الثوب، فلا يقطع فيه. وجه الرواية الأخرى عن أبي يوسف) (١): أنه قد سرق جملةً يتعلّق بها القطع، فعلمه بها لا يعتبر، كما لو سرق شيئًا لا يعلم قيمته. قال: ولو سرق جرَابًا (٢) فيه مالٌ، أو جوالق فيه مالٌ كثيرٌ، قطع؛ لأن المقصود بالسرقة هو المال دون الظرف، وذلك مما يتعلّق به القطع. قلت: أرأيت إن سرق ثوبًا فيه مالٌ عظيمٌ مصرورٌ قد علم به اللص، والثوب لا يساوي عشرة دراهم، قال: إن كان هكذا قطعته فيه (٣). وهذا على ما قدمنا: أن الثوب يصلح أن يكون ظرفًا للمال الكثير، ولا يصلح أن يكون ظرفًا لليسير، ففي الموضع الذي يكون ظرفًا يعتبر المال، وفي الموضع الذي لا يكون ظرفًا يُعتبر في نفسه (٤).

стр. 4291

بَاب المسائلُ المتفرقة قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: إذا أقرّ السارق بسرقةٍ مرّةً واحدةً، قطع (١). وقال ابن أبي ليلى: لا يقطع حتى يقرّ مرّتين، وهو قول أبي يوسف. وحكى بشر بن الوليد في نوادره عن أبي يوسف: أنه رجع إلى قول أبي حنيفة. وجه قولهما: أن كلّ ما جاز إثباته بشهادة شاهدين، جاز إثباته بإقراره مرّةً واحدةً؛ الدليل عليه: المال؛ ولأنا لو لم نوجب عليه القطع بالمرة الأولى، استقر به الضمان، فلم يجب القطع بالإقرار الثاني؛ لأن الأخذ الذي يستقر به الضمان لا يُقطع فيه كالغصب. وجه قول أبي يوسف: أنه حدٌّ، فوجب أن يعتبر عدد الإقرار فيه بعدد شهوده، كحدّ الزنا. قال: فإن أقرّ أنه سرق من فلانٍ الغائب سرقةً قيمتها عشرة دراهم، لم يقطع عند أبي حنيفة ومحمد حتى يحضر المسروق منه يطالب بها، فيقطع. وقال أبو يوسف: أقطعه.

стр. 4292

وجه قولهما: (ما روي أن سمرة قال للنبي ﷺ : إني سرقت بعيرًا لآل فلان، فأنفذ النبي ﷺ ، فسألهم، فقالوا: [إنا] فقدنا بعيرًا لنا في وقت كذا، فقطعه (١). فلولا أن القطع يقف على مطالبتهم، لم يكن للمسألة معنى. ولأن كلّ من في يده شيءٌ، فالظاهر أنه ملكه، فإذا أقرّ به لغيره، لم يحكم بزوال ملكه عنه حتى يصدّقه المقَرّ له، والغائب يجوز أن يُصدّق فيه، ويجوز أن يُكذب، فبقي الشيء على حكم ملك السارق، فلم يجز أن يقطع فيه. لأبي يوسف: [أنه أقرّ] (٢) بوجوب الحدّ، فجواز أن يكذبه الغائب لا يمنع من إقامة الحدّ (عليه، أصله: إذا أقرّ بالزنا بامرأةٍ غائبةٍ، يجوز أن تحضر فتدعي شبهةً، ثم لا يمنع ذلك من إقامة الحدّ) (٣) في الحال. قال: وإذا شهدت الشهود: أنه سرق من فلان الغائب عشرة دراهم، لم يقطع حتى يحضر المسروق منه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. قال محمد: وأحبسه؛ لأنه من أهل التهمة والدعارة، ويجب أن يكون هذا قولهم؛ لأن البينة لا تقبل إلا لمدَّعي المال، فغيبة المسروق منه تمنع من سماع البينة التي لا مدّعي لها؛ وإنما حبس لأنهم يشهدون بما يوجب التهمة، وقد روي: (أن رسول الله ﷺ حبس رجلًا في تهمةٍ (٤)).

стр. 4293

قال محمد: لو قال رجلٌ: سرقْتُ هذه الدراهم، ولا أدري لمن هي، أو قال: سرقْتُها ولا أخبرك (١) مَنْ صاحبها، فإنه لا يقطع؛ وذلك لأنه أقر لغير معيّنٍ، والإقرار لغير المعين لا يتعلّق به حكمٌ، فبقيت الدراهم على حكم ملكه، فلم يقطع فيها. وقال أبو حنيفة في رجل ادعى على رجلٍ سرقةً، فأنكر: إنه يستحلف، فإن أبى أن يحلف، لم يقطع، وضمن المال؛ وذلك لأن دعوى السرقة يشتمل على وجوب الرد والقطع، والمال يستحلف فيه، والقطع لا يستحلف فيه، فوجب أن يستحلف لأجل المال، فإن نكل عن اليمين، فنكوله يقتضي وجوب المال والقطع، والمال يستوفى بالبدل، والقطع لا يستوفى به؛ فلذلك ثبت أحدهما دون الآخر. قال: ولو أقَرَّ بذلك إقرارًا، ثم رجع عن إقراره وأنكر، لم أقطعه، وضمّنته المال؛ لأن الرجوع يقبل في الحُدُود، ولا يقبل في المال الذي هو حقّ الآدميّ، وإقراره يضمن الأمرين، فإذا رجع، سقط ما يسقط بالرجوع، وبقي ما لا يسقط. قال: ولو شهدت شهودٌ على سرقةٍ بعد حينٍ، لم يقطع، وضمن المال؛ وذلك لما روي عن عمر أنه قال: (أيما شهودٌ شهدوا بحدٍّ لم يشهدوا عند حضرته، فإنما هم شهود ضغنٍ، لا تقبل شهادتهم (٢))؛ ولأن حدّ السرقة يثبت لحقّ الله تعالى كحدّ الزنا، وقد بيّنا: أن تأخير الشهادة يُسقِط حدّ الزنا، فكذلك حدّ السرقة، وإذا سقط الحدّ، وجب المال؛ لأن المال لا يسقط بالتأخير، والحدّ يسقط به.

стр. 4294

وقال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: في عبد لرجل محجور عليه في يديه ألف درهم، فقال سرقتها من هذا الرجل، وقال المولى: الألف لي، قال: أقطع العبد، ولا أصدق المولى. وقال أبو يوسف: أقطع العبد وهي للمولى. وقال محمد: لا أقطعه، وهي للمولى، وهو قول زفر. وقال محمد في إملائه بمثل قول أبي حنيفة إذا كان العبد [المقرّ] مأذونا [له] في التجارة. وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف مثل روايته في الجامع [الصغير]. وقال بِشْر بن الوليد في نوادره عن أبي يوسف: في عبد أقر أنه سرق من هذا الرجل عشرة دراهم بعينها، قال: كان أبو حنيفة يقول: لا أقطعه؛ لأن ما في يده لمولاه، وإن كان استهلكها قطعته. ثم رجع عن ذلك وقال: أرأيت إن كانت ألفًا فاستهلك خمسمائة، وفي يده خمسمائة، كيف أقطعه بما استهلك، وأجعل هذا المولاه، فقال: أقطعه في الوجهين [جميعا]، مستهلكةً كانت أو قائمةً. قال [الشيخ] أيده الله تعالى: وجملة هذا: أن المأذون إذا أقرّ بسرقةٍ، قطع ودفع المال إلى المسروق منه. وقال زفر: يدفع المال إلى المُقِرِّ له ولا يقطع. وجه قولهم: أن العبد غير متهمٍ على نفسه في الإقرار بالحدّ ولما يلحقه فيه

стр. 4295

من الضرر، فصار فيها كالحرّ؛ ولأن هذا المعنى (١) لا يملكه المولى منه، فصار العبد فيه كالأحرار [كالطلاق]. وجه قول زفر: أن هذا الإقرار تضمن إتلاف رقبته، وهي مالٌ للمولى، وإقرار العبد بإتلاف مال مولاه لا يقبل. فأما المحجور إذا أقرّ بسرقة مال بعينه (٢)، فوجه قول أبي حنيفة: أن إقرار العبد بالحدّ جائزٌ، فلا يخلو: إما أن يقطعه في المال المقرّ به بعينه، ويردّه على المسروق منه، أو على المولى، أو يقطعه في غيره، أو لا يقطعه. ولا يجوز أن نسقط القطع؛ لأنا قد دللنا على وجوب الحدّ عليه بإقراره، خلاف زفر، ولا يجوز أن يقطعه ويحكم بالمال للمولى؛ لأن قطع العبد في مال محكوم به لمولاه لا يجوز، [ولا يجوز أن يقطعه في مالٍ بغير عينه؛ لأنّ هذا خلاف ما أقرّ به، فلم يبق إلا أن يقطع ويدفع المال إلى المسروق منه. وجه قول أبي يوسف: أنّ إقراره بالحدّ جائزٌ، وإقراره بالمال لا يجوز]، فيحكم بما يجوز إقراره به دون ما لا يجوز، كما لو شهد رجل وامرأتان بالسرقة. وهذا ليس بصحيح؛ لأن هناك أفرد المال عن القطع، وذلك جائز، وهاهنا يفرد القطع عن المال، وذلك لا يجوز. وجه قول محمد: أن إقرار المحجور بالمال لا يجوز، فإذا لم ينفذ إقراره في المال، بقي على حكم ملك المولى، فلم يجز إيجاب القطع فيه.

стр. 4296

وليس كذلك المأذون؛ لأن إقراره بالمال جائز، فإذا صَحَّ إقراره بالمال، تبعه القطع. قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: في رجلٍ أقام بيّنةً على عبدٍ أنه سرق منه، قال: لا أقطع يده حتى يشهد مولاه إن كان غائبًا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. ثم قال بعد ذلك: أقطعه وإن كان غائبًا. وقال محمد في إملائه عن أبي يوسف: إنه إذا قامت بيّنة على عبد بحد أو قصاص، وهو يجحد ذلك، قضي عليه وإن كان مولاه غائبًا، بمنزلة الإقرار. وجه قولهما: أن هذه البينة يتعلّق بها استحقاق جزء من العبد، فصار كالبينة بملك شيء من رقبته، فلا يقضى بها مع غيبة المولى. وجه قول أبي يوسف: أن العبد في الحدود كالأحرار، بدلالة أنه يجوز إقراره بها مع جحود المولى، والحر لا يقف سماع البينة عليه على حضور غيره، [فكذلك العبد]. قال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: في الطرّار (١) إن طرّ الصرّة وهي خارج [الكمّ]، لم يقطع، وإن أدخل يده في الكمّ فطرّها، قطع. وقال أبو يوسف: هذا كله سواء، يقطع، وكذلك رواه ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - يعني: كرواية الجامع -، وقال (٢): قال أبو يوسف: هما سواءٌ، وعليه القطع.

стр. 4297

وكان أبو بكر يفسر هذه المسألة فيقول: إن الدراهم إذا كانت بعد حلّ رباطها، تكون على ظاهر الكم، لم يقطع الذي طرّها؛ لأنه أخذها من غير حرزٍ، فإن كانت إذا حلّ الرباط (١) حصلت في داخل الكم، فهو أخذ من حرزٍ، فيقطع. وقال ابن أبي مالك: كان أبو يوسف يفسر لنا قول أبي حنيفة فيقول: إذا كانت مصرورةً من خارج الكمّ، فطرّها من خارجٍ، قطعته، وإن كانت الصرّة داخل الكمّ، لا يقطع إلا أن يكون أدخل يده الكمّ فأخذها (٢). ووجه ذلك: أنها إذا كانت على ظاهر الكمّ، فحرزها الرباط، فإذا أخذها، فهي ككيسٍ معلّقٍ على ظاهر الكمّ، فيجب عليه القطع، فإذا كانت في داخل الكمّ، فهي محرزةٌ بالكمّ، فما لم يهتك الحرز بإدخال يده فيه، لا يقطع. لأبي يوسف: أن الرباط حرزٌ لها، فإذا أخذها فليس بأكثر من أخذ الدراهم موضوعةً بين يديه، أو بقربه، فيجب عليه فيها القطع.

стр. 4298

بَاب قُطّاع الطريق (١) قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية: [المائدة: ٣٣]. والمحاربون المذكورون في الآية (٢) عند أبي حنيفة ﵁: هم القوم الذين يجتمعون ولهم مَنَعَةٌ بأنفسهم ممن أرادهم، يحمي بعضهم بعضًا، ويتناصرون [على] ما قصدوا له، ويتعاضدون عليه، وسواء كان امتناعهم بحديد، أو بعُصِيّ أو خشب، أو حجارة، ويكون قطعهم الطريق على المسافرين في دار الإسلام من المسلمين، أو من أهل الذمة دون غيرهم. وهذه الشروط إذا اجتمعت، صاروا محاربين.

стр. 4299

وهم أيضًا محاربون عند زفر، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. والأصل في حدّ قطاع الطريق (١): هذه الآية، وقد تكلم الناس في معناها، فمنهم من قال: إن قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، المراد به: يحاربون أولياء الله، وأولياء رسوله؛ لأن الله تعالى يستحيل أن يُحارَب، ولكنهم لما حاربوا أولياءه، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: إن المراد بالآية: أنهم في حكم المحاربين الله؛ لأنهم تحزّبوا وامتنعوا وتظاهروا بخلاف أمره، فصاروا في حكم المحارب له، وهذا اتساع في الكلام. وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ [الحشر: ٨]، وهذا مجاز؛ لأن المشاقّ من كان في شقٍّ، والآخر في شقٍّ، وهذا لا يوصف به الله تعالى، وإنما هو استعارةٌ. وقد قال أصحابنا وجميع الفقهاء: (إن الآية تتناول المسلم والكافر، وهو قول السلف، ومن المتأخرين من قال) (٢): إن الآية خاصةٌ في المرتدين، وهذا فاسدٌ؛ لأن قتل المرتد لا يقف على المحاربة، ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام، ولا يجوز أن يقتصر به على قطع اليد، ولا على النفي، والآية تقتضي ذلك. ولأن الآية تقتضي سقوط الحدّ بالتوبة قبل القدرة، والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها، فدل أن الآية لا تعلّق لها بالمرتدين (٣).

стр. 4300

والذي روى أنس: أن العُرَنِيِّيْن لما دخلوا المدينة، قال لهم النبي ﷺ : "انطلقوا إلى ذَودِنا فاشربوا أبوالها وألبانها، فمضوا"، فلما صحّوا قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا الذود، فبعث النبي ﷺ في طلبهم، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمّل عيونهم، وألقاهم في الحَرَّة، فنزلت الآية (١)، فلا دلالة فيه؛ لأن هذا الحكم فعله رسول الله ﷺ قبل نزول الآية، ثم نزلت الآية من بعد وجوب القطع والقتل والصلب، ويستحيل أن يقطع بالآية من قد قطع [قبل نزولها]، ولم ينقل أنه صلبهم، فدلّ على أن حكم العُرَنِيِّيْن لم يكن مستفادًا من الآية. وقد روى الكلبي عن [أبي صالح عن] ابن عباس: أن الآية نزلت في أصحاب أبي برزة الأسلمي، وكان موادعًا للنبي ﵇، فخرج قومٌ إلى النبي ﷺ [أسلموا]، فقتلهم أصحاب أبي برزة وأخذوا مالهم، فنزلت هذه الآية (٢). وهذا لا يوجب الاقتصار بحكمها على الكفار؛ لأن الحكم عندنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. واختلف العلماء في الأحكام المذكورة في الآية، فقال أصحابنا: إنها على الترتيب، فمن خرج منهم، فأَخَافَ السبيل ولم يَقْتُلْ ولم يأخذ مالًا نفي، ومن أخذ مالًا قُطِعَتْ يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن قَتَلَ ولم يأخذ المال قُتل، ومن قتَل وأخذ المال، فالإمام مخيّر فيه: إن شاء قطع يده ورجله وصلبه، [وإن شاء صلبه، وإن شاء قتله ولم يقطع يده ورجله وصلبه]، وإن شاء لم يصلبه. وروي عن أبي يوسف أنه قال: لا أعفيه من الصلب.

стр. 4301

وقال محمد: أقتله ولا أقطعه (١). وقال مالك: الحكم على التخيير، فيجوز للإمام أن يقتل من خرج (ولم يأخذ مالًا) (٢) ولم يقتل نفسًا، وهو قول سعيد بن المسيب. وروى الحجاج بن أرطأة، عن عطيه العوفي، عن ابن عباس: أن الحدّ على الترتيب (٣)، مثل قولنا، مثل قولنا، وهو قول إبراهيم (٤). والدليل على ذلك: أن الله تعالى خيّر في ظاهر اللفظ بين الأشياء الأربعة، فظاهر [الآية] (٥) لو كانت على التخيير، لاقتضت أن للإمام أن يقتصر على النفي في حدّ القاتل الآخذ للمال، وهذا لا يقوله أحدٌ، فثبت أن الآية لم (٦) تتضمّن التخيير. ولأن الخارج إذا لم يأخذ مالًا ولم يقتل، فإنما همّ بالمعصية، وذلك لا يوجب القتل، كالعزم على سائر المعاصي. وإذا ثبت أن الآية ليست على التخيير، ففيها فعلٌ مضمرٌ في كلّ حكمٍ، فكأنه [تعالى] قال: [أن] يُقتلوا إن قَتَلوا، أو يُصْلَبُوا إن قَتَلُوا وأخذوا المال، أو

стр. 4302

تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلهم إن أخذوا المال، أو يُنْفَوْا من الأرض إن أخافوا. وإذا ثبت أنها على الترتيب قلنا: (إنْ أخذ المال، قُطع؛ لأن) (١) أخذ المال يتعلّق به القطع في غير قاطع الطريق، فغلّظ في قاطع الطريق بقطع الرجل. وإن قَتلوا، قُتِلُوا؛ لأن القتل يتعلّق به القتل، وغلّظ ذلك في قاطع الطريق بأن صار القتل حتمًا لا يجوز العفو عنه. وإن قتلوا وأخذوا المال، كان للإمام أن يجمع عليهم القطع والقتل عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأن حدّ قاطع الطريق يجب بمعنى واحد وهو المال، ألا ترى أنه إنما يَقْتُلُ ليتمكّن من أخذ المال، والحدّ إذا تعلّق بسببٍ واحدٍ، لم يدخل بعضه في بعضٍ كالجلَدَات في الزنا. ولا يقال: لو كان كذلك، لم يجز للإمام أن يقتصر على القتل؛ لأنه إنما يقتصر عليه؛ لأن الترتيب غير مأخوذٍ عليه في الحدّ، فإذا بدأ بالقتل، سقط القطع حكمًا؛ لاستحالة استيفائه بعد الموت، وصار كالزاني إذا جُلِد بعض الجلدات فمات، سقط بقية الحدّ عنه حكمًا. وجه قول محمد: أن النفس وما دون النفس إذا اجتمعا لحقّ الله تعالى، دخل ما دون النفس في النفس، كالسارق إذا زنى وهو مُحْصَنٌ. وأما الصَّلْبُ، فالإمام مخيّرٌ فيه عندنا؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه صَلَبَ العُرَنِيِّيْن؛ ولأنه صفة في القتل، وصفات القتل لا تكون شرطًا. لأبي يوسف: أن الله تعالى نصّ على الصلب، كما نصّ على القتل، فلم

стр. 4303

يجز إسقاط واحدٍ منهما، كما لا يجوز إسقاط الآخر واختلفوا في كيفية الصلب، فذكر أبو الحسن عن أبي يوسف: أنه يصلب حيًّا ثم يُبعج برمح حتى يموت، وذكر الطحاوي: أنه يصلب بعد القتل (١). والصحيح: ما حكاه أبو الحسن، ووجهه: أن الصلب يفعل على وجه (٢) الزجر والردع، وذلك لا يكون بعد الموت. ووجه قول الطحاوي: أن الصلب حيًّا مُثلةٌ، وقد نهى ﷺ عن المثلة (٣)، ولأنه يؤدي إلى التعذيب في القتل، وذلك ممنوعٌ منه (٤). وقد قالوا: إن الإمام يصلبه ثلاثة أيام ثم يخلي بينه وبين أهله؛ لأنه يتغير بعد الثلاثة، فيستضر به الناس، ولأن المقصود منه الزجر واشتهار حاله، وهذا المعنى يكتفى به بثلاثة أيام. فأما النفي المذكور في الآية: فهو أن يؤخذ فيحبس حتى يحدث توبةً، وقال الشافعي: يُطلَب في كلّ بلدٍ (٥). وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فلا يخلو: أن يكون المراد به النفي من جميع الأرض، (أو من بعضها، ولا يجوز أن

стр. 4304

يكون المراد النفي من جميع الأرض) (١)؛ لأن هذا لا يمكن مع بقاء الحياة، ولا يجوز أن يكون المراد به النفي من المكان الذي قطع فيه؛ لأن الغرض أن تصرف أذيته عن المسلمين، فلو نفيناه إلى بلد آخر، لا ستضر به الناس هناك، والإمام مأمورٌ بدفع الضرر عن جميع الناس. ولا يجوز أن يكون المراد به النفي من دار الإسلام؛ لأن إخراجه إلى دار الحرب تعريضٌ له بالردّة، وأن يصير حربًا للمسلمين، وهذا لا يجوز. فلم يبق إلا أن يكون المراد به النفي من جميع الأرض، إلا مكان الحبس (٢)، وقد قيل: لمن حبس إنه أُخرج من الأرض، قال الشاعر (٣): خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها … فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السَّجَّان يومًا لحاجةٍ … فرحنا (٤) وقلنا: جاء هذا من الدنيا ولأن الحبس قد ثبت في العقوبات على وجه التعزير، ولم يثبت الصلب على وجه التعزير، فكان إثبات ما له نظيرٌ أولى. فأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]، فقد دل على أن قاطع الطريق إذا تاب قبل ثبوت اليد عليه، سقط عنه الحدّ، وإن تاب بعد ثبوت اليد عليه لا يسقط الحدّ عنه، كما لا تسقط الحدود بالتوبة.

стр. 4305

وقد روى الشعبي عن سعيد بن قيس: أن حارثة بن بدر قطع الطريق ثم تاب قبل أن يقدر عليه، فكتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى عامله بالبصرة: (وأن حارثة بن بدر خرج محاربًا لله ولرسوله، ثم تاب وأصلح قبل أن يقدر عليه، فلا يُتعرض له إلا بخيرٍ (١)). وأما الكلام في صفة المحارب المستحق للحدّ: فهو الخارج إذا كان له منعةٌ وشوكةٌ؛ لأنه إنما فارق السارق بهذا المعنى. ومن خرج في غير مصر بسلاح أو خشب، فامتنع وقدر أن يدفع عن نفسه فقد حارب [وإن] انفرد باليد (٢)، فيجري عليه الحدّ. فأما من فعل ذلك في المصر، فإن الحدّ لا يجري عليه عند عليه عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجري عليه الحدّ. وجه قولهما: أن الخارج في المصر، يلحقه الغوث في الغالب، فلا يتمكن من المغالبة، فصار في حكم السارق. لأبي يوسف: أن هذا حدٌّ، فلا يختلف بالمصر وغير المصر، كسائر الحدود. وكان أصحابنا: يقولون: إنما أجاب أبو حنيفة على ما شاهد في زمانه؛ لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السلاح، فلا يتمكّن قاطع الطريق من مغالبتهم في المصر، فأما الآن، فقد ترك الناس هذه العادة، فأمكن أن يتغلّب قاطع الطريق في الأمصار، ولا يدفعون، فإن الحدّ يجري عليهم.

стр. 4306

وعلى هذا، قال أبو حنيفة في من قطع الطريق بين الحيرة (١) والكوفة: إنه لا يجري عليه الحكم؛ لأن الغوث في زمانه كان يلحق في ذلك الموضع (٢)؛ لاتصال المصر، فأما الآن فقد صار ذلك كالبريّة، فيجري فيه أحكام قطاع الطريق. وإنما قال: إن قاطع الطريق يستوي فيه الامتناع بالخشب أو السلاح؛ لأن المعنى يوجد بهما جميعًا: وهو التغلّب والامتناع. وإنما خصّه بدار الإسلام؛ لأن الحُدُودَ إذا وُجِدَتْ أسبابها في دار الحرب، لم يستوفها الإمام في دار الإسلام. وإنما خصّ بذلك من قَطَعَ على المسلمين وأهل الذمة؛ لأن مال كل واحد منهم حَظْرٌ على التأبيد. وأما المستأمن فماله محظور حظرًا مؤقتًا، فلا يتعلّق به الحدّ، كما لا يتعلّق به القطع في السرقة. قال: وسواء منهم من باشر القتل وأخذ الأموال، ومن لم يباشر، وكان ردءًا لهم دافعًا، فالحكم فيهم كلهم سواء، ما لزمٌ المباشر فهو لازمٌ لغيره ممن كان مُعينًا لهم؛ وذلك لأنه حكمٌ يتعلّق بأخذ مال على وجه المحاربة، فيستوي فيه المعين والمباشر كالغنيمة؛ ولأن المقصود من قطع الطريق ليس هو المباشر، وإنما هو التمكين، وهذا المعنى موجودٌ في الرَّدْءِ. وذكر أبو يوسف: في قطاع الطريق في المصر إن قاتلوا نهارًا بسلاح، أجري

стр. 4307

عليهم الحكم، فإن خرجوا بخشبٍ لم يجر عليهم الحكم. فإن قاتلوا ليلًا بسلاحٍ أو خشبٍ، فهم قطاع طريقٍ؛ وذلك لأن المقاتل [بالنهار] بالسلاح إلى أن يدركه الغوث يأتي على من خرج عليه، وإذا كان بخشب أدركه الغوث قبل أن يأتي عليه. فأما الليل، فإن الغوث [فيه] يقلّ، فيأتي عليهم بالأمرين جميعًا، فلذلك استويا (١). قال: وما وجب على قاطع الطريق من قَتْلٍ أو قَطْعٍ أو صَلْبٍ، فذلك إلى الإمام، ليس إلى الأولياء منه شيءٌ، ولا إلى أرباب الأموال، طالب الأولياء به أولم يطالبوا، عفوا عنه أو لم يعفوا، أبرؤوا منه أو صالحوا عليه، فذلك كله مردودٌ يتولى الإمام إقامة ذلك عليهم الله تعالى؛ وذلك لأن القتل والقطع إنما يثبت على طريق الحدّ، والحدود ثبتت لحق الله تعالى، فلا يؤثر فيها عفو الآدميّ ولا صلحه. قال: وليس للإمام [أيضًا] إذا ثبت ذلك عنده تركه، ولا إسقاطه، ولا العفو عنه؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: "ما ينبغي لوالي حدٍّ أُتي في حدٍّ من حدود الله إلا إقامته" (٢). وروي أنه قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا رفعت إلى الإمام فلا عفا

стр. 4308

الله عنه إن عفا" (١). قال: وإنما يجري الحدّ في قاطع الطريق إذا كان ما أخذه من المال يصيب كلّ واحدٍ منهم عشرة دراهم فصاعدًا. وقال الحسن بن زياد: عشرون فصاعدًا. وقال عيسى بن أبان: إذا قتلوا، أجري عليهم القتل حدًّا وإن كان ما أخذه كل واحد منهم أقل من عشرة. [والوجه] (٢) في اعتبار النصاب: أن هذا الحدّ إنما وجب صيانةً للأموال، ألا ترى أن قطاع الطريق لا يخرجون للقتل، وإنما يخرجون لأجل الأموال، وإنما يقتلون ليتمكنوا من [أخذ] المال، والحدّ الذي يجب بأخذ المال يعتبر فيه نصاب مقدر في حقّ كلّ واحدٍ من المشتركين كالسرقة. وجه قول الحسن: أن في السرقة يُقطع طرفٌ واحدٌ لسرقة عشرة، فإذا كان في قطع الطريق (٣)، قَطْعُ الطَّرفين، شُرِطَ فيه نصابان. وأما عيسى، فإنه يقول: إن القطع في قاطع الطريق يجب بأخذ المال، والقتل بالقتل، ومعلومٌ أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا، أجري عليهم حدّ القطع، كذلك إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أجري عليه حدّ القتل. قال: وما يسقط الحدّ في السرقة والحدود من الشبهة، فهو يسقط ما يلزم

стр. 4309

من حدود المحارب؛ وذلك لما بيّنّا: أنها عقوبة تجب لحقّ الله تعالى، فتؤثر فيها الشبهة كسائر الحدود. قال: وإذا كان في المحاربين ذُوْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ من المقطوع عليهم، لم يقطع واحد منهم. وكان أبو بكر الرازي يقول: هذه المسألة محمولة على أن المقطوع عليهم مشتركون في مالٍ واحدٍ، وفي قطاع الطريق ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ من أحدهم، فلا يجري الحدّ على الباقين؛ لأن مال ذي الرحم كمال أخيه القاطع في باب الحدّ، فصار كجماعةٍ قطعوا على مالٍ مشتركٍ بين أحدهم وبين المقطوع عليهم. فأما إذا كان لكلّ واحدٍ منهم [مالٌ] منفردٌ، فإن الحدّ يجري عليهم؛ لأن الآخذ من ذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ (١) لا يتعلّق به حدٌّ، والآخذ من غيره يتعلّق به الحدّ، وهو أخذٌ منفردٌ، فيصير كجماعة سرقوا من أجنبيٍّ، وسرقوا من حرز آخر مالًا يشارك فيه أحدهم، أو لذي رحمٍ محرمٍ من أحدهم. قال: وإذا كان في المحاربين صبيٌّ أو مجنونٌ، سقط الحدّ عند أبي حنيفة وزفر عن جماعتهم. وقال أبو يوسف: إن باشر الأخذَ والقتلَ الصبيُّ والمجنونُ، فلا حدّ على الباقين، وإن باشر العقلاء، حُدّ الباقون. وجه قولهما: أن الصبيّ والمجنون لا حدّ عليهما، وقد يشارك في سبب الحدود وسبب العقوبة، وإذا شارك فيه من لا تلزمه العقوبة بنفس الفعل، لم

стр. 4310

يجب على الباقين، كالمخطئ والعامد إذا اشتركا في القتل. لأبي يوسف: أن الصبي إذا باشر فهو المتبوع، والباقون تبعٌ، فإذا لم يجب الحدّ على المتبوع، فسقوطه عن التبع أولى، وإذا باشر العاقل البالغ، فقد وجب الحدّ على المتبوع، فسقوطه عن التبع لا يمنع. وإن كان فيهم امرأةٌ، فإن هشامًا قال: سمعت محمدًا يقول: في عشرة قطعوا الطريق وفيهم امرأةٌ، فَوَليَت المرأةُ القتلَ، فقتلت (١) وأخذت مالًا، ولم يفعل ذلك الرجال، فأخبرني أن أبا يوسف قال: أقتل الرجال، وأصنع بهم ما أصنع بالمحاربين، ولا أقتل المرأة. وقال محمد: أقتل المرأة إن كانت قتلت، وأضمنها المال (٢) إن كانت أخذت مالًا، ولا أقتل الرجال، ولكن أوجعهم ضربًا وأحبسهم. وروى ابن رستم في نوادره: قال محمد: قال أبو حنيفة في قوم قطعوا الطريق وفيهم امرأةٌ، والذي وَلِيَ القتل منهم امرأةٌ، قال: أدرأ عنهم الحدّ، وهو قول محمد. وقال أبو يوسف: أقتل الرجال ولا أقتل المرأة. وروى ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: إن كانت معهم امرأةٌ قطعت معهم، أو غلام لم يحتلم، درأت الحدّ عنهم [جميعًا]. وقال أبو يوسف: أدرأ عن المرأة والغلام، وأقيم الحدّ على الرجال إذا اشتركوا.
следующие страницы →