وعلى هذا، قال أبو حنيفة في من قطع الطريق بين الحيرة (١) والكوفة: إنه لا يجري عليه الحكم؛ لأن الغوث في زمانه كان يلحق في ذلك الموضع (٢)؛ لاتصال المصر، فأما الآن فقد صار ذلك كالبريّة، فيجري فيه أحكام قطاع الطريق.
وإنما قال: إن قاطع الطريق يستوي فيه الامتناع بالخشب أو السلاح؛ لأن المعنى يوجد بهما جميعًا: وهو التغلّب والامتناع.
وإنما خصّه بدار الإسلام؛ لأن الحُدُودَ إذا وُجِدَتْ أسبابها في دار الحرب، لم يستوفها الإمام في دار الإسلام.
وإنما خصّ بذلك من قَطَعَ على المسلمين وأهل الذمة؛ لأن مال كل واحد منهم حَظْرٌ على التأبيد.
وأما المستأمن فماله محظور حظرًا مؤقتًا، فلا يتعلّق به الحدّ، كما لا يتعلّق به القطع في السرقة.
قال: وسواء منهم من باشر القتل وأخذ الأموال، ومن لم يباشر، وكان ردءًا لهم دافعًا، فالحكم فيهم كلهم سواء، ما لزمٌ المباشر فهو لازمٌ لغيره ممن كان مُعينًا لهم؛ وذلك لأنه حكمٌ يتعلّق بأخذ مال على وجه المحاربة، فيستوي فيه المعين والمباشر كالغنيمة؛ ولأن المقصود من قطع الطريق ليس هو المباشر، وإنما هو التمكين، وهذا المعنى موجودٌ في الرَّدْءِ.
وذكر أبو يوسف: في قطاع الطريق في المصر إن قاتلوا نهارًا بسلاح، أجري
стр. 4307
عليهم الحكم، فإن خرجوا بخشبٍ لم يجر عليهم الحكم.
فإن قاتلوا ليلًا بسلاحٍ أو خشبٍ، فهم قطاع طريقٍ؛ وذلك لأن المقاتل [بالنهار] بالسلاح إلى أن يدركه الغوث يأتي على من خرج عليه، وإذا كان بخشب أدركه الغوث قبل أن يأتي عليه.
فأما الليل، فإن الغوث [فيه] يقلّ، فيأتي عليهم بالأمرين جميعًا، فلذلك استويا (١).
قال: وما وجب على قاطع الطريق من قَتْلٍ أو قَطْعٍ أو صَلْبٍ، فذلك إلى الإمام، ليس إلى الأولياء منه شيءٌ، ولا إلى أرباب الأموال، طالب الأولياء به أولم يطالبوا، عفوا عنه أو لم يعفوا، أبرؤوا منه أو صالحوا عليه، فذلك كله مردودٌ يتولى الإمام إقامة ذلك عليهم الله تعالى؛ وذلك لأن القتل والقطع إنما يثبت على طريق الحدّ، والحدود ثبتت لحق الله تعالى، فلا يؤثر فيها عفو الآدميّ ولا صلحه.
قال: وليس للإمام [أيضًا] إذا ثبت ذلك عنده تركه، ولا إسقاطه، ولا العفو عنه؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: "ما ينبغي لوالي حدٍّ أُتي في حدٍّ من حدود الله إلا إقامته" (٢).
وروي أنه قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فإذا رفعت إلى الإمام فلا عفا
стр. 4308
الله عنه إن عفا" (١).
قال: وإنما يجري الحدّ في قاطع الطريق إذا كان ما أخذه من المال يصيب كلّ واحدٍ منهم عشرة دراهم فصاعدًا.
وقال الحسن بن زياد: عشرون فصاعدًا.
وقال عيسى بن أبان: إذا قتلوا، أجري عليهم القتل حدًّا وإن كان ما أخذه كل واحد منهم أقل من عشرة.
[والوجه] (٢) في اعتبار النصاب: أن هذا الحدّ إنما وجب صيانةً للأموال، ألا ترى أن قطاع الطريق لا يخرجون للقتل، وإنما يخرجون لأجل الأموال، وإنما يقتلون ليتمكنوا من [أخذ] المال، والحدّ الذي يجب بأخذ المال يعتبر فيه نصاب مقدر في حقّ كلّ واحدٍ من المشتركين كالسرقة.
وجه قول الحسن: أن في السرقة يُقطع طرفٌ واحدٌ لسرقة عشرة، فإذا كان في قطع الطريق (٣)، قَطْعُ الطَّرفين، شُرِطَ فيه نصابان.
وأما عيسى، فإنه يقول: إن القطع في قاطع الطريق يجب بأخذ المال، والقتل بالقتل، ومعلومٌ أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا، أجري عليهم حدّ القطع، كذلك إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أجري عليه حدّ القتل.
قال: وما يسقط الحدّ في السرقة والحدود من الشبهة، فهو يسقط ما يلزم
стр. 4309
من حدود المحارب؛ وذلك لما بيّنّا: أنها عقوبة تجب لحقّ الله تعالى، فتؤثر فيها الشبهة كسائر الحدود.
قال: وإذا كان في المحاربين ذُوْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ من المقطوع عليهم، لم يقطع واحد منهم.
وكان أبو بكر الرازي يقول: هذه المسألة محمولة على أن المقطوع عليهم مشتركون في مالٍ واحدٍ، وفي قطاع الطريق ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ من أحدهم، فلا يجري الحدّ على الباقين؛ لأن مال ذي الرحم كمال أخيه القاطع في باب الحدّ، فصار كجماعةٍ قطعوا على مالٍ مشتركٍ بين أحدهم وبين المقطوع عليهم.
فأما إذا كان لكلّ واحدٍ منهم [مالٌ] منفردٌ، فإن الحدّ يجري عليهم؛ لأن الآخذ من ذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ (١) لا يتعلّق به حدٌّ، والآخذ من غيره يتعلّق به الحدّ، وهو أخذٌ منفردٌ، فيصير كجماعة سرقوا من أجنبيٍّ، وسرقوا من حرز آخر مالًا يشارك فيه أحدهم، أو لذي رحمٍ محرمٍ من أحدهم.
قال: وإذا كان في المحاربين صبيٌّ أو مجنونٌ، سقط الحدّ عند أبي حنيفة وزفر عن جماعتهم.
وقال أبو يوسف: إن باشر الأخذَ والقتلَ الصبيُّ والمجنونُ، فلا حدّ على الباقين، وإن باشر العقلاء، حُدّ الباقون.
وجه قولهما: أن الصبيّ والمجنون لا حدّ عليهما، وقد يشارك في سبب الحدود وسبب العقوبة، وإذا شارك فيه من لا تلزمه العقوبة بنفس الفعل، لم
стр. 4310
يجب على الباقين، كالمخطئ والعامد إذا اشتركا في القتل.
لأبي يوسف: أن الصبي إذا باشر فهو المتبوع، والباقون تبعٌ، فإذا لم يجب الحدّ على المتبوع، فسقوطه عن التبع أولى، وإذا باشر العاقل البالغ، فقد وجب الحدّ على المتبوع، فسقوطه عن التبع لا يمنع.
وإن كان فيهم امرأةٌ، فإن هشامًا قال: سمعت محمدًا يقول: في عشرة قطعوا الطريق وفيهم امرأةٌ، فَوَليَت المرأةُ القتلَ، فقتلت (١) وأخذت مالًا، ولم يفعل ذلك الرجال، فأخبرني أن أبا يوسف قال: أقتل الرجال، وأصنع بهم ما أصنع بالمحاربين، ولا أقتل المرأة.
وقال محمد: أقتل المرأة إن كانت قتلت، وأضمنها المال (٢) إن كانت أخذت مالًا، ولا أقتل الرجال، ولكن أوجعهم ضربًا وأحبسهم.
وروى ابن رستم في نوادره: قال محمد: قال أبو حنيفة في قوم قطعوا الطريق وفيهم امرأةٌ، والذي وَلِيَ القتل منهم امرأةٌ، قال: أدرأ عنهم الحدّ، وهو قول محمد.
وقال أبو يوسف: أقتل الرجال ولا أقتل المرأة.
وروى ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: إن كانت معهم امرأةٌ قطعت معهم، أو غلام لم يحتلم، درأت الحدّ عنهم [جميعًا].
وقال أبو يوسف: أدرأ عن المرأة والغلام، وأقيم الحدّ على الرجال إذا اشتركوا.
стр. 4311
أما الكلام في إجراء حدّ قطاع الطريق على النساء، [فالمشهور] من قول أصحابنا: أنه لا حدّ عليهنّ، وذكر الطحاوي في مختصره قال: والرجال والنساء في قطع الطريق سواء (١)، وأنكر ذلك أصحابنا.
فوجه قولهم المشهور: أنه حكمٌ يتعلّق بأخذ مالٍ على طريق المغالبة والمحاربة، ولا تساوي المرأة فيه الرجال، كالسهم في الغنيمة.
وجه ما قاله الطحاوي: أنه حد، فيستوي في وجوبه الرجل والمرأة كسائر الحدود؛ ولأن الحدّ إن كان للقطع، فذلك يثبت في حق النساء كالسرقة، وإن كان القتل ثبت في حقهن كالرجم.
وإذا ثبت أن الحدّ لا [يجب] (٢) على النساء، لم يجب على الرجال؛ لأنه يشاركهم في سبب الحدّ من لا حدّ عليه بنفس الفعل.
وأما أبو يوسف، ففرّق بين المرأة والصبيّ فقال: إن الصبيّ إذا باشر لم يحدّ من لم يباشر، وإذا باشرت المرأة، حُدّ الرجال؛ لأن المرأة من أهل التكليف وتتعلّق الحدود بفعلها، وإنما سقط عنها لمعنى في نقصان محاربتها، فلا يوجب ذلك سقوط الحدّ عن غيرها. وأما الصبي فلا يتعلّق بفعله حدٌّ؛ لعدم التكليف، فيسقط عمن هو تابعٌ.
قال: ويدفع من قتل منهم - وهو رجلٌ ليس بمجنونٍ -، قتل بحديدة إلى الأولياء، فيقتلون أو يعفون.
وإن كان قتل بعصا أو حجرٍ، كان على عاقلته الدِّيَة لورثة المقتول.
стр. 4312
وإن كان الذي ولي القتل الصبيّ أو المجنون، كان على عاقلتهما الدية، وإن كانا أخذا الأموال ضَمِنَا؛ وذلك لأن الحدّ إذا سقط بقي حق الآدمي في القصاص والضمان، ألا ترى أن الحدّ في السرقة لحق الله تعالى، فإذا سقط وجب ضمان المال، كذلك إذا سقط الحدّ هاهنا وجب القصاصُ في قتل العمد والديةُ في شبه العمد، ولزم ضمان [المال].
وكذلك إذا تاب المحاربون قبل القدرة عليهم وقد قَتَلُوا، وأَخَذُوْا الأموالَ، أو فعلوا واحدًا من الأمرين؛ وذلك لأن الحدّ يسقط بالتوبة قبل القدرة، فيجبُ القتل واستهلاك المال ما يجب في غير المحاربة.
قال: وإِن جَاؤُوْا تائبين وقد جرحوا جرَاحًا، اقتُصّ فيما يقدر على القصاص فيه، ويضمنون ما أخذوا من الأموال إن كانت مستهلكةً؛ وذلك لأن الحدّ لما سقط بالتوبة صار كالجِرَاح في غير قاطع الطريق.
قال: وإذا أُخِذوا وقُدِر عليهم قبل التوبة، ولم يكن منهم قتلٌ ولا أخذ مالٍ، وقد كانوا أصابوا قومًا بجراحاتٍ، فإنه يقتَصّ فيما يقدرُ على القصاص فيه، ويضمنون بما لا يقدر على القصاص فيه، ويستودعون الحبس؛ وذلك لأنهم إذا لم يُصيبوا مالًا ولم يَقْتُلُوا نَفْسًا، فالواجب عليهم التعزير، ولا يدخل فيه الجراح. وإذا قتلوا وأخذوا المال، فالواجب فيه الحد، فيدخل الجراح فيه.
قال: فإن أخذهم الإمام غير تائبين، وكان ما أصابوا من الأموال مالًا يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم، وقد كانوا جرحوا وقتلوا، قال: لا يقطعون، ويضمنون المال، ويقتص منهم فيما أصابوا من قتل أو جراحٍ عمدًا وغير ذلك؛ لما بيّنا: أن الحدّ لا يُجرى عليهم إلا بعد كمال النصاب في حقّ كلّ واحدٍ منهم،
стр. 4313
فإذا سقط الحدّ، صار كالقتل والجراحة في غير الطريق.
وكذلك إذا سقطت الحدود (١) التي في الآية لمعنى من المعاني، بتوبةٍ أو بشبهةٍ، بطل عنهم ما كان في الآية من الحدود، ورجعوا في ذلك إلى حكم غير المحاربين، وهذا على ما قدّمنا.
وذكر حديث الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، قال: كان هذا فيما بلغنا في حيٍّ من كِنَانة، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ حَلْفٌ ومُوَادَعَةٌ (٢)، فعمد ناسٌ منهم فقطعوا الطريق على من يأتي رسول الله ﷺ ، فنزل جبريل فيهم بهذه الصفة، وأمر رسول الله صلى الله عليه بطلبهم، وقال: من قدرت عليه منهم، وقد قتل وأخذ المال، فاقتله واصلبه، ومن قدرت عليه منهم وقد قتل ولم يأخذ المال، فاقتله، ومن وجدته وقد أخذ المال ولم يقتل، فاقطع يده ورجله (٣)، ومن أعجزك أن تدركه فهو بَهْرَج (٤) من نفيه فهذا النفي (٥): ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، فمن جاء منهم تائبًا قبل أن يقدر عليه، هدم الإسلام ما كان منه في الشرك، وكان الله غفورًا رحيمًا (٦).
стр. 4314
وهذا الخبر يدلّ على أن الحدّ على الترتيب، خلاف قول من جعله على التخيير.
وذكر عن علي رضوان الله عليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، قال: كان علي ﵇ يقضي في الرجل إذا حارب الله ورسوله، وأخذ قبل أن يجيء تائبًا نظر في أمره، فإن لم يجده أصاب مالًا ولا دمًا نفي سنتين، [وإن وجده أصاب دمًا صلب وقتل]، وإن وجده أصاب مالًا جلده دون [جلد] حدّ المملوك، وحرم نصيبه من الفيء سنةً (١).
وهذا يدل من قول علي رضوان الله عليه [على] أن الحدّ يجري على المسلمين؛ لأن الكافر لا حقّ له في الفيء، وذكر عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد: أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحة، وسمّل أعينهم بالنار، عاتبه الله تعالى على ذلك، فأنزل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢).
وعن ابن سيرين في قصة العرنيين: كان هذا قبل أن تنزل الحدود (٣)، وهذا يدل على أن الآية لم تنزل في شأن العرنيين، وأن ما جرى عليهم من الحكم كان بغير الآية (٤).
стр. 4315
بَاب من له أن يقيمَ الحدودَ
قال محمد في كتاب السرقة: في الأمير يكون بالسواد على طسوج (١) أو رستاق (٢)، على معونة أو خراج، يُؤتى بسارق، ويشهد عليه الشهود بالسرقة ويثبتونها [عليه]، قال: ليس [له أن] يقطع، ولا يحكم في الحدود، إنما ذلك إلى أمراء الأمصار والمدن.
والأصل في هذا: أن إقامة الحدود إلى إمام المسلمين؛ لأنها حقٌّ الله تعالى، والإمام هو المنصوب لاستيفاء حقوق الله تعالى، فللإمام أن يستخلف على إقامة الحدّ، ألا ترى أن النبي ﵇ كان يُولي الأمراء، ويجعل إليهم تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود؛ ولأن الإمام لا يقدر على استيفاء جميع الحدود بنفسه؛ لأنه مقيم في مكان واحد، والحدّ يجب في أقطار الأرض، فلو لم يستخلف عليها أدّى [ذلك] إلى إبطالها، وهذا لا يجوز.
وإذا ثبت أن له أن يستخلف، فذلك على ضربين:
أحدهما: أن ينصّ على إقامة الحدود، فيجوز لخليفته إقامتها؛ لأنه أذن له في ذلك.
والثاني: أن يوليه ولايةً عامةً، مثل إمارة إقليم، أو بلد عظيمٍ، فيملك هذا
стр. 4316
[المولّى] (١) إقامة الحدود وإن لم ينصّ له عليها؛ لأنه فوّض إليه القيام بأمر المسلمين في بلده تفويضًا عامًا، فملك إقامة الحدود، كما يملك النظر في سائر مصالحهم.
وأما إذا وَلَّى رجلًا ولايةً خاصةً، مثل جباية الخراج، لم يملك إقامة الحدود؛ لأنه لم ينصّ على توليتها، ولا فوّض إليه عموم التصرف، وإنما قلّده أمرًا خاصًّا، فوجب أن يختص تصرفه بما فوّض إليه.
قال: في الأمير يستعمل على الجيش الكثير، فيدخل دار الحرب غازيًا، فيؤتى بسارق من جُنده، وقد سرق مالًا، قال: إن كان أمير مصرٍ من الأمصار، أو مدينةٍ من المدن، فغزا، بجنده، فإنه يُقيم الحدود ويقطع السارق، ويقضي في عسكره كما يقضي في مصره ومدينته، وإذا كان ليس بأمير مصرٍ ولا مدينةٍ، وإنما بعثه أمير المصر، أو أمراء (٢) المدائن غازيًا، فلا ينبغي لهذا أن يقيم الحدود في عسكره؛ وذلك لأن أمير المصر يملك إقامة الحدود في بلده، فإذا خرج بأهله أو ببعضهم، ملك عليهم ما كان يملك [فيهم] (٣) قبل الخروج.
وليس كذلك من أخرجه [أمير] (٤) البلد غازيًا؛ لأنه كان [لا يملك إقامة الحدّود] (٥) قبل خروجه، ولم يجعل إليه ذلك، ولا فوّض إليه التصرف على العموم، فلا يملك إقامة الحدّ.
стр. 4317
وقال: في قوم من أهل البغي، قاتلوا المسلمين وباينوهم، وكانوا في عسكرٍ أو في مدينةٍ عظيمةٍ، لهم إمامٌ وحكمهم ظاهرٌ على أهل تلك المدينة والبلاد، والمسلمون وأهل العدل في عسكر عظيم معهم إمامهم، فأتي بسارق قد سرق من العسكر من الجند من أهل السواد (١)، أو من أهل المدينة، عبدًا كان أو حرًا، قال: يقطعه، ويقيم في عسكره الحدود، ويقضي بالقصاص في الأشياء كلها، كما يقضي إذا كان مقيمًا في غير العسكر؛ وذلك لأن الإمام يده ثابتةٌ على جميع دار الإسلام، فسواءٌ كان في مصر أو معسكر، فولايته باقية، فله أن يقيم الحُدُود.
قال: وكذلك إن استعمل قاضيًا؛ لأن الحدود تفتقر إلى سماع الشهادة، والقاضي يملك ذلك، وإذا ملك إثبات الحدّ، ملك الاستيفاء.
قال: فإن جاءه رجل من أهل البغي تائبًا، وأتاه بسارق قد سرق من عسكر أهل البغي، لم يقطعه؛ لأنه سرق في موضع لا يد للإمام عليه فيه، فلم يثبت للإمام حق المطالبة عند السرقة، فلا يثبت له في الثاني.
قال: ولو كان قدم من أهل العدل تجارٌ في عسكر أهل البغي، أو كانوا أسرى في أيديهم، فسرق رجلٌ منهم متاعًا من [رجل] (٢)، فلما خرجوا إلى أهل العدل، أخذ السارق، وأقام عليه البيّنة، لم يقطعه الإمام؛ وذلك لأنه سرق في موضعٍ لا يجري فيه حكم الإمام، فصار كالسارق من دار الحرب.
قال: وكذلك لو كان هؤلاء التجار وهؤلاء الأسرى في دار الحرب من أهل الشرك؛ وذلك لأن دار الحرب لا يد فيها للإمام، فلا يستوفي الحُدُود التي وجبت فيها.
стр. 4318
قال: وكذلك لو أن رجلًا من المسلمين زنى في دار الشرك بامرأةٍ من المسلمين، أو من أهل الشرك، أو شرب في دار الحرب خمرًا، أو فعل ذلك كله في عسكر أهل البغي، ثم أتى به [إمام] أهل العدل، لم يقم عليه الحدّ في شيء من ذلك، وهذا لما قدمنا.
قال: وكذلك رجل من أهل العدل أغار في عسكر أهل البغي، فسرق، فجاء به أصحاب المسروق منهم إلى إمام أهل العدل، لم يقطعه الإمام؛ وهذا لوجهين: أحدهما: أنه سرق في موضع لا يد للإمام عليه. والثاني: أنه أخذ بشُبهةٍ؛ لأن لأهل العدل أن يأخذوا أموال أهل البغي فيحبسوها حتى يتوبوا، فيصغرهم بذلك، والأخذ إذا قارنته شبهةٌ، سقط القطع فيه.
قال: وكذلك لو أن رجلًا من أهل البغي، أغار في عسكر من أهل العدل ليلًا فسرق، ثم رجع إلى عسكره ثم أخذ بعد ذلك، فأتي به إلى إمام أهل العدل، لم يقطعه؛ وذلك لأن أهل البغي يستحلّون أموالنا، ولهم دارٌ ينفردون بها، وأحكامهم تجري فيها، فلم يطالبوا بأحكامنا، كما لم يطالب الصحابة بعضهم بعضًا [بما كان] في الفتنة من الدماء والأموال.
قال: ولو أن رجلًا في دار أهل العدل سرق مالًا، وهو ممن يشهد على صاحبه بالكفر ويستحل ماله ودمه، فسرق منه مالًا، قطعته؛ وذلك لأن هذا من أهل دارنا، سرق من دارنا، ويد الإمام ثابتةٌ عليه، فلو سقط الحدّ بتأويله، لم يقم حدٌّ في سرقة، ألا ترى أن كل سارق يدعي استحلال مال المسروق منه، فيسقط عن نفسه القطع، وهذا لا يصحّ (١).
стр. 4319
[٦٨] كِتابُ الهِبَةِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الهبة (١) جائزة عند أهل العلم جميعًا.
(قال أيده الله تعالى) (٢): والأصل في جواز الهبة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وقال ﷺ : "تهادوا تحابّوا" (٣)، وأجمع المسلمون على ذلك.
قال: ولا تملك عند أصحابنا ﵏ جميعًا إلا بالقبض، فإذا قبضت بعد القول مُلكت، وما لم تقبض فهي على ملك الواهب، يجوز [جميع] تصرفه فيها، كما يجوز قبل القول والقبض، له (٤) أن يعتق ما وهب قبل القبض، ويبيع ويرهن ويؤاجر ويفعل جميع ما يفعله المالك في ملكه، لا يمنعه ما تقدم من عقد الهبة، وسواء كان الموهوب له في هذا الوجه ذا رَحِمٍ أو أجنبيًا (٥).
وقال مالك: يملك الهبة بالعقد من غير قبضٍ (٦).
стр. 4320
لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله ﵎: يا ابن آدم، تقول مالي، مالي، ليس [لك] من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (١)، فجعل الصدقة [له] إذا قارنها الإمضاء.
وروي عن أبي بكر أنه قال لعائشة في وصيته: (إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني جددتيه (٢) ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث (٣))، فلم يحكم بتمام الهبة لعدم القبض فيها.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أبا بكر وعمر ﵄ قالا: (لا تتم الصدقة إلا بالقبض (٤))، وروي مثل ذلك عن ابن عباس ومعاذ بن جبل (٥).
والذي روي عن عَلِيّ وعمر أنهما قالا في الصدقة: (إذا أعلمت جازت (٦))، فمحمول على صدقة الأب على ابنه الصغير؛ ولأن الهبة تبرعٌ، والتبرع لا يملك بمجرد القول حتى ينضم إليه غيره كالوصية.
ولأن الهبة تبرع في حال الحياة، والوصية تبرع بعد الموت، فإذا كان أحدهما لا يملك بالقول، فكذلك الآخر.
وإذا ثبت أن الملك يقع بالعقد والقبض، فالعقد من غير قبض كالإيجاب من غير قبول، ومعلومٌ أن إيجاب البيع إذا حصل جاز للبائع أن يتصرف في المبيع
стр. 4321
كما كان يتصرف من قبل (الإيجاب، فكذلك إذا حصل الإيجاب والقبول في الهبة، جاز للواهب أن يتصرف كما كان يتصرف من قبل) (١).
٢٦٩٧ - [فَصْل: رجوع الواهب في الهبة]
قال: وللواهب أن يرجع فيها عند أصحابنا جميعًا إذا كان الموهوب له ليس بذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ولا زوج ولا زوجة، ولم [يعوّض] (٢) الواهب من هبته شيئًا، وكانت على حالتها في ملك الموهوب له، لم يزد في بعضها (٣) خيرًا، سواء كانت الزيادة بفعل الموهوب له، أو بغيره.
فإذا تغيرت بما ذكرنا، فللواهب أن يرجع فيها في الحكم، ويكره له ذلك فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال الشافعي: لا يثبت الرجوع في الهبة إلا فيما وهبه الوالد لولده (٤).
لنا: حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها" (٥)، وروي عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: "الواهب أحق بهبته، والعائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود فيه" (٦)، فدل هذا على جواز الرجوع، وعلى كراهته.
ولأن التبرع على نوعين: تبرع بالعين، وتبرع بالمنافع - وهو العارية - فإذا
стр. 4322
كان أحد العقدين مقتضاه الرجوع، فكذلك الآخر.
واحتج الشافعي ﵁ بقوله ﷺ : "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا فيما وهب الوالد لولده" (١).
والجواب: أن هذا محمول على الرجوع في الهبة على وجه الابتياع من الموهوب [له]؛ وذلك لأنه يكره للواهب أن يبتاع الهبة من الموهوب له؛ لأنه يستحي منه فيسامحه في ثمنها، فيصير كالراجع في بعضها (٢).
ولهذا روي عن عمر أنه قال: حملت رجلًا على فرس في سبيل الله، فوجدته في السوق [يباع]، فأردت أن ابتاعه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال لي: "لا تعد في صدقتك" (٣)، فدلّ على أنه يكره (٤) له الابتياع، فالرجوع محمولٌ عندنا على هذا الوجه.
وإنما جاز فيما وهبه الأب؛ لأن بينهما مباسطةً تمنع من التوقف عن الاستيفاء، فلم يكره ذلك، ويحتمل أن يكون المراد بالخبر: الرجوع بغير رضا ولا قضاء، وذلك لا يجوز عندنا إلا فيما وهبه الوالد لولده، فإنه يحلّ له أخذه بغير رضًا ولا قضاء إذا احتاج إليه للإنفاق على نفسه.
فإذا ثبت أن عقد الهبة يقتضي الرجوع، قلنا: إذا كانت لذي رحم محرم فلا
стр. 4323
رجوع فيها؛ لأن الثواب حصل بعقدها، وهو صلة الرحم الكامل، فصار الثواب كالعوض، وقد قال النبي ﷺ : "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها" (١)؛ ولأن الولد والوالد بينهما رحمٌ كاملٌ، فلا أحدهما فيما وهبه للآخر، كالأخوين.
وأما ما وهبه كل واحد من الزوجين للآخر، فلا رجوع فيه؛ لأن الزوجية أُجريت مجرى القرابة، بدلالة أنه يتعلّق بها التوارث في جميع الأحوال، والقرابة الكاملة تمنعُ من الرجوع في الهبة.
وأما إذا عُوض عن الهبة في العقد، أو بعد العقد فلقوله ﵇: "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَب منها"؛ ولأن الواهب إنما يهب ليُعوّض، ألا ترى أنه لو لم يقصد العوض لتصدّق، وإذا سلم له العوض، فقد حصل له المقصود بالعقد، فيسقط الرجوع.
وأما إذا زادت الهبة زيادة متصلة، سقط الرجوع، سواء كانت تلك الزيادة بفعل الموهوب له، أو بفعل غيره (٢)؛ وذلك لأن الزيادة لم يقع عليها العقد، فلا يقع عليها الفسخ، كعينٍ أخرى، فإذا تعذر الفسخ في الزيادة ولم يكن في الأصل دونها، سقط الفسخ.
فأما إذا خرجت الهبة من ملك الموهوب له، سقط الرجوع؛ لأن اختلاف الملك كاختلاف العينين، ومعلوم أنه إذا وهب عينًا لم يرجع في عينٍ (٣) أخرى، فكذلك إذا أوجب ملكًا، لم يفسخ ملكًا آخر.
стр. 4324
٢٦٩٨ - [فَصْل: تملك الصدقة]
قال: والصدقة لا تملك إلا بالقبض بعد العقد؛ لقوله ﵇: "ليس لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت" (١)؛ ولأنه عقد تبرعٍ، فلا يتم بمجرد القول، كالوصية.
قال: ولا رجوع في الصدقة بعد قبضها على حال؛ وذلك لأن الصدقة يُقصد بها الثواب، وقد حصل ذلك من جهة الله تعالى، فصار كالعوض إذا سلم من جهة الموهوب له.
٢٦٩٩ - [فَصل: هبة وصدقة المشاع]
قال: ولا يجوز هبة المشاع ممّا يقسم، ولا صدقته، ويجوز فيما لا يقسم.
وقال الشافعي: يجوز في الجميع (٢).
لنا: ما روي: أن أبا بكر ﵁ قال لعائشة ﵂: (إني كنت نحلتك جداد عشرين وَسَقًا من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني جددتيه ولا قبضتيه (٣))، فاعتبر أمرين: القبض والحيازة، وليس هاهنا معنى عن القبض (يعتبر إلا القسمة.
ولأن الهبة لا تملك إلا بالقبض، والإشاعة مؤثرةٌ في القبض) (٤)، فإذا قارن سبب الملك ما يؤثر فيه على وجه [لا] يمكن إزالته، منع من وقوع الملك.
стр. 4325
وليس كذلك ما لا يقسم؛ لأن الحاجة داعية إلى هبة بعضه، ولا (١) يمكن إزالة إشاعته بالقسمة، ثم التسليم بعد ذلك.
ولأن الهبة لو جازت في مشاع يحتمل القسمة، كان للموهوب له أن يطالب الواهب بالقسمة عقيب الهبة، فيلزمه أجرة القسّام، فيؤدي ذلك إلى إيجاب الضمان على الواهب للموهوب له فيما وهب لأجل هبته، وهذا المعنى لا يوجد فيما لا يحتمل القسمة؛ فلذلك جازت هبته (٢).
стр. 4326
بَاب قبض الهبةِ
قال: وإذا كانت الهبة عينًا من الأعيان، لم يصح القبض فيها إلا أن تكون محوزةً مفرزةً من غيرها، غير مشغولةٍ، فإذا كان كذلك، جاز القبضُ، وصحّ ملك الهبة للموهوب له، وخرجت عن ملك الواهب، وهذا على ما قدمنا: أن الهبة لا تملك إلا بالقبض، فإذا كانت محوزةً مفرزةً، فقد صح القبض فيها، ووقع له الملك.
فإن قبضت وهي معلّقةٌ بغيرها، أو مشغولةٌ [به]، لم يصحّ القبض، ولم يملكها الموهوب له، وكانت باقيةً على ملك الواهب.
وذلك مثل أن يهب دارًا فيها متاعٌ للواهب، أو ظرفًا فيه متاعٌ للواهب، دون المتاع، أو نخلًا فيه ثمرة للواهب (١) معلّقةٌ به، فيهب (٢) النخل دون الثمرة، أو يهب أرضًا فيها زرعٌ للواهب دون الزرع، أو يهب دابةً عليها حملٌ للواهب دون الحمل، وقبضها (جميعًا، فإن ذلك لا يكون قبضًا تصح به الهبة، والهبة على ملك الواهب) (٣).
[وكذلك إن وهب ثمرة النخل دون النخل، أو الزرع دون الأرض]، وقبض النخل والثمرة والأرض والزرع؛ وذلك لأن الموهوب مشتغلٌ بما لم تقع عليه
стр. 4327
[الهبة]، فصار كهبة المشاع؛ ولأن يد الواهب ثابتةٌ على متاعه الذي في الدار من طريق الحكم (١)، فصار كثبوت يده في البقعة من طريق المشاهدة، فيمنع ذلك من [قبض] الموهوب له.
٢٧٠٠ - [فَصْل: قبض الموهوب له الهبة مع عدم إذن الواهب]
قال: وإن وهب له عبدًا، أو ثوبًا، أو عينًا من الأعيان، محوزةً مفرزةً، ولم يأذن له في قبضها، فقبضها الموهوب له في الحال، والواهب حاضر كذلك، جاز القبض عند أصحابنا جميعًا استحسانًا، فإن قبضها بغير حضرة الواهب، لم يجز القبض، فذكر القياس والاستحسان في الزيادات.
وجه القياس: أن القبض في الهبة يقعُ به الملك، وما يقع به الملك يقفُ على إذن المملك، وتسليطه كالقبول؛ ولأن البيع يتم بالإيجاب والقبول، ولا يصح قبضه إلا بإذن البائع؛ فلأن لا يصح القبض فيما لا يملك بغير إذن أولى وأحرى (٢).
وجه الاستحسان: أن الواهب إنما يقصد بالهبة التمليك، وذلك لا يتم إلا بالقبض، فصارت الهبة تسليطًا على القبض، فكأنه أذن فيه؛ ولأن الإيجاب والقبول في الهبة، كإيجاب البيع، وقبضها كقبول البيع، (ومعلوم أن إيجاب البيع إذا حصل، كان تسليطًا على القبول، كذلك الإيجاب والقبول في الهبة) (٣).
وأما إذا قام من المجلس، ثم قبض الموهوب، لم يصحّ القبض؛ لما بيّنا:
стр. 4328
(أن القبض كالقبول في البيع، ومعلوم أن القبول لا يثبت حكمه بعد الافتراق، فكذلك القبض) (١).
قال: فإن أذن له في القبض، فقبض الهبة بحضرة الواهب أو بغير حضرته، جاز القبض، أما إذا قبض بحضرته فلا شبهة فيه؛ لأنه لو قبض بغير إذنه جاز، فإذا قبض بإذنه فهو أولى.
وأما إذا افترقا ثم قبض، فالقياس: أن لا يجوز القبض؛ لأن الإذن لا يثبت حكمه بعد الافتراق، كما لا يثبت حكم الإيجاب؛ ولأن القبض كالقبول، فلا يصحّ بعد الافتراق وإن أذن فيه.
والاستحسان: أن يصحّ القبض؛ لما روي أنه ﷺ حمل إليه ست بدنات، فجعلن يزدلفن إليه، فقام فنحرهن بيده، وقال: "من شاء فليقطع"، وانصرف (٢)، فأذن لهم في القبض بعد الافتراق، فدلّ على أن الملك يقع به.
ولأن التسليط إذا حصل بالإيجاب لم يثبت حكمه بعد الافتراق، وفي مسألتنا قد صرح الآمر بالقبض، فيثبت حكمه بعد الافتراق، كالبائع إذا أذن للمشتري في قبض المبيع.
قال: فإن وهب له دينًا على رجل وأذن له أن يقبضه من الذي هو عليه، جاز إذا قبض ذلك استحسانًا، [والقياس: أن لا يجوز] وإن لم يأذن له في قبض الدين، لم تجز الهبة، وإن قبضه الموهوب له بحضرة الواهب [وبإذنه ففيه] والقياس والاستحسان ذكره أبو يوسف في الإملاء.
стр. 4329
وجه القياس: أن الدين حقٌّ، والحقوق لا يجوز هبتها كالمنافع؛ ولأن القبض لا يتأتّى فيما في الذمم، والهبة لا تصحّ إلا بالقبض.
وجه الاستحسان؛ أنه إذا أذن له في القبض، قام قبضه مقام قبض صاحب الدين، فيصير المال مِلكًا للواهب، وصار الموهوب له قابضا بعد ذلك، فيجوز كما يجوز قبض الهبة بعد الافتراق، وليس كذلك إذا لم يأذن له في القبض؛ لأن ما يتعيّن من المال ملكٌ الذي عليه الدين، فلا يصح هبة الواهب فيه، فلذلك لم يملكه.
قال: فإن وهب له شيئًا مشاعًا، ثم قسم ما وهب وأفرزه، ثم سَلَّم إلى الموهوب له، جاز.
وكذلك إذا وهب دارًا فيها طعامٌ للواهب، أو تمرًا [معلّقةً] في نخلٍ، أو زرعًا في أرضٍ، وأخرج الطعام من الدار، وجزّز التمر من النخل، وحصد الزرع، ثم سلّم ذلك محوزًا مفرزًا، جاز ذلك، ينظر في ذلك إلى حال القبض دون حال العقد؛ وذلك لأن هبة المشاع جائزةٌ، وإنما لا يقع الملك بقبضها (١)؛ بدلالة ما روي أن أبا بكر وهب لعائشة جداد عشرين وسقًا، فلولا أنه عقدَ عقدًا جائزًا ليقسمه ويسلمه، لم يجز عقده؛ ولأن المانع من وقوع الملك إذا زال، وقع الملك، كالبيع إذا ألحق به شرطًا فأسقط ذلك الشرط.
قال: ولو وهب دارًا لرجلين، أو كُرًا (٢) من الطعام، أو ألف درهم، أو شيئًا مما يكال أو يوزن أو [شيئًا مما] يقسم لرجلين، فقبضا ذلك، لم تجز الهبة عند
стр. 4330
أبي حنيفة، وهي جائزةٌ عند أبي يوسف ومحمد.
وأصل أبي حنيفة في هذا: أن الإشاعة إذا حصلت في قبض الموهوب له، منعت الهبة، وإن حصل قبضه في غير مشاع، جازت الهبة، فيجوز هبة الاثنين من الواحد، ولم يجز هبة الواحد من الاثنين، فاعتبر أبو يوسف ومحمد فساد في العقد حصول الإشاعة في الطرفين، فإذا حصلت الإشاعة في أحد الطرفين، لم تمنع الهبة، فجوّزا هبة الواحد من الاثنين، وهبة الاثنين من الواحد.
لأبي حنيفة: أن الإشاعة مؤثرةٌ في القبض، وقبض الموهوب يقع به الملك، فإذا قارن ما يقع به الملك ما يقدح فيه، منع ذلك من الملك، كعقد البيع إذا قارنه الشرط المفسد؛ ولأن الهبة لا يكون بعضها شرطًا في بعض، فكأنه أفرد لكلّ واحدٍ منهما العقد.
وليس كذلك هبة الاثنين من الواحد؛ لأن الحكم لا يتعلّق بالعقد، وإنما يتعلّق بالقبض، وقد حصل القبض في غير مشاع.
وليس هذا كالصدقة على الاثنين؛ لأن المقصود بالصدقة واحد، وهو الله تعالى، والقابض قائمٌ مقامه في القبض، فصار كالهبة من الواحد إذا وكلّ وكيلين بقبضها.
وجه قولهما: أن الإشاعة في أحد الطرفين لا تمنع من الهبة، كهبة الاثنين من الواحد؛ ولأن الهبة يعتبر فيها القبض كالرهن، ثم جاز رهن الواحد من الاثنين، فكذلك هبته.
والجواب: أن المقصود بالهبة الملك، ولا يجوز أن يحصل الملك لكلّ
стр. 4331
واحدٍ منهما إلا في القبض، فكأنه أفرد ذلك بالعقد، والمقصود من الرهن الوثيقة، ويجوز أن يتوثّق كلّ واحدٍ منهما بجميع العين، فلذلك صحّ الرهن فيما بينهما (١).
قال: ولو قسّم ذلك وسلّم إلى كلّ واحدٍ منهما حصّته مقسومةً، جاز، وهذا تفريعٌ على قول أبي حنيفة؛ لأنه إذا قسّم زال المعنى المفسد، فحصل القبض على وجه الصحة.
قال: وإن وهب عبدًا أو ثوبا لرجلين، أو شيئًا مما لا يقسم، جاز ذلك في قولهم جميعًا؛ لأن الإشاعة فيما لا يحتمل القسمة غير مؤثرة في الهبة.
قال: ولو وهب رجلان دارًا بينهما لرجلٍ، وسلماها إليه، جاز (في قولهم جميعًا.
أما على أصل أبي حنيفة: فلأن القبض وقع في غير مشاعٍ.
وعلى أصلهما) (٢): الإشاعة في أحد الطرفين.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل قال لرجلين: قد وهبت لكما هذه الدار، لهذا نصفها، ولهذا نصفها، فهو جائز، وذلك لأنه وهبها جملةً، ثم قسم ما اقتضته الجملة من الحكم بعد وقوع الهبة، فلا يمنع ذلك من صحة العقد.
قال: ولو قال: وهبت لك نصفها، ولهذا نصفها، لم يجز؛ لأنه أفرد أحد النصفين عن الآخر بنفس العقد، فوقع العقد في مشاع.
стр. 4332
فإن قال: قد وهبت لكما هذه الدار، ثلثاها لهذا، وثلثها لهذا، لم يجز ذلك عند أبي يوسف (١)، وجاز عند محمد، فاتفق أبو حنيفة وأبو يوسف على فساد هذا العقد من أصلين:
أما أبو حنيفة: فأفسده لوجود الإشاعة في القبض.
وأما أبو يوسف فإنه قال: لمّا خالف بين نصيبيهما، دلَّ على أن القعد لأحدهما غير العقد للآخر، فصار كأنه أفرده بالعقد؛ ولأن القبض شرط في الهبة كالرهن، ولو رهن عينًا واحدةً من اثنين: لأحدهما الثلث، وللآخر الثلثين، لم يجز، كذلك هنا.
(وجه قول محمد: أن العقد لما جاز للاثنين، فلا فرق بين أن يسوي بينهما، أو يخالف كعقد البيع) (٢).
وإذا كانت الدار بين رجلين، أو شيء يقسم، فوهب أحدهما نصيبه لشريكه، وسلم إليه الكل، لم تجز الهبة في قولهم جميعًا؛ وذلك لأن المانع من الهبة وقوع قبض الموهوب له في مشاع يحتمل القسمة، وهذا المعنى موجودٌ في الشريك.
قال: ولو وهب رجل لرجلٌ ما في بطن جاريته، أو ما في بطن غنمه، أو ما في ضرعها، أو وهب له سمنًا من لبنٍ قبل أن يلبن أو زبدًا فيه قبل أن يمخّض، أو دهنا في سمسمٍ قبل أن يعصر، أو زيتًا في زيتون، أو دقيقًا في حنطة، فسلطه على قبضه عند الولادة، أو عند استخراج ذلك، فإن ذلك لا يجوز؛ وذلك لأن
стр. 4333
الموهوب لا يصح العقد [عليه]، فلا تصحّ هبته، كما لا يجوز بيعه، ولا يجوز العقد وإن [قبض] (١) ذلك؛ لأن العقد عليه في الأصل لم يصحّ، ألا ترى أن بيعه لا يجوز، فصار كالفساد في نفس المعقود عليه، فلا يرتفع من العقد.
وليس كذلك هبة المشاع إذا قسم؛ لأن المعقود عليه يجوز العقد عليه، ألا ترى أنه لو باعه جاز، وإنما أثّر في هبته لمعنى يعود إلى القبض، فإذا زال ذلك، صحّ القبض.
وعلى هذا، إذا وهب صوفًا على ظهر غنم، ثم جزّه وسلمه؛ لأن العين موجودةٌ، وإنما منع من هبتها اتصالها بغيرها، وإذا زال ذلك صحّ العقد.
وليس هذا كالدين إذا وهبه وأذن له في قبضه؛ لأن الدين على ملكه، وتصرفه فيه جائزٌ؛ بدلالة أنه يجوز أن يُمَلّكه لمن هو في ذمّته، وإنما لم تصح هبته لعدم القبض، فإذا قبضه بأمره، جاز.
قال: ولو وهب له جارية واستثنى ما في بطنها، أو حيوانًا واستثنى ما في بطونها، جازت الهبة في الأمهات والحمل جميعًا، وكان ذلك كله [جملةً] للموهوب له.
وجملة هذا: أن العقود على ثلاثة أضرب:
أحدها: إذا عقده على الأم دون الحمل، بطل العقد والاستثناء، وهذا كالبيع والإجارة والرهن؛ لأن العقد إذا وقع على الأم، اقتضى دخول الولد فيه، فإذا استثنى فقد نفى موجب العقد، ونفي موجب البيع والإجارة، يوجب فسادهما.
стр. 4334
والنوع الثاني: يصح فيه العقد ويبطل الشرط: وهو النكاح، والخلع، والصلح عن دم العمد والهبة؛ وذلك لأن العقد يقتضى دخول الولد، فإذا نفى موجب الهبة، صحت الهبة، وبطل الشرط، أصله: العمرى.
والنوع الثالث: يجوز العقد والاستثناء: وهو الوصية، إذا أوصى له بجارية إلا حملها، بقي الحمل للورثة؛ لأن الوصية يجوز أن تقع بالحمل، وما جاز أن يفرد بالعقد، جاز أن يستثنى منه.
قال: ولو أعتق ما في بطن جاريته، ثم وهبها، (جازت الهبة في الأم، وقال في كتاب العتاق: إذا دبّر ما في بطن جاريته ثم وهبها) (١)، لم تجز الهبة، فمن أصحابنا من قال: هذا اختلاف رواية.
فوجه الرواية التي قال لا تجوز الهبة فيها: أن الموهوب مشغولٌ بما يدخل في الهبة، فصار كهبة الدار إذا كان فيها متاع الواهب.
وجه الرواية التي قال تجوز الهبة على ظاهر هذا الكتاب: أن حُريّة الحمل تقتضي استثناءَه من العقد، ولو استثناه لفظًا لم يفسد العقد، فكذلك إذا استثنى من طريق المعنى.
ومن أصحابنا من قال: في المسألتين (٢) روايةٌ واحدةٌ، وإنما يختلف الحكم بين التدبير والعتق؛ وذلك لأن المدبَّر مال للمولى، ومن وهب ما هو مشغول بمالٍ [له]، لم تصحّ الهبة، كهبة الدار التي فيها متاع الواهب.
وليس كذلك الحرّ؛ لأنه ليس بمال، فصار كمن وهب دارًا فيها حرٌّ جالس،
стр. 4335
فلا يمنع ذلك من جواز الهبة.
قال: ولو تصدق بعشرة دراهم على مسكين جاز؛ وهذا لما بيّنا: أن المقصود بالصدقة واحدٌ.
فإن تصدق على غنيٍّ لم تجز الهبة في قول أبي حنيفة؛ لأن المقصود بالصدقة على الغني ليس هو الله تعالى؛ لأن الثواب لا يحصل (١) بذلك، وإنما المقصود الغني، فصار كالهبة.
قال: وإذا وهب له وديعةً في يده، أو عاريةً، أو ما هو أمانةٌ في يده، وقَبِلَ، تصحّ تلك الهبة، وصحّ قبضه لها بكونها في يده بعد العقد عليها، فالقياس أن لا يكون قابضًا حتى يخلي بين نفسه وبينها؛ لأن يد المودع يدٌ لمودِعه، فكأنه وهب له ما في يده، فلا بد من قبض، والاستحسان: أن الهبة تقف على مجرّد القبض، ولا تفتقر إلى قبض بصفةٍ، وللمودَع قبضٌ فيها، فحصل عقيب العقد [القبض] الذي تفتقر الهبة إليه، فوقع الملك.
وليس هذا كبيعها من المودع؛ لأن قبض المبيع قبض مضمون، والقبض الموجود عقيب العقد قبض أمانةٍ، فلا بد من تجديد قبض آخر، وذلك لا يكون إلا بالتخلية بينه وبين الوديعة.
قال: وكذلك إن كانت مضمونةً في يده بقيمتها أو مثلها، كان ذلك كذلك أيضًا، وهذا يتصور في العين المغصوبة والمقبوضة على وجه السَّوم؛ لأن القبض الذي تقتضيه الهبة موجودٌ وزيادةٌ، وهو الضمان، وذلك الضمان تصح البراءة
стр. 4336
منه، فيسقط بهبته، وبقي قبض بغير ضمان، فصار قابضًا.
وإن كانت مضمونة بغيرها، مثل الرهن أو المبيع، فيهب المالك [ذلك] لمن هو في يده، فإنه لا يكون قابضًا بكون ذلك في يده، إلا أن يقبضه قبضًا مستأنفًا بعد عقد الهبة، وذلك لأن القبض إذا كان مضمونًا بغيره من عوضٍ أو دين، لم تصح البراءة منه، فبقي القبض مخالفًا للقبض المستحق بالهبة، فلم يكن بدٌّ من تجديد قبضٍ آخر (١).
стр. 4337
بَاب العِوَض من الهبةِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا وهب رجلٌ [لرجلٍ] شيئًا، فعوّض الموهوبُ له الواهب من هبته شيئًا، فقال: هذا عوض من هبتك، أو قال: قد نحلتك هذا عن هبتك، أو كافأتك، أو جازيتك، أو أثبتك، أو هذا بدل هبتك أو مكان هبتك، أو قال: تصدقت بهذا عليك بدلًا عن هبتك، أو نحله أو أعمره فقال: هذا عوضٌ من هبتك، فإن هذا عوض في هذه الوجوه كلها، إذا سلمه المعوض وقبض، صَحَّ، والعوض هبة تصح بما تصح به الهبة، وتبطل بما تبطل به الهبة عند أصحابنا جميعًا.
[قال الشيخ]: وجملة هذا أن العوض في الهبة على ضربين: عوضٌ بعد العقد، وعوضٌ مشروط في العقد.
فأما العوض المتأخر عن العقد: فهو لإسقاط الرجوع، ويعتبر فيه الشرائط المعتبرة في الهبة، من القبض وعدم الإشاعة؛ وذلك لأنه غير مستحقٍّ على الموهوب له، وإنما يتبرع به ليسقط عن نفسه الرجوع، فصار كالهبة المبتدأة.
وإنما صار عوضًا بهذه الألفاظ التي ذكرها؛ لأن كلّ واحدٍ منهما يفيد ما يفيده الآخر، والحكم عندنا يتعلّق بمعاني المعقود دون عبارتها، إلا أنه لا بدّ أن يضيف العوض إلى الهبة ليسقط الرجوع فيها.
فأما إذا وهب له هبةً مبتدأةً ولم يعلقها بالأولى، لم يصر عوضًا منها، ويثبت
стр. 4338
حكم الرجوع في الهبتين جميعًا.
قال: وإذا قبض العوض، لم يكن لواحدٍ (١) منهما أن يرجع على صاحبه فيما ملكه من ذلك (٢).
أما الواهب، فقد سلم له العوض عن هبته، فمنع ذلك من الرجوع كالعوض في العقد، ولأنه إنما يهب ليُعوَّض، فإذا قبل العوض حصل مقصوده، فلم يرجع به، وقال ﷺ : "الواهب أحق بهبته ما لم يثب عنها" (٣).
وأما المعوّض، فليس له أن يرجع في العوض؛ لأنه سُلِّم له في مقابلته، وهو إسقاط (٤) الرجوع، فلم يجز أن يرجع فيه.
قال: وكذلك لو عوض رجلٌ أجنبيٌّ عن الموهوب له الواهب عن هبته، وقبض العوض، لم يكن للواهب أن يرجع في هبته، وسواء عوّضه بأمر الموهوب له، أو بغير أمره، ولا للمُعوِّض أيضًا أن يرجع في العوض على الواهب، ولا على الموهوب له، وإن كان العوض بأمر الموهوب له، (فهو متبرع في ذلك؛ وذلك لأن الأجنبي إذا عوَّض بأمر الموهوب له) (٥) فقد قام مقامه في العوض، فكأنه عوّض بنفسه، وإن عوّض بغير أمره فقد تبرع بإسقاط الحق عنه، والتبرع بإسقاط الحقّ عن الغير جائزٌ، كما لو تبرع بمخالعة امرأةٍ من زوجها.
وليس للمعوِّض أن يرجع على الواهب؛ لأن مقصوده ببذل العوض: سلامة
стр. 4339
الهبة وإسقاط الرجوع فيها، وقد سلم ذلك، فلا يرجع المعوِّض على الموهوب له.
أما إذا كان بغير أمره؛ فلأنه تبرع بإسقاط الحق عنه، فلم يملك أن يجعل ذلك مضمونًا عليه.
وأما إذا عوض بأمره، لم يرجع عليه، إلا أن يقول له: عوض عني على أني ضامنٌ؛ وذلك لأنَّه إذا أمره بالعوض ولم يضمن له، فقد أمره بما ليس بواجبٍ عليه، وإنما هو متبرعٌ به، فلم يوجب ذلك الضمان على الأمر إلا بشرط الضمان.
وعلى هذا، قالوا فيمن قال لغيره: أطعم عن كفارة يميني، أو أدّ زكاتي: لم يرجع عليه إلا أن يقول له على أني ضامنٌ؛ لأنَّه أمره بما ليس بمضمون عليه.
وليس هذا كالآمر بقضاء الدين؛ لأنَّه مضمونٌ على الآمر، فإذا أمره به، تعلّق عليه الضمان.
قال: ولو عوّض الموهوب له الواهب عن نصف الهبة، كان عوضاً عن نصفها، وكان له أن يرجع في النصف الآخر الذي لم يعوَّض عنه، ولا يرجع فيما عوِّض عنه؛ وذلك لأن الرجوع في الهبة مما يصحّ تبعيضه، فإذا عوض عن بعض دون بعض، سقط الحق فيما حصل فيه العوض، ولم يسقط فيما لا عوض فيه، وصار حكم البعض معتبرًا بالجميع، فكما لو عوض عن جميع الهبة لم يرجع، كذلك إذا عوض عن بعضها، (لم يرجع في ذلك البعض، وكما لو لم يعوض عنها، رجع فيها، كذلك إذا لم يعوض عن بعضها) (١)، رجع فيه.
وليس هذا كالعفو من دم العمد والطلاق؛ لأنَّه لا يتبعّض، فإسقاط الحقّ
стр. 4340
عن بعضه إسقاطٌ عن جميعه.
قال: فإن عوَّض الموهوب له الواهب بعض ما وقع عليه عقد الهبة عن باقيها، لم يكن ذلك عوضًا في قول أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف، [وللواهب أن يرجع فيما بقي من هبته].
قال (١): وهذا على وجهين: فإن كان العوض على الصفة التي وقعت عليها الهبة، لم يكن عوضًا؛ لأن العوض يلحق بالعقد، فلا يجوز إلحاقه على وجه لا يتناوله العقد، ومعلوم أنه لا يجوز أن يهب له شيئًا على أن يعوِّضه (٢) [بعضه] عوضًا عنه، فكذلك هذا.
ولأن غرض الواهب بالعوض، لا يجوز أن يكون بعض ما وهب؛ لأنَّه لو أراد ذلك أمسكه ولم يهبه، وإذا لم يسلم له غرضه (٣)، لم يسقط الرجوع.
وأما إذا كان [هذا] الذي عوّض به قد تغيّر عن حاله تغيّرا يمنع من الرجوع، فإنه يصحُّ أن يكون عوضًا عن بقية الهبة؛ لأنَّه صار بالتعيين في حكم عينٍ أخرى، فجاز أن يكون عوضًا.
قال: وإن كان وهب شيئين، كلّ واحدٍ منهما في عقدٍ، فعوَّض إحدى الهبتين عن الأخرى، فإنه يكون عوضًا في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال بشر عن أبي يوسف: لا يكون عوضًا في الوجهين جميعًا.
وجه قولهما: أن الواهب يجوز أن يكون عوضه بهبته الثانية، عوض الهبة
стр. 4341
الأولى إليه؛ لأّن الإنسان قد يبدو له في الشيء بعد فعله، فصار ما وهبه بأحد العقدين كعينٍ أخرى.
وليس كذلك إذا عوضه بعض الهبة؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون غرضه (١) بهبته أن يسلّم له بعضها عوضًا عن بعضها [على ما قدّمنا، ولأنّ ما ملك بالعقد الواحد لو صار بعضه عوضًا، لكان الشيء عوضًا عن نفسه]، وما ملك بالعقدين إذا صار عوضًا لا يؤدي إلى كون الشيء عوضًا عن نفسه، فلذلك جاز.
لأبي يوسف: أن الرجوع في الهبة مستحق، فإذا عوض بها عن هبة أخرى، وقعت عن مستَحَقَّها، فلم يقع موقع العوض، وليس كذلك إذا تغيّرت؛ لأن الرجوع فيها سقط، فجاز أن يقع موقع العوض.
قال: ولو كانت هبةً وصدقةً، فعوضه الصدقة من الهبة، كانت عوضًا، وهذا صحيحٌ، أما على أصل أبي حنيفة ومحمد؛ فلأنهما مُلِكا بعقدين، وأما على أصل أبي يوسف؛ فلأن الصدقة لا يثبت فيها الرجوع، فوقعت موقع العوض.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا وهب رجلٌ لرجلٍ هبةً، فعوَّض الموهوب له الواهب عوضًا على غير شرطٍ، فقبضه، ثم استُحِقّ العوض، فله أن يرجع في الهبة إن كانت قائمةً في ملك الموهوب له، لم يزد خيرًا، أو لم يحدث فيها ما يمنع الرجوع؛ وذلك لأن العوض إذا استُحِقّ صار كأنه لم يكن، فكأنها هبة لم يُعوّض عنها.
قال: وإن كانت الهبة قد هلكت واستهلكها الموهوب له، لم يضمنها في
стр. 4342
قولهم؛ وذلك لأن العوض لما استُحِقّ، صار كالهبة بغير عوض، إذا أهلكه لم يضمنها الموهوب له.
قال: وإن استُحِقّت الهبة المعوَّض عنها، رجع الموهوب له في العوض؛ وذلك لأن المعوِّض إنما عوَّض ليسقط حقّ الرجوع، فإذا استُحِقّت الهبة، تبيّنا (١) أن الرجوع لم يكن ثابتًا، فصار كمن صالح عن دينٍ ثم تبيّن أن لا دين عليه.
قال: وكذلك إن استُحِّقّ نصف الهبة، وهي مما لا يقسم، رجع في نصف العوضِ؛ [وذلك] لأن المعوِّض إنما جعله عوضًا عن الرجوع في جميع الهبة، فإذا استُحقّ بعضها وجب أن يرجع فيها بإزائه من العوض حين لم يسلم له العوض.
قال: فإن كان العوض مستهلكًا ضَمِن قابضُ العوض بقدر ما وجب الرجوع للموهوب له فيه من العوض، وإن استحقت الهبة كلها ضمّنه قيمة العوض، وهذه رواية الأصل عن محمد، ورواه عنه في الإملاء من غير خلاف ذكره في الموضعين، وهي إحدى روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
وروى بشر في إملائه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يضمن العوض إذا استحقت الهبة والعوض مستهلك، وهو قول أبي يوسف رواه عنه ابن سماعه وبشر.
وجه الرواية الأولى: أن المقبوض على وجه العوض إذا استُحِقّ المعوّض، كان مضمونًا كالعوض المشروط؛ ولأنه بدل في مقابلة ما لم يسلم له، فكما يرجع
стр. 4343
[به] لو كان باقيًا، يرجع بقيمته إذا هلك.
وجه الرواية الأخرى: أن العوض المبتدأ في جملة الهبة؛ ولهذا شرط فيه شرائط الهبة، والهبة إذا هلكت لم تكن مضمونةً، فكذلك العوض عنها.
قال: فإن استُحِقّ بعض العوض وبقي بعضٌ، فما بقي منه شيءُ فهو عوضٌ عن الهبة كلها، فإن شاء ردّ ما بقي في يده من العوض ورجع بالهبة كلها إن كانت قائمةً لم تخرج عن ملك الواهب ولم تزد في بدنها؛ وذلك لأن بعض العوض إذا استحق، فما بقي يجوز أن يكون عوضًا لإسقاط الرجوع، فكأنه لم يعوض إلا به، إلا أن للواهب أن يرده، ويرجع؛ لأنَّه قد غرّه حين عوضه لإسقاط الرجوع بشيء لم يسلم له، فيثبت له الخيار.
وقال زفر: يرجع في الهبة بقدر ما استحق.
[وجه قول زفر: أن العقد يلحق بالعقد، فصار كالمشروط فيه].
وقال محمد في الإملاء -: رواه سعيد الموصلي -: فإن كان الذي استحق نصف الهبة، ولم يُستحقّ من العوض شيءٌ قليلٌ ولا كثيرٌ، فإن للموهوب له أن يرجع في نصف العوض، ليس له غير ذلك، إن زاد العوض أو نقص في السعر، أو زاد في بدنٍ، أو نقص في بدنٍ، كان له أن يأخذ نصفه ونصف النقصان.
فإن كان قد هلك في يد الواهب، كان له أن يضمنه نصف قيمته، وهذا على ما قدمنا: أن استحقاق الهبة يوجب استحقاق العوض، واستحقاق بعضها يوجب الرجوع في العوض بقدره، وإنما يثبت له الرجوع في العوض وإن زاد؛ لأنَّه قبضه بغير حقٍّ، (فصار كالمقبوض بعقدٍ فاسدٍ) (١)، فيثبت الفسخ في الزوائد.
стр. 4344
فإن قال: أردّ ما بقي من الهبة وأرجع في العوض كلّه، لم يكن له ذلك؛ لأن العوض كان على غير شرط؛ وذلك لأن العوض الملحق ليس بعوضٍ عن العين، وإنما هو لإسقاط الرجوع، وقد حصل له سقوط الرجوع فيما بقي من الهبة، فلم يكن له أن يرجع في العوض.
[قال] ولو لم يُستحقّ من الهبة شيءٌ، ولا من العوض، ولكن الموهوب له وجد بالهبة عيبًا فاحشًا، أو غير فاحش فقال [له]: أرد الهبة وأرجع في العوض، لم يكن له ذلك.
وكذلك لو كان الذي وجد العيبَ الواهبُ وحده في العوض، فقال: أردّه وأرجع في هبتي، لم يكن له ذلك؛ [وذلك] لأن الرجوع بالعيب يثبت في المعاوضات، والعوض الملحق ليس بعوض عن [العين]، وإنما هو في حكم هبة، والموهوب لا يُردّ بالعيب.
قال: وهذا إذا كان الاستحقاق في الهبة أو العوض وهما مما لا يُقسمان، فإن كانا يقسمان فاستحق بعض أحدهما، بطل العوض إن كان هو المستحق منه، وكذلك تبطل الهبة إن كانت هي المستحقة، فإذا بطل العوض رجع في الهبة، وإذا بطلت الهبة، رجع في العوض؛ وذلك لأنَّه بالاستحقاق تبيّن أن الهبة أو العوض وقع في مشاعٍ يحتمل القسمة، وذلك باطل.
قال: وإذا كانت الهبة على شرط عوض، فقال وهبت لك هذا العبد على أن تعوضني هذا الثوب، جاز ذلك، ولكل واحد منهما أن يرجع في سلعته ما لم يقع القبض في واحد منهما للسلعتين جميعًا (١).
стр. 4345
فإن قبض أحدهما ولم يقبض الآخر فكذلك، ولكل واحدٍ منهما [أن يرجع]، القابض منهما وغير القابض في ذلك سواء حتى يتقابضا جميعًا، (فإذا تقابضا جميعًا) (١)، كان ذلك بمنزلة البيع، يرد كل واحدٍ منهما بالعيب، ويرجع الاستحقاق، وتجب الشفعة.
وهذا هو القسم الثاني من القسمين الأولين: وهو العوض المشروط في العقد، فعندنا: أن عقده عقد هبةٍ، وجوازه جواز بيعٍ.
وقال زفر: عقده عقد بيعٍ، وجوازه جواز بيعٍ.
فلا يثبت الاستحقاق (عندنا حتى يتقابضا العوضين جميعًا، وقال زفر: يثبت الاستحقاق) (٢) بالعقد.
لنا: أنهما عبرا عنهما بالهبة، وأثبتا أحكام البيع في المعاوضة، فوجب أن يعطى العقد شبه العقدين، فيعتبر (٣) فيه التقابض ونفي الإشاعة كالهبات، وتثبت فيه الشفعة والردّ بالعيب كالبياعات؛ ولأنه عقدٌ انفرد باسمٍ، فلا بدّ من أن ينفرد بمعنى، ولا معنى ينفرد به إلا أن يكون له حكمٌ قبل التقابض، وحكمٌ بعده (٤).
وجه قول زفر: أن هذا نقل ملكٍ بعوضٍ كالبيع، واختلاف العبارة لا يوجب اختلاف الحكم، كقوله: ملكت وأعطيت.
قال: وإذا وهب الرجل شيئًا، وقبضه الموهوب له، ثم إن الموهوب له أيضًا