الأولى إليه؛ لأّن الإنسان قد يبدو له في الشيء بعد فعله، فصار ما وهبه بأحد العقدين كعينٍ أخرى.
وليس كذلك إذا عوضه بعض الهبة؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون غرضه (١) بهبته أن يسلّم له بعضها عوضًا عن بعضها [على ما قدّمنا، ولأنّ ما ملك بالعقد الواحد لو صار بعضه عوضًا، لكان الشيء عوضًا عن نفسه]، وما ملك بالعقدين إذا صار عوضًا لا يؤدي إلى كون الشيء عوضًا عن نفسه، فلذلك جاز.
لأبي يوسف: أن الرجوع في الهبة مستحق، فإذا عوض بها عن هبة أخرى، وقعت عن مستَحَقَّها، فلم يقع موقع العوض، وليس كذلك إذا تغيّرت؛ لأن الرجوع فيها سقط، فجاز أن يقع موقع العوض.
قال: ولو كانت هبةً وصدقةً، فعوضه الصدقة من الهبة، كانت عوضًا، وهذا صحيحٌ، أما على أصل أبي حنيفة ومحمد؛ فلأنهما مُلِكا بعقدين، وأما على أصل أبي يوسف؛ فلأن الصدقة لا يثبت فيها الرجوع، فوقعت موقع العوض.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا وهب رجلٌ لرجلٍ هبةً، فعوَّض الموهوب له الواهب عوضًا على غير شرطٍ، فقبضه، ثم استُحِقّ العوض، فله أن يرجع في الهبة إن كانت قائمةً في ملك الموهوب له، لم يزد خيرًا، أو لم يحدث فيها ما يمنع الرجوع؛ وذلك لأن العوض إذا استُحِقّ صار كأنه لم يكن، فكأنها هبة لم يُعوّض عنها.
قال: وإن كانت الهبة قد هلكت واستهلكها الموهوب له، لم يضمنها في
стр. 4342
قولهم؛ وذلك لأن العوض لما استُحِقّ، صار كالهبة بغير عوض، إذا أهلكه لم يضمنها الموهوب له.
قال: وإن استُحِقّت الهبة المعوَّض عنها، رجع الموهوب له في العوض؛ وذلك لأن المعوِّض إنما عوَّض ليسقط حقّ الرجوع، فإذا استُحِقّت الهبة، تبيّنا (١) أن الرجوع لم يكن ثابتًا، فصار كمن صالح عن دينٍ ثم تبيّن أن لا دين عليه.
قال: وكذلك إن استُحِّقّ نصف الهبة، وهي مما لا يقسم، رجع في نصف العوضِ؛ [وذلك] لأن المعوِّض إنما جعله عوضًا عن الرجوع في جميع الهبة، فإذا استُحقّ بعضها وجب أن يرجع فيها بإزائه من العوض حين لم يسلم له العوض.
قال: فإن كان العوض مستهلكًا ضَمِن قابضُ العوض بقدر ما وجب الرجوع للموهوب له فيه من العوض، وإن استحقت الهبة كلها ضمّنه قيمة العوض، وهذه رواية الأصل عن محمد، ورواه عنه في الإملاء من غير خلاف ذكره في الموضعين، وهي إحدى روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
وروى بشر في إملائه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يضمن العوض إذا استحقت الهبة والعوض مستهلك، وهو قول أبي يوسف رواه عنه ابن سماعه وبشر.
وجه الرواية الأولى: أن المقبوض على وجه العوض إذا استُحِقّ المعوّض، كان مضمونًا كالعوض المشروط؛ ولأنه بدل في مقابلة ما لم يسلم له، فكما يرجع
стр. 4343
[به] لو كان باقيًا، يرجع بقيمته إذا هلك.
وجه الرواية الأخرى: أن العوض المبتدأ في جملة الهبة؛ ولهذا شرط فيه شرائط الهبة، والهبة إذا هلكت لم تكن مضمونةً، فكذلك العوض عنها.
قال: فإن استُحِقّ بعض العوض وبقي بعضٌ، فما بقي منه شيءُ فهو عوضٌ عن الهبة كلها، فإن شاء ردّ ما بقي في يده من العوض ورجع بالهبة كلها إن كانت قائمةً لم تخرج عن ملك الواهب ولم تزد في بدنها؛ وذلك لأن بعض العوض إذا استحق، فما بقي يجوز أن يكون عوضًا لإسقاط الرجوع، فكأنه لم يعوض إلا به، إلا أن للواهب أن يرده، ويرجع؛ لأنَّه قد غرّه حين عوضه لإسقاط الرجوع بشيء لم يسلم له، فيثبت له الخيار.
وقال زفر: يرجع في الهبة بقدر ما استحق.
[وجه قول زفر: أن العقد يلحق بالعقد، فصار كالمشروط فيه].
وقال محمد في الإملاء -: رواه سعيد الموصلي -: فإن كان الذي استحق نصف الهبة، ولم يُستحقّ من العوض شيءٌ قليلٌ ولا كثيرٌ، فإن للموهوب له أن يرجع في نصف العوض، ليس له غير ذلك، إن زاد العوض أو نقص في السعر، أو زاد في بدنٍ، أو نقص في بدنٍ، كان له أن يأخذ نصفه ونصف النقصان.
فإن كان قد هلك في يد الواهب، كان له أن يضمنه نصف قيمته، وهذا على ما قدمنا: أن استحقاق الهبة يوجب استحقاق العوض، واستحقاق بعضها يوجب الرجوع في العوض بقدره، وإنما يثبت له الرجوع في العوض وإن زاد؛ لأنَّه قبضه بغير حقٍّ، (فصار كالمقبوض بعقدٍ فاسدٍ) (١)، فيثبت الفسخ في الزوائد.
стр. 4344
فإن قال: أردّ ما بقي من الهبة وأرجع في العوض كلّه، لم يكن له ذلك؛ لأن العوض كان على غير شرط؛ وذلك لأن العوض الملحق ليس بعوضٍ عن العين، وإنما هو لإسقاط الرجوع، وقد حصل له سقوط الرجوع فيما بقي من الهبة، فلم يكن له أن يرجع في العوض.
[قال] ولو لم يُستحقّ من الهبة شيءٌ، ولا من العوض، ولكن الموهوب له وجد بالهبة عيبًا فاحشًا، أو غير فاحش فقال [له]: أرد الهبة وأرجع في العوض، لم يكن له ذلك.
وكذلك لو كان الذي وجد العيبَ الواهبُ وحده في العوض، فقال: أردّه وأرجع في هبتي، لم يكن له ذلك؛ [وذلك] لأن الرجوع بالعيب يثبت في المعاوضات، والعوض الملحق ليس بعوض عن [العين]، وإنما هو في حكم هبة، والموهوب لا يُردّ بالعيب.
قال: وهذا إذا كان الاستحقاق في الهبة أو العوض وهما مما لا يُقسمان، فإن كانا يقسمان فاستحق بعض أحدهما، بطل العوض إن كان هو المستحق منه، وكذلك تبطل الهبة إن كانت هي المستحقة، فإذا بطل العوض رجع في الهبة، وإذا بطلت الهبة، رجع في العوض؛ وذلك لأنَّه بالاستحقاق تبيّن أن الهبة أو العوض وقع في مشاعٍ يحتمل القسمة، وذلك باطل.
قال: وإذا كانت الهبة على شرط عوض، فقال وهبت لك هذا العبد على أن تعوضني هذا الثوب، جاز ذلك، ولكل واحد منهما أن يرجع في سلعته ما لم يقع القبض في واحد منهما للسلعتين جميعًا (١).
стр. 4345
فإن قبض أحدهما ولم يقبض الآخر فكذلك، ولكل واحدٍ منهما [أن يرجع]، القابض منهما وغير القابض في ذلك سواء حتى يتقابضا جميعًا، (فإذا تقابضا جميعًا) (١)، كان ذلك بمنزلة البيع، يرد كل واحدٍ منهما بالعيب، ويرجع الاستحقاق، وتجب الشفعة.
وهذا هو القسم الثاني من القسمين الأولين: وهو العوض المشروط في العقد، فعندنا: أن عقده عقد هبةٍ، وجوازه جواز بيعٍ.
وقال زفر: عقده عقد بيعٍ، وجوازه جواز بيعٍ.
فلا يثبت الاستحقاق (عندنا حتى يتقابضا العوضين جميعًا، وقال زفر: يثبت الاستحقاق) (٢) بالعقد.
لنا: أنهما عبرا عنهما بالهبة، وأثبتا أحكام البيع في المعاوضة، فوجب أن يعطى العقد شبه العقدين، فيعتبر (٣) فيه التقابض ونفي الإشاعة كالهبات، وتثبت فيه الشفعة والردّ بالعيب كالبياعات؛ ولأنه عقدٌ انفرد باسمٍ، فلا بدّ من أن ينفرد بمعنى، ولا معنى ينفرد به إلا أن يكون له حكمٌ قبل التقابض، وحكمٌ بعده (٤).
وجه قول زفر: أن هذا نقل ملكٍ بعوضٍ كالبيع، واختلاف العبارة لا يوجب اختلاف الحكم، كقوله: ملكت وأعطيت.
قال: وإذا وهب الرجل شيئًا، وقبضه الموهوب له، ثم إن الموهوب له أيضًا
стр. 4346
وهب شيئًا للواهب ولم يقل: هذا عوضٌ من هبتك، فإنه لا يكون عوضًا، ولكلّ واحدٍ منهما أن يرجع فيما دفع؛ لأن العوض إنما يكون عوضًا إذا جُعِل في مقابلة الهبة.
فأما إذا عقد كلّ واحدٍ منهما عقدًا مبتدأً ولم يعلّق الثاني بالأول، انفرد بنفسه، ولم يتعلّق بحكم الأول، والهبة المبتدأة يثبت فيها الرجوع (١).
стр. 4347
بَابُ الرجوعِ في الهبةِ
قال: وإذا وهب الرجل لرجلٍ أجنبيٍّ هبةً، وقبضها الموهوب له، فله أن يرجع فيها في الحكم إن كانت الهبة قائمة في ملك الموهوب [له]، لم تزد في نفسها، ولم يحدث الموهوب له فيها شيئًا يكون صفةً لها يزيد به قيمتها، فللواهب أن يرجع في الهبة، ويكره له ذلك في [الدين] (١)(٢).
والأصل في ذلك: أن الهبة مقتضاها الرجوع [عندنا]، وقال الشافعي: لا يثبت الرجوع إلا فيما وهبه الوالد لولده (٣).
لنا: قوله ﷺ : "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها" (٤)، وقد بيّنا ذلك، والأسباب المانعة من الرجوع: الرحم الكامل، وقد قدمناه، والزيادة المتصلة؛ وذلك لأن العقد لم يقع عليها، فلا يقع عليها الفسخ، فإذا تعذر الفسخ فيها، تعذر في الأصل، وخروجها من ملك الموهوب له؛ وذلك لأن اختلاف الملكين كاختلاف العين، فكما لا يجوز أن يرجع في غير العين الموهوبة، كذلك لا يرجع في غير الملك الذي أوجبه.
ومن هذا القبيل، إذا مات الموهوب له؛ لأن الملك انتقل إلى ورثته، فكأنه
стр. 4348
انتقل في حال حياته.
وكذلك موت الواهب؛ لأن الوارث لم يوجب الملك للموهوب له، فلم يجز له الرجوع في ملك لم يوجبه (١).
والعوض يسقط الرجوع، وهو على ضربين: عوضٌ مشروطٌ، وعوضٌ ملحقٌ، وقد قدمنا ذلك.
وإنما قلنا: إن الرجوع يكره؛ لقوله؛ ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود فيه" (٢)، والكلب لا يُوصف فعله بالتحريم والإباحة، ويوصف بالكراهة والاستقباح.
وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال: في رجل وهب عبدًا لرجل وقبضه منه، والموهوب له أجنبي، ولم يعوضه عوضًا، ولم يزد العبد خيرًا، فإن للواهب أن يرجع في هبته، وأكره له ذلك، وأقضي بها له، وهذا على ما قدمنا.
قال: وإن منعها الموهوب له، فذلك له حتى يقضي له القاضي، فإذا قضى القاضي بالنقض للواهب والرجوع، فالعبد في ملك الواهب، وإن [لم] يقبضه من الموهوب له، ولا ضمان على الموهوب له فيه، إلا أن يحدث فيه شيئًا بعد القضاء، فيضمن (٣).
وجملة هذا، أن الرجوع في الهبة لا يثبت به الفسخ إلا أن يكون بتراضيهما،
стр. 4349
أو بحكم حاكمٍ؛ لأن الفسخ يقع بعد تمام العقد لمعنى قارن العقد، فصار كالفسخ بالعيب، فإن تراضيا بالفسخ، جاز (١)؛ لأن الحق لهما وقد اتفقا عليه.
وإن حكم الحاكم، فقد فسخ في موضع جعل له الفسخ، فيزول الملك بفسخه، كما لو حكم بالرد، لأجل العيب، فإذا انفسخ العقد عادت العين إلى ملك الواهب، كما كانت قبل الهبة، والقبض لا يعتبر في انتقال الملك، كما لا يعتبر في البيع، وإنما لم يجب على الموهوب له ضمانٌ بعد الفسخ؛ لأن قبض الهبة لا يتعلّق به ضمان، فإذا انفسخ عقدها بقي القبض على ما اقتضاه العقد غير موجب للضمان، فلا يضمن إلا بما تُضمَن به الأمانات من التعدي.
قال: ولو كان العبد نقص، أو زاد، أو جني عليه فيما دون النفس بالحال، فيما بين الواهب والموهوب له سواء، فليس للواهب أن يرجع في الأرش، ولا أن يضمّن الموهوب له شيئًا من النقصان؛ [وذلك لأن نقصان العين لا يمنع من الرجوع] (٢)؛ لأن الواهب لو رجع في بعضها مع بقاء العين بكمالها، جاز، فإذا نقصت، فالرجوع يقع في البعض، وذلك جائز.
فأما الأرش، فالزيادة لم يقع عليها العقد، فلا يجوز أن يقع عليها الفسخ، ولا يضمن الموهوب له النقص؛ لما ذكرنا أن القبض لا يتعلّق به الضمان، والقبض إذا لم يتعلّق به الضمان، لم يضمن به الآخر.
قال: ولو لم يترادًا الهبة، ولم يحكم القاضي بها حتى وهبها الموهوب له للواهب، وقبلها الواهب الأول، فإن ذلك لا يجوز حتى يقبض الواهب الأول
стр. 4350
العبد، فإذا قبضه، فهو بمنزلة الردّ، وبمنزلة حكم الحاكم، وليس للواهب أن يرجع في الهبة، وكذلك النُّحْلى والعَطِيَّةَ والعُمْرَى (١) والصدقة؛ وذلك لأن العين على ملك الموهوب له، فإذا وهبها فلم يأت بلفظ الفسخ، وإنما قصد التمليك، فلا يزول ملكه إلا بالقبض.
وليس كذلك إذا اتفقا على الرجوع؛ لأنهما إنما فسخا العقد ولم يبتدئا بالتمليك، والفسخ لا يفتقر إلى شروط العقد، فإذا تقابضا الهبة الثانية، قامت مقام الرجوع؛ لأن الرجوع مستحقٌ (٢)، فتقع الهبة عن الرجوع المستحق، ولا تقع موقع الهبة المبتدأة؛ فلذلك لا يصح الرجوع فيها.
وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يرجع في نصف الهبة مشاعًا وإن كان مما يقسم، ولو وهب له دارًا فباع الموهوب له نصفها مشاعًا، كان للواهب أن يرجع في الباقي، وليس الرجوع كالهبة المستقبلة في هذا الوجه، وكذلك لو لم يبع نصفها وهي قائمة في يد الموهوب له، فله أن يرجع في بعضها دون بعض.
وقد قال أصحابنا: إن الرجوع في الهبة بغير قضاء فسخٌ، كالرجوع بالقضاء.
وقال زفر: الرجوع في الهبة بغير قضاءٍ هبةٌ مبتدأةٌ.
والذي يدلّ من مذهبهم على أنه فسخٌ: أنه يجوز في المشاع الذي يحتمل
стр. 4351
القسمة، ولو كانت هبةً مبتدأةً، لم تصح معه الإشاعة.
وقالوا: إنه لا يقف على القبض، ولو كانت هبةٌ مبتدأةً لوقفت على القبض.
وقالوا: فيمن وهب عبدًا لرجل (١)، فوهبه الموهوب له لآخر، ثم رجع فيه، فللأول أن يرجع في هبته، ولو كان ذلك هبةً مبتدأةً، لم يجز الرجوع؛ والدليل عليه: أن الفسخ يتناول عوضًا واحدًا، فكان فسخًا وإن لم يحكم به الحاكم، أصله: إذا تناقضا البيع الفاسد.
وجه قول زفر: أن الملك انتقل بتراضيهما، فصار في حكم عقدٍ مبتدأٍ.
وقد ذكر محمد في كتاب الهبة في الموهوب له: إذا ردّ الهبة في مرضه، أنها تكون من الثلث (٢)، فمن أصحابنا من قال: بأن هذا يدلّ على أن الرجوع بغير قضاء، هبةٌ مبتدأةٌ، وجعل المسألة على روايتين.
وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنهم إنما جعلوه من الثلث؛ لأنَّه متهمٌ في الردّ في حقّ الورثة، فصار ذلك فسخًا فيما بين الواهب والموهوب، وهبةً مبتدأةً في حق الورثة، وليس يمتنع أن يكون للعقد حكمان مختلفان، كالإقالة التي هي فسخٌ في حق حقّ المتعاقدين، وبيعٌ في حقّ غيرهما.
وإذا ثبت أن الرجوع فسخُ وليس بهبةٍ، جاز في المشاع؛ لأنَّه يجوز أن يرجع في الكل، فجاز أن يرجع في البعض؛ لأنَّه يستوفي بعض حقه ويسقط بعضه.
قال: وإذا زادت الهبة في يد الموهوب له في نفسها خيرًا، [كأن] كانت
стр. 4352
جارية مهزولة فسمنت وحبلت، أو دارًا فبنى الموهوب له فيها بناءً، أو غرس فيها نخلًا، أو شجرًا، أو كانت أرضًا ففعل ذلك فيها، ونصب فيها دولابًا، أو غير ذلك مما يستقى به، وهو مثبتٌ في الأرض مبنيٌّ فيها، حتى يكون صفةً للأرض يدخل في البيع إذا وقع عليها، لم يكن للواهب أن يرجع قليلًا كان ذلك أو كثيرًا، بعد أن يكون زائدًا في الأرض.
وكذلك إن كان ثوبًا فصبغه بعُصْفُرٍ أو زَعفران، أو قطعه قميصًا وخاطه، أو جُبَّة وحشاها، أو قَبَاءً، لم يكن للواهب أن يرجع فيها؛ وذلك لما قدمنا: أن الزيادة المتصلة لا يجوز الرجوع فيها؛ لأن العقد لم يقع عليها، ولا يمكن الرجوع في الأصل [دونها]، فتعذّر الرجوع.
قال: فإن صبغ الثوب صبغًا لا يزيد فيه أو ينقصه، فله أن يرجع، ذكر ذلك الحسن في [نسق] (١) روايته؛ لأن المانع من الرجوع هو الزيادة، فإذا كان الصبغ لا يزيد في القيمة، فوجوده وعدمه سواءٌ.
قال: وإن كانت الزيادة من سعر، فله أن يرجع في قولهم؛ لأن زيادة السعر لا يتعلّق بها حكم في الأصول، ألا ترى أنها لا تغير ضمان الرهن ولا الغصب، ولا تمنع الردّ بالعيب؛ لأنها لا تعود إلى العين، وإنما هي رغبة يُحدثها الله تعالى في القلوب، فلا تمنع الرجوع.
قال: وإذا وهب حيوانًا، فولد في يد الموهوب له، فللواهب أن يرجع في الأمهات دون الأولاد؛ وذلك لأن الولد لم يقع عليه العقد، فلا يجوز أن يقع عليه الفسخ.
стр. 4353
وأما الأم؛ فلأن الولد غير موجب بالعقد عليها، بدلالة أن المغرور في الهبة لا يرجع بقيمة الولد على الغار، وإذا لم يكن موجبًا، جاز الفسخ في الأم دونه.
وليس كذلك المبيعة إذا ولدت؛ لأن الولد موجب بالعقد، بدلالة أن المغرور يرجع بقيمته على الغار، فلم يجز أن يسلم موجب العقد للمشتري مع فسخ العقد؛ ولأن البيع عقد معاوضة، فلو فسخناه دون الولد، لسلم الولد للمشتري [مع فسخ العقد] بغير عوضٍ، والهبة عقدٌ بغير عوضٍ، فيجوز أن يسلم الولد فيها بغير شيء (١).
стр. 4354
بَاب الهبة على شرط
قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: إذا وهب الرجل للرجل هبةً وشرط فيها شرطًا فاسدًا، فالهبة جائزة، والشرط باطل.
قال بشر عن أبي يوسف: في رجل وهب لرجل أمةً وقبضها، واشترط عليه أن لا يبيعها، فإن أبا حنيفة قال: الهبة جائزة، والشرط باطل، وكذلك قال أبو يوسف: لا تشبه الهبة البيع.
ولو شرط فيها أن يتخذها أم ولد، أو أن يبيعها من فلان، أو يردّها عليه بعد شهر، كانت الهبة جائزةً، وهذه الشروط باطلة.
والأصل في هذا: أن كل عقد من شرطه القبض، فإن الشرط لا يفسده، [وهذا] كالهبة والرهن، وقد دلّ على الهبة ما روي: (أن النبي ﷺ أَجاز العُمْرَى وأبطل الشرط (١)).
وقد دلّ على الرَّهْن قوله ﷺ : "لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه وعليه غرمه" (٢).
وقد كانت الجاهلية ترهن على أن الراهن إذا أخر القضاء عن وقتٍ معلومٍ، فالرهن للمرتهن، فأبطل النبي ﷺ هذا الشرط، ولم يبطل [به] الرهن.
стр. 4355
فإن قيل: الصرفُ من شرطه القبض، والشروط تبطله.
قيل له: بأن القبض ليس بشرط في صحة الصرف، وإنما يمنع التقابض من فسخه بعد صحته.
وإذا ثبت أن الهبة لا تؤثر فيها الشروط، وهذه الشروط كلها لا يقتضيها العقد، فوجودها وعدمها سواء.
قال: وكذلك لو وهب له جارية، (واستثنى الواهب لنفسه ما في بطنها، فإن الهبة جائزةٌ في الجارية وفي ولدها، وكذلك لو وهب [له] جارية) (١) وفي بطنها ولدٌ حرّ، وقد بيّنا هاتين المسألتين فيما تقدم (٢).
стр. 4356
بَاب العُمْرَى
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل: قد جعلت هذه الدار لك عُمْرى (١)، أو قال: قد جعلتها لك عمرك، أو قال: هي لك حياتك فإذا متَّ فهي ردٌّ علي، أو قال: هي لك عمرك فإذا متَّ فهي ردٌّ علي، فهذا كله هبةٌ، وهي له حياته وموته، والشرط الذي شرطه باطلٌ.
قال أبو الحسن: هي عندهم جميعًا كذلك، يجوز فيها ما يجوز في الهبة، ويبطل منها ما يبطل في الهبة، وقبضها فيما يجوز وفيما لا يجوز كقبض الهبة.
وكذلك الرجوع فيها كالرجوع في الهبة، وكذلك حكم العوض فيها كحكم العوض في الهبة، ما يجوز فيه وما لا يجوز.
والأصل في ذلك: ما روى أبو الزبير عن النبي ﷺ أنه قال: "أمسكوا عليكم أموالكم، لا تعمروها، فإن من أعمر شيئًا فإنه لمن أعمره" (٢).
وروى الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالعُمْرَى له ولعَقِبه من بعده، ليس للمُعْطِي فيها شيءٌ.
وروي سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله
стр. 4357
ﷺ : "من أعمر عُمرى حياته، فهي له ولعقبه من بعده، يرثها من يرثه من بعده" (١).
وإذا ثبت أن الشرط باطلٌ، بقيت العمرى مجردةً، وهي في معنى الهبة، فتصحّ بما تصحّ به الهبة، وتبطل بما تبطل به (٢).
стр. 4358
بَاب الرُّقْبَى والحبيس
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل للرجل: هذه الدار لك رقبى (١)، ودفعها إليه، أو قال: هذه الدار لك حبيسة (٢)، ودفعها إليه، فهي عارية في يده إذا شاء [أن يأخذها] أخذها.
قال محمد: وهذا قولنا أيضًا.
قال: ومعنى الرقبي: هي الحبيسة.
وقال أبو يوسف: هذه هبة، وقوله رقبى باطلٌ.
وجه قولهما: ما روى الشعبي، عن شريح عن النبي ﷺ : "أنه أجاز العُمْرى رد الرُّقْبى" (٣)، ولأن الملك في الرقبى متعلّق بخطر؛ لأنَّه يقول: إن مت قبلك فهي لك، وإن متَّ قبلي فهي لي، وتعليق الملك بالخطر في حال الحياة لا يصحّ.
стр. 4359
وليس كذلك العُمرى؛ لأن الملك في الحال، وإنما علق الفسخ بخطر، ألا ترى أنه لو قال: وهبتها لك عمرك، والفسخ يجوز فيه ما لا يجوز في ابتداء الملك.
لأبي يوسف: ما روى أبو الزبير عن جابر: (أن النبي ﷺ أجاز العمرى والرقبى (١)).
وهذا لا دلالة فيه؛ لأن الرقبي تجوز إذا كانت بمعنى الإرقاب، وهو هبة الرقبة، وإنما لا تجوز إذا كانت بمعنى الترقّب، فيحتمل أن يكون الخبر محمولًا على الأول.
وقال في الأصل: في رجل حضره الموت، فقال: داري هذه حبيسة على عقبي من بعدي، قال: لا يكون حبيسًا وهي ميراثٌ (٢)؛ وذلك لما روى شريح أنه قال: جاء محمد ببيع الحبس؛ وقال ابن عباس [لما نزلت آية المواريث قال النبي ﷺ ]: "لا حبس عن فرائض الله تعالى" (٣)؛ ولأنه لم يجعل آخرها للفقراء، فلا يصح وقفها.
وإذا لم يكن وقفًا، فقد منع ورثته من التصرف فيها، وهذا لا يصح.
ولو قال داري حبيسة على أطولكما حياة، كان ذلك باطلًا؛ لأن الملك هاهنا معلق بخطر، ألا ألا ترى أنه لا يعلم أطولهما حياة في الحال.
стр. 4360
ولو قال لرجل: داري حبيسة لك، فإن هذا باطل، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: أما أنا فأرى أنه إذا قال: هي لك حبيسة، فهي له إذا قبض، وقوله حبيسٌ باطل، وكذلك إذا قال: هي لك رقبي.
وجه قولهما: أنه إذا قال: هي لك حبيس، أو حبيس لك، فقد فسّر المعنى الذي أراده بقوله: هي لك، فوجب أن يحمل [على] التفسير، وقد بيّنا أن التحبيس لا يجوز.
وجه قول أبي يوسف: أن قوله: هي لك، تمليك، وقوله: حبيس، مشاورة بما يعمل بها، فلا يتعلّق به حكم.
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لرجل: هذه الدار لك رقبى، أو قال: هذه الدار لك حبيسٌ، ودفعها إليه، فهي عاريةٌ في يديه، قال محمد: وهذا قولنا (١).
قال أبو يوسف في هذين الوجهين هي هبةٌ.
وجه قولهما: أنه فسر قوله: هي لك بالرقبى والحبيس، فكأنه ابتدأ بـ[ذِكر] ذلك ليمنع التمليك، وإذا امتنع التمليك بقيت في يده على ملك الدافع، وقد أذن له في الانتفاع، وهذا معنى العارية.
لأبي يوسف: أن قوله: لك، يقتضي التمليك، ثم نفى مقتضى (٢) التمليك، فلا يصحّ. [١/ ٣٧٨] (٣).
стр. 4361
بَاب المِنْحَة (١)
قال ابن سماعة (٢) عن أبي يوسف في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في رجلٍ منحَ رجلًا بعيرًا، أو شاةً، أو ثوبًا، أو دراهم، أو طعامًا، أو ما أشبه ذلك قال: كلّ شيءٍ منحه مما ينتفع به للسكنى أو اللبس، مثل الدار والثوب، ولبن الشاة، وظهر البعير، وغلة العبد، ما أشبه ذلك، فإنه عاريةٌ، وعليه ردّ ذلك.
فإن منحه طعامًا أو دراهم أو دنانير (٣)، فهو هبةٌ، وكذلك ما أشبهه مما لا منفعة فيه إلا أكله أو إنفاقه؛ وذلك لأن المنحة عبارةٌ عن بذل المنافع، بدلالة قوله ﷺ : "المنحة مردودةٌ، والعارية مؤدّاةٌ" (٤)، فدلّ على أن المنحة لا تفيد أكثر من تمليك المنافع.
وإذا كانت في حكم العارية، فإذا أضافها إلى ما له منافع، تعلّقت بمنافعه، وإن أضافها إلى ما لا ينتفع به إلا باستهلاكه، كانت قرضًا، كعارية الأعيان التي لها منافع، لا يكون تمليكًا [لأعيانها، وعارية الدراهم والدنانير والحنطة تكون تمليكًا]؛ لأنَّه لا ينتفع بها إلا باستهلاكها.
стр. 4362
قال: وإن منحه جديًا، أو عَنَاقًا، فهو عاريةٌ؛ لأن هذا قد يبلغ أن ينتفع به، فيكون فحلًا، وتكون هذه حلوبًا، وهذا صحيحٌ؛ لأن العارية قد تتناول العين لمنفعةٍ مترقبةٍ (١) وإن لم يكن في الحال.
وكذلك الشُّقَّة الهروية (٢) عاريةٌ؛ لأن الانتفاع بها يمكن مع بقاء عينها.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: هذه الدار منحةٌ، ودفعها إليه، فهي عارية؛ لأنَّه بيّن التمليك وخصّه بالمنفعة، فوجب أن يحمل على التفسير.
وكذلك إن قال: هذه الأرض لك منحة، فإنما منحه زراعتها، وكذلك كلّ شيء يحتاج فيه إلى منفعة، مثل السكنى والزراعة والخدمة وأشباه ذلك، فهذه عاريةٌ؛ لأن هذه الأعيان ينتفع بها مع بقاء أعيانها، فاختصت المنحة بمنافعها.
قال: ولو قال لأرض بيضاء: هذه الأرض [لك] طعمة، فهذا على الزراعة، وهي في يده عاريةٌ، يأخذها صاحبها منه إذا شاء ما لم يزرعها، فإذا زرعها، فإن أراد صاحبها أن يأخذها منه، فإن في هذا ضررًا عليه، فيخير الزارع: فإن شاء دفعها إلى صاحبها وأخذ زرعه، وإن شاء كانت في يده بأجر مثلها إلى أن يستحصد زرعه، وهذا قول أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن الطعمة إذا أضيفت إلى ما يمكن أكله، كانت تمليكًا، مثل أن يقول: أطعمتك هذا الطعام، وإذا أضيفت إلى الأرض كانت عاريةً؛ لأن الأرض لا تطعم، فمعناه أطعمتك ما يكون منها، وذلك يكون بالزراعة (٣).
стр. 4363
وإذا ثبت أنها عاريةٌ، فله الرجوع فيها متى شاء.
فإن كانت لا زرع فيها، أخذها صاحبها؛ لأن العقد انفسخ بالرجوع، وإن كان فيها زرعٌ، فالقياس: أن يقلع؛ لأن العارية انفسخت، وصار المستعير شاغلًا ملك غيره بزرعه، فيؤمر بقلعه كالغاصب.
وإنما استحسنوا فقالوا: إنه يترك إلى وقت الحصاد بأجر المثل؛ لأن ابتداء الزرع كان بحقِّ، ويمكن إيفاء كلّ واحدٍ من الحقين من غير ضررٍ، فيحصل للزارع الزرع، وللمالك الأجر؛ وذلك أولى من إسقاط أحد الحقين.
وعلى هذا قالوا في مدة الإجارة (١): إذا انقضت وفي الأرض زرعٌ، وليس هذا كالغصب؛ لأن ابتداء الزرع وقع بغير حق، فلم يجب تبقيته.
وليس هذا كالغرس؛ لأن في تبقية الغرس ضررًا على صاحب الأرض؛ لأنَّه لا غاية لقَلْعِهِ.
قال محمد: قال أبو حنيفة: إذا دفع إليه طعامًا، فقال: هذا لك مِنْحَةٌ، أو دفع إليه شاةً تحلب، فقال هذه لك مِنْحَةٌ، فله أن يشرب لبنها وأن يأكل الطعام؛ لأن منفعة هذا: الأكل والشرب.
وعلى هذا ما قدمنا: أن المنحة فيما له منفعة لا تتناول ملك العين [وإنما تقتضي المنفعة]، وفيما لا منفعة له، يقتضي تمليك العين.
قال: وكذلك الدينار وما يؤكل ويشرب، فهو عندنا على الهبة.
стр. 4364
(وأما ما يلبس، أو يستخدم أو يُسكن، أو يُزرع، فمنحته عاريةٌ إلا أن يعني المعطي الهبة) (١)، فيكون على ما عنى؛ وذلك لأنَّه إذا قال: نويت الهبة، فقد شدَّدَ على نفسه، والمنع من التمليك لحقه، فإذا رضي بذلك جاز (٢).
стр. 4365
باب السُّكْنَى
قال محمد: قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: إذا قال الرجل للرجل: داري لك سُكنى (١)، أو قال: لك سكنى عمرى، أو قال: صدقةٌ سكنى، أو قال: هي لك عمرى عارية، أو سكنى، ودفعها إليه، فهذا كله عاريةٌ، يأخذها منه متى شاء، ولا يجوز للذي قبضها فيها بيعٌ ولا هبةٌ ولا رهنٌ ولا إجارةٌ، ولا غير ذلك غير السكنى خاصة إذا كان ذَكَر السكنى أو العارية (مع غيرها.
والهبة والصدقة وغير ذلك إن قدم السكني، أو العارية) (٢)، أو أحدهما، فهو سواءٌ، وذلك كله سكنى؛ وذلك لأنَّه إذا ذكر السكنى، فقد دلّ على أن العقد وقع على المنافع.
وإذا قال: سكنى هبةً، فقد أضاف الهبة إلى السكنى، فكأنه قال: وهبت لك منافعها، وكذلك إذا قال: هبة سكنى؛ لأن الهبة تحتمل هبة العين، وتحتمل هبة المنفعة، فإذا قال: هبة سكنى، فقد فسّر المحتمل، فيختصّ بالسكنى.
وإن قال: هي عُمْرَى تسكنها، أو هي لك هبة تسكنها، أو قال: لك صدقة تسكنها، ودفعها إليه، فهبة وعمرى وصدقة جائزة؛ وذلك لأنَّه لم يضف الهبة
стр. 4366
إلى السكني، وإنما وهب ثم شاوره فيما يعمل بملكه، فتعلّقت الهبة بالعين، وهو كقوله: وهبتها لك فأجرها.
وأما قوله في الفصل الأول: أنه ليس له البيع؛ فلأنه لم يملك العين، فلا يجوز بيعه فيها، وكذلك ليس له أن يؤاجرها؛ لأن العقد يقتضي العارية، فإذا آجر المستعير قطع حق المعير من الرجوع، وهذا لا يصح.
ولو قال: هي لك تسكنها، كانت هبةً (١) جائزة إذا قبضها؛ لأن اللام تقتضى التمليك، وقد شاوره فيما يعمل بملكه (٢).
стр. 4367
بَاب في الصدقة
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل للرجل: قد تصدقت عليك بهذه الدار، غنيًّا كان المُتَصَدَّقُ عليه أو فقيرًا، ودفعها إليه، فذلك جائز، ولا سبيل للمُتَصَدِّقِ على الرجوع فيها بوجهٍ من الوجوه.
وكذلك لو قال: قد جعلتها لك، أو قد وهبتها لك، وهو محتاج على وجه الصدقة، ودفعها إليه، لم يكن له أن يرجع فيها، وهذا قول أبي يوسف ومحمد.
أما الصدقة على الفقير، فقد بيّنا: أنه لا يجوز الرجوع فيها؛ لأن المقصود منها الثواب، وقد سلم ذلك من جهة الله تعالى.
وأما إذا وهب للفقير، فإنه لا يرجع أيضًا؛ لأن المقصود من الفقير ليس هو العوض، وإنما العوض هو الثواب، فصار كالصدقة بالعقد؛ لأن المعتبر بمعنى العقد دون لفظه، ومعنى هبة الفقير، الصدقة، فلم يجز الرجوع فيها.
وأما إذا تصدّق على الغني، فالقياس: أن يرجع؛ لأن المقصود بهبة الغني، العوض، فصار كالهبة.
إلا أنهم استحسنوا فقالوا: لا يرجع فيها؛ لأنَّه عبّر عنها بالصدقة، ولو أراد الهبة لعبّر بلفظها؛ ولأن الثواب قد يطلب بالصدقة على الأغنياء، ألا ترى أن من له مقدار النصاب، وله عيال لا يكفيه ما في يده، ففي الصدقة عليه ثواب؛ فلذلك لا يجوز الرجوع.
стр. 4368
قال: ولا تجوز الصدقة ولا العطية ولا العمرى حتى يقبض؛ لأنَّه تبرع، فلا يصح بمجرد القول كالوصايا.
وقال محمد: إذا تصدّق الرجل أو وهب أو نحل ابنه وهو صغيرٌ في عياله، فقَبضُه له قبضٌ، وهو جائز، وليس له أن يرجع فيه إذا أشهد عليه وأعلمه؛ وذلك لأن الأب هو الذي يتولى القبض للصغير، ألا ترى أنه لو قبض ما وهبه الأجنبي [له جاز، فإذا كان هو الواهب وهو الذي يملك القبض]، صار قابضًا عقيب العقد، فصحّت الهبة.
وقد قالوا في الأب إذا باع ماله من ابنه الصغير (١)، ثم هلك عقيب البيع، كان ضمان الابن؛ لأن الأب صار قابضًا للصغير عقيب العقد.
وأما قوله: إذا أشهد عليه، [وأعلمه]، فليس ذلك بشرط في جوازه، وإنما يحتاج إلى الإشهاد والإعلام حتى [لا تجحد] (٢) الورثة.
قال محمد: قال ابن أبي ليلى وغيره من أهل الكوفة: تجوز الصدقة إذا أعلمه وإن لم يقبض، ولا تجوز الهبة ولا النحلى إلا مقبوضة.
قال محمد: قال أبو حنيفة هما سواء، ولا يجوز واحدٌ منها إلا مقبوضًا معلومًا محوزًا مقسومًا؛ لأنها صلة جميعًا، وهذا قول أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لما بيّنا: أن الصدقة عقد تبرع، فلا تتم لمجرد العقد، كالهبة؛ (ولأن الإشاعة مؤثرة في القبض) (٣).
стр. 4369
قال: ووصي الأب إذا وهب للصغير، أو جدّه أو أبيه، أو وصِيّ جَدّه، هو بمنزلة الأب في ذلك، كل واحد من هؤلاء له عليه ولايةٌ، فحلّ محلّ الأب (١).
стр. 4370
بَاب هبةِ الأجنبيِّ للصغير ومن يجوزُ قبضهُ عليهِ
قال: إذا وهب الأجنبي للصغير هبةً، فقبضها أبوه، أو وصي أبيه بعده، أو جده أبو أبيه بعد أبيه، أو وصيه (١)، جاز ذلك؛ لأن قبض الهبة تصرفٌ في حقّ الصغير، فيملك من يملك الولاية عليه، وكلّ واحدٍ من هؤلاء يلي عليه، فجاز قبضه له.
قال: ومن غاب منهم غيبةٌ مُنْقَطِعَةٌ، جاز قبض الذي يتلوه في الولاية؛ وذلك لأن تأخير قبض الهبة حتى يقدم الغائب فيه ضرر، فانتقلت الولاية إلى من دونه، كما قالوا في ولاية النكاح.
قال: ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأربعة مع وجود واحد منهم، كان الصبي في عيال القابض أو لم يكن.
وسواء كان ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ من الصَّبِيِّ، أو كان أجنبيًّا؛ وذلك لأن وجود من يملك الولاية يمنع التصرف في حق الصغير، كما لا يجوز التصرف في حق البالغ بالقبض؛ لأنَّه يملك القبض بنفسه.
قال: فإذا لم يكن أحد من هؤلاء الأربعة، قبضَ للصبي من كان الصبي في حِجره وعياله، ولم يجز قبض من لم يكن في عياله من ذي الرحم المحرم ولا
стр. 4371
غيره؛ وذلك لأن من يعوله له عليه ضرب من الولاية إذا لم يكن له ولاية، ألا ترى أنه يؤدبّه ويسلِّمه في الصنائع التي للصبي في ذلك منفعة، وله في قبض الهبة منفعةٌ، [فجاز] (١) قبضه له.
وأما من ليس في عياله، فلا ولاية له عليه، فلا يجوز قبضه له كالأجنبي.
قال: وإن كان الصَّبِيِّ يعقل، ولم يبلغ بعدُ، فقبض ما وهب له، وواحد من هؤلاء الأربعة حيٌّ (٢)، جاز قبضه استحسانًا، والقياس: أن لا يجوز.
وجه القياس: أنه لا ولاية له على نفسه، فلا يجوز قبضه في الهبة، كما لا يجوز في البيع.
وجه الاستحسان: أن له في هذا الفعل منفعة، ولا ضرر عليه فيه، فصار فعله كفعل من هو في عياله.
قال: وكذلك الصَّبِيَّةُ إذا عقلت، وكان لها زوج قد دخل بها، فقبضت أو قبض لها زوجها، جاز ذلك، وكذلك إن قبض الأب في هذه الحالة، جاز أيضًا على الصبي والصبية.
أما قبض الصبيّةِ؛ فإنما جاز لما بيّنا، وأما قبض زوجها؛ فلأنها في عياله، وأما قبض الأب، فيجوز لأنَّه يملك الولاية عليها.
قال: وإن وهب الأب شيئًا من مال الصغير، لم يجز على ابنه، وكانت الهبة مردودةً؛ لأنَّه تبرع يملك غيره؛ ولأن فيه ضررًا على الصغير لا منفعة في مقابلته.
стр. 4372
قال: فإن اشترط الأب عوضًا، لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
قال محمد: إذا شرط الأب عوضًا في الهبة جاز، وهو بمنزلة البيع إذا تقابضا.
وجه قولهما: أن الهبة لما لم يملكها الأب في حق الصغير دون عوضٍ، لم يملكها بعوضٍ كالعتق؛ ولأنها صريح التبرع، فلا يملكها في حق ابنه الصغير (١)، كالعتق على مالٍ.
وجه قول محمد: أنه تمليكٌ بعوضٍ كالبيع، واختلاف العبارة غير معتدٍّ به، كما لو قال: ملكتك.
وعلى هذا الخلاف، المأذون والمكاتب إذا وهبا، لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنهما لا يملكان الهبة بغير عوض، فلا يملكانها أيضًا بعوضٍ.
قال محمد: كل من يملك البيع، يملك الهبة بعوضٍ؛ لأنها في معنى البيع.
قال: وإذا وهب رجلٌ هبةً لعبدِ رجل، فالقبول إلى العبد، فإن قبل وقبض، صحّت الهبة وكان الملك للمولى، ولا يجوز قبول المولى ولا قبضه، كان على العبد دين أو لم يكن، وللواهب أن يرجع فيها.
وإنما كان القبول إلى العبد؛ لأن الإيجاب وقع له، والقبول يعتبر فيمن وقع له الإيجاب، والقبض إليه؛ لأنَّه من حقوق العقد، والعقد وقع له.
وإنما كان الملك للمولى؛ لأن الهبة من أكساب العبد وأكساب العبد لمولاه.
وإنما جاز الرجوع فيها وإن انتقلت إلى ملك المولى؛ لأن عقد الهبة أوجب
стр. 4373
انتقال الموهوب إلى العبد على وجه لا يستقر ملكه، وإنما ينتقل إلى مولاه، فصار العبد كالوكيل.
وليس هذا كما لو زال ملك الموهوب [له]؛ لأن ذلك الزوال لم يوجبه العقد، فمنع من الرجوع.
فإن قيل: بأن الغرض بالهبة للعبد ليس هو العوض؛ لأنَّه لا يملك العوض، فهلا صار فيه كالهبة للفقير في منع الرجوع.
قلنا: العبد لا يملك التعويض بالأموال، ويملك بالمنفعة، فصار كالغنيّ.
[قال محمد] وكذلك المكاتب، توهب له الهبة، فالقبول إليه والقبض، فإذا قبل وقبض، فالمكاتب أحق بها، ولا يملكها المولى، وللواهب الرجوع.
وكذلك إن عتق المكاتب، فللواهب أن يرجع في قولهم.
وإنما لم يملك المولى ما وُهبَ المكاتب؛ لأنَّه لا يملك أكسابه، والهبةُ من أكسابه، ويجوز الرجوع؛ لأن الهبة باقيةٌ على الملك الذي أوجبه الواهب.
وكذلك إن عتق المكاتب؛ لأن الملك الذي أوجبه له بالهبة قد استقر بالعتق، فكأنه وهب له ابتداءً وهو حر، فإن عجز المكاتب، جاز للواهب أن يرجع في قول أبي يوسف، ولم يجز في قول محمد.
لأبي يوسف: أن عقد الهبة أوجب كون الملك فيها موقوفًا على المكاتب وعلى مولاه، فإذا استقر أحد وجهي المراعاة لم يسقط الرجوع، كما لو استقر
стр. 4374
ملك المكاتب بالعتق، وهذا مبني على أن المولى لا يملك أكساب المكاتب بحكم ملك مستأنف، وإنما يملكها بحكم الملك الأول؛ بدلالة أنه يستحق بالعجز أكسابه ورقبته، فإذا لم يملك الرقبة بحكم ملك مستأنفٍ، كذلك الأكساب.
وجه قول محمد: أن المولى يملك أكسابَ المكاتب ببطلان تصرف المكاتب بالعجز، كما يملك الوارث أكسابَ [مورثه] الحرّ (١) ببطلان تصرّفه بالموت، فإذا لم يجز رجوع الواهب على الوارث، فكذلك لا يجوز رجوعه على المولى.
قال: وإذا وهب رجلٌ للعبد هبةً، والعبد ذو رحمٍ محرمٍ من الواهب، أو مولاه ذو رحمٍ محرمٍ من الواهب، فللواهب أن يرجعَ في هبته في قول أبي حنيفة، أيّهما كان ذا رحمٍ محرمٍ من الواهب.
وكذلك إن كانا جميعًا ذَوَيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ من الواهب، فإن محمدًا قال: قياس قول أبي حنيفة: أن يرجع.
وقال أبو يوسف ومحمد: ينظر إلى المولى، فإن كان ذا رحم محرم من الواهب، لم يرجع، وإن لم يكن المولى ذا رحم محرم من الواهب، وكان العبد ذا رحمٍ محرمٍ من الواهب، رجع الواهب.
أما إذا كان المولى أجنبيًا، فللواهب الرجوع في قولهم من أصلين مختلفين:
أما أبو حنيفة (٢) فيقول: إن الهبة لا تحصل بها صلة كاملة؛ لأنها تقع للعبد من وجه، ولمولاه من وجهٍ، فصار كالهبة لرجل غير محرم.
стр. 4375
فأما هما فيقولان: الملك بالعقد يحصل للمولى، وهو أجنبيٌّ، فكأن الواهب أوجب الهبة له.
وأما إذا كان المولى ذا رحمٍ محرمٍ، والعبد أجنبيًّا، فللواهب أن يرجع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد (١): لا يرجع.
لأبي حنيفة: أن الهبة حاصلة للعبد من وجهٍ (٢)، وللمولى من وجهٍ، ألا ترى أنها موجبةٌ للعبد، ولهذا يقضى منها ديونه، والملك حاصل للمولى إذا لم يكن دينٌ، فلم يكمل معنى الصلة فيها، فصارت كالهبة لرحمٍ غير محرمٍ.
وجه قولهما: أن الملك يحصل للمولى، وهو ذو رحم محرم من الواهب، فكأنه وهب له ابتداء، فلا يرجع.
وأما إذا كان المولى والعبد كلّ واحدٍ منهما ذا رحمٍ محرمٍ، فقد ذكر أبو الحسن عن محمد: أن قياس قول أبي حنيفة: أن يرجع؛ لأن رحم العبد غير مؤثرٍ عنده إذا كان الملك لا يحصل له، ورحم المولى (٣) غير مؤثرٍ إذا كان الإيجابُ وقع لغيره، فيثبت الرجوع.
وكان أبو جعفر الهندواني يقول: ليس له أن يرجع في هذه المسألة في قولهم؛ لأن الهبة إما أن يعتبر فيها حال العبد أو حال المولى، وأيهما كان من جهةٍ كاملةٍ، وذلك يمنع الرجوع.
وعلى هذا التفريع إذا وهب لمكاتب، وهو ذو رحم محرم من الواهب، أو
стр. 4376
مولاه ذو رحم [محرمٍ] من الواهب، فإن أدّى المكاتب اعتبر حاله، فإن كان ذا رحم محرم من الواهب، لم يرجع، فإن كان أجنبيًا، فله أن يرجع؛ لأن ملكه استقر بالعتق، فكأن الهبة وقعت له وهو حرٌّ، وإن كان أجنبيًا رجع الواهب، وإن كان ذا رحمٍ محرمٍ لم يرجع.
وإن عجز المكاتب، فَرُدَّ في الرق، ففي قياس قول أبي حنيفة (١): يعتبر حال المولى، فإن كان أجنبيًا فللواهب أن يرجع، وإن كان ذا رحمٍ محرمٍ من الواهب فليس له أن يرجع؛ لما بيَّنَّا: أن كسب المكاتب موقوفٌ عليه وعلى المولى، فإذا استحقّه المولى استقرّ له، فكأنه وهبهُ له (٢) بالعقد.
وعلى قول محمد: لا يرجع الواهب في الأحوال كلها؛ لأن كسب المكاتب لنفسه، فإذا انتقل إلى المولى بعجزه، فكأنه وهبَ [له] فمات وانتقل إلى ورثته، [فأما ما دام مكاتبًا، فالواجب أن يعتبر بحال المكاتب، فإن كان ذا رحم محرمٍ من الواهب، لم يثبت الرجوع، وإن كان أجنبيًا رجع] (٣).
تم كتابُ الهبة
стр. 4377
[٦٩] كتابُ الوديعةِ
قال: الوديعة (١) عندنا عقد جائزٌ، والدليل على جوازه قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وهذا أمرٌ بالتعاون على البرّ.
وقال ﷺ : "لا يزال الله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه" (٢)، وروي أنه قال: "من ائتمن أمانةً فليردها" (٣).
ولأن الناس يفعلون هذا في سائر الأعصار من غير خلاف؛ ولأنه لا خلاف في ذلك بين الأُمة، وهي من عقود الأمانات، والدليل عليه قوله ﷺ : "ليس على المستودع غير المغلّ ضمانٌ، ولا على المستعير غير المغلّ ضمانٌ" (٤).
قال أبو الحسن: والوديعة عند أصحابنا جميعًا أمانةٌ، فإذا قبلها المودَع، فهو مؤتمنٌ مستحفظ، وهذا على ما بَيَّنَّا.
وإنما كان مستحفظًا؛ لأنَّه موكلٌ بالحفظ دون غيره، فكان عليه أن
стр. 4378
يفعل ما أمر به.
قال: ويلزمه حفظها بما يحفظ به ماله من يدٍ أو حِرْزٍ؛ وذلك لأن الإنسان لا يلتزم حفظ مال الغير إلا على الوجه الذي يحفظ ماله، وإذا فعل ما يفعله في ماله لم يضمن.
قال وسواء حفظها في يده أو في يد غيره إن كان الغير ممن يكون ماله في يده ويستحفظه إياه، وهذا إذا كان الحافظ في عيال المودَع؛ لأنَّه لا يتمكن من الحفظ إلا بمن في عياله، فصار مأذونًا في التسليم إليه.
ولأنه لو لم يسلم الوديعة إليه لحصلت في يده من طريق الحكم إذا خرج المودع من داره وخَلَّى بين عياله وبين الدار، وإذا لم يضمن بذلك لم يضمن بالتسليم.
[قال]: فإن أخرجها من يده إلى يد غيره ممن لا يد له في ماله، ولا يستحفظه، أو جعله في حرزٍ ليس بحرزٍ فيه ماله، فهو مخالف ضامن للوديعة لو هلكت قبل أن يردها إلى يده أو حرزه.
أما إذا أخرجها من يده إلى يد من ليس في عياله؛ فلأن المالك رضي بيده ولم يرض بيد غيره، [يعني في غير حال الضرورة]، وحكم الأيدي مختلفٌ.
فإذا سلمها إلى من ليس في عياله، فقد حفظها بيد من لم يرض المالك بها، فيضمن؛ ولهذا المعنى قالوا: ليس للوكيل أن يوكل؛ لأن المالك رضي برأيه ولم يرض برأي غيره.
وأما قوله: وإذا حفظها في حرزٍ (ليس بحرز فيه ماله، ضمن، فإنما يعني بذلك: أنه أحرزها في حرز) (١) غيره، فيصير بذلك في حكم المودع.
стр. 4379
وأما إذا استأجر حرزًا لنفسه، وحفظها فيه دون ماله، لم يضمن؛ لأن هذا حرزٌ له كالحرز الذي فيه ماله.
قال: فإن ردها إلى يده [أو حرزه بعد أن كان أخرجها عن يده] أو حرزه، برئ من الضمان، وعادت الوديعة إلى حال الأمانة كما كانت في الأول (١).
وكذلك إن استعمل الوديعة، فكانت دابة فركبها، أو حمل عليها، أو عبدًا فاستخدمه، أو ثوبًا فلبسه، أو شيئًا مما يفرش ففرشه، ثم أقلع عن ذلك، وردها إلى حالها الأولى (برئ من الضمان، فإن لم يفعل حتى هلكت في تلك الحال قبل أن يردها إلى الحال الأولى) (٢) لزمه ضمانها.
قال: وجملة هذا: أن المودَع إذا تعدّى في الوديعة، ثم أزال التعدي، برئ الضمان عندنا، وقال الشافعي: لا يبرأ (٣).
لنا: أن أمره بالحفظ عامٌّ في سائر الأوقات، والأمر لا يبطل بالتعدي؛ بدلالة أن من وكّل رجلًا ببيع عبده، فأعتقه الوكيل، أو وهبه، أو باعه بثمن يسير، فقد تعدى في فعله، ولا يمنعه ذلك من بيعه في الثاني، فإذا لم يبطل الأمر بالتعدي، وأزال (٤) التعدي، فقد رجعت العين إلى يدٍ تقوم مقام (٥) يد المالك، فكأنّه ردّها إلى وكيله، فيبرأ من الضمان.
وليس هذا كما لو جحد الوديعة ثم أقرّ بها؛ لأن الجحود لا يكون إلا بعد
стр. 4380
مطالبة المالك بالرد، والمالك إذا طالب بالرد فقد عزله عن الحفظ، فإذا اعترف بالوديعة فلم يردها إلى يدٍ تقوم مقام يد المالك، لم يسقط الضمان.
وقد قالوا: في المستأجر إذا تعدّى ثم أزال التعدي، لم يبرأ من الضمان؛ لأن يده لنفسه، ألا ترى أنه يقبض الشيء لمنفعة نفسه، فإذا زال التعدي لم يرد العين إلى يدٍ تقوم مقام يد المالك.
وطعن عيسى بن أبان على هذا فقال: بأن يد المستأجر [يدٌ] كمؤاجره؛ بدلالة أن له أن يرجع عليه مما يلحقه من الضمان، كالمودع.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه لا يرجع للمعنى الذي قاله، وإنما يرجع؛ لأنَّه غرّه بإيجاب عقد فيه بدل، كما يرجع المشتري على البائع بما يلحقه من الضمان، وإن لم تقم يده مقام يده.
وكذلك قالوا: في المستعير إذا تعدّى ثم أزال التعدي، لم يبرأ من الضمان؛ لأن يده لا تقوم مقام يد المالك، ألا ترى أنه يمسك الشيء لمنفعة نفسه، (لا لمنفعة المالك.
فأما المودّع، فيده قائمةٌ مقام يد المالك؛ لأنَّه يمسك لمنفعته) (١)، فصارت يده كيده (٢).
قال: فإن أخرجها عن يده في حال ضرورةٍ مثل أن يقع في داره حريق غالب يخاف عليه على الوديعة، أو يكون معه في سفينة فيلحقه غرق، أو لصوص وما