مولاه ذو رحم [محرمٍ] من الواهب، فإن أدّى المكاتب اعتبر حاله، فإن كان ذا رحم محرم من الواهب، لم يرجع، فإن كان أجنبيًا، فله أن يرجع؛ لأن ملكه استقر بالعتق، فكأن الهبة وقعت له وهو حرٌّ، وإن كان أجنبيًا رجع الواهب، وإن كان ذا رحمٍ محرمٍ لم يرجع.
وإن عجز المكاتب، فَرُدَّ في الرق، ففي قياس قول أبي حنيفة (١): يعتبر حال المولى، فإن كان أجنبيًا فللواهب أن يرجع، وإن كان ذا رحمٍ محرمٍ من الواهب فليس له أن يرجع؛ لما بيَّنَّا: أن كسب المكاتب موقوفٌ عليه وعلى المولى، فإذا استحقّه المولى استقرّ له، فكأنه وهبهُ له (٢) بالعقد.
وعلى قول محمد: لا يرجع الواهب في الأحوال كلها؛ لأن كسب المكاتب لنفسه، فإذا انتقل إلى المولى بعجزه، فكأنه وهبَ [له] فمات وانتقل إلى ورثته، [فأما ما دام مكاتبًا، فالواجب أن يعتبر بحال المكاتب، فإن كان ذا رحم محرمٍ من الواهب، لم يثبت الرجوع، وإن كان أجنبيًا رجع] (٣).
تم كتابُ الهبة
стр. 4377
[٦٩] كتابُ الوديعةِ
قال: الوديعة (١) عندنا عقد جائزٌ، والدليل على جوازه قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، وهذا أمرٌ بالتعاون على البرّ.
وقال ﷺ : "لا يزال الله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه" (٢)، وروي أنه قال: "من ائتمن أمانةً فليردها" (٣).
ولأن الناس يفعلون هذا في سائر الأعصار من غير خلاف؛ ولأنه لا خلاف في ذلك بين الأُمة، وهي من عقود الأمانات، والدليل عليه قوله ﷺ : "ليس على المستودع غير المغلّ ضمانٌ، ولا على المستعير غير المغلّ ضمانٌ" (٤).
قال أبو الحسن: والوديعة عند أصحابنا جميعًا أمانةٌ، فإذا قبلها المودَع، فهو مؤتمنٌ مستحفظ، وهذا على ما بَيَّنَّا.
وإنما كان مستحفظًا؛ لأنَّه موكلٌ بالحفظ دون غيره، فكان عليه أن
стр. 4378
يفعل ما أمر به.
قال: ويلزمه حفظها بما يحفظ به ماله من يدٍ أو حِرْزٍ؛ وذلك لأن الإنسان لا يلتزم حفظ مال الغير إلا على الوجه الذي يحفظ ماله، وإذا فعل ما يفعله في ماله لم يضمن.
قال وسواء حفظها في يده أو في يد غيره إن كان الغير ممن يكون ماله في يده ويستحفظه إياه، وهذا إذا كان الحافظ في عيال المودَع؛ لأنَّه لا يتمكن من الحفظ إلا بمن في عياله، فصار مأذونًا في التسليم إليه.
ولأنه لو لم يسلم الوديعة إليه لحصلت في يده من طريق الحكم إذا خرج المودع من داره وخَلَّى بين عياله وبين الدار، وإذا لم يضمن بذلك لم يضمن بالتسليم.
[قال]: فإن أخرجها من يده إلى يد غيره ممن لا يد له في ماله، ولا يستحفظه، أو جعله في حرزٍ ليس بحرزٍ فيه ماله، فهو مخالف ضامن للوديعة لو هلكت قبل أن يردها إلى يده أو حرزه.
أما إذا أخرجها من يده إلى يد من ليس في عياله؛ فلأن المالك رضي بيده ولم يرض بيد غيره، [يعني في غير حال الضرورة]، وحكم الأيدي مختلفٌ.
فإذا سلمها إلى من ليس في عياله، فقد حفظها بيد من لم يرض المالك بها، فيضمن؛ ولهذا المعنى قالوا: ليس للوكيل أن يوكل؛ لأن المالك رضي برأيه ولم يرض برأي غيره.
وأما قوله: وإذا حفظها في حرزٍ (ليس بحرز فيه ماله، ضمن، فإنما يعني بذلك: أنه أحرزها في حرز) (١) غيره، فيصير بذلك في حكم المودع.
стр. 4379
وأما إذا استأجر حرزًا لنفسه، وحفظها فيه دون ماله، لم يضمن؛ لأن هذا حرزٌ له كالحرز الذي فيه ماله.
قال: فإن ردها إلى يده [أو حرزه بعد أن كان أخرجها عن يده] أو حرزه، برئ من الضمان، وعادت الوديعة إلى حال الأمانة كما كانت في الأول (١).
وكذلك إن استعمل الوديعة، فكانت دابة فركبها، أو حمل عليها، أو عبدًا فاستخدمه، أو ثوبًا فلبسه، أو شيئًا مما يفرش ففرشه، ثم أقلع عن ذلك، وردها إلى حالها الأولى (برئ من الضمان، فإن لم يفعل حتى هلكت في تلك الحال قبل أن يردها إلى الحال الأولى) (٢) لزمه ضمانها.
قال: وجملة هذا: أن المودَع إذا تعدّى في الوديعة، ثم أزال التعدي، برئ الضمان عندنا، وقال الشافعي: لا يبرأ (٣).
لنا: أن أمره بالحفظ عامٌّ في سائر الأوقات، والأمر لا يبطل بالتعدي؛ بدلالة أن من وكّل رجلًا ببيع عبده، فأعتقه الوكيل، أو وهبه، أو باعه بثمن يسير، فقد تعدى في فعله، ولا يمنعه ذلك من بيعه في الثاني، فإذا لم يبطل الأمر بالتعدي، وأزال (٤) التعدي، فقد رجعت العين إلى يدٍ تقوم مقام (٥) يد المالك، فكأنّه ردّها إلى وكيله، فيبرأ من الضمان.
وليس هذا كما لو جحد الوديعة ثم أقرّ بها؛ لأن الجحود لا يكون إلا بعد
стр. 4380
مطالبة المالك بالرد، والمالك إذا طالب بالرد فقد عزله عن الحفظ، فإذا اعترف بالوديعة فلم يردها إلى يدٍ تقوم مقام يد المالك، لم يسقط الضمان.
وقد قالوا: في المستأجر إذا تعدّى ثم أزال التعدي، لم يبرأ من الضمان؛ لأن يده لنفسه، ألا ترى أنه يقبض الشيء لمنفعة نفسه، فإذا زال التعدي لم يرد العين إلى يدٍ تقوم مقام يد المالك.
وطعن عيسى بن أبان على هذا فقال: بأن يد المستأجر [يدٌ] كمؤاجره؛ بدلالة أن له أن يرجع عليه مما يلحقه من الضمان، كالمودع.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه لا يرجع للمعنى الذي قاله، وإنما يرجع؛ لأنَّه غرّه بإيجاب عقد فيه بدل، كما يرجع المشتري على البائع بما يلحقه من الضمان، وإن لم تقم يده مقام يده.
وكذلك قالوا: في المستعير إذا تعدّى ثم أزال التعدي، لم يبرأ من الضمان؛ لأن يده لا تقوم مقام يد المالك، ألا ترى أنه يمسك الشيء لمنفعة نفسه، (لا لمنفعة المالك.
فأما المودّع، فيده قائمةٌ مقام يد المالك؛ لأنَّه يمسك لمنفعته) (١)، فصارت يده كيده (٢).
قال: فإن أخرجها عن يده في حال ضرورةٍ مثل أن يقع في داره حريق غالب يخاف عليه على الوديعة، أو يكون معه في سفينة فيلحقه غرق، أو لصوص وما
стр. 4381
أشبه ذلك، فيدفعها إلى غيره، فلا يضمن؛ وذلك لأنَّه مأمور بالحفظ، ولا يقدر على الحفظ في هذه الحالة إلا بالإيداع، فكان مأذونًا فيه.
قال أبو يوسف: ولا يصدقه على العذر حتى يقيم بيّنةً، وكذلك قياس قول أبي حنيفة؛ وذلك لأن الإيداع سببٌ للضمان، فإذا ادَّعى سقوط الضمان بالضرورة، لم يقبل قوله إلَّا ببيّنةٍ، كما لو ادعى أن المالك أذن له في الإيداع.
قال: وإن سافر فاستودعها رجلًا، فهو ضامن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن خرج بها معه فلا ضمان عليه.
وقال في هذه المسألة: إن كانت الوديعة لها حملٌ ومؤنةٌ، فليس للمستودع أن يحولها من المصر الذي استودعها فيه، فإن خرج بها من ذلك المصر، فلا ضمان عليه، (ما خلا خصلةً واحدةً) (١): أن يكون طعامًا كثيرًا، أو برًا كثيرًا، فإنه يضمن استحسانًا، وليس بقياس، والقياس: أن لا يضمن.
وقال أبو حنيفة: يخرج بها حيث شاء، كان لها [حملٌ و] مؤنة أو لا [حمل ولا مؤنة]، وروى هشام عن محمد مثل قول أبي يوسف.
وجه قول أبي حنيفة: أن المودع لا يلتزم حفظ الودائع ليترك السفر الذي يحتاج إليه لمصالحه، فإذا عنّ له سفرٌ، لم يجز أن يودع الوديعة فيضمن، ولا يكلف أن يستأجر لها منزلًا؛ لأن هذا ضمان لم يلتزمه المالك، فلم يبق إلا أن يسافر بها؛ ولأن المودع لما أطلق الأمر بالحفظ، اقتضى ذلك عموم الحال في السفر والحضر.
وجه قولهما: أن ما له حملٌ ومؤنةٌ، يلحق المالك ضرر بالسفر فيه لمؤنة
стр. 4382
الرد، فلم يجز للمودع ذلك، وما ليس له مؤنة، لا يلزمه ضرر في رده، فبقي على أصل القياس.
قال: فإن ذهبت (١) الوديعة بغير فعلٍ من المودَع، أو دخلها نقصٌ بغير فعله، فلا ضمان عليه.
وإن ادّعى في ذلك دعوى أنها هلكت أو هلك [بعضها] بغير فعله، أو ادعى أن ذلك كان بفعل غيره بغير أمره، فالقول قوله مع يمينه؛ وذلك لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "من استودع وديعة فهلكت، فلا ضمان عليه" (٢)، وعن عمر ابن الخطاب أنه قال: "العارية بمنزلة الوديعة، لا يضمن صاحبها إلا أن يتعدى" (٣)، وعن الحسن قال: أدركت ثمانين من أصحاب محمد ﷺ ، ما رأيتهم يضمنون الودائع (٤))؛ ولأنه مؤتمنٌ، فلا يلزمه الضمان إلا بالتعدي؛ ولأن يده كيد المالك، ولو هلكت العين في يد المالك، لم يضمنها، فكذلك إذا هلكت في يد المودع.
وإنما يرجع إلى قوله؛ (لأن الأمين يقبل قوله في إسقاط الضمان عن نفسه، كالأب والوصي؛ ولأن الأصل) (٥) أنه لم يوجد منه سبب من أسباب الضمان، ومن يمسك بالأصل فالقول قوله.
стр. 4383
وإنما كان القول قوله مع يمينه؛ لأنا جعلنا القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومة، والشيء مما يصح بذله، فكان عليه اليمين، كالمدعى عليه الدين.
قال: فإن أخرجها من يده إلى يد غيره، أو أَمَر غيره أن يحدث فيها حدثًا يستهلكها به، أو يدخلها نقصًا فاحشًا (١)، ثم ادعى أن ذلك كان بأمر المودع، لم يصدّق على ذلك، إلا أن يقيم عليه بيّنة.
وإن لم يقم له على ذلك بينةٌ، ضمن بعد أن يحلف المودع بالله ما أمره بذلك، فإن حلف، ضمنه، وإن أبى أن يحلف، فلا ضمان عليه؛ وذلك لأن إخراجها من يده والأمر بالتعدي فيها سببٌ من أسباب الضمان، [إن] ادَّعى البراءة منه، وأقرَّ المالك، فلا يقبل قوله في إسقاط الضمان.
وإنما وجب استحلاف المودِع؛ لأن للمودّع فائدةٌ في يمينه، يؤدي النكول إليه من إسقاط الضمان عنه، فلذلك استحلفه، فإن حلف، فقد قطع الخصومة، فوجب الضمان، وإن نكل، فقد بذل الإذن، وذلك مما يصحّ بذله، فيسقط الضمان.
قال: وإذا ادَّعى رجل أنه أودع رجلًا شيئًا، فجحد المُدَّعى عليه الوديعة (٢). فالقول قوله مع يمينه.
فإن أقام المُدَّعي البينة على الوديعة، أو استُحلِف فنكل عن اليمين، ثم أقرّ بعد إقامة البينة أو بعد إمضاء اليمين، فقال: قد كنت استودعتني فهلكت الوديعة
стр. 4384
في يدي، لم يقبل منه، وضمن؛ وذلك لأنَّه لما جحد الوديعة، فقد حكمنا له بحكم الملك فيها، ولا يجوز أن يحكم له بالملك في ملك غيره حتى نوجب عليه الضمان، فإذا ضمنها لم يسقط عنه الضمان (١) بالهلاك؛ ولأن الأمر بطل بالجحود، فصار المودع غاصبًا، فلا يقبل قوله في الهلاك.
قال: وكذلك إن أقام بينةً بعد جحوده الوديعة، لم يسمع من بينته؛ لأن جحود الوديعة أكذب البينة بهلاكها، [والمُدَّعِي] (٢) إِذا كذب بيّنته لم يسمع
فإن أقرّ ربّ الوديعة أنها هلكت في يده قبل جحوده إياها، برئ المودَع من الضمان، وإن لم يقرّ بذلك ولم تقم له بينةٌ وقال المستودَع: استودعتني فهلكت، فحلّفه: ما هلكت قبل أن أجحدها، فإن القاضي يحلفه: ما يعلمه هلكت قبل جحوده؛ وذلك لأن الإقرار ثبت حكمُه بنفسه، فإذا أقرّ ربّ الوديعة أنها هلكت قبل الجحود، فقد هلكت على الأمانة، والجحود بعد ذلك لا يوجب الضمان فيها.
فإن لم يقر استحلف؛ لأن اليمين فيها فائدة للمودَع، ويستحلف على العلم؛ لأنها يمينٌ على فعل الغير.
قال بشرٌ: سمعت أبا يوسف في رجلٍ استودع رجلًا ألف درهم، فقال المستودَع: قد ضاعت، فالقول قوله مع يمينه ولا ضمان عليه.
وقال أبو يوسف: أخبرنا الحجاج عن، أبي الزبير، عن جابر: أن رجلًا استودع رجلًا وديعة، فقال: سُرِقَت، فاختصما إلى أبي بكر ﵁، فلم يضمنه (٣)،
стр. 4385
وهذا على ما قدمنا.
قال: ولو أن المستودَع قال: قد ضاعت، ثم قال بعد ذلك، بل كنت دفعتها إليك، وأوهمت، فإنه لا يصدق، وهو ضامن؛ لأنَّه أكذب نفسه في ردها بدعوى الهلاك، وأكذب نفسه في الهلاك بدعوى الردّ، فإذا سقطت الدعوتان، بقي الشيء في يده في الظاهر، فيلزمه الضمان.
وقد قال أبو يوسف: في الوديعة إذا جحدها المودَع [مع] صاحبها، ضمن، فإن جحدها غيره، لم يضمن؛ وذلك لأن الضمان إنما يجب بترك التسليم مع عند وجود الأخذ (١)، وهذا المعنى موجودٌ بمطالبة المالك دون غيره؛ ولأن المودع قد يجحد الوديعة مع غير مالكها على طريق الحفظ [لها]، فلم يوجب ذلك الضمان عليه.
وقال زفر: يضمنها في الوجهين جميعًا؛ لأن الجحود لما تعلّق به الضمان، استوى فيه أن يكون بحضرة المالك أو بغير حضرته، كالتعدي.
قال أبو حنيفة: إذا استعار ثوبًا ليلبسه، أو دابةً ليركبها، أو كان عنده مال وديعةً فبعث به مع رسولٍ من أهله وعياله، فلا ضمان عليه، وإن بعث [بذلك] مع رجلٍ ليس في عياله، فهو ضامنٌ، وكذلك قال أبو يوسف.
وقال ابن أبي ليلى: لا ضمان عليه في الوجهين جميعًا (٢)؛ وهذا على ما بَيَّنَّا: أن المودَع له أن يحفظ الوديعة بنفسه وبمن في عياله، فجاز له أن يسلمها إليهم، ومن ليس في عياله، لا يجوز أن يحفظ به، فلا يجوز أن يسلم إليه.
стр. 4386
وأما ابن أبي ليلى، فمن أصله أن المودَع يجوز له أن يودِع (١)، فإذا أسلم إلى أجنبي لم يضمن بالتسليم.
قال: وإذا استودع رجل رجلًا ألف درهم، فقال: خبئها في بيتك هذا، فخبّأها في بيتٍ آخر من داره تلك، فضاعت الوديعة، فلا ضمان عليه، وكذلك لو قال: ضعها في كيسك هذا، فوضعها في صندوقه، لم يضمن، وكذلك لو قال: أمسكها بيدك ولا تَضَعْها ليلًا أو نهارًا، فوضعها في بيته، فهلكت، لم يكن عليه الضمان.
وذلك لأن البيوت في الدار الواحدة حرزٌ واحدٌ، ألا ترى أن السارق إذا نقل من بيتٍ [إلى بيتٍ] لم يقطع، والحرز الواحد لا فائدة في تعيين بعضه دون بعضٍ، والأمر الذي لا فائدة فيه يسقط حكمه، أصله: إذا قال: أودعتك على أن تنظر إليها بعينك اليمنى دون اليسرى.
وليس هذا كما لو قال: احفظها في هذه الدار، فحفظها في دار أخرى؛ لأن كلّ واحدٍ من الدارين حرزٌ منفردٌ، والأحراز تختلف، فللمالك غرضٌ في بعضها دون بعضٍ صحيحٌ، فصحّ تعيينه، فإذا أودع في غير الحرز، ضمن.
وأما إذا قال له: عليك أن تمسكها بيدك ولا تضعها، [فإن] هذا مما لا يمكن، والأمر به لا يتعلق به حكمٌ، فسقط.
ولو قال: لا تخرجها من الكوفة، وضعها في بيتك، فخرج بها عمدًا إلى البصرة أو إلى غيرها، ضمن؛ لأن السفر فيه خطر بالمال، فإذا نهاه عنه، فقد خصّ الحفظ تخصيصًا فيه فائدةٌ، فتعلّق الحكم به.
стр. 4387
قال: فإن انتقل من الكوفة إلى البصرّة، أو إلى غير ذلك لشيءٍ لم يكن له منه بُدّ، فهكلت، فلا ضمان عليه، وهذا إنما يُريد به إذا جاز لم يكن عليها، فهو مأمور بالحفظ، فإذا لم يقدر على حفظها في المصر، جاز له النقل، كما يجوز له في [نقلها] (١) [عن داره إلى دار غيره] (٢) عند الحريق.
قال: فإن استودع وديعةً وقال له: لا تسلمها إلى امرأتك فإني أتهمها [عليها]، أو إلى عبدك، أو إلى أمتك، أو إلى ابنك، أو إلى ابنتك، فإني أتهمهم، فدفعها المستودع إلى بعض من ذكرنا، فهلكت الوديعة، قال: إن كان المودَع لا بد له فيما صنع، ولا يجد بدًا من أن يدفعها إلى بعض ما ذكرنا، لم أُضَمِّنْهُ؛ وذلك لأن من كان في عياله منهم، لا يستطيع منعه منها؛ لأنَّه يصير في يده من طريق الحكم، فلا يكون للنهي فائدةٌ، ومن ليس في عياله يقدر على حفظها منه، فلم يجب التسليم إليه كالأجنبي.
قال: فإن أودع رجلان رجلًا وديعة، دراهم أو دنانير أو [دوابًا] (٣) أو عبيدًا، أو ثيابًا (٤)، فجاء أحدهما والآخر غائبٌ، فقال للمستودع ادفع إليّ حصّتي من ذلك، فأبى ذلك عليه، فتقدما إلى القاضي [قصّا عليه القصة]، فإن القاضي لا يقضي عليه أن يدفع إلى الحاضر حصّته دون الآخر، حتى يجتمعا جميعًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: أقسم ذلك وأدفع إليه حصته، ولا تكون قسمة جائزة على الغائب.
стр. 4388
وقد روي عن محمد أنه قال: قول أبي حنيفة أقيس، وقول أبي يوسف أوسع.
لأبي حنيفة: أن المدفوع لا يخلو: إما أن يكون نصيب الحاضر خاصّةً، أو من النصيبين، ولا يجوز أن يكون نصيبه خاصةً؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالقسمة، والمودَع ليس بوكيلٍ في القسمة، ولا يجوز قسمته المال مع غيبته، ولا يجوز أن يكون المدفوع من النصيبين جميعًا؛ لأن تسليم نصيب الغائب إلى الحاضر لا يجوز.
وجه قولهما: أن الغائب لو حضر فأخذ شريكه بعض المال وأتلفه، لم يجبر على ردّه، فكذلك إذا كان غائبًا، جاز أخذه من جهة المودع.
وهذا إنما يُتصوّر في المكيلات والموزونات خاصةً.
وليس بصحيح؛ لأنَّه ليس إذا أخذ المستحق بعض المال المشترك [وأتلفه] لم يجبر على رده (مما يدلّ على أنه يجوز) (١) للمستودع الدفع إليه، ألا ترى أن الغريم إذا أخذ من مال غريمه جنس حقّه لم يجبر على ردّه) (٢)، ولا يجوز لمودع الغريم أن يدفع إليه.
ولهما أن الدين المشترك إذا حضر أحد الشريكين، كان له أن يطالب بحقه، فكذلك العين المشتركة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن [المودَع] إذا دفع إلى أحد الشريكين مقدار دينه، فإنما يدفعُ مال نفسه لا مال الغائب، وفي مسألتنا: يدفع مال الغائب (٣)
стр. 4389
بغير إذنه، فلا يجوز.
وأما قولهما: إنه لا تكون قسمةً جائزةً في حقّ الغائب، فمعناها: أن الباقي في يد المودَع إن هلك وحضر الغائب، كان له أن يرجع على القابض بنصف ما قبض؛ لأن القسمة لم تصحّ، وقد سلم لأحد الشريكين من المال المشترك ما لم يسلم لشريكه مثله، فلذلك رجع عليه.
قال: وإذا أودع رجلٌ رجلين مالًا، قال: يأخذ كلّ واحدٍ منهما نصفه حين يقتسمانه (١)، فإن دفع أحدهما المال كله إلى صاحبه، ضمن في قول أبي حنيفة، ولم يضمن في قول أبي يوسف ومحمد، وهذا فيما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن قسمته، فلكلّ واحدٍ منهما أن يدفع إلى الآخر (٢).
لأبي حنيفة: أن المالك رضي بحفظهما، ولم يرض بأحدهما، فإذا أمكن كلّ واحدٍ منهما الحفظ على الوجه المأمور به، فلم يفعل، صار ضامنًا، كالمودع الواحد إذا سلم الوديعة إلى غيره.
وليس كذلك ما لا يقسم؛ لأن المودِع يعلم أنهما لا يجتمعان أبدًا في مكانٍ واحدٍ، فتسليمه إليهما رضًا بيد كلّ واحدٍ منهما.
وجه قولهما: أن المالك رضي بأمانتيهما، فلكل واحد التسليم إلى الآخر، كالشيء الذي لا يقسم.
وعلى هذا، قال أبو حنيفة في المرتهنين والوكيلين بالشراء: إذا سلّم
стр. 4390
أحدهما إلى الآخر ما يمكن قسمته، ضمن؛ لما بَيَّنَّا.
قال: وإذا أودع رجلٌ رجلًا مالًا، فأودعه الذي قبض الوديعة غيره فضاع، فإن أبا حنيفة قال: الضمان على الأول، وليس على الثاني ضمان.
وقال أبو يوسف ومحمد: لربّ الوديعة أن يضمّن الآخر، فإن ضمّنه رجع على الأول، وإن ضمّن الأوّل لم يرجع على الآخر.
لأبي حنيفة: أن الضمان إنما وجب بقبض المودَع الثاني، والفعل الواحد لا يوجب ضمانًا على اثنين في عينٍ واحدةٍ على كلّ واحدٍ منهما في جميعها، كالغصب.
وليس هذا كالغاصب وغاصب الغاصب؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما وُجِد منه غصبٌ مبتدأٌ، فلزم أحدهما الضمان بفعلٍ غير ما لزم به الآخر.
وفي مسألتنا: تسليم الوديعة لا يتعلّق به ضمانٌ؛ لأنه لو سلّمها فحفظها المودَع بحضرة المودَع الأول، لم يضمن واحدٌ منهما، فعلمت أن الضمان إنما هو بما بعد التسليم.
ولا يلزم الشراء الموجب للضمان على الوكيل و [على] الموكل؛ لأن الوكيل يضمن بعقد الشراء، والموكل يضمن بعقد الوكالة، لا بالشراء.
ولا يلزم القصار إذا غلط، فدفع ثوب رجلٍ إلى غيره فقطعه، أن كلّ واحدٍ منهما ضامنٌ (١)؛ لأن الثاني ضمن بالتصرف، والأول ضمن بالدفع، ألا ترى أنه ممنوعٌ من دفع ثوب الإنسان إلى غيره.
стр. 4391
ولأن الضمان لما وجب على الأول بفعل الثاني، لم يجب على الثاني ضمانٌ، كأجير الأجير المشترك إذا دَقَّ الثوب فتخرق، ضمن الأجير المشترك، ولم يضمن أجيره؛ ولأنه مودعٌ لمؤتمنٍ، فصار كمودع الشريك والمضارب.
وجه قولهما: أن الأول تعدّى بالتسليم، والثاني تعدّى بالقبض، فصار كالغاصب وغاصب الغاصب.
وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره: سمعت محمدًا قال: في رجلٍ أودع رجلًا وديعةً، فجاء بها المودَع فوضعها في منزل المودِع، فضاعت الوديعة، إن المستودَع ضامنٌ لها؛ وذلك لأن المودِع رضي بيده، ولم يرض بيد غيره، فإذا أخرجها من يده إلى يد المالك (١)، ضمن (٢).
وعلى هذا، لو دفعها إلى من في عيال المالك؛ لأن المالك لم يرض بيدهم، فصاروا في حقه كالأجانب، وهذا هو القياس عندنا في العارية والإجارة إذا ردهما إلى بيت مالكهما.
وإنما استحسنوا فيهما للعادة، وهو أن الجيران يستعير بعضهم من بعض آلة البيت، ويردونها إلى دارهم من غير تسليم، وكذلك تستعار الدابة، وترد إلى الإصْطَبل، ألا ترى أن العادة لم تجر أن تستعار دابة الأمير، ثم تعاد (٣) إلى مجلسه، وإنما تُردّ إلى القيّم بها، وتركوا القياس للعادة، وهذه العادة غير موجودة في الودائع.
стр. 4392
ولهذا قالوا: في العارية إذا كانت عِقْد جوهر، لم يجز أن يردها إلَّا إلى المعير؛ لأن مثل هذا لم تجر العادة بطرحه في الدار، ولا يدفعه إلى غلمان الخدمة، فصار كالوديعة.
وقال ابن سماعة عنه: في الرجل يبعث بالوديعة تكون عنده مع غلمانه، أو أجيره الذي استأجره مشاهَرَة [أو] مع ابنه الصغير أو الكبير الذي هو في عياله يمونه ويكفيه طعامه وكسوته، أو مع رجل هو في عياله على مثل تلك الحال، قال: هو جائزٌ، ولا ضمان عليه، وأما رجل يجري عليه نفقته دراهم في كلّ شهرٍ، فليس هذا بمنزلة الذي هو في عياله، فهو ضامنٌ.
وهذا صحيحٌ؛ لأن من كان في عياله لا يقدر على حفظ الوديعة عنهم، فالتسليم إليهم مأذونٌ فيه، ومن كان في منزله وإن كان في نفقته، فهو يقدر على منعهم، فيضمن بالتسليم إليهم.
قال: ولو أودع الوديعة شريكًا له مفاوضةً، أو [شريكًا] شركة عِنَان، أو عبدًا مأذونًا له فى التجارة، أو عبدًا له معزولًا عن منزله، فضاع، لم يكن في شيء من هذا ضمان، وكذلك أجيره وخادمه.
وكذلك لو استحفظها شريكه، فحملها إلى منزله، فضاعت، لم يكن عليه ضمانٌ.
وكذلك صَيْرفيّان شريكان، أودع أحدَهما رجلٌ وديعةً، فوضعها في كيسه، فأمر شريكه بحفظها، فحمل الكيس بما فيه من الوديعة والبضاعة، فضاع، لم يضمن؛ وذلك لأن كل واحد من الشريكين يحفظ ماله بشريكه، وبمملوكه،
стр. 4393
فصارت يدهم في المال كيده، فلم يضمن.
قال: وإذا أودع رجلٌ رجلًا وديعةً، فخلطها بغيرها خلطًا، لا تتميز منه، فهو ضامن، فإن كانت متميّزةً حين يوصل إليها [بعينها]، فلا ضمان على المودَع.
ولو أودعه رجلان، كل واحد منهما ألفًا على حدةٍ، فعمد المودَع إلى الألفين فخلطهما جميعًا، فاختلط المال، فإن أبا حنيفة قال: لا سبيل لواحد منهما على أخذ هذه الدراهم، ولهما على المودع ألفان.
وقال أبو يوسف ومحمد: هما بالخيار: فإن شاءا ضمناه ألفين، وإن شاءا أخذا هذه الألفين فاقتسماها نصفين، وقد بَيَّنَّا هذه المسألة في الغصب وذكرنا لأبي حنيفة: أن الخلط يمنع من الوصول إلى عين الوديعة، كإتلافها، وليس كذلك الخلط الذي لا يتميز؛ لأنه يمكن الوصول إلى عين (١) الوديعة، فكأنها لم تختلط.
وجهُ قولهما: أن عين المال بحاله، وإنما دخله نقصٌ بالشركة، فكان مالكه بالخيار: إن شاء أخذه مع النقص، وإن شاء ضمّن.
قال محمد: لا يسع المودَع أكل هذه الدراهم حتى يؤدي مثلها إلى أصحابها.
وهذا صحيح من قولهم أما على قولهما: فلأن المودع لم يملكها.
(وعلى قول أبي حنيفة: ملكها) (٢) من وجهٍ محظورٍ لم يؤد بدله.
قال: وإذا أودع رجل رجلًا مالًا، فمات المودَع، فإن كانت الوديعة معروفةً بعينها، قائمة في أيدي الورثة، ردّت على صاحبها، وإن كانت لا تعرف بعينها،
стр. 4394
فهو دين في تركة الميت، يحاص الغرماء، وإن كان دينهم (١) في الصحة، يكون كأحدهم.
أما إذا وجدت بعينها، فلقوله ﵇: "من وجد عين ماله، فهو أحق به" (٢). فإن لم يوجد، فقد ضيّع المودَع الحفظ فيها بترك بيان حالها، والمودَع إذا ضيع الحفظ [ضمن]؛ ولأنه لمّا لم يبيّن حالها، فالظاهر أنها باقيةٌ في يده، وقد حكمنا له فيها بحكم الملك، ولا يجوز أن نحكم له بالملك فيما لا يملكه حتى يحكم عليه بضمان قيمته.
وإذا ثبت أنها دين عليه، ساوى صاحبها الغرماء.
وإنما صارت كدين الصحة، وإن كان السكوت عن بيانها في المرض؛ لأنه ضمانٌ له سببٌ معلوم، فيساوي ديون الصحة وإن كان في المرض، كالقرض المعروف وثمن البيع (٣).
وَمِنْ مَسَائِل هَذَا الكِتَابِ المَشْهُورَةِ:
٢٧٠١ - [مَسألةُ: ضمان الصبي المحجور إذا أتلف الوديعة]
إذا أودع صبيًّا محجورًا عليه وديعة، فأتلفها، لم يضمن عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يضمن (٤).
стр. 4395
ولو أودعه عبدًا فقتله، ضمن في قولهم جميعًا (١).
وجه قولهما: أن الصبي من عادته تضييع الأموال، فإذا سلم إليه مع علمه بهذه العادة، فكأنه رضي بإتلافه، فلم يكن له تضمينه، كمن قدّم طعامًا إلى رجلٍ فأكله.
وليس كذلك العبد؛ لأنه ليس من عادة الصبيان قتل العبيد؛ ولأن المودِع مستعملٌ للصبي في حفظ الوديعة، ومن استعمل صبيًا كان ضامنًا فيما يُصيبُ الصبي في عمله، ولو لزمه ضمان في ذلك، لرجع به على المودِع، فلم يكن لإيجاب الضمان معنى.
وليس كذلك العبد؛ لأن المسألة محمولةٌ على أنه عبدٌ يمكنه أن يحفظ نفسه، فلم يكن إيداعه عند الصبي استعمالًا للصبي (٢) في حفظه.
لأبي يوسف: أن قبول الصبي الوديعة لا يتعلّق به حكمٌ، فكأنه أتلف المال من غير إيداعٍ، فلزمه ضمانه.
وعلى هذا الخلاف: إذا أودع عبدًا محجورًا، قال أبو حنيفة ومحمد: لا ضمان عليه في الحال؛ لأنه مستعمل العبد في الحفظ، ولو لزمه ضمان في استعماله، رجع به على المودع، فلا معنى لإيجاب الضمان عليه.
لأبي يوسف: أن قبول العبد الوديعة، لا يتعلّق به حكمٌ، فصار كأنه أتلفها من غير إيداعٍ، إلا أن حكم العبد مفارقٌ للصبي من وجهٍ؛ لأن العبد يضمن إذا أعتق، ولا يضمن الصبي بعد بلوغه؛ لأن العبد في نفسه ممن يملك قبول
стр. 4396
الوديعة، وإنما لا يلزمه ذلك لحق المولى، فإذا زال حق المولى بالعتق، صار كالحر، والصبي لا قول له، فلا يثبت لقبوله حكمٌ في الحال ولا بعد البلوغ (١).
تم كتاب الوديعة
стр. 4397
[٧٠] كتابُ العاريةِ
قال أيده الله تعالى: العارية عقدٌ جائزٌ، والدليل عليه: أن النبي ﷺ استعار من صفوان بن أميّة درعًا (١)، وقال ﷺ : " [العارية مؤدَّاةٌ و] المنحة مردودةٌ" (٢)؛ ولأن المنافع يصح تمليكها، فجاز أن تملك بعوضٍ وغير عوضٍ كالأعيان، ولا خلاف في جواز ذلك بين الأمة.
واختلف أصحابنا رحمهم الله تعالى في معنى العارية، فذكر أبو الحسن: أنها إباحة المنافع.
وكان أبو بكر يقول: إنها تمليك المنافع (٣).
واحتج من نصر قول أبي الحسن: بن المستعير لا يجوز له أن يؤاجر ما استعاره، ولو ملك المنافع، لجاز له أن يؤاجرها كالمستأجر.
والصحيح: أنها تمليكٌ؛ وذلك لأن المستعير يملك أن يُعير، ولو كانت إباحةً لم يجز أن يُملّكها لغيره، كما لا يجوز لمن أبيح له طعام أن يبيحه لغيره.
ولأن العريّة والعارية اشتق أحدهما من الآخر، وإنما خصّوا كل واحد من
стр. 4398
الاسمين بأمرٍ (١)، فقالوا في تمليك الأعيان: عريّة، وفي المنافع: عارية، فدلّ على أن أحد اللفظين تمليك كالآخر.
وأما امتناع الإجارة؛ فليس لأنه لم يملك، لكن المعنى أنه ملك (٢) المنافع على وجهٍ لا ينقطع حقه عنها متى شاء أن يرجع، فلو أجر المستعير، لتعلّق بالإجارة الاستحقاق، فقطع حق المعير عنها؛ فلذلك لم تجز الإجارة.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: العواري على ضربين: ضرب مضمون، وضرب غير مضمون.
فما كان من العواري له منافع يقع عليها عقد الإجارة، فهي أمانة، أمانة، ومنافعها مباحةٌ غير مملوكةٍ، يجوز لصاحبها الرجوع فيها متى شاء، كان وقّت للانتفاع وقتًا أو لم يوقّت.
وما لم يكن له منافع يجوز عقد الإجارة عليها، فهي قروض وإن كانت بلفظ العارية، وهي مضمونة إذا اقتضت بأمثالها.
قال: وهذا التقسيم (٣) الذي ذكره أبو الحسن، ليس هو على ظاهره؛ لأن عارية الدراهم والدنانير ليس بعاريةٍ في الحقيقة، وإنما هو عقدٌ على الأعيان، والعارية ما انعقد على المنافع، إلا أنه قسّم على الاسم لا على المعنى.
فإذا أعار ما له منافع، مثل الرقيق، والثياب، والأواني، والعقار، فالعقد وقع على منافعه، وللمستعير أن ينتفع به على الوجه المعتاد.
стр. 4399
وقوله: ومنافعها مباحة غير مملوكة، قد تكلمنا عليه.
ويجوز أن يتأوّل قوله، فيقال: إنه أراد بها غير مملوكة، [نفي] (١): الملك المستقر الذي لا يجوز الرجوع فيه.
وإنما جاز الرجوع في العارية متى شاء المعير وقّت أو لم يوقّت؛ لقوله: ﷺ : "المنحة مردودة، والعارية مؤدّاة"؛ ولأن التمليك يقع على المنافع، وهي معدومة، إنما يملكها المستعير حالًا فحالًا، فما لم يوجد منها تبرع لم يتصل بالقبض، فكان للمتبرع الرجوع فيه.
والدليل على أن العارية أمانةٌ إذا هلكت في يد المستعير لم يضمن؛ قوله ﵇: "ليس على المستعير غير المغلّ ضمانٌ، ولا على المودع غير المغلّ ضمانٌ" (٢)، ولأن هذا القبض لا يتعلّق به ضمان الأجزاء (٣) إذا تلفت بالاستعمال، فلا يتعلّق به ضمان العين، كقبض المستأجر، وعكسه قبض الغاصب.
والذي روي (أن النبي ﷺ استعار من صفوان أدرعًا، فقال له: أغصبًا تأخذها يا محمد)؟ فقال: "لا، بل عاريةٌ مضمونةٌ مؤدّاةٌ" (٤)، لا دلالة فيه من وجوه:
أحدها: أن كان هذا بمكة، وهي يومئذٍ دار حربٍ، والشرط الفاسد في دار الحرب كالشرط الصحيح في دار الإسلام.
стр. 4400
ومن أصحابنا من قال: إن العارية إنما لا تضمن إذا لم يشترط ضمانها، فإذا شرط ضمانها، ضمنت، وقد شرط النبي-عليه والسلام- الضمان.
فإن قيل: لو (١) كانت العارية لا تضمن، لم تضمن بالشرط، كالإجارة والوديعة.
قيل له (٢): إن الإجارة والوديعة إنما لم تضمن بالشرط؛ لأنه لا فائدة في شرط الضمان فيها، ألا ترى أن ما يلحق المستأجر والمودَع من الضمان يرجع به على المؤاجر والمودِع، وفي شرط الضمان في العارية فائدةٌ؛ لأن المستعير لا يرجع بما يلحقه من الضمان على المعير.
وجواب ثالث: وهو أن النبي ﷺ أخذ الأدرع من صفوان بغير رضاه، ألا ترى أن صفوان رجل من أهل اللغة، لا يخفى عليه اسم الغصب، وقد قال له: أغصبًا تأخذها يا محمد؟، فدل على أنه أخذها [بغير بدلٍ] (٣)، وللإمام عندنا إذا احتاج المسلمون إلى مثل هذا، أن يأخذه بغير إذن مالكه، فيكون مضمونًا على بيت المال.
وجواب رابع: وهو أن ابن جرير روى أن هذه الأدرع كانت لأهل مكة في يد صفوان (٤)، فقد أعارها بغير إذنهم، وهذه العارية يتعلّق بها الضمان.
وجواب خامس: وهو أن قوله: "بل عارية مضمونة"، معناه: مضمونة الردّ،
стр. 4401
ألا ترى أنه جعل الضمان صفة العارية، وضمان القيمة لا يكون صفةً لها، وإنما يكون بعد هلاكها.
قال: ولا يضمن العارية إلا أن يتعدى فيها، أو يخالف الاستعمال لغير ما استعاره، كما يضمن المستأجر في استعمال ما استأجر في غير ما استأجره له؛ وذلك لأنه قبضها بأمر المالك، فإذا تعدى أو خالف ما أمره به، فكأنه استعمل العين بغير إذن مالكها، فلزمه الضمان.
فأما القسم الثاني: وهو عارية ما لا منافع له، مثل الدراهم والدنانير والحنطة والشعير، فإنما كان قرضًا؛ لأن العارية تمليك المنافع، والمنافع المقصودة من الدراهم والدنانير (١) إنفاقها واستهلاك أعيانها، فكأن المعير أذن له في ذلك.
ثم لما كان عقد العارية يتضمن وجوب الردّ، أوجب ذلك الضمان فيها بأمثالها، وهذا معنى القرض؛ فلذلك جعلوا عارية الدراهم قرضًا، ولا تملك إلا بالقبض، كما لا يملك القرض إلا بالقبض؛ لأن القرض تبرعٌ، فلا يتم إلا بمعنى ينضم إلى عقده.
قال: وإذا استعار رجلٌ من رجلٍ دابةً، على أن يذهب عليها حيث شاء، ولم يسم مكانًا، ولا وقتًا، ولا ما يحمل عليها، فذلك جائزٌ، وله أن يحمل عليها ما شاء، ويذهب بها حيث شاء من المصر، [إن لم يخرج بها] (٢) عن المصر، وله أن يعيرها غيره؛ لأنه استعارها له، إلا أن يكون (شرط أن يكون) (٣) هو الذي يركبها، أو كان ثوبًا فشرط أن يلبسه هو، فليس له أن يركب غيره أو يلبس الثوب
стр. 4402
غيره، وما كان غير هذين، فما للمعير أن يفعله، فله أن يعيره غيره؛ وذلك لأنه لما أطلق العارية، ولم يخص منفعة دون منفعة، ولا مكانًا دون مكان، ولا راكبًا دون راكب، كان ذلك على العموم، إذ لو أراد الخصوص لخصّ.
وأما إذا استعار الشيء على أن يستعمله بنفسه، فهو على وجهين: كل ما تختلف منافعه باختلاف المستوفي، فليس له أن يعيره؛ وذلك لأن لبس الثوب يختلف باختلاف اللابس، وركوب الدابة تختلف باختلاف الراكب وعمله بالركوب) (١)، فإذا رضي المعير بلبس رجل، أو بركوبه، لم يكن ذلك رضًا بغيره (٢).
فأما ما لا (٣) يختلف منافعه باختلاف المستوفي، مثل الدار يستعيرها [ليسكنها]، فأعارها غيره، فلا ضمان عليه؛ لأن المنافع غير مختلفةٍ، فإذا رضي باستيفاء المستعير لها، فاستيفاء غيره كاستيفائه، فكأنه أذن فيه.
قال: وكل ما كان للمعير أن يفعله، فكل ذلك للمستعير منه، وما ليس له أن يفعله، فكذلك المستعير؛ لأن المستعير إنما يملك المنافع بالعارية، فمقدار ما يملكه يجوز أن يملّكه غيره، وما لم يملكه لا يجوز تمليكه له.
قال: وليس للمستعير أن يؤاجر شيئًا مما استعار، مما يصح فيه الإجارة، وإن فعل فهو ضامنٌ حتى يسلمه إلى المستأجر، ويكون المعير في ذلك بالخيار: إن شاء ضمن المستعير، وإن شاء ضمن المستأجر، فأيهما ضمّن لم يرجع على صاحبه.
وإنما لم يجز أن يؤاجره؛ لما قدمنا: أنه بالإجارة يقطع الحق الثابت للمعير
стр. 4403
في الرجوع، وهذا لا يجوز.
فإن قيل: فهلا جوّزتم إجارته، وجعلتم حق المعير في الرجوع عذرًا تفسخ به الإجارة، فلا ينقض (١) حق المعير.
قيل له (٢): إنا لو جَوَّزْنَا الإجارة، لصارت من مقتضى عقد العارية، فكأن المعير أذن له فيها، فلا يجوز أن يفسخ لحقه، وإذا لم يملك أن يؤاجر، فسلم إلى المستأجر، فالتسليم تعدٍّ من جهته، فتعلّق به الضمان.
والمستأجر ضامنٌ؛ لأنه قبض العين على وجهٍ لا يجوز قبضها عليه، فإن ضمن المستعير، لم يرجع على المستأجر؛ لأنه ملك العين بالضمان، فكأنه آجر ملك نفسه، فهلك (٣).
وإن ضمّن المستأجر، لم يرجع على المؤاجر، وهذا محمول على أنه استأجرها وهو يعلم أنها عارية، فلا يوجد من المستعير غرور له، والرجوع إنما يثبت بحكم الغرور، وأما إن لم يعلم، فيرجع عليه؛ لأنه قد غرّه بإيجاب عقدٍ فيه بدلٌ.
قال: وإذا استعار دابةً للركوب، أو ثوبًا للبس، ولم يسم من يلبسه، فأعاره غيره ليلبسه، أو أعار [الدابة] غيره (٤) ليركبها، فلا ضمان على واحدٍ منهما، وذلك جائز له غير محظور عليه؛ لأنه مَلَّكَهُ المنافعَ تمليكًا عامًا، ولم يخص استيفاءها بشخصٍ دون شخص، فكان له أن يستوفيها بنفسه وبغيره.
стр. 4404
قال: وإذا استعارها ليحمل عليها شيئًا ذكره وسمّاه، فحمل عليها غيره، فإن كان مثله في الكيل والوزن، والخِفَّة على الدابة، فلا ضمان عليه، وإن كان أثقل من ذلك، أو حمله أضرّ على الدابة، ضمن إذا حمل عليها؛ وذلك لأن التعيين في العقود إنما يثبت حكمه إذا كان فيه فائدةٌ، وإذا لم يكن فيه فائدةٌ، سقط، ولم يثبت حكمه، ألا ترى أنه لو قال: أعرتك هذه الدابة لتحمل عليها قفيزًا من طعام زيد، كان له أن يحمل عليها قفيزًا من طعام عمرو؛ ولأنه لا فائدة هذا التخصيص، فسقط.
وإذا ثبتَ هذا، فمتى أعاره الدابة ليحمل [عليها] قفيز حنطة، فحمل عليها قفيز شعير، لم يضمن؛ لأن الطعام [من الحنطة] أثقل، وضرره أكثر، وقد رضي رب الدابة بضرره، وضرر الشعير أقل منه، فصار راضيًا به، فكأنّ المستعير حمل عليها بعض قفيز، فلا يضمن (١).
وأما إذا قال له: احمل عليها مائة مَنٍّ (٢) [من] قطنٍ، فحمل عليها مائةً من حديدٍ، فهو مخالفٌ؛ لأن هذا التعيين فيه فائدةٌ، ألا ترى أن الحديد يخالف القطن، من غير ناحية الثقل (٣)، ولكنه مجتمع فيأخذ من ظهر الدابة موضعًا [واحدًا]، والقطن يتفرق في ظهرها، فكان في هذا التعيين فائدة، فيثبت حكمه وضمن بالمخالفة فيه (٤).
стр. 4405
قال: وإذا ردّ المستعير العارية مع ابنه، أو أبيه، أو عبده، أو أجيره، أو واحد ممن في عياله، فعطب في الطريق، فلا ضمان على المستعير، ولا على الرسول؛ وهذا على ما بَيَّنَّا: أن الإنسان يحفظ الأمانات بنفسه وبمن في عياله، فإذا سلم إليهم، لم يضمن.
قال: وكذلك لو ردها الرسول أو المرسل على عبد صاحبها، وهو عبده الذي يقوم عليها، فهلكت، فلا ضمان عليه.
وإن ردّ الدابة إلى منزل صاحبها الذي يكون فيه، فربطها على آريها (١)، فهلكت بعد ذلك، فلا ضمان عليه، وهذا استحسان (٢).
والقياس: أن يضمن؛ لأنها أمانة، فلا يبرأ منها إلا بالردّ إلى مالكها كالوديعة، وإنما تركوا القياس؛ لأن العادة جرت في ردّ العواري بهذا النوع، ألا ترى أن من استعار دابةً من أحدٍ، لم يردها إلى يده، وإنما يردها إلى إصْطَبله، ويستعير الجيران آلات البيت، ويلقونها في دار صاحبها، فتركوا القياس للعادة.
قال: وإذا استعار الرجل دارًا أو أرضًا على أن يبني فيها أو يغرس فيها نخلًا، فأذن له في ذلك، ثم بدا لصاحبها أن يخرجه، فله ذلك في الحكم، ولا يضمن شيئًا من الغرس، ولا من البناء، ويأخذ صاحب الغرس غرسه و [الباني] بناءه (٣).
وقال مالك: يضمن المعير قيمة الغرس والبناء (٤).
стр. 4406
وإنما جاز الرجوع لقوله ﷺ : "المنحة مردودة" (١)؛ ولأن المنافع إنما تملك حالًا فحالًا، وإذا رجع المعير فيما لم يقبض منها، فله ذلك، وإذا بطلت العارية بالرجوع، صار مشغلًا الأرض ببنائه، وغرسه، فكان عليه (٢) قلعه منه.
وإنما لم يضمن؛ لأنه لما لم يوقّت في العارية وقتًا، لم يوجد منه غرور للمستعير، وإنما غرّ المستعير نفسه حين بنى في ملك غيره مع علمه أن له حقّ الرجوع فيه.
قال: فإن كان صاحب الأرض وقّت له وقتًا في العارية: عشرين سنةً أو أكثر من ذلك، أو أقلّ، فأخرجه قبل ذلك [فله ذلك] في الحكم، ويضمن صاحب الأرض للمستعير قيمة غرسه وبنائه، ويكون ذلك لربّ الأرض والدار إذا أدى قيمته.
فإن قال صاحب البناء والغرس: لا أضمنك، ولكن أنقض بنائي وآخذ غرسي، فله ذلك (٣).
وإنما جاز له الرجوع وإن وقّت؛ لأن مقتضى العارية الرجوع، فلا يتغير ذلك بالتوقيت؛ ولأنه وعد وعدًا، فلا يستحق عليه الوفاء [به]، وإذا ثبت الرجوع، لزم المستعير إزالة بنائه وغرسه؛ ولأنه قد شغل ملك غيره بملكه، فكان عليه إزالته، كما [لو] فسخت العارية وهناك متاعٌ موضوعٌ.
وإنما كان للمعير أن يضمن البناء والغرس؛ لأنه [غرّه بالتوقيت، وهذا]
стр. 4407
تابعٌ لملكه، وفي إزالته ضررٌ عليه.
وأما قوله: إن للمستعير أن يقلع ذلك ولا يضمن، فهذا محمول على أنه لا ضرر على الأرض في القلع، فأما إن أضرّ بها، فالخيار لرب الأرض؛ لأن ملكه هو المتبوع، وإنما رجع المستعير بنقصان قيمة (١) البناء والغرس على المُعير؛ لأنه غرّه حين وقت له وقتًا، فرجع فيه، ألا ترى أن الظاهر أنه يفي بما وعد، فيغترّ المستعير بذلك، فلذلك ضمن له.
قال: فإن أعاره الأرض فزرعها المُستعير، فلما تقارب حصاده، أراد أن يخرجه، قال: أما الزرع، فإني أستحسن فيه إذا زرعها أن لا تؤخذ منه [الأرض] حتى يحصد الزرع، فإذا حصده، أخذ رب الأرض الأرض (٢).
أما القياس: فلأنه لما رجع في العارية، بطلت وصار المستعير شاغلًا الأرض بملكه [وماله]، فلزمه قلعه كالغرس.
وجه الاستحسان: أن الزرع له غاية ينتهي إليها، وأمكن إيفاء الحقين من غير ضرر، وهو أن ينتظر الزرع إلى أن يحصد، ويدفع إلى [المعير] مثل أجرة الأرض، فيوفّي الحقين.
وليس كذلك الغرس؛ لأنه لا غاية لقلعه، فلو بقيناه بالأجرة؛ لأَدَّى إلى استحقاق المنافع على التأبيد، وفي هذا ضرر.
قال: وإذا استعار دابةً ليركبها إلى موضع [ثم اختلفا]، فقال ربّ الدابة:
стр. 4408
لم آذن لك أن تبلغ هذا الموضع، وقال المستعير: قد أذنت لي، أو اختلفا في الأيام، فقال: أعرتك يومًا، أو فيما يحمل عليها، فالقول قول ربّ الدابة في ذلك كله مع يمينه، والمستعير ضامن؛ لأن الإذن يستفاد من جهة الملك، فالقول قوله في مقدار ما أذن فيه، ولهذا قال ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع" (١).
قال: وكلّ تصرفٍ تصرف فيه المستعير فيما استعمل فيه العارية مما يوجب الضمان، وادّعى إذن المعير فيه لم يصدق [فيه] إذا جحد المعير، وهو ضامنٌ، إلا أن تقوم له بيّنةٌ على الإذن؛ لأن سبب الضمان قد وُجد، فإذا ادعى الإذن المسقط للضمان لم يقبل قوله إلا ببيّنةٍ (٢).
(تم كتاب العارية ولله الحمد والمنّة، وصلى الله على محمد وآله) (٣).
стр. 4409
[٧١] كتاب الدعوى والبينات
قال الشيخ ﵀ (١): الدعوى (٢) في اللغة قول يقصد به الإنسان إيجاب حق على غيره، وهو فعل متعدٍّ لا يوجد إلا في مدَّعى عليه.
والمدّعي: اسم لفاعل الدعوى، كالضارب الذي هو فاعل الضرب، إلا أن [إطلاق الاسم] يتناول من ادعى شيئًا لا دلالة عليه، ألا ترى أن الحاكم إذا قامت البَيِّنَةُ لم يقل للطالب إنه مُدَّعٍ، ويقول له ذلك قبل إقامتها.
ويصح أن يقال: مُسَيْلَمَةُ مُدَّعِي النُّبُوَّة؛ لأنه لا دلالة معه، ولا يقال إن الرسول ﷺ يدل علي النبوة (٣)؛ لأن المعجزة دلالة على صدقه.
ومن أصحابنا من قال: إن اختصاص الاسم بالخارج [يعلم شرعًا].
فأما اللغة: فالاسم يتناول كل مُدَّعٍ، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: إطلاق الاسم في اللغة يتناول من لا ظاهر معه.
والأصل: أن الأسامي مُستعملة على أصل اللغة غير منقولة عنها، فالدعوى على ضربين: صحيحةٌ وفاسدة.
стр. 4410
فالصحيحة: ما يلزم المطلوب حكمها إن صحت، ويجوز للحاكم الحكم بها لو ثبتت.
والفاسدة: ما لا تتعلق بالمطلوب، ولا يصح الحُكْم بها لجهالتها، وإذا صحّت الدعوى أوجبت حقًا على المطلوب: وهو حضور مجلس الحكم، والجواب واليمين عند الإنكار. والدعوى الفاسدة لا يتعلق بها حكم، فلا يسمعها الحاكم.
والدليل على أن الحضور يجب بالدعوى، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]، وهذا ذمّ على الامتناع.
وروي عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال: (جاءت امرأة الوليد بن عقبة إلى رسول ﷺ لا تستعدي على زوجها، فأعداها (١)، فجاءت فقالت: أنا أدعي (٢)، فأعطاها هُدبةً من ثوبه كهدبة العدوى، فجاءت به) (٣)؛ ولأن الحكام يُحْضرون الناس بمجرد الدعوى من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير.
وأما الدعوى الفاسدة؛ فقد بَيَّنَّا أنها تفسد لوجهين: أحدهما: أن لا يلزم المطلوب حكمها، مثل أن يدعي عليه أنه وَكَّله، [فهذه الدعوى] (٤) لو صحت كان للمطلوب إبطالها، فلا معني لمسألته عنها.
والثاني: أن يدعي مجهولًا، فلا يسمع الحاكم الدعوى؛ لأن البينة لا تصح
стр. 4411
أن تقوم عليه، ولو نكل [الخصم] عن اليمين لم [يجب] (١) القضاء عليه بشيء؛ فلذلك لم يلزم حكمها.
وذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى حديث ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أعطي الناس بدعواهم لادّعى ناس دم قوم وأموالهم، ولكن (٢) البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٣)، وفي خبر آخر لم يذكر البينة (٤).
وهذا الخبر يشتمل على فوائد منها:
أن المُدَّعِيْ غير المُدَّعَى عليه؛ لأن النبي ﷺ فَرَّق [بينهما] وأفرد كل واحد منهما بحكم خصّه [به]، ولو كان كل واحدٍ منهما مُدّعيًا لأشرك (٥)، ولأنه لما أفرد كل واحد منهما باسم، فالظاهر زوال الاشتراك كسائر أسماء الأشخاص، وهذا الخبر من أخبار الآحاد رواه ابن عباس، وعمرو بن شعيب وغيرهم، إلا أنه في حيز التواتر؛ لأن الأمة اتفقت على العمل بموجبه لأجله، فإذا ثبت أن المُدَّعِيْ غير المُدَّعَى عليه، احتجنا إلى بيان كل واحد منهما.
وقد تكلم أصحابنا [في هذا]، فمنهم من قال: المُدَّعِيْ: من التمس غير الظاهر، والمُدَّعَى عليه: من تمسك بالظاهر.
стр. 4412
ومنهم من قال: إنّ المدِّعِي: من إذا ترك الخصومة لم يُجبر عليها، والمدّعى عليه: من يجبر على الخصومة وإن تركها.
وذكر أبو الحسن: أن المدّعي عندنا: الذي كَلَّفه رسول الله ﷺ البينة، وهو من التمس بدعواه أخذ شيء من [يد] غيره، أو إثبات حق في ذمته، والمدعى عليه: من نفى ذلك عن نفسه، وهذا ليس بخبر عام؛ لأن صاحب اليد إذا قال في جواب الدعوى: ابتعت من الخارج، لم يلتمس أخذ شيء من يد غيره، فلا أُثْبِتُ حقًا في ذمته: وهو مدعٍ.
ومن أصحابنا من قال: المدعي: من ادّعى معنى حادثًا، وهذا [أيضًا] ليس بعام]؛ لأن المتنازعين في الشيء إذا ادعى كل واحد منهما ملكًا مطلقًا، أو ادعى ملك الأصل، فليس بمدّعٍ [لملك] حَادث.
وقال محمد في كتاب الدعوى: والمُدَّعَى عليه هو المُنْكِرُ.
واعُترض على هذا [الحدّ]، فقيل: مَنْ ادّعى دارًا في يد غيره وهو ينكر أن يكون لصاحب اليد، وصاحب اليد ينكر أن يكون له.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الخارج لا يحتاج في صحة دعواه إلى إنكار، وإنما ذلك في مضمون دعواه، وصاحب اليد لا بدّ له من الإنكار في صريح دعواه.
فإن قيل: المودَع إذا طولب بالوديعة فقال: رددتها، فليسَ بمُنْكِرٍ، وهو مُدَّعَى عليه، قيل له: هذا قد اعترف بالدعوى، وهو الإيداع، ثم ادعى الرد فهو مُدَّعٍ، وإنما جعلت حجته في الشرع يمينه؛ ولهذا تقبل على الإثبات (١).
стр. 4413
٢٧٠٢ - فَصْل: [الأحكام المستنبطة من الخبر]
وقد دلَّ هذا الخبر على أحكام عقلية وأحكام شرعية، فأما العقلي: فهو أن المدعي لا يستحق بدعواه، والشرعي: على أنه يستحق بالبينة، فإن القول قول المُدَّعَى عليه عقلي، إلَّا أن وجوب اليمين شرعي، وقوله ﵇: "البينة على المُدَّعِي" عام؛ لأن كل مدعٍ يثبت في حقه البينة، وقوله: "واليمين على المُدَّعَى عليه" خاص، لأن اليمين لا يجب على من ادعى [عليه] حقه، ولا فيما لا يصح بذله عند أبي حنيفة، ولا يجب على الإمام والحاكم وأمينه فيما يتعلق بالحكم.
وقد دلَّ هذا الخبر على أن رَدَّ اليمين على المدعي لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ جعل جنس الأيمان في جنبة (١) المدعى عليه؛ ولأنه أخرج الكلام مخرج التمييز والتفصيل، فلا ينقل حكم أحدهما إلى الآخر، كقوله: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (٢)، وقوله: "البكر تستأمر في نفسها، والثيّب تشاور" (٣).
وقد دَلَّ الخبرُ على أن بَيِّنَةَ صاحب اليد لا تقبل؛ لأن النبي ﷺ جعل جنس البيِّنات في جنبة المدعي، فلا تنفى بيّنة تثبيت في حق المدّعى عليه.
وقد دَلَّ الخبر على أن القضاء بالشاهِد واليمين لا يجوز؛ لأنه ﷺ جعل جنس الأيمان في حق المدعى عليه، وجعل فصل الحكم متعلقا إما بالبينة وإما باليمين.
стр. 4414
٢٧٠٣ - فَصْل: [اليمين تقوم مقام البينة]
وذكر عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس -وكنت عاملًا- في امرأتين كانتا على جداد، فجاءت إحداهما تذكر بأن صاحبتها وَجَأتها، وليست لها بيّنة، فكتب إليّ ابن عباس أن: اسألها البيّنة، فإن لم تكن لها بينة فاستحلفها واقرأ عليها القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، فإنه بلغنا أن النبي ﷺ قال: "لو أعطينا الرجل بدعواه، لادَّعَى الرجل مال الرجل" (١)، فاستحلَفتها فأبت أن تحلف، فألزمتها.
وهذا يدل على أن الحاكم يسأل المدعي عن البينة قبل الاستحلاف، ويدل على وجوب اليمين في دعوى الجناية، وقد دَلَّ على أن القاضي يعظم حرمة اليمين، ويعظ المطلوب قبل الحلف، حتى لا يقدم على يمين كاذبة، ويدل على وجوب القضاء بالنكول؛ لأنه قال: فنكلت فألزمتها (٢).
وذكر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، قال: الحكمة: البينة، وفصل الخطاب: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (٣)، وهذا يدل على أن الأحكام التي ذكرها النبي ﷺ في خبر ابن عباس ثابتة في شريعة من قبلنا، وقد صارت شريعة لنا بقوله ﵇.
قال أبو الحسن ﵀ بعد ذكر [حدّ] المدعي: فإذا كانت الدعوى على حاضر، سأل الحاكمُ المُدَّعَى عليه عما ادُّعِيَ عليه، فإن أقرّ به ألزمه
стр. 4415
إقراره، وحكم به عليه، وإن جحد كُلّف المدّعي البينة على دعواه، فإن [أقام] (١) عليها بينة قضي له بها، وإن لم يقم له على دعواه بينة استحلف المُدَّعَى عليه إن التمس المدعي يمين المدعى عليه، ولا يستحلف الحاكم المدعى عليه حتى يسأله المدعي استحلافه، فأما قبل ذلك فلا، وقد بَيَّنَّا أن [الدعوى] الصحيحة تجب بمسألة المطلوب عنها؛ لأن الغرض بالمنازعة معرفة ما يقوله؛ ولأن البينة ثبتت مع الإنكار، ويجوز أن يكونَ مُقِرًّا فلا تسمع البينة عليه.
ولأنا إذا جَوَّزْنَا أن يَقِرَّ فتنقطع الخصومة، وجب أن يبتدئ بمسألته، فإن أقر ألزمه القاضي إقراره بقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، يعني شاهدًا، ولأنه غير متهم على نفسه.
ومعنى قوله: ألزمه [الحاكم] إقراره، أي: يأخذه [به]، وقوله: وحكم عليه به، فإن ذلك يقف على طلب المدعي؛ لأنه حق له، ألا ترى أنه يجوز أن يعزل القاضي أو يموت فيجحد الخصم، فإذا حكم وأشهد على حكمه كان أوثق لِحَقّه.
وأما قوله: فإن جحد كلّف المدّعي البينة، فليس معناه: أنه يلزمه ذلك؛ لأن إقامة البينة من حقوقه، وموقوف على اختياره، وإنما يعني أنه يسأله [أَلَهُ] بينة أم لا؛ وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة: أن المطلوب لا يستحلف إذا قال المدعي: لي بينة حاضرة.
وعلى قول أبي يوسف ومحمد: إذا كان الشهود في مجلس الحكم لم يستحلف الخصم، فلذلك يسأله الحاكم عن إقامة البينة.