← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

أن تقوم عليه، ولو نكل [الخصم] عن اليمين لم [يجب] (١) القضاء عليه بشيء؛ فلذلك لم يلزم حكمها. وذكر أبو الحسن رحمه الله تعالى حديث ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أعطي الناس بدعواهم لادّعى ناس دم قوم وأموالهم، ولكن (٢) البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٣)، وفي خبر آخر لم يذكر البينة (٤). وهذا الخبر يشتمل على فوائد منها: أن المُدَّعِيْ غير المُدَّعَى عليه؛ لأن النبي ﷺ فَرَّق [بينهما] وأفرد كل واحد منهما بحكم خصّه [به]، ولو كان كل واحدٍ منهما مُدّعيًا لأشرك (٥)، ولأنه لما أفرد كل واحد منهما باسم، فالظاهر زوال الاشتراك كسائر أسماء الأشخاص، وهذا الخبر من أخبار الآحاد رواه ابن عباس، وعمرو بن شعيب وغيرهم، إلا أنه في حيز التواتر؛ لأن الأمة اتفقت على العمل بموجبه لأجله، فإذا ثبت أن المُدَّعِيْ غير المُدَّعَى عليه، احتجنا إلى بيان كل واحد منهما. وقد تكلم أصحابنا [في هذا]، فمنهم من قال: المُدَّعِيْ: من التمس غير الظاهر، والمُدَّعَى عليه: من تمسك بالظاهر.

стр. 4412

ومنهم من قال: إنّ المدِّعِي: من إذا ترك الخصومة لم يُجبر عليها، والمدّعى عليه: من يجبر على الخصومة وإن تركها. وذكر أبو الحسن: أن المدّعي عندنا: الذي كَلَّفه رسول الله ﷺ البينة، وهو من التمس بدعواه أخذ شيء من [يد] غيره، أو إثبات حق في ذمته، والمدعى عليه: من نفى ذلك عن نفسه، وهذا ليس بخبر عام؛ لأن صاحب اليد إذا قال في جواب الدعوى: ابتعت من الخارج، لم يلتمس أخذ شيء من يد غيره، فلا أُثْبِتُ حقًا في ذمته: وهو مدعٍ. ومن أصحابنا من قال: المدعي: من ادّعى معنى حادثًا، وهذا [أيضًا] ليس بعام]؛ لأن المتنازعين في الشيء إذا ادعى كل واحد منهما ملكًا مطلقًا، أو ادعى ملك الأصل، فليس بمدّعٍ [لملك] حَادث. وقال محمد في كتاب الدعوى: والمُدَّعَى عليه هو المُنْكِرُ. واعُترض على هذا [الحدّ]، فقيل: مَنْ ادّعى دارًا في يد غيره وهو ينكر أن يكون لصاحب اليد، وصاحب اليد ينكر أن يكون له. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الخارج لا يحتاج في صحة دعواه إلى إنكار، وإنما ذلك في مضمون دعواه، وصاحب اليد لا بدّ له من الإنكار في صريح دعواه. فإن قيل: المودَع إذا طولب بالوديعة فقال: رددتها، فليسَ بمُنْكِرٍ، وهو مُدَّعَى عليه، قيل له: هذا قد اعترف بالدعوى، وهو الإيداع، ثم ادعى الرد فهو مُدَّعٍ، وإنما جعلت حجته في الشرع يمينه؛ ولهذا تقبل على الإثبات (١).

стр. 4413

٢٧٠٢ - فَصْل: [الأحكام المستنبطة من الخبر] وقد دلَّ هذا الخبر على أحكام عقلية وأحكام شرعية، فأما العقلي: فهو أن المدعي لا يستحق بدعواه، والشرعي: على أنه يستحق بالبينة، فإن القول قول المُدَّعَى عليه عقلي، إلَّا أن وجوب اليمين شرعي، وقوله ﵇: "البينة على المُدَّعِي" عام؛ لأن كل مدعٍ يثبت في حقه البينة، وقوله: "واليمين على المُدَّعَى عليه" خاص، لأن اليمين لا يجب على من ادعى [عليه] حقه، ولا فيما لا يصح بذله عند أبي حنيفة، ولا يجب على الإمام والحاكم وأمينه فيما يتعلق بالحكم. وقد دلَّ هذا الخبر على أن رَدَّ اليمين على المدعي لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ جعل جنس الأيمان في جنبة (١) المدعى عليه؛ ولأنه أخرج الكلام مخرج التمييز والتفصيل، فلا ينقل حكم أحدهما إلى الآخر، كقوله: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (٢)، وقوله: "البكر تستأمر في نفسها، والثيّب تشاور" (٣). وقد دَلَّ الخبرُ على أن بَيِّنَةَ صاحب اليد لا تقبل؛ لأن النبي ﷺ جعل جنس البيِّنات في جنبة المدعي، فلا تنفى بيّنة تثبيت في حق المدّعى عليه. وقد دَلَّ الخبر على أن القضاء بالشاهِد واليمين لا يجوز؛ لأنه ﷺ جعل جنس الأيمان في حق المدعى عليه، وجعل فصل الحكم متعلقا إما بالبينة وإما باليمين.

стр. 4414

٢٧٠٣ - فَصْل: [اليمين تقوم مقام البينة] وذكر عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس -وكنت عاملًا- في امرأتين كانتا على جداد، فجاءت إحداهما تذكر بأن صاحبتها وَجَأتها، وليست لها بيّنة، فكتب إليّ ابن عباس أن: اسألها البيّنة، فإن لم تكن لها بينة فاستحلفها واقرأ عليها القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، فإنه بلغنا أن النبي ﷺ قال: "لو أعطينا الرجل بدعواه، لادَّعَى الرجل مال الرجل" (١)، فاستحلَفتها فأبت أن تحلف، فألزمتها. وهذا يدل على أن الحاكم يسأل المدعي عن البينة قبل الاستحلاف، ويدل على وجوب اليمين في دعوى الجناية، وقد دَلَّ على أن القاضي يعظم حرمة اليمين، ويعظ المطلوب قبل الحلف، حتى لا يقدم على يمين كاذبة، ويدل على وجوب القضاء بالنكول؛ لأنه قال: فنكلت فألزمتها (٢). وذكر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، قال: الحكمة: البينة، وفصل الخطاب: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه (٣)، وهذا يدل على أن الأحكام التي ذكرها النبي ﷺ في خبر ابن عباس ثابتة في شريعة من قبلنا، وقد صارت شريعة لنا بقوله ﵇. قال أبو الحسن ﵀ بعد ذكر [حدّ] المدعي: فإذا كانت الدعوى على حاضر، سأل الحاكمُ المُدَّعَى عليه عما ادُّعِيَ عليه، فإن أقرّ به ألزمه

стр. 4415

إقراره، وحكم به عليه، وإن جحد كُلّف المدّعي البينة على دعواه، فإن [أقام] (١) عليها بينة قضي له بها، وإن لم يقم له على دعواه بينة استحلف المُدَّعَى عليه إن التمس المدعي يمين المدعى عليه، ولا يستحلف الحاكم المدعى عليه حتى يسأله المدعي استحلافه، فأما قبل ذلك فلا، وقد بَيَّنَّا أن [الدعوى] الصحيحة تجب بمسألة المطلوب عنها؛ لأن الغرض بالمنازعة معرفة ما يقوله؛ ولأن البينة ثبتت مع الإنكار، ويجوز أن يكونَ مُقِرًّا فلا تسمع البينة عليه. ولأنا إذا جَوَّزْنَا أن يَقِرَّ فتنقطع الخصومة، وجب أن يبتدئ بمسألته، فإن أقر ألزمه القاضي إقراره بقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]، يعني شاهدًا، ولأنه غير متهم على نفسه. ومعنى قوله: ألزمه [الحاكم] إقراره، أي: يأخذه [به]، وقوله: وحكم عليه به، فإن ذلك يقف على طلب المدعي؛ لأنه حق له، ألا ترى أنه يجوز أن يعزل القاضي أو يموت فيجحد الخصم، فإذا حكم وأشهد على حكمه كان أوثق لِحَقّه. وأما قوله: فإن جحد كلّف المدّعي البينة، فليس معناه: أنه يلزمه ذلك؛ لأن إقامة البينة من حقوقه، وموقوف على اختياره، وإنما يعني أنه يسأله [أَلَهُ] بينة أم لا؛ وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة: أن المطلوب لا يستحلف إذا قال المدعي: لي بينة حاضرة. وعلى قول أبي يوسف ومحمد: إذا كان الشهود في مجلس الحكم لم يستحلف الخصم، فلذلك يسأله الحاكم عن إقامة البينة.

стр. 4416

وأما قوله: فإن أقام عليها بينة قضي له بها؛ فلأن الشهادة كشفت عن صدق الدعوى فوجب إلزام الخصم حكمها؛ ولأن البينة لا يتعلق بها حكم حتى ينضم إليها القضاء، فلذلك حكم بها إذا التمس المدّعي منه ذلك. وأما قوله: فإن لم يُقم بينةً استحلف المدعى عليه؛ فلأن القاضي منصوب لقطع الخصومة، وذلك يكون بأحد ثلاث معانٍ: إما الإقرار، أو البينة، أو اليمين، وقد فات [الأمران] (١)، فلم يبق إلا اليمين. ولا يستحلفه إلا بمطالبة المدعي؛ لأن الاستحلاف حق له، فاستيفاؤه يقف على مطالبته. [ولأَنَّه] (٢) يجوز أن يختار تأخير اليمين إلى أن يقدر على البينة، فإذا استحلف الخصم لم يأمن أن يرفعه إلى قاضٍ لا يرى سماع البينة بعد اليمين؛ فلذلك وقفت على مطالبته (٣) ٢٧٠٤ - فَصْل: [مَرَاتِبُ الشَّهَادَةِ فِي الدَعَاوَى] قال: ولا يقبل الحاكم على الدَّعَاوَى إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين أحرار عدول، إلا في الولادة خاصة، والعيوب التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإنه يقبل عليها شهادة امرأة إذا كانت حرّة مسلمةً عدلًا. وجملة هذا: أن الشهادة على مراتب، لا تقبل في الزنا أقل من أربعة، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]، وقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ

стр. 4417

الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وما سوى الزنا مما تؤثر فيه الشبهة لا تثبت إلا بشهادة رجلين؛ لما روي عن الزهري قال: (مضت السُّنَّة من رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود، ولا في القصاص) (١). ولأن شهادة النساء قائمة مقامَ شهادة الرجال، وما تسقطه الشبهة لا يثبت بما قام مقامَ الغير، وأما ما لا يسقط بالشبهة ويجوز للرجال الاطلاع عليه، فيثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢). فإن قيل: هذه الآية تدل على قبول شهادة العدد المذكور ولا تنفي غيره. قلنا: بلى تنفي [قبول] شهادة ما دونه؛ لأن المقادير لابد [لتقديرها من فائدة: منها: ما] (٣) لا تجوز الزيادة عليها ولا النقصان منها كالحَدِّ والعدة. ومنها: ما لا تجوز الزيادة عليها ويجوز النقصان منها، كعدد المنكوحات. ومنها: ما يزاد عليه ولا ينقص منه كمدة السفر، وقد ثبت أن الزيادة على العدد المذكور في الشهادات مقبولة، فلو جاز النقصان لبطلت فائدة التقدير. ٢٧٠٥ - فَصْل [العدد في شهادة النساء] وأما ما لا يطَّلع عليه الرجال مثل الولادة والعيوب الباطنة بالنساء، فتقبل

стр. 4418

فيها عندنا شهادة امرأة واحدة، وقال مالك: امرأتين (١)، وقال الشافعي: أربعة (٢). لنا: ما روي (عن النبي ﷺ أنه أجاز شهادة القابلة في الولادة) (٣)؛ ولأن ما يقبل فيه قول النساء منفردات لا يشترط فيه العدد كالأخبار، ولم يذكر أصحابنا شهادة الرجال على الولادة، [هل يعتبر فيها العدد أم لا؟ والصحيح أن الرجل إذا شهد بالولادة وقد] حضرها لضرورة عدم النساء، قبل شهادة واحدٍ؛ لأنه إذا جاز قبول شهادة امرأةٍ واحدةٍ؛ فلأن يقبل قول رجل واحد هو آكد وأولى (٤). ٢٧٠٦ - فَصْل: [اعتبار العدالة في الشهود] وأما اعتبار العدالة؛ فلقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]؛ ولأن الفاسق يعلم أن الفسق حرام ويقدم عليه، فلا يؤمن أن يقدم على شهادة الزور، فصار متهمًا في شهادته. فأما اعتبار الحريّة، فشهادة العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد لا تقبل عندنا. قال محمد بن مسلمة (٥): [كان يحيى بن أكثم أعلم الناس باختلاف الناس في زمانه، وكان إذا قال في مسألة] لا خلاف فيها، نزل أهل العراق على قوله وسمعته.

стр. 4419

قال: لا خلاف أن شهادة العبد لا تقبل (١)، وقد دل على ذلك إجماع الصحابة؛ لأن عليًا ﵇ كان يقول في المكاتب: يعتق بقدر ما أدّى من كتابته، وكان زيد بن ثابت يقول: لا يعتق ما لم يؤدِّ جميع كتابته، فقال زيد لعلي: أرأيت لو شهد أتجيز شهادته؟ قال: لا (٢). وروي عن عمر ﵁ أنه كان يقول: إذا شهد العبد فردت شهادته ثم عتق فشهد بتلك الشهادة، جازت شهادته، وقال عثمان ﵁: لا تقبل. فقد اتفقا أنها لا تقبل في حال الرق. وعن ابن عباس: أن شهادة العبد لا تقبل؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والعبد لا يقدر على الإتيان إلى الحاكم إذا دعاه، فدلَّ على أنه لم يدخل تحت الآية؛ ولأنه قول يؤدي إلى إيجاب الضمان عليه، ألا ترى أنه إذا رجع عن الشهادة ضمن، وهذا المعنى لا يصح من العبد. كالكفالة. وأما العبد المعتق بعضه فعند أبي حنيفة: أنه مكاتب، فلا تقبل شهادته، وعلى قولهما: أنه حرّ عليه دين، فتقبل شهادته كسائر الأحرار (٣).

стр. 4420

٢٧٠٧ - [فَصْل: شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض] قال: ويقبل القاضي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض إذا كانوا عدولًا في دينهم وإن اختلفت مللهم، وهو قول شُرَيح، والشَّعْبي، وعمر ابن عبد العزيز، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد (١). قال الليث: خالف مالك [مُعلميه] (٢) في [ردِّ] شهادة النصارى بعضهم على بعض (٣)، وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها. قال الطحاوي: قال ابن أبي عمران: سمعت يحيى بن أكثم يقول: ما وجدت عن أحد في المتقدمين أن شهادة النصارى بعضهم على بعض لا تقبل، إلا ربيعة، فإني وجدت عنه روايتين، وقال مالك والشافعي: لا تجوز (٤). لنا: ما روى جابر: (أن النبي ﷺ قبل شهادة أربعة من اليهود على اليهودِيَّيْن في الزنا، وَرَجمهما) (٥)، ولا يقال: روي أنهما أَقَرَّا؛ لأنهما لا يمتنع أن يكونا أقرَّا بعد الشهادة عليهما، ألا ترى أن الإقرار لو سبق لم يجز أن تسمع الشهادة. ولأن [كُلَّ] من جاز أن يثبت له الولاية على غيره جاز أن تقبل شهادته عليه كالمسلم؛ ولأنه عدل في دينه، فجاز أن تقبل شهادته كالمسلم. وأما إذا اختلفت مللهم: فعندنا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وقال ابن

стр. 4421

أبي ليلى: لا تقبل. لنا: أن من جاز أن تقبل شهادته على أهل دينه، جاز أن تقبل على غيرهم كالمسلم. ٢٧٠٨ - فَصْل: [اعتبار الدار في شهادة الكفار بعضهم على بعض] قال: والكفر عند أصحابنا ملة واحدة ما داموا في حكم دار واحدة، فإن اختلفت دورهم في أحكامهم لم تجز شهادة أهل دار على أخرى من غير [أهل] دارهم؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، فجعل لنا دِينًا وللكفار دِينًا. وقال النبي ﷺ : "نحن خير وجميع الناس خير"، ولأنه يجمعهم اعتقاد واحد يقرون عليه، فصاروا كالمسلمين. ولا يقال: إن أحكامهم مختلفة؛ لأنه يجوز للمسلم أن يتزوّج بالكتابية، ولا يجوز أن يتزوج بالمجوسية؛ لأن هذا الاختلاف فيما بينهم وبيننا، وكلامنا في أحكامهم فيما بينهم. فأما إذا اختلفت الدور فقد قالوا: إن شهادة المستأمن لا تقبل على الذِّمِّي. وتقبل شهادة الذِّمِّي على المستأمن؛ لأن اختلاف الدارين يقطع العصمة والموالاة كما تُقْطَع باختلاف المِلَّتَين، فكما تقبل شهادة المسلم على الكافر ولا تقبل شهادة الكافر على المسلم، كذلك تقبل شهادة أهل دارنا عليهم ولا تقبل شهادتهم على أهل دارنا.

стр. 4422

٢٧٠٩ - فَصْل: [الأصل في المسلم العدالة] قال: والمسلمون عندنا عدول في شهادتهم، يجرون على ذلك، وتمضي شهادتهم إلا من ظهرت منه رِيبةٌ عند أبي حنيفة، إلا أن يطعن المشهود عليه في الشاهدين، فيوقف الأمر حتى يسأل عنهم، فإن زكوا حكم بشهادتهم وأظهر تزكيتهم، وإن جُرحوا أوقف الشهادة ولم يمضها، ولم تكشف عن حال الشهادة ما خلا الحدود، فإنه لا يحكم بشهادة الشهود حتى يسأل عنهم. أما جواز الحكم بظاهر العدالة فهو قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تقبل شهادتهم حتى يسأل القاضي عن عدالة الباطن، وهو قول الشافعي، وكان أبو بكر الرازي يقول: لا اختلاف في هذه المسألة في الحقيقة؛ لأن أبا حنيفة [إنما] أجاب على أهل زمانه، وكان الغالب عليهم العدالة، وقد زكاهم رسول الله ﷺ بقوله: "خير الناس قرني الذين بعثتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثمَّ يفشو الكذب" (١). وأجاب أبو يوسف ومحمد في أهل عصرهما، وقد تغيّر الناس وكثر الفساد، فلو شاهد أبو حنيفة [ذلك] لقال مثل قولهما. لأبي حنيفة -على ظاهر الرواية-: ما روي (أن النبي ﷺ قبل شهادة الأعرابي على رؤية الهلال لما أظهرَ الإسلام) (٢)، ولم يسأل عن أمر عدالته؛ ولأن الظاهر أن الإنسان يبلغ وهو غير مرتكب لمعصية، فيحصل له عدالة الإسلام،

стр. 4423

فيجبُ الحكم بها، إلا أن يظهر ما ينافيها، كمن عدله الحاكم لما ثبتت له عدالته، لم تجب المسألة [عنه] في الثاني. ولأن الأئمة لم يسألوا عن الشهود، وأول من سأل عن ذلك ابن [شبرمة] (١)، فدلَّ من اتفاقهم على اعتبار عدالة الإسلام. وجه قولهما: أن الشاهد يجوز أن يكون عدلًا في الباطن، ويجوز أن يكون فاسقًا، فوجب اعتبار حاله حتى لا يحكم بقول من لا يجوز الحكم بقوله. ولأن الواجب الحكم بشهادة العدل، فوجَب البحث عن حصول هذه الصفة كالشهادة بالحدود. وأما إذا طعن الخصم فقد ادعى معنىً حادثًا، فصارت المسألة حقًا له بدعواه، وإن لم تكن حقًا قبلها، كالإحضار (٢) والاستحلاف. فإن قيل: إذا كانت العدالة حاصلة بالإسلام، فوجب أن لا يسأل عنه وإن طعن الخصم فيه، [كمن] (٣) عدله الحاكم [ثم طعن الخصم فيه]. قيل له: إن التعديل إن كان متقدمًا فوجب أن (٤) يسأل [عنه]؛ لأن العدالة قد تتغير. و [قد] قال محمد: إن القاضي [قد] يجب عليه أن ينظر في عدالة الشهود

стр. 4424

كل ستة أشهر، وإن كان التعديل قريبًا فلا معنى للمسألة، وقد عرف القاضي حكمها. ٢٧١٠ - فَصْل: [المسألة في شهادة الحدود] وأما في الحدود فلأنه قد اعتبر فيها مِنَ الاحتياط ما لم يعتبر في غيرها، ولهذا لا تقبل فيها شهادة النساء، ولا الشهادة على الشهادة، فجاز أن يؤكد أيضًا بعدالة الباطن؛ ولأن المسألة في ذلك إجماع؛ لأن القائل أحد قائلين: إما من قال: [لا تجب المسألة إلَّا في الحدود، أو من قال: تجب في الحدود وغيرها. ومن أصحابنا مَنْ قال: إنّ] المشهود عليه في الحدود قد جرح الشهود بقوله: لم أَزْنِ، فكأنه قال: كذبوا، فصار كالشهادة في المال إذا طعن الخصم [في الشهود]، ولا يقال: وكذلك في الأموال؛ لأن جحودَ المطلوب في [الأموال] ليس بتكذيب، لجواز أن [يشهدوا بدين صحيح، ويكون الطالب قبض أو أبرأ، ويجوز أن يشهد] الشهود بالغصب في الظاهر، فيقول المطلوب ما غصبت؛ لأن العين كانت وديعة [له] في الباطن، أو كان عليه دين فلم يكن في الجحود جرح له (١). ٢٧١١ - فَصْل: [إظهار تزكية الشهود] وأما قوله: فإن زُكُّوا حكم بشهادتهم، وأظهر تزكيتهم؛ فلأن القاضي إذا زكى الشهود في الباطن أظهر التزكية؛ لجواز أن يكون عند بعض الناس جرح لم يظهره اختيارًا للستر، فإذا علم أن الحكم ينفذ بقوله أظهره للحاكم، فهذه فائدة

стр. 4425

إظهار التعديل. فأما إذا جرح الشاهد أوقف شهادته؛ لأنه لا يجوز الحكم بقوله مع عدم العدالة، ولا يظهر ذلك لأنا قد أُمرنا بستر المسلمين، وأن لا نهتك عوراتهم، فلم يجز إظهار جرحهم. وأما الحرّية والإسلام فلم يبين حالهما. وقد كان بعض شيوخنا يقول: إنه يرجع في الحريّة والإسلام إلى ظاهر الدار، ولا يرجع إلى المسألة فيها؛ لأن ظاهر الدار يقتضي الإسلام والحريّة، كما يقتضي ظاهر الإسلام العدالة، ولا يقال: إن الأعرابي لمّا شهد عند النبي ﷺ برؤية الهلال، قال له: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " فدل أنه لا يرجع في الإسلام إلى الظاهر؛ وذلك لأن الأعرابي لم يكن من أهل المدينة، فيثبت له حكم الدار، ولم تكن البوادي كلها دار إسلام. (١).

стр. 4426

بَابْ: اختلافِ الدعوى والشهادةِ عليها قال أبو الحسن ﵀: وإذا كانتِ الدارُ في يدي رجل أو العبد أو الثوب أو مال من الأموال كائنًا ما كان، فادّعاه رَجل ليس في يده، وادّعاه الذي هو في يده، فإن القول [قول] الذي ذلك الشيء في يده، وعلى الآخر البينة على ما قدمت في صدر الكتاب. فإن أقام الذي ليس في يده ذلك الشيء [البيّنة] أنه له، وأقام الذي في يده الشيء أيضًا أنه له، فالبينة: بينة الذي ليس [هو] في يده؛ لأنه هو المدّعي، وإذا لم يكن له بينة، فعلى الذي في يده اليمين؛ لأنه المدّعى عليه، إلى آخر الفصل. قال: وجملة هذا: أن الخارج هو المدعي؛ لأنه يدّعي خلاف الظاهر، ولأنه لا يُجبر على الخصومة إن تركها، وقد قال ﷺ : "البينة على المدعي". وأما صاحبُ اليد فهو المُدَّعَى عليه؛ لأنه يجبر على الخصومة، ولأنهُ يدعي الظاهر، وقد قال ﷺ : "وعلى المدعى عليه اليمين" (١). فأما بينةُ صاحب اليد على الملكِ المطلق فلا تقبل عندنا، وقال الشافعي: تقبل إذا أقامَ صاحب اليد بينة كانت بَيِّنَتُه أولى من بينة الخارج (٢).

стр. 4427

لنا: أن النبي ﷺ جعل جنس البينة في حق المدعي، وقد بَيَّنَّا أن الخارج هو المدعي، فلم يبق بينة تثبت في حق غيره، ولأنه أقام البينة على ما يشهد له ظاهر يده، فلم تقبل، كما لو أقامها ابتداءً؛ ولأن يده قد دلت على الملك، والشهود إنما يرجعون في الشهادة إلى هذا الظاهر، وقد عرف القاضي هذا ولم تعارض به بينة الخارج، فكذلك الشهادة المتصدرة عنه [لا تقبل]. ولا يلزم البينة بالتاريخ؛ لأن الظاهر لا يدل على التقدم في الملك، فقد أقام البينة على معنى لا يدل عليه ظاهر يده، وكذلك إقامة البينة على النتاج وعلى الشراء من الخارج. ولا يلزم إذا أقام المدعي البينة أن هذا عبده، وأقام هو البينة على الحريّة؛ لأن الشهود لا يرجعون في الشهادة بالحرّيّة إلى ظاهر الدار. ولا يقال: إنّ البينة تغلب على الخارج لضعف بيّنته، فإذا أقام البينةَ، فصاحب اليد أضعف سببًا، فقبلت بينته؛ لأن القاضي إذا قضى ببيّنة الخارج، فصاحبُ اليد أضعف سببًا، فلا تقبل بينته. ولو شهد للخارج بالملك عبيد ونساء قَوِيَ سببه، ولا تقبل بينة صاحب اليد، وإذا ثبت أن بينة صاحب اليد لا يتعلق بها حكم، بقيت بينةُ الخارج، فيقضي بها. ٢٧١٢ - فَصْل: [الاختلاف في توقيت البينة] قال: فإن وقّتت البينتان وقتًا، والبينتان متساويتان، أو أحدهما أقدم من الآخر، أو وقّت أحدهما ولم يوقت الآخر، حكم لصاحب الوقت الأول أيهما

стр. 4428

كان عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وحكى ابن سماعة عن محمد: أنه كان يقول هذا، ثم رجع عنه بعد رجوعه من الرَّقَّةِ (١) سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقال: لا تقبل من الذي في يده بينة على وقت ولا غيره. وذكر محمد هذه المسألة في الدَّعْوَى، فقال: عند أبي حنيفة يُقضى بها للخارج، ثم رجع فقال: يقضى بها لصاحب اليد، وهو قول محمد. فمن أصحابنا من قال بقوله وهو قول محمد، يعني: قوله الأول، ورواية ابن سماعة الرجوع يبطل هذا التأويل. لأبي حنيفة وأبي يوسف: أن صاحِبَ اليد أقام البينة أنه أول المالكين، وأن الشيء في يده لا يستحق إلا من جهته، فلم تقبل بينة الخارج على استحقاق في المدة من غير جهته، كما لو أقام صاحبُ اليد البينة على النتاج؛ ولأنه أقام البينة على ما لا يدل عليه ظاهر يده، وهو جهة استحقاق، فصار كما لو أقام البينة أنه ابتاع من الخارج. لمحمد: أن التاريخ ليس بجهة الملك، فصار كإقامة البينة على الملك المطلق. وعلى هذا، لو كانت الدار في أيديهما كان صاحبُ الوقت الأول أولى عند

стр. 4429

أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يُعتبر الوقتُ، فكأنهما أقاما البينة على الملك، فيكون بينهما (١). ٢٧١٣ - فَصْل: [رجحان البينة بالتاريخ] وإن كانت الدار في يد ثالث وأقام الخارجان كل واحد منهما بيّنة على ملك مؤرخ، فصاحب التاريخ المتقدم أولى في قولهم [جميعًا]؛ لأن [كل واحد منهم] أقام البينة على تقدم الملك، وبينة بالملك المطلق مسموعة، فيجوز أن يرجح بالتاريخ. ٢٧١٤ - فَصْل: [بينة الخارج في حال التوقيت] وأما إذا تساوى الوقتان، فبينة الخارج أولى في قولهم؛ [وذلك] لأن التاريخ لا يدل على تقدم أحد المالكين، فصار كما لو أقاما البينة من غير تاريخ. وإن كان الشيء في يد ثالث، فأقام خارجان البينة، ووقتا وقتًا واحدًا، فالشيء بينهما؛ لأن التاريخ لما لم يدل على تقدم أحد [الملكين] (٢)، صار كأنهما أقاما البينة على ملك مطلق، فيكون بينهما. وأما إذا وَقَّت أحدهما ولم يوقت الآخر، فالبينة: بينة الخارج عند حنيفة ومحمد. وروى بشر عن أبي يوسف في الإملاء: أن البينة: بينة الذي وقَّتَ، أيهما كان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.

стр. 4430

وروى ابن سماعة عن محمد في إملائه: أن الذي في يده إذا وقَّت بينة ولم يوقت الخارج، قال أبو حنيفة: أقضي بها للمدعي، وقال أبو يوسف: الذي وقت أولى، فاتفق بشر وابن سماعة في قول أبي يوسف، واختلفا في قول أبي حنيفة. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن تاريخ صاحب اليد لا يدل على تقدم ملكه؛ لجواز أن يكون الخارج لو وَقَّت شهوده كان ملكه أقدم، فإذا لم يدل التاريخ على تقدم الملك سقط، وكانت بينة الخارج أولى. لأبي يوسف أن بينة صاحب اليد دلت على تقدم الملك، فكانت أولى من الملك المُطلق كالمدعيين للشراء من واحد، ومع أحدهما تاريخ. والجواب: أن الشراء معنى حادث، فإذا لم يؤرخ، حكمنا بوقوعه في الحال، فكان المتقدم أولى، والملك ليس بمعنى حادث، فيجوز أن يكون ملك الأصل، فلا يحكم بوقوعه في الحال. ٢٧١٥ - فَصْل: [تقديم الملك المطلق على المؤقت] وعلى هذا: إذا كان الشيء في أيديهما فأقام أحدهما بينة على ملك منذ سنة، وأقام الآخر على ملك مطلق، سقط التاريخ عند أبي حنيفة، وكان الملك بينهما، وقال أبو يوسف: الذي وَقَّت أولى، والوجه فيه ما قدمنا. ٢٧١٦ - فَصْل: [بينة الإطلاق وبينة التوقيت] وأما إذا كانت الدار في يد ثالث فادّعاها خارجان، وأقاما بينة، ووقت أحدهما فهما سواء عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: الذي وقّت أولى، وقال محمد: الذي أطلق أولى.

стр. 4431

وجه قول أبي حنيفة: أن التاريخ لمّا لم يدل على تقدم الملك سقط فكأنهما أقاما البينة على مِلْكٍ مطلق. لأبي يوسف: أن صاحب التاريخ أثبت مِلكًا متقدمًا، فكان أولى كالمشتريين. لمحمد: أن البينة بالملكِ المطلق تدل على ملك الأصل، بدلالة أن من أقام البينة على ملك مُطلق في جارية استحق أولادها، وملك الأصل أولى من التاريخ، وقد ألزمه أبو الحسن على هذا أن يتساوى بينة الملك المطلق والبينة بالنتاج. وألزمه إذا أقام الخارج البينة أن العبد له، وأقام العبد البينة أن صاحب اليد أعتقه، أن يكون الخارج أولى؛ لأنه أثبت ملك الأصل، وقد قالوا: إن بينة العتق أولى (١).

стр. 4432

بَابْ: الشيء يكون في يد رجل فيدعيه خارجانِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدار في يد رجل فأقام رجل البينةَ أنها له، وأقامَ آخر أنها له، وهما خارجان جميعًا، فالدار بينهما نصفان في قول أصحابنا جميعًا. وقال مالك: أحكم بأعدل البينتين، [وقال الأوزاعي]: أحكم بأزيدهما عددًا، وقال الشافعي: تقرع بينهما، وفي قول آخر: تتهاتر البينتان (١). لنا: ما روى الثوري عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة (أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في ناقةٍ، وأقام كل واحد منهما البينةَ أنها له، فقضى رسول الله ﷺ بها بينهما نصفين) (٢). وعن عمر: أن رجلين تنازعا في ولد فقضى به بينهما. وعن أبي الدرداء: أنه اختصمَ إليه رجلان في أرض، وأقام كل واحد منهما البينة أنها له، فقضى بالأرض بينهما نصفين، وقال: لو كانت لنا سلسلة كسلسلة بني إسرائيل لعرفنا المحقَّ منهما، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكير.

стр. 4433

ولأنهما تساويا في سبب الاستحقاق فيما يَصِحُّ قسمته، فوجب أن يكون بينهما، كما لو أقامَ كل واحدٍ منهما البينة أن الميت أوصى له بالثلث، ولا معنى للترجيح بالعدد والأعدل؛ لأن ذلك يبطل بالبينتين على الوصية وعلى ثبوت السبب من الميت. وأما ما روي عن سعيد بن المسيب: (أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في شيء، فأقام كل واحد منهما البينة عنده عدلًا، فأقرع بينهما وقال: "اللهم أنت تقضي بينهما") (١)، فإن هذا كان في بدء الإسلام، ثم نسخت القُرعة لما حرم القمار تعليق الاستحقاق، [بالأخطار]، ألا ترى أنه (روي عن علي ﵇ أن ثلاثة تنازعوا إليه في ولد [في اليمن] على عهد رسول الله ﷺ فأقرع بينهم)، ثم روي (أن اثنين تنازعا إليه في ذلك بعد النبي ﷺ فقضى به بينهما ولم يقرع)، فدل على أنه رضوان الله عليه عرف النسخ. ولأنه يجوز أن يكون تنازعا في قسمة كل واحد منهما أقام البينة [على شيء بعينه أنه له، فلما تعارضت البيّنتان أعاد القرعة بحكم القسمة] لما بطل التعيين. ٢٧١٧ - فَصْل: [تساوي الوقتين في البينتين] قال: فإن وقّت كل واحد من البينتين وقتًا وتساوى الوقتان فهو أيضًا بينهما، وإن اختلف الوقتان كان صاحبُ الوقت الأول أولاهما بالحكم، روى هذا ابن سماعة عن محمد في إملائه عن أبي حنيفة، وقد بَيَّنَّا هذا في الباب الأول.

стр. 4434

٢٧١٨ - فَصْل: [بينة أحدهما على وقت] فإن أقام أحدهما [بيّنةً] على وقت ولم تشهد بينة الآخر على وقت، فإن محمدًا روى عن أبي حنيفة أنه قال: أقضي بها بينهما نصفين، وقال أبو يوسف: أقضي بها لصاحب الوقت، وهي رواية بشر عن أبي يوسف حسب، ولا يكون واحدٌ أحق من صاحبه في قولهم جميعًا. وقال محمد: أقضي بها للذي لم يوقت شهوده وقتًا، روى هذا ابن سماعة عن محمد في إملائه بعد رجوعه من الرقة. وروى هشام عن محمد في هذه المسألة [إذا وقّت أحد المدعيين ولم يوقت الآخر أنه قال: لا أحفظ عن أبي حنيفة في هذا شيئًا، وقال أبو يوسف] (١): هي كلها لصاحب الوقت، وقد بَيَّنَّا هذا (٢).

стр. 4435

بَابْ: اختلاف البيناتِ في دعوى المواريثِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وأما إذا كانت الدار أو العبد أو غير ذلك من سائر الأموال في يدي رجل، فادّعى الذي في يديه ذلك [الشيء] أنه له، وأقام شاهدين أن أباه مات وتركها ميراثًا له، وأقام الخارج البينة أن أباه مات وتركها ميراثًا له، ولم توقت البينتان وَقتًا، فالدار للذي ليست في يده في قول أصحابنا جميعًا؛ وذلك لأن كل واحد منهما إن جعلناه كالمثبت لملك الميت، فكأنّ المثبتين حضرا وأقام كل واحدٍ البينة [على ملك مطلق، فيكون الخارج أولى، وإن جعلنا كل واحد منهما مثبتًا] لملك نفسه، فقد أقاما البينة على ملك مطلق، فالخارج أولى (١). ٢٧١٩ - فَصْل: [توقيت أحدهما قبل الآخر] قال: (فإن وَقَّتا وقتًا، ووَقَّت أحدهما قبل الآخر) (٢)، فهي لصاحب الوقت الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد -الذي يرويه ابن سماعة عنه في إملائه-: يحكم بها للخارج ولا يقبل من الذي في يده بينة على ما في يده [على وجه] إلا النتاج، وما كان في معناه خاصة. وجهُ قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف الآخر: أن صاحِبَ التاريخ أقام

стр. 4436

البينة أنه أول المالِكَين، وأن [الملك] (١) لا يستحق في المدة إلا من جهته، والآخر أقام البينة على استحقاق الملك في المدة من [غير] جهته، فلم يقبل. وجه قول محمد: أن صاحِبَ اليد أقام البينة على الملك في غير جهته، فصار كالملك المطلق. ٢٧٢٠ - فَصْل: [الخارج في تساوي الوقتين] قال: فإن تساوى الوقتان فهي للخارج في قولهم؛ وذلك لأن التاريخ لمّا لم يدل على تقدم [ملك] (٢) أحدهما، صارا كالمدعيين من غير تاريخ. ولأن كل واحد منهما قام مقام الميت، فكأنهما حضرا وأقاما بينة على ملك مطلق، فالخارج أولى. ٢٧٢١ - فَصْل: [إقامة البينتين على الاستحقاق] قال: فإن ادعى رجلان شيئًا في يد غيرهما، وأقام أحدهما البينة أن ذلك الشيء له، مات أبوه وتركه ميراثًا، وأقام الآخر البينة على مثل ذلك، ولم يوقتا، فهو بينهما نصفان في قولهم جميعًا؛ لأنهما تساويا في سبب الاستحقاق فيما يصح قسمته (٣)، فتساويا في نفس المستحق على ما قدّمناه (٤).

стр. 4437

٢٧٢٢ - فَصْل: [توقيت البينتين وقتين متساويين] قال: فإن وقّتت البينتان وقتين متساويين، فذلك الشيء بينهما نصفان؛ لأن الوقت لا يدل على تقدم أحد الملكين، فسقط التا [ريخان] (١)، فيصيرُ كأنّ الشهود أطلقوا. ٢٧٢٣ - فَصْل: [توقيت إحدى البينتين قبل الآخر] قال: فإن كان وقت أحدهما قبل وقت الآخر، حكم بذلك الشيء لصاحب الوقت الأول في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد في الميراث: ذلك كله سواء، وهو بينهما نصفان، هذا في رواية أبي سليمان، ولم يذكر [في رواية أبي] (٢) حفص [قول أبي حنيفة]. قال هشام في نوادره: سألت محمدًا عن رجلين ادّعيا دارًا في يد رجل، وأقام أحدهما بينة أن هذه الدار دار فلان مات منذ سنة وتركها ميراثًا، وأقام الآخر البينة أن فلانًا آخر مات منذ سنتين وتركها ميراثًا، قال: هي بينهما نصفان، قلت: لِمَ وقد وقتوا؟ قال: لم يوقتوا متى كانت للميت، قلت: فإن أرَّخَا [ملك الميتين]، قال: هي لصاحب التاريخ الأول (٣). وجه قولهما: أن صاحب التاريخ أقام البينة أنه أول المالِكَين، وأن الملك في المدة لا يستحق إلا من جهته، فصار كأنهما أقاما البينة على ملكٍ مطلقٍ؛ ولأن الوارث يَخلفُ الميّتَ في ملكهِ ويَقومُ مقامه، فصار تاريخ ملك

стр. 4438

الوارثين كتاريخ ملك الميتين، فيكون السابق [منهما] أولى. وكان أبو بكر الرازي ﵀ يقول في الشراء من اثنين: إنه لصاحب الوقت الأول في قولهم، ويفرق لمحمد بينه وبين الميراث؛ لأن المشتري يُثبت الملك لنفسه ولا يقومُ مقام بائعه في الملك (بخلاف الوارث) (١)، إلا أن محمدًا ذكر في الإملاء: إذا أقام كل واحدٍ من الخارجين البينة على الشراء من الآخر وأرّخا، أن التاريخ لا يُقبل إلا أن يؤرخا ملك البائعين، وسَوَّى بينه وبين الميراث؛ لأن ملك المشتري لا يَسلم له إلا بسلامة ملك بائعه، فصار في حكم الوكيل للبائع. وجه قول محمد: أن كل واحد من الوارثين [إنما] يُثبت الملك للميت؛ بدلالة أن ديونه تقضى منه، ولأن الملك لا يسلم له إلا بعد ثبوت ملك الميت، فصارا كميتَين حضرا وأثبتا ملكهما من غير تاريخ، فيكون [الشيء] بينهما.

стр. 4439

بَابْ شهادةِ الشهودِ باليدِ قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدارُ في يد رجل، فأقام خارج البينة أن الدار له منذ سنتين، وأقام الذي [هي] في يده [البينة] أنّها في يده منذ ثلاث سنين، فإن أبا يوسف روى عن أبي حنيفة: أنها للذي هي في يده، روي ذلك عن أبي يوسف معلى، وبشر بن الوليد، وهشام. وقال في الأصل: أقضي بها للمدعي، ولم يحك خلافًا؛ لأن شهودَ الذي [هي] في يده لم يشهدوا أنها له، ولم يضف هذا القول إلى أحد، وإنما أبهَم الرواية. وقالوا جميعًا عن أبي يوسف: إنها للذي أقام البينة على الملك، وهو الخارج، والصحيح ما في الأصل: أن البينة على اليد لا تعارض بينة [الملك] (١)، ألا ترى أن اليد يجوز أن تكون يد ملك، ويجوز أن تكون غير ذلك، ولهذا لو لم يذكر التاريخ كان الملك المطلق أولى بالإجماع (٢). ووجه الرواية الأخرى: أن صاحب اليد أثبت اليد في زمان لم ينازعه المدّعي فيه، وهي السنة الأولى، فأثبت لنفسهِ بذلك حقًا، والمدّعي أقام البينة على حدوث ملكه بعد ثبوت هذه اليد، لا من جهة صاحب اليد ولا من جهة

стр. 4440

مستحق عليه، فلا تقبل بينته. ٢٧٢٤ - فَصْل: [إقامة المدعي البينة بأن الدار كانت في يده أمس] قال: وإذا كانت دار في يد رجل، فادّعاها رجل، وجحد الذي في يده الدار، فأقام المدّعي بينة أنها كانت في يده أمس، فإنه لا يقضي بهذه البينة التي شهدت أنها كانت في يده أمس، وذكر أبو بكر الرازي عن أبي يوسف [أنه يقضي بهذه البينة] (١)، وتدفع الدار إلى المدعي. وجه قولهم المشهور: أن يد المدَّعى عليه شهادة في الحال، وشهادة الشهود بيد قد كانت عُرف زوالها آكد من قولهم كانت في يده، وليست الآن في يده، ومعلومٌ أنهم لو قالوا كانت في يده أمس وليست في يده الآن، لم تقبل شهادتهم، [فعلمنا أن ذلك] (٢) أولى. وعلى هذا قال أصحابنا: لو شهدوا أنها كانت لابنه لم تقبل؛ لأنهم شهدوا بملك كان، وقد علمنا زواله، فلم يمكن استصحابه مع وجود ما ينافيه، وليس هذا كإقرار صاحب اليد أنها كانت في يد الخارج أمس، أو شهادة الشهود على إقراره بذلك؛ لأن الإقرار يثبت حكمه بنفسه، ويلزم المقر، فوجود ما ينافيه في الحال لا يمنع من لزومه. وأمّا الشهادة فلا يتعلق بها استحقاق إلَّا بحكم الحاكم، والحاكم لا يجوز أن يستصحب اليدَ مع وجود ما ينافيها.

стр. 4441

لأبي يوسف: أن اليد سَبب للاستحقاق مثل الملك، فإذا جازت الشهادة بملك كان وقد زال؛ فكذلك بيد كانت ثم زالت. والجواب: أن الملك المتقدم لا يعلم حدوث ما ينافيه، فجاز أن يستصحبه، أما اليد فقد عرفنا وجود ما ينافيها، فلم يجز استصحابها، وصار نظير الشهادة باليد الشهادة بملك كان للميّت. ٢٧٢٥ - فَصْل: [إقامة الخارج البينة بكون الدار في يده أمس] قال: ولو كان الخارج أقام البينة أنها كانت في يده أمس، وأخذها هذا منه، أو غصبه إياها، أو أودعه، أو أعاره، أو أسكنه فيها، أو آجره أو أنها وصلت إليه من يده، حكم بها للخارج؛ [وذلك] لأنهم شهدوا بيد كانت وبَيَّنو (١) جهة زوالها، فوجَب أن يحكم بوجوب إعادتها، لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" (٢)، ويروي: "حتي ترد". وعلى هذا قالوا: إذا شهدوا أن هذه الدار كانت في يد فلان إلى أن مات، قضي بها لورثته؛ لأنهم شهدوا باليد مع جهة انتقالِ (٣) الملك، فجاز أن يحكم بها. ٢٧٢٦ - فَصْل: [دعوى المتنازعين بأن الدار لهما] وقد ذكر محمد في كتاب الدعوى: في رجلين تنازعا دارًا، كل واحد منهما

стр. 4442

يدعي أنها له وفي يده، قال: على كل واحد منهما البينة، وعلى كل واحد منهما اليمين؛ لأن كل واحد منهما معترف [بوجود] (١) الخصومة عليه بما ادعى اليد، فإذا أقام أحدهما بينة أنها في يده تثبت له اليد، وصار هو المدعى عليه، والآخر مدع، فإن قامت لكل واحد منهما بيّنة أنها في يده، جعل القاضي الدار في أيديهما؛ لأنهما تساويا في إثبات اليد، فصار كما لو تساويا في إثبات الملك، (فهي بينهما نصفان. فإن قامت لكل واحد منهما بينة في إثبات الملك) (٢)، فقد كان أصحابنا يقولون: إن المدعي إذا قال: هذه الدار ملكي وفي يدي، لم تُسمع دعواه؛ لأنه لا حق له على الخصم إذا كان ملكه في يده، إلا أن في هذه المسألة اعترف خصمه أنها في يده، فجاز أن تسمع بينته عليه لاعترافه. وقد ذكر الخصاف عن أصحابنا: أن رجلًا لو أقام البينة على رجل أن في يديه الدار التي حدودها كذا، وأنها له، لم تقبل بينة المدّعي ما لم يشهد الشهود أن الدار في يديه، [ثمّ يقيم] (٣) المدعي البينة أنها له؛ لأنه لا يؤمن أن يتفقا على دار في يد غيرهما، فتسمع البينة من غير خصم. فعلى ما قال الخصافُ يجبُ أن لا تسمع البينة في مسألة الدعوى إلا أن تحمل مسألة الخصاف على أن الخصم ينكر اليد، ومسألة الدعوى كل واحد من الخصمين اعترف باليد، ومن أصحابنا من حمل مسألة الدعوى على أنهما أقاما

стр. 4443

البينة على اليد، ثم أقام أحدهما البينة على الملك؛ فلهذا [لم] تقبل بينته. فأما إذا وضع المسألة أنهما لم يقيما البينة على البيع حتى أقام أحدهما بينة على الملك، فإن القاضي يجب أن يقضي له في حق صاحبه خاصة، ولا يقضي في حق غيره، حتى لو وجدت الدار في يد ثالث لم تنزع من يده؛ لأنه يجوز أن تكون الدار في يد غيرهما، [فاحتالا في] (١) ذلك لتسمع البينة؛ فلهذا سمعت البينة في حق الخصم الحاضر [خاصة] دون غيره. وأما إذا لم يكن لواحد منهما بينة، حلف كل واحد منهما، فإن حلفا جميعًا، أعرض القاضي عنهما ولا يقضي لواحد منهما باليد؛ لأنه لم يثبت لواحد منهما شيء، وإن نكلا جميعًا قضى باليد بينهما في حقهما خاصة، فإن حلفَ أحدهما ونكل الآخر قضى للذي حلفَ على صاحبه، ومنع صاحبه عن خصومته حتى لو وجدت الدار في يد ثالث لم تنزع من يده. [والله أعلم] (٢).

стр. 4444

بَابْ: الدعوى في الشراء قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدار في يد رجل، أو الأرض، أو الدابة، أو غير ذلك، فادعى رجل أنه اشتراها منه بألف درهم ونقد الثمن، وادعى الآخر أنه اشتراها منه بألفي درهم ونقد الثمن، ولم تُوَقِّتْ واحدة من البينتين، وقتًا، فإن أبا حنيفة قال: كل واحد من المشتريين بالخيار: إن شاء أخذها نصفها بنصف الثمن الذي سمي شهوده، ورجع على البائع بنصفه، وإن [شاء] اختار نقض البيع فهو مردود. فإن اختار أحدهما البيع واختار الآخر النقض، فإن للذي اختار إجازة البيع نصف المبيع بنصف الثمن، ولا يكون له كله إذا وقع الخيار من الحاكم، فقد نقض نصف البيع فيما اشترى كل واحد منهما. قال: والأصل في هذا: أن البينتين إذا تعارضتا في الشراء من واحد، وليس هناك قبض ولا تاريخ، ففي المسألة أحكام: أحدها: أن الشيء بينهما؛ لأنهما لا يحتاجان إلى إثبات الملك لأنفسهما (١)، وإنما يحتاجان إلى إثبات الملك فقط، وكل واحد من العقدين بمعنى [حادث] (٢)، وكل أمرين حادثين لا يعرف تاريخ ما بينهما، حكم بوقوعهما معًا كالغرقى، وإذا

стр. 4445

حكمنا بوقوعهما معًا تساويا في المستحق؛ لأنهما تساويا في سبب الاستحقاق على وجه لم يبيّن كذب إحدى البينتين، والشيء مما يصح فيه الاشتراك، فصار كإقامة البينة على النسب والوصية. ولا يقال: إنا تبينا كذب إحدى الفريقين لاستحالة أن يصح البيع من كل واحدٍ منهما؛ لأن الشهود لا يشهدون بصحة البيع، وإنما يشهدون بالبيع فقط، وليس يمتنع أن يشاهده كل فريق ببيع من واحدٍ، أو يكون قد وكّل واحد بالبيع والآخر بالبيع، فباع الوكيلان معًا كل واحد منهما من واحد، فلم يتقدم أحد العقدين على الآخر. وأما ثبوت الخيار لكل واحد منهما؛ فلأنه دخل في الشراء ليسلم له المبيع من غير شركة، والآن لم يسلم له [المبيع] إلا مع الشركة، والشركة عيب، فإن شاء التزمه وإن شاء ردّه. فإن اختار أخذه رجع كل واحد منهما على الآخر بنصف الثمن؛ [لأن نصف المبيع استحقه كل واحد على الآخر]، وسلامة الثمن موقوف على سلامة المبيع، (فإن اختار الدار جميعًا أخذها كل واحد بجميع الثمن؛ لأن البيع انعقد في حقهما، فوجَب لكل واحدٍ منهما الثمن؛ لأن المبيع يستحقه كل واحد على الآخر بنصف الثمن) (١). [فإن اختار الرد، رجع كل واحد بجميع الثمن؛ لأن البيع انفسخ بينهما في حقهما، فوجب لكل واحد منهما الثمن]. فإن اختار أحدهما الرد والآخر الأخذ، وذلك بعد تخيير الحاكم، فليس له

стр. 4446

أن يأخذ إلا النصف؛ لأن الحاكم لما حكم بالمبيع بينهما وخيّرهما فقد فسخ العقد في حق كل واحد منهما في النصف، فلا يعود إلا بتجديد عقد، وهذا كما نقول: إذا قضى القاضي بالدار للشفيعين فسلم أحدهما لم يكن للآخر أن يأخذ إلا النصف؛ لأن القاضي أبطل شُفْعَةَ كل واحدٍ منهما فيما قضى به للآخر. وأما إذا اختار أحدهما ترك الخصومة قبل تخيير الحاكم، فللآخر أن يأخذ الجميع؛ لأن حقه ثبت في الجميع بالعقد، وإنما يسقط عن بعضه بالمزاحمة، فإذا زالت المزاحمة والعقد بحاله بقي حقه في جميعه، وهذا كأحد الشفيعين إذا سلم الشفعة قبل قضاء القاضي، كان للآخر جميعها (١). ٢٧٢٧ - فَصْل: [الحَقُّ في توقيت البينتين] فإن وقتت البينتان، كان لصاحب الوقت الأول؛ لأنا لَمَّا حكمنا بالبيع الأول ملكه المشتري، فصار كأن البائع بعد ذلك بائعًا مِلْكَ غيره، فلم يجز بيعه. ٢٧٢٨ - فَصْل: [الحَقُّ في توقيت إحداهما دون الأخرى] فإن وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى فهي لصاحب الوقت؛ لما بَيَّنَّا أنا لا نحتاج إلى إثبات الملك للبائع، وإنما نحتاج إلى إثبات ملكهما، وقد عرفنا تقدم ابتياع صاحب التاريخ [فبقي بيع الآخر معنى حادثًا لا يعلم تاريخه، فيحكم به في الحال، فيكون الذي قبله] أولى به. ٢٧٢٩ - فَصْل: [الدار في يد أحدهما وليس لأحدهما تاريخ] ولو لم يكن لواحد منهما تاريخ، وكانت الدار في يد أحدهما فهو أولى؛

стр. 4447

وذلك لأن أمر المسلم محمول على الصحة والجواز، فلم يجز أن يحمل هذا على قبض غصب، فبقي أن يحمل على قبض بيع، والقبض معنًى حادث، فيحكم بوقوعهما معًا، فصار قبض أحدهما مع بيع الآخر والقبض متصدر (١) عن عقد، فصار عقد صاحب القبض متقدمًا من طريق الحكم، فهو أولى. ٢٧٣٠ - فَصْل: [الشهادة بالبيع مع التوقيت] قال: وإن ذكر الآخر وقتًا لم ينتفع به، إلا أن يشهدوا له أن بيعه كان قبل بيع الذي في يده الدار، فيقضى له به، ويرجع الآخر بالثمن على البائع؛ وذلك لما بَيَّنَّا أن القبض يدل على تقدم العقد، فإذا ذكر الآخر تاريخًا جاز أن يكون هذا البيع قبله، وجاز أن يكون أقدم منه، فلا يعلم بالتاريخ حتى يقدم العقد، وليس كذلك إذا لم يكن هناك قبض؛ لأنا لم نحكم بتقدم العقد، وهو معنى حادث، فحكمنا بوقوعه في الحال، فصار صاحبُ التاريخ أقدم منه. وأما إذا شهدوا بتقدم البيع على بيع صاحب القبض، فالمتقدم أولى؛ لأنه ملك من الوقت السابق، وبيع الآخر حصل بعده، فلا يعتد به. ٢٧٣١ - فَصْل: [إقامة كل من المدعيين البينة بالشراء من الآخر] فإن أقام كل واحد منهما البينة على شراء من الآخر، وعلى ملك البائع، فإن يقضي بها بينهما نصفين؛ لأن المشتريين قاما مقام البائعين، فكأنّ البائعين حضرا وأقاما البينة على الملك، فيكون الشيء بينهما على ما قدمنا، ولم يذكر في هذا الفصل الخيار اكتفاءً بما مضى، وإلا فالخيار ثابت؛ لأن الاستحقاق يوجب (٢)

стр. 4448

استحقاق الملك من الأصل؛ ولهذا يرجع المشتري على البائع بالثمن، فيثبت لكل واحد من المشتريين الخيار. ٢٧٣٢ - : [فَصْل: الاستحقاق يوجب الرجوع بالثمن] فإن كانا أقرّا بقبض المبيع أو لم يقرّا، فإن كل واحد من المشتريين منهما يرجع على بائعه بنصف [المبيع] (١)؛ وذلك لأن نصف المبيع استحق من يده، والاستحقاق قبل قبض الثمن وبعده يوجب الرجوع بالثمن. ٢٧٣٣ - فَصْل: [تقدم أحد الوقتين قبل الآخر] قال: ولو كان الشهود وقّتوا وقتًا في الشراء، فكان أحد الوقتين قبل صاحبه، فإنه يقضى به لصاحب الوقتِ الأول في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن صاحب الوقت الأول أثبت لنفسه الملك في وقت متقدم لم ينازعه صاحبه فيه، فلم يستحق الملك بعد ذلك إلا من جهته، وقد أقام الآخر البينة على الاستحقاق من غير جهته، فلم تقبل بينته، وهذه رواية الأصول، وقد بَيَّنَّا الفرق بين المشتريين [والوارثين] (٢) على ما كان يقوله أبو بكر الرازي. فأما على رواية الإملاء عن محمد: فالتاريخ لا يعتد به؛ لأن المشتري يثبت ملك بائعه، وهو مؤرخ (٣)، فتاريخه لملكه لا يعتد به، فكأن البائعين حضرا وأقاما بينةً على الملك من غير تاريخ، فيقسم بينهما.

стр. 4449

قال: ولو وقتت إحدى البينتين وقتًا، ولم توقت الأخرى وقتًا، فإنه يقسم بينهما نصفين؛ وذلك لأن توقيت أحدهما لا يدل على ما تقدّم ملكه لجوازِ أن تكون البينة الأخرى لو وقتت [وقتًا] لكان أقدم، وإذا لم يدل على التقدم سقط التاريخ. وليس كذلك إذا كان البائع واحدًا؛ لأنهما اتفقا على ملك البائع، [فلا] (١) يثبت لأحدهما تاريخ، وشراء الآخر معنى حادث حكم به في الحال. ٢٧٣٤ - فَصْل: [كون الدار في يد أحدهما ويقضى للآخر] قال: ولو كانت الدار في يد أحدهما قضي بها للآخر؛ وذلك لأنهما قاما مقام البائعين، فكأنهما حضرا والدار في يد أحدهما، فأقاما البينة على الملك، فتكون بينة الخارج أولى. وليس كذلك إذا كان البائع واحدًا؛ لأنهما اتفقا على ملك البائع والقبض وبيع الآخر، فكأنهما في الحكم معًا، فيصير بيع صاحب القبض متقدمًا على طريق الحكم، فكان أولى (٢).

стр. 4450

بَابْ آخر: في الرجلين يَدَّعِي أحدهما بيعًا والآخر هبةً أو صدقةً أو ميراثًا والمُدَّعَى عليهم متفرقون قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانتِ الدارُ في يد رجل فادّعى رَجل أنهُ اشتراها من فلان بمائة درهم وهو يملكها، ونقده الثمن، وادّعى آخر أن فلانًا الآخر وهبها له وقبضها منه، وهو يومئذٍ يملكها، فإنه يقضي بها بينهما نصفين. ولو كان معهما مُدَّعٍ يَدَّعِي ميراثًا عن أبيه، وأقام على ذلك بينة، وادعى آخر صدقة من آخر، فأقام على ذلك بينةً وعلى القبض، فإنه يقضي بينهم أرباعًا؛ وذلك لأن المدعِيْن هاهنا يثبتون ملك من استفادوا الملك من جهته، وقد تساوى حكم أملاكهم، فلا [معنى] (١) بإثبات ملك المتنازعين من القوة والضعف، [فكانوا جميعًا سواء]، وصار كأن البائع والواهِب والمتصدق والميت حضروا وأقام كل واحدٍ بيّنة على الملك المطلق، فيتساوون، وليس كذلك إذا كانت الدعوى من [مالك] (٢) واحد؛ لأنهم اتفقوا على ملكه، وإنما اختلفوا في ملك أنفسهم، فجاز أن يرجح أحدُ الأسباب على الآخر على ما سنبيّنه (٣).
следующие страницы →