أن يأخذ إلا النصف؛ لأن الحاكم لما حكم بالمبيع بينهما وخيّرهما فقد فسخ العقد في حق كل واحد منهما في النصف، فلا يعود إلا بتجديد عقد، وهذا كما نقول: إذا قضى القاضي بالدار للشفيعين فسلم أحدهما لم يكن للآخر أن يأخذ إلا النصف؛ لأن القاضي أبطل شُفْعَةَ كل واحدٍ منهما فيما قضى به للآخر.
وأما إذا اختار أحدهما ترك الخصومة قبل تخيير الحاكم، فللآخر أن يأخذ الجميع؛ لأن حقه ثبت في الجميع بالعقد، وإنما يسقط عن بعضه بالمزاحمة، فإذا زالت المزاحمة والعقد بحاله بقي حقه في جميعه، وهذا كأحد الشفيعين إذا سلم الشفعة قبل قضاء القاضي، كان للآخر جميعها (١).
٢٧٢٧ - فَصْل: [الحَقُّ في توقيت البينتين]
فإن وقتت البينتان، كان لصاحب الوقت الأول؛ لأنا لَمَّا حكمنا بالبيع الأول ملكه المشتري، فصار كأن البائع بعد ذلك بائعًا مِلْكَ غيره، فلم يجز بيعه.
٢٧٢٨ - فَصْل: [الحَقُّ في توقيت إحداهما دون الأخرى]
فإن وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى فهي لصاحب الوقت؛ لما بَيَّنَّا أنا لا نحتاج إلى إثبات الملك للبائع، وإنما نحتاج إلى إثبات ملكهما، وقد عرفنا تقدم ابتياع صاحب التاريخ [فبقي بيع الآخر معنى حادثًا لا يعلم تاريخه، فيحكم به في الحال، فيكون الذي قبله] أولى به.
٢٧٢٩ - فَصْل: [الدار في يد أحدهما وليس لأحدهما تاريخ]
ولو لم يكن لواحد منهما تاريخ، وكانت الدار في يد أحدهما فهو أولى؛
стр. 4447
وذلك لأن أمر المسلم محمول على الصحة والجواز، فلم يجز أن يحمل هذا على قبض غصب، فبقي أن يحمل على قبض بيع، والقبض معنًى حادث، فيحكم بوقوعهما معًا، فصار قبض أحدهما مع بيع الآخر والقبض متصدر (١) عن عقد، فصار عقد صاحب القبض متقدمًا من طريق الحكم، فهو أولى.
٢٧٣٠ - فَصْل: [الشهادة بالبيع مع التوقيت]
قال: وإن ذكر الآخر وقتًا لم ينتفع به، إلا أن يشهدوا له أن بيعه كان قبل بيع الذي في يده الدار، فيقضى له به، ويرجع الآخر بالثمن على البائع؛ وذلك لما بَيَّنَّا أن القبض يدل على تقدم العقد، فإذا ذكر الآخر تاريخًا جاز أن يكون هذا البيع قبله، وجاز أن يكون أقدم منه، فلا يعلم بالتاريخ حتى يقدم العقد، وليس كذلك إذا لم يكن هناك قبض؛ لأنا لم نحكم بتقدم العقد، وهو معنى حادث، فحكمنا بوقوعه في الحال، فصار صاحبُ التاريخ أقدم منه.
وأما إذا شهدوا بتقدم البيع على بيع صاحب القبض، فالمتقدم أولى؛ لأنه ملك من الوقت السابق، وبيع الآخر حصل بعده، فلا يعتد به.
٢٧٣١ - فَصْل: [إقامة كل من المدعيين البينة بالشراء من الآخر]
فإن أقام كل واحد منهما البينة على شراء من الآخر، وعلى ملك البائع، فإن يقضي بها بينهما نصفين؛ لأن المشتريين قاما مقام البائعين، فكأنّ البائعين حضرا وأقاما البينة على الملك، فيكون الشيء بينهما على ما قدمنا، ولم يذكر في هذا الفصل الخيار اكتفاءً بما مضى، وإلا فالخيار ثابت؛ لأن الاستحقاق يوجب (٢)
стр. 4448
استحقاق الملك من الأصل؛ ولهذا يرجع المشتري على البائع بالثمن، فيثبت لكل واحد من المشتريين الخيار.
٢٧٣٢ - : [فَصْل: الاستحقاق يوجب الرجوع بالثمن]
فإن كانا أقرّا بقبض المبيع أو لم يقرّا، فإن كل واحد من المشتريين منهما يرجع على بائعه بنصف [المبيع] (١)؛ وذلك لأن نصف المبيع استحق من يده، والاستحقاق قبل قبض الثمن وبعده يوجب الرجوع بالثمن.
٢٧٣٣ - فَصْل: [تقدم أحد الوقتين قبل الآخر]
قال: ولو كان الشهود وقّتوا وقتًا في الشراء، فكان أحد الوقتين قبل صاحبه، فإنه يقضى به لصاحب الوقتِ الأول في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن صاحب الوقت الأول أثبت لنفسه الملك في وقت متقدم لم ينازعه صاحبه فيه، فلم يستحق الملك بعد ذلك إلا من جهته، وقد أقام الآخر البينة على الاستحقاق من غير جهته، فلم تقبل بينته، وهذه رواية الأصول، وقد بَيَّنَّا الفرق بين المشتريين [والوارثين] (٢) على ما كان يقوله أبو بكر الرازي.
فأما على رواية الإملاء عن محمد: فالتاريخ لا يعتد به؛ لأن المشتري يثبت ملك بائعه، وهو مؤرخ (٣)، فتاريخه لملكه لا يعتد به، فكأن البائعين حضرا وأقاما بينةً على الملك من غير تاريخ، فيقسم بينهما.
стр. 4449
قال: ولو وقتت إحدى البينتين وقتًا، ولم توقت الأخرى وقتًا، فإنه يقسم بينهما نصفين؛ وذلك لأن توقيت أحدهما لا يدل على ما تقدّم ملكه لجوازِ أن تكون البينة الأخرى لو وقتت [وقتًا] لكان أقدم، وإذا لم يدل على التقدم سقط التاريخ.
وليس كذلك إذا كان البائع واحدًا؛ لأنهما اتفقا على ملك البائع، [فلا] (١) يثبت لأحدهما تاريخ، وشراء الآخر معنى حادث حكم به في الحال.
٢٧٣٤ - فَصْل: [كون الدار في يد أحدهما ويقضى للآخر]
قال: ولو كانت الدار في يد أحدهما قضي بها للآخر؛ وذلك لأنهما قاما مقام البائعين، فكأنهما حضرا والدار في يد أحدهما، فأقاما البينة على الملك، فتكون بينة الخارج أولى.
وليس كذلك إذا كان البائع واحدًا؛ لأنهما اتفقا على ملك البائع والقبض وبيع الآخر، فكأنهما في الحكم معًا، فيصير بيع صاحب القبض متقدمًا على طريق الحكم، فكان أولى (٢).
стр. 4450
بَابْ آخر: في الرجلين يَدَّعِي أحدهما بيعًا والآخر هبةً أو صدقةً أو ميراثًا والمُدَّعَى عليهم متفرقون
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانتِ الدارُ في يد رجل فادّعى رَجل أنهُ اشتراها من فلان بمائة درهم وهو يملكها، ونقده الثمن، وادّعى آخر أن فلانًا الآخر وهبها له وقبضها منه، وهو يومئذٍ يملكها، فإنه يقضي بها بينهما نصفين.
ولو كان معهما مُدَّعٍ يَدَّعِي ميراثًا عن أبيه، وأقام على ذلك بينة، وادعى آخر صدقة من آخر، فأقام على ذلك بينةً وعلى القبض، فإنه يقضي بينهم أرباعًا؛ وذلك لأن المدعِيْن هاهنا يثبتون ملك من استفادوا الملك من جهته، وقد تساوى حكم أملاكهم، فلا [معنى] (١) بإثبات ملك المتنازعين من القوة والضعف، [فكانوا جميعًا سواء]، وصار كأن البائع والواهِب والمتصدق والميت حضروا وأقام كل واحدٍ بيّنة على الملك المطلق، فيتساوون، وليس كذلك إذا كانت الدعوى من [مالك] (٢) واحد؛ لأنهم اتفقوا على ملكه، وإنما اختلفوا في ملك أنفسهم، فجاز أن يرجح أحدُ الأسباب على الآخر على ما سنبيّنه (٣).
стр. 4451
بَابْ إذا اختلفَ الدعوى والمدعى الملك من قبلهِ واحدٌ
قال أبو الحسن ﵀: وإذا كانت الدار في يد رجل، فأقام رجل البينة أنه اشتراها من فلان بثمن مسمى ونقده الثمن، وقبضَ الدار، وأقام الآخر البينة أن فلانًا ذلك وهبها له وقبضها منه، فإنه يقضى بها لصاحب الشراء، وكذلك الشراء مع الصدقة، وكذلك النُّحْلَى والعُمْرَى مع الشراء، فإنه يقضى بها لصاحب الشراء؛ وذلك لأن الشراء والهبة كل واحد منهما [معني] حادث لا يعلم تاريخه، فيحكم بوقوعهما معًا كالغَرْقَى إذا وقعوا معًا، تعلق الاستحقاق بعقد البيع، ولم يتعلق بعقد الهبة حتى ينضم القبض إليه، فكان البيع أسبق نفاذًا، فكان أولى.
٢٧٣٥ - فَصْل: [إقامة المدعيين بينتين مختلفتين]
قال: فإن لم يقم واحد منهما البينة على الشراء، وأقام واحد على الهبة والقبض، والآخر على الصدقة والقبض، فإنه يقضي [بها] بينهما نصفين؛ وذلك لأن الهبة والصدقة تساويا في افتقار كل واحد منهما إلى القبض، ولم يترجح أحدهما على الآخر، والتساوي في سبب الاستحقاق يوجب التساوي في الاستحقاق.
فإن قيل: الصدقة أولى؛ لأنه لا يصح الرجوع فيها، وفي الهبة يصح، قلنا له: الترجح إنما يقع بتقدم أحد العقدين على الآخر، والصدقة والهبة لا يتقدم أحدهما [على] الآخر حكمًا؛ ولأن الرجوع [معنى يقع في ثاني العقد، والترجيح
стр. 4452
يقع حكمه ابتداء العقد، ولأن الرجوع] (١) حق ضعيف، ألا ترى أنه يمكن للموهوب له أن يطالبه (٢) فلم يقع به الترجيح.
وقد فرضت هذه المسألة في هبة الدابة، وهي مما لا يحتمل القسمة، فوقوع الهبة في بعضها والصدقة في بعضها جائز.
وأما إذا كانت المنازعة فيما يحتمل القسمة، والمسألة بحالها، فمن أصحابنا من [قال]: لا يحكم لواحد منهما؛ لأن هبة الواحد من الاثنين لا يصح عند أبي حنيفة، ومنهم من قال: لا فرق بين ما تحتمل القسمة أو لا تحتمل [القسمة]؛ لأن لكل واحد منهما بيّنته (٣) على هبة الجميع، وإنما يستحق بعض ذلك حكمًا، والإشاعة في الثاني لا تؤثر فيه الهبة ولا في الصدقة.
٢٧٣٦ - فَصْل: [إقامة امرأة البينة على الزواج والآخر على الهبة]
فإن أقام [أحدهما] بينة على هبة مقبوضة أو صدقة مقبوضة، وأقامت امرأة البينة أنها تزوّجت عليها، فالنكاح أولى، وهي للمرأة؛ وذلك لأن البدل في النكاح يُستحق بمجرد العقد، وفي الهبة لا يستحق إلا بالقبض، فصار كالبيع والهبة.
٢٧٣٧ - [فَصْل: إقامة امرأة البيّنة على الزواج ورجل على الشراء]
قال: وإن كانت المرأة أقامت على النكاح بالدابة البينة، وأقام رجل على
стр. 4453
الشراء، فهي بينهما نصفان في قول أبي يوسف، وقال محمد: الشراء أولى من النكاح، وتكون للمرأة القيمة على الزوج في قول محمد.
لأبي يوسف: أن النكاح والبيع تساويا في أن الملك يقع في كل واحدٍ منهما بنفس العقد، فصارا كالبَيِّعين، ولأن كل واحدٍ من العقدين يتعلق به الضمان والاستحقاق، وحكم النكاح في العوض أقوى؛ لأنه يثبتُ بغير تسمية، فلا يجوز ترجيح البيع عليه.
ولمحمد: أنَّ من أصله ترجيحُ البينات وتصحيحها ما أمكن حُسن الظن بالشهود، وهو حكم يتقدم البيع فصحّ، وصحّت التسمية في النكاح؛ لأن من تزوج امرأة على ملك غيره، صَحَّت التسمية وكان لها القيمة، ولو حكم بتقديم النكاح لبطل البيع، وما أدّى إلى تصحيح العقدين فهو أولى؛ ولأنا لو لم نحكم بتقدم البيع، لحكمنا بوقوع العقدين معًا، فيبطل البيع في النصف، وإذا تقدم البيع صَحَّ العقدان جميعًا، فهو أولى.
٢٧٣٨ - فَصْل: [اجتماع الشراء والرهن]
قال: وإذا اجتمع الشراء والرهن، فالشراء أولى من الرهن؛ وذلك لأن الشراء يتعلق الاستحقاق بعقده، والرهن لا يتعلق ذلك بعقده، فكان البيع أسبق من طريق الحكم، فكان أولى كالبيع والهبة؛ ولأن الشراء إثبات ملك، والرهن إثباتُ حق، والملك والحق إذا اجتمعا فالملك أولى (١) من الحق، ولأن الشراء يرد على الرهن، والرهن لا يردُ على البيع؛ لأنه لو باع (٢) رهنًا لم يصح، وإذا
стр. 4454
اجتمعا كان البيع أولى، كنكاح الحرة والأمة.
٢٧٣٩ - [فَصْل: اجتماع الرهن والصدقة]
قال: والرهن أولى من الصدقة والهبة، وذكر في كتاب الشهادات أن القياس يقتضي أن الهبة أولى من الرهن؛ لأن [الهبة] فيها إثبات الملك، فهي أولى من إثبات الحق، ولأن الهبة ترد على الرهن، والرهنُ لا يرد على الهبة.
ووجهُ الاستحسان: أن الرهن يتعلق [به ضمان] (١)، والهبة لا يتعلق بها ضمان، [فصار الرهن مع الهبة] (٢) كالبيع مع الهبة (٣).
стр. 4455
بَابْ دَعْوَى من في يدِهِ على خارِجٍ ودعْوَى الخارج على من في يدهِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدارُ في يد رجل، فأقام آخر البينة أنه اشتراها من الذي هي في يده بألف درهم ونقده الثمن، وأقام الذي في يده البينةَ أنه اشتراها من المدّعي بألف ونقده الثمن، فإنّ البينتين تتهاتران على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يجب لواحد منهما على صاحبه ثمن، وتبقى الدار في يد الذي هي في يده.
ولو وقتت البينتان وقتين أحدهما قبل صاحبه، فإنه يقضى بها لصاحب الوقت [الأخير] (١)، لأيّهما كان، والبيع الثاني ينقض البيع الأول.
وقال محمد في المسألة الأولى: إذا لم يوقت إحدى البينتين وقتًا فإني أقضي بالبينتين جميعًا، وأقضي بالدار للمدعي الذي ليست الدار في يده.
وجه قولهما: أن دخول كل واحد من المتبايعين مع الآخر في البيع إقرار له بالملك، فكأن كل واحد منهما أقام البينة على إقرار الآخر له، ولو أقاما البينة على الإقرار بها تهاترت البيّنتان، كذلك هذا.
ولأنه لا يخلو: إما أن يحكم بوقوع البيعين معًا، أو بتقدم أحدهما على الآخر، فإن حكمنا بوقوعهما معًا بطلا لاستحالة أن يستفيد كل واحدٍ منهما الملك من صاحبه في الحال الذي يفيده الملك، وإن حكمنا بأحد البيعين بعينه
стр. 4456
متقدمًا على الآخر، أثبتنا تاريخًا لم يشهد به الشهود، [وهذا لا يجوز، كما لا يجوز إثبات قبض لم يشهد به الشهود].
وجه قول محمد: أن الشهود عدول، والواجب حُسْنُ (١) الظَّنِّ بهم، وحمل أمرهم على الصحة ما أمكن، والبينة إذا قامت على حقين (٢) حكمت الأدلة في إثبات السابق منهما، واليد إحدى علامات السبق؛ بدلالة أن المشتريين من رجل واحد إذا أقاما البينة ومع أحدهما قبض جعل عقده أسبق، فيحمل الأمر على أن الخارج باع من صاحب اليد وسلمه، ثم باع صاحب اليد منه ولم يسلمه إليه، فيؤمر بالتسليم.
ولا يجوز أن يحمل الأمرُ على أن صاحب اليد باع من الخارج ولم يسلم إليه، ثم ابتاع منه؛ لأن بيع العقار عنده قبل القبض لا يجوز، فلم يجز حمل الأمر على ما يفسد معه أحد العقدين، بل يجب حمله على ما يصح معه العقدان جميعًا.
قال: ولو وقتت البينتان، وقبض أحدهما قبل صاحبه، فإنه يقضي بها لصاحب الوقت الآخر، أيهما كان، والبيع الثاني ينقض البيع الأول.
وهذا الفصل على وجهين: إما أن يكون ابتياع الخارج أسبق، أو ابتياع صاحب اليد أسبق، وكل واحد من الفصلين على فصلين: إما أن يكون الشهود أثبتوا القبض، أو لم يثبتوا.
فإن كانت بينة (٣) الخارج أسبق ولم يثبت قبض، ففي قول أبي حنيفة وأبي
стр. 4457
يوسف: يقضى بالدار لصاحب اليد، وعلى قول محمد: يقضى بها للخارج.
أما على قولهما: فلأن الخارج ابتاع أولًا ثم باع قبل قبض المبيع، وبيع العقار قبل القبض جائز عندهما، فيجوز البيعان معًا.
وعلى قول محمد: الخارج ابتاع أولًا ثم باع قبل القبض، فلم يصح بيعه، فيبقى على ملك الخارج.
وأما إذا أثبتوا القبض جاز البيعان جميعًا، ويقضى للذي هي في يده في قولهم جميعًا؛ لأن ابتياعه هو المتأخر، وقد ابتاع بعد (١) القبض فيصح على المذهبين.
وأما إذا كان وقت الذي هي في يديه أسبق ولم يثبتا القبض، فإنا نجعل الذي في يده كأنه ابتاعها أولًا على ما شهدت شهوده، ثم باع من الخارج ولم يسلم إليه، فيؤمر بالتسليم إليه في قولهم جميعًا.
وأما إذا أثبتوا القبض، ففي قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف: الجواب كذلك، وفي قول محمد: يجب أن يكون مثله؛ لأنه يجعل الذي في يده كأنه اشتراها أولًا ثم باع من الخارج وسَلَّم إليه، ثم عادت إلى صاحب اليد بوجه آخر، وهذا التفصيل لم يذكره أبو الحسن.
قال: ولو كانا أقاما [جميعًا] البينة على الشراء والقبض، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا في ذلك: هي للذي في يده، والبينتان باطلتان، وقال محمد: أما أنا فأراها للذي هي في يده، وألف بألف قصاص.
стр. 4458
أما أبو حنيفة وأبو يوسف: فقد بنيا على أصلهما، وأما محمد: فإنه يجعل الخارج كأنه اشتراها من الداخل وقبضها، ثم اشتراها الداخل منه وقبض؛ لأن من أصله أن القبض الموجود إذا أمكننا أن نجعله قبض بيع جعلناه كذلك؛ لأنه موجب البيع، والمسلم يجب حمل أمره على الصحة، وإذا صار هذا قبض بيع، كان ابتياع الخارج أوّلًا.
وقال معلى: قال أبو يوسف في عبد في يدي رجل أقام أحدٌ البينة أنه اشتراه منه وقبضه، وأقام الذي في يديه البينة أنه اشتراه من المدّعي، قال: هو للذي في يديه، وهذا على ما بيّناه من أصل أبي حنيفة وأبي يوسف في تهاتر البينتين، وأمَّا محمد: فجعل المشتري صاحبَ اليد هو الثاني، حتى يجعل القبض الموجود قبض بيع، فهو أولى من حمله على غير ذلك ما أمكن، وهذا باب فَرَّع عليه محمد في الجامع الكبير فروعًا مضطربة على أصله، وفيما ذكره أبو الحسن كفاية (١).
стр. 4459
بَابْ الدعوى إذا خالفت الشهادة
قال أيده الله: الأصل في هذا الباب أنَّ البينةَ التي تقوم لحق آدمي لا تقبل
إلا بمدعٍ؛ لأنها حق له، وحقوق الإنسان تقف على مطالبته، أو مطالبة من يقوم
مقامه، فمتى خالفت الدعوى البينة لم تقبل البينة؛ لأنه لا مُدّعي لها، والمعتبر
اتفاق الدعوى والشهادة من طريق المعنى لا من طريق اللفظ، ألا ترى أن المدعي
يقول: أدّعي كذا، والشاهد يقول أشهد بكذا، فيختلف اللفظ، ويتفق المعنى،
فكل موضع أمكن أن يوفق بين الدعوى والشهادة لم تبطل، وإذا لم يمكن أن
يوفق (١) بينهما بطلت.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كانت الدار في يد رجل، فادّعاها
آخر أنها له ورثها عن أبيه، وجحد الذي في يديه الدار دعواه، فأقام المدعي البينة
أنه اشتراها من الذي هي في يديه منذ سنتين ولم يذكرا أباه، فإن هذه الشهادة لا
تقبل في قولهم؛ (وذلك لأنه ادّعى مِلْكًا من جهة الميراث، وشهد الشهود
بالشراء، وهذه شهادة لا مدعي لها، فلا تقبل؛ لأنه في الظاهر أكذب الشهود
بدعواه الإرث، فلا تقبل شهادتهم.
قال: ولو ادّعى أولًا أن الذي في يديه تصدق بها عليه، ثم أقام بينة أنه
اشتراها من الذي هي في يديه، أو ادّعى أولًا الشراء ثم أقام بينةً على
صدقةٍ أو هبةٍ من الذي هو في يديه وأنه قبضها، لم تقبل بَيِّنَته؛ وذلك لأنه ادعى
стр. 4460
الملك من جهة مخصوصةٍ وشهد الشهود بجهة أخرى تخالف الدعوى، فلا تقبل.
قال: فإن قال المدعي: قد كنت اشتريتها منه فجحد، وسألته بعد ذلك فتصدق بها علي، أو قال: سألته فوهبها لي، فقبضتها، وقد شهدت له البينة على الهبة أو الصدقة والقبض، قبلت بيّنته، وحكمت له بالدار إذا فسّر هذا التفسير.
وكذلك إن قال: جحد في الميراث فاشتريتها منه؛ وذلك لأنه يمكن الجمع هاهنا بين الدعوى والبينة؛ لأن الأمر يجوز أن يكون على ما قاله.
وكذلك إن لم يفسر؛ لأن المخالفة موجودة في الظاهر، فلم تقبل البينة.
قال: وإذا كانت دار في يدي رجل، فادعى أنه اشتراها منه بعبده هذا، فسئل البينة، فأقام البينة في مجلس آخر أنه اشتراها بألف درهم، فإن بينته لا تقبل؛ وذلك لأن اختلاف البدل يوجب اختلاف العقود، فقد ادعى عقدًا وأقام البينة بعقدٍ آخر، فلا تقبل بينته.
قال: فإن قال: جحدني الشراء بالعبد، فاشتريته بعدَ قيامي من مجلس الحاكم بألف درهم، فإنه تقبل بينته على ذلك، ويقضى له بالدار؛ وذلك لأن العقد قد يطرأ على العقد بعد الجحود، ويمكن الجمع بين الدعوى الثانية والأولى.
قال: ولو أقام البينة أنه اشتراها منه منذ سنة، أو منذ شهر، أو قبل قيامه من مجلس الحكم بألف، لم تقبل بينته؛ وذلك لأنه لمّا ادّعى عند الحاكم الشراء بالعبد، ثم ادعى أنه كان قبل ذلك الشراء اشترى بألف، فقد نقض الشراء الأول بالثاني، فدعواه مخالفة للبينة فلا تقبل.
стр. 4461
قال: ولو ادعى أول مرّة شيئًا في يد غيره أنه له، وجحد الذي هي في يديه الدعوى التي ادعاها الخارج، فأقام البينة أنه اشتراها من الذي هي في يديه، أو تصدق بها عليه وقبضها، أو وهبها له وقبضها، أو أنه ورثها من أبيه، أو ملكها بشراء أو صدقة أو هبة مِن غير مَنْ هي في يديه، فإنه يقضي بها له؛ وذلك لأنه لا منافاة بين هذه الدعوى وبين البينة، ألا ترى أن الملك ذلك لم يمنع من قبول شهادتهم.
وكذلك لو جاء ببينة أن ذلك لغيره وكّله بالخصومة فيها، فإنه يقضى بها للذي وكله بالخصومة فيها؛ لأن دعواه للدار لا ينفي إقامة البينة لموكله؛ لأن الوكيل قد يضيف الشيء إلى نفسه لثبوت حق المطالبة له فيه، وإذا كان كذلك ثبت ذلك، قبلت البينة.
قال: ولو ادّعى أول مرة أنها لفلان أنه وكّله بالخصومة فيها، ثم أقام البينة أنها له لم يقبل ذلك منه؛ لأن المستحق للشيء لا يضيف ذلك إلى غيره، وإنما يضيف ملك الغير إلى نفسه إذا كان وكيلًا، فكانت البينة مخالفة لدعواه، فلم تقبل) (١).
وكذلك لو أقام بينة أنها لآخر وكّله بالخصومة فيها، لم يقبل ذلك منه، ولا أصدقه عليه؛ لأن الوكيل يضيف ملك الموكل إلى نفسه، ولا يضيفه إلى موكل آخر، فكانت الدعوى الثانية نقضًا للأولى.
قال: فإن قال بعدما ادّعى الوكالة من الثاني أنه باعها من فلان، وهو يملكها، وقد وكّلني فلان -يعني المشتري- بالخصومة فيها، وجاء بالبينة على
стр. 4462
ذلك، فإني أقبل ذلك، وأقضي بالدار للموكل الآخر؛ وذلك لأنه يمكن الجمع من الدعويين لجواز أن يبيع الموكل الأول [من الثاني]، وإذا أمكن الجمع بينهما لم يتنافيا.
قال: وكذلك لو ادّعى [على] رجل [دينًا] في صَكٍّ جاء به باسمه، ثم جاء بالبينة أن ذلك المال بعينه في الصك لغيره وكله بالخصومة فيه، فإني أقبل ذلك منه؛ وهذا لما بَيَّنَّا أن الوكيل قد يضيف ما وُكّل به إلى نفسه، فلم تتنافى البينة والدعوى.
قال: ولو أن رجلًا ادّعى دارًا في يد رجل أنه اشتراها من فلان، وهو يملكها -رجل غير الذي الدار في يديه-، ثم أقام المدّعي البينة أنها داره، فلم يشهدوا على الشراء، فإن الشهادة باطلة، وكذلك لو ادعى أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثًا، ثم أقام البينة أن الدار داره، لم تقبل بينته حتى يشهدوا بما قال؛ وذلك لأن المدعي ادعى ملكًا مُقيدًا (١) بالشراء أو بالميراث، وأقام البينة على ملكٍ مطلق، والملك المطلق أعمُّ من المقيد؛ لأن الملك المُرسل يستحق من الأصل؛ ولهذا يستحق أولاد الجارية.
وإذا كانت الشهادة أكثر من الدعوى لم تقبل، مثل أن يدعي ألفًا فيشهدان بألف وخمسمائة؛ ولأنه أَقَرَّ بالملك للبائع وللميّت، فلا تقبل الشهادة له حتى يشهدوا على الانتقال منه إليه.
[قال]: وإذا ادعى أنه اشتراها من فلان، وجاء بشاهدين يشهدان أن فلانًا ذلك وهبها له وقبضها منه، وهو يملكها، فإن الشهادة باطلة، إلا أن يقول اشتريتها
стр. 4463
فجحدني، ثم وهبها لي بعد ذلك، وهذا على ما قدّمنا.
قال بِشر عن أبي يوسف: في رجل ادعى دارًا في يد رجل، وقال قد اشتريتها منه في شهر رمضان بألف ونقدته الثمن، فجحد الآخر البيع والخصومة، فسأل القاضي المدعي البينة، وكان تقدم إليه في ذي القعدة، فجاء بالبينة، فشهدت أن هذا تصدّق بالدار على المدعي في شعبان وقبضها، فإن القاضي لا يقبل هذه البينة؛ لأن الشراء المتأخر الذي ادّعاه في رمضان ينقض التصدق في شعبان، [فكان مكذبًا للبيّنة].
قال: وإذا قامت بينة على الصدقة في شوال قُبِلَ ذلك منه؛ لأنه يقول: جحدني الشراء فطلبت إليه فتصدق بها عليّ؛ وهذا لما بَيَّنَّا أن دعوى الشراء في رمضان لا تنفي الصدقة في شوال مع الجحود.
قال: ولو لم يذكر بينة [على] الصدقة فجاء بالبينة على الشراء، لم أقبل ذلك منه؛ وذلك لأن الصدقة الأخيرة تنقض الشراء المتقدم، فلم تقبل البينة مع إكذابها بالدعوى الأخيرة (١).
стр. 4464
بَابْ الرجلين يَتَداعيانِ الشيء بالأيدي
قال أبو الحسن ﵀: وإذا اختصم رجلان في دابة أو بقرة أو ثوب أو عبد أو غير ذلك من العروض، قال: إذا كان قائمًا بعينه فإن القاضي ينبغي له أن لا يسمع واحدًا منهما حتى يُحضرا ذلك الشيء الذي يتنازعان فيه بعينهِ إلا أن يكون أحدهما قد استهلكه، والآخر يدّعي أنها له، فإن وقعَ الأمرُ على هذا قُبِلت البينة؛ لأنه مُستهلَك.
والأصل في ذلك: أن المنقولات لا تُضْبط بالصفة، ومن حكم الدعوى أن تقع في معلوم، فإذا لم يحضر لم تقع الدعوى على عينها، فلم يعرفها القاضي ولا الشهود، فلذلك وجب إحضارها.
ولأن الخصومة تتعلق: بُمدّعي، ومدّعى عليه، ومدعى فيه، ومعلوم أن المتداعيين إذا أمكن حضورهما وقفَ الحكم على ذلك، فكذلك المدعى فيه.
وليس كذلك المستهلك؛ لأن الدعوى لا تقع في عين، وإنما تقع فيما في الذمة، وقد حضر صاحبُ الذمةِ، وليس هذا كالعقار؛ لأنه يصيرُ معلومًا بالتحديد، فتقع الشهادة على معلوم.
ولهذا لو وقعت الدعوى في غير محدود لم تصح حتى يحضر الحاكم عند الأرض، فتُسمع الدعوى على عينها، ويشير الشهود إليها بإشارة في الشهادة.
وأما إذا وقعت الدعوى في المنقولات التي يتعذر نقلها كالحجارة والأرحية،
стр. 4465
فلم يذكر [ذلك] أصحابنا المتقدمون، وكان شيوخنا يقولون: إن شاء الحاكم حضر عندها، وإن شاء بعث بأمين من أمنائه؛ لأنها لا تضبط بالحدود ويتعذر نقلها، فتسمع الدعوى على عينها.
قال: ولو اختصم رجلان في شيء مما ذكرنا، وكل واحد منهما متعلق به يقول: هو لي وفي يدي، فإن على كل واحدٍ منهما البينة أنه له، فمن أقام البينة منهما قضي له، وإن لم يقم البينة وهو في أيديهما، فهو بينهما نصفان على حاله؛ وذلك لأن يدهما ثابتة عليه من طريق المشاهدة، واليد من أسباب الاستحقاق، فإذا تساويا فيها كانت مقرةً في أيديهما نصفين.
فإن أقام أحدهما بينة أنها له استحق النصف الذي في يد خصمه، فيقضي له به، ويبقى النصف الآخر في يده لا على طريق القضاء؛ لأن بينة صاحب اليد لا تقبل على الملك [المطلق]؛ ولهذا قالوا: لو أقام كل واحد منهما البينة أنها له، قضي لكل واحد منهما بما في يد الآخر، ويكون الشيء بينهما على طريق القضاء؛ لأن العين في أيديهما على ما بَيَّنَّا، ففي يد كل واحد منهما النصف، وقد أقام البينة على الجميع، فاجتمع في كل واحدٍ من النصفين بينة صاحبِ اليد والخارج، فبينة الخارج أولى.
قال: وكذلك لو اختصما في عبد صغير لا يتكلم؛ لأنه إذا لم يعبّر عن نفسه ثبتت اليد عليه، فهو كالعروض.
وقد قالوا إنّ الصغير إذا كان في يد رجل يَدَّعِيْ أنه عبده، فكبر فادّعى الحرية لم يقبل؛ لأنا حكمنا بثبوت اليد عليه، فلم يقبل قوله في إزالتها.
وقال محمد: لو لم يَدَّعِ صاحب اليد في حالِ الصغر أنه عبده حتى كبر
стр. 4466
فادعاه، وقال الغلام: أنا حرّ، فالقول قوله؛ لأنه لما لم تتقدم الدعوى لم يحكم بالرقِّ، فصار بعد البلوغ في يد نفسه، فالمرجع إلى قوله.
قال: ولو كان عبد كبير يتكلم، فقال: أنا عَبدُ أَحَدِهِما، لم يُصدَّقْ، وهو عبدهما.
وقال أبو حنيفة: إذا كان العبد في يد رجل فأقر العبد أنه عبد لرجل آخر، والذي هو في يديه يقول هو عبدي، فالقول قول الذي هو في يديه، ولا يصدّق العبد على ما قال [إذا أقرّ بالرق وهو في يد رجل]؛ وذلك لأن الكبير في يد نفسه؛ [لأنّه] (١) يعبر عنها، فإن قال: إني حرّ، فالقول قوله، فأما إذا اعترف بالرق فقد أقر بأنّه لا يد له على نفسه، وأنه ممن تثبت عليه اليد، فصار هو في يد من هو في يده، فلم يلتفت إلى قوله ((٢) في إزالة اليد، وصار كالصغير.
قال: وإذا تداعيا شيئًا من ذلك، عبدًا، أو دارًا، أو غيرهما، جاز إقراره له.
وكذلك لو أقر أن أحدهما أودعه ذلك الشيء، أو أعاره، أو آجره، أو غصبه منه، فهو مصدّق على ما قال، ويحكم به للمُقرِّ له.
وهذه المسألة على ثلاثة فصول: ذكر أبو الحسن فصلًا منها وهو إذا أَقَرَّ قبل سماع البينة.
والوجه فيه: أن الدار في الظاهر لصاحب اليد، فإذا أقر بما في يده ولم يُبطِل بالإقرار حقًّا لغيره، فجاز إقراره به.
стр. 4467
قال: والفصل الثاني: إذا أقرَّ صاحب اليد بعد سماع البينة قبل التزكية، لم يجز إقراره؛ لأنه يبطل البينتين، ألا ترى أنه يقول إنّ المُقَرَّ له أقام البينة على ملك نفسه، فلا فائدة له في بينته، وأن الآخر أقام البينة على غير خصم، فلم يقبل قوله في إبطال البينتين، ولكنه يصدق في تحويل الخصومة إلى المقر له، ويصير المقر له كالوكيل له في الخصومة، فيدفع العبد إلى المقر له، ويصير هو الخصم، فإذا زكيت البينتان جميعًا قضي به بينهما نصفان، على مقتضى البينتين قبل الإقرار؛ إذ المقر لا يملك تغيير موجب البينة.
وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف ومحمد: أن المُقِرَّ إذا كان بإقراره تقبل الخصومة، فكأنه وكل المقر له، وعندهما: أن توكيله يجوز بغير رضا خصمه.
وأمَّا على أصل أبي حنيفة: فلا يجوز التوكيل بغير رضاه، إلا أنه يقول: هاهنا خرج المقر من الخصومة، فلم يبق خصم المدعى عليه.
والفصل الثالث: إذا أَقَرَّ بعدما زكيت الشهود، ولم يذكر محمد هذا الفصل في الدعوى.
والجواب عنه: أن القاضي يقضي بالعبد بينهما، ولا تنتقل الخصومة؛ لأن البينتين إذا زكيتا في الدعوى فلم يبق خصومة، وإنما بقي إنفاذ الحكم بها.
وقد ذكر محمد في الدعوى هذه المسألة وقال: إذا أقر المدعى عليه بعد سماع البينة، أن أحدهما أودعه إياه سَلمه إليه، صَدّقه المقر له أو لم يصدقه، ومعنى ذلك أنه صدقه أنه أودعه أو لم يصدقه في الوديعة، ولكنه ادعى الملك، فأما إذا كذبه ولم يدّع الملك فيبطل.
стр. 4468
وقال معلى عن أبي يوسف: لو أن شاهدين شهدا أن فلانًا مات وهذه الدار في يده، فإني أقضي بها للورثة.
وإن شهدوا أن فلانًا مات وهو ساكنها، أو قالوا: مات وهو فيها: لم أقض بها.
والأصل في ذلك: أنهم إذا شهدوا بيد الميت عند الموت كانت ميراثًا؛ لأن الموت جهة لنقل الملك، وكل شيء في يد الميت ينتقل إلى ورثته، إلا أن يُستحق عليه، ولأن الأملاك لا طريق لنا إلى إثباتها إلا بظاهر اليد والتصرف.
وإذا شهدوا باليد مع جهة الانتقال فكأنهم شهدوا بالملك؛ لأنهم شهدوا باليد مع جهة انتقال الملك، وإذا ثبت أن الشهادة باليد عند الموتِ شهادة بالملك، قلنا: إذا لم يذكروا ملك الميت ولا صريح اليد، ولكن ذكروا فعلًا من الميت، فكل فعل تثبت به اليد فإن الملك يثبت به، وكل فعلٍ لا تثبت به اليد [لا] (١) يثبت به الملك.
فإذا قالوا: مات في الدارِ) (٢) لم تستحقها الورثة؛ لأن كون الإنسان في داره وموته فيها ليس بتصرف فيها، بدلالة أن مَن دخل [دار إنسان بغير إذنه] (٣) فجلسَ فيها، لم يصر غاصبًا عند مَن يضمن العقار بالغصب، فلم يشهدوا له بملك ولا يد ولا تصرف، فلا تستحقها الورثة.
فأما إذا شهدوا أنه مات وهو ساكن فيها، فقد ذكر في الجامع الكبير: أنه يقضى بها للورثة، خلاف ما حكاه عن أبي يوسف هنا، والصحيح ما في الجامع؛
стр. 4469
لأن [السكنى تصرف] (١) في الدار، والشهادة [بالتصرف] شهادة باليد.
وجه رواية معلى: هو أن السُّكنى في العادة تطلق على النزول في الدار التي لا يملكها، فلو عرف الشهود الملك [له] لذكروه، وذكروا صريح اليد.
وقال معلى: سألت أبا يوسف عَن رجلين على دابة، أحدهما راكب في السرج والآخر رديفه، فادعيا جميعًا الدابة، قال: هي لراكب السرج، وإن كانا راكبين في السرج قضي بها بينهما، وكذلك قال هشام عن أبي يوسف في هذه المسألة؛ وذلك لأن تصرفَ الراكب في السرج أظهر، فصار [كلابس الثوب] (٢) وآخر متعلق به، ولأن في العادة أن مالك الدابة يركب في السرج ويردف معه غيره، فكان أولى بها.
قال: وأما إذا ركبا (٣) معًا في السرج فتصرفهما سواء، والتساوي في سبب الاستحقاق يوجب التساوي في نفس الاستحقاق.
قال معلى: قال أبو يوسف في حمال عليه كارة (٤) وهو في دار بزاز، فادّعى البزاز الكارة وأنكر الحَمَّال، قال: إن كان من حمالي البزازين والكارة مما يحمل فيها، فالقول قول الحمال؛ لأن يد الحمال في المحمول أظهر، وهو ممن يحمل للبزازين في العادة، فالمرجع إلى قوله.
وقد قالوا: في خياط يخيط ثوبًا في دار رجل، فنازعه صاحب الدار
стр. 4470
والخياط، أن القول فيه قول صاحب الدار، فجعلوا يد صاحب الدار أظهر؛ لأن العادة أن الخياط يخيط في دار الإنسان ثيابه.
وأما الحمل فقد يحمل الإنسان إلى دار إنسان متاع غيره، وهذا من نوع الاختلاف في متاع البيت، فالترجيح بأظهر اليدين.
وقد ذكر ابن رستم في نوادره عن محمد في الشهود: إذا شهدوا بأنا رأينا هذا يخرج من داره وعلى عاتقه هذا المتاع، فادعاه كل واحد منهما، قال: إن كان الحامل يُعرف ببيع ذلك المتاع وحمله فهو له، وإن كان لا يعرف فهو لصاحب الدار، وهذا على ما بَيَّنَّا من الترجيح بالعلامة الظاهرة.
قال المُعَلَّى عن أبي يوسف: في رجل اصطاد طائرًا في دار رجل، قال: إن اصطاده من الهواء فهو له، وإن كان على شجرة أو غير ذلك فهو لرب الدار، فإن اختلفا فالقول قول رب الدار.
والأصل في هذا: أنهما لو اتفقا على أنَّ الصيد على أصل الإباحة إلى أن اصطاده، فهو للصائد في الوجهين؛ لأن الصيد يُملك بالأخذ ولا يملك بحصوله على حائطه وشجرته؛ لأنه على الامتناع، والمباح يملك بالأخذ، وإنما مسألة الكتاب موضوعة على أن الصائد يقول: هذا الصيد على أصل الإباحة، [فقد ملكت] (١) بالأخذ، ويقول صاحب الدار: هذا الصيد اصطدته أنا قبلك، أو ابتعته، أو ورثته، فإن كان الصَّيَّاد أخذه من الهواء فهو له؛ لأن الهواء لا يد لصاحب الدار عليه، فقد اختلفا فيما لا يد له فيه، وإنما اليد للصائد فكان القول قوله.
стр. 4471
وإن أخذه من جداره أو شجرته فذلك الموضع يده، ومن أخذ من يد إنسان شيئًا وزعم أنه مباح، لم يقبل قوله.
فإن اختلفا في أخذه هل أخذه من الهواء أو من الجدار، فالقول قول صاحب الدار؛ لأن الظاهر أن ما في داره في يده، فإذا زعم الصياد أنه أخذه من الهواء، فقد نفى يد صاحب الدار، وهي موجودة في الظاهر، فلا يقبل قوله.
وقال محمد في الجامع الكبير: إذا كانت الدار في يد رجل، فادعى رجل [آخر] أنها داره ورثها عن أبيه، فجحد الذي في يديه الدار وأقام المدعي البينة أن أباه مات في الدار، أو شهدوا أنها كانت لأبيه مات فيها، ولم يشهدوا أنه مات وتركها ميراثًا، فالشهادة باطلة، ولا يستحق بها شيئًا، حتى يشهدوا أن أباه مات والدار في يده، أو يشهدوا أن أباه مات وهو ساكن فيها، أو شهدوا أنه مات وتركها ميراثًا.
وقد بَيَّنَّا هذه المسألة، وذكرنا أن قولهم: مات [فيها]، ليس بشهادة باليد ولا بالتصرف، وأما السكنى فقد بَيَّنَّا اختلاف الرواية [فيها].
فأما قولهم: كانت لأبيه مات فيها، فقد قال أبو حنيفة ومحمد: إنّ الشهادة إذا كانت لأبيه لا تقبل حتى يشهدوا أنها كانت له عند موته، أو يشهدوا أنها كانت في يده إلى أن مات.
وقال أبو يوسف: تقبل هذه الشهادة، ويقضى بها.
وجه قولهما: أنهم شهدوا بملك كان وقد تيقّنّا بزواله، فكأن الشهود قالوا: كانت لأبيه وليست له اليوم؛ ولأنهم شهدوا بملك تيقنا بزواله ولا يُعلم إلى من
стр. 4472
زال، فلا يجوز الحكم باستصحابه مع وجود ما ينافيه.
لأبي يوسف: أنهم شهدوا بملك [متقدم] للأب، فالظاهر بقاؤه إلى حين موته، فكأنهم قالوا: كان الملك له إلى أن مات، فإذا ثبت من أصلهما أن الشهادة بملك كان للميت لا تقبل، فقولهم: كانت لأبيه مات فيها، ليس بشهادة باليد عند الموت، (ولا بالملك، فلا تقبل.
ولو شهدوا أنه مات) (١) وهو لابس هذا القميص، أو لابس هذا الخاتم، والذي في يده القميص والخاتم يجحد ذلك، قضيت به للوارث.
فهذا على ما قدّمنا: أنهم إذا شهدوا بالتصرف عند الموت فهو كالشهادة باليد وَلُبس القميص والخاتم تصرف تثبت به اليد؛ بدلالة أن من لبس قميص غيره بغير إذنه أو خاتمه صار غاصبًا، فإذا شهدوا باليد قضي به للوارث.
[قال]: ولو شهدوا أنه مات وهو قاعد على هذا الفراش، أو على هذا البساط، (أو قالوا: وهو نائم عليه) (٢)، لم يستحق الوارث بهذا شيئًا؛ وذلك لأن الجلوس والنوم عليهما (٣) -وهما للغير- لا يصير به هذا غاصبًا، والنوم عليه ليس بتصرف، وإذا لم يكن ذلك تصرفًا في البساط لم تثبت به اليد، فلا تقبل الشهادة.
قال: ولو شهدوا أنه مات وهو راكب هذه الدابة، قضيت بها للوارث؛ لأن
стр. 4473
الركوب تصرف ويد، بدلالة أن مَن ركب دابة غيره بغير إذنه صار به غاصبًا.
وكذلك لو شهدوا أنه مات وهو حامل لهذا الثوب، أو لهذا المتاع، قضيتُ به للوارثِ؛ لأن الحمل [به] تصرف ويد؛ بدلالة أن مَن حمل ملك غيره بغير أمره صار غاصبًا.
قال: ولو شهدوا أنه مات وهذا الثوب على رأسه موضوع، ولم يشهدوا أنه كان حاملًا [له]، لم أقض به للوارث (١)؛ لأنه قد يُوضع على [رأسه] بغير فعله، فلا يكون متصرفًا فيه، ولا تثبت له عليه يدٌ؛ ولهذا لا يضمنه إذا كان لغيره، وإذا لم تعد ذلك اليد لم تقبل هذه الشهادة.
قال: ولو كان رجل جالسًا على بساط وآخر متعلقًا به، وكلاهما يَدَّعِيْه، لم يكن بينهما نصفين، وإنما يصير بينهما [نصفين] بدعواهما، أنه لهما ليس لغيرهما، أرأيت (٢) دارًا فيها رجلان قاعدان، كل واحد منهما يدعي أنها له [فإنها] في يده، أكان للقاضي أن يقضي بأنها لهما، أو بأنها في أيديهما بقعودهما فيها، أو بقيامهما؟ فليس ينبغي للقاضي أن يقضي لهما بذلك، [ولكن] إذا علم القاضي أن أحدهما ساكن قضى بأنها في يده، أَوَلا ترى أن السكنى تخالف للقعود في الدار والنوم فيها ونحوه.
والوجه في ذلك: ما بَيَّنَّا أن القعود على البساط ليس بيد، ولكن القاضي لا يجد [اليد أقرب] منهما، فيقضي به لهما.
ويجوز أن يكون معنى قوله في الكتاب: يترك القاضي ذلك في أيديهما، لا
стр. 4474
على طريق القضاء؛ لأنه لا منازع لهما فيه.
وعلى هذا: القاعدان في الدار؛ لأن القعود في الدار ليست بيد، وإنما اليد السكنى، فإما أن يقول أنه يقضي بالدار بينهما؛ لأنه ليس أقرب منهما، أو نقول: معناه أنه يتركها على طريق القضاء؛ لأنه لم يثبت لهما يد ولا ملك فيها.
وقال هشام في نوادره: حدثنا أبو يوسف [عن أبي حنيفة] قال: إذا قامت البينة على دار أو عبدٍ أو دابةٍ أو غير ذلك بأن الميت أعارها للذي في يده، أو أودعه إياها، أو وَكَّله بها، أن هذا كله جائز بعد أن يقيم على [عدد] الورثة البينة، فيقضي بذلك بينهم؛ لأن يد المودع يد لمودعه، وكذلك يد المستعير يَد للمعير، ويد الوكيل يد لموكِّلِه، فإذا شهدوا بيد في الحال أوجبها الميت، فقد شهدوا أنها كانت في يد الميت إلى أن مات.
وذكر بعد هذا خلاف أبي يوسف في الشهادة، بأن الشيء كان ملكًا للميت، وقول ابن أبي ليلى مثل قول أبي يوسف، وقد بَيَّنَّا ذلك.
وقال محمد في كتاب الدعوى: إذا كانت الدار والأرض في يد رجل فأقام آخر البينة أنها دار أبيه، ولم يقولوا: مات؛ وتركها ميراثًا فإنه لا يُقضى بشهادتهم، وكذلك لو قالوا كانت هذه الأرض لأبيه؛ وذلك لأن الشهادة بها لأبيه (١) بعد موت الأب كذب، وقولهم كانت لأبيه شهادة بملك زال لا تُعرفُ كيفيته على ما ذكرنا (٢).
стр. 4475
بَابْ دعوى النتاجِ
قال أبو الحسن ﵀: وإذا ادّعى الرجل دابةً في يد رجل، أو شيئًا من الحيوان كائنًا ما كان من بني آدم أو غيرهم، فادّعاه رجل ليس في يده أنه وُلِدَ في ملكه، وأقام البينة على ذلك، وأقام الذي هو في يده البينة أنه [له]، وُلِدَ في ملكه، فإن البينة بينة الذي في ملكه ويده.
وقال ابن أبي ليلى: الخارج أولى (١).
لنا: ما روى جابر بن عبد الله (أن رجلًا ادّعى ناقةً في يد رجل، فأقام البينة أنها ناقته نتجها، وأقام الذي في يده أنها ناقته نتجها، فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يديه) (٢)؛ ولأن بينة صاحب اليد دلت على معنى لا يقتضيه ظاهر اليد، فصارت كبينة الخارج، فتساوت البينتان، ومع صاحب اليد ترجيح باليد، [فكانت] (٣) أولى.
وأما إذا أقام أحدهما البينة على النتاج والآخر على الملك، فصاحب النتاج أولى، أيهما كان؛ لأنه أقام البينة أنه أول المالِكَيْن، وأن الشيء في المدة لا يستحق إلا من جهته، والآخر أقام البينة على (استحقاقه لا من جهته) (٤)، فلا
стр. 4476
تقبل بينته، فظاهر المذهب يقتضي أن صاحب اليد يقضى له.
قال عيسى بن أبان: تتهاتر البينتان، ويترك الشيء في يده لا على طريق القضاء.
وهذا الذي قال يخالف المذهب؛ لأنهم قالوا في رجلين في يد أحدهما مسلوخة، وفي يد الآخر سواقطها، أقام كل واحد منهما بينة على النتاج، قضي بها لصاحب اليد، وقضي على الآخر بتسليم السقط إليه، ولو كان على طريق التهاتر لتُرك على ما كان في يد كل واحد منهما ما في يده.
وقالوا في الخارجين: إذا أقام كل واحد منهما بينة على النتاج، كانت الدابة بينهما، ولو تهاترت البينتان لترك في يد الثالث.
وأما الدليل على ذلك: فلأن جابرًا روى عن النبي ﷺ (أنه قضى بها لصاحب اليد) (١)، ولأن النتاج يدل على تقدم الملك كالتاريخ؛ لأن كل واحد منهما أثبت الملك بالنتاج بسبب واحد، فصار كأن الرجلين أثبتا الشراء من واحد، وأحدهما قابض، فالقابض أولى.
وجه قول عيسى: أن القاضي قد عرف كذب أحد الفريقين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا تقبل واحدة من البينتين.
[كما] لو شهد شاهدان أن فلانًا قُتِل يوم النحر بمكة، (وشهد شاهدان أنه قتل يوم النحر) (٢) بالكوفة، لم تقبل واحدة منهما.
стр. 4477
والجواب: أن الشهود لا يشهدون بالنتاجِ بمشاهدة الولادة، وإنما يرون الفصيل يتبع الناقة، فيشهدون أنه فصيلها، ولا نحكم بكذب أحد الفريقين، كما لا نحكم بكذب أحدهما (١) إذا شهدوا بملك مطلق.
[قال]: فإن وقّتت كل بينة بما شهدت به من النتاج وقتًا مخالفًا للوقت الآخر، وكان سِنُّ الدابة [يوافق] (٢) أحد الوقتين، كان لصاحب الوقت الذي سنّن الدابة عليه، (وإن كان الوقتان سواء، وكانا مشكلين، فهي بينهما، وهذا على فصول) (٣):
أحدها: أن يوافق السِّنّ أحد الوقتين، فيقضى له بها، أيهما كان، لأن الحال تشهد بصدق شهوده، فكان أولى.
وأما إذا أشكل ذلك، فلم [يعمل] (٤) بشهادة السِّن لأحد الوقتين، فسقط التوقيت؛ لأنه لا دلالة فيه، فكأنهما أقاما البينة على النتاج من غير تاريخ.
وإن كانا خارجين فالدابة بينهما، وإن كانت في يد أحدهما، فهي لصاحب اليد.
وأما إذا خالف سن الدابة الوقتين جميعًا، فلم يذكر أبو الحسن هذا الفصل، وقد ذكره في الأصل، فقال: فإن كان على غير الوقتين، أو كانت مشكلة، قضيت بها بينهما نصفين.
стр. 4478
قال الحاكم: وفي رواية الأصل: إذا كان سن الدابة على غير الوقتين، فالبينتان باطلتان، وهو الصحيح؛ لأن [السنّ] (١) معين معلوم، وقد كذّبت البينتان جميعًا، فسقطتا، وبقي الشيء في يد صاحب اليد، وهذا كمن اعترفَ بنسب غلام أنه ابنه، ومثله لا يولد لمثله.
ووجه رواية الأصل: أنّ [النظر في السِّنِّ] (٢) إنما يكون لحقهما، فإذا خالفَ البينتين لم يكن فيه فائدة لواحدة منهما، فسقط اعتباره، فكأنهما لم يذكرا التاريخ.
ومن أصحابنا من جمع بين الروايتين، وقال: يجب أن ينقص من السؤال حتى يصيرَ كأنهُ قال: فإن كانت على غير الوقتين، وكانت مشكلة، جعل بينهما نصفين، حتى تتفق الروايتان، ويصح الجواب.
قال: وكذلك صوف أو مِرْعِزّيّ أو شعر، إذا أقام كل واحد البينة أنه جزّه في ملكه، فهو لصاحب اليد إذا كانت الخصومة بين الذي في يده والخارج.
وإن كانا خارجين فعلى ما فسرت من النتاج في الوجهين جميعًا.
وكذلك غزل قطن في يد رجل أقام بينة أنه غزله في ملكه، أو أقامَ الخارج أنه غزله في ملكه أو ادعاه خارجان، والذي في يده يجحده؛ وذلك لأن هذا سبب فى الملك لا يتكرر [فهو] كالنتاج.
стр. 4479
٢٧٤٠ - نوع آخر [ثوب في يد رجل وادَّعَى الخارج أنه له بالبينة]
وإذا كان ثوب خز في يدي رجل أو مِرْعِزّيّ أو شعر، فادَّعاه رجل ليسَ في يدهِ وأقام بينةً أنهُ [له، نَسَجَه في ملكه، وأقام الذي في يده الثوب البينة أنه له نَسَجَه في ملكه، أو كان سيف في يد رجل فأقام خارج أنه له] طبعه في ملكه، وأقام الذي في يده بينة أنه له طبعه في ملكه، فإنه ينظر إليه أهل الصناعة، فإن كان مما ينسج مثله مرتين فهو للخارج، وإن كان مما ينسج مرة فهو لصاحب اليد.
وإن كان مُشْكِلًا لا يستبين، أمَرَّةً نسج أو مرتين، قضيت به للمدعي، وهذا قول محمد - (وقال في نسخة أخرى، وهو قول أبي حنيفة مكان قوله، وهذا قول محمد) (١) -، والأصل في هذا: أنهما إذا أضافا ملكهما إلى سبب (٢) لا يتكرر، فصاحب اليد أولى، قياسًا على الولادة.
وإن كان السببُ يتكرر قضيَ به للخارج، وكان كالملك المطلق، فإن أُشكِل ذلك، سأل عنه، أهل العلم بذلك؛ لما روى عبادة بن الصامت (أن النبي ﷺ قال: "لا تنازعوا الأمر أهله" (٣)؛ ولأن أهل الصناعة أعرف بذلك [الأمر] من غيرهم، فإن أشكل ذلك على أهل الصناعة قضي به للخارج، ولأن الأصل: أن النبي ﷺ جعل البينة بينة المدعي (٤).
стр. 4480
وإنما عدلنا عن هذا الأصل الظاهر لخبر النتاج، فما لم يُعلم أن فيه معناه (١)، فهو محمول على ذلك الأصل الظاهر.
وإذا ثبت هذا فثيابُ الخزّ والشَّعر قد تنسج مرةً بعد أخرى، وثياب القطن لا تنسج إلا مرةً واحدة، والسيف منه ما يطبع مرةً بعد مرة، ومنه ما لا يطبع إلا مرةً (٢).
قال: وإذا كان حُلِيٌّ مصوغ في يد امرأة، أقامت بينةً أنه لها صاغته في ملكها، وأقامت أخرى بينة ليس في يدها أنها صاغته في ملكها، حكم به للخارجة؛ لأن الحلي يُصاغ مرة بعد مرة، فهو كالملك المطلق [الذي] يتكرر مرة بعد مرة.
٢٧٤١ - نوع آخر [مما يُستحق بالفعل ولا يُستحق بالملك]
قال: وإذا كانت الأرض والنخل في يد رجل، فأقام آخر البيّنة أنه نخله وأرضه، وأنه غرسَ هذا النخل فيها، وأقام الذي في يديه البينة على مثل ذلك، فإنه يقضى بها للمدّعي الخارج؛ وذلك لأن غرسَ النخل ليس بسبب لملك الأرض، [فلم يتكرر بسبب] (٣) الملك، ولأن غرس النخل يتكرر؛ لأنه [قد] يغرس ويقلع ثم يغرس، وما يتكرر من أسباب الملك فإنه يستحقه الخارج.
قال: وإذا كانت حنطة في يد رجل فأقام آخر البينة أنها حنطته، زرعها في أرضه، وأقام الذي هي في يديه البينة على مثل ذلك، فإنه يُقْضَى (٤) بها للمدعي؛ وذلك لأن الحنطة قد تزرع ثم تؤخذ من الأرض مع التراب وتزرع ثانيًا، فهو سبب يتكرر.
стр. 4481
قال: وكذلك القطن والكتان وسائر الحبوب التي تزرع غير مرّة؛ لأن السبب متى تكرر فيها لم يستحقها من خرجت من أرضه؛ لجواز أن يزرعها ثم يزرعها الغير.
٢٧٤٢ - نوع آخر [قطن نابت في أرض رجل وادعاء الآخر أن الأرض له]
ولو كان قطنًا نابتًا في أرضٍ في يد رجل، فأقام رجل البيّنة أنها أرضه، وأنه زرَعَ هذا القطن فيها، (وأقام الذي في يديه البينة أنها أرضه وزرع هذا القطن فيها) (١)، فإنه يقضي بالأرض والقطن للمدعي على الذي في يده.
وكذلك دار في يد رجل، فأقام البينة أنها داره وأنه بنى هذا البناء، وأقام رجل البينة بمثل ذلك، فإنه يقضي بالدار والبناء للمدعي على الذي هي في يد غيره؛ وذلك لأنهما اختلفا في الأرض وتعارضت بَيِّنَتاهما على الملك المطلق، فكان الخارج أولى؛ ولأن البناء والزرع لا يملك به الأرض، فلم تقم البينة على سبب الملك، وإن كان [سببًا للملك وكانت] (٢) مما يتكرر.
٢٧٤٣ - نوع آخر [دَعْوَى رجل بِأَمَةٍ فِي يَدِ رَجُلٍ آخر]
قال: ولو أن أمة في يد رجل ادعاها رجل [آخر] أنها أمته، وُلِدَتْ في ملكه من أمته هذه التي هي في يده، وأقام الذي هي في يديه أنها أمته، ولدت عنده في ملكه من أمته هذه، فإنه يقضى بها للذي (٣) هي في يده؛ [وذلك] لأن الولادة سببُ في الملك؛ لأن الولد يُملك بملك الأصل، وهو مما لا يتكرر، فكان صاحبُ اليد أولى.
стр. 4482
ولو أقام المدعي البيّنة على أنها التي هي عند المُدَّعَى عليه أنها أمته، وأنها وُلِدَتْ هذه في مِلْكِه، وأقام الذي هي في يديه البينة على مثل ذلك، قضيت بها وبأمها للمدعي؛ وذلك لأنهما اختلفا في الأم وأقامَ كل واحد منهما البينة على ملك مطلق فيها، كان الخارج أولى، وإذا قضي له بالأم قضي له بالولد (١)؛ لأنه يُملك بملك الأصل.
قال: وإذا كان صوف في يد رجل، وأقام [رجل] البينة أنه صوفه جَزَّه من شاته هذه وهي [في] ملكه، (وأقام الذي هو في يده أنه صوفه، وأنَّه جَزَّه مِن شاته هذه) (٢) لشاة أخرى (٣)، وإنما تنازعا في الصوف، والجَزُّ سبب [في] الملك، وهو مما لا يتكرر كالولادة.
[قال]: ولو أقام المدّعي البينة على الشاة التي عند المدعى عليه، أنها شاته، وأنه جزّ هذا الصوف منها في ملكه، وأقام الذي في يديه البينة على مثل ذلك، فأقضي بها للمدعي؛ لأنهما تنازعا في الشاة، وأقامَ كل واحد منهما البينة [فيه] على مِلْكٍ مُطلق، فكان الخارج أولى، وإذا استحق الشاة استحق السقط والصوف؛ لأنه يُستحق (٤) بملك الأصل.
قال: وإذا كان عَبدٌ في يد رجل، فادّعى رجل أنه عبده، وأنه [وُلِدَ] في ملكه من أمته هذه ومن عبده هذا، وأقام على ذلك البينة، وادّعى الذي هو في
стр. 4483
يده أنه عبده، وُلِدَ في ملكه من أمته [هذه] وعبد هذا، فإنه يقضى به للذي هو في يديه، ويكون ابن عبده وابن أمته، ولا يكون ابن عبده الآخر ولا أمته، ولا يقضى له به؛ لأنهما لم يتنازعا في [الأم و] الأب، وإنما تنازعا في الولد، وقد تعارضت البينتان في الولادة، فكان صاحبُ اليد أولى.
وإذا كان عبد في يدي رجل، فادعى رجل أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه ولد في ملك فلان الذي ابتاعه منه، وأقام الذي في يده العبدُ البينة أنه عبده اشتراه من فلان رجل آخر، وأنه وُلِدَ في ملكه، فإنه يقضى به للذي هو في يده.
وكذلك لو ادّعى عبدًا ميراثًا، وأنه وُلِدَ فى ملك أبيه، أو ادعاه هبةً أو صدقةً مقبوضة من رجل، أو وصيةً وأنه ولد في مِلك الواهب.
وكذلك إذا ادعى عبدًا ميراثًا، وأنه ولد في ملك الواهب أو الموصي أو المتصدق، فإنه يقضي به للذي هو في يديه؛ ذلك لأنه لما أقام البينة على الولادة في ملك من استفاد الملك من جهته، فكأنه أقام البينة على الولادة في ملكه، والشيء في يده، فيكون أولى.
قال: ولو كان عبد في يد رجل فأقام البينةَ أنهُ عبده، وأقام رجل [آخر] البينة أنه عبده، وُلِد [في ملكه، ولم يسموا أمه، وأقام رجل آخر البيّنة أنه عبده وُلِد] عنده من أمته هذه، فإنه يقضي به للذي أمه في يده؛ وذلك لأنه أقام البينة على الملك [والنسب]، وأقام الآخر البينة على الملك دون [النسب]، فكانت البينة التي تثبت الأمرين أولى؛ ولأن أحدهما لما استحق الأم بلا منازعة فسلم له ولدها، ولو كانت الأمة في يد المدّعى عليه، ولها ولد في يديه، فأقام البينة بأن الابن له، وُلِدَ من أمته هذه، وأن الأمة له، وأقام خارج البينة أنه عبده، ولدته
стр. 4484
هذه الأمة في ملكه، وأن الأمة له، فإنه يقضي بالأمة وولدها للخارج؛ لأنه لم يقم واحد منهما بينة على نتاج الأمة؛ وذلك لأن المنازعة وقعت في الأم، وقد تعارضت البينتان فيها في ملك مطلق، فكان الخارج أولى، فإذا استحقها استحق ولدها.
قال: ولو كانت شاتان في يد رجل سوداء وبيضاء، فأقام خارجٌ البينةَ: أن البيضاء شاته ولدتها السوداء في ملكه، وأنهما جميعًا ملكه، وأقام الذي في يديه [الشاتان] البينةَ: أن السوداء شاته ولدتها البيضاء عنده في ملكه، وأن الشاتين جميعًا له، فإنه يقضى لكل واحد منهما بالشاة التي شهدت [به] شهوده أنها ولدت في ملكه؛ وذلك لأن الخارج أقام البينة على النتاج في البيضاء، وأقام صاحبُ اليد البينةَ على ملكها، فالخارج أولى، وأقام صاحب اليد البينة على النتاج في السوداء، وأقام الخارج البينة على الملك فيها، فصاحب اليد أولى.
وهذه المسألة ذكرها في الدعوى على هذا الوجه، ويجب أن تكون المسألة موضوعة على أنّ سنّ الشاتين مُشْكل؛ لجواز أن تلد كل واحدة منهما الأخرى.
فأما إذا علم أن أحدهما يصلحُ أن تكون أمًّا والأخرى لا تصلح، فإنه يقضي بالبينة التي شهد لها السنّ، ويبطل البينة الأخرى.
وقد ذكر أبو يوسف في الأمالي: أنه لا يُقْضى لواحد من البينتين؛ لأنا علمنا كذب أحدهما لا محالة، لاستحالة أن تلد كل واحدة منهما الأخرى، وإذا تيقَّنَّا [بكذب أحدهما] (١) ولا يُدرى بعينها بطلتا جميعًا (٢).
стр. 4485
ومما يلحق بهذا الباب [من مسائل الأصل].
٢٧٤٤ - [إقامة كل من المُدَّعِييَنِ بأن الجُبْنَ من صنعه]
إذا اختلفا في جُبن، فأقام صاحب اليد [البيّنة]، أو أقام الخارج البينة، فالمسألة على خمسة فصول:
إن أقام كل واحدٍ منهما البينة أن الجُبن له صنعه في ملكه، فصاحب اليد أولى؛ لأن عمل الجُبن سببٌ في الملك لا يتكرر كالنتاج.
فإن أقام كل واحد منهما البينة أن اللبن الذي صنع هذا الجبن منه في ملكه، فإنه يقضي به للمدعي؛ لأن المنازعة وقعت في اللبن، وقد أقام كل واحد منهما البينة فيه على ملكٍ معلقٍ، فالخارج أولى.
وإن أقام كل واحد منهما بينة أن ذلك اللبن حلب في يده، فإنه يقضي به لمن هو في يديه؛ لأن الحلب لا يتكرر (١).
فإن أقام كل واحدٍ منهما [البيّنة] أن الجبن له صنع في ملكه من لبن حلب في ملكه من شاته، وأن الشاة له، فإنه يقضي للخارج؛ لأن الاختلاف وقع في الشاة، وقد أقام البينة فيها على ملكٍ مطلقٍ، فهو أولى.
وإن أقام كل واحد منهما البينة أن تلك الشاة نتجت عنده، قضى بالجميع لصاحب اليد؛ لأن الولادة معنًى لا يتكرر.
وقال في الأصل في المتنازعين في الشاة: إذا أقام كل واحد منهما بينة على