قال: وكذلك القطن والكتان وسائر الحبوب التي تزرع غير مرّة؛ لأن السبب متى تكرر فيها لم يستحقها من خرجت من أرضه؛ لجواز أن يزرعها ثم يزرعها الغير.
٢٧٤٢ - نوع آخر [قطن نابت في أرض رجل وادعاء الآخر أن الأرض له]
ولو كان قطنًا نابتًا في أرضٍ في يد رجل، فأقام رجل البيّنة أنها أرضه، وأنه زرَعَ هذا القطن فيها، (وأقام الذي في يديه البينة أنها أرضه وزرع هذا القطن فيها) (١)، فإنه يقضي بالأرض والقطن للمدعي على الذي في يده.
وكذلك دار في يد رجل، فأقام البينة أنها داره وأنه بنى هذا البناء، وأقام رجل البينة بمثل ذلك، فإنه يقضي بالدار والبناء للمدعي على الذي هي في يد غيره؛ وذلك لأنهما اختلفا في الأرض وتعارضت بَيِّنَتاهما على الملك المطلق، فكان الخارج أولى؛ ولأن البناء والزرع لا يملك به الأرض، فلم تقم البينة على سبب الملك، وإن كان [سببًا للملك وكانت] (٢) مما يتكرر.
٢٧٤٣ - نوع آخر [دَعْوَى رجل بِأَمَةٍ فِي يَدِ رَجُلٍ آخر]
قال: ولو أن أمة في يد رجل ادعاها رجل [آخر] أنها أمته، وُلِدَتْ في ملكه من أمته هذه التي هي في يده، وأقام الذي هي في يديه أنها أمته، ولدت عنده في ملكه من أمته هذه، فإنه يقضى بها للذي (٣) هي في يده؛ [وذلك] لأن الولادة سببُ في الملك؛ لأن الولد يُملك بملك الأصل، وهو مما لا يتكرر، فكان صاحبُ اليد أولى.
стр. 4482
ولو أقام المدعي البيّنة على أنها التي هي عند المُدَّعَى عليه أنها أمته، وأنها وُلِدَتْ هذه في مِلْكِه، وأقام الذي هي في يديه البينة على مثل ذلك، قضيت بها وبأمها للمدعي؛ وذلك لأنهما اختلفا في الأم وأقامَ كل واحد منهما البينة على ملك مطلق فيها، كان الخارج أولى، وإذا قضي له بالأم قضي له بالولد (١)؛ لأنه يُملك بملك الأصل.
قال: وإذا كان صوف في يد رجل، وأقام [رجل] البينة أنه صوفه جَزَّه من شاته هذه وهي [في] ملكه، (وأقام الذي هو في يده أنه صوفه، وأنَّه جَزَّه مِن شاته هذه) (٢) لشاة أخرى (٣)، وإنما تنازعا في الصوف، والجَزُّ سبب [في] الملك، وهو مما لا يتكرر كالولادة.
[قال]: ولو أقام المدّعي البينة على الشاة التي عند المدعى عليه، أنها شاته، وأنه جزّ هذا الصوف منها في ملكه، وأقام الذي في يديه البينة على مثل ذلك، فأقضي بها للمدعي؛ لأنهما تنازعا في الشاة، وأقامَ كل واحد منهما البينة [فيه] على مِلْكٍ مُطلق، فكان الخارج أولى، وإذا استحق الشاة استحق السقط والصوف؛ لأنه يُستحق (٤) بملك الأصل.
قال: وإذا كان عَبدٌ في يد رجل، فادّعى رجل أنه عبده، وأنه [وُلِدَ] في ملكه من أمته هذه ومن عبده هذا، وأقام على ذلك البينة، وادّعى الذي هو في
стр. 4483
يده أنه عبده، وُلِدَ في ملكه من أمته [هذه] وعبد هذا، فإنه يقضى به للذي هو في يديه، ويكون ابن عبده وابن أمته، ولا يكون ابن عبده الآخر ولا أمته، ولا يقضى له به؛ لأنهما لم يتنازعا في [الأم و] الأب، وإنما تنازعا في الولد، وقد تعارضت البينتان في الولادة، فكان صاحبُ اليد أولى.
وإذا كان عبد في يدي رجل، فادعى رجل أنه عبده اشتراه من فلان، وأنه ولد في ملك فلان الذي ابتاعه منه، وأقام الذي في يده العبدُ البينة أنه عبده اشتراه من فلان رجل آخر، وأنه وُلِدَ في ملكه، فإنه يقضى به للذي هو في يده.
وكذلك لو ادّعى عبدًا ميراثًا، وأنه وُلِدَ فى ملك أبيه، أو ادعاه هبةً أو صدقةً مقبوضة من رجل، أو وصيةً وأنه ولد في مِلك الواهب.
وكذلك إذا ادعى عبدًا ميراثًا، وأنه ولد في ملك الواهب أو الموصي أو المتصدق، فإنه يقضي به للذي هو في يديه؛ ذلك لأنه لما أقام البينة على الولادة في ملك من استفاد الملك من جهته، فكأنه أقام البينة على الولادة في ملكه، والشيء في يده، فيكون أولى.
قال: ولو كان عبد في يد رجل فأقام البينةَ أنهُ عبده، وأقام رجل [آخر] البينة أنه عبده، وُلِد [في ملكه، ولم يسموا أمه، وأقام رجل آخر البيّنة أنه عبده وُلِد] عنده من أمته هذه، فإنه يقضي به للذي أمه في يده؛ وذلك لأنه أقام البينة على الملك [والنسب]، وأقام الآخر البينة على الملك دون [النسب]، فكانت البينة التي تثبت الأمرين أولى؛ ولأن أحدهما لما استحق الأم بلا منازعة فسلم له ولدها، ولو كانت الأمة في يد المدّعى عليه، ولها ولد في يديه، فأقام البينة بأن الابن له، وُلِدَ من أمته هذه، وأن الأمة له، وأقام خارج البينة أنه عبده، ولدته
стр. 4484
هذه الأمة في ملكه، وأن الأمة له، فإنه يقضي بالأمة وولدها للخارج؛ لأنه لم يقم واحد منهما بينة على نتاج الأمة؛ وذلك لأن المنازعة وقعت في الأم، وقد تعارضت البينتان فيها في ملك مطلق، فكان الخارج أولى، فإذا استحقها استحق ولدها.
قال: ولو كانت شاتان في يد رجل سوداء وبيضاء، فأقام خارجٌ البينةَ: أن البيضاء شاته ولدتها السوداء في ملكه، وأنهما جميعًا ملكه، وأقام الذي في يديه [الشاتان] البينةَ: أن السوداء شاته ولدتها البيضاء عنده في ملكه، وأن الشاتين جميعًا له، فإنه يقضى لكل واحد منهما بالشاة التي شهدت [به] شهوده أنها ولدت في ملكه؛ وذلك لأن الخارج أقام البينة على النتاج في البيضاء، وأقام صاحبُ اليد البينةَ على ملكها، فالخارج أولى، وأقام صاحب اليد البينة على النتاج في السوداء، وأقام الخارج البينة على الملك فيها، فصاحب اليد أولى.
وهذه المسألة ذكرها في الدعوى على هذا الوجه، ويجب أن تكون المسألة موضوعة على أنّ سنّ الشاتين مُشْكل؛ لجواز أن تلد كل واحدة منهما الأخرى.
فأما إذا علم أن أحدهما يصلحُ أن تكون أمًّا والأخرى لا تصلح، فإنه يقضي بالبينة التي شهد لها السنّ، ويبطل البينة الأخرى.
وقد ذكر أبو يوسف في الأمالي: أنه لا يُقْضى لواحد من البينتين؛ لأنا علمنا كذب أحدهما لا محالة، لاستحالة أن تلد كل واحدة منهما الأخرى، وإذا تيقَّنَّا [بكذب أحدهما] (١) ولا يُدرى بعينها بطلتا جميعًا (٢).
стр. 4485
ومما يلحق بهذا الباب [من مسائل الأصل].
٢٧٤٤ - [إقامة كل من المُدَّعِييَنِ بأن الجُبْنَ من صنعه]
إذا اختلفا في جُبن، فأقام صاحب اليد [البيّنة]، أو أقام الخارج البينة، فالمسألة على خمسة فصول:
إن أقام كل واحدٍ منهما البينة أن الجُبن له صنعه في ملكه، فصاحب اليد أولى؛ لأن عمل الجُبن سببٌ في الملك لا يتكرر كالنتاج.
فإن أقام كل واحد منهما البينة أن اللبن الذي صنع هذا الجبن منه في ملكه، فإنه يقضي به للمدعي؛ لأن المنازعة وقعت في اللبن، وقد أقام كل واحد منهما البينة فيه على ملكٍ معلقٍ، فالخارج أولى.
وإن أقام كل واحد منهما بينة أن ذلك اللبن حلب في يده، فإنه يقضي به لمن هو في يديه؛ لأن الحلب لا يتكرر (١).
فإن أقام كل واحدٍ منهما [البيّنة] أن الجبن له صنع في ملكه من لبن حلب في ملكه من شاته، وأن الشاة له، فإنه يقضي للخارج؛ لأن الاختلاف وقع في الشاة، وقد أقام البينة فيها على ملكٍ مطلقٍ، فهو أولى.
وإن أقام كل واحد منهما البينة أن تلك الشاة نتجت عنده، قضى بالجميع لصاحب اليد؛ لأن الولادة معنًى لا يتكرر.
وقال في الأصل في المتنازعين في الشاة: إذا أقام كل واحد منهما بينة على
стр. 4486
النتاج، فقضى القاضي بها لصاحب اليد، ثم ادّعاها آخر وأقام البينة أنها ولدت عنده، فإن القاضي يقضي بها له؛ إلا أن يعيد صاحب اليد البينة على النتاج فيكون أولى.
وذلك لأن بينة صاحب اليد لم تسمع على هذا المدعي، وإنما سمعت على الأولى، فلا يعتد بها في حق هذا الذي لم تسمع عليه.
وإذا شهد الشهود: أن هذه الحنطة من زرع حصد من أرض فلان، فأراد رب الأرض أن يأخذ الحنطة، ذكر في أكثر النسخ: أنه ليس له أن يأخذها، وفي بعضها قال: له أخذها.
وجه الرواية التي قال لا يأخذه: أن الحنطة تتبع البذر وليس تتبع الأرض؛ بدلالة أن الغاصب إذا بذر الأرض كان الخارج منها له، فلم يكن في إضافتها إلى زرع أرضه دلالة على الاستحقاق.
ووجه الرواية الأخرى: فمن أصحابنا من قال: هو القياس، أن الحنطة إذا [كانت] زرعت في أرضه ولا يعرف زارعها أنها لصاحب الأرض، وقد ثبت هاهنا أنها في أرضه، [فكانت] (١) له ما لم يعلم غير ذلك.
ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع هذا، أو هذا التمر من نخل هذا، فإنه يقضي له بها؛ لأنهم أضافوه إلى ملكه في الحال، وجعلوه جزءًا من أجزاء ملكه، فكان أولى به.
قال: ولو قالوا هذه الحنطة من زرع كان في أرضه، فإنه لا يقضي له به؛
стр. 4487
لأن الشهادة بأنها كانت في أرضه شهادة بيد كانت، فلا تقضى بها في المشهور من قولهم.
[قال]: ولو شهدوا [أن هذا جلد] (١) شاته أو صوف شاته لم يقض له به؛ لأنهم لم يضيفوه إلى ملكه، ولكن أضافوه إلى شاتِه، وقد تكون الشاة [له] وصوفها وجلدها للغير بالوصية (٢)، ونحوه.
стр. 4488
بَابْ الرجلين يدعي أحدهما الدار أكثر مما يدعي الآخر
قال أبو الحسن ﵀: وإذا ادعى رجلان دارًا في يد غيرهما، وادّعى أحدهما كل الدار، وادعى الآخر نصفها، فأقام كل واحدٍ منهما البينة على دعواه، فإنهُ يُقضى في قول أبي حنيفة لصاحب الجميع بثلاث أرباع الدار، ولصاحب النصف بربع الدار.
وقال أبو يوسف ومحمد: ثلثا الدار لمدعي الكل، وثلث الدار لمدعي النصف. . . إلى آخر الفصل (١).
قال الشيخ أيّده الله: هذا الباب مبني على أصول:
منها: أن عند أبي حنيفة أن من يدلي بسبب صحيح يضرب بجميع دعواه، ومن لا يدلي بسبب صحيح يضرب بقدر [نصيبه] (٢) بالمزاحمة، فالأول كأصحاب العَوْل، والمُوْصَى له بالثلث، والمُوْصَى له بالسدس، وغرماء الميت إذا ضاقت التركة على ديونهم.
والثاني: مثل مسألتنا، ومثل المُوْصَى له بما زاد على الثلث.
وقال أبو يوسف ومحمد: في جميع المسائل يضرب كل واحد بالجميع، وسوّيا بينه وبين العول.
стр. 4489
والفرق لأبي حنيفة بين السبب الصحيح وغيره: أن كل سبب يتعلق به الاستحقاق من غير انضمام معنى آخر [ينضم] إليه، فهو سَبَبٌ صحيحٌ، وما لا يتعلق به الاستحقاق إلا بمعنى ينضم إليه، فليس بسبب صحيح.
وجه قول أبي حنيفة: أن السبب الذي لا يتعلق به الاستحقاق بنفسه أضعفُ مما يتعلق به الاستحقاق [ببيّنة] (١)، ألا ترى أن عقد الهبة والوصية لما لم يتعلق [به] الاستحقاق بعقدهما حتى ينضم إليهما معنى آخر (من قبض وموت) (٢)، صارا أضعف من البيع الذي يتعلق بعقده الاستحقاق.
فلو سوّينا بين السببين في جواز أن يضرب كل واحد (٣) منهما بالجميع لسوّينا بين السبب الضعيف والسبب القوي.
وهذا لا يصحّ؛ ولأن المدّعي للنصف في مسألتنا لا دعوى له في النصف الآخر، فلم يجز أن يزاحمه فيه كدارين مختلفين ادعى أحدهما واحدة منهما وبعض [الأخرى]، وادّعى الآخر الأخرى أو بعضها، لم يجز أن يتضاربا في الدار التي انفرد بدعواها أحدهما، كذا هذا.
وجه قولهما: أن كل واحد منهما لو انفرد استحق جميع ما في يديه، فإذا تزاحما ضربا بما يدعيانه (٤) كأصحاب العولِ.
ومن أصول هذا النوع: أن المُتَدَاعِيَيْنِ إذا كانت يدهما فيما يَدَّعِيَانِهِ ثابتة،
стр. 4490
انصرفت الزيادة إلى ما في يد الآخر؛ وذلك لأننا لو لم نحمل دعواه على ما في يده صار ممسكًا لها في يده بغير حقٍ، والواجبُ أن يحمل أمور المسلمين على الصحة.
وأصلٌ آخر: وهو أن بيّنة صاحب اليد والخارج إذا تعارضتا في الملك المطلق، فالخارج أولى، وقد بَيَّنَّا [هذه المسألة].
وأصل آخر: وهو أن التساوي في سبب الاستحقاق يوجب التساوي في [نفس] المستحق، وإذا ثبتت هذه المسألة قلنا في مسألة الكتاب، أن المتداعيين كل واحد منهما لا يدلي بسبب صحيح، ألا ترى أن الدعوى لا يتعلق بها الاستحقاق إلا بانضمام معنى آخر (١) إليها: إما بإقرار، أو بَيِّنَةٍ، أو حُكْمِ حَاكِمٍ، فانقسمت الدار عند المنازعة على الدعاوي، فيقول مدعي النصف: لا دعوى لي في النصف الآخر، فانفرد به مدعي الجميع، وبقي النصف الآخر، فكل واحد [منهما] يدعيه وأقاما البينة، والمساواة في سبب الاستحقاق توجب التساوي في نفس المستحق، فكان هذا النصف بينهما؛ فلذلك جعل لمدّعي الكل ثلاثة أرباع [الدار]، ولمدعي النصف الربع.
وأما على قولهما: فكل واحد يضرب بجميع دعواه؛ لأن عندهما الأسبابُ كلها سواء، فاحتجنا إلى عدد له نصف صحيح، وأقل ذلك اثنان، فيضرب المدعي لجميع ذلك بالجميع، ومدعي النصف بسهم واحد، فتكون بينهما أثلاثًا.
قال: ولو كانت الدار في أيديهما والمسألة بحالها، قضي لصاحب الجميع بالنصف الذي في يد صاحبه، وترك النصف الذي في يده بحاله؛ وذلك لأن
стр. 4491
الدار في أيديهما، واليد من أسباب الملك والاستحقاق، فإذا تساويا فيها تساويا في الدار، فصار في يد كل واحد منهما النصف على ما قدمنا، فمدّعي النصف تنصرف دعواه إلى ما في يده دون ما في يد صاحبه على ما قدمنا، وقد أقام الخارج على ذلك بَيِّنَةً، وأقام عليه صاحبُ اليد بينة فكان الخارج أولى، والنصف الذي في يد المدعي للجميع لا منازع له فيه، فيترك في يده على طريق القضاء (١).
стр. 4492
بَابْ الدعوى في الحائط
قال أبو الحسن ﵀: وإذا كان الحائط مَا بين دارين، فادّعَى كل واحد من صاحبي الدارين الحائط أنه له دون صاحبهِ، فإنه ينظر في ذلك: فإن كان عليه جُذُوْع لأحدهما فهو لصاحب الجذوع (١).
والأصل في هذا الباب: أن يدَ كل واحد من صاحبي الدار على الحائط من طريق الحكم [ثابت]؛ بدليل أنه مستظل به، فترجحت إحدى البينتين على الأخرى بالعلامة، كما قلنا في متاع البيت بين الزوجين، وإذا ثبت هذا قلنا: صاحبُ الجذوع أولى به.
وقال الشافعي: هما سواء (٢).
لنا: أن الجِذْع حمل مقصود لأحدهما على ما تنازعا فيه، فجاز أن يترجح على [من] (٣) لا حمل له عليه (٤)، كالبعير إذا تنازع فيه اثنان ولأحدهما عليه حمل، فإن صاحب الحمل أولى [به.
стр. 4493
قال]: فإن كان لهما جميعًا فيه جذوع فهو بينهما نصفان، سواء كثرت الجذوع لأحدهما أو قلّت بعد أن يكون لأحدهما عليه ثلاثة جذوع أو أكثر منها؛ وذلك لأنهما تساويا في كون الحمل [لهما] على الحائط، فلا معتبر بالزيادة إذا كان لكل واحد منهما حمل مقصود، كما لو تنازعا في بعير ولأحدهما عليه مائة منٍّ، وللآخر خمسون منًّا، أنهما جميعًا فيه سواء وإن زاد حمل أحدهما.
قال: فإن كان لأحدهما جِذْعٌ واحد أو أقل من ثلاثة أجذاع، (وللآخر عليه ثلاثة أجذاع فما فوق ذلك) (١)، فلصاحب الجذع الواحد والجذعين موضع جذعه، والحائط للآخر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، رواه بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء، وهو قول أبي يوسف.
وقال: كان في القياس ينبغي أن يكون بينهما نصفين؛ لأنه في أيديهما.
وفي رواية كتاب الدعوى: أن لكل واحد [ما] تحت جذعه (٢).
وقال محمد في كتاب الإقرار: إن الحائط كله لصاحب الخشب الكثيرة، ولصاحب الخشبة الواحدة ما تحت خشبته، يعني حق الموضع.
وجه رواية كتاب الدعوى: أن وضع الخشب إذا استحق به الحائط، استحق صاحبُ القليل بقدر خشبته، وصاحب الكثير بقدر خشبه؛ [لثبوت يد كل واحد منهما في المقدار الذي وضع خشبه عليه] (٣).
قال أصحابنا المتأخرون تفريعًا على هذه الرواية: إذا كان لأحدهما عشر
стр. 4494
خشبات، وللآخر (١) خشبة واحدة، فلِكل واحد منهما على هذا ما تحت خشبه، وما بين الخشبات من الحائط ما حكمه؟
فقال بعضهم: هو بينهما نصفان؛ لأن كل واحد منهما (٢) يختص بما تحت خشبته، وما بين ذلك لا يد لأحدهما [فيه]، فلم يكن أحدهما أولى به من الآخر، كرجلين تنازعا دارًا في يد أحدهما منها بيت واحد، وفي يد الآخر عشرة بيوت، فإنه يقضى لكل واحد منهما بما في يده، والساحة بينهما نصفان، كذلك هذا.
ومنهم من قال: إن ما بين الجذوع بينهما على أحد عشر بيتًا؛ لأن صاحب الخشب الكثير أكثر استعمالًا للحائط، ألا ترى أن الجذوع تعتمد على ما تحتها، وذلك يتقوى بما يليه، فصار مستعملًا لما يلي الجذوع، كما هو مستعمل لموضع الجذوع؛ فلذلك كان الحائط بينهما على [قدر] عدد الخشب.
وجه رواية كتاب الإقرار: أن الخشب الكثير حمل مقصود؛ لأن الحائط بني لأجله، والخشبة الواحدة ليست بحمل مقصود؛ لأن الحائط لا يبنى لذلك، فصار كبعير تنازعا فيه، لأحدهما عليه حمل وللآخر عليه إداوة، إلا أن على هذه الرواية ينزل خشبة الآخر بحالها؛ لأن صاحب الخشب الكثير استحق الحائط بالظاهر، والظاهر لا يستحق به حق على الغير، فلم يجز أن يزيل صاحب الخشبة الواحدة بالظاهر.
فإن قيل: إذا حكمت بالحائط لصاحب الخشبة، يجب أن نكلف صاحب الخشبة الواحدة أن يرفع خشبته كما لو تنازعا بعيرًا لأحدهما عليه حمل مقصود،
стр. 4495
وللآخر إداوة، لما حكم لصاحب الحمل بالبعير كلف صاحب الإداوة رفعها عنه.
الجوابُ: أن موضع الإداوة لا يجوز أن يُستحق في ملك البعير، وإنما يستحق استحقاقًا مؤقتًا من جهة مالكه، فإذا لم يثبت الاستحقاق وأمر بالإزالة، والخشبة الواحدة يجوز أن يستحق موضعها على التأبيد في أصل ملك الحائط، إذا شرط ذلك في أصل القسمة.
وقد قدّروا الخشب المقصود بثلاثة فصاعدًا، وما ليسَ بمقصود بأقل منها؛ لأن الثلاثة يمكن أن يسقف عليها، فيبنى الحائط لأجلها.
والخشبة الواحدة والخشبتان لا يمكن أن يبنى عليهما، فلم يكن حملًا مقصودًا يبنى الحائط [لأجله] (١).
وجه القياس الذي رواه بشر عن أبي يوسف: أن وضع الخشب تصرف فلا يعتبر فيه القلة والكثرة؛ كثوب تنازعهُ اثنان، أحدهما ممسك بطرفه بيد واحدة، والآخر ممسك باليدين بطرفيه، فهما سواء.
قال: ولو كان [الحائط متصلًا ببناء ملك أحدهما، وللآخر] (٢) عليه جذوع فهو لصاحب الجذوع، إلا أن يكون الحائط متصلًا بطرفيه، كذا قال أبو يوسف في الإملاء، فيكون لصاحب الاتصال، ويكون للآخر موضع جذوعه.
وقال في الأصل: هو لصاحب الجذوع، إلا أن يكون الحائط متصلًا [اتصالًا] بتربيع (٣) دار، أو بتربيع بيت، وللآخر موضع جذوعه.
стр. 4496
أما الاتصال الذي جعل الجذع أولى منه، فهذا الاتصال من جانب واحد، وإنما [يعتبر] (١) بالاتصال مداخله [اللَّبِنِ] (٢) بعضه في بعض.
فإذا كان كذلك من جانب واحد فقد قال في كتاب الدعوى: إن صاحب الجذوع أولى.
وذكر الطحاوي: أن الاتصال أولى؛ وذلك لأن الاتصال إذا حصل بحائط [المدعي] من جانب واحد فالجميع حائط واحد، وقد حكمنا لصاحب الدار باستحقاق بعضه، فاستحق باقيه، وهذه الرواية كان الشيخ أبو عبد الله المرشد رحمه الله تعالى يُصَحِّحُها.
وجه رواية الكتاب: أن الجذوع تصرف ظاهر، والاتصال من جانب واحد يد، فصاحبُ التصرف أولى من صاحب اليد، كما لو تنازع راكب الدابة والمتعلق بلِجَامِهَا (٣)، كان الراكب أولى.
وأما اتصال التربيع الذي ذكره في الأصل، فكان أبو الحسن يقول: هو أن يكون الحائط مداخلًا بجانبيه كحائطي المنازع، وجانب كل واحد من حائطيه مداخل للحائط الذي في مقابلة الحائط المتنازع فيه، فيصير الجميع بناء واحدًا،
стр. 4497
وهي كالقُبَّة والأَزَج (١)، وإذا حكمنا له ببعضها حكمنا له بجميعها.
وأما الذي ذكره أبو يوسف: أن اتصال الحائط بجانبيه أولى؛ لأنه إذا اتصل من طرفيه بحائطه، فالجميع حائط واحد، واتصال [حائطه بحائطيه] (٢) بحائط له آخر ليس بشرط، وإن كان لو وجدنا كذبه الحق (٣).
وقد فرّع أبو يوسف على هذا في الأمالي وقال: لو أن رجلًا اشترى دارًا وللآخر دار بجنب هذه الدار، فأقام ذلك الرجل البينة على حائط بينهما أنه له، فأراد أن يرتجع على البائع (٤) بحصته من الثمن، قال: إن كان متصلًا ببناء حائط المدعي وليس له بالدار [المشتراة] (٥) اتصال، فليس للمشتري أن يرجع على البائع بشيء؛ لأنّ هذا الحائط إذا كان متصلًا ببناء غيره لم يدخل في البيع، وأما إذا كان متصلًا ببناء الدار المبيعة غير متصل ببناء المدعي، فله أن يرجع على البائع بحصة الحائط من الثمن؛ لأنه قد دخل في البيع إذا كان متصلًا بحائط الدار، فلما استحق رجعَ بعوضه.
وإن كان متصلًا بحائط الدار المبيعة وبحائط الدار المدعى عليه، فله أن يرجع بالنصف؛ لأن نصفه دخل في البيع.
стр. 4498
ولو كان متصلًا بحائط الدار المبيعة وللآخر عليه جذوع، فليس له أن يرجع.
ولو كان لكل واحد منهما عليه جذوع، فله أن يرجع بنصف الثمن.
وهذا التفريع من أبي يوسف يوافق رواية الكتاب؛ لأنّ الاتصال من جانب واحد لا يعتد به مع الجذوع.
وإذا ثبت أن الاتصال بالتربيع يستحق به الحائط، تركت الجذوع على حالها؛ لما قدّمنا أن صاحب التربيع (١) يستحق الحائط بالظاهر، فلا يستحق به يد صاحب الجذوع، وليس يمتنع (٢) أن يكون الحائط في الأصل لأحدهما، وللآخر عليه حق الوضع.
فعلى هذا قال أصحابنا في السُّفْلِ والعُلْوِ: إذا ادعى صاحبُ السُّفل العُلْو، أن السّفل لمن هو في يده، ولصاحب العلو حق الوضع على حاله، لا تزال يده عنه بالظاهر.
وليس هذا كحائط بين دارين لأحدهما عليه جذوع، وأقام آخر البينة أنه له، وقضى القاضي ببينته أنه يأمر الآخر بوضع الجذوع؛ لأنه استحق المِلْكَ بالبينة لا بالظاهر، والبيّنات يجوز أن يستحق بها يد الغير.
وقال في الأصل: ولو لم يكن لأحدهما عليه جذوع، وللآخر فيه اتصال به، فهو أولى [به؛ لأن الاتصال يد] لما بَيَّنَّا؛ لأنا إنما قدّمنا الجذوع عليه
стр. 4499
إذا وجدت، فإذا لم توجد جذوع فالاتصال أولى، كما أن الراكب أولى من المتعلق باللجام، فإذا لم يكن راكبًا فالمتعلق باللجام أولى من غيره.
قال: ولو كان لأحدهما عليه سترة أو بناء يقرّان أن السترة والبناء لأحدهما، فالحائط لصاحب السترة والبناء؛ وذلك لأن السترة والبناء حمل مقصود، فصار كالبعير إذا كان لأحدهما عليه حمل.
قال: فإن لم يكن عليه خشب لأحدهما ولا ستر، وعليه بواري لأحدهما، فإن الحائط بينهما نصفان، ولا يستحق بالبواري والحرادي (١) شيئًا؛ لأنها ليست بحمل؛ وذلك لأن الحرادي والبواري ليس بحمل مقصود، ألا ترى أن الحائط لا يُبنى لوضع ذلك عليه، فلم يستحقه، كما لا يستحق البعير بالإداوة والمخلاة (٢) عليه لأحد المتنازعين.
قال: وإذا كان خُصٌّ (٣) بين دارين، فادّعاه كل واحدٍ منهما، والقمط (٤) إلى أحدهما، فالقُمُطُ بينهما نصفان عند أبي حنيفة، ولا ينظر إلى القمط.
стр. 4500
وقال أبو يوسف ومحمد: الخص يقضى به لمن كان إليه القمط.
وجه قول أبي حنيفة: أن القمط نفس الخص، والشيء لا يجعل دليلًا على نفسه؛ ولأن المتنازعين في الخصّ يجوز أن يكون المالك جعل قُمط الخص إلى جاره ليكون مستويةً من جهته، فيجصّصُه أو يطينه، وإذا جاز ذلك لم يقع به ترجيح.
وجه قولهما: ما روى [دهثم بن قران] (١) (أن رجلين تنازعا في خُصّ، فبعث النبي ﷺ حذيفة بن اليمان، فقضى بالخصّ لمن إليه القمط، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ فرضيهُ).
الجواب: أنه يجوز أنه قضى ببينة أبو بتراضٍ منهما [أو غيرهما، وذكر القمط] (٢)، وذلك اللفظ على وجه التعريف، كما يقال قضى لصاحب الطيلسان، ولا يدل ذلك على أن القضاء وقع لأجل الطيلسان.
وعلى هذا قالوا في الحائط: إذا اختلفا فيه ووجه البناء أو أخصاف اللبن أو الطاقات (٣) إلى أحدهما، لم يحكم بذلك عند أبي حنيفة، وقالا: الحائط لمن إليه وجه البناء وأخصاف اللبن والطاقات.
لأبي حنيفة: أن الإنسان قد يبني ويجعل وجه (٤) البناء إلى الطريق، ولو
стр. 4501
كان ذلك مما يستدل (به على الملك لم يجعله إلى غير ملكه) (١)؛ ولأن وجه البناء نفس الحائط، [والخلاف وقع فيه] فلا يستدل به على نفسه (٢).
وجهُ قولهما: أن العادة جرت أن الإنسان يجعل وجه البناء إلى صاحب الحائط، وكذلك الطاقات والعلامة، فما يقع به الترجيح (فيرجّحه هاهنا بذلك) (٣).
стр. 4502
بَابْ السُفْلِ والعُلْوِ وما في معناه
قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة: وإذا كان سُفْل لرجل وعُلْو لآخر، فليس لصاحب العلو أن يُعلي (١) عليه بناءً ولا يضع عليه جذوعًا لم تكن، ولا يشرع فيه بابًا أو كنيفًا (٢) لم يكن.
وقال أبو حنيفة: ليس لصاحب السفل أن يهدم السفل، وليس له أن يفتح كُوَّة (٣) فيه ولا بابًا، ولا يدخل فيه جذعًا، ولا يشرع فيه كنيفًا لم يكن قبل ذلك إلا برضا صاحب العلو.
وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يفتح فيه بابًا ويدخل فيه جذعًا إذا لم يضر (٤) ذلك بالعلو، فإن كان الشيء الذي [يحدثه يضرّ] (٥) بالعلو لم يكن له أن يفعل ذلك.
وجه قول أبي حنيفة: أن لصاحب العلو حق الحمل في مقدار معين، فلا تجوز الزيادة على ذلك، أضر بالمحمول عليه أو لم يكن يضر، كمن استأجر
стр. 4503
بعيرًا ليحمل عليه قدرًا معلومًا، لم يجز له أن يزيد [على ذلك القدر] (١)، سواء أضر بالبعير أو لم يضر، وكذلك السفل لصاحب العلو عليه حق الحمل، فلا يجوز لصاحب السفل التصرف فيه إلا برضا صاحب الحمل، كما لو أراد مؤاجر البعير أن [يبزغه] (٢) من يديه أو يجرحه جراحة لا تضره؛ لأنا لو جوّزنا اليسير لجوزنا مثله، فيؤدي ذلك إلى الكثير الذي يضر، فوجب أن يمنع من أصله.
وجه قولهما: أن السفل ملك لصاحبه، وإنما منع من التصرف فيه كيلا يضر بملك غيره أو حقه، فما لا يضره من التصرف لا يمنع عنه كالسكنى.
وكذلك صاحب العلو، لا يمنع من الزيادة التي لا تضر، كما لا يمنع من وضع متاعه فيه، وإنزال الأهل (٣)، وإحضار الإخوان.
قال: وإذا كان حائط بين دارين، لكل واحد من صاحبي الدار فيه جذوع، فانهدم، فأراد أحدهما أن يقسم عَرْصَة (٤) الحائط، قال: لا تكون القسمة إلا عن تراض منهما جميعًا بالقسمة؛ لأن لكل واحد منهما حق الحمل على العرصة، فليس للآخر أن يبطل حقه من ذلك.
قال الشيخ أيده الله: والأصل في هذا: أن هذه العرصة قد تعلق بجميعها حق لصاحب الجذوع، ولو قسمت بغير رضاه لسقط حقه عما يحصل لشريكه،
стр. 4504
وذلك لا يجوز.
وأما إذا لم يكن على الحائط جذوع، وجبت القسمة؛ لأنها بقعة مشتركة [ليس في قسمتها إبطال أحد الشريكين، فوجبت القسمة].
قال: وإذا كان سفل لرجل، وعليه علو لغيره، فانهدما، فإنه لا يجبر صاحبُ السفل على البناء في قول أصحابنا [جميعًا]، ويقال لصاحب العلو: اِبْنِ السفل إن شئت، وابن عليه علْوَك، فإن فعل ذلك فله أن يمنع صاحب السفل من سكناه حتى يؤدي إليه قيمة البناء مبنيًّا.
وإنما قلنا إنه لا يجبر على البناء؛ لأن السفل مِلك له، ينفرد به، والإنسان لا يجبر على عمارة ملكه لينتفع غيره به، وليس كذلك إذا هدم صاحب السفل سفله، فإنه يجبر على إعادته؛ لأنه أبطل حق غيره بفعله، فصار كالمولى إذا قتل عبده وعليه دين، أو هو رهن، يجب عليه قيمته ليقيمها مقام المقتول.
وليس كالبئر المشترك والدولاب (١) ونحوه، أن كل واحد منهما يجبر على عمارته؛ لأن على كل واحد منهما ضررًا في تركه، وله فيه نفعٌ، وهو مشترك بينهما، فصار كالعبد المشترك إذا امتنع أحدهما من الإنفاق عليه.
وإذا ثبت أنه لا يجبر على البناء، قيل لصاحب العلو: إن شئت فابن السفل والعلو من [ذلك من مالِكَ] (٢)؛ وذلك لأن له في بناء السفل منفعةً (٣)، [لا يصل
стр. 4505
إليه إلّا بالبناء، فإذا رضي بذلك لم يكن لصاحب السفل منعه منه] (١) فصار كالمستأجر للبعير [إذا عدل أن يعلفه ويهيئ حِباله] (٢)، لم يكن لصاحب البعير منعه عن ذلك.
وإنما قلنا: إنه يمنع صاحب السفل من الانتفاع به حتى يردّ عليه القيمة؛ لأن العرصة وإن كانت على ملكه فلصاحب العلو فيها مال قائم، وهو البناء، فلم يكن له الانتفاع بها، كثوب لإنسان وقع في صبغ آخر، ليس لصاحب الثوب الانتفاع به حتى يؤدي قيمة الصبغ.
واختلفت الرواية فيما يرجع به: فقال في كتاب الدعوى: يرجع عليه بقيمة البناء، قال الخصاف في كتاب النفقات: يرجع بما أنفق.
وجه رواية الدعوى: هو أن العرصة لصاحبها، ولصاحب العلو فيها مال، فلم يجز له الانتفاع حتى يؤدّي قيمة ما زاد (٣)، كالثوب إذا كان فيه صبغ لغير مالكه، يجب عليه أن يؤدي قيمة ما زاد الصَّبْغ فيه.
وجه رواية الخصاف: هو أن صاحب العلو مأذون في الإنفاق من طريق الحكم، فيرجع بما اتفق، كالوصي والأب إذا اتفقا على مال الصغير.
قال: وكذلك الحائط يكون بين الدارين إذا سقط لم يجبر واحد منهما على بنائه، ولا قسمة عرصته، إذا كان لهما عليه خشب حتى يتفقا على قسمة العرصة.
أما القسمة: فقد بَيَّنَّا أنه لا يجبر عليها إذا كان على الحائط خشب، وأما
стр. 4506
البناء: فلا يجبران عليه؛ لأن التخلص من ضرر الشركة يمكن بالتراضي بالقسمة، هذا إذا لم يهدمه أحدهما، فإن هدمه أحدهما أجبره الحاكم على إعادته.
فإن طلب صاحب الخشب قسمته وأبى الآخر، أجبر على ذلك؛ لأن المنع من ذلك لحق صاحب الخشب، فإذا طلبها فقد رضي بإسقاط حقه، فصار الحائط كأنه لا خشب عليه.
قال: وإن بنى الحائط أحدهما ولهما عليه خشب، فللباني (١) أن يمنع الآخر من وضع خشبه على الحائط حتى يعطيه نصف قيمة البناء مبنيًّا، وهذا مثل السفل والعلو؛ وذلك لأن صاحب الخشب له حق الحمل، فإذا أنفق على ملك غيره ليسلم له حقه لم يمنع منه، كما ذكرناه في السفل، ومنع الآخر من وضع الخشب عليه؛ لأن البناء ملكه، فلم يكن للآخر الانتفاع به إلا بعد ردّ النفقة.
وذُكِرَ عن أبي يوسف في الإملاء: أن السُّفْل في يد صاحب العلو بمنزلة الرهن، وهذا إنما عنى به في منع مالكه من الانتفاع به، كما يمنع من الانتفاع بالرهن (٢).
стр. 4507
بَابْ الدَّعْوَى في الطريقِ [والمَسِيل] (١)
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا كان لرجل بابٌ من داره في دار رجل، فأراد أن يمرّ في داره من ذلك الباب، فمنعهُ صاحبُ الدار، فله ذلك، ولا يستحق صاحبُ الباب ببابه طريقًا في دار غيره، إلا أن يأتي بشاهدين يشهدان أنه طريق له ثابت (٢) فيها.
والأصل في ذلك: أنه يدعي حقًا في ملك غيره، (ومن ادعى ما في يد غيره) (٣) لم يقبل قوله، ولأن فتح الباب في حائطه لا يستحق به حقًا في ملك الغير، ألا ترى أن كل واحد منهما يمكنه أن يفتح بابًا (يستطرقه ولا يستطرق) [به] ملك غيره (٤).
وأما إذا [أقام] (٥) البينة استحقه؛ لأنه ادعى خلاف الظاهر وأقام البينة، فإن جاء شاهدان يشهدان أنه كان يمرّ فيها من هذا الباب، [فإنه] لم يستحق بهذه الشهادة شيئًا؛ لأن هذه شهادة بيد كانت، فلا يتعلق الاستحقاق بها؛ (لما قدمناه أن الشهادةَ بيد كانت لا يتعلق بها الاستحقاق) (٦).
стр. 4508
قال: وإذا شهدوا أن له طريقًا ثابتًا فيها، جازت شهادتهم.
فإن لم يجدوا الطريق ولم يسموا عَرْضًا ولا طُوْلًا ولا حُدُودًا بعد أن يقولوا: أنّ له حقًا ثابتًا، أو طريقًا، فقد تكلم أصحابنا في هذا الفصل فقالوا: هذا محمول على أن الشهود شهدوا على إقرار الخصم (١) بالطريق، فتجوز شهادتهم؛ لأن الإقرار بالمجهول جائز.
وأما إذا شهدوا بشهادة أنفسهم لم تقبل حتى يثبتوا موضع الطريق من الدار ومقداره، ومن أصحابنا من قال: إن الشهادة مقبولة في الوجهين؛ لأن الجهالة تؤثر في الشهادة؛ إذ الحكم لا يمكن بالمجهول، فإذا أمكن الحكم [به] قبلت الشهادة، والطريق موضعة بين الناس، ومقداره عرض الباب، فصار معلومًا وإن لم يثبتوه؛ فلذلك قبلت الشهادة عليه، وهذه الطريقة أشبه بما ذكر في الكتاب.
وقد زاد محمد على هذا فقال في الأصل: فإذا لم يجدوا الطريق فهو أجوز للشهادة؛ لأن الجهالة ترتفع بالشهادة (٢)، وقيل في معنى ذلك: أن [بين] (٣) الناس [خلافًا في قدر الطريق، فمنهم] من قال: إن الطريق يتقدر بسبعة أذرع، فإذا شهدوا بما دونه أبطل الشهادة، وإذا ذكر طريقًا مبهمًا حكم كل حاكم على مذهبه (٤).
قال: وكذلك لو قالوا: مات أبوه وترك هذا الطريق ميراثًا له، ولم يُسَمّوا
стр. 4509
طوله وعرضه ولا حدوده؛ وذلك لأن الطريق حق يُملك بالإرث، فإذا شهدوا بانتقاله بذلك صار كشهادتهم بالميراث في سائر الأموال والأملاك.
قال: وإذا كان الميزاب في دار رجل، فأراد صاحب الميزاب أن يسيل فيه الماء، فمنعه رب الدار، فله ذلك حتى يقيم البينة أن له في هذه الدار مسيل ماء؛ وذلك لأن المدّعي يدعي حقًا في دار غيره، فلا تقبل دعواه فيه، ولأن الميزاب في ملك نفسه، فلا يستحق به حقًا على غيره.
وذكر أبو الليث عن المتأخرين من شيوخنا بخراسان رحمهم الله تعالى: أنهم قالوا: يستحسن في هذه المسألة: إن كان الميزابُ قديمًا وكان تصويب السطح إلى داره، وعلم هو أن التصويب قديم ليس بمحدث، بأن يجعل له حق المسيل؛ لأن هذه علامة شاهدة له بدعواه، فإقامة البينة على ذلك يتعذر في العادة.
وذكر محمد في كتاب الشِّرْبِ: في نهر في أرض رجل، [ورجل] آخر يسيل فيه الماء، فاختلفا في ذلك، أن القول قول صاحب الماء؛ لأن الماء إذا كان جاريًا فهو يد في النهر وتصرّف، فالقول قول صاحب اليد، وأما في مسألتنا، فالاختلاف وقع وليس في الميزاب ماء، فلا يد فيه للمدعي، فأما إذا أقام البينة أن له في الدار حقًا في التسييل، قبلت بينته؛ لأنه أثبت حقًا لنفسه في ملك غيره، وهذا يتعلق بالبقعة على التأبيد، فهو كملك للبقعة.
[قال]: وإن أقام البينة فشهدوا أنهم رأوه يسيل فيه الماء، فليس هذه الشهادة بشيء ولا يستحق بها شيئًا حتى يشهدوا أن له فيها مسيل ماء من هذا الميزاب؛ لأن الشهادة بمسيلٍ كان كالشهادة بيد كانت فزالت، فلا تُقبل.
فإن شهدوا أنه لماء المطر فهو لماء المطر، وإن شهدوا أنه مسيل دائم
стр. 4510
للغسل والوضوء ولماء المطر فهو جائز.
فإن شهدوا أنه له مسيل، ولم ينسبوه إلى شيء مما ذكرنا، فالقول قول رب الدار الذي جحد ذلك مع يمينه.
[قال]: فإن قال: هذا [هو] لماء المطر، فهو كما قال، وإن قال: هو للوضوء، فهو كما قال، بعد أن يحلف على ذلك؛ لأن حق المسيل يختلفُ.
فإن كانَ لماء المطر، فهو خاص في زمان مخصوص، وإن كان للوضوء فهو عامٌ في سائر الأزمان.
فإن ذكروا مسيلًا مطلقًا ولم ينسبوه إلى شيء مما ذكرنا، فالقول قول رب الدار الذي جحد مع يمينه؛ [وذلك] لأنهم شهدوا بحق معلوم في نفسه، فإن كانت الصفة مجهولةً فصار كما لو شهدوا أنه غصب ثوبًا ولم يبينوا صفته ولا قيمته، ويرجع إلى قول رب [الثوب] (١)؛ لأنه المستحق عليه، وقد ثبت عليه حق مجهول الصفة، فالقول قوله في بيانه (٢).
قال: فإن لم يكن للمدّعي بينة استحلف صاحب الدار على ذلك، فإن حلف برئ من الدعوى، وإن نكل لزمه الدعوى، وإنما وجبت اليمين لأجل أنا جعلنا القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومةُ ويصحّ بذله.
فإن حلف فقد قطع الخصومة بيمينه، وإن نكل عن اليمين لزمه الدعوى؛ لأن النكول عند أبي حنيفة: بذل، فهذا حق يصح بذله، وعندهما: أنه قام مقام الإقرار، والإقرار بهذا يصحّ.
стр. 4511
قال: وإن كان مسيل ماءٍ في قناة، فأراد صاحب القناة أن يجعله ميزابًا (١)، فليس له ذلك (إلا أن يرضي بذلك أهل الدار التي عليهم المسيل.
وكذلك إن كان ميزابًا فأراد أن يجعله قناة، فليس له ذلك، إلا أن يكون عليه في ذلك ضرر بيّن؛ لأن القناة يسيل الماء فيها مع بدن الحائط، فإذا جعل مكانها ميزابًا سائلًا في وسط الدار، ولأن القناة لا يفيض ماء الميزاب فيها) (٢)، والميزاب إذا زاد فيه الماء فاض من جانبيه، [ولأنه ينصبّ في هذه الدار ما لم يكن]، وأما الميزابُ فلا يجعل قناة؛ لأنه يحتاج إلى حفر الحائط ليركب فيها القناة.
وحكي عن أبي الحسن أنه قال: هذا إذا اختلف الأمران، وأما إذا تساويا في الضرر لم يمنع منه.
ومن أصحابنا من قال: هذا التفصيل موضوع على أنه له حق المسيل، فأما إذا كان يملك البقعة التي يسيل فيها، فله أن يتصرف في ملكه كيف شاء، ويغيّره كيف شاء.
قال: وكذلك لو جعل ميزابًا أطول من ميزابه أو أعرض؛ لأنه إذا طَوّل الميزاب جرى الماء في غير البقعة التي كان يجري فيها، وإذا عرَّضه حمل من الماء أكثر مما كان يحمل.
قال: وكذلك لو أراد أن يُسيل ماء سطح آخر في ذلك الميزاب، لم يكن له ذلك؛ لأن حقه ثبت في مقدار معلوم، فلا يجوز أن يضمّوا إليه غيره، ويزيدوا فيه.
قال: وكذلك لو أراد أهل الدار أن يبنوا حائطًا ليسدوا [مسيله] (٣) لم يكن
стр. 4512
لهم ذلك؛ لأن الحق ثبت عليهم، فلا يجوز لهم إسقاطه.
قال: وكذلك لو أرادوا أن يزيلوا الميزاب عن موضعه، أو يرفعوه، أو يسفلوه لم يجز (١)؛ لأن هذا تغيير حق عن مكانه إلى غيره، ومن ثبت له حق بصفة، فليس له تغييره عما ثبت عليه.
قال: ولو بنى أهل الدار (٢) بناءً ليسيل ميزابهم على ظهره، كان لهم ذلك؛ لأن له حق المسيل، فلا فرق بين أن يسيل في وسط الدار أو على ظهر البناء.
قال: وليس لهم أن يبنوا في ساحة الدار إذا كان لرجل فيها طريق ما يقطع عليه طريقه، وينبغي لهم أن يتركوا من ساحة الدار عرض باب الدار، ويبنوا ما سواه؛ وذلك لأنه إذا استغرق العرصة بالبناء أبطل (٣) حق الطريق، وليس له إبطاله.
فأما إذا تركوا له مقدار عرض الباب، فهذا هو القدر الذي يثبت حقه فيه، وما زاد عليه لا حق له فيه، فلا يمنعون من البناء فيه (٤)(٥).
стр. 4513
بَابْ (١) دَعْوَى النسبِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: [مَنْ] (٢) كان العلوق (٣) منه في زوجته أو أمته، يثبت نسبُ الولد [منه] [ولم يكن له نفيه] (٤) إذا أقرّ أن العلوق منه، وإن لم يُعْلَم العلوقُ منه بإقراره، فله أن ينفيه عن نفسه باللِّعان من الزوجة، وبالقول من الأمة، فإذا كان الزوجان ممن لا لِعان (٥) بينهما، لم ينف الولد على حال وإن اجتمعا على نفيه.
فالأصل في هذا الباب: أن الأسباب التي يثبت بها النسب على ثلاثة أوجه، بعضها أقوى من بعض:
أوّلها: النكاح وما في معناه من النكاح الفاسد وشبهة الملك.
والثاني: فِراش أم الولد.
والثالث: الوطء بالملك وشبهة الملك.
فأما النكاح: فالنسبُ يثبت به لقوله ﵊: "الولد للفراش، وللعاهر
стр. 4514
الحجرُ" (١)، والفراش هو الزوج.
ولا ينتفى إلا باللعان؛ لأن (النبي ﵊ لَاعَنَ بين الزوجين وألْحَقَ الوَلَدَ بالأم) (٢)، فدلّ على أنّ الولد ينتفي باللعان؛ ولأن النسب إذا ثبت بالفراش فالزوج لا يملك نقل ما تعلق به من النسب بقوله، وهذا لا خلاف فيه.
وأمّا النكاح الفاسد والشبهة، فهما في حكم النكاح الصحيح في وجوب المهر والعدة، وكذلك في ثبوت النسب.
أما أمّ الولد، فيثبت نسب ولدها وإن لم يدّعه، كما يثبت نسبُ ولد الزوجة؛ لأنها صارت فراشًا بالاستيلاد، بدلالة أن الفرقة إذا وقعت بالموت أو بالعتق وجبت العدة، ولا خلاف في هذا.
وأما الأمة، فلا يثبت نسب ولدها منه إلا بالدعوى، وقال الشافعي: إذا أقر بالوطء ثبت النسب منه وإن لم يدَّع.
لنا: أنها لو صارت فراشًا بمجرد الوطء لصارت فراشًا بالسبب المبيح للوطء كالنكاح، ولأنه لو ثبت لها فراش لوجب بزواله عدّةٌ ذاتُ عَدَدٍ، كأم الولد، فلما لم يجب بزواله عِدَّة، دلَّ على أنه لا فراش لها
ولا يقال: إنه (يجب عليها حيضة؛ لأن ذلك ليس بعدة، وإنما هو استبراء، ألا ترى أن العدة لا تكون إلا ذات عدد؛ ولأن هذه حيضة لا تجب) لزوال الفراش، وإنما تجب ليستبيح بها المشتري الوطء.
стр. 4515
وأما قوله ﵊ في [ابن وليدة] زمعة لما قال لها عبد [ومعه آخر]: ولد على فراش أبي: "هو لك يا عبد، الولد للفراش، وللعاهر الحجر" فمعناه: هو لك ملكًا، وإنما يلحق بالفراش بدلالة قوله ﷺ : "واحتجبي عنه يا سَوْدة، فإنه ليس بأخٍ لك" (١)، ولو ثبت نَسَبُه من أبيها كانَ أخًا لها، فلا تحتجب عنه.
والذي روى جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على خادم تستقي مع الرجال، فقال لها: أما إنها لو جاءت بولد ألزمته أباه، فيجوز أن تكون الخادم أم ولد؛ بدلالة أن النسب لا يثبت بمجرد الملك، وإنما يثبت عندهم بسبب غير مذكور، وهو الاعتراف بالوطء، وعندنا بثبوت النسب، وقد روي عن عُمر خلاف هذا.
وروي أن جارية له أتت بولد، فادّعت أنه من عمر، فقال: فقال: اللهم لا تلحق بآل عمر من ليس منهم، فاعترفت الخادمة أن الولد من فلان الراعي (٢).
وروي أن زيد بن ثابت أتت جاريته بولد، وكان يطؤها فنفاه، وقال: كنت أعزل عنها، وعن أبي سعيد الخدري نحوه (٣).
وإذا ثبت أن نسب ولدها لا يثبت إلا بالدعوى، لم يحتج إلى نفيه.
فأما أم الولد، فينتفي نسب ولدها بقول المولى؛ وذلك لأنه يملك نقل
стр. 4516
فراشها إلى غيره بفعله، بأن يُزَوِّجها، فكذلك يملك نقل نسب الولد المتعلق به، وليس كذلك الحرّة؛ لأنه لا يملك نقل فراشها بفعله؛ فلذلك لا يملك نقل نسب ولدها.
وأمّا شبهة الملك، فلا يثبت النسب فيها إلا بالدعوى؛ لأنها معتبرة بالمِلك، كما أن شبهة النكاح تعتبر في النسب بالنكاح.
فأمّا إذا أَقَرَّ بالولد في الوجوه كلها لم يملك نفيه؛ لأنه حق ثبت باعترافه، فلا يملك الرجوع عنه كالدين، ولأنه آكد من الدين؛ بدلالة أنه إذا ثبت لا يلحقه فسخ، فإذا كان الدين المعترف به لا يملك المعترف نفيه عن نفسه، فالنسب أولى.
ولا يقال: إن النسب من ولد الزوجة يثبت بالفراش، وينتفي باللعان، فكذلك إذا ثبت بإقراره (في أم الولد والأمة جاز أن ينفيه) (١)؛ وذلك لأن ثبوت الشيء بالإقرار يخالف ثبوته من طريق الحكم، بدلالة أن مَنْ أَقرَّ بعبد في يده لرجل، فلم يسلمه إليه حتى استحق من يده، ثم ملكه وجب عليه تسليمه إلى المُقَرِّ له.
ولو ابتاع رجل من رجل عبدًا فاستحق من يد البائع، ثم ملكه المشتري ذلك من جهة المستحق، لم يجب عليه تسليمه إلى البائع إن كان دخوله معه في البيع اعترافًا له بالملك حكمًا، فدل على أن ثبوت الشيء بصريح الإقرار به يخالف ثبوته من طريق الحكم.
فأمّا إذا كان الزوجان ممن لا لعان بينهما لم يثبت نسب الولد؛ لأن النسب
стр. 4517
ثابت بالفراش وإنما ينتفي باللعان، وإذا تعذر اللعان بقي النسب بحاله.
وأما قوله: وإن اتفقا عليه؛ فلأن النسب حق للولد، فلا ينتفي بقول الأبوين، كما لا يسقط سائر حقوقه بقولهما.
وأما العلوق إذا كان بنكاح فاسدٍ أو شبهة نكاح ثبت نسب الولد، ولم يجز نفيه على حال؛ وذلك لما بَيَّنَّا أن هذا معتبر بالنكاح الصحيح في ثبوت النسب، فلا ينتفي إلا باللعان، وقد بَيَّنَّا في النكاح أن اللعان لا يثبت في النكاح الفاسد، فصار كالنكاح الصحيح، إذا تعذر فيه اللعان لم [يثبت] (١) منه النسب (٢).
стр. 4518
بَابْ دعوى اللَّقيط (١)
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا كان صبي منبوذ ليس في يد أحدٍ فادّعاه رجل حرّ مسلم أنه ابنه، فهو ابنه، وهذا استحسان، والقياسُ: أن لا يثبت.
وجه القياس: أن هذا حق يَدَّعِيْه لنفسه، فلا يثبت بمجرد دعواه كسائر حقوقه.
وجه الاستحسان: أن هذه الدعوى في معنى الإقرار؛ (لأنه أَقَرَّ على نفسه بحق الحفظ والنفقة) (٢)، وإقراره على نفسه جائز.
ولأن في إقراره منفعةً للصبي؛ لأنه يحتاج إلى من يتعاهده ويحفظه وينفق عليه، والرجل غير متهم في دعواه؛ فلذلك قبلت دعواه.
قال: وكذلك إن ادّعاه رجلان في قول أصحابنا جميعًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال الشافعي: نسب الولد لا يثبت إلا من واحد (٣).
لنا: ما روى سِماك عن حنش: أن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، فعلقت الجارية ولم تدر من أيهما، فأتيا عمر فاختصما في الولد، فقال عمر: ما
стр. 4519
أدري كيف أقضي في هذا، فأتيا عليًا رضوان الله عليه، فقال: هو بينكما، يرثكما وترثانه (١)، وهو للباقي منكما.
وروي عن الشعبي عن ابن عمر: (أن رجلين اشتركا في طهر امرأةٍ، فولدت، فدعا عمر بالقافة (٢)) (٣)، فقالوا: أخذ الشَّبَه منهما جميعًا، فجعله بينهما.
وعن سعيد بن المسيب: أن نفرًا من التجار وقعوا على جارية بينهم في طهر واحد، فاستتم حملها، فأتوا بها عمر ﵁، فدعا القافة، فقال: كلهم قد نزل منه، فقال لعلي ﵁: أي شيء تقول؟ فقال عليّ: (ليستقر ملكه عليكم) ترثونه ويرثكم.
ولأنه نوع نسب لو انفرد كل واحد منهما بالدعوة ثبت النسب منه، فإذا ادّعياه وتساويا جاز أن يثبت منهما كالأبوين، ولأنهما تساويا في سبب الاستحقاق، [تساويا في نفي الاستحقاق كالأملاك.
وقال أبو حنيفة وزفر: يثبت النسب من الجماعة، ولم يقدرا، وقال أبو يوسف: أثبته من الاثنين ولا أثبته من ثلاثة، وروى معلى عن أبي يوسف: أنه يثبت من [خمسة] (٤)، وقال محمد: يثبت من ثلاثة ولا يثبت من أكثر.
وجه قول أبي حنيفة وزفر: جمع تساووا في سبب الاستحقاق فتساووا في الاستحقاق كالملك].
- (وأما المرأتان إذا ادَّعتَا الولد ثبت نسبه منهما، وقال أبو يوسف
стр. 4520
ومحمد: لا يثبت.
وجه قوله: ما بَيَّنَّا) - (١).
وجه قولهما: أن القياس بنفي ثبوت النسب من أكثر من واحد، وإنما تركنا القياس لما روينا عن الصحابة، فما سواه يبقى على أصل القياس.
[وجه قول محمد أن الحمل الواحد يكون بثلاثة أولاد معتاد، فيجوز أن يكون كل واحد من واطئ، فإذا جاز أن يكون حمل الواحد ثلاثة، فالولد الواحد حمل واحد، فجاز أن يثبت من ثلاثة.
وجه رواية مُعَلَّى عن أبي يوسف: أن الحمل الواحد أكثر ما صَحَّ عنده أنه يوجد خمسة، فإذا جاز أن يكون للولد الواحد أيضًا من خمسة اشتركوا فيه؛ لأنه حمل واحد].
(ثم عند أبي يوسف: لا يثبت نسب الولد إلا من رجلين، وعند محمد: يثبت من ثلاثة، وقد بَيَّنَّا ذلك في موضع آخر) (٢).
قال: فإن التقط المنبوذَ رجلٌ فادعاه، فهو ابنه، ولا يقبل دعوى غيره فيه (إذا كان هو في يده يدعيه مع دعوى غيره معًا، أو قبل دعوى غيره فيه) (٣)، وهو ابن الذي في يديه؛ وذلك لأن الذي في يديه أسبق بدعواه، فثبت نسبه منه على ما بَيَّنَّا، ودعوى غيره بعد ذلك في ولد ثابت نسبه من غيره فلا يقبل.
وأما إذا ادَّعَيَاه معًا، فقد تساويا في الدعوى، ومع أحدهما يد، وقول