فراشها إلى غيره بفعله، بأن يُزَوِّجها، فكذلك يملك نقل نسب الولد المتعلق به، وليس كذلك الحرّة؛ لأنه لا يملك نقل فراشها بفعله؛ فلذلك لا يملك نقل نسب ولدها.
وأمّا شبهة الملك، فلا يثبت النسب فيها إلا بالدعوى؛ لأنها معتبرة بالمِلك، كما أن شبهة النكاح تعتبر في النسب بالنكاح.
فأمّا إذا أَقَرَّ بالولد في الوجوه كلها لم يملك نفيه؛ لأنه حق ثبت باعترافه، فلا يملك الرجوع عنه كالدين، ولأنه آكد من الدين؛ بدلالة أنه إذا ثبت لا يلحقه فسخ، فإذا كان الدين المعترف به لا يملك المعترف نفيه عن نفسه، فالنسب أولى.
ولا يقال: إن النسب من ولد الزوجة يثبت بالفراش، وينتفي باللعان، فكذلك إذا ثبت بإقراره (في أم الولد والأمة جاز أن ينفيه) (١)؛ وذلك لأن ثبوت الشيء بالإقرار يخالف ثبوته من طريق الحكم، بدلالة أن مَنْ أَقرَّ بعبد في يده لرجل، فلم يسلمه إليه حتى استحق من يده، ثم ملكه وجب عليه تسليمه إلى المُقَرِّ له.
ولو ابتاع رجل من رجل عبدًا فاستحق من يد البائع، ثم ملكه المشتري ذلك من جهة المستحق، لم يجب عليه تسليمه إلى البائع إن كان دخوله معه في البيع اعترافًا له بالملك حكمًا، فدل على أن ثبوت الشيء بصريح الإقرار به يخالف ثبوته من طريق الحكم.
فأمّا إذا كان الزوجان ممن لا لعان بينهما لم يثبت نسب الولد؛ لأن النسب
стр. 4517
ثابت بالفراش وإنما ينتفي باللعان، وإذا تعذر اللعان بقي النسب بحاله.
وأما قوله: وإن اتفقا عليه؛ فلأن النسب حق للولد، فلا ينتفي بقول الأبوين، كما لا يسقط سائر حقوقه بقولهما.
وأما العلوق إذا كان بنكاح فاسدٍ أو شبهة نكاح ثبت نسب الولد، ولم يجز نفيه على حال؛ وذلك لما بَيَّنَّا أن هذا معتبر بالنكاح الصحيح في ثبوت النسب، فلا ينتفي إلا باللعان، وقد بَيَّنَّا في النكاح أن اللعان لا يثبت في النكاح الفاسد، فصار كالنكاح الصحيح، إذا تعذر فيه اللعان لم [يثبت] (١) منه النسب (٢).
стр. 4518
بَابْ دعوى اللَّقيط (١)
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا كان صبي منبوذ ليس في يد أحدٍ فادّعاه رجل حرّ مسلم أنه ابنه، فهو ابنه، وهذا استحسان، والقياسُ: أن لا يثبت.
وجه القياس: أن هذا حق يَدَّعِيْه لنفسه، فلا يثبت بمجرد دعواه كسائر حقوقه.
وجه الاستحسان: أن هذه الدعوى في معنى الإقرار؛ (لأنه أَقَرَّ على نفسه بحق الحفظ والنفقة) (٢)، وإقراره على نفسه جائز.
ولأن في إقراره منفعةً للصبي؛ لأنه يحتاج إلى من يتعاهده ويحفظه وينفق عليه، والرجل غير متهم في دعواه؛ فلذلك قبلت دعواه.
قال: وكذلك إن ادّعاه رجلان في قول أصحابنا جميعًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال الشافعي: نسب الولد لا يثبت إلا من واحد (٣).
لنا: ما روى سِماك عن حنش: أن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد، فعلقت الجارية ولم تدر من أيهما، فأتيا عمر فاختصما في الولد، فقال عمر: ما
стр. 4519
أدري كيف أقضي في هذا، فأتيا عليًا رضوان الله عليه، فقال: هو بينكما، يرثكما وترثانه (١)، وهو للباقي منكما.
وروي عن الشعبي عن ابن عمر: (أن رجلين اشتركا في طهر امرأةٍ، فولدت، فدعا عمر بالقافة (٢)) (٣)، فقالوا: أخذ الشَّبَه منهما جميعًا، فجعله بينهما.
وعن سعيد بن المسيب: أن نفرًا من التجار وقعوا على جارية بينهم في طهر واحد، فاستتم حملها، فأتوا بها عمر ﵁، فدعا القافة، فقال: كلهم قد نزل منه، فقال لعلي ﵁: أي شيء تقول؟ فقال عليّ: (ليستقر ملكه عليكم) ترثونه ويرثكم.
ولأنه نوع نسب لو انفرد كل واحد منهما بالدعوة ثبت النسب منه، فإذا ادّعياه وتساويا جاز أن يثبت منهما كالأبوين، ولأنهما تساويا في سبب الاستحقاق، [تساويا في نفي الاستحقاق كالأملاك.
وقال أبو حنيفة وزفر: يثبت النسب من الجماعة، ولم يقدرا، وقال أبو يوسف: أثبته من الاثنين ولا أثبته من ثلاثة، وروى معلى عن أبي يوسف: أنه يثبت من [خمسة] (٤)، وقال محمد: يثبت من ثلاثة ولا يثبت من أكثر.
وجه قول أبي حنيفة وزفر: جمع تساووا في سبب الاستحقاق فتساووا في الاستحقاق كالملك].
- (وأما المرأتان إذا ادَّعتَا الولد ثبت نسبه منهما، وقال أبو يوسف
стр. 4520
ومحمد: لا يثبت.
وجه قوله: ما بَيَّنَّا) - (١).
وجه قولهما: أن القياس بنفي ثبوت النسب من أكثر من واحد، وإنما تركنا القياس لما روينا عن الصحابة، فما سواه يبقى على أصل القياس.
[وجه قول محمد أن الحمل الواحد يكون بثلاثة أولاد معتاد، فيجوز أن يكون كل واحد من واطئ، فإذا جاز أن يكون حمل الواحد ثلاثة، فالولد الواحد حمل واحد، فجاز أن يثبت من ثلاثة.
وجه رواية مُعَلَّى عن أبي يوسف: أن الحمل الواحد أكثر ما صَحَّ عنده أنه يوجد خمسة، فإذا جاز أن يكون للولد الواحد أيضًا من خمسة اشتركوا فيه؛ لأنه حمل واحد].
(ثم عند أبي يوسف: لا يثبت نسب الولد إلا من رجلين، وعند محمد: يثبت من ثلاثة، وقد بَيَّنَّا ذلك في موضع آخر) (٢).
قال: فإن التقط المنبوذَ رجلٌ فادعاه، فهو ابنه، ولا يقبل دعوى غيره فيه (إذا كان هو في يده يدعيه مع دعوى غيره معًا، أو قبل دعوى غيره فيه) (٣)، وهو ابن الذي في يديه؛ وذلك لأن الذي في يديه أسبق بدعواه، فثبت نسبه منه على ما بَيَّنَّا، ودعوى غيره بعد ذلك في ولد ثابت نسبه من غيره فلا يقبل.
وأما إذا ادَّعَيَاه معًا، فقد تساويا في الدعوى، ومع أحدهما يد، وقول
стр. 4521
الإنسان فيما في يده مقبول، وقول غيره لا يقبل فيه، فكان صاحب اليد أولى.
قال: فإن ادَّعَاه غير الذي هو في يديه، (ولم يَدَّعِ الذي هو في يديه) (١)، فهو ابن للمُدَّعِي صَدّقه الذي هو في يده أو كَذَّبَه، وكان القياس أن لا تقبل [دعوى] (٢) الخارج [فيه]؛ لأنه يستحق بدعواه إزالة (٣) يَدِ غيره، فلا تقبل، كما لو أراد أخذه ليحفظه، وإنما استحسنه؛ لأن يد الملتقط يد ضعيفة، بدليل أن للحاكم إزالتها وتسليمه إلى غيره إذا رأى فيه صلاحًا، ودعوى الخارج فيها زيادة حق للصغير، وهو وجوب الحضانة، ويد (٤) الملتقط لا يتعلق بها وجوب الحضانة، فكان الأنفع للصغير أولى.
وليس كذلك إذا أراد الخارج أخذه من غير أن يَدَّعِيَ النسب؛ لأن اللقيط من جملة المباح الذي يجوز لكل واحد أخذه وإمساكه، فمن سبقت إليه يده كان أولى به كسائر المباحات من صيود وغيرها.
قال: وإذا سبق الذي هو في يده بالدعوى أو سبق الخارج، فهو للمدَّعِي الأول منهما، ولا تقبل دعوته فيه بعد الدعوى الأولى، إلَّا أن [يقيم الآخر] (٥) بينة أنه ابنه، فيكون ابن الذي أقام البينة دون المدّعي.
فإن كانت دعوى المدعي قبل البينة، فالبينة بينته، وتبطل دعوى المدعي؛ وذلك لما بَيَّنَّا أن السابق بالدعوى يثبت النسب منه، فلا تقبل دعوى الآخر منه.
стр. 4522
وأما إذا أقام البينة فقد قابلت البينة الدعوى، فالبينة أولى [منها]، ألا ترى أن صاحب اليد في المال محكوم له بحكم الملك فيه من طريق الظاهر، فلا يمنع ذلك من استحقاق [الخارج له] عليه بالبينة، فكذلك حكمنا بالنسب بالدعوى لا يمنع الاستحقاق عليه بالبينة.
قال: فإن ادّعاه رجلان خارجان، ليس اللقيط في يد واحد منهما، وحكى أحدهما علامة في بدن اللقيط فوجدت العلامة فيه على ما قال، فهو ابن لصاحب العلامة [دون] الآخر؛ وذلك لأن علمه بالعلامة يدل على سبق يده إليه، فكان أولى به، ولأن العلامة ترجح بها الدعوى بدليل متاع البيت بين الزوجين، ولأن مدعي اللقطة إذا وصف علامتها لزم الملتقط من طريق الدين أن يدفعها إليه، فدلّ على أن الحكم يتعلق بها (١) في الأصول.
وكان أبو الحسن يقول: إن وافق بعض العلامة وخالف البعض سقط الترجيح بالعلامة؛ لأنه ليس الرجوع إلى الموافقة أولى من المخالفة، فسقطت.
قال: وإن ادعى أحدهما اللقيط وقال: هو ابني، وهو غلام، فإذا هي جارية، فإني لا أصدقه على ذلك، ولا أقبل دعواه، لأنا تبيّنا كذبه فيما يدّعيه، والدعوى الكاذبة لا يلتفت إليها.
ولو ادَّعَى اللقيطَ رجلٌ فقال: هو ابني من زوجتي هذه - وهي حرة أو أمة - فصدقته المرأة فهو [ابنهما] (٢) جميعًا؛ [وذلك] لأن الحق لهما، وقد اتفقا عليه.
ولأن المرأة [إنما] لا يقبل قولها في النسب لحق الزوج، فإذا تصادقا ثبت،
стр. 4523
ولم يبين أبو الحسن إذا كانت الزوجة أمة.
أما حكم اللقيط وهي مسألة منصوصة، قال أبو يوسف: يكون الولد مملوكًا لمولى الأمة، وقال محمد: يكون حرًا.
وجه قول أبي يوسف: أن النسب لما ثبت صار ولد أمة، وولد الأمة لا يكون حرًا إلا باعتراف المولى أو بالغرور، ولم يوجد هاهنا أحدهما (١)، فوجب أن يكون رقيقًا على حاله.
وجه قول محمد: أن العبد (٢) يصدق في ثبوت النسب لما للقيط في ذلك من المنفعة، ولا يصدق في الرقّ؛ لأنه ضرر عليه، ألا ترى أن ذميًّا لو ادعاه لثبت نسبه منه ولم يصدق على الكفر؛ لأنه ضرر عليه، [فكذلك هاهنا] (٣).
قال: فإن ادعى اللقيطَ امرأةٌ أنه ابنها - وهي حرّة أو أمة - لم تصدق على ذلك حتى تقيم بينة أنها ولدته، فإن أقامت امرأة واحدة على الولادة قُبِل منها ذلك إذا كانت الشاهدة حرّةً عدلًا؛ وذلك لأن المرأة إذا ادّعت النسبَ حملته على صاحب الفراش، وقولها غير مقبول في إلحاق النسب بغيرها، ولأن النسب يثبت منها بالولادة، وذلك معنى يطلع عليه غيرها، فلا يثبت بقولها.
وأما إذا شهدت امرأة بالولادة، فالولادة تثبت بشهادتها، ثم يثبت النسب من صاحب الفراش بالفراش.
وقال في كتاب اللقطة: إذا وجد اللقيط بالكوفة فادّعاه رجل من أهل الذمة
стр. 4524
أنه ابنه، فإنه لا يصدّق في القياس؛ لأن اللقيط حرّ مسلم، ولكن أستحسن أن يكون ابنه، ويكون مسلمًا، وهذا القياس ليس بقياس الأصل في أن لا يثبت نسب اللقيط بالدعوى، وإنما هو قياس آخر.
ووجهه: أن اللقيط الموجود في مصر المسلمين محكوم بإسلامه، ودعوى الكافر نسبه يقتضي أن يتبعه في دينه، فلا يجوز أن يبطل الإسلام المحكوم به.
وإنما استحسنوا؛ لأن ثبوت النسب فيه نفع، وثبوت الكفر فيه ضرر، وأحد الأمرين ينفرد عن الآخر، فيثبت ما فيه نفع للصغير، ويسقط ما فيه ضرر عليه، وليس يمتنع أن ينفرد الولد عن أبويه بالدين، مثل أن يُسبى في دار الحرب، فيحكم له بإسلامه وإن ثبت نسبه عن كافر.
وهذه المسألة على أربعة أوجه: إن وجد المسلم لقيطًا في مصر (١) المسلمين، فهو مسلم في الروايات كلها.
وإن كان الواجد ذميًّا وجده في مكان أهل الذمة كالبيعة والكنيسة، أو قرية من أهل الذمة، فهو على دين أهل الذمة.
وإن كان الواجد مسلمًا ووجده في مكان أهل الذمة، أو كان الواجد ذميًّا وجده في مصر أهل الإسلام، فقد اختلفت فيه الرواية.
قال في كتاب اللقيط: إذا وجد في مكان أهل الذمة فهو على دينهم، فاعتبر المكان، ولم يعتبر الواجد.
وذكر ابن سماعة عن محمد: أن المعتبر الواجد دون المكان.
стр. 4525
وإن كان للقيط زيّ أهل الإسلام أو زيّ أهل الكفر فالمعتبر الزيّ دون الواجد والمكان.
وجهُ رواية كتاب اللقيط في اعتبار المكان: المعتبر الظاهر، والظاهر أن أهل الذمة لا يكون أولادهم في المساجد وفي مواضع المسلمين، والغالب أن المسلمين لا يلقون أولادهم في البِيَع، فاعتبر الظاهر من الأمرين، يبيّن ذلك أن [مَن التقط] لقيطًا في دار الحرب لم يحكم له بحكم الإسلام؛ لأن ظاهر البقعة (١) الكفر، كذلك هاهنا.
وجه الرواية الأخرى: أنه اجتمع فيه سببان: المكان والواجد، وأحد [السببين] (٢) يقتضي الإسلام، فكان أولى، لقوله ﵊: "الإسلام يعلو ولا يعلى" (٣)، وقوله ﵊: "المسلمون يد على من سواهم" (٤)، ولهذا لو كان أحد الأبوين مسلمًا حكمنا للولد بإسلامه.
فإن كان الواجد كافرًا في موضع المسلمين؛ فلأن اللقيط كالتابع للواجد؛ لأنه في حكم المباحات التي تستحق [من يسبق] اليد [إليه]، فيتبع الواجد، وليس يمتنع أن يحكم له بحكم الإسلام إذا انفرد، فإذا كانت عليه يدٌ لم يحكم له بذلك [كالصبي] (٥) إذا كان معه أحد أبويه.
стр. 4526
وأمّا وجه اعتبار الزيّ؛ فلأن السيماء يُستدل بها (على الحال، قال الله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ولأن اليهود لهم علامة يُخْتَصَّوْنَ بها، وكذلك) (١) النصارى.
وإذا وجد في الصبي زيّ المسلمين (لم يعتبر المكان، كالبالغ إذا كان في موضع الكفار عليه زيّ المسلمين) (٢)، ومتى كان على الصغير زيّ الكفار صار كالكبير إذا كان في دار الإسلام عليه زيّ الكفار.
وقال عطفًا على مسألة الذمي إذا ادّعى اللقيط: فإن أقام بينة من أهل الذمة لم تقبل، وإن كانوا من المسلمين قبلت، وإنما يعني البينة لا تقبل في نقله عن دين الإسلام، فأما النسب فثابت بالدعوى، وإنما لم تقبل [البينة]؛ لأنه محكومٌ بإسلامه في الظاهر، وشهادة أهل الذمة لا تقبل على المسلمين، وإن كانوا من أهل الإسلام فقولهم مقبول على جميع الناس، فيثبت النسب، ويلحق بالكافر في الدين.
وكان أبو الحسن يقول: المسألة موضوعة على أن اللقيط في يد مسلمٍ لا يدعيه، ولا تقبل شهادة أهل الذمة في استحقاق يد المسلم، وتقبل عليه شهادة المسلمين في استحقاق يده.
قال الشيخ أيّده الله: والصحيح أن يكون الفرق ما ذكرناه؛ لأن محمدًا ذكر في كتاب الدعوى في اللقيط: إذا كان في يد مُسلم لا يَدَّعِيْهِ، فَادَّعَاهُ مسلم وذمي، فأقام المسلم بينة من أهل الذمة، [وأقام الذِّمِّيُّ] (٣) بينة من أهل الإسلام، أن
стр. 4527
المسلم أولى به، فالمسلم استحق اللقيط بشهادة أهل الذمة.
وقال ابن سماعة في النوادر: عن محمد في الرجل يلتقط لقيطًا فيدعيه نصراني، قال: هو ابنه وهو مسلم، وإن كان عليه زيّ الإسلام فإني أجعله مسلمًا وأثبت نسبه من النصراني؛ لأن ذلك لا يضره، وهو ينفق عليه.
قال: وإن كان عليه زيّ الشرك فهو ابنه، وهو نصراني على دينه؛ وذلك مثل أن يكون في رقبته صليب وعليه قميص ديباج، ووسط رأسه مجزوز، فهو على ما بَيَّنَّا عن محمد: أن المعتبر الزيّ إذا اختلف حكم المدعي والمكان.
قال: فإن التقط الذمي نفسه صبيًا وزيّه مُشْكِل، فادّعاه النصراني فإنه على دينه، وهو ابنه إذا ادّعاه، ولا أنظر في ذلك إلى الموضع الذي وجده فيه إن كان مسجدًا أو غيره، وإنما هو لمن التقطه وادّعاه، وهذا على ما قدّمنا عن محمد: أن المعتبر - مع عدم [الدلالة] (١) - الزِّي الواجد دون المكان.
وقال محمد في كتاب اللقطة: وإذا وُجِدَ اللقيط بالكوفة، أو في مصر من أمصار المسلمين، فأدرك كافرًا، فإنه يحبس ويجبر على الإسلام؛ لأنه وجد في مصر من أمصار المسلمين، واستحسن ذلك.
وذلك لأنا حكمنا بإسلامه بالدار، وكل من حكمنا له بالإسلام على طريق التبع لغيره لم يقتل بإظهار الكفر، كولد المسلم إذا [ملكه] (٢) كافر، وإذا لم يقتل حبس حتى يعود إلى الإسلام، كالمرأة.
قال: وإذا وُجِدَ اللقيطُ في كنيسة أو بيعة أو [في] قرية ليس فيها إلا مشركون،
стр. 4528
فإنه بمنزلة أهلها، فإن أدرك كافرًا لم أجبره على الإسلام؛ وذلك لأن الدار دار كفر، فالظاهر أن اللقيط من أهلها، فإذا بلغ على دينهم لم نعترض عليه.
قال: فإن التقطه مسلم وكان عند المسلم يربّيه، ثم ادعاه رجل من أهل تلك القرية من الكفار، فإني أجيز دعواه، ولو مات قبل أن يدعيه لم أُصَلِّ عليه، وذلك لأنا حكمنا له بحكم البقعة، فإذا ادّعاه ذِمِّيٌّ قُبِلَ قوله كما يقبل قول (١) المُسلم في لقيط المسلم، ولا يصلى عليه إن مات قبل الدعوى أو بعدها؛ لأنه محكوم له بالكفر، كولد الكافر المعروف.
قال: وإذا وَجَدَ الذَّمِّيُّ لقيطًا في مصر من أمصار المسلمين أو [في] قرية من قُرَاها، فكان في يده حتى مات فينبغي للمسلمين أن يُصَلُّوْا عليه؛ لأنه محكوم بإسلامه بوجوده في دار الإسلام، فيصلَّى عليه كأولاد المسلمين.
فإن وجد في قرية فيها مسلمون وكافرون، فوجده مسلم، فكان في يده حتى مات، فإني أستحسن أن أُصَلِّيَ عليه؛ وذلك لأن الغالب على الدار (٢) حكم الإسلام وإن كان فيها كفار، فوجب أن يصلى عليه.
قال في الأصل في كتاب الدعوى: وإن كان الذي ادّعاه ذميًّا، والشهود مسلمون، أجزت ذلك، وإن كان الذي ادّعاه ذميًّا والشهود ذمِّيُّون، واللقيط في يد ذمي وجده في قرية من قرى أهل الذمة، أو كنيسة أو بيعة، قبلت الشهادة؛ وذلك لأن المدعي إذا أقام شهودًا مسلمين جاز أن يستحق يد المسلمين بشهادتهم، فيحكم للمدعي باللقيط، وإذا كان الشهود ذميين والملتقط مسلمًا لم
стр. 4529
تقبل شهادتهم؛ لأن يد المُسلم لا تزال بشهادة أهل الذمة.
وهذا إنما يريد به أن الشهادة لا تقبل في إثبات دين اللقيط، فأما في نسبه فإنه يثبت بمجرد دعوى الذمي على ما بيّناه.
وأما إذا كان في يد ذمي وجده في قرية أهل الذمة، قبلت شهادة أهل الذمة؛ لأنها تقبل في إزالة يد الذمي (١). [والله أعلم].
стр. 4530
بَابْ اختلاف الدعوى في اللقيط
قال أبو الحسن ﵀: وإذا أقامَ الرجل شاهدين على اللقيط أنه ابنه، وأقامت امرَأة شاهدين أنه ابنها، جعلته ابنهما؛ لأن مقتضى كل واحد [من البيّنتين] (١) لا ينافي مقتضى الأخرى، فيثبت النسب منهما، وصار ابنه منها.
قال: وإن ادّعى أحدهما أنه ابنه، وادّعى الآخر أنه عبده، وأقاما البينة، قضيت به للذي ادّعى أنه ابنه؛ وذلك لأن إحدى البينتين تضمنت النسب والحرية، والأخرى تضمنت الرق، فإثبات الحرية أولى (٢).
وإذا أقام أحدهما [بيّنةً] أنه عبده، ولم يقم الذي ادّعى أنه ابنه [البيّنة]، قضيت به عبدًا له؛ لأن البينة إذا قابلتها الدعوى فالبينة أولى.
فإن أقام أحدهما البينة أنه ابنه من هذه المرأة الحرة، وأقام الآخر البينة أنه ابنه من هذه الأمة، قضيت به للذي هو الحر، وهو ابن الحر والحرة، وأعتقه؛ وذلك لأن ابن الزوجة الأمة رقيق، فالبينة الأخرى تثبت الحرية، فهي أولى.
ولو أقام الآخر البينة أنه ابنه من امرأة حرّة جَعلته منهما، وابنًا للمرأتين جميعًا في قياس قول أبي حنيفة، وأما في قول أبي يوسف ومحمد فهو ابن الرجلين، ولا يكون ابن المرأتين (إلا في هذه المسألة) (٣).
стр. 4531
أما ثبوت النسب من رَجلين فهو قول أصحابنا جميعًا، وقال الشافعي: لا يثبت النسبُ من اثنين، ويرجع فيه إلى قول القافة (١).
والأصل في ذلك: ما روي أن عمر بن الخطاب كتب إليه في جارية بين رجلين جاءت بولد، فادّعياه، فقال إنهما لَبَّسا فلبّس عليهما، ولو بَيَّنَّا لبيّن لهما، وهو ابنهما، يرثهما ويرثانه، وهو للباقي منهما، و [روي] عن عليّ رضوان الله عليه مثل ذلك.
ولأن البُنُوَّة معنى يتعلق بالإرث لا يلحقه الفسخ، فجاز أن يثبت للواحد على اثنين كالأبوة والولاء.
والدليل على أنه لا يرجع فيه إلى قول القافة: أن ذلك من أحكام الجاهلية، وقد ذمّ الله تعالى أحكامهم بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، ولأن القائف لا يقبل قوله في إثبات النسب مع قيام الفراش، فلا يقبل مع عدم الفراش كالكافر والفاسق.
ولأن القائف يرجع إلى الشَّبَه والظاهر، وهذا المعنى يشترك فيه جميع الناس، وقول غير القائف لا يقبل فيه، كذا قول القائف (٢)، وإذا ثبت بطلان القول بالقافة، ثبت ما ذكرنا.
وقد قال أبو حنيفة على هذا الأصل: أن النسب يثبت من ثلاثة وما زادوا وإن كثروا؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق، والشيء عنده مما يصح فيه الاشتراك، فهو كالأموال.
стр. 4532
وقال أبو يوسف: لا يثبت من أكثر من اثنين؛ لأن القياس عنده ينفي ثبوت نسبه من أكثر من واحد، وإنما ترك فيه القياس بخبر عمر، فما سواه بقي على أصل القياس.
وأما محمد فقد قال: يثبت نسبه من ثلاثة، ولا يثبت من أكثر [من ذلك]؛ لأن المرأة قد تحمل ثلاثة أولاد في بطن واحد، فيجوز أن يكون كل ولد من واحد، وإذا اجتمعت [في حمل واحد] (١) جماعة جاز أن يكون الولد الواحد مخلوقًا من مائهم.
وأما ثبوت النسب من امرأتين وأكثر [من ذلك]، فيجوز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز.
وجه قوله: أنهما تساويا في السبب الذي به يستحق كالرجلين، فإن قيل: يجوز أن يخلق [الولد] من ماء رجلين، ولا يجوز أن تلد امرأتان ولدًا [واحدًا].
قلنا: عند أبي حنيفة تثبت أحكام الولادة لهما (٢) من الحضانة والإرث وغيره، ولا تثبت الولادة، وهذه الأحكام [قد] ينفرد عن الولادة؛ [فلذلك جاز] (٣) إثباتها.
وجه قولهما: أنه يستحيل ولادة امرأتين ولدًا واحدًا، فإذا شهدت البينة لهما [بالنسب] فقد عرفنا كذب إحداهما، فلا يجوز قبولها، وأما الرجلان فيشتركان في الوطء، فيجوز أن يخلق الولد من مائهما.
стр. 4533
قال: فإن وقتت كل بينة وقتًا معروفًا يعرف في الصبي أنه على وقت أيهما، جعلته لصاحب الوقت؛ لأن سنّ الصبيّ إذا وافق أحد الوقتين ثبت كذب البينة الأخرى، فلم يلتفت إليها.
وأما إذا أشكل السنُّ ولم يشهد لإحدى البينتين، فينبغي في قياس قول أبي حنيفة: أنه يقضى به للأول، وفي قول أبي يوسف ومحمد: يقضى به بينهما.
وجه قول أبي حنيفة: أن السنّ (١) لما لم يشهد لإحدى البينتين سقط اعتبارها، والمثبت للتاريخ (٢) الأول يستحقه من ذلك الوقت، ولا منازع له فيه، فهو أولى.
وجه قولهما: أن السنّ لو وافقه أحد التاريخين كان أولى، فإذا أشكل الأمر سقط حكم التاريخين، فكأنهما أطلقا البينة.
قال: وإذا ادَّعى اللقيطَ رجلان، فأقام أحدهما البينة أنه ابنه، وأقام آخر البينة أنها ابنته، فإذا هو خنثى، فإن كان يبول [من] حيث يبول الغلام جعلته للذي ادّعى أنه ابنه، وإن كان يبول حيث مبال النساء فهو لمن ادّعى أنها ابنته؛ وذلك لأن الولد لو لم يكن خنثى نظرنا إلى حاله، فإن كان غلامًا قضي [به] للذي (٣) شهدوا أنه ابنه؛ لأنّ الحال أكذبت المدّعي الآخر، فإن كانت جارية قضي بها لمدعي البنت؛ لأن الحال أكذبت مدَّعي الابن.
فإذا كان خنثى وجب اعتبار البول، فإن كان يبول من أحد السبيلين أو كان
стр. 4534
يسبق بوله من أحدهما (١)، فإن كان من مبال الغلام فهو لمدعي الابن، وإن سبق من مبال الجارية، فهو لمدعي الجارية.
ولم يعتبر أبو حنيفة كثرة البول من أحد المخرجين، واعتبره أبو يوسف ومحمد.
قال: وإذا ادعى اللقيطَ رجلان ذميٌّ ومسلمٌ، جعلته ابن المسلم؛ لأن دعواه تثبت الإسلام، وفيه منفعة للصبي؛ لأنه يصير مسلمًا بإسلامه، فتثبت يده عليه، فكأنهما ادعياه وهو في يد أحدهما.
وكذلك لو ادعته ذميّةٌ، ومسلمةٌ، كل واحدة جاءت بامرأة تشهد بالولادة، جعلته للمسلمة؛ لأنه يصير مسلمًا بإسلامها، فتثبت يدها عليه، فتكون أولى من الكافرة.
قال: ولو شهد لمسلم ذميّان، وللذمي مسلمان، قضيت به للمسلم؛ لأن بينة كل واحد [منها] حجّة مقبولة على الآخر، فتساويا، فالمسلم أولى (٢).
стр. 4535
بَابْ الإقرارِ بولدِ الزنَا
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا زنى الرجل بامرأة، فجاءت بولد، فادّعاه الواطئ، لم يثبت نسبه منه، ولم يكن ابنه، وهو ثابت النسب من أمه؛ وذلك لقوله ﵊: "الولد للفراش، وللعاهِر الحجر" يعني لا شيء له، ولأن انتفاء النسب من الزاني لحق الله تعالى، فاعترافه به لا يؤثر ولا يفيد.
وأما الأم فالنسب يثبتُ منها بالولادة، وذلك موجود في الزنا وغيره.
قال: وإذا كان للرجل عبد صبي من أمة له، فادّعى رجل أنه ابنه من الزنا، وصدقه المولى بذلك أو كذَّبه، (فإن أبا حنيفة قال) (١): لا يثبت النسب من هذا.
فإن ملك الصبي عتق عليه، ولم يثبت نسبه، وإن ملك أمّه لم تكن أم ولد له، وكان له أن يبيعها؛ وذلك لأنه ادعى النسب من جهة لا يجوز ثبوت النسب منها، فتصديق المولى وتكذيبه سواء.
وأما عتقه إذا ملكه؛ فلأنه في حكم الجزء منه؛ لأنه مخلوق من مائه، والإنسان لا يملك أجزاءه.
وأما الأم فلا تصير أم ولد له؛ لأن الاستيلاد فرع لنسب الولد لا لحرّيّته، فإذا لم يثبت النسب لم يثبت الاستيلاد.
стр. 4536
قال: ولو كان الصبي عبدًا لأب المدّعي، أو لعمه، أو لخاله، أو لامرأته، فهو سواء؛ لأن الزنا بجواري هؤلاء لا يثبت النسب به؛ لأنه لا شبهة للواطئ في الموطوءة.
وإن كان له شبهة في الفعل، فالنَّسب إنّما يثبت لشبهة في الموطوءة.
قال: وإن كان مولى الصبي ابن المدّعي، ثبت النسب منه، وإن كان من الزنا، فيضمن قيمة أمه؛ لأن وطء الأب جارية ابنه ليس بزنا؛ لأن له شبهة ملك في رقبتها، وشبهة الملك في الموطوءة كنفس الملك، ألا ترى أن شبهة النكاح جعلت كنفس النكاح في ثبوت النسب، فإذا كان كذلك فقط غلط في قوله أنه من زِنا، فيثبت النسب ولا يعتد بقوله.
قال: وإن كان المدعي قال: هو ابني، ولم يقل من زنا، وهو [بمنزلة] الأب في جميع ما ذكرت لك، ثم مَلَكَهُ، فإنه يلزمه نسبه، ويعتق؛ لأنه أقرَّ بالنسب، ولم يبيّن جهته، فالظاهر أنه أقرَّ به من جهةٍ يجوز ثبوت النسبِ منها، فحمل قوله على الصحة، ولم يثبت النسب في حال الإقرار؛ لأنه لا يملكه، فإذا ملكه نفذ إقراره، وكذلك لو قال: هو ابني من نكاح فاسد، أو شراء فاسد، وأحلّها لي [الله تعالى] (١)، أو ادعى شبهةً بوجه من الوجوه، فكذّبه المولى، فإنه لا يكون ابنه مادام عبدًا.
فإن ملكه المدعي يومًا [ما] عتق عليه.
وإن ملك أمةً كانت أم ولد؛ لأنه ادّعى النسب، وبيَّن جهةً يجوز ثبوت النسب منها، فلم يقبل [قوله] فيه لحق المالك، فإذا ملك لم يبق إلا حق نفسه،
стр. 4537
فيثبت نسبه منه.
قال: ولا يجوز دعوة الجد من قبل الأم في ذلك؛ لأن الأب إنما تقبل دعواه للولاية التي ثبتت له في مالِ ولده في (١) صغره، فتستدام تلك الولاية وحكمها بعد البلوغ، وأب الأم لا ولاية له عليه، فهو كسائر الأقارب.
وأما أب الأب، فلا تقبل دعواه مع بقاء الأب؛ لأنه لا ولاية له عليه.
وإن كان العلوق من الجد والأب ميت، قبلت دعوته؛ وذلك لأن له ولاية عليه، فصار كالأب.
قال: وإذا كان للرجل امرأة، فولدت على فراشه، فقال الزوج: زنيتِ بفلانٍ، وهذا الولد منه، وأقرَّتْ المرأة بذلك، وأقر بذلك فلان، فإن نسب الولد ثابت من الزوج صاحب الفراش، ولا يصدق واحد منهما على نفي الولد.
قال: وكذلك لو كانت أمة [قد] تزوّجها، أو كان النكاح فاسدًا؛ لأن الولد المولودَ على الفراش يثبت نسبه، فإذا تصادقا على نفيه فقد أسقطا حق الولد عن النسب بتصادقهما، [وهما يملكان إسقاط حقهما، ولا يملكان إسقاط حق ولدهما، فلم يلتفت إلى تصادقهما] (٢)، فلم يجز.
قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا تزوج امرأة لا تحل له، فأغلق بابًا وأرخى سترًا، فُرِّقَ بينهما، ولا يكون لها عليه مهر، فإن جاءت بولد لستة أشهر منذ تزوجها ثبت نسبه منه وعليه المهر.
стр. 4538
وكذلك لو جاءت به لستة أشهر منذ أغلق الباب وأرخى الستر؛ وذلك لأن النكاح الفاسد سَبَبٌ لثبوتِ النسب كالنكاحِ الصحيح، (وكما يثبت النسب في النكاح الصحيح) (١) لستة أشهر، وكذلك في الفاسد.
وأما المهر فلا يجب في العقود الفاسدة إلا بالتسليم؛ وذلك إنما يكون بالوطء.
وأما الخلوة فإنها توجد، وهناك منع من جهة الله تعالى فلا تصح الخلوة، ولا يثبت بها المهر.
فإن قيل: النكاح الفاسد لا يتعلق به حكم ما لم ينضم إليه الدخول، بدليل انتفاء المهر، وتحريم المصاهرة.
قلنا: النسب لا يثبت بنفس العقد، وإنما بالعقد يثبت شبهة الفراش، فيثبت به النسب لذلك، ويصير الوطء محكومًا به لثبوت النسب، فلذلك (٢) يجب المهر، وقد ثبت النسب بأسباب ضعيفة، ألا ترى أنه يثبت بالإملاك من المولى وإن لم يتعلق به حكم الإباحة، فجاز أن يثبت أيضًا بشبهة العقد.
[قال]: فإذا ادعى (٣) الرجل الصبيَّ في يد امرأة، فقال: هو ابني من زنا، وقالت المرأة: هو من النكاح، لم يثبت نسبه منه.
فإن قال بعد ذلك: هو من نكاح، ثبت نسبه؛ لأنه أقر بجهة لا يثبت منها
стр. 4539
النسب، وادعت هي عليه النسب، فلم يقبل قولها، فإذا عاد إلى تصديقها فقد تصادقا على النسب، فيثبت.
وكذلك لو قال رجل لصبي في يد امرأة: هو ابني من نكاح منك، وقالت: هو ابنك مني من الزنا، لم يثبت نسبه منه، فإن قالت بعد ذلك: هو ابني منك من نكاح، ثبت نسبه؛ لأنه ادعى نسبَ ولدها ولم يصدقه على ذلك؛ لأن النسب لا يثبت من الزنا، فلم يصدق عليها بدعواه، فإن عادت إلى تصديقه فقد اجتمعا على ثبوت النسب، فيثبت (١).
стр. 4540
بَابْ البينة على دعوى الولدِ
قال: وإذا كان غلام قد احتلم ادّعى على رجل وامرأته: أنه ابنهما، وجحدا ذلك، فأقام عليهما البينة أنهما أبواه، وأن هذه المرأة ولدته من هذا الرجل على فراشه، وادّعى الرجل الآخر وامرأته أن هذا الغلام ابنهما، وأقامَا البينة على ذلك، فإني أثبت النسب للغلام من الأب والأم الذين ادعاهما الغلام، فأبطل نسب الأب والأم الذين أنكرهما الغلام؛ وذلك لأن الغلام في يد نفسه، وقد قامت البينة على الولادة، وأقام الخارجان البينة عليه، فصار كدعوى النتاج إذا تعارض فيه بينة صاحب اليد والخارج.
قال: ولو كان الغلام نصرانيًا، فأقام شاهدين من المسلمين على رجل من النصارى وامرأته من النصارى أنه ابنهما، ولدته هذه المرأة على فراش هذا الرجل، وادّعى مسلم وامرأته مسلمة [على] أنه ابنهما، ولدته هذه المرأة [المسلمة] على فراش هذا الرجل المسلم، وأقام على ذلك بينة من المسلمين، فإني أقضي به للنصراني والنصرانية؛ وذلك لأن البينتين تساويا، والغلام في يد نفسه، فبيّنته أولى من بينة الخارج.
ولا يقال: إن بَيِّنَةَ المسلمين تقتضي إسلامه، وبَيِّنَةَ النصراني تقتضي كفره، فبينة (١) الإسلام أولى؛ وذلك لأن اليد والإسلام إذا تعارضا، فاعتبار اليد في النسب أولى؛ لأن اليد بانفرادها يستحق بها، والإسلام لا يستحق به.
стр. 4541
قال: ولو كانت بينة الغلام نصارى، أخذت [بِبَيِّنَة] المسلمين، وقضيت به للمسلمين، وأجبرته على الإسلام، وأبطلت بيّنة النصارى؛ لأن شهود الغلام لا يقبل قولهم على المسلمين، فسقطت بينته، فكأنّه ادعى وقابلت دعواه البينة، فالبينة أولى.
قال: ولو أن غلامًا قد احتلم أقام البينة أنه ابن فلان ولد على فراشه من أمته فلانة، والرجل حيّ ينكر ذلك، ويقول: عبدي، وُلد من أمتي هذه، زوجتها عبدي فلانًا، فولدت هذا الغلام منه، وأقام على ذلك بينة، والعبد حيّ يدّعي ذلك، ويقول: ابني من امرأتي، فإنه ابن العبد؛ وذلك لأن الغلام يدعي النسب بفراش الملك، والعبد يدعي النسب بفراش الزوجية، وفراش الزوجية أقوى، ألا ترى أن المولى إذا زوّج أمته فجاءت بولد فادّعياه، كان دعوى الزوج أولى؛ ولأن فراش الزوجية لا يُنفى النسب فيه بقوله، وفراش الملك ينتفى بقوله فيه النسب، فكان فراش الزوجية أقوى، فهو أولى.
ولو ادعى الولد أنه ابن العبد من هذه الأمة، وأقام بينة على ما ذكرنا، فأقر العبد بذلك، وادّعى المولى أنه ابنه، جعلته ابن العبد وأعتقته؛ لأن فراش النكاح أقوى على ما ذكرنا، ويعتق بدعوى المولى النسب؛ لأن دعواه تضمن النسب والحرية، وأحدهما ينفرد عن الآخر، فإذا بطل النسب ثبتت الحرية.
قال: ولو كان العبد ميتًا - والمسألة على حالها - فأقام الغلام بيّنة على ذلك، وأقام ورثة المولى بينة على ما ذكرنا في أول الكتاب، وأمُّ الغلام ميتة، فإني أثبت نسبه من المولى، وأجعله ابنه، وأورثه منه، ولا أجعله ابن العبد.
وإنما عني بهذا: أن الغلام أقام البينة أنه ابن المولى، وأقام ورثة المولى
стр. 4542
البيّنة أنه ابن العبد، والعبدُ ميّت، فبيّنة الغلام أولى؛ لأن الورثة ليسوا بخصوم للعبد الميت في إثبات النسب له، فسقطت بينتهم، وبقيت بينة الغلام بلا معارضة، فهي أولى.
قال: ولو مات الرجل وترك مالًا كثيرًا، وأقام غلام قد احتلم بينة أنه ابن الميت من أمته فلانة، وأنه قد كان يملك فلانة قبل أن تلده، وأن الميت أقرَّ أنه ابنه، وأنها ولدته في ملكه، ومثله يولد لمثله، وأقام رجل آخر البينة أن هذا الغلام عبده، وأن أمه أمته، زوّجها عبده فلانًا فولدت هذا الغلام على فراشه، والعبد حيّ يدّعي ذلك أو ميّت، فإن كان حيًّا يدّعي قضيت له بالنسب، وأقضي بالأمة إن كانت حيَّةً للمدّعي.
وإن كان العبد ميتًا، أثبت نسب الغلام من الحي، وورثته منه، وجعلت أمه أم ولدٍ؛ وذلك لأن العبد إذا كان حيًّا فهو يثبت فراش النكاح، وذلك أقوى من فراش المِلك، فكان إثبات النسب منه أولى.
وإن كان ميتًا، فلا مدعي للبينة التي أقامتها الورثة، فسقطت وبقيت بينة الغلام على ثبوت النسب من الحر، فيقضى بها.
قال: وإذا كان الغلام وأمه في يد رجل، فادّعاه آخر وأقام بينة أن هذه الأمة ولدت هذا الغلام منه وفي ملكه، وأقام الذي هو في يده البينة أنها أمته، ولدت هذا الغلام منه وفي ملكه وعلى فراشه، والغلام صغير لا يتكلم، أو قد احتلم ومثله يولد لمثله، وهو مدعي أنه ابن الذي هو في يديه، فإني أقضي به للذي هو في يديه؛ وذلك لأن البينتين تعارضتا على الولادة، فبينة صاحب اليد أولى.
وإن كان [الغلام] يدعي أنه ابن الآخر، فإني أقضي بالأمة والغلام للمدعي؛
стр. 4543
لأن الغلام في يد نفسه، وبينته أولى من بينة الذي في يده الجارية، وصار كبينة صاحب اليد والخارج.
قال: وإذا كانت الحرّة لها ابن، وهما في يد رجل، فأقام آخر البينة أنه تزوجها، فولدت هذا الغلام منه على فراشه، (وأقام الذي في يديه البينة أنه تزوجها، وأنها ولدت هذا الغلام منه على فراشه)، والغلام يتكلم، ويدعي (١) أنه للذي هو في يديه (٢)، وأنه أباه، فإني أقضي بالمرأة وبالولد للذي هو في يديه، وأجعله أولى بالنسب وبالدعوى؛ وذلك لأن الغلام إذا كان يتكلم فهو في يد نفسه، فالبينة التي يدعيها أولى.
ولو كان الذي في يديه من أهل الذمة، وشهوده مسلمون، والمرأة ذمية، قضيت بالمرأة والولد الذي هما في يده؛ لأن بينته تقبل على المسلمين، وهو في يد نفسه، فيقضي له به.
فإن أقام المدعي البينة أنه تزوجها في وقت، وأقام الذي في يده على وقت دونه، فإني أقضي بها للمدعي؛ لأن النكاح الثاني حصل وهي تحت زوج، فهو فاسد، وفراش النكاح الصحيح أولى.
قال: ولو أن رجلًا في يديه امرأة وولد، وأقام البينة أنها امرأته تزوّجها، وولدت على فراشه، وأقام الآخر البينة أنها أمته، ولدت منه هذا الغلام في ملكه، وعلى فراشه، فإني أقضي به للزوج، وأثبت نسبه منه إن شهد الشهود أنها غرّته من نفسها، فإن لم يشهدوا بذلك جعلت الأمة وابنها مملوكين للمدّعي، وأثبت
стр. 4544
نسبه من الزوج، وأعتقت الولد بإقرار المدعي أنه ابنه، وأجعل (١) أمه بمنزلة أم الولد؛ وذلك لما قدّمنا أن فراش النكاح والملك إذا اجتمعا، ففراش النكاح أولى.
قال: ولو أن رجلًا في يديه أمة لها ولد، فأقام آخر البينة أنها أم ولد أبيه، ولدت [هذا الولد] على فراش أبيه، وأبوه ميت، وشهدوا أنها ولدته في ملكه، وشهد الشهود الآخرون أنها أمة الذي هي في يديه، ولدت [الولد] في ملكه وعلى فراشه، وأنه ابنه، قضيت بالولد للميت الذي ليس في يديه، وجعلت الأمة حرّة، وولاؤها للميت؛ وذلك لأن البينتين تعارضتا في ملك الأم، فبيّنة الخارج أولى؛ ولأن بينة الابن تثبت حريّة أم الولد، لأنها عتقت (٢) بموت أبيه، وبينة الآخر تثبت رق أم الولد، فمثبت الحرية أولى (٣).
стр. 4545
بَابْ الاستحلافِ على الدعوى
قال أيده الله: هذا الباب أبتدئ فيه بما يُستحلف فيه وما لا يُستحلف، وقد بَيَّنَّا الخلاف في النكاح، وذكرنا أن عند أبي حنيفة لا يستحلف في النكاح والرجعة، والفيء في الإيلاء، والنسب، والرِّقِّ، والاستيلاد، والولاء. وعند أبي يوسف ومحمد: يستحلف في جميع ذلك.
وأجمعوا: أنه لا يستحلف في الحدود، واللعان؛ وذلك لأنه من أحكام القذف كالحدود.
وكل ما لا يستحلف فيه لا يصح بذله، والنكول بذل (١)، وإنما يحكم فيه بالبيّنة أو بالإقرار.
قال: فإن كانت الدعوى في النسب، فإقرار الرجل يجوز بالابن والأب والزوجة والمولى [ويجوز إقرار المرأة بالأب والزوج والمولى]؛ وذلك لأن الرجل إذا أقر بالأب، أو الزوجة، فهو حق يلزمه نفسه، (وإقرار الإنسان على نفسه مقبول، وكذلك إذا أقر بالولاء، وإذا أقر بابن فهو معنى يلزمه نفسه) دون زوجته؛ لأنه يملك [استلحاق] (٢) النسب من غيرها، [وأما المرأة إذا أقرت بأب أو زوج أو مولى، فهي فيه كالرجل؛ لأنها تُلزم نفسها، فقاما].
стр. 4546
وأما المرأة إذا أقرت بالولد لم يُقبل إلا بعد إقامة البينة على الولادة؛ لأنها تُلزمُ زوجها حقًا بإقرارها، وإقرار الإنسان لا يُقبل على غيرهِ؛ ولأنه لا يخلو إما أن يكون لها زوج معروف فهو يلزمه النسبُ، أو غير معروف، فيجوز أن يظهر لها زوج.
وقد قالوا: إن من شرط الإقرار بالنسب أن يكون مدّعي الابن يلد مثله، والمدعي الأب يولد له مثله، وأن يكون المدعي صدّق المدّعي في دعواه، ولا يكون للمدعى نسبٌ معروف (١).
стр. 4547
بَابْ دَعْوَى الولدِ بعدَ العِتْقِ
قال أبو الحسن ﵀: وإذا أعتق الرجل عبدا صغيرًا، ثم ادّعى أنه ابنه، وقد ولد عنده أو لم يولد، فإن أبا حنيفة قال: هو ابنه، وإن كان كبيرًا فأقر بذلك فهو ابنه، وإن جحد لم يكن ابنه؛ وذلك لأنه إذا كان صغيرًا فهو في يد الرجل (١)، فقوله مقبول فيه، وإن كان كبيرًا فهو في يد نفسه، فيرجع إلى تصديقه.
قال: وإذا كانت مدبّرة بين رجلين جاءت بولد، فادَّعَى أحدهما الولد، فإن أبا حنيفة قال: نسبه ثابت منه، ويضمن نصف قيمتها مدبرة ونصف عقر أمة.
فإن مات أبو الولد وحده عتق نصيبه من الأمة من جميع المال، وسعت للآخر في نصف قيمتها مدبرة، ولو لم يمت أبو الولد ومات الآخر عتق نصيبه من الثلث، وعتق نصيبُ أبي الولد، [ولا سعاية على أم الولد].
وأما جواز الدعوى في المدبرة المشتركة، فكان القياس أن لا يجوز دعوى أحدهما؛ لأن ولاء الولد ثابت لهُما بالتدبير، فإذا ادعى أحدهما أنه ابنه فقد زعم أنه حرّ الأصل، فيُريد أن يُسقط الولاء الثابت، والولاء لا يلحقه الفسخ.
وأمّا الاستحسان: فلأن الولاء والنسب يجوز أن يجتمعا، ألا ترى أن الرجل يشتري ابنه فيعتق عليه، ويكون ولاؤه له، ونسبه ثابت منه، وإذا جاز اجتماعهما لم يمنع الولاء الثابت من الدعوى، ويجب العقر؛ لأنه اعترف بوطء مدبرة غيره،
стр. 4548
والوطء في ملك الغير إما أن يتعلق به مهر أو حد، وقد سقط الحد للاشتراك في الجارية، فثبت نصف (١) العقر، ولا تصير أم ولد؛ لأن الاستيلاد يثبت في الجارية المشتركة لانتقال نصيب [الشريك] (٢) إلى شريكه، [والمدبَّرة] (٣) لا يصح نقل الملك فيها إلى أحد، ويجب نصف قيمة الولد؛ لأنه أتلفه على شريكه بدعواه، ومن أتلف ولد المدبرة ضمنه.
وليس هذا كالأمة المشتركة؛ لأن هناك يثبت الاستيلاد في الأم، وينتقل الملك [إليه] فيها بالعلوق، ولا قيمة للولد في ذلك الوقت.
وفي مسألتنا لا تنتقل الجارية فيحدث الولد على ملك الشريك، فإذا أتلفه بدعوته ضمن نصف قيمته، ويضمن قيمته مدبرًا؛ لأنه أتلفه ناقصًا بالتدبير (٤)، ثم قد صار نصف هذه الجارية أم ولد ونصفها مدبرة.
فإن مات مدعي النسب عتق نصيبه من جميع المال، كما تعتق أم الولد المنفردة، ولا يضمن المولى؛ لأن العتق وقع بموته من طريق الحكم، فكان لشريكه أن يستسعي؛ لأن الضمان إذا تعذر في عتق العبد المشترك، كان للشريك السعاية.
وأما إذا مات المولى الذي لم يَدَّعِ عتق نصيبه من الثلث؛ لأنه مدبر، ويعتق نصيب الآخر بغير سعاية؛ لأن أم الولد إذا حصلت في يد نفسها بالحريّة فلا سعاية عليها، فكذلك إذا حصل جزء منها.
стр. 4549
قال: ولو لم يمت واحد منهما حتى ولدت ولدًا آخر، فادّعاه الآخر، فهو ابنه، وهو ضامن لصف العقر، فأيهما مات عتقت الأمة كلها؛ وذلك لأن نصيب الآخر على ملكه، فإذا ادّعى الولد كان حكمه فيه حكم الأول، فيثبت النسب منه، ويصير نصيبه منها أم ولد، وأم الولد المشتركة تعتق بموت أحد الشريكين بغير سعاية على ما بَيَّنَّا: أنها إذا حصلت في يد نفسها بالحرية عتقت بغير شيء.
قال: وإذا كان عبد صغير بين اثنين فأعتق أحدهما ثم ادّعاه الآخر، فهو ابنه في قول أبي حنيفة، ونصف ولائه للآخر، وإن كان ولد عندهما أو لم يولد فهو سواء؛ وذلك لأن من أصل أبي حنيفة أن العتق يتبعض، فإذا أعتق أحدهما فنصيب الآخر على ملكه، فدعوته فيه جائزة.
فأما على قولهما: فقد عتق كله بعتق شريكه، فإذا ادعى الآخر فقد ادّعاه ولا ملك له فيه ولا يد، فلا يقبل قوله.
وأما إذا كان كبيرًا فادّعاه الذي أعتقه رجع فيه إلى تصديقه؛ لأنه صار بالحرية في يد نفسه، فأما من لم يعتق فدعوته جائزة عند أبي حنيفة؛ لأن نصيبه على ملكه، فهو في يده، فدعوته فيه جائزة.
стр. 4550
بَابْ دعوى الولدِ بعدَ البيعِ
قال: إذا باع الرجل جارية من رجل وقبضها المشتري أو لم يقبضها، حتى ولدت ولدًا لأقَلَّ من ستة أشهر منذ باعها، فادّعى البائع أن ولد الجارية ابنه، فهو مصدّق على ذلك، ويثبت نسبُ الولد منه، وتكون الجارية أم ولد للبائع، ويبطل البيع فيها وفي ولدها، ويردّ البائع الثمن على المشتري إن كان قبضه، وإن لم يكن قبضه بطل عن المشتري؛ وذلك لأن الدعوى على ضروب:
منها: دعوى الاستيلاد، وهي هذه وصفها: أن يكون ابتداء العلوق في ملك المدّعي، وحكمها أنها كالحر فيما يؤثر في إبطال حق الغير.
والأصل في جوازها: أن ابتداء العلوق إذا كان عند البائع استندت دعوته إلى العلوق، فصار ذلك شاهدًا على دعواه، فكأنه ادّعى ثم باع.
وقد قالوا: إن دعوى الاستيلاد تؤثر في إبطال حق الغير؛ بدلالة أن الجارية المشتركة إذا علقت في ملك أحد الشريكين، فادّعى أحدهما ضَمن نصف قيمتها لشريكه، ولم يضمن من قيمة الولد شيئًا.
وإن كان ابتداء العلوق قبل ملكها، ضمن نصف قيمتها، وضمن نصف قيمة ولدها، فدل على أن دعوى الاستيلاد أثرت في إسقاط الشريك من نصف الولد، فكذلك تؤثر هاهنا في إسقاط حق المشتري وإسقاط ملكه.
وإذا صحّت الدعوى ثبت النسبُ والاستيلاد، فكأنه باع أم ولده، فيفسخ
стр. 4551
البيع فيها، فيرد الثمن؛ لأن سلامة الثمن موقوفة على سلامة المبيع، ولم يسلم.
٢٧٤٥ - فَصْل: [أحوال جواز دعوى البائع]
قال: ولو كان الولد خرجَ من ملك المشتري على وَجه من الوجوه، [ببيع] (١) أو غيره، فدعوى البائع فيه جائزة؛ وذلك لأن تأثير دعوى الاستيلاد في حق المالك الثاني كتأثيرها في حق المشتري الأول، فإذا استحق ملك الأول بالدعوى، كذلك ملك الثاني (٢).
٢٧٤٦ - فَصْل: [أحوال بطلان دعوى البائع]
ولو كان المشتري أعتق العبد، أو مات في يده، أو أنه قتل، فأخذ قيمته، ثم ادعاه البائع والمسألة بحالها، فدعوى البائع باطلة، والأم أمة المشتري على حالها؛ وذلك لأن المشتري إذا أعتق فقد أحدث في الولد ما لا يلحقه الفسخ، فلا يجوز فسخ الملك فيه بالدعوى.
ولهذا قلنا: إن دعوى الاستيلاد كالحرية (٣) فيما يؤثر في إبطال حق الغير، ولم يجعلها صريح الحق كالبينة؛ لأنها لو كانت كذلك لبطل بها العتق، ولم يجعلها كالدعاوي؛ لأنها لو كانت كذلك لم يستحق بها ملك المشتري، فلم يبق إلا أن يجعل واسطة بين الأمرين.
فإن كان الولد بحاله لم يحدث فيه ما يلحقهُ الفسخ، قبلت الدعوى، كما يقبل
стр. 4552
البينة، وإن حدث ما لا يلحقُه فسخ لم [تقبل] (١) الدعوة، كما لا تنفذ الدعوى.
وأما إذا مات الولد أو قتل فقد تعذر إثبات النسب فيه؛ لأن الحقوق لا تثبت للميت ابتداءً، ولا عليه، فلا تقبل الدعوى، وتكون الأمة (٢) بحالها؛ لأن الاستيلاد فرع لثبوت النسب، وإذا لم يثبت النسب لم يثبت الاستيلاد.
وكذلك لو كان المشتري أخرج أم الولد من ملكه إلى ملك غيره، فأعتقه الذي هو في ملكه أو مات عنده، لما قدّمنا أنه حدث فيه ما يمنع من فسخ الملك فيه.
وكذلك لو دبّرَ المشتري أو الذي انتقل [الملك] إليه؛ لأن التدبير لا يلحقه [الفسخ]، فهو كالعتق.
وأما إذا باعه المشتري أو رهنه أو آجره [أو كاتبه]، أو جرى ذلك من مالك، ملكه المشتري، ثم ادعاه البائع، فإن ذلك كله ينقض ويثبت النسبُ من البائع، ويكون الولد ابنه، والجارية أم ولده؛ لأن هذه المعاني يلحقها الفسخ، فهي كالملك الذي يلحقه الفسخ، فكما يفسخ الملك بالدعوى، فكذلك هذه العقود تفسخ.
٢٧٤٧ - فَصْل: [جواز ادِّعَاءِ البَائِع في الوَلَدِ فقط]
قال: ولو كان المشتري أعتق الأم ولم يعتق الولد، ثُم ادّعاه البائع، جازت الدعوى في الولد، ولم تجز في الأم، وفسخ البيع في الولد دونَ الأم، وكان على
стр. 4553
البائع حصة الثمن للولد إذا قسم الثمن على قيمة الأم يوم وقع العقد، وعلى قيمة الولد يوم ولد.
وكذلك لو كان المشتري دبّر الأم؛ وذلك لأن الولد باقٍ بحاله لم يحدث فيه ما لا يلحقه فسخ، فجازت الدعوى فيه.
وأما الأم، فقد حدث فيها ما لا يلحقه الفسخ، فلم تجز الدعوى فيه؛ ولأنها عتقت، فلو جازت الدعوى فيها لعادت أم ولد، ولا يجوز أن تُردَّ من أعلى الأمرين إلى أدون الحالتين بالدعوى.
وإنما لم يؤثر عتقها في دعوى الولد؛ لأن النسب يجوز أن ينفرد عن الاستيلاد كولد [المغرور] (١)، فلم يكن تعذر الاستيلاد مانعًا لثبوت النسب؛ ولأن الاستيلاد فرع، وثبوت النسب أصل، وتعذر الفرع لا يُبطل حكم الأصل.
وليس كذلك إذا أعتق الولد؛ لأنا لو أثبتنا الاستيلاد لأفردناه عن النسب، والاستيلاد لا ينفرد عن النسب، ولأنه فرع فلا يثبت حكمه مع عدم الأصل، وإنما وجب على البائع ردّ حصّة الولد [دون] (٢) حصّة الأم؛ لأنَّه استحق الولد على المشتري، وسلمت الأم له، وما سلم له لا يرجع عليه ببدله، وما استحق عليه رجع بحصته.
فإن قيل: الولد لم يقع عليه العقد، ولا التسليم الموجب له، فكيف يكون له حصة؟
стр. 4554
قلنا: لمّا انفرد الولد بالحكم عن الأم، صار له حصة بانفراده، فكأنّه كان موجودًا في يد البائع، وإنما قسم الثمن على قيمة الأم يوم العقد وقيمة الولد يوم ولد؛ لأن الأم ملكت بالعقد، فاعتبرت قيمتها يوم العقد، والولد صارت له قيمة بالولادة، فيعتبر (١) حاله عند أول ما يمكن تقويمه.
٢٧٤٨ - فَصْل: [ادعاء الولد بعد موت الأم]
قال: ولو كانت الأم ماتت، ثم ادعى البائع الولد، فهو مصدق في الدعوى، ويرد الثمن كله في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرد حصة الولد.
أما ثبوت النسب، فلما بَيَّنَّا أن تعذر الاستيلاد لا يمنع من ثبوت نسبه.
وأما قيمة الأم فعلى قول أبي حنيفة: إن في زعم البائع أنها أم ولده، ولا قيمة لها، إذْ أم الولد عنده لا تضمن باليد، وعلى قولهما لها قيمة، فلما قبضها المشتري وتلفت في يديه، وجب عليه ضمانها باليد، فيرجع بحصة الولد خاصة.
قال: ولو كان المشتري كاتب الأم، أو رهنها، أو زَوَّجها، ثم ادّعى البائع [أنها أم ولده] جازت دعوته ونقض ذلك كله؛ لأنه مما يلحقه الفسخ، فيبطل بدعواه الاستيلاد كالملك.
قال: ولو قطعت يد الولد في يد المشتري، وأخذ أرشها، ثم ادّعى البائع، فإن دعوته جائزة، ويثبت نسبُ الولد، ويرد إلى البائع و [ترد] الأم معه ولا يرد الأرش إلى البائع، ويكون للمشتري، ويرد البائع الثمن إلا حصة أرش اليد؛
стр. 4555
وذلك لأن العضو المنفصل لا يمكن إثبات النسب فيه منه، فلم ينفذ فيه الدعوى، وسقوطها في الطرف لا يمنع [من] ثبوتها في الأصل، فيثبت النسب، فكان الأرش للمشتري، وسقط عن البائع حصّة ذلك؛ لأنه قد سلم له من جملة المبيع.
قال: وإذا باع الرجل جارية وقبضها المشتري، ثم ولدت ولدًا لأقل من ستة أشهر منذ وقع البيع، فادّعاه المشتري ثبت نسبه بالملك، وإن كان العلوق في ملك البائع؛ وذلك لأن دعوى المشتري دعوى ملك، وصفة دعوى الملك أن يكون العلوق في [غير] ملكه، وحكمها: أن يكون كالعتق الموقع، فكل موضع نفذ العتق نفذت الدعوى، وكل موضع لم ينفذ العتق لم تنفذ الدعوى، والمشتري مالك للعتق، فصحّت دعوته، فإنما اعتبرنا دعوى الملك بالعتق؛ لأنها تتضمن الحرية، ولا تستند إلى أمر سابق، فهي كإيقاع الحرية.
٢٧٤٩ - فَصْل: [دعوى البائع بالاستيلاد مع كون المشتري أبًا]
قال: فإن ادّعاه البائع بعد ذلك لم تقبل دعوته، وكان المشترى ابن المشتري؛ وذلك لأن النسب ثبت من المشتري، وهو معنى لا يلحقه الفسخ، وقد بَيَّنَّا أن دعوى الاستيلاد لا تقبل إذا حدث في الولد ما لا يلحقه الفسخ، إلا ببينة أو ما في معناها.
قال: ولو ادعى البائع والمشتري معًا، فهو ابن البائع؛ إلا أن تسبق دعوى المشتري؛ لأن دعوى البائع تستند إلى أمر سابق، وهو العلوق، ودعوى المشتري لا تستند، فإذا تساويا في الوقوع كانت دعوى البائع أقدم في المعنى، فكأنه أسبق بالدعوى، فكان أولى.