بَابْ ما يتداخل من الوصايا
قال أبو الحسن: والتداخل (١) من الوصايا ما كان من وصية بعينها أوصى بها لاثنين أو أكثر من ذلك، [أو] أوصى لكل واحد منهما بجميع العين، فإن أبا حنيفة كان يقسم العين بين أهل الوصايا على عددهم، [فما] (٢) حصل لكل واحد منهم من ذلك العين إذا قسمها بينهم، ضرب له بذلك القدر الذي حصل له بالقسمة، ولا يضرب له بجميع تلك العين، وإن كانت القسمة وقعت بجميع العين.
مثاله: أن تقول: (قد أوصيت لعبدي سالم) (٣)، وأوصيت بعبدي سالم [لزيد] (٤)، وأوصيت بعبدي سالم لعمرو، فإن العبد يقسم بينهما نصفين على عددهما، وهما اثنان، فيضرب كل واحد بنصف العبد، لا يضرب بأكثر من ذلك، وكذلك لو أوصى به لثلاثة، أو لأربعة.
وكان أبو يوسف ومحمد يضربان لكل واحد منهما بجميع وصيته.
وهذا المثال الذي ذكر يتفق قولهم من أصلين مختلفين؛ لأن العبد إذا كان يخرج من الثلث.
فعند أبي حنيفة: يضرب كل واحد منهما بنصفه، فيتساويان فيه.
стр. 4587
(وعندهما: يضرب كل واحد منهما بجميعه، فيتساويان فيه) (١).
وإنما يظهر الخلاف إذا انضمت إلى وصيتهما وصية أخرى، مثاله: إذا كان له عبد يقال له سالم، قيمته ألف درهم، أوصى به لزيد، وأوصى به لعمرو، وله ألفا درهم سوى العبد، وأوصى لرجل آخر بألف درهم، فعند أبي حنيفة: يضرب لزيد بنصف سالم، وعمرو [بنصفه]، والموصى له الآخر بألف، فيقتسمون الثلث أرباعًا (٢).
وقال أبو يوسف ومحمد: يضرب لزيد بجميع العبد، وعمرو بجميعه، والموصى له بألف فيقتسمون التركة أثلاثًا.
وجه قول أبي حنيفة: أن الوصية يصح إبطالها من جهة من استحقت عليه، وهو الموصي، فما استحقه كل واحد منهما على الآخر تبطل وصيته فيه، فلا يجوز [أن يضرب] بما قد استحق عليه، كما لا يضرب بحق غيره من الوصايا.
وليس كذلك أصحاب الديون؛ لأن الدين لا يجوز أن يبطل بسبب من جهة المستحق عليه، وكذلك أهل العول، لا تبطل سهامهم بسبب من جهة الميت؛ فلذلك ضربوا بجميع ما يثبت حقهم فيه من الأصل، وهذا جارٍ على أصل أبي حنيفة: أن من كان لا يدلي بسبب صحيح لا يضرب بجميع دعواه، [وللموصى له بعين] (٣) تعلق بها حق الغير لا يدلي بسبب صحيح، ألا ترى أنه لا يستحقها بنفس السبب حتى تنضم إليها معنىً آخر.
стр. 4588
وجه قولهما: أن كل واحد منهم يثبت حقه في جميع ما أوصى له به، وإنما نقص بالمزاحمة، فيضرب بجميع دعواه، كأصحاب الديون والعول.
قال: ولو كانت المسألة بحالها والتركةُ عبدٌ وألفا درهم، وأوصى له، وأوصى لزيد بعبده سالم، وأوصى لعمرو بثلث ماله، ولم يوص بغير ذلك، فإن الوصية في قول أبي حنيفة في العبد: قد تداخلت في ثلث العبد؛ لأنه موصٍ بثلثه لصاحب الثلث، وبجميع العبد لصاحب العبد، (والثلث من العبد يوصى به لزيد ولعمرو، وكذلك الثلث بينهما نصفان، وبقية العبد لزيد) (١)، فيضرب زيد في الثلث بخمسة أسداس العبد، ويضرب عمرو بسدس العبد، وثلث الألفين (٢)، وهو ثلثا ألف، [فجميع وصيته ألف من المال، فوصية كل واحد مثل وصية الآخر، فيكون الثلث - وهو ألف درهم - بينهما نصفين] (٣)، [وخمسمائة] (٤) لزيد يأخذها من العبد، وهو نصفه (٥)، ويأخذ عمرو خمسمائة [خمس ذلك] من العبد وهو مائة، وهو [عشر] (٦) العبد، وأربعمائة من المال؛ (لأن عمرًا ضرب بخمسمائة، خمس ما ضرب له من العبد، وأربعة أخماس ما ضرب له من المال؛ فلذلك يستوفي خمس ما أصابه من العبد، وأربعة أخماسه من المال) (٧).
وهو على أصل أبي حنيفة؛ لأنه اجتمع في رقبة العبد وصيتان، وصية لزيد
стр. 4589
لصاحب الثلث، فثلثا العبد لصاحب العبد بغير مزاحمة، وثلث العبد استوت فيه وصية زيد ووصية صاحب الثلث، فيقسمه بينهما، فصار لزيد خمسة أسداس العبد، فيضرب بها، وللموصى له بالثلث سدس العبد، وثلث ما بقى من المال، وهو ثلثا (١) ألف، فذلك خمسة أسداس الألف، فتساوت الوصيتان، فيقسم الثلث نصفين، فما أصاب زيد فهو من العبد خاصة، وذلك خمسمائة، وهو نصف العبد، وما أصاب الموصى له بالثلث، وهو من العبد والمال؛ لأن وصيته تعلقت بهما، ووصية الأول اختصت بالعبد، وقد استحق من العبد السدس، ومن [الألفين] ثلثا ألف، فصار حقه أخماسًا، خمس من العبد، وهو مائة، وذلك عشر العبد، وأربعة أخماسه وهو أربعمائة من الألفين.
ولم يبين قول أبي يوسف ومحمد، والذي يجيء على أصلهما: (أن زيدًا يضرب بجميع العبد، وهو ألف، ويضرب الموصى له بالثلث بجميع الثلث وهو ألف) (٢)، فيقسمان الثلث بينهما نصفين، فما أصاب الموصى له بالعبد كان من العبد؛ لأن وصيته فيه خاصة، وما أصاب الموصى له بالثلث فثلثه من العبد، وثلثاه من الألفين؛ لأنهما ضربا له من العبد ذلك الثلث (٣)، فقد استوى القولان، [في] قدر الوصية.
وإنما ظهر الخلاف في مقدار ما استحقه الموصى له بالثلث في رقبة العبد، فجعل أبو حنيفة له العشر، وجعلا له السدس من العبد، وذلك مائة وستون وثلثان (٤). [والله أعلم].
стр. 4590
بَاب ما يُجاوز الثلثَ من الوصايا إذا أجازته الورثةُ
قال أبو الحسن: لو أن رجلًا أوصى لرجل بجميع ماله، وأوصى لآخر بثلث ماله، فأجازت الورثة الوصيتين جميعًا، فإن عليّا الرازي حكى عن أبي يوسف ومحمد، ذكرا أن قول أبي حنيفة: إنّ الموصى له بالجميع يأخذ الثلثين خاصة؛ لأن صاحب الثلث لا يَدَّعِيْهِ، ويكون الثلث الباقي بين صاحب الجميع وبين صاحب الثلث (١).
وقال الحسن بن زياد: ليس هذا قول أبي حنيفة، ولكن قول أبي حنيفة: أن للموصى له بالثلث رُبع المال، وللموصى له بالجميع ثلاثة أرباعه.
وهذه المسألة ليس لأبي حنيفة فيها قول، وإنما اختلفوا في قياس قوله، فقال أبو يوسف: يسلّم لصاحب الجميع ثلثا المال؛ لأنه لا منازع له فيه، ثم يتضاربان في الثلث [بالمزاحمة]، فينقسم بينهما نصفين.
[فأما محمد فقال: قياس قول أبي حنيفة أن ما يتفقان الإجازة، وهو الثلثان، يدفع إلى صاحب الجميع، ثم يقسمان الثلث على العول]، (فثلث المال الذي لا إجازة فيه، فيقسم بينهما لم يدفع الباقي إلى صاحب الثلثين) (٢)، وهذا الاختلاف لا يبين في الحكم (٣) في هذه المسألة؛ لأنه لا يؤدي إلى معنى واحد،
стр. 4591
وإنما يتبين في غيرها من المسائل، [وهي إذا أوصى لأحدهما بالجميع، وللآخر بالثلث، وللآخر بالربع، فعلى قياس قول أبي يوسف: لصاحب الجميع الثلثان، ونصف السدس بين صاحب الثلث والربع بينهم أثلاثًا.
وعلى قياس قول محمد: لصاحب الجميع الثلثان، والثلث بينهما على أحد عشر، وقال أبو يوسف ومحمد: يضرب لصاحب الجميع بثلاثة أرباع المال، ولصاحب الثلث سهم، فيكون المال بينهم أرباعًا.
قال ابن زياد: قياس قول أبي حنيفة: أن لصاحب الجميع ثلاثة أرباع المال، ولصاحب الثلث الربع.
وجه قول أبي حنيفة: أن الثلثين لاحق فيها لصاحب الثلث، والثلث حقهما فيه، فصار كمن أوصى لرجل بثوب وأوصى لرجل آخر بثوب.
وجه قولهما: أن كل واحد منهما عند الإجازة حقه ثابت، فصار كأصحاب العول والدين.
وأما وجه قول الحسن؛ فلأنه يقول: الثلث بينهما نصفان لتساويهما فيه مع عدم الإجازة، ثم النصف لا دعوى فيه لصاحب الثلث، فينفرد به صاحب الجميع، ويتساويان في السدس، فيكون بينهما نصفين] (١)، وإنما ابتدأ أبو يوسف بقسمة الثلث؛ لأنه لا إجازة للورثة فيه، وإنما يجوز بكل حال، وكذلك ابتداؤه بالقسمة.
وقد اعترض الحسن على هذا القول، وقال: إنه يؤدي إلى أن نصيب صاحب
стр. 4592
الثلث عند الإجازة ما يصيبه عند الرد، ومعلوم أن الورثة أجازوا لهما جميعًا، فلا يجوز أن تعمل إجازتهم في زيادة أحدهما دون الآخر، ألا ترى أنهم لو ردوا وصية صاحب الثلث وأجازوا لصاحب الجميع استحق صاحب [الثلث] السدس عنده، فكيف يستوي في حقه الإجازة والرد.
(وجه رواية الحسن: أن الثلث مقسوم بينهما نصفان، كما كان يقسم بينهما عند عدم الإجازة، ثم قد بقي في وصية الثلث السدس، فيضرب به إلى الثلثين، ويضرب صاحب الجميع بمثله؛ لأنه موصى له بذلك السدس، فيقسم بينهما نصفين، وينفرد صاحب الجميع بالباقي، فيختلف ما يصيب صاحب الثلث بحال الإجازة والرد) (١).
وقد اعترض محمد على هذا القول، وعلى قول نفسه الذي خرجه على قول أبي حنيفة، وعلى ما حكاه أبو يوسف في قياس قوله، وزعموا أن جميع ذلك مضطرب لا يصح.
وذكر أن الذي ذكر الحسن عن أبي حنيفة قول زفر، واختار أبو الحسن من هذا ما ذكر الحسن عن أبي حنيفة، وقال: إنه الصحيح عنده.
واعترض محمد على ما ذكره أبو يوسف من قياس قول أبي حنيفة، فقال: إن هذا يؤدي إلى أن تكون حصة صاحب الثلث عند عدم الإجازة أكثر من حصته عند وجودها، وهذا لا يصح.
وبيان ذلك: أنه لو أوصى لأحدهما بجميع ماله، وللآخر بالثلث، أو بالسدس، كان على قوله يجب أن يكون الثلث بينهما إذا لم تجز الورثة أثلاثًا،
стр. 4593
فنصيب صاحب السدس تسع المال، وصاحب الجميع تسعا المال، ولو أجازوا: جُعِل لصاحب الجميع خمسة أسداس المال، وجعل السدس بينهما، فأصاب الموصى له بالسدس مع الإجازة نصف السدس، وما أدّى إلى هذا فهو فاسد.
قال محمد: ولهذا قلت: إنه يبتدأ بالثلث الذي لا إجازة فيه أولًا، ثم ينفرد صاحب الجميع بالباقي، وقد ذكر محمد أن ما قاله من [قياس] قول أبي حنيفة، وما قاله أبو يوسف والحسن كل واحد منهما معترض، وصحح أبو الحسن ما قاله الحسن.
وأما على [قياس] قول أبي يوسف ومحمد: إذا أوصى لأحدهما بالجميع، وللآخر بالثلث، فأجازت الورثة، فإن المال بينهما أرباعًا؛ لأنهما ضربا لصاحب الجميع بالجميع، وهو ثلاثة أسهم، فضربا لصاحب الثلث بسهم، وقسما على ذلك (١).
стр. 4594
بَاب الوصايا إذا ضاقَ عنها الثلثُ
قال هشام عن محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف - وهو قول محمد -: إن كل شيء كان جهته الله تعالى من وجوه الحج والصدقة والعتق وغير ذلك، وأوصى به، فكان الثلث لا يبلغ ذلك، فإن كان كله تطوعًا، بُدِئ بالأول فالأول فيما نطق به حتى يأتي على آخره أو ينقص المال، فيبطل ما بقي إلى آخر ما ذكر (١).
قال ﵀: ما [يحصل] (٢) بهذا أن الوصايا إذا [لم يكن] فيها عتق موقع [ولا معلق] (٣) بالموت، فإن كانت كلها فرائض متساوية بدئ بما قدمه الميت منها؛ لأنها تساوت في القوة والوجوب، والإنسان يبتدئ بالأهم إليه، فوجب أن يقدم ما قدمه إذا ضاق الثلث عن جميعها.
واختلفت الرواية عن أبي يوسف في الحج والزكاة، فقال في إحدى الروايتين: يبدأ بالحج، وإن أخره، وقال في الأخرى: يقدم الزكاة، وهو قول محمد.
وإنما قدم الحج في الرواية الأولى؛ لأنه [يتعلق] (٤) بالبدن، والمال معتبر فيه، والزكاة تتعلق بالمال، وليس لها تعلق بالبدن، فكان الحج أقوى وهو أولى بالتقديم.
وجه الرواية الأخرى: أن كل واحد من الحج والزكاة منصوص عليه في
стр. 4595
القرآن، وهو فرض، إلا أن الزكاة يتعلق حق الآدمي بها، فكانت أقوى، ثم ما أوجبه الله تعالى من الواجبات ابتداءً أولى [بالتقديم] مما أوجبه الله تعالى عند سبب يوجد من المكلف.
فقالوا في الحج والزكاة إنهما يقدمان على الكفارات لإيجاب الله تعالى لهما في القرآن [ابتداءً من غير سبب من جهة المكلف]، وهي كفارة القتل والظهار، واليمين مقدمة على صدقة الفطر؛ لأن القرآن لم يدل على وجوب صدقة الفطر، [ودلّ على وجوب هذه الكفارات، فكانت أولى].
وصدقة الفطر مقدمة على الأضحية؛ لأنها متفق على وجوبها، ولذلك تقدم على كفارة الفطر في رمضان؛ لأن كفارة الفطر ثبتت بخبر الواحد، وصدقة الفطر ثبتت بأخبار الاستفاضة والإجماع.
ثم صدقة الفطر تُقدم على النذر؛ لأنها وجبت بإيجاب الله تعالى، والنذر يقدم على الأضحية؛ لأنه لم يختلف في وجوب النذور، وقد اختلف في وجوب الأضحية، ثم الأضحية مقدمة على النوافل؛ لأنها واجبة عندنا.
ثم النوافل تبدأ بما ابتدأ به؛ لأنها تساوت في الثبوت، والإنسان يبدأ بالأهم عنده، فوجب أن يبدأ به؛ لأنّ تنفيذ الوصية إنما يثبت لحقه.
وإنما قلنا: إن الواجب يقدم وإن أخرها؛ لأن الواجب حسن الظن به، وأنه لا يقصد إلى تأخير الواجب، وتقدم النفل يدل على أن ذلك على طريق السهو، فوجب تقديم الواجب إن قدّم الأخرى وإن أخره، وإنما يقدم ما قدمه من النفل [وإن تساوت] (١) جهاته.
стр. 4596
وأما الوصايا بعتق، فإن كان عتقًا واجبًا في كفارة، فحكمه حكم الكفارات على ما قدمنا، وإن كان غير واجب فحكمه حكم الوصايا المتنفل بها؛ لأن الوصية بالعتق يلحقها الفسخ، كما يلحق سائر الوصايا.
فإن كان مع هذه الوصايا الثابتة لحق الله تعالى وصية لآدمي معين بشيء ما، ضربه ما أوصى له به مع الوصايا بالقُرب، ويجعل كل جهة من جهات القرب مفردة بالضرب، ولا تجعل كلها جهة واحدة.
فإذا قال: ثلث مالي في الحج والزكاة والكفارات [ولزيد] (١)، قسم على أربعة أقسام؛ لأن كل جهة من هذه الجهات غير الأخرى، وهي [كالوصية بجماعة معينين] (٢)، ولا يقال إن المقصود بالقُرَب جهة واحدة، فيجب أن يضرب الموصى له بسهم، والقرب بسهم؛ لأن المقصود بالقُرَب وإن كان الله تعالى، فكل جهة منها يقصد بها خلاف ما يقصد بالأخرى، فصار كمن أوصى للفقراء والمساكين وابن السبيل أنه يضرب لكل جهة منها بسهم، وإن كان المقصود من جميعها الله تعالى.
فإن قيل: إن كان يجب تقديم الواجب من الوصايا على ما لا يجب، فهلا قلتم: إنه إذا أوصى بالحج، وأوصى لآدمي معيّن، أن الحج مقدم؛ لأنه فرض، وما أوصى به لآدمي تبرع.
قيل له: تعلق حق الآدمي [المعيّن] (٣) يقوي هذه الجهة؛ ولأن الموصى له [إن قبل]، لزمه حق واجب (٤) بالوصية، فلذلك ساوى الفرض.
стр. 4597
بَاب الرجل يُوصي لقرابته
قال أبو الحسن: وإذا أوصى الرجل فقال: ثلث مالي لذوي قرابتي، فإن أبا حنيفة قال: الوصية لقرابته لذوي الرَّحِمِ المَحْرَم، الأقرب فالأقرب منهم، وقال أبو يوسف ومحمد: [الوصية لجميع] قرابته من جهة الرجال والنساء إلى أقصى أب له في الإسلام، الطرفين جميعًا، يشتركون في الثلث، الأقرب منهم والأبعد والذكر والأنثى فيه سواء.
فأما أبو حنيفة: فاعتبر في هذه الوصية الأقرب فالأقرب [بينهم]، وذو الرَّحِمِ المَحْرَمِ، وأن لا يكون منهم [والدٌ ولا ولد]، اثنين فصاعدًا.
واعتبر أبو يوسف ومحمد اثنين فصاعدًا ممن ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام، والقريب والبعيد فيه سواء، أما الأقرب فالأقرب فلأنها تمليك يتعلق بالموت، فإذا استحق [بالقرب] (١) كان الأقرب فالأقرب؛ والدليل عليه الميراث، ولأنا لو سوينا فيه بين القريب والبعيد أدى إلى إبطال الوصية، ألا ترى أن المقصود من هذه الوصية الآدمي، فإذا اشترك فيها ممن لا يحصى [عدده]، دخل فيها الغني والفقير، فلم تصح الوصية.
وأما اعتبار [الرحم] المحرم: فلأن هذا يقصد به الصلة، فتخص بالرحم المحرم كالنفقة، ولا يدخل فيهم ولد ولا والد؛ وذلك لأن القرابة ممن يُقَرّب إلى الإنسان بغيره، فأما الأب والابن فهما أصل القرابة، وينفرد كل واحد بنفسه،
стр. 4598
فلا يتناوله إطلاق الاسم؛ ولأن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين، [والمعطوف] (١) غير المعطوف عليه.
وجه قولهما: أن القرابة اسم للقريب والبعيد؛ بدلالة ما روي عن النبي ﷺ لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد الصفا وقال: "يا بني فلان، يا بني فلان" حتى دعا قبائل قريش، وقال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فدل على أن القرابة يتناول الجميع؛ ولأن كل حكم يتعلق بالقرابة لا يخرج منه الولد والوالد، كالميراث والنفقة، وإنما اعتبروا بنسب إلى أقصى أب في الإسلام، وكولد العباس إذا أوصى دخل في وصيته كل منتسب إلى العباس، والعلوي يدخل في وصيته كل منتسب إلى عَلِيّ؛ (لأن البيت شرف بالإسلام، وصار الأب المسلم أهلًا للبيت) (٢)، فلم يعتبر من تقدمه.
وأما قوله: اثنان فصاعدًا، فهذا على وجهين: إن أوصى لذوي قرابته استحقها الواحد [فصاعدًا]؛ لأن الاسم [يتناول جمع] الواحد.
وإن قال: لذوي قرابتي، فهو اسم جمع يتناول الاثنين فصاعدًا؛ لأن اسم الجمع في المواريث محمول على الاثنين، فكذلك الوصايا.
٢٧٦٩ - فَصْل: [موت المُوْصَى له وله عَمَّان وخَالَان]
قال: فإن مات الموصى له وله عمان وخالان، فالثلث على قول أبي حنيفة للعَمَّيْن، وفي قول أبي يوسف ومحمد [بينهم] أرباعًا؛ وذلك لأن أبا حنيفة يعتبر الأقرب فالأقرب، فالعم أقرب من الخال، فكان أولى بالوصية.
стр. 4599
وعلى أصلهما القريب والبعيد سواء، فيشترك العمان والخالان.
وقال أبو حنيفة: إن كان له عم وخالان، فللعم نصف الثلث، وللخالين النصف؛ وذلك لأن البعيد عنده لا يشارك القريب، فكأنّ العم انفرد، فيستحق نصف الوصية؛ لأن الموصي جعل الوصية للجميع، فلا يستحق العم أكثر من نصفها، لأن أقل من ينضمّ إليه مثله، وإذا استحق نصف الثلث [بقي النصف] (١) الآخر لا مستحقّ له أقرب من الخالين، فكان لهما.
فإن كان الآخر له عمّ واحد، ولم يكن له غيره من ذي الرحم المحرم، فنصف الثلث لعمه، ونصف الثلث رد على ورثة الموصي؛ وذلك لأن العم لا يستحق أكثر من النصف، على ما قدمنا فيما بقي لا مستحق له، فتبطل [فيه] الوصية.
فإن كان أوصى لذوي قرابته، فجميع الثلث للعم على ما قدمناه؛ لأن هذا الاسم يتناول الواحد فصاعدًا.
قال محمد في الزيادات: أوصى لذي قراباته ولأنسابه، أو أقربائه، أو لذوي أرحامه، أو لأرحامه بثلث ماله، فهذا على كل ذي رحم محرم من الرجال والنساء، وعلى بني الأب الذين ينسبون إليه من قبل الرجال أقصى أب [له] في الإسلام، ومن قبل النساء أقصى أب في الإسلام، كانوا ذوي رحم محرم، أولم يكونوا، ولا يتلفت إلى من كان من الآباء في الجاهلية، وهذا على ما قدمنا في قولهما (٢).
стр. 4600
٢٧٧٠ - فَصْل: [الوصية بالثلث لأهل بيته]
وقال: إذا أوصى بثلث ماله لأهل بيته أو لحسبه، فهذا على بني (١) أبيه الذين ينسبون إلى أقصى أب في الإسلام، فإن كان أبواه على غير دينه دخلوا في الوصية؛ لأن البيت عبارة عمن ينتسب إلى الأب دون الأم، وكذلك الحسب، ألا ترى أن الهاشمي إذا تزوج أمة فولدت، فينسب إليه، وحسبه أهل بيت أبيه دون أمه، فدل على أن الحسب والبيت مختص بالأب دون الأم (٢).
٢٧٧١ - فَصْل: [الوصية بالثلث لآل فلان]
ولو أوصى [بثلث ماله] لآل فلان، كان بمنزلة قوله: لأهل بيت فلان، فلا يدخل من ينسب إلى الأم [في الوصية]؛ لأن الآل هم القبيلة، ألا ترى أن العربي إذا كانت أمّه أمةً فأهله العرب دون أقارب أمه.
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة: إذا أوصى فقال: ثلث مالي لأهل فلان، فهذا على زوجة فلان خاصة، وقال أبو يوسف ومحمد: على جميع من يعولهم فلان ممن يضمنه نفقته عربيًا كان أو غيره: الزوجة، واليتيم في حجره، والولد إذا كان يعوله، فإن كان كبيرًا قد اعتزل عنه، أو كانت ثيبًا قد تزوجت، فليست من أهله.
وقال في الزيادات: إذا أوصى لأهل فلان، فالقياس في هذا أن الوصية للزوجة خاصة دون من سواها، ولكنا استحسنا فنجعل الوصية لجميع من يعول ممن يجمعه منزله وداره من الأحرار، ولا يدخل في ذلك مماليكه ولا وارث
стр. 4601
الموصي، ولا يدخل الموصى لأهله في شيء من هذه الوصية، ولم يذكر قول أبي حنيفة في الزيادات.
وجه قول أبي حنيفة: أن الأهل في الإطلاق يتناول الزوجة، ألا ترى أنهم يقولون: فلان متأهل إذا تزوّج، ولم يتأهل إذا لم يكن له زوجة، فدل على أن الاسم يتناول الزوجة، فوجب أن تحمل الوصية على ذلك.
وجه قولهما: أن الأهل عبارة عمن ينفق عليه الإنسان، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، وقال في قصة لوط: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ [الشعراء: ١٧٠]، فدل على أن الاسم يتناول من يشتمل عليه الميراث، ويجمعه النفقة.
وأما المماليك فلا يدخلون في الوصية؛ لأنه [لا] يقال: إنهم من أهل المولى.
ولا يدخل في ذلك وارث للموصي؛ لأنه لو عينه بالوصية لم يصح، فكذلك إذا أطلق لا يدخل في الوصية.
فأما فلان الذي أوصى إلى أهله، فلا يدخل في الوصية؛ لأنه أوصى لمن يضاف إليه، والمضاف غير المضاف إليه، فلا يدخل في الوصية، كمن أوصى لولد فلان، لم يدخل فلان في الوصية.
٢٧٧٢ - فَصْل [الوصية لأختانه بالثلث]
وقال في الزيادات: إذا أوصى لأختانه (١) بثلث ماله ثم مات، فالأختان:
стр. 4602
أزواج البنات والأخوات والعمات والخالات، وكل امرأة ذات رَحِمٍ مَحْرَمٍ من المُوْصِي، فَزَوْجُهَا من أختانه، وكل ذي رحم محرم من زوجها من ذكر أو أنثى فهو أيضًا من أختانه، ولا يكون الأختان إلا أزواج ذوات الرحم المحرم، ومن كان من قبلهم من ذوي الرحم المحرم، ولا يكون الأختان ما كان من قِبَل نساء الموصي؛ وذلك لأن الخَتَن اسم لزوج الابنة، وزوج كل ذات رحم، ومن ينسب إليه فهو من الأختان، وقد قالوا: نعم الختن القبر، فدل على أن الختن من اتصل نسبًا للموصي.
فأما قوله: لا يدخل فيه من كان قِبَل نسائه، فإنما يعني [به]: زوجاته؛ وذلك لأن من ينسب إلى الزوجة صهر، وليس بختن.
وقال محمد في إملائه إذا قال: قد أوصيت لأختاني، فأختانه أزواج كل ذي رحم محرم منه، وكل ذي رحم محرم من الزوج.
فإن كانت له أخت وبنت أخت وخالة، ولكل واحدة منهنّ زوج، ولزوج كل واحدة منهن أب، فكلهم أختانه، والثلث بينهم بالسوية، الأنثى والذكر فيه سواء، أمّ الزوج وجدته وغير ذلك سواء، وهذا على ما قدمنا.
فأما التساوي بين الذكر والأنثى؛ فلأن الإضافة إليهم متساوية، فاقتضى تساويهم في الحق.
وقال في الإملاء: إذا قال: أوصيت بثلث مالي لأصهاري، فهو على كل ذي رحم محرم من زوجته، وزوجة ابنه، وزوجة أبيه، وزوجة كل ذي محرم منه، هؤلاء جميعًا أصهاره، ولا يدخل في ذلك الزوجة ولا امرأة أبيه، ولا امرأة أخيه؛ وذلك لأن الأصهار من كان أهل الزوجة، بدلالة ما روي أن النبي ﷺ لما
стр. 4603
أعتق صفية وتزوجها أعتق كل من ملك ذا رحم محرم منها، ما ملكه إكرامًا لها، وكانوا يسمون أصهار رسول الله ﷺ .
٢٧٧٣ - فَصْل: [الوصية بالثلث للجيران]
قال في الإملاء: قال أبو حنيفة: إذا أوصى فقال: ثلث مالي لجيراني، فهو لجيرانه الملاصقين لداره من السكان وغيرهم عبيدًا كانوا أو أحرارًا، نساءً كانوا أو رجالًا، ذمة كانوا أو مسلمين بالسوية، قربت الأبواب أو بعدت، أو كانوا ملاصقين للدار.
وقال أبو يوسف ومحمد: الثلث لهؤلاء الذين ذكر أبو حنيفة ولغيرهم من الجيران من أهل المحلة، ممن يضمهم مسجد واحد وجماعة واحدة، ودعوة واحدة، فهؤلاء جيرانه في كلام الناس.
وقال في الزيادات عن أبي حنيفة: إذا أوصى لجيرانه فقياسه أن يكون للملاصقين، وهو قول أبي حنيفة، وينبغي أن يكون الثلث للسكان وغيرهم ممن يسكن تلك الدور التي يجب لأهلها الشفعة، ومن كان [منهم] له دار من تلك الدور وليس بساكن فيها، فليس من جيرانه.
قال محمد: أما أنا فأستحسن أن أجعل الوصية لجيرانهم الملاصقين ممن يملك تلك الدور وغيرهم ممن لا يملكها، وعلى من يجمعه مسجد تلك المحلة الذين فيهم الموصي من الملاصقين وغيرهم، والسكان ممن في تلك المحلة وغيرهم سواء في الوصية، الأقربون والأبعدون، الكافر والمسلم والصَّبِيِّ والمرأة في ذلك سواء.
стр. 4604
وليس للمماليك والمُدَبَّرين وأمهات الأولاد في ذلك شيء، وأما المكاتبون فهم في الوصية سواء إذا كانوا سكانًا في المحلة.
أما أبو حنيفة فقال: إن الحكم المعلق في الشريعة بالجوار تختص بالملاصقة، وهو الشفعة، فوجب حمل الوصية على الحكم الشرعي [المعلق] بالجوار.
وأما هما: فاستحسنا أن الموصي قصد بالوصية من يختص به ويخالطه ويقرب منه وهذا المعنى يستوي فيه الملاصق، وغيره، ألا ترى أن برّ الجار مستحب، فلا يختص ذلك بالقريب دون البعيد، فكذلك الوصية، وإنما اعتبرا من يجمعهم مسجد واحد؛ لأن هذا قرب واختلاط، وإذا اختلف المسجد زال الاختلاط؛ فلذلك حملاه عليه.
وإنما استوى الساكن والمالك؛ لأن الجار اسم للمقارب؛ وذلك لا يختص بالمالك دون الساكن، وكذلك الكافر والمسلم، والأنثى والذكر، وإنما لم يجعل للمماليك فيها حقًّا؛ لأن المملوك ليس بجار، وإنما ينسب الجوار إلى مولاه، فلو دخل في الوصية استحقها المولى، وليس بجار للموصي، وأما المكاتب فيستحق ما (يعطى به) (١) دون مولاه فهو كالحر.
٢٧٧٤ - فَصْل [الوصية لأيتام بني فلان]
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا أوصى بثلث ماله لأيتام بني فلان، فإن كانوا يُحْصون دخل فيهم الغني والفقير، وكان الثلث بينهم سواء، الذكر والأنثى فيه سواء، وإن كانوا لا يُحْصون، فالثلث للفقراء منهم، يعطي الورثةُ (٢) مَنْ شاؤوا.
стр. 4605
وكذلك إذا أوصى لعميان بني فلان، أو لزمنى بني فلان؛ وذلك لأن الاسم إذا كان يصلح للغني والفقير، إلا أنه يستعمل في ذوي الحاجة غالبًا فالوصية على وجهين:
إن كانت ممن يحصى استوى فيها الغني والفقير؛ لأن الاسم يتناولهما، وحمل الوصية عليهما لا يفسدها، فأما إن كانوا لا يحصون، فالوصية لفقرائهم؛ لأنا لو حملنا الاسم على الأغنياء، وهم لا يحصون، بطلت الوصية، فوجب أن يحمل على ذوي الحاجة؛ لأن الاسم قد يستعمل فيهم [خاصة]، ألا ترى أن الله تعالى ذكر اليتامى في آية الخمس، والمراد بهم الفقراء، وكذلك الزمنى يراد بهم الفقراء، وكذلك العميان، فحملت الوصية على ما يتناوله الاسم في حال التخصيص (١) لتصح الوصية.
وعلى هذا أرامل (٢) فلان؛ لأن هذا الاسم وإن جمع الغنية والفقيرة، فقد يستعمل في الفقراء خاصة، فحمل عليهن لتصح الوصية، وليس كذلك (٣) من أوصى لبني فلان، وهم لا يحصون؛ لأن هذا النسب لا يختص بالفقراء في حال من الأحوال، فلم يمكن تصحيح الوصية تخصيصًا لفقرائهم.
وأما إذا قال: لأَيَامَى (٤) بني فلان، فهو كقوله لبني فلان، لا يختص ذلك بالفقراء في حال من الأحوال، فإذا كانوا لا يحصون بطلت الوصية، وقد حمل محمد
стр. 4606
الأيّم على الثيب، والاسم يتناول البكر والثيب، وقد بَيَّنَّا ذلك في كتاب النكاح.
٢٧٧٥ - فَصْل [الوصية لكل ثَيِّب من بني فلان]
قال: وإذا قال: لكل ثيب من بني فلان [فإن كن يُحْصَيْن فالوصية جائزة، وإن كن] لا يُحْصَيْن فالوصية باطلة؛ لأن الثيب لا تختص بالفقيرة دون الغنية، فلم يمكن حمل الوصية على التخصيص.
والثيب عند أبي حنيفة: كل امرأة جومعت بنكاح أو شبهة نكاح، والزانية ليست بثيب؛ لأن أحكام الثيب لا تثبت بها عنده.
وعلى قولهما: الثيب كل امرأة زالت بكارتها بجماع على ما مضى في كتاب النكاح.
٢٧٧٦ - فَصْل: [الوصية لأبكار بني فلان]
فإذا أوصى لأبكار بني فلان، وهنّ لا يُحْصَيْن، فالوصية باطلة؛ لأن هذا الاسم لا يستعمل مختصًا بالفقراء، فلم يمكن تخصيص الاسم.
والبكر: كل امرأة [لم يبتكرها] رجل عند أبي يوسف ومحمد، ومن زالت بكارتها بوثبة أو حيضة فهي بكر.
وعلى قول أبي حنيفة: من زالت بكارتها بالزنا بكر، فتدخل في الوصية.
نوادر في هذا المعنى
٢٧٧٧ - فَصْل: [المقصود بالقرابة في الوصية]
قال مُعَلَّى عن أبي يوسف: إذا أوصى لقرابته، فالقرابة من قبل الأم والأب،
стр. 4607
والحَسَب (١) واللُّحمة من قبل الأب؛ لأن القرابة لمن يتقرب إلى غيره، وهذا المعنى موجود في الطرفين.
فأما الحَسَب: فهم بنو الأب؛ لأن الإنسان يتحسبن بأبيه، ولا يتحسبن بأمه، وكذلك اللُّحمة: عبارة عما يعبر عن الحسبية.
وأما إذا أوصى لأهل بيته دخل: أبوه وجَدُّهُ فيهم إذا كان ممن لا يرث؛ لأن بيت الإنسان أبوه ومن ينسب إلى أبيه، فالأب أصل البيت، فيدخل في الوصية، وليس كالقرابة؛ لأن القرابة ممن يتقرب إلى الإنسان بغيره لا بنفسه، وذلك لا يوجد في الأب.
قال أبو يوسف: إلا أن يقول: لقرابتي (الأقرب فالأقرب، فيدخل فيه الأب؛ لأنه جعل الوصية لأقرب الناس إليه، ومن يتقرب بنفسه أقرب) (٢) ممن يتقرب بغيره.
وقال أبو يوسف: في رجل أوصى بثلث ماله في الصلة، وله إخوة وأخوات، وبنو أخ وبنو أخت، قال: يوضع الثلث في جميع قرابته من هؤلاء، ومن وُلِدَ منهم بعد موته لأقل من ستة أشهر؛ لأن الصلة إنما يراد بها صلة الرحم، فكأنه نطق بهذا المعنى، ومن وُلِدَ لأقلَّ من ستة أشهر فقد كان موجودًا يوم الموت، فدخل فيها.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: [إذا أوصى بثلث ماله للبائس والفقير والمسكين، فهذا في قول أبي حنيفة] الثلث على ثلاثة أجزاء:
стр. 4608
البائس: وهو الضرير الذي به الزمانة إذا كان محتاجًا.
قال: والفقير: هو المحتاج الذي لا يطوف على الأبواب.
والمسكين: الذي يسأل ويطوف (١).
وقال أبو يوسف: على جزأين: الفقير والمسكين واحد، والبائس واحد، وقد بَيَّنَّا في كتاب الزكاة الفرق بين المسكين والفقير، واختلاف أهل اللغة فيهما، وإذا كان كل واحد منهما غير الآخر، أفرد بسهم غير سهم الآخر.
وأمّا البائس: فهو الفقير الذي به الزمانة، وقد حصل فيه معنى زائد، فيفرق بينهم.
وأما أبو يوسف فقال: إن المسكين والفقير [يشملهما] (٢) الفقر وإن كان أحدهما أحوج، فصارا جميعًا قسمًا واحدًا.
[وهذا] (٣) الذي قاله ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى أفرد في آية الصدقات الفقراء عن المساكين، وجعل كل واحد منهما نوعًا، فدلّ على [أنّ] أحدهما غير الآخر.
٢٧٧٨ - نَوادِرُ أيضًا
قال ابن سماعة: سمعتُ أبا يوسف قال في رجل قال: أوصيتُ بثلث مالي
стр. 4609
لشبان أهل بيتي، أو لكهولهم، أو لمَشْيَخيهم (١)، قال: الشَّبَابُ من خمس عشرة إلى ثلاثين (٢) سنة، إلا أن يغلب عليه الشمط (٣) قبل ذلك، والكهل: من ثلاثين إلى آخر عمره، والشيخ: من زاد على الخمسين.
قال ابن سماعة وقد [كان يقول قبل] (٤) هذا خلاف هذا، وقال ابن سماعة: سمعته يقول: الكهل: إلى ثلاثين سنة فصاعدًا إلى مائة وأكثر، والشيخ: من أربعين سنة فصاعدًا، والغلام: أقل من خمس عشرة سنة إلى أن يحتلم.
وذكر ابن سماعة قولًا آخر، قال: الكهل: من ثلاثين إلى أربعين، والشيخ: ما زاد على الخمسين وإن لم يشب، وإذا زاد على الأربعين وكان شيبه أكثر فهو شيخ، وإن كان السواد أكثر فليس بشيخ، والشاب: إذا احتلم.
وقال عمرو بن أبي عمر عن محمد: الغلام: ما كان [له] أقل من ابن خمس عشرة سنة، والشاب والفتى: من بلغ خمس عشرة سنة وفوق ذلك، والكهل: إذا بلغ أربعين ما بين الخمسين إلى الستين [إلا أن يكون الشيب قد غلب عليه، فيكون شيخًا وإن لم يبلغ الخمسين]، إلا أنه لا يكون كهلًا حتى يبلغ الأربعين، وكذلك لا يكون شيخًا حتى يجاوزها.
وإنما جعلوا الشاب من له خمس عشرة سنة فصاعدًا؛ لأنها عندهما مدة
стр. 4610
البلوغ، ومن لم يبلغ فهو صبي وغلام، فلا يسمى شابًا.
وأما الشاب: فهو عبارة عن البالغ إلى الثلاثين؛ لأن ما زاد على الثلاثين هو كَهْل، وقد قال الله تعالى في عيسى ويحيى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦]، وقيل: إنه مات وسِنُّه ثلاث وثلاثون سنة، فدل على أن ما زاد على الثلاثين كهل.
ثم جعل أبو يوسف الكهل والشيخ سواء فيما زاد على الخمسين، وجعل الشيخ في الرواية الأخرى ما زاد على الأربعين.
وجعل محمد الكهل ما قبل الستين، وما زاد على ذلك شيخًا، وهذا صحيح؛ لأن الشيخ والكهل يفترقان.
واعتبروا في روايةٍ غَلَبَة الشَّيْبِ، فقالوا فيمن غلب عليه الشيب بعد الأربعين: إنه شيخ، وإن لم يغلب عليه الشيب فهو كَهْل، وهذا صحيح في العرف؛ لأن الناس يعتبرون في التسمية غلبة الشيب.
فأما أهل اللغة، فقد قال أبو حاتم ثم قال بعض القدماء - ولم يسمه -: وغلام إلى أن يستوفي (١) سبع عشرة سنة، ثم هو شاب إلى أربعة وثلاثين، ثم هو كهل إلى أحد وخمسين، ثم هو شيخ إلى [آخر] عمره.
قال أبو حاتم: إذا حدب (٢) فهو مسن، فإذا ارتفع عن ذلك فهو مجن ومحم.
قال الأصمعي: كان يقال شباب المرأة من خمس عشرة سنة إلى الثلاثين،
стр. 4611
وفيما بين الثلاثين إلى الأربعين مستمتع، ثم قد ابتسلت، والمعتبر في هذا هو العادة في التسمية.
قال ابن سماعة عن محمد: في رجل أوصى لفلان ولعَقِب (١) فلان رجل آخر، قال: إن مات الموصي والموصى لعقبه حي، فالوصية لعقبه باطلة، والثلث لفلان الذي أوصى له؛ لأن العقب في قول محمد إنما يكون بعد الموت، فإن مات الموصى لعقبه قبل موت الموصي فالوصية جائزة، ويكون الثلث لفلان ولعقب فلان على عدد الرؤوس.
وعقب فلان ولده من الذكور والإناث، فإذا لم يكن له وَلَدٌ فولد وَلَدِه الذكور دون الإناث، يعني ولد الإناث؛ لأن ولد ابنه من الذكور والإناث عقب له، فأما ولد بناته فليسوا من عَقِبه.
والأصل في ذلك: أن العقب عبارة عمّن وجد من الولد بعد موت الإنسان، فأما حال حياته فليسوا بعقب له؛ لأن العقب ما ثبت بعد غيره، ما وجد معه فلا يقال أنه بعقب.
فإذا مات الموصي، والمُوْصَى له لعقبه باق، فهذا رجل أوصى بثلث ماله لفلان ولعقب غير موجود، فلا تقع به المشاركة، فيبقى الثلث لفلان خاصة، وأمّا إذا كان المُوْصَى لعقبه قد مات قبل المُوْصِي، فقد وجد العقب، فصحت المشاركة بهم.
стр. 4612
وإنما قدم ورثة الصُّلْبُ على ولد الولد؛ لأن الاسم يتناول الأعلى فالأعلى ألا ترى أن ولد الولد عقب لآبائهم، وآباؤهم عقب [لجدهم] (١)، فإن عدم الآباء فالعقب ولد الولد؛ لأن الاسم يتناولهم، وإنما [لم] يدخل ولد البنات في ذلك؛ لأنهم عقب لآبائهم.
وسوّى بين الذكور والإناث؛ لأن الاستحقاق قبل الوصية استحقاق بعقد، فيستوي فيه الذكر والأنثى كالهبة والبيع، وإنما سوى بين الموصى له بالثلث، وبين عقب فلان، وقسم على رؤوسهم؛ لأن الاسم يتناول جماعتهم، فصار كما لو قال: [المُوْصِي]: أوصيت بثلث مالي لفلان وفلان وفلان، فيتساوون في الوصية.
ولو قال: أوصيت [بثلث مالي] لفلان ولورثة فلان، فإن مات الموصي قبل أن يموت الموصى لورثته، فإن الوصية لهم باطلة [والثلث لفلان إن مات الموصى لورثته قبل موت الموصي، ثم مات الموصي بعده، فإن] الثلث بين فلان وبين ورثة فلان على عدد الرؤوس؛ وذلك لأن الورثة لا يتناولهم الاسم إلا بعد موت المورث، وهم كالعقب.
وأما قوله: إن الوصية بينهم على عدد الرؤوس، فإنما يعني به: أن ورثة فلان يقاسمون الموصى له بالثلث برؤوسهم لمشاركتهم له في الوصية، فما أصابهم من ذلك قسموه بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه لما علق الوصية بالإرث، دل على أن معنى الإرث معتبر فيها.
وقد فرقوا بين الوصية لبني فلان وورثة فلان، فقالوا: إذا أوصى لبني
стр. 4613
فلان، فالذكر والأنثى سواء؛ لأن الاستحقاق بعقد يقتضي التساوي، ولو أوصى لورثة فلان، كان على التفاضل؛ لأن تعليق الوصية باسم الإرث يقتضي اعتبار المواريث.
٢٧٧٩ - فَصْل: [الوصية لعصبة فلان]
قال ابن سماعة عن محمد: في رجل أوصى لعصبة فلان، فمات الموصي، والموصى لعصبته حي، فالوصية لعصبته جائزة، وليس هذا كورثته ولعقبه؛ لأن العصبة يتناولهم الاسم في حياة من هم عصبة له كما يتناولهم بعد موته؛ ولهذا يقال: إن أولياء المرأة عصباتها، وإذا تناولهم الاسم، استحقوا الوصية.
فإن كان لفلان ابن وأب [فعصبته] ابنه دون أبيه ودون إخوته وعمومته، فإن لم يكن له أب فإخوته عصبته دون عمومته، وهذا على ترتيب التعصيب، فالعصبة البنون، ثم الآباء، ثم الأجداد، على قول أبي حنيفة، ثم الإخوة، ثم الأعمام، لا يكون البعيد عصبة مع القريب.
٢٧٨٠ - فَصْل: [الوصية لرجل بخدمة عبده]
قال محمد في إملائه: قال أبو حنيفة في رجل أوصى لرجل بخدمة عبده، أو سكنى داره، أو بغَلَّة بستانه، ولم يوقت في ذلك [وقتًا]، فإن ذلك جائز، وينظر إلى قيمة الأعيان التي أوصى فيها بذلك، فإن كانت رقابها مقدار الثلث جازت الوصية، ولا يضم إلى ذلك قيمة الغلة، ولا ما يكون منها من ثمره، ولا إلى قيمة الخدمة والسكنى، وإنما الأعيان برقبة كل شيء مما وقعت فيه الوصية دون غلته ومنفعته، فإذا خرج ذلك من الثلث جازت الوصية في جميعه،
стр. 4614
[يستغل] (١) ذلك ما عاش، ويسكن ما أوصى بسكناه، ويستخدم ما أوصى بخدمته مدة حياته، فإذا مات الموصى له بذلك بطلت الوصية، وعاد الموصى به إلى ملك ورثة الموصي، ولم يكن شيء من ذلك موروثًا عن الموصى له، إلا أن تكون الغلة قد حصل منها شيء قبل موت الموصى له، فإن مات وفي النخل ثمر، أو كان وجب بما يستغل أجر، فهو لورثة الموصى له، وما لم يحصل من ذلك إلا بعد موت الموصى له، فهو لمورث الموصي.
أما جواز الوصية بالسكنى والخدمة والركوب والغلة والثمرة خلاف ما قال ابن أبي ليلى: إن الوصية بالسكنى والخدمة والمنافع لا تجوز؛ فلأن المنافع يجوز أن تستحق بعقد الوقف، وكذلك السكنى، فجاز أن تستحق بالوصية، كالثمرة والولد؛ ولأن الموصى له شريك الوارث [حكما] كما جاز أن يستحق الوارث منافع الأعيان، فكذلك الموصى له؛ ولأن التمليك في حال الحياة يصح في الأعيان، ويصح في المنافع دون الأعيان، فكذلك بعد الموت.
وأما ابن أبي ليلى [فإنه] يقول: إن الملك في المنافع لا ينتقل بالميراث؛ بدلالة الإجارة، فكذلك لا ينتقل بالوصية.
فأما اعتبار خروج الرقاب من الثلث دون المنافع، وإنما كان فلأن الموصي منع الرقاب عن الورثة، فكأنه أوصاها بأعيانها، فلأنه لا يجوز أن يحبس عنهم ما زاد على الثلث إن لم يزل ملكهم عنهم، ألا ترى أنه لو أجل ماله لم [يجز] (٢) تأجيله إلا في الثلث وإن كان ملكهم باقيًا؛ لأن حبسه عنهم في مدة الأجل
стр. 4615
[لا يجوز]، فكذلك إذا أوصى لمنفعته.
وأما إذا مات الموصى له بطلت الوصية؛ لأن الموصي أوجب الحق للموصى له، ويستحق المنافع على حكم ملكه، فلو انتقلت إلى ورثته استحقها الوارث ابتداءً من مِلك الموصي، ولم يرض له بشيء، فلا يجوز ذلك.
وأما ما وجد من الثمر قبل الموت أو وجبَ من الأجر، فذلك مال استحقه الموصى له، فيملكه وارثه من جهته لا من جهة الموصي، كما يملك سائر أمواله.
٢٧٨١ - فَصْل: [الوصية بأصواف غنمه وأشعارها]
ولو كان أوصى بثلثي غنمه، أو بأصوافها، أو أولادها، أو أشعارها، ثم مات الموصي، فللموصى له من ذلك ما في ضروع الغنم وبطونها، وما على ظهرها من الأصواف والأشعار يوم مات الموصى؛ ولا يكون له غير ذلك مما يحدث بعد موته، فذلك كله لورثة الموصي: لأن الموجود أعيان يملكها الموصي، وإنما لا يجوز عقده عليها لما في تسلمها من الحظر والجهالة، وذلك لا يمنع من صحة الوصية.
فأما ما يحدث بعد الموت من اللبن والحمل والشعر، فقال محمد: كان القياس أن يكون كالثمر إذا أوصى بثمرة نخله، فإما أن تبطل الوصية فيها، أو يجوز فيها؛ لأن كل واحد منهما عين معدومة فيه، وهو نماء من ماله، فجريا مجرى واحدًا، إلا أنهم استحسنوا فقالوا: إذا أوصى بثمرة نخله ولا ثمرة فيها يوم الموت، استحق الموصى له الثمرة التي تحدث، وإذا أوصى بأولاد غنمه وشعورها وألبانها، وليس من ذلك شيء يوم الموت، لم يستحق الموصى له ما
стр. 4616
يحدث منها؛ لأن الثمرة والمنافع يجوز أن تستحق بعقد الوقف، فجاز أن تستحق بالوصية؛ لأن كل واحد منهما تصحُ مع الحظر.
فأما الأولاد والألبان والأصواف فلا يجوز أن يستحق بعقد الوقف، فلم يكن لإجازة الوصي فيها [أصل] لمن جعل الوصية فرعًا له، [فأبطل] (١) الوصية به.
٢٧٨٢ - فَصْل: [الوصية بالثمر أو الغَلَّة للمساكين]
قال [أبو حنيفة]: وإذا أوصى بالثمر أو بالغلة للمساكين، فالوصية جائزة؛ وذلك للمساكين أبدًا إذا كانت قيمة ذلك الشيء يخرج من ثلث ماله؛ لأن المساكين يستحقون الثمرة بعقد الوقف، فكذلك [بعقد] (٢) الوصية.
وقال أبو حنيفة: إن أوصى بسكنى داره، أو بخدمة عبده، أو بظهر فرسه للمساكين، فالوصية باطلة، فإن أوصى لإنسان بعينه جازت الوصية.
وقال أبو يوسف ومحمد: الوصية بذلك جائزة للمساكين.
وجه قول أبي حنيفة: أن إيجاب الحق في منفعة لا يجوز إثباته لغير عين، أصله الإجارة والعارية؛ ولأن الموصى له بالسكنى والركوب يلزمه النفقة على الدار والفرس، فيصير ذلك في حكم [العوض] (٣) عن المنفعة، [فالمعاوضة] (٤) لا تصح مع المجهول.
стр. 4617
وجه قولهما قوله ﵊: "أما خالد فقد حبس أدرعًا وأفراسًا في سبيل الله" (١)؛ ولأنه نماء في ماله كالثمرة، فإذا [جازت] (٢) الوصية بالثمرة لغير عين، فكذلك المنفعة.
قال أبو حنيفة: فإن أوصى بذلك لإنسان بعينه، [فنفقته و] (٣) كسوته وطعامه وما يصلحه على الموصى له؛ وذلك لأن المنفرد بالانتفاع دون الورثة، فصار في حكم المالك.
وأما على قولهما إذا أوصى بذلك لغير عين فإنه يستغل، فيبرأ من غلته بعلفه وطعامه، فإذا اكتفى سلم إلى الموصى له وكانت الوصية بالفاضل من غلته، وأجريا ذلك مجرى الوقف، أنه يجب أن يبتدئ بعمارته على سبيله، وإن لم يذكرها الواقف، فكذلك قالا في الدار إذا أوصى بسكناها، [فانهدمت] (٤). أن القاضي يستغلها ويعمرها، ثم إذا استغنت عن العمارة سلّمها إلى الموصى له كما قالوا في الوقف (٥).
стр. 4618
بَاب إذا أوصى الرجل بثلث مالهِ أو سدس مالهِ
[قال]: وإذا أوصى الرجل بثلث ماله أو بسدسه، فإن ثلث ماله يوم تقع القسمة [بينه وبين] (١) الورثة، وما هلك من مال الموصي قبل موته وبعده قبل [القسمة] (٢) فلا وصية فيه، فله ثلث ما بقي يوم يقتسمون إذا كان أوصى بالثلث أو بالسدس؛ وذلك لأن الوصية عقد مضاف إلى الموت، فوجب أن يُعتبر سدس ماله أو ثلثه يوم يقع العقد، والعقد يقع عند الموت، فتتعلق (٣) الوصية فيما يملكه في [تلك] (٤) الحال، فما هلك [من المال] بعد ذلك هلك على الحقين؛ لأن المال مشترك بين الموصى له وبين الورثة، فالهالك يهلك على الحقين.
٢٧٨٣ - فَصْل: [الوصية بسدس شيء بعينه مما يقسم]
قال: وإن أوصى بسدس شيء بعينه مما يقسم دنانير أو دراهم، أو شيء من الكيل أو الوزن من جنس واحد، أو بقر أو غنم أو إبل، أو ثياب من جنس واحد، فقال: لك ثلث دراهمي أو دنانيري، أو طعامي أو ثيابي، فهلك ثلثا ذلك، وبقي ثلثه، فإن وصيته في الثلث الباقي كله لا ينقص من وصيته شيءٌ.
قال في الجامع الصغير: عند أبي حنيفة في رجل أوصى بثلث ثلاثة دراهم،
стр. 4619
فهلك درهمان، وبقي درهم، وذلك الدرهم يخرج من ثلثه، قال: يكون الدرهم كله له.
وكذلك لو أوصى له بثلث ثياب من صنف واحد، فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه، فله الثلث الباقي.
وإن قال: أوصيت له بثلث ثلاثة من الرقيق، فهلك اثنان وبقي واحد، لم يكن له إلا ثلثه، وكذلك الدور المختلفة (١).
وقال في كتاب الأصل: في رجل أوصى بثلث غنمه أو بقره أو إبله، أو طعامه، أو بشيءٍ مما يكال أو يوزن من صنف واحد، [أو] أوصى بثلثه [فاستحق] (٢) الثلثان من ذلك، أو هلك وبقي الثلث، وله مال كثير يخرج [ذلك] من ثلثه، فإن الثلث الباقي من ذلك كله جائز الوصية.
قال: ألا ترى أنه لو أوصى بثلث هذه [الدار] (٣)، واستحق الثلثان منها، وبقي الثلث، وهي تخرج من ثلثه، كان جائزًا إذا أوصى بثلث ثلاثة من الرقيق، أو ثلث ثلاثة من الدور أو ثلث ثلاثة من الدواب، فتختلف أجناسها، فهلك اثنان وبقي واحد، وهذا الواحد يخرج من ثلثه، فإنه لا يكون له إلا ثلث هذا الواحد من قِبَل أن هذا لا يقسم (٤).
والأصل في هذا: أن الوصية إذا تعلقت بثلث شيء يصح قسمته، فهلك
стр. 4620
بعضه وبقي بعضه، ومقدار الموصى به يخرج من ثلث ما بقي من مال الميت، فإن الوصية تتعلق بثلث الباقي؛ وذلك لأن هذا الثلث قد كان يجوز أن يستحقه الموصى له إذا وقعت القسمة بينه وبين الورثة، فعلم أن الوصية متعلقة به، وما تعلقت به الوصية إذا كان يخرج من ثلث الباقي من المال نفذت الوصية فيه، ولم يعتبر هلاك ما هلك منه.
كما لو أوصى بثلث شيء بعينه، فاستحق ثلثاه.
وليس كذلك إذا أوصى بثلث ثلاثة أشياء لا يقسم بعضها في بعض، مثل الأجناس المختلفة؛ لأن الباقي منها لا يجوز أن يستحقه الموصى له بالقسمة؛ (لأن بعضها لا يقسم في بعض)، فلم تكن الوصية متعلقة بالباقي، فلم يجز أن يستحق الموصى له أكثر من ثلثه، وهذا ظاهر في الأجناس المختلفة.
وأما الرقيق فهو صحيح على أصل أبي حنيفة؛ لأن بعضه لا يقسم في بعض، فالباقي منه لا يجوز أن يستحق الموصى له، فلم تتعلق الوصية إلا بثلثه، فكذلك الدور المختلفة.
وأما على أصل أبي يوسف ومحمد: فالدور تنقسم بعضها في بعض، [والرقيق يقسم بعضه في بعض]، فالواجب على قولهما أن يكون كالثياب والدواب.
ويجوز أن يقولا: إن القسمة إنما تقع في الدور إن كان القاضي يرى ذلك مصلحة، وإن كان الأصلح قسمة كل واحدة منها على الانفراد لم يقسم بعضها في بعض، فضعف معني القسمة فيها، وفارقت ما يقسم بكل حال.
فأمّا الرقيق، فإن كان يقسم عندهما متفاوتة تفاوتًا كثيًرا، فجرى مجرى الجنسين.
стр. 4621
بَاب الوَصِيِّ والرَّدِّ
قال أبو الحسن: وإذا أوصى رجل إلى رجل وهو حاضر فقَبِلَ الوصية في حياة الموصي، ثم مات الموصي فقد لزمته الوصية، فإن ردّها في حياته في غير وجهه لم يكن ردّه ردًا، وإن لم يقبل حتى مات الموصي فباع شيئًا من التركة جاز بيعه وقد لزمته الوصية.
والأصل في هذا: أن الوَصِيَّ لا يلزمه الوصية إلا بقبوله، أو ما يجري مجرى قبوله؛ لأنه متبرع بالتصرف، والتبرع لا يلزم الإنسان إلا برضاه؛ ولأن الوصية في حال الحياة كالوكالة، فكما لا يلزم الوكيل التصرف بغير رضاه، فكذلك الموصى له.
وإنما صَحَّ قبول الوصية في حال حياة الموصي؛ لأن تصرف الوصي يقع لمنفعة الموصي، فلو كان الرد والقبول في حال الحياة لا [يتعلق] (١) به حكم، لم يؤمن أن يموت الموصي، ولو لم تسلم وصيته إلى أحد فيكون في ذلك إضرار به؛ فلذلك جاز القبول والرد في حال الحياة.
فليس هذا بقبول الوصايا؛ [لأنه] (٢) لا يجوز إلا بعد الموت، فإن قَبِلَ في حال الحياة أو ردّ لم يتعلق [بقبوله] وردّه حكم؛ وذلك لأن استحقاق الوصية إنما هو لحق الموصى له، لا لحق الموصى فيه، فلم يحتج إلى تقديم القبول على
стр. 4622
الموت، فوقف على ما بعد الموت.
وأما إذا قَبِلَ الوَصِيُّ في حياة الموصي، ثم ردّ بغير حضرته، لم يكن ذلك ردًا؛ لأنه لما قَبِلَ الوصية فقد سكن الموصي إلى تصرفه، فلو جاز له أن يخرج نفسه من الوصية بغير حضوره كان في ذلك تغرير بالموصي؛ لأنه يموت ولا يوصي إلى أحد، وهذا لا يجوز، كما قالوا في الوكالة: إن الوكيل لا يملك عزل نفسه عنها بغير محضر من الموكِّل.
وأما إذا رَدَّ في وجهه بطلت الوصية؛ لأنه متبرع بقبولها، والمتبرع إن شاء أقام على التبرع، وإن شاء رجع؛ ولأن الإنسان قد يقبل الوصية ظَنًّا منه أنه يقدر على القيام بها، ثم يعلم أنه يعجز عن ذلك، فلو لم يجز له الردّ أدّى إلى الإضرار بالوصي وبالورثة، وهذا لا يصح.
وإنما لا يجوز رده في غير وجهه؛ لما في ذلك من الغرور، وهذا المعنى لا يوجد إذا رد في وجهه.
وأما إذا مات الموصي قَبْلَ القبول، فتصرف الوصي في ذلك كالقبول؛ لأن الوصية تمت من جهة الموصي، وإنما وقفت على حق الوصي، فتصرفه كقبوله.
أصله: البيع المشروط فيه الخيار للمشتري، إذا تصرف قبل الإجازة.
وإذا قَبِلَ الوصي وتصرف بعد الموت ثم أراد أن يخرج نفسه من الوصية، لم يجز ذلك إلا عند الحاكم؛ لأنه التزم القيام بها، فعزله نفسه بغير حضرة الموكل، وأما إذا حضر عند الحاكم، فالحاكم قائم مقام الموصي لعجزه عن استيفاء حقوقه، فصار كالوكيل إذا عزل نفسه بحضرة الموكل، وإنما [جاز] (١)
стр. 4623
للحاكم أن يقبل منه العزل ويقيم غيره مكانه؛ لأنه متبرع بالتصرف، وإن شاء بقي على التبرع، وإن شاء رجع؛ ولأنا لو ألزمناه التصرف مع طلبه العزل انقطع عن أموره، فأَضَرَّ بنفسه، أو أخل بالنظر في الوصية، فأضَرَّ بالميت، فكان إقامة غيره مقامه أولى.
وقد قالوا: إن الوصي إذا حضر عند القاضي فأخرج نفسه، نظر القاضي في حاله، فإن كان مأمونًا قادرًا على التصرف لم يخرجه؛ لأنه التزم القيام بالوصية، وليس في بقائه عليها ضرر في عمله، فأما إذا عرف عجزه أو كثرة أشغاله، فإنه يخرجه؛ لأن في تبقيته ضررًا به أو بالورثة.
٢٧٨٤ - فَصْل [الموصى له لم يقبل الوصية]
قال ابن سماعة في نوادره سمعت أبا يوسف قال في رجل أوصى إلى رجل، والموصى [له] حاضر، فقال: لا أقبل، فقال له الموصي: ما كان ظني بك، إلى من أوصي إذا لم تقبل [وصيتي] (١)؟!، ثم قال: قبلت، فسكت الموصي ثم مات الموصي، قال: فهذا ليس بوصي؛ لأن الإيجاب بطل بالرد، فقبوله بعد ذلك حصل بغير الإيجاب، فلا يتعلق به حكم.
٢٧٨٥ - فَصْل: [قبول الوَصِيِّ الوصيةَ بغير إيجاب من المُوْصِيْ]
قال: وإن أوصى إليه وهو غائب عنه، فقال: لا أقبل، ثم قال: قد قبلت، ثم مات الموصي ولم يقل شيئًا، قال: ليس هو بوصي؛ وذلك لأنه يملك الرد بغير محضر من الموصي، إذا لم يتقدم ذلك [قبول] (٢)، فبطل الإيجاب بالردّ،
стр. 4624
فلا يَصِحُّ القبول بعد ذلك إلا بالإيجاب.
٢٧٨٦ - فَصْل: [رفض الموصى له الوصية أولًا ثم قبل]
قال في رواية ابن سماعة: وإذا أوصى إليه وهو غائب، فبلغ ذلك الوصي بعد الموت، فقال: لا أقبل، ثم قال: قد قبلت، فهو جائز ما لم يخرجه السلطان من الوصية قبل أن يقول: قد قبلت؛ لأن الوصية قد تمت من جهة الموصي بما لا يلحقه الفسخ من جهته، فلا يبطل بالرد إلا أن يبطلها القاضي، كما لو تمت بالإيجاب والقبول، وإذا لم تبطل جاز أن يرجع إلى القبول، فإذا أخرجه القاضي فقد بطلت الوصية، فإذا قَبِلَ مع بطلان الإيجاب لم يتعلق بقبوله شيء.
وقال في الأصل: إذا قبل الوصية فقد لزمت؛ وذلك لأنها صَحَّت من قبل، الموصي، وإنما وقفت على التزام الوصي، وإذا قَبِلَ [فقد] (١) التزم، فتجب الوصية.
قال: فإن لم يقبلها في حياة الموصي حتى مات، فهو بالخيار: إن شاء قبل وكان وصيًّا، وإن شاء ردّ ذلك؛ لأنه متبرع، فالخيار إليه في التزام التصرف أو في رَدِّه (٢).
وذكر بعد هذا رواية الحسن، وقد ذكرنا وجهها، ثم قال فيها: إذا قَبِلَ في غير وجه الموصي لم يكن له أن يخرج إلا في وجهه؛ وذلك لأن العقد تم بالإيجاب والقبول، فلا يجوز له فسخه بغير علم الموصي، كما لو قبل في وجهه.
стр. 4625
وذكر عن زفر: أنه إذا قَبِلَ الوصية بغير محضر من الموصي ثم ردّها، فردّه صحيح، وليس له أن يقبل بعد ذلك؛ وذلك لأن الموصي إذا لم يعلم بقبوله فليس في إبطاله الوصية تغرير به، فجاز له الرد في غير وجهه، كما يجوز قبل القبول.
وما ذكر بعد هذا من الروايات عن زفر، فقد تكلمنا على وجهها.
قال: وإن لم يعلم القاضي أن له وصيًّا، فنصب له وصيًّا، ثم حضر الوصي فأراد الدخول في الوصية، فله ذلك، وليس هذا الفعل بإخراج من الوصية، ويخرج القاضي عنه الوَصِيَّ الذي نصب؛ وذلك لأن نصب الموصي بوصي آخر لا يخرج الأول من الوصية، فنصب القاضي أولى، وإذا ثبت أن هذا ليس بإبطال للوصية [الأولى] (١)، وحكم الوصي الذي نصبه القاضي من الأمانة حكم وصي الميت، وقد انضم إلى وصي الميت اختيار الميت له، فكان أولى.
٢٧٨٧ - فَصْل: [إخراج القاضي الوَصِيَّ من الوصية]
[وليس للقاضي أن يخرج الوصِيّ من الوَصيّة، ولا يُدخل معه غيره إلا أن تظهر منه خيانة، أو يكون فاسقًا معروفًا بالشر، فيخرجه وينصب غيره، فإن كان ثقة وهو ضعيف أدخل معه غيره؛ لأنه إذا كان ثقة عدلًا قادرًا على التصرف، فالقاضي إنما ينصب من هو بمثابته، ممن رضي الميت بتصرفه] (٢).
وأما إذا كان خائنًا، ففي تبقيته إلحاق ضرر بالميت، والميت لا يقدر على