بَاب الوَصِيِّ والرَّدِّ
قال أبو الحسن: وإذا أوصى رجل إلى رجل وهو حاضر فقَبِلَ الوصية في حياة الموصي، ثم مات الموصي فقد لزمته الوصية، فإن ردّها في حياته في غير وجهه لم يكن ردّه ردًا، وإن لم يقبل حتى مات الموصي فباع شيئًا من التركة جاز بيعه وقد لزمته الوصية.
والأصل في هذا: أن الوَصِيَّ لا يلزمه الوصية إلا بقبوله، أو ما يجري مجرى قبوله؛ لأنه متبرع بالتصرف، والتبرع لا يلزم الإنسان إلا برضاه؛ ولأن الوصية في حال الحياة كالوكالة، فكما لا يلزم الوكيل التصرف بغير رضاه، فكذلك الموصى له.
وإنما صَحَّ قبول الوصية في حال حياة الموصي؛ لأن تصرف الوصي يقع لمنفعة الموصي، فلو كان الرد والقبول في حال الحياة لا [يتعلق] (١) به حكم، لم يؤمن أن يموت الموصي، ولو لم تسلم وصيته إلى أحد فيكون في ذلك إضرار به؛ فلذلك جاز القبول والرد في حال الحياة.
فليس هذا بقبول الوصايا؛ [لأنه] (٢) لا يجوز إلا بعد الموت، فإن قَبِلَ في حال الحياة أو ردّ لم يتعلق [بقبوله] وردّه حكم؛ وذلك لأن استحقاق الوصية إنما هو لحق الموصى له، لا لحق الموصى فيه، فلم يحتج إلى تقديم القبول على
стр. 4622
الموت، فوقف على ما بعد الموت.
وأما إذا قَبِلَ الوَصِيُّ في حياة الموصي، ثم ردّ بغير حضرته، لم يكن ذلك ردًا؛ لأنه لما قَبِلَ الوصية فقد سكن الموصي إلى تصرفه، فلو جاز له أن يخرج نفسه من الوصية بغير حضوره كان في ذلك تغرير بالموصي؛ لأنه يموت ولا يوصي إلى أحد، وهذا لا يجوز، كما قالوا في الوكالة: إن الوكيل لا يملك عزل نفسه عنها بغير محضر من الموكِّل.
وأما إذا رَدَّ في وجهه بطلت الوصية؛ لأنه متبرع بقبولها، والمتبرع إن شاء أقام على التبرع، وإن شاء رجع؛ ولأن الإنسان قد يقبل الوصية ظَنًّا منه أنه يقدر على القيام بها، ثم يعلم أنه يعجز عن ذلك، فلو لم يجز له الردّ أدّى إلى الإضرار بالوصي وبالورثة، وهذا لا يصح.
وإنما لا يجوز رده في غير وجهه؛ لما في ذلك من الغرور، وهذا المعنى لا يوجد إذا رد في وجهه.
وأما إذا مات الموصي قَبْلَ القبول، فتصرف الوصي في ذلك كالقبول؛ لأن الوصية تمت من جهة الموصي، وإنما وقفت على حق الوصي، فتصرفه كقبوله.
أصله: البيع المشروط فيه الخيار للمشتري، إذا تصرف قبل الإجازة.
وإذا قَبِلَ الوصي وتصرف بعد الموت ثم أراد أن يخرج نفسه من الوصية، لم يجز ذلك إلا عند الحاكم؛ لأنه التزم القيام بها، فعزله نفسه بغير حضرة الموكل، وأما إذا حضر عند الحاكم، فالحاكم قائم مقام الموصي لعجزه عن استيفاء حقوقه، فصار كالوكيل إذا عزل نفسه بحضرة الموكل، وإنما [جاز] (١)
стр. 4623
للحاكم أن يقبل منه العزل ويقيم غيره مكانه؛ لأنه متبرع بالتصرف، وإن شاء بقي على التبرع، وإن شاء رجع؛ ولأنا لو ألزمناه التصرف مع طلبه العزل انقطع عن أموره، فأَضَرَّ بنفسه، أو أخل بالنظر في الوصية، فأضَرَّ بالميت، فكان إقامة غيره مقامه أولى.
وقد قالوا: إن الوصي إذا حضر عند القاضي فأخرج نفسه، نظر القاضي في حاله، فإن كان مأمونًا قادرًا على التصرف لم يخرجه؛ لأنه التزم القيام بالوصية، وليس في بقائه عليها ضرر في عمله، فأما إذا عرف عجزه أو كثرة أشغاله، فإنه يخرجه؛ لأن في تبقيته ضررًا به أو بالورثة.
٢٧٨٤ - فَصْل [الموصى له لم يقبل الوصية]
قال ابن سماعة في نوادره سمعت أبا يوسف قال في رجل أوصى إلى رجل، والموصى [له] حاضر، فقال: لا أقبل، فقال له الموصي: ما كان ظني بك، إلى من أوصي إذا لم تقبل [وصيتي] (١)؟!، ثم قال: قبلت، فسكت الموصي ثم مات الموصي، قال: فهذا ليس بوصي؛ لأن الإيجاب بطل بالرد، فقبوله بعد ذلك حصل بغير الإيجاب، فلا يتعلق به حكم.
٢٧٨٥ - فَصْل: [قبول الوَصِيِّ الوصيةَ بغير إيجاب من المُوْصِيْ]
قال: وإن أوصى إليه وهو غائب عنه، فقال: لا أقبل، ثم قال: قد قبلت، ثم مات الموصي ولم يقل شيئًا، قال: ليس هو بوصي؛ وذلك لأنه يملك الرد بغير محضر من الموصي، إذا لم يتقدم ذلك [قبول] (٢)، فبطل الإيجاب بالردّ،
стр. 4624
فلا يَصِحُّ القبول بعد ذلك إلا بالإيجاب.
٢٧٨٦ - فَصْل: [رفض الموصى له الوصية أولًا ثم قبل]
قال في رواية ابن سماعة: وإذا أوصى إليه وهو غائب، فبلغ ذلك الوصي بعد الموت، فقال: لا أقبل، ثم قال: قد قبلت، فهو جائز ما لم يخرجه السلطان من الوصية قبل أن يقول: قد قبلت؛ لأن الوصية قد تمت من جهة الموصي بما لا يلحقه الفسخ من جهته، فلا يبطل بالرد إلا أن يبطلها القاضي، كما لو تمت بالإيجاب والقبول، وإذا لم تبطل جاز أن يرجع إلى القبول، فإذا أخرجه القاضي فقد بطلت الوصية، فإذا قَبِلَ مع بطلان الإيجاب لم يتعلق بقبوله شيء.
وقال في الأصل: إذا قبل الوصية فقد لزمت؛ وذلك لأنها صَحَّت من قبل، الموصي، وإنما وقفت على التزام الوصي، وإذا قَبِلَ [فقد] (١) التزم، فتجب الوصية.
قال: فإن لم يقبلها في حياة الموصي حتى مات، فهو بالخيار: إن شاء قبل وكان وصيًّا، وإن شاء ردّ ذلك؛ لأنه متبرع، فالخيار إليه في التزام التصرف أو في رَدِّه (٢).
وذكر بعد هذا رواية الحسن، وقد ذكرنا وجهها، ثم قال فيها: إذا قَبِلَ في غير وجه الموصي لم يكن له أن يخرج إلا في وجهه؛ وذلك لأن العقد تم بالإيجاب والقبول، فلا يجوز له فسخه بغير علم الموصي، كما لو قبل في وجهه.
стр. 4625
وذكر عن زفر: أنه إذا قَبِلَ الوصية بغير محضر من الموصي ثم ردّها، فردّه صحيح، وليس له أن يقبل بعد ذلك؛ وذلك لأن الموصي إذا لم يعلم بقبوله فليس في إبطاله الوصية تغرير به، فجاز له الرد في غير وجهه، كما يجوز قبل القبول.
وما ذكر بعد هذا من الروايات عن زفر، فقد تكلمنا على وجهها.
قال: وإن لم يعلم القاضي أن له وصيًّا، فنصب له وصيًّا، ثم حضر الوصي فأراد الدخول في الوصية، فله ذلك، وليس هذا الفعل بإخراج من الوصية، ويخرج القاضي عنه الوَصِيَّ الذي نصب؛ وذلك لأن نصب الموصي بوصي آخر لا يخرج الأول من الوصية، فنصب القاضي أولى، وإذا ثبت أن هذا ليس بإبطال للوصية [الأولى] (١)، وحكم الوصي الذي نصبه القاضي من الأمانة حكم وصي الميت، وقد انضم إلى وصي الميت اختيار الميت له، فكان أولى.
٢٧٨٧ - فَصْل: [إخراج القاضي الوَصِيَّ من الوصية]
[وليس للقاضي أن يخرج الوصِيّ من الوَصيّة، ولا يُدخل معه غيره إلا أن تظهر منه خيانة، أو يكون فاسقًا معروفًا بالشر، فيخرجه وينصب غيره، فإن كان ثقة وهو ضعيف أدخل معه غيره؛ لأنه إذا كان ثقة عدلًا قادرًا على التصرف، فالقاضي إنما ينصب من هو بمثابته، ممن رضي الميت بتصرفه] (٢).
وأما إذا كان خائنًا، ففي تبقيته إلحاق ضرر بالميت، والميت لا يقدر على
стр. 4626
استدراك حقه، فأقيم القاضي مقامه في عزله، فكذلك الفاسق؛ لأنه غير مؤتمن في [مال] (١) الميت.
فأما الضعيف فهو مؤتمن؛ إلا أنه لا ينهض بالتصرف، فيضم القاضي [إليه غيره] (٢) ليستوفي حظ الميت من التصرف [المقصود] (٣)، ولا يجوز إخراجه؛ لأنه ليس في تبقيته ضرر، وقد رضي الميت برأيه. [والله أعلم] (٤).
стр. 4627
بَاب الوصية إلى الأوصياءِ
قال ابن سماعة عن أبي يوسف في الإملاء: في رجل أوصى إلى رجل، ثم أوصى إلى آخر، فهما وصيان جميعًا؛ وذلك لأن الموصي يملك أن يَرجع عن الوصية إلى الأول؛ لأنه أقامه مقام نفسه في التصرف كالوكيل، ويملك أن يشرك معه غيره؛ لأن في الاشتراك تغيير تصرفه، فإذا ملك إبطال تصرفه، ملك تغييرًا.
إذا أوصى إلى آخر ولم يرجع عن الوصية إلى الأول، صار حكم الثاني حكم الأول، فاقتضى ذلك اشتراكهما في الوصية.
قال: فإن قال: إن حدثَ بي حدثٌ من مرضي هذا، أو حدثَ بي حدث من وجهي هذا، فبرئ من ذلك المرض، ورجع من ذلك الوجه، فإن الوصية قد بطلت عن هذا الوصي.
وكذلك كل وصية أوصى بها من صدقة، أو صلةٍ، أو حج، أو عتاق، فإن رجع من ذلك الوجه بطل ذلك، وكذلك إذا برئ من ذلك المرض؛ وذلك لأن الوصية يصح تعليقها بالشروط، فإذا علقها بشرط اختصت به، وبطلت ببطلانه كالوكالة والطلاق، وسائر ما يتعلق بالشروط.
قال: فإن لم يرجع من ذلك الوجه أو لم يبرأ من ذلك المرض، فالوصية جائزة بالذي أوصى به وإلى من أوصى [به]، فإن حدث بعد ذلك حدث الموت، أو من ذلك الوجهِ، أو قبل شخوصه فهو واحد؛ وذلك لأنه أطلق
стр. 4628
الوصية، فتعلقت بالموت على عموم أحواله، فاستوى الموت من ذلك المرض الذي هو فيه ومن غيره.
قال أبو حنيفة: إذا أوصى إلى رجل بدين، وإلى آخر بأن يعتق عنه، فهما وصيان في كل شيء.
قال: وإن أوصى بنصيب بعض ولدهِ إلى رجل، وبنصيب من بقي إلى آخر، فهما يشتركان في ذلك كله.
وقال أبو يوسف خلاف ذلك، [فإن] كل واحد منهما وصي على ما سمّى له؛ [لأنه] لا يدخل مع الآخر.
إن أوصى بميراثه في بلد إلى رجل، وبميراثه في بلد آخر إلى رجل آخر، فهو كمثل ذلك.
وذكر في الباب [الثاني] هذه المسألة فقال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف: كل واحد منهما وصي في الجميع.
وقال محمد: كل واحد منهما وصي فيما جعل إليه خاصة، وهذا هو المشهور من الخلاف، وذلك رواية أخرى عن أبي يوسف.
وجه قول أبي حنيفة: المشهور أن الوصي يتصرف من طريق الولاية؛ بدلالة أنه يتصرف مع انقطاع أمر الموصي، والولاية لا تنتقض كولاية الأب والجد، وليس هذا كالوكالة؛ لأنه تصرف بالأمر، والأمر خاص، وعلى هذا ولاية القاضي يجوز أن يختص؛ لأن ولايته مستفادة من الأمارة، فهو [ينصرف] مع بقاء أمره
стр. 4629
كالوكالة؛ ولأن الوصية تصح بقول الموصي: أوصي لك (١)، وإن لم يبين ما أوصى فيه، فالتعيين بعد ذلك لا يحتاج إليه، فيلغو؛ لأن كل تعيين من العقود لا يحتاج إليه يسقط حكمه، وليس كذلك الوكالة؛ لأنه لو قال: وكلتك، لم يصح حتى يبيّن ما يوكله فيه، فلذلك تعلق بالتعيين فائدة، وعلى هذا ولاية القاضي لا تصح مطلقة، فتتعلق بالتعيين فيها فائدة.
وجه قول محمد: أن الوصي يتصرف من طريق الأمر، فحل محلّ الوكيل؛ ولأنه يستفيد الولاية بالأمر كالحاكم، فكما أن ولاية الحاكم يجوز أن تختص، فكذلك ولاية الوصي.
٢٧٨٨ - فَصْل: [جعل الوصاية لرجل ثم تعليقه بآخر إذا قدم]
قال: ولو أوصى بوصية إلى رجل فقال: إذا قَدِمَ فلان فهو وصيّي دون هذا، فذلك سواء في القولين جميعًا، في قول أبي يوسف: على ما سمّاه، وفي قول أبي حنيفة: هما مشتركان، قال ﵀: يعني أنه أوصى بعد قدوم فلان وقَبِلَه.
فوجه قول أبي حنيفة: أن التصرف من طريق الولاية فإذا لم يختص بنوع دون نوع لم يصح تخصيصه بزمان دون زمان، وإذا بطل التخصيص كان وصيًّا في جميع الأوقات، وشاركه الآخر في الوصية عند وجود الشرط، وهو القدوم.
وعلى أصل محمد ومذهب أبي يوسف في هذه الرواية: أن التصرف يجوز أن يختص بنوع دون نوع، وكذلك يجوز أن يختص بمدة دون مدة، كتصرف الوكيل.
стр. 4630
قال: وسمعت أبا يوسف قال: ولو أوصى إلى رجل وكان الميت وصيًا لآخر، فإن أبا حنيفة قال: الآخر وصي لهما جميعًا.
وقال ابن أبي ليلى: هو وصي للآخر دون الأول إلا أن يسمي وصيّة الأول.
وقال أبو يوسف: إذا أوصى إليه في تركته فسماها، أو في عياله فسمّاهم، لم يكن وصيًا للأول، فإذا أوصى إليه في كل شيء فهو وصي للأول.
وجه قول أبي حنيفة أنه نقل إليه الولاية فيما [يصح] (١) النقل فيه، وقد كان يلي على ولده وعلى ولد الميت الأول، [فانتقل] (٢) إليه على ذلك الوجه، ولا تلزمه الولاية في النكاح؛ لأنها [لا] تنتقل بالنقل، فلا يملكها.
وأما أبو يوسف على هذه الرواية: فقد جوّز أن تقع الوصيةُ خاصة، فإذا سمّى مالًا بعينه اختصت بتصرف الوصي بذلك دون مال الموصي الأول، فإذا أطلق اقتضى التصرف في كل ما كان يملكه الميت] (٣) التصرف فيه فما يجوز انتقاله انتقل.
وقال ابن أبي ليلى الوصية تقتضي التصرف في حقوق الموصي، والتصرف في حق الميت الأول ليس من حقوقه، فلا يدخل في إطلاق الوصية حتى [ينص] (٤) عليها.
وهذا فرع على أن الوصي يملك أن يوصي؛ والدليل عليه أن الوصي قائم
стр. 4631
في الولاية مقام الأب، فصار كالجد؛ ولأنه تصرف بالولاية على ما قدمنا كالجد.
٢٧٨٩ - فَصْل: [التصرف في جعل الوصاية لرجلين فمات أحدهما]
قال أبو حنيفة: إذا أوصى إلى رجلين فمات أحدهما أو أبى أن يَقْبَلَ، أدخل مكانه وصيًا مع الباقي، وكذلك قال أبو يوسف.
فأما أبو حنيفة: فمن أصله أن أحد الوصيين لا يجوز له أن ينفرد بالتصرف، فلا بد من ضم غيره إليه، وقد عجز الميت عن نصب وصي، فقام الحاكم مقامه.
فأما أبو يوسف فمن أصله أن أحد الوصيين يجوز تصرفه، ولا يحتاج [القاضي] إلى نصب وصي آخر في جواز تصرف هذا الباقي؛ إلا أنه ينصبه؛ لأن الميت أقام مقام نفسه اثنين، ينفرد كل واحد منهما بالتصرف، فكان على القاضي أن يفعل ما اختار الميت أن يفعله في ماله، (وهذا على المشهور من روايته) (١)(٢).
стр. 4632
بَاب الرجل يوصي في بعضِ مالهِ
قال [في الأصل]: في رجل أوصى إلى رجل بماله فهو وصيُّهُ في ماله وولده؛ [لأن الوصية لا تميز] بعض هذا من بعض، ألا ترى أنه ينفق على ولده.
قال ﵀: وهذا ينبغي أن يكون على قولهم؛ لأن الوصية في المال إنما هي لحق الولد، فكأنه قال: أوصيت من مالي وولدي.
قال: وإذا أوصى رجل إلى رجل فقال: فلان وصِيِّي حتى يَقْدم فلان [ثمّ] الوصية إلى فلان، فهو كما أوصى، وقد بَيَّنَّا في الباب الأول من مذهب أبي حنيفة أنهما يشتركان في الوصية؛ وأن الوصية عنده لا تختص بزمان، وذكرنا في قول أبي يوسف: لأن الأول يخرج من الوصية بقدوم الثاني، فهذا الذي حكاه في الأصل قول أبي يوسف خاصة.
ويجوز أن يكون قوله: فهو كما أوصى، يعني أن الثاني وصيّ، وإن كان هذا مخالفًا في قول أبي حنيفة، [لتلك] (١) الرواية.
ووجهه: أنه عَزَلَ الوَصِيَّ عن الوصية بشرط قدوم الآخر، والوصية تجوز أن يتوقت [حكمها] (٢)، ألا ترى أنها تَتَوَقَّتُ ببلوغ الولد، وكذلك يجوز أن يوقتها القدوم.
стр. 4633
٢٧٩٠ - فَصْل: [جعل الوصاية لرجل والتقاضي لآخر]
قال: وإذا أوصى بالمال العين إلى رجل، وبتقاضي الدَّيْنِ إلى رجل آخر، فهما وَصِيَّان جميعًا في العين والدين في قول أبي حنيفة، وإذا أوصى ببعض ولده وميراثهم [إلى رجل، وببقيّة] (١) ولده ومالهم إلى آخر، فهما وصيّان جميعًا في جميع الولد والمال، استحسن ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: كلُّ [واحد منهما] وصي فيما أوصي إليه [به]، وقد بَيَّنَّا هذه المسألة.
٢٧٩١ - فَصْل: [حصر الوصاية في التقاضي بالدين]
وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا [يقول]: في رجل أوصى إلى رجل فقال: لقد أوصيت إلى فلان بتقاضي ديني ولم أوص إليه بغير ذلك، وأوصيت في جميع مالي حفظه والنفقة على ورثتي والقيام به فلانًا.
قال أبو حنيفة هما وصيان جميعًا [وبذلك] قال أبو يوسف، وهذا صحيح؛ لأن الوصية عندهما إذا لم تتبعض في بعض التصرف، [فلا فرق بين إطلاقها وبين تخصيصها في البعض في جواز التصرف في] (٢) غير المذكور، كالعفو عن دم العمد: لما لم يتبعض كان لا فرق بين أن يقول: عفوت عن بعض الدم - أو يقول: عن الدم - ولم أعف عن الباقي.
قال أبو حنيفة: لا يجوز لواحد منهما [أن يتصرّف] (٣) دون صاحبه من شراء
стр. 4634
ولا بيع ولا تقاضي دين [يعني] قبضه، وقال أبو يوسف: يجوز لكل واحد منهما ما صنع من ذلك.
قال ابن رستم قال محمد: قال أبو حنيفة: يجوز فعل أحد الوصيين في خمسة أشياء: الشراء للكسوة والطعام، وتنفيذ الوصية، وشراء الكفن، وتقاضي الدين، ويكون خصمًا عن الميت، فهذه الخمسة الأشياء يجوز فيها فعله وحده، وهو قول محمد.
وجملة هذا: أن عند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز لأحد الوَصِيَّيْن أن يتصرف دون صاحبه، إلا فيما في تأخيره ضرر، أو [فيما] في اجتماعهما عليه ضرر، أو فيما لا يفتقر إلى الرأي، وهذا كشراء الكفن، وشراء الطعام، والكسوة للصغار، [الخصومة] وتنفيذ وصيته بعينها، وعتق عبد بعينه، وقضاء الدين.
وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف.
وجه قولهما: أن الميت رضي برأيهما، ولم يرض برأي أحدهما، ورأي الاثنين مخالف لرأي الواحد، فلم يجز انفراد أحدهما [كالوكيلين] (١).
ولا يقال: إن تصرفهما من طريق الولاية؛ لأن الولاية إذا تعلقت بسبب متبعض جاز أن يعتبر فيها الاشتراك، كَوِلَاية المَوْلَيَيْنِ على تزويج الأمة.
وقد روي عن أبي حنيفة في الابن إذا كان له أبوان: أن أحدهما لا يجوز أن ينفرد بالتصرف دون الآخر، فعلى هذه الرواية قد أجرى تصرف أحد الوصيين مجرى تصرف أحد الأبوين.
стр. 4635
وقال في الرواية الأخرى: يجوز لكل واحد من الأبوين أن ينفرد بالتصرف؛ لأنه يتصرف [بالولاية] (١)، وهو أب كامل في حق الولد، والوصي يتصرف بالتفويض، فوجب أن يعتبر الصفة التي فوض إليه.
وأما الكفن والطعام والكسوة؛ فلأن في تأخيرها حتى يحضر الآخر ضرر؛ إذ الموصي قصد بجميعهما الاحتياط، ولم يقصد الإضرار، وكذلك الخصومة؛ لأنهما إذا اجتمعا [فيها] لم يفهم عن واحد منهما، وكان في اجتماعهما ضرر.
وأما تنفيذ وصية بعينها، وعتق عبد بعينه، ورَدَّ وديعة؛ فلأنه لا [يفتقر] (٢) إلى الرأي، واجتماعهما [فيه] إنما يحتاج إليه للرأي.
وأما قضاء الدين؛ فلأن الذي له الدين لو تناوله من مال الميت جاز، [ففعل] (٣) أحد الوصيين لا يكون بأقلَّ من فعل الغريم.
وجه قول أبي يوسف: أن الوصي يتصرف بالولاية، فهما كالوَلِيَّيْن في النكاح، فينفرد كل واحد منهما بالتصرف، [وأما] إذا مات الرجل ولم يوص إلى أحد وله أب وأولاد صغار، والأب مأمون، فالأب في ذلك بمنزلة الوصي الذي يوصي إليه الأب، فإن مات الجد فأوصى إلى رجل، جاز ذلك، وكان وصي الجد بمنزلة وصي الأب إذا لم يكن للأب وصي.
وقال مالك: لا يملك الجد الولاية في مال الصغير.
لنا: أن الجد [عصبة] بالولاء كالأب؛ ولأنه يجري مجرى الأب من الشفقة
стр. 4636
وزوال التُّهَم، فيجري مجراه من الولاية؛ ولأنه لا يحد بوطء جارية ابنه، ولا يقتل بالأب، وإذا ثبت أنه كالأب في باب الولاية، كان وصيه في مكانه (١).
قال: ووصي الأب أولى من الجد؛ لأن وصي الأب انتقلت إليه ولاية الأب، وهي مقدمة على ولاية الجد.
قال: ولو أن رجلًا مات وأوصى إلى وصي، ثم مات للميت ابن كبير [له ولد] ولم يصر وصيُّ الجد وصيًا لهم؛ لأن الميت لم تكن له ولاية على ابنه الكبير، فوصيته بمثابته، فلا يثبت له على ولده ولاية.
قال: ولو مات الابن أولًا وترك أولادًا صغارًا، أو ترك أباه ثم مات أبوه، فأوصى بهم، كان وصيًّا لهم؛ لأن موت الابن لمّا تقدم وَلِيَ الجد على ولده، فانتقلت ولايته إلى وصيه.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في الجد يجوز شراؤه من ولد ولده وبيعه منهم، كما يجوز شراء الأب من ولده الصغير وبيعه، [كما يجوز شراء الأب في مال ولده الصغير وبيعه]، وهذا صحيح؛ لأن ولاية الجد ثابتة، وهو غير متّهم في حقه، فصار كالأب (٢).
стр. 4637
بَاب الوصية بخدمةِ العبدِ لرجلٍ وبرقبته لآخر أو بغَلَّةِ بستانهِ لرجلٍ وبرقبته لآخر، أو بثمرتهِ لرجل وبرقبته لآخر
قال: وإذا كان لرجل بستان أو عبد أو أمة أو أرض، فأوصى برقبة البستان لرجل، وبثمرته لآخر، أو برقبة الأرض لرجل وبغلتها لآخر، أو أوصى بالعبد لرجل وبخدمته لآخر، فذلك جائز (١).
وكذلك لو كانت له دار فأوصى بسكناها لرجل أو بغلتها أو بخدمة عبده أو بما في بطن جاريته، ولم يوص من الرقبة بشيء، فذلك جائز.
قال ﵀: الأصل في هذا ما بَيَّنَّا: أن عقد الوصية يجوز أن يتناول الثَّمَرَةَ والمَنْفَعَةَ والغَلَّةَ التي هي بدل المنفعة، فجاز أن يتناول الوصية الرقبة على الأرض على الانفراد، وهذه الأشياء على الانفراد، ألا ترى أنه إذا أوصى بها منفردة انتقل الملك في الرقاب إلى الورثة دون النماء، فإذا أوصى بها على الانفراد، وهذا على الانفراد انتقل إلى المُوْصَى له الرقاب دون النماء، وهو يملك بالموت كالورثة، فيجوز أن ينتقل إليه ما ينتقل إليهم.
وعلى هذا الحمل لما جاز أن ينفرد بالوصية ويملك الورثة الأم دونه، جاز أن يوصي بها لواحد وبالحمل لآخر، فينتقل الملك إلى كل واحد منهما مما أوصى له به.
стр. 4638
وقال ابن أبي ليلى فيما ذكر عنه (١) أبو يوسف: إذا أوصى بسكنى داره لرجل، وليس له مال غيرها، ولم تجز الورثة، أن الوصية باطلة.
وقال أبو حنيفة: الوصية جائزة، ويسكن الموصى له بالسكنى ثلث الدار، وتسكن الورثة الثلثين حتى يموت الموصى له، فيرجع إلى الورثة.
وجه قول أبي حنيفة: أنه لو عقد على رقبة الدار جازت الوصية في ثلثها، وكذلك إذا عقد على منافعها جازت من الثلث؛ لأنه لا يملك إنفاق كل التركة عن ورثته، كما لا يملك الوصية بجميع التركة (٢)، وإذا نفذت الوصية في الثلث وجب أن تقع المهايأة بين الورثة وبين الموصى له، والدار على سكناها لهم جميعًا، فيسكن كل واحد منهم بقدر حقه.
وأما العبد الموصى له بخدمته، فلا يمكن أن يخدمهم في حالة واحدة، فالمهايأة (٣) فيه تقع على الأيام، فيخدم الورثة [يومين] والموصى له يومًا.
وأما ابن أبي ليلى فإنه يقول: إن الوصية لما بطلت في ثلثي المنافع، صارت مشاعة، والإشاعة تؤثر في المنافع كالإجارة.
[قال أبو حنيفة: ليس للورثة أن يبيعوا الثلثين ولا أن يقسموا.
وقال أبو يوسف: لهم أن يبيعوا الثلثين ولهم أن يقسموا، فيعزل لصاحب
стр. 4639
الوصية الثلث.
لأبي حنيفة: أن حق الموصى له متعلق بمنافع الجملة على الإشاعة، فيمنع ذلك البيع كالإجازة] (١).
وأما القسمة؛ فلأنا لو قسمنا لسقط حق الموصى له عن الثلثين، ويجوز أن [يؤخر] الثلث [المفرز] له فيتعلق [حقه] بالباقي، فلا تجوز القسمة.
وجه قول أبي يوسف: أن الوصية لما تعلقت بالثلث، وجب أن [يفرز] (٢) حق الورثة من الأصل، ليتصرفوا فيه بما شاؤوا، ولا حق للموصى له [فيه]؛ ولأنا لو منعنا البيع [لوقفه] (٣) جميع التركة على الورثة، والموصي لا يملك ذلك.
٢٧٩٢ - فَصْل: [القسمة في الوصية بغلة الدار]
قال أبو حنيفة: إذا أوصى بغلة الدار، قاسموه الغلة، وأعطوه ثلثها، ولا أقسم [نفس] (٤) الدار. وهذا صحيح؛ لأن الغلة أعيان يمكن وقوع القسمة فيها، ولا تحتاج إلى قسمة الأصل، وأما المنافع فلا يمكن القسمة فيها، فلا بد من تمييز الأصل بالمهايأة.
وقال أبو يوسف: أقسم الدار وأدفع إلى الموصى له بالغلة الثلث منها مستغلة، حتى لا يقف جميع التركة على الورثة.
قال أبو الحسن: وقول محمد مثل قول أبي يوسف.
стр. 4640
ولو أوصى بخدمة العبد، ولا مال له غيره، خدم الوَرَثَةَ يومين والمُوْصَى له يومًا؛ لما بَيَّنَّا أن القسمة لا يمكن في العبد إلا على هذا الوجه، لاستحالة أن يفعل الخدمتين في زمان واحد.
ولو أوصى بغلة العبد: اقتسموا الغلة؛ لأنها أعيان يمكن إيقاع القسمة عليها، ولا يحتاج إلى قسمة الأصل.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لهم بيع ثلثي العبد لتعلق حق الموصى له بمنافعه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لهم ذلك؛ لأنه (١) يجوز إبقاء جميع التركة عليهم.
قال: ومن أوصَى له بغَلَّة داره، أو أرضه، أو بخدمة عبده، فنفقة العبد على الموصى له بمنافعه، وعليه النفقة وجميع ما يصلح الدار والأرض، وليس على صاحب الرقبة من ذلك شيء.
قال رحمه الله تعالى: لأن صاحب الرقبة ممنوع من الانتفاع بها بغير الدار (٢)، فلا يلزمه النفقة، كما لا يلزم الزوج نفقة المرأة الناشزة، وليس هذا كالمؤجر والراهن؛ لأنهما منعا من الانتفاع بإيجابهما، فلم يسقط ذلك النفقة عنهما؛ ولأن حبس المستأجر لمنفعة المؤجر هو سلامة الأجرة، وقبض المرتهن لحق الراهن؛ لأن الدين سقط عنه بالهلاك، وأما صاحب المنفعة فإنه [لا] يستحق منافع العين بغير عوض، فكانت النفقة عليه كالزوج.
٢٧٩٣ - فَصْل: [الوصية بسعف النخل]
قال أبو يوسف: ولو أوصى بسعف نخل له لفلان، أجزت ذلك، وقطعت السعف.
стр. 4641
ولو أوصى لرجل برِجْل شاة أبطلت ذلك؛ وذلك لأن السعف يجوز استحقاقه بعقد البيع، فجاز استحقاقه بعقد الوصية ورِجْل الشاة لا يجوز استحقاقها بعقد من العقود (١)، فلا يجوز استحقاقها بالوصية؛ ولأن تسليم السعف ممكن، [وتسليم] (٢) عضو من الحيوان متعذر.
٢٧٩٤ - فَصْل: [العبرة في الوصية إطلاق الاسم في العرف]
قال: ولو أوصى بغلة أمته لم يكن للموصى له من ولدها شيء، ولو أوصى له بغلة نخله كان له الثمرة؛ لأن المعتبر إطلاق الاسم في العرف، وغلة الدار والعبد اسم لبدل منافعها، وغلة الأراضي والنخل والشجر عبارة عن ثمارها وزروعها، وغلة الجارية عبارة عن بدل منافعها، فأما الولد فالاسم لا يتناوله، فوجب أن يحمل الاسم على مقتضاه، وقد قال ﵊: "الخراج بالضمان (٣)، والغلة بالضمان" ففهم من هذا المنافع وبدلها، ولم يفهم منه الولد.
قال: ولو أوصى بثمرة بستانه، وفيه ثمرة، فله الثمرة الموجودة يوم الموت، وليس له ما يحدث بعدها؛ لأن الثمرة في الحقيقة اسم الموجود، والمعدوم يتناول الاسم على سبيل المجاز، فإذا تناول الاسم الحقيقة لم يجز أن يتناول المجاز.
وأما إذا لم يكن في البستان ثمرة يوم الموت، فله المستقبل (٤)؛ لأن الحقيقة قد سقط اعتبارها، فوجب حمل الوصية على المجاز، وليس سَنَة أولى
стр. 4642
من سَنَة، فحمل على عموم السِّنِيْن.
وليس هذا كالوصية بغلة البستان إذا كان فيه ثمرة عند الموت، أن الوصية تتناول الموجود وما يحدث أبدًا؛ لأن اسم الغلة تتناول الأعيان، وما يوجد في الثاني على طريق الحقيقة، فوجب حمل الاسم على جميع ذلك.
٢٧٩٥ - فَصْل: [الوصية بثمرة البستان ولا مال له غيره]
قال: وإن أوصى بثمرة بستانه ولا مال له غيره، فللموصى له ثلث الثمرة؛ لأنه لا يملك إيجاب الحق في أكثر من ثلث ماله، والثمرة غير موجودة يمكن القسمة فيها، فاستحق ثلث كل ما يوجد منها.
قال: وإن مات الموصى له بعدما أثمر النخل فجميعه للورثة؛ لأنه ملك بظهورها، ومن ملك عينًا من الأعيان بالوصية، انتقل الملك فيها إلى الورثة.
وأما إن مات قبل أن تثمر فقد بطلت الوصية؛ لأن الموصي لم يوجب الحق من ذلك إلا للميت، فلو بقيت الوصية لاستحقها ورثته من ملك الموصي ابتداءً، وهو لم يوجب لهم الحق فيها.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل أوصى بخاتم لرجل، ولآخر بفَصِّه، فالحلقة لصاحب الوصية بالخاتم، والفَصُّ للآخر، ولا يشتركان؛ لأن الخاتم اسم للحلقة، وإنما يدخل الفَصُّ في الوصية إذا أطلقها على طريق التبع، فإذا أفرد [الفصَّ] (١) بوصية أخرى؛ خرج من أن يكون تابعًا، فاستحقه الموصى [له] الثاني دون الأول.
стр. 4643
[وعند محمد: كل شيء يحتمل الاستثناء للورثة، جاز المتبوع للذي أوصى به، والتبع بينهما نصفان، يعني: في الخاتم والفصّ، والجارية والنخل، والدار والبناء، إذا كانت منفصلة بالوصية ونحوها، وما لا يحتمل الاستثناء، فلكل واحدٍ ما أوصى، مثل العبد والخدمة، والدار والسكنى.
لمحمد: أنه أوصى بالأصل لرجل، وفرعه مما يجوز استثناؤه للورثة ولم يستثن، صار كأنه [أوصى] (١) بالفرع له أيضًا باللفظ، فلما أوصى بالبناء لآخر، فقد اجتمعت في البناء وصيّتان، فيجعل بينهما نصفان، بخلاف الغَلَّة والخدمة، فإذا أوصى بالعبد لرجل وبالخدمة لآخر، وهذا مما لا يجوز استثناؤه للورثة، فيكون الكل لصاحب الأصل، فإذا أوصى بالخدمة لآخر، فقد وجد أحد آخر منها وصية في ذلك الشيء باللفظ، فيكون لكل واحد منهما ما أوصى به خاصة، هذا [ما] ذكر محمد في الزيادات، ولم يذكر قول محمد في هذا الكتاب.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وقول محمد ليس من أصل هذا الكتاب]، وهذا كالوصية برقبة عبد لرجل، وبخدمته لآخر، صاحب الرقبة لا [يتناول] (٢) صاحب الخدمة؛ لأن اسم العبد لا يتناول المنافع، وإنما يملك الموصى له المنافع بحكم ملك الأصل تبعًا، فإذا أفردت المنافع بالوصية لم يستحقها صاحب الرقبة.
وعلى هذا، لو أوصى لرجل بأَمَتِه، وبما في بطنها لآخر؛ لأن اسم الأَمَة لا يتناول الحمل، وإنما يستحق الحمل بإطلاق الوصية على طريق التبع، فإذا أفرده بوصية أخرى، فإفراده صحيح، فلم يقع فيه مشاركة.
стр. 4644
٢٧٩٦ - فَصْل: [الرجوع في الوصية]
ولو أوصى بعبد، ثم مكث يومًا، فقال: قد أوصيت بخدمته لفلان، فهو رجوع في الخدمة، وهو بمنزلة قوله: العبد لفلان وصية، وخدمته لفلان.
وكذلك الخاتم والحامل؛ لأنّ الموصي يملك الرجوع عن [جميع] وصيته، فيملك [الرجوع] عن بعض ما اشتملت عليه، فإذا أوصى بالعبد، ثم أوصى بمنافعه، كان ذلك رجوعًا عما يستحقه الموصى له الأول بحكم ملكه.
قال: ولو أوصى لصاحب الخدمة، ولصاحب الفصّ، ولصاحب الولد بالأمة، فقد أوصى بولدها له، وأوصى لصاحب الفص بالخاتم بعد ذلك، وأوصى لصاحب الخدمة بالعبد بعدما أوصى له بالخدمة، فإن العبد بين هذين نصفان، فلهذا نصف خدمته، ولهذا نصف خدمته، [وكذلك الأم الحامل هي وولدها بينهما نصفان؛ لأنه لما أوصى لأحدهما بالرقبة، اقتضت وصيّته الرقبة بتوابعها، فلما أوصى للآخر بالتبع، ثم أوصى له بالأصل، صار كأنه أوصى لكل واحد منهما بالعبد منافعه، فيتساويان في الوصية]؛ وذلك لأنه لما ابتدأ الإيجاب في الخدمة والولد [ثم أوصى لآخر] (١) بالأصل مطلقًا، فنصيب الوصية الثانية الأصل والنماء، فصار النماء موصى لهما به، فيكون بينهما، فصارت الرقبة لصاحب الرقبة خاصة، ومنافعها وولدها بينهما نصفين.
٢٧٩٧ - فَصْل: [الوصية بالعبد لرجل وبخدمته لآخر]
قال أبو يوسف: إذا أوصى بالعبد لرجل، وبخدمته لآخر في كلام متصل،
стр. 4645
أو منقطع، وهو يخرج من ثُلُثه، فالخدمة لصاحب الخدمة، والرقبة لصاحب الرقبة، فكذلك الدار والسُّكْنَى، والخَاتَمُ والفَصُّ، والشَّاةُ والصُّوْف، والعَبْد والغَلَّةُ، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف، والسيف والحمائل مثل ذلك، والدار والبناء مثل ذلك، والبستان والثمر مثل ذلك، والأرض والنخل مثل ذلك، وكل شيء يشبه هذا مما لا يكون الاسم في الوصية تامًا، فالوصية الثانية بمنزلة الاستثناء، وهذا على ما بَيَّنَّا.
٢٧٩٨ - فَصْل: [الوصية بالدار لرجل وببيت منها لآخر]
قال: ولو أوصى لرجل بالدار، وأوصى منها ببيت بعينه لرجل بالحصص، وكذلك لو أوصى بألف لرجل بعينها، وأوصى بمائة منها لآخر، كان تسعمائة لصاحب الألف، والمائة بينهما نصفان في قياس قول أبي حنيفة.
وأما قول أبي يوسف: فعلى أحد وعشرين سهمًا، لصاحب المائة جزء من أحد عشر في المائة، ولصاحب الألف عشرة أجزاء في جميع الألف، وكذلك الدار والبيت.
قال ﵀: وذلك لأن الدار اسم لجميع البيوت، فالوصية الأولى تناولت البيوت من طريق الصريح، فإذا أوصى به للثاني؛ فكل واحد منهما موصى له به بصريح الوصية، فاشتركا فيه، وكذلك الألف عبارة عن كل مائة منها بالصريح، فالمائة موصى له بها لصاحب الألف ولصاحب المائة، فكانت بينهما.
فأما الخلاف في كيفية القسمة؛ فلأن عند أبي حنيفة من لا يدلي بسبب صحيح لا يضرب إلا بقدر ما يستحقه بالمزاحمة.
стр. 4646
وعندهما: أن كل واحد منهما يضرب بجميع حقه، فيضرب هذا بكل الألف، وهذا بسهم منها، فيكون على أَحَد عشر.
قال: ولو أوصى ببيت بعينه لرجل، وببنيانه لآخر، كان بينهما بالحصص، [يعني] (١): البناء؛ لأن البيت لا يسمى بيتًا إلا بالبناء، فوصية الأول قد تناولت البناء بالصريح، فتناول الموصى له بالبناء.
وليس هذا كما لو أوصى بالدار للأول، وللآخر ببنائها، أنهما لا يشتركان في البناء؛ لأن الدار اسم للعرصة، فلم تتناول وصية صاحب الدار البناء من طريق الصريح، فكان للأول العَرْصَةُ، وللثاني البناء.
قال: وليس للأول منه شيء كفص الخاتم.
٢٧٩٩ - فَصْل: [الوصية بالعبد لرجل ثم بالخدمة والرقبة لآخر]
قال: ولو أوصى لرجل بعبد، وأوصى بخدمته لآخر، ثم أوصى لصاحب الخدمة برقبته أيضًا، فإنهما يقتسمان العبد نصفين إذا خرج من الثلث، والخدمة باطلة؛ وذلك لأن الموصى [له] بالخدمة إنما كان ينفرد عن صاحب الرقبة؛ لأن كل واحد منهما موصى له بما لا يتناوله إطلاق الوصية للآخر، فإذا ضمّ إلى صاحب الخدمة بالرقبة، صارت المنافع تابعة لوصيته، فسقط حكمها، فكأنه أوصى لكل واحد منهما بالرقبة.
٢٨٠٠ - [فَصْل: الوصية بالعبد لرجل وبالخدمة ثم بالرقبة لآخر]
ولو كان أوصى للثاني بنصف العبد، قسم العبد بينهما أثلاثًا، وكان للثاني
стр. 4647
نصف الخدمة؛ لأنه لما أوصى بنصف العبد بطلت وصيته في خدمة ذلك النصف؛ لأنها تبعت الرقبة (١)، وبقيت الوصية في النصف الآخر بحالها.
قال ابن سماعة: ثم رجع أبو يوسف عن هذا فيما ذكر لي، فقال: إذا أوصى بالعبد لرجل، وأوصى بخدمته لآخر، ثم أوصى برقبة العبد، أيضًا لصاحب الخدمة، فإن العبد [بينهما]، والخدمة كلها للموصى له بالخدمة؛ لأن كل واحد منهما لما صَحَّ إفراده بالوصية، فالموصى له الثاني موصى له بالرقبة وبالخدمة على الانفراد، فإفراد الخدمة يقتضي خروجها من وصية الأول، فيستحق الثاني نصف العبد؛ لمساواته في الوصية، وانفرد بالخدمة فيستحقها.
قال: ولو أوصى بما في بطن جاريته لرجل، وأوصى بالخادم بعد ذلك لآخر، فالخادم لهذا، والولد لهذا، [على ما بَيَّنَّا: أن اسم الأمة لا يتناول الحمل، وإنما يستحق على وجه] التبع، فإذا أفرده بالوصية لم يستحقه صاحب الرقبة.
٢٨٠١ - فَصْل: [الوصية بالأمة لرجل ولآخر بما في بطنها]
قال: ولو أوصى لرجل بأمة تخرج من الثلث، وأوصى لآخر بما في بطنها، وأوصى بها أيضًا للذي أوصى له بما في البطن، قال أبو عبد الله: روي عنه [أنه] قال: الأمة بينهما نصفان، والولد [كله] للذي أوصى له به خاصة، لا يشركه صاحبه فيه؛ وذلك لما بَيَّنَّا أن المساواة حصلت في الرقبة بينهما، وانفرد صاحب الولد بالوصية به فيما تساويا فيه بينهما، وما أفرد لأحدهما يختص به. [والله أعلم] (٢).
стр. 4648
بَاب: الوصية لبني فلانٍ وولدِ فلانٍ
قال أبو الحسن: وإذا أوصى رجل بثلث ماله لبني تميم، أو لقبيلة لا يحصى عددهم، فكل وصيّة يدخل فيها الغني والفقير، فإنها تبطل إذا كان عددهم لا يحصى، وإن كان إنما تقع الوصية لفقرائهم، أو على وجه القربة لهم، فإن ذلك جائز خصّت القبيلة أو لم تخصّ.
مثل أن يقول: ثلث مالي لفقراء بني فلان، فإن قال: ليتامى بني فلان، أو لأرامل بني فلان، فإن ذلك الضرب يحصون، فالوصية لأغنيائهم وفقرائهم.
وقد بَيَّنَّا هذه الجملة فيما سلف، وذكرنا أن الوصية إذا لم [يقصد] (١) بها القربة فهي حق لآدمي، وحقوق الآدميين لا تثبت لغير معين.
فإذا أوصى لقبيلة يحصون جازت الوصية؛ لأن الموصى له معلوم، والتسليم إليه ممكن، وأما إذا كانوا لا يحصون، دخل في الوصية، الأغنياء والفقراء، فيثبت حق الآدمي غير معين، فلم يصح ثبوته لتعذر التسليم إليهم.
فإذا قال (٢): لفقراء بني تميم، فالوصية جائزة؛ لأن المقصود بها الله تعالى، وهو معلوم، والفقراء جهة الصرف؛ فجهالتهم لا تؤثر إذا كان المستحق معينًا؛ ولأن الوصية في مسألتنا لا يجب أن تستغرق كل الأنواع، ألا ترى أن الجنس إذا لم يمكن استيفاؤه تعلق الحكم ببعضه، كقوله: لا أتزوج النساء، وكذلك قوله
стр. 4649
تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ففهم أنه لا يجب دفعها إلى جميعهم، وإنما يدفع إلى بعضهم، فالخيار إلى المتصدق، فكذلك في الوصية يدفع إلى بعض الفقراء، والاختيار في تعيينهم إلى الوصي، فأمكن التسليم، فجازت الوصية.
وأما إذا ذكر صفة تصلح للغني والفقير، وقد تستعمل في العادة في الفقراء، فإن أضافها إلى من يحصى دخل فيها الغني والفقير، مثل الوصية ليتامى بني فلان، ولأراملهم، ولِزَمْناهم؛ لأن هذا الاسم يصلح للغني والفقير، وقد أمكن استغراقهم، فحمل اللفظ على عمومه فيهم.
وإن كانوا لا يحصون، فالوصية لفقرائهم؛ لأن هذا اللفظ في العادة يذكر في الفقراء، بدلالة قوله تعالى في آية الخمس: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ (١)، [الأنفال: ٤١] وأجمعوا أن المراد به الفقراء منهم دون الأغنياء.
وقد روي "أن النبي ﷺ ابتاع سلعة فربح فيها قبل أن يدفع ثمنها، فتصدق بذلك على أرامل بني عبد المطلب" (٢)، ومعلوم أن هذا الجنس [إنما] يقصد به الفقراء، فدل على أن الاسم مستعمل في الفقير وإن كان يصلح للغني.
ولو حملنا الوصية فيمن لا تحصى من الغني والفقير لبطلت، وإذا حملناها على الفقير الذي جرت العادة باستعمال الاسم فيه صحّت، ومقصود الموصي تصحيح الوصية، فكان ذلك أولى من إبطالها.
стр. 4650
بَاب: الوصية لمن لا يُحصى عددُهم أو يُحصى
قال أبو الحسن: قال أصحابنا: كل وصيّة يُحصى عدد أهلها فإنها جائزة، وهي بينهم بالسوية على عدد رؤوسهم، لا يفضل أحد على الآخر فيما يستحقه فيها، والذكر والأنثى فيها سواء، ويدخل [فيها] الغني والفقير.
وذلك لأن الحق يجوز إثباته لآدمي معين؛ لأن التسليم إليه ممكن، فإذا كانوا يحصون فالاسم يتناول الغني منهم والفقير وإثبات الوصية لجميعهم لا يبطلها، فصحت الوصية لهم، وتساووا فيها؛ لأنه استحقاق بالعقد، فاستوى فيه الذكر والأنثى كعقد البيع.
ويدخل فيها الغني والفقير؛ لأن دخول الغني فيها لا يفسدها.
قال: وإذا كان عددهم لا يُحصى، فهم على وجوه ثلاثة:
إذا كانت الوصية لا يدخل فيها غني ولا يدخل فيها إلا أهل الحاجة والمسكنة والفقر، فإنها جائزة وإن كانوا لا يحصون، ويجعل الوصي الوصية فيمن قدر عليه منهم، فإن جعلها في واحد، فما زاد جاز عند أبي يوسف.
وقال محمد: لا يجوز أن يعطي إلا اثنين منهم فصاعدًا، ولا يجوز أن يعطي واحدًا إلا نصف الوصية، وقالا: جميعًا، وأن يعطي من قدر عليه منهم أفضل.
قال ﵀: وهذا مثل قوله لفقراء بني تميم، فالوصية جائزة، لما قدّمنا أنها
стр. 4651
ثبتت لحق الله تعالى، وهو معين، فجهالة الجهة المصروفة إليها لا تؤثر فيها، وإنما جاز الدفع إلى واحد عند أبي يوسف؛ لأن الجنس لا يمكن استغراقه، فيحمل على أدناه، كمن قال: لا أتزوج النساء.
وأما محمد فقال: إن اسم الجميع في المواريث يثبت عبارة عن الاثنين فصاعدًا، فالوصايا معتبرة بالمواريث، فلم يحمل الجمع فيها على أقل من الاثنين، وإنما يوقف ذلك على اختيار الموصي؛ لأنه هو الذي يجب عليه النفقة فكان الاختيار إليه، كما يقف تعيين الفقراء في الزكاة على اختيار المُزَكِّيْن.
وإنما كان الدفع إلى الجماعة أفضل منه إلى الواحد والاثنين في قولهم؛ لأنه قصد بالوصية إيصال المنفعة إليهم، فإذا وصلت إلى الجماعة فهو أقرب من [جميع الجنس] (١) وأكثر [إلى] الانتفاع.
قال: وإن [كان] لفظ الوصية يقع للفقير والغني، ولا يخص به أحدهما دون الآخر، فهي باطلة، وهذا مثل قوله: لشبان بني تميم؛ وذلك لأنها تثبت لحق الآدمي، والحق لا يثبت لآدمي غير معيّن، ولأن تنفيذها متعذر، لتعذر التسليم.
قال: وإن كان اللفظ يقع للغني والفقير، وقد يستعمل ذلك اللفظ في أهل [الحاجة] (٢) دون أهل الغنى، فإنك تعتبر الموصى لهم، فإن كانوا يحصون كانت الوصية لهم جميعًا، الفقير والغني سواء فيها.
وإن كانوا لا يحصون جعلت الوصية في [أهل] الحاجة، فيعطي الوصي من شاء منهم، كقوله: ليتامى بني تميم، ولزَمْنَى بني تميم، فإن كانوا يحصون
стр. 4652
فالاسم يقع على الفقير والغني، والوصية لهم جائزة جميعًا، فلا يحتاج إلى التخصيص.
فإن كانوا لا يحصون، فهذا الاسم يذكر في الغالب ويراد به أهل الحاجة، بدلالة أن الله تعالى ذكر اليتامى في آية الخمس وأراد الفقراء منهم، فوجب تخصيص الوصية [وحملها] (١) على الفقراء خاصة، إذا كان الاسم قد يستعمل فيهم، والذكر والأنثى في جميع ذلك سواء؛ لأن الاستحقاق بالعقد لا يفضل فيه الذكر على الأنثى كالاستحقاق بالبيع.
وإذا قال: [لفقراء بني فلان] (٢)، وبنو فلان أولئك قبيلة لا تحصى، دخل مواليهم في الوصية، موالي الموالاة الذين أسلموا على أيديهم ووالوهم، ومولى العَتاقة وحلفاؤهم، أعدادهم معهم.
وإن كان أوصى لبني فلان، وهم بنو (٣) نسب، وليسوا بقبيلة ولا فخذ، كانت الوصية لبني فلان من العرب خاصة، دون الموالي، ودون الحلفاء؛ وذلك لأنه إذا ذكرت القبيلة، فمن لا يحصى فالمراد بها النسب، وذلك يوجد في الموالي والصلب، فيحمل على الأمرين.
وإذا ذكر البنوة فيمن يحصى، فإنما يراد به الولادة، فاختص ذلك بالصلب دون الموالي (٤).
стр. 4653
بَاب: الوصية لبني أب رجلٍ من الناس يعرفُ
قال بشر عن أبي يوسف في رجل أوصى بثُلُثِهِ لِبني [فلان] رجل من الناس يُعرف، فإن أبا حنيفة قال في ذلك: هو لولده جميعًا، الذكر والأنثى فيه سواء، ثم رجع عن ذلك وقال: هذا للذكور دون الإناث.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو للذكور والإناث جميعًا.
وجه قول أبي حنيفة أن الابنة لا يتناولها اسم الابن على الحقيقة، وإنما يتناول الاسم الذكور والإناث على المجاز، ومن حكم اللفظ أن يحمل على حقيقته، ولا يحمل على مجازه إلا بدليل.
وليس كذلك إذا كان فلان من قبيلة أو فخذ؛ لأن النسبة إليه لا يقصد بها الأعيان، وإنما يقصد بها الأنساب، وهذا موجود في الذكر والأنثى، ولهذا المعنى يتناول الاسم الإناث منهم وإن لم يكن معهنّ ذكر، ولا يتناول الاسم من ولد الرجل المعروف بتناول [التي] لا ذكر معهنّ.
وجه قول أبي يوسف ومحمد: أن الذكور إذا اجتمعوا مع الإناث غلب [عليهم] اسم الذكور، ويتناولهم الاسم جميعًا وإن كان لا يتناولهم في حال الانفراد، فوجب أن يحمل على جميعهم.
قال بشر عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: إن لم يكن لفلان ولد لصلبه، فإنه يعطى ولد ولده الذين من قِبَلِ الرجال، ولا يعطى ولد ولده من قِبَلِ البنات.
стр. 4654
وقال [أبو يوسف ومحمد]: لا يشرك في هذا النساء مع الرجال، إنما هو للرجال دون النساء.
وإن قال: لولد فلان، اشترك فيه الرجال والنساء؛ وذلك لأن اسم الولد يتناول ولد الصلب حقيقة، وولد الولد مجازًا، فإذا لم يمكن حمل الاسم على الحقيقة لعدم ولد الصلب، حمل على المجاز، فاستحق الوصية ولد الولد.
وأما ولد البنات فلا يدخل في الوصية عند أبي حنيفة.
وذكر الخصاف عن محمد: أن ولد البنات يدخلون فيه كولد البنين (١).
وقال في السِّيَر الكبير: إذا أخذ الأمان لنفسه وولده لم يدخل فيه ولد البنات.
وجه الرواية الأولى، وهي رواية بشر: أن ولد البنات يُنْسَبُوْنَ إلى آبائهم، [فلم يضافوا إلى أب أم، فلا يدخلون] (٢) في الوصية، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولو كان ولد البنات ينسبون إلى جدهم لكان رسول الله ﷺ أباهم.
وجه الرواية الأخرى: أن الولد ينسب إلى أبويه، فهو ابن لأبيه وابن لأمه حقيقة، وابن لجديه على وجه المجاز، فإذا نسب إلى أب أبيه، فإنه ابنه، وكذلك إلى أب أمه؛ ولأن عيسي ﵇ يقال إنه من بني آدم وإن كان [لا] ينسب إليه إلا لَمِنْ أمه، فدل على أن ولد البنات يدخلون في اسم البنين.
فأما إذا أوصى لولد فلان: الأنثى والذكر فيه سواء في قولهم؛ لأن كل واحد
стр. 4655
منهم يتناوله اسم الولد على الانفراد، فيتناولهم على الاجتماع.
قال: فإن كان لفلان ابن، وله بنو ابن، وقد قال: لبني فلان، فلابنه النصف، وما بقي فهو مردود على الورثة لا يعطى بنو الابن شيئًا، وإن كان له ابنان لصلبه فهو لهما.
وقال أبو يوسف: إن كان له ابنان لصلبه فهو لهما، وإن كان له ابن وأبناء ابن، فلابنه النصف، وما بقي فلابن ابنه، وهذا قول محمد.
وذكر في آخر الباب عن الحسن: أن الوصية لبني الابن للصلب وبني الأب، قال: وهذا قياس قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف، والصحيح على أصل أبي حنيفة الأول؛ لما بَيَّنَّا أن اسم الابن يتناول ولد الصلب حقيقة، وولد الولد مجازًا، ومن أصله: أن الاسم لا يحمل على الحقيقة والمجاز في حالة (١) واحدة، فإذا أردت الحقيقة سقط المجاز.
فأما على قولهما: فالاسم يحمل على الحقيقة والمجاز [في حالة واحدة]، فيشرك الولد وولد الولد، فأما إذا كان له ابنان فلا شيء لولد الولد؛ لأن اسم الجمع في الوصايا يتناول الاثنين فصاعدًا، وأما [وقد وجد من يستحق حمله] (٢) الوصية، فلم يحمل على غيرهم.
قال: وإن كان له بنات لصلبه وبنو ابن، فلا شيء لهم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بينهم بالسوية.
أما أبو حنيفة قال: فالاسم يتناول ولد الصلب حقيقة، وهم موجودون،
стр. 4656
فسقط ولد الولد، ولم يستحق البنات شيئًا؛ لأن اسم البنين لا يتناولهم على الانفراد، فبطلت الوصية إلى الفريقين.
وعلى أصلهما: تحمل الوصية على ولد الولد والولد إذا لم يجز [انفراد] الولد بهما، فإذا تناو [لهما] على الاشتراك صاروا كالبطن الواحد، فيشترك ذكورهم وإناثهم.
قال محمد في أصل الوصايا، عطفًا على هذه المسائل: لو قال: لولد فلان، وله امرأة حامل، دخل ما في بطنها في الوصية؛ وذلك لأن الوصية استحقاق يتعلق بالموت، كالمواريث، فكما يجوز أن يستحق الحمل الميراث، فكذلك يدخل في الوصية.
قال: وإن كان له بنات وبنو ابن، فالوصية لبناته دون بني ابنه؛ وذلك لأن البنات بانفراد (١)، فلم يتناولهم اسم الولد، فكان حمل الاسم على الحقيقة أولى.
قال: ولو لم يكن له إلا ولد واحد، فإن الثلث كله له؛ لأن اسم الولد تناول الواحد فما زاد عليه فلا يختص بالجمع.
قال هشام: وسألت محمدًا عن رجل قال: أوصيت بثلث مالي لبني فلان ولإخوة فلان، وفيهم ذكور وإناث، فأخبرني أن أبا حنيفة قال: هو للذكور دون الإناث.
قال محمد: هو بينهم بالسوية، لا يزاد الذكر على الأنثى، وهذا على ما قدمنا: أن اسم الذكور إنما يتناول الإناث إذا اجتمع [مع] الذكور على وجه
стр. 4657
المجاز، ومن حكم الاسم أن يحمل على الحقيقة.
وعلى قول محمد: اسم الذكور يطلق غالبًا على الإناث، فيتناولهم الاسم جميعًا.
قال هشام: قلت: فإن مات رجل وله ابن وبنت، فقال: قد أوصيت بنصيب أحد ابني فلان، فلم يجعل للموصى له، قال: ذلك للورثة: إن شاؤوا أعطوه أقل الأنصباء، قلت له: فإن كان له ابنتان وابن؟ قال فكذلك أيضًا، قلت: فإن كان [له] ابنان وبنت، أو ابنان وابنتان، أو بنون وبنات، فقال: قد أوصيت لفلان بنصيب أحد بني، فقال: يعطى الموصى له في هذا بنصيب ابن؛ لأن قوله: أحد بني، فيكون ابنان، والثلاثة بنون دون البنات.
وهذا صحيح؛ لأنه إذا خلف بنتًا وابنًا، فقال: أحد بنيّ، فقد علم أنه [سمَّى] الانثى ابنًا؛ لاجتماعها مع الذكر، فدخلت في الكلام، فجاز للورثة أن يحملوا الوصية على نصيبها.
فإن كان له بنون وبنات فقال: أحد بني، فالاسم حقيقة للذكور على الانفراد، فحملت الوصية على نصيب واحد منهم دون نصيب البنات.
قال محمد: فإذا كان له ابن وبنت، أو ابن وبنتان [أو ابن وبنات، فالابن وحده لا يكون بنين] (١).
هذا صحيح؛ لأن اسم الجمع لا يتناول الواحد، فلا بد من إدخال الإناث معه، فحملت الوصية على نصيب أحدهم.
стр. 4658
بَاب: الوصية للموالي
قال: وإذا أوصى رجل فقال: ثلث مالي لمواليّ، فإنه يدخل في الوصية جميع من أعتقه في صحته، ومن أعتقه في مرضه جازَ عتقه، وإن كان أعتقهم قبل الوصية أو بعدها، فهو سواء؛ وذلك لأن الوصية عقد يتعلق بالموت، وكل واحد من هؤلاء قد ثبت له الولاء عند الموت، فاستحق الوصية لوجود الاسم فيه.
وأما المدبرون وأمهات الأولاد؛ فروى [بشر] عن أبي يوسف: أنهم يدخلون في الوصية.
قال بشر عن أبي يوسف: أنه قال بعد ذلك: لا يدخل في الوصية إلا من عتق قبل موته، وكذلك قال محمد في الجامع الكبير: إذا قال: أوصيت بثلث مالي لمواليّ، وله مدبرون وأمهات أولاد، فإنهم لا يدخلون في الوصية؛ (لأنهم إنما صاروا مواليه بعد موته.
قال: ولو كان أعتق عبيدًا بعد وصيته في حياته، دخلوا مع مواليه في وصيته) (١).
وجه قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد: أن الوصية لما كانت عقدًا يتعلق بالموت، استحقت عقيبه، وفي ذلك الحال تعتق أمهات الأولاد والمدبرون، ويثبت [لهم] الولاء بعدها، فحال ثبوت الوصية ليسوا بموالي، فلا يدخلون فيها.
стр. 4659
وجه قول أبي يوسف الأول: أنهم يستحقون الحرية على وجه لا يلحق الفسخ، فنسبوا إلى الولاء كالمعتقين.
قال محمد: ولو كان قال لعبده: إن لم أضربك فأنت حر، فمات قبل ضربه، دخل في الوصية.
وهذا صحيح؛ لأنه يعتق عند عجزه عن الضرب في ذلك في آخر جزء من أجزاء حياته، فيستحق اسم المولى عقيب الموت، فيدخل في الوصية.
قال: فإن أوصى لمواليه، وله موال أعتقهم، وموال أعتقوه، ولم يبين أي الفريقين أراد، فالوصية باطلة في قولهم؛ وذلك لأن اسم [الموالي] (١) يتناول المعتَق والمعتِق بجهتين مختلفتين؛ لأن المعتِق مُنْعِمٌ، والمعتَق مُنْعَمٌ عليه، وليس في اللفظ ما يبين له أحد الأمرين من الآخر، فلم يجز حمل الاسم عليهما؛ لأن الاسم لا يحمل على المعاني المختلفة، ولا يجوز تخصيصه بإحدى العلتين؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر، فبطلت الوصية.
وليس هذا كالوصية للأخوات، [أنه] يدخل فيها الإخوة المفترقون؛ لأن الاسم يعبر به عن كل واحد منهم، وهذا [معنى] (٢) يجمعهم، وهو الانتساب إلى أحد الأبوين؛ فلذلك جاز أن يحمل على جميعهم.
وليس هذا كمن حلف لا يكلم موالي فلان، أن اليمين على الموالي الأعلى والأسفل؛ لأن النكرة في النفي تتناول المختلفين، وإن كان الإثبات لا يجوز أن يتناول المختلف (٣).
стр. 4660
قال أبو يوسف: ولو كان الموصي من العرب وله موالي عتاقة وموالي أسلموا على يديه [ووالوه]، قالوا: فهم في الوصية شركاء.
وقال محمد في الجامع الكبير: الوصية للمعتقين وأولادهم دون موالي الموالاة، أستحسن ذلك، وأدع القياس فيه (١).
وجه قول أبي يوسف: أن المعتق والمعاقد تناولهما اسم المولى، ولهما [معنى] معتبر [يجمعهما] (٢)، وهو كونهما تبعًا للمولى، فوجب أن يحمل الاسم عليهما.
وجه قول محمد: أن الاسم يتناول المعتق بالنعمة، ويتناول [المعاقد] (٣) بالعقد، فهما معنيان مختلفان، فلا يجوز أن يحمل عليهما، كما لا يحمل على الأعلى والأسفل، وليس هذا عنده كالموالي وأولادهم؛ لأنهم ينسبون إليه بولاء واحد، فلذلك دخلا في الوصية.
قال محمد: إذا أوصى الرجل لمواليه، وهو من العرب، وله موال أعتقهم، [وأولاد موال نساء ورجال حرائر لم يملكوا] مواليه الذين أعتقهم، فالثلث للموالي الذين أعتقهم وأولادهم من الرجال والنساء، ولا يكون لموالي مواليه من ذلك شيء؛ وذلك لأن المعتقين وأولادهم ينسبون إليه بحقيقة الولاء؛ لأنهم قد جرى عليهم ولاء لغيرهم، فصاروا كولد الولد الذين لا يدخلون في الوصية للولد مع وجود ولد الصلب؛ لأنهم ليسوا بأولادهم في الحقيقة، وقد حصل لهم