← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بَاب الصلاة في السفر قال الشيخ ﵀: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، كذا روي عن عمر أنه قال: صلاة السفر تمام غير قصر على لسان نبيّكم (١). وعن عائشة (٢) وابن عباس: (إن الصلاة فرضت ركعتان، قالت عائشة: فلما قدم النبي ﵇ المدينة، أقرّت في السفر، وزيدت في الحضر). وروى ابن عباس: أن النبي ﵊ قال: "إن الله فرض عليكم الصلاة على لسان نبيّكم، للمقيم أربعًا، وللمسافر ركعتين" (٣)، جملة هذا: أن فرض السفر في كل صلاة رباعية. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: (فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين) (٤).

стр. 457

وعن عمر: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، سنة النبي ﵊ (١). وابن عمر: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، من خالف السنة، كفر (٢). وروى أبو الوداك، عن ابن عمر قال: صلاة السفر ركعتان، نزلتا من السماء، فإن شئتم فردوها (٣). وروى النخعي، عن عبد الله في المسافر، ثم قال: يعيد، كما لو صلى مقيم ركعتين أعاد (٤). وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت، وقال الشافعي: فرضه أربع، والركعتان رخصة (٥). لنا: ما قدمنا، وروى علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو جحيفة [ … ] قالوا: "إن النبي ﷺ خرج مسافرًا، فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع" (٦)، ولو كان مخيّرًا لكان يفعل الأمرين.

стр. 458

وروي: أن عثمان لما صَلَّى بمكة أربعًا، قال عبد الله بن مسعود: "إنا لله وإنا إليه راجعون، صلى رسول الله على مرحلتين ركعتين، وصلى أبو بكر وعمر ركعتين، فاعتذر عثمان بأعذار [بأنه تأهل بمكة]، لما اعتذر إليهم؛ ولأنها حالة تكره الزيادة فيها على ركعتين، فلم يقع عن فرضه كالجمعة؛ ولأن كل صلاة لو نوى عددها، كانت ركعتين، فإذا أطلق النية، كانت ركعتين، كالفجر. والذي روي عن عثمان، فقد بينا أنه اعتذر فقال: إني امرؤ قد تأهلت بمكة. قال الطحاوي قد روي عن أكثر الصحابة فعل الركعتين، ومن روي عنه أنه صلى أربعًا، لا يدل على أنه يذهب إلى ما يقوله الشافعي؛ لأن منهم من يعتقد أن القصر في السفر فرض، ومنهم من قال: لا يجوز لمن لا يلحقه مشقة، فيجوز أن يكون عثمان أيضًا صَلَّى لهذه العلة. وإذا ثبت أن فرضه ركعتان، قلنا: إذا صلى أربعًا لا يخلو: إما أن يكون قعد في الثانية، أو لم يقعد، فإن كان قعد، فقد صَحَّ خروجه إلى النفل مع بقاء فرض من فروض الصلاة عليه، ففسد فرضه، ويلزمه إعادته، وإن قعد، فقد أَتَمَّ صلاته، وإنما ترك السلام، وتركه لا يفسد الصلاة، فصار كمن فرغ من فرضه ثم أتى بالنفل. ٤٢٥ - [فَصْل: مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة] قال أبو الحسن ﵀: والسفر الذي [يقصر] فيه الصلاة، أدناه: ما كان مسيرة ثلاثة أيام سير الإبل، ومشي الأقدام على القصد من ذلك، ولا يعتبر في ذلك السرعة والإبطاء الخارجان عن العادة.

стр. 459

وجملة ذلك: أن مدة السفر مقدّرة عندنا على رواية الأصول: بثلاثة أيام قواصد، للراكب والماشي (١). وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث، قصّر، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد، مثله. وروى معلى عن محمد: أن السفر لا يكون أقل من ثلاثة أيام كاملة. وقال النخعي، والشعبي، وابن جبير: من الكوفة إلى المدائن، وهو مسيرة ثلاثة أيام. وعن ابن عمر: أنه يقصر في يوم تام، وبه قال الزهري والأوزاعي. وعن ابن عباس: أنه إذا أتى على يوم وليلة، قصّر، وعن ابن عمر رواية: ثلاثة أيام. وقال مالك: أربعة بُرد، وعن الحسن: مسيرة ليلتين، وعن أنس: خمس

стр. 460

فراسخ، وقال الشافعي: ستة وأربعون ميلًا (١). وهذا الذي ذكرناه عن السلف، إجماع: على أن أقل السفر مقدر، وقد خالف نفاة القياس الإجماع، فقالوا: قليل السفر وكثيره سواء (٢). وهذا فاسد؛ لأن فرض المقيم أربع، وفرض السفر ركعتان، بدليل قول عائشة: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين، وإذا كان فرضه في الإقامة أربعًا، وخروجه إلى ضيعته، لا يسمى به مسافرًا، لم يجز أن يصلي ركعتين؛ ولأن هذا القدر من السير لا يلحق فيه مشقة، فصار كالانتقال من محلة مصر إلى محلة أخرى. وأما الكلام في تقدير الأيام الثلاثة؛ فلأن النبي ﵊ قدّر رخصة السفر في المسح بثلاثة أيام، فدل على أن كل مسافر يتمكن من استيفاء الرخصة. وروى أبو هريرة: أن النبي ﵇ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا مع من يحرم عليه نكاحها" (٣)، وهذا حكم يتعلق بالسفر، وقد خصّه بالثلاثة، فهو أولى المقادير. ولأنه قدر لا يمكن استيفاء رخصة مسح المسافر فيها إذا سار سيرًا معتادًا، فلا يتعلق به القصر أصله ما دون ليلتين؛ ولأنها مدة لا يجب فيها القصر، فوجب فيها الإتمام، كاليوم الواحد، هذا في إبطال ما دون ثلاثة أيام.

стр. 461

وأما الشافعي، فقد احتج بما روى مجاهد وعطاء، عن ابن عباس (١): أن النبي ﵇ قال: "يا أهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة بُرد، من مكة إلى عسفان (٢) "، وهذا خبر رواه عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، وعطاء. قال الدارقطني: عبد الوهاب ليس بقوي، وقال غيره: كان عبد الوهاب يروي عن أبيه، ولم يره، ويجيب في كل ما يسأل عنه وإن لم يحفظه، وكان الثوري يرميه بالكذب، وقال يحيى بن معين فيه: ليس بشيء، وقال أحمد: هو ضعيف جدًّا، ورواه عن عبد الوهاب: إسماعيل بن عياش، وأجمع أصحاب الحديث: أنه ضعيف فيما يرويه عن غير الشاميين، وعبد الوهاب مكّي. وأما وجه رواية الأصل: فلأن النبي ﵊ اعتبر في رخصة المسح ثلاثة أيام، ولأن المقادير التي تتعلق بها أحكام الشرع، لا تقوم أكثرها مقام جميعها، كالحدود والشهادات. وجه الرواية الأخرى: هو أن الإنسان قد يسافر مسيرة ثلاثة أيام، فيتعجل في السير، فيبلغ قبل الوقت المَنْزِلَ بساعة أو ساعتين، ولا يعتد بذلك؛ ولأن الأكثر يقوم مقام الجميع في المشقة المؤثرة في العدد.

стр. 462

٤٢٦ - [فَصْل: اعتبار السير المعتاد في تقدير مسافة السفر] وأما اعتبار السير المعتاد، فقد ذكر الحسن عن أبي حنيفة: أنه لو سافر في الماء سيرًا سريعًا يومين، ويكون ذلك على الظَّهر ثلاثة أيام أو أكثر، قصر. قال: لو سار على البريد في يومين أو في يوم إلى موضع، ومثله يسار سير الإبل ثلاثًا، قصّر؛ وذلك لأن التقدير إنما يقع بالغالب من السير، وذلك يكون بالمعتاد الوسط، فلا يعتبر فيه السرعة الخارجة عن العادة، ولا الإبطاء الخارج عنها. وقال أبو حنيفة: في مصر له طريقان: أحدهما: مسيرة يوم، والآخر: مسيرة ثلاثة أيام، فإن أخذ رجل في الطريق الذي هو الأبعد، قصّر، وقال الشافعي: إن كان لغير غرض، لم يقصّر. وهذا فاسد؛ لأن عدوله إلى الطريق لا غرض له فيه، كمن سافر من غير غرض، ترخص، كذا هذا تجوز له الترخّص. ٤٢٧ - [فَصْل: مدة الإقامة التي تقطع حكم السفر] قال: ويقصر في سفره كله ما لم ينو الإقامة في موضع خمسة عشر يومًا، فإن نوى أقل من ذلك، أو أقام أكثر منه على غير عزم على إقامة خمسة عشر، قصّر. وجملة هذا: أن السفر إذا صَحّ، لم ينقطع حكمه إلا بعد صحة الإقامة، وذلك يكون بالنية، أو بدخول الوطن. فأما النيّة، فأقل مدة الإقامة خمسة عشر يومًا، وإذا نوى أن يقيم ذلك في مكان يصلح للإقامة، صار مقيمًا، وعن ابن عباس: إذا أقام خمسة عشر، أتم الصلاة، ومثله عن ابن عمر، وهو قول ابن المسيب، وابن جبير.

стр. 463

وقال مالك، والليث، والشافعي: إن أقام أربعًا، أتم (١). لنا: ما روي عن ابن عباس، وابن عمر، وهما صحابيان، فإذا قالا ما يُعلم من طريق القياس، حمل على التوقف؛ ولأن هذا القدر متفق عليه، وما دونه من الأربعة مختلف فيه، فلا يجوز إثباته إلا بدليل؛ ولأنه معنى يؤثر في إيجاب الصلاة والصوم، أعني: الإقامة، فهي كمدة الطهر. ٤٢٨ - [فَصْل: الإقامة بموضع غير صالحة للإقامة] وأما إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا في موضع لا يصلح للإقامة، لم يكن مقيمًا، وروى مُعَلّى عن محمد: أنه أقام على مثل الثعلبية على ما ليس فيه بيوت، [ … ] مدر، فليس بمقيم عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف في الثعلبية ونحوها: إذا كان هناك قوم قد وَطَّنوا ذلك المكان، صار مقيمًا إن كانوا يسكنون الشعر. قال ابن سماعة عن محمد، عن أبي يوسف: في الذي ينوي خمسة عشر يومًا في مفازة، أنه يكون مقيمًا، خلاف ما روي ابن سماعة عن محمد. وجه قولهم المشهور: أن الثعلبية (٢) ليست بموضع إقامة غالبًا، فهي كالمفازة. وجه قول أبي يوسف: [ ..... ] (٣) الإقامة فيه كالقرى.

стр. 464

٤٢٩ - [فَصْل: الإقامة بدار الحرب] وعلى هذا إذا دخل الإمام دار الحرب، ونوى الإقامة خمسة عشر يومًا، لم يصر مقيمًا، وعن أبي يوسف: أنه يصير مقيمًا. وروي عنه أنه قال: إن كانوا في الأخبية والفساطيط، فليس بمقيمين، وإن كانوا غلبوا على بعض البيوت، صاروا مقيمين بالنيّة. وجه قولهما: أن دار الحرب ليست بموضع إقامة للمسلمين مع المحاربة، فلا يتعلق بالنية حكم المقام فيها، كمن ينوي الإقامة في المفاوز؛ ولأن إقامتهم لا تتعلق باختيارهم؛ لأنهم إن غلبوا، أقاموا، وإن غلبوا أو انهزموا، انصرفوا، فهم في حكم العبد مع مولاه، ولا يتعلق بنيته حكم. وجه قول أبي يوسف: أنهم إذا غلبوا على بعض المصر، فالظاهر الغلبة، فيتعلق بنيَّتيهم حكم، وإذا كانوا في برية، فالظاهر أنهم غير غالبين، فلم يتعلق بنيتهم حكم. وإذا ثبت: أنه يصير مقيمًا بالنية، فإذا أقام من غير نيّة، لم يكن مقيمًا وإن طال مقامه. وقال الشافعي: إذا أقام أكثر من ثمانية عشر ليلة، فهو مقيم وإن لم ينو الإقامة (١). وهذا قول مخالف لإجماع السلف (٢): روى نافع: أن ابن عمر أقام بأَذْرَبِيْجان

стр. 465

ستة أشهر، يُصلي ركعتين (١). وعن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ ، أقاموا برامَهُرْمُز تسعة أشهر يقصرون الصلاة (٢). وعن أنس: أنه أقام بنيسابور سنة أو سنتين، يصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم (٣). وعن مسروق: أنه أقام بالسلسلة سنتين يقصر الصلاة، وعن علقمة: أنه أقام بخوارزم سنتين يصلي ركعتين. وعن عمران بن الحصين قال: شهدت مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام بمكة ثمان عشر ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: "صلوا أربعًا، فإنا سفر" (٤)، فجعل العلة بقاؤه على نيّة السفر. وروى جابر وأنس قالا أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٥)، ولأنه منفرد بنفسه في غير وطن، فإذا لم يقطع سفره بنيّة الإقامة، لم

стр. 466

يكن مقيمًا، كما لو أقام عشرة أيام. ٤٣٠ - [فَصْل: نية الإقامة بموضعين مدة القصر] قال: فإن نوى المسافر مقامًا في موضعين خمسة عشر يومًا، وليس ظهر واحد، ولا قرية واحدة، مثل أن ينوي أن يقيم بمكة وبمنى خمسة عشر يوما، أو الكوفة والحيرة، فإنه لا يكون مقيمًا إذا كان كل واحد من الموضعين متى خرج عنه أهله إلى سفر، قصروا الصلاة في الآخر؛ وذلك لأنه لم ينو المقام في مكان واحد تمام مدة الإقامة، فكأنه نوى في مكان واحد أقل من خمسة عشر يومًا (١). وليس كذلك إذا كان أحد الموضعين متى خرج إليه المسافر لم يقصر؛ لأنه بلد واحد، فإذا نوى الإقامة فيه تمام خمسة عشر يومًا، كان مقيمًا. ٤٣١ - [فَصْل: نية الإقامة بموضع ليس فيه بيوت] فإن نوى المسافر أن يقيم في قرية، أو في بحر في سفينة، أو جزيرة من جزائر البحر، أو أقام بمثل الثعلبية على ما ليس فيه بيوت مدر، فليس بمقيم عند أبي حنيفة؛ لأن هذه مواضع لا تصلح للإقامة، فلا يتعلق بنيته الإقامة حكم؛ ولأن الإقامة يتعلق بها الحكم للترفه الذي يحصل للمسافر بالإقامة، فإذا كان في مفازة، لم يحصل الترفه، فلم يوجد معنى الإقامة. ٤٣٢ - [فَصْل: وقت ابتداء القصر في السفر] قد بيّنا مدة السفر والإقامة، وما يتعلق بهما، واحتجنا أن نبيّن متى يصلي المسافر ركعتين؟.

стр. 467

قال محمد في "الأصل": ولا يصلي المسافر ركعتين حتى يخلف المصر (١)، قال الحسن عن أبي حنيفة: من خرج من الكوفة ينوي سفرًا، فإذا جاء الفرات وهو يريد بغداد، قصر، وإن كان نحو مكة، فحين يجاوز الأبيات، فإن كان في سفينة، فحتى يركبها، إلا أن يكون في وسط المصر، فيعتبر مجاوزة البيوت. وقد روى أبو الحويرث، عن أبي الأسود أن عليا أراد الكوفة، فلما كان بسليمة، صلى بالناس أربعًا، وقال: لولا الخصّ الذي بين يدي لصليت ركعتين. والأصل في ذلك: حديث أبي العالية قال: خطبنا أبو بكر الصديق فقال: قال رسول الله ﷺ : "للمقيم أربع، وللظاعن ركعتين، مولدي بمكة، ومهاجري بالمدينة، فإذا خرجت من المدينة مصعدًا من ذي الحليفة، صليت ركعتين حتى أرجع إليها" (٢)، فذكر خروجه من المدينة، وهذا لا يقال إذا بقي عليه شيء منها؛ ولأن بقاع المصر موضع لإقامته، فصارت كداره؛ ولأنه لو صار إلى هذا الموضع من سفره، أتم كبَيْتِهِ. ٤٣٣ - [فَصْل: وقت ابتداء الإتمام] وإذا قدم من سفر وبينه وبين مصره فرسخ (٣)، لم يتم صلاته، ولا يلزمه الإتمام حتى يصير إلى موضع لو كان فيه عند توجهه إلى السفر، لم يقصر؛ لما روي في خبر ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج من المدينة، لم يزد على

стр. 468

ركعتين، حتى يرجع (١)؛ ولأن هذا المكان لو صار إليه ابتداءً، قصّر، كذلك في العود، كسائر بقاع سفره. وقال أصحابنا: لا يصير مسافرًا بالنية حتى يخرج، ويصير مقيمًا بنفس النية إذا كان في موضع يصلح للإقامة، ولم يكن تابعًا لغيره؛ وذلك لأن النية بانفرادها، لا حكم لها في إسقاط العبادات، حتى ينضم إليها أمر آخر؛ بدلالة: أن المصلي متى نوى إفساد صلاته بكلام أو غيره، لم يؤثر فيها ما لم ينضم إليه فعل آخر، وكذلك من نوى التزام عبادة، لم يلزمه حكمها ما لم يتكلم، وإذا كان كذلك، لم يثبت لنية السفر حكم ما لم ينضم إليه فعل. وأما نية الإقامة، فقد قارنها فعل، وهو ترك السفر، فصار كمال التجارة إذا نواه للقُنْنَة. ٤٣٤ - [فَصْل: في القصر متعلق بآخر الوقت] وأما الوقت الذي يسافر فيه، فيقصر عندنا: إذا سافر في الوقت، قَصَّر في أوله، أو آخره إذا بقي منه قدر التحريمة، وقال ابن حيّ في المسافر يسافر بعد زوال الشمس: صلّى أربعًا، ومن أصحاب الشافعي من قال: إذا كان قد مضى من الوقت مقدار أربع ركعات. وهذه المسألة فرع على أن وجوب الصلاة يتعلق بآخر الوقت عندنا، وأن أوله وقت لوقوعها مراعًى، وقد نصّ على هذا في أول وقت الاستحاضة. وقال ابن شجاع: أول الوقت يتعلق به الوجوب موسعًا، ويتضيق ذلك بآخر

стр. 469

الوقت، وبه قال الشافعي. لنا: أنها صلاة يجوز تأخيرها عن هذا الوقت من غير عذر، فلم تكن واجبةً فيه، كالعصر في وقت الظهر يوم عرفة. وإذا ثبت أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت، وقد حصل ذلك، فهو مسافر، وكان عليه أن يأتي بفرض السفر، وكذا إن أقام وقد بقي من الوقت مقدار التحريمة، صلى أربعًا؛ لأن وقت الوجوب حصل وهو مقيم، فكان عليه فرض الإقامة. ٤٣٥ - [فَصْل: تذكر صلاة إقامة في السفر، وصلاة سفر في الإقامة] وقد قال أصحابنا فيمن تذكر صلاة إقامة في السفر، صلاها صلاة مقيم؛ لأنها استقرت في ذمته، وصارت دينًا، فلا يتغير بالسفر، كالنذر. وذكر ابن المنذر في "الاختلاف": أن هذا الفَصْل: إجماع (١). وأما إذا فاتته صلاة حال السفر، فذكرها حال الإقامة، فإنه يصليها صلاة سفر عندنا (٢)؛ لأن الركعتين من أهل الفرض، وقد استقر في ذمته بخروج الوقت، فلا يتغير بالإقامة، كركعتي الفجر؛ ولأنه عدد يجوز للمسافر الاقتصار عليه منفردًا، فلا يتغير بإقامته، كالمغرب. ٤٣٦ - [فَصْل: الصلاة أثناء العود إلى الأهل بنية الرجوع] قال أبو الحسن: إذا خرج من مصره مسافرًا، فلما سار نوى الرجوع إلى

стр. 470

أهله لحاجة، فإن كان المكان الذي رجع منه إلى مصره مسيرة ثلاثة أيام، قصر، وإن كان أقل من ذلك، أتم في مكانه، وفي رجوعه، وفي مقامه في مصره الذي يخرج منه إلى سفره؛ وذلك لأن السفر ما لم تكمله، فهو موقوف الحكم؛ لجواز أن يتم فيستقر حكمه، وجواز أن [يقصر، إذا أراد] (١) الرجوع قبل تمام ثلاثة أيام، يسقط حكمه، فوجب أن يصلي صلاة مقيم،، كأنه لم يسافر. وأما إذا أتم سفر ثلاثة أيام، ثم عزم على العود، فقد صح السفر، وزالت المراعاة، فلا يبطل إلا بدخول وطنه، أو نية الإقامة. والدليل على أن دخول الوطن يبطل السفر: (أن النبي ﵊ كان يسافر، فيقصر، وإذا عاد إلى المدينة، أتم)؛ ولأن مشقة السفر تزول بدخول الوطن، فتزول أحكامها. والكلام في هذا الموضع يقع في الأوطان المختلفة وأحكامها: والأوطان ثلاثة وطن أهلي: وهو الوطن الذي يستقر الإنسان فيه وأهله، وهذا الوطن سماه أبو الحسن وطن إقامة. والثاني: وطن سفر: وهو الذي يدخل المسافر من البلاد، فينوي أن يقيم فيه خمسة عشر يومًا. والثالث: وطن سُكنى: وهو أن يقيم في مرحلة أقل من خمسة عشر يومًا. فأما الوطن الأهلي: وهو الذي سماه أبو الحسن: وطن إقامة، فإنه يبطل بحدوث وطن مثله؛ لأن النبي ﵊ ولد بمكة، وكان وطنه بها، فلما هاجر وحدث

стр. 471

له وطن بالمدينة، بطل ذلك الوطن الأصلي؛ بدلالة أنه دخلها عام الفتح، فلم يتم صلاته، وقال: "أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر" (١)، دل على أنها خرجت عن كونها وطنًا؛ ولأنهما متساويان، والثاني طارئ على الأول، فأسقط حكمه. وهذا إذا نقل حكمه في أهله عن الأول، فأما إذا استحدث وطنًا وأهلًا في بلد آخر، وأهله في البلد الأول باقٍ لم ينقله، فكل واحد منهما له وطن أهلي. ولا يبطل الوطن الأهلي بالسفر؛ لأن الحاج قد يخرج مسافرًا، فلا يبطل وطنه، وقد سافر ﵊، فلم يبطل وطنه بالمدينة بالسفر، ولا يبطل بحدوث وطن الإقامة؛ لأنه أضعف منه، فلا يبطل الأقوى بالأضعف. وأما وطن الإقامة، الذي سمّاه أبو الحسن: وطن سفر، فيبطله الوطن الأهلي؛ لأن المسافر يتجدد له أوطان، يسقط كلها بعوده إلى وطنه وبلده؛ لأن الوطن الأهلي آكد وأقوى، والشيئان المختلفان إذا اجتمعا، تعلق الحكم بالأقوى منهما، وسقط الأضعف، ويبطل وطن مثله؛ لأنه ساواه في القوة، وطرأ عليه، فصار بمنزلة الوطن الأهلي طرأ عليه مثله، ويبطل بإنشاء سفر ثلاثة أيام؛ لأن هذا الوطن صار وطنًا له بنيته، وفعل السفر ينافي نية الإقامة، فبطل الوطن بوجود ما ينافيه، فلا يبطل وطن السكنى؛ لأنه أضعف منه، فلا يؤثر الضعيف في القوي، كما لا يبطل وطن للأهل بوطن السفر. وأما وطن السكنى، فيبطله مثله، كما تبطل الأوطان بحدوث مثلها، ويبطله الأهلي ووطن السفر؛ لأنه إذا أبطله ما هو مثله، فلأن يبطله ما هو أقوى، أولى منه. والدليل على ضعف هذا الوطن: أن وجوب الصوم وإتمام الصلاة، لا

стр. 472

يتعلق به متعلق ذلك بوطن الإقامة. قال أبو الحسن في "الجامع": اختلفت الرواية عن محمد في وطن السفر: وهو الذي سمّيناه: وطن الإقامة، فروي عن محمد: أنه لا يكون إلا بعد سفر في موضع يكون بينه وبين المصر الذي هو مقيم فيه، ثلاثة أيام فصاعدا. وروى ابن سماعة عنه: أنه يكون وطنًا وإن لم يكن سفر تام، ولم يكن بينه وبين أهله ثلاثة أيام. قال: وروى محمد عن أبي يوسف: أنه إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا بعد السفر في موضع، وليس بينه وبين أهله ثلاثة أيام، أنه يكون له وطنًا، ولا أحفظ قوله فيمن نوى إقامة خمسة عشر يومًا، ولم يتقدم له سفر. وجه الرواية الأولى: أن وطن السفر يكون بعد إنشاء سفر، فيقطعه بالوطن، ومتى لم يوجد هذا المعنى، بطل اعتبار الوطن، وصار كمن خرج إلى ضَيْعَةٍ، أو المُصَلَّى، فأقام به. وأما إذا خرج مسافرًا إلى مسافة ثلاثة أيام، فقد صَحَّ سفره، وترك السفر فصار كأنه نوى الرجوع إلى بلده، فيبطل سفره، ويصير كأن لم يكن. وجه الرواية الأخرى: أن الوطن الأهلي يجوز أن يحدث له في موطن آخر، وإن لم ينشئ سفرًا، ولا بعد عن وطنه الأول مسيرة ثلاثة أيام، وكذلك وطن الإقامة. فروع هذه الأصول ٤٣٧ - [فَصْل: الإتمام والقصر لمن تنقل بين المدن] قال محمد: في بغدادي خرج إلى القصر، ونوى أن يقيم بها خمسة عشر

стр. 473

يومًا، فلما دخل القصر عزم على أن يأتي الكوفة يقيم بها يومًا، ثم يعود إلى بغداد ويمرّ بالقصر، فإنه يتم الصلاة حتى يأتي بغداد في رواية ابن سماعة عن محمد. وفي الرواية الأخرى عنه: يتم حتى يأتي الكوفة، فإذا خرج يريد بغداد، إذا قصر في طريقه كله، وبالقصر أيضًا حتى يأتي بغداد. وأما على رواية ابن سماعة: فلأنه وطن وإن لم يتقدمه سفر، فإذا خرج إلى الكوفة، فذلك ليس بسفر، وإذا خرج إلى بغداد، فبينه وبين وطنه بالقصر أقل من ثلاثة أيام، فلا يجوز أن يقصر. فأما على الرواية الأخرى: فالقصر ليس بوطن؛ لأنه لم يتقدمه سفر، فلما خرج إلى الكوفة، فليس ذلك بسفر صحيح، فيتم، فإذا خرج من الكوفة إلى بغداد، وليس بينهما وطن، فهو سفر صحيح، قصر. وكذلك إن خرج من بغداد يريد الكوفة، فلما دخل القصر، بدا له أن يقيم بها خمسة عشر يومًا، ثم عزم بعد ذلك على أن يأتي الكوفة ويقيم بها، ثم رجع إلى بغداد، فإنه يقصر إذا خرج من الكوفة في رواية ابن سماعة عن محمد، على ما بيّناه. وقد حكى محمد عن أبي يوسف في هذه المسألة: إنه يتمم حتى يأتي بغداد؛ لأنه استوطن القصر بعد نية سفر صحيح. قال محمد: في خراساني قدم الكوفة، وأراد المقام بها شهرًا، ثم خرج إلى الحيرة، فوطن نفسه على إقامة خمسة عشر يومًا، ثم خرج من الحيرة يريد خراسان، فإنه يصلي بالكوفة ركعتين؛ وذلك لأن وطنه بالكوفة وطن إقامة

стр. 474

ووطن سفر على ما قال. ٤٣٨ - [فَصْل: في بطلان وطن الإقامة] قال أبو الحسن ﵀: وهذا الوطن بيّنا أنه يبطل بمثله، فلما نوى أن يقيم بالحيرة خمسة عشر يومًا، فقد حدث له وطن مثل الأول، فبطل إقامته بالكوفة، فمروره بها كمروره بسائر البلدان، فيصلي بها ركعتين. قال محمد: ولو أنَّ هذا الخراساني لمّا خرج من الكوفة إلى الحيرة، لم يوطن نفسه على إقامة خمسة عشر يومًا، فأقام بالحيرة أيامًا على تلك النية، وهم يتم الصلاة، ثم خرج من الحية يريد خراسان، فمرّ بالكوفة، فإنه يصلي أربع ركعات؛ لأنّ وطنه بالحيرة وطن سكنى، فلم يبطل وطن الإقامة الذي كان له بالكوفة، فإذا اجتاز بها وهي وطنه، صلى أربع ركعات ما دام بها، ولا يعتد بإنشائه السفر من الحيرة، كمن كان من أهل الكوفة، فخرج منها إلى الحيرة، ثم أنشأ سفرًا من الحيرة إلى خراسان، لم يصر مسافرًا حتى يفارق الكوفة. قال: ولو قدم خراساني الكوفة، فنوى أن يقيم بها خمسة عشر يومًا، أتم الصلاة؛ لأن هذه إقامة صحيحة، فعاد بها إلى حكم من لم يسافر. قال [ولو] (١) خرج منها يريد مكة، فلما وصل إلى القادسية، ذكر حاجة له بالكوفة، فانصرف إليها، صَلَّى ركعتين؛ لأنه [أنشأ سفره لثلاثة أيام]، وهو سفر صحيح، فبطل حكم وطنه، فرجوعه إليها ودخوله بلدًا آخر سواء. ولو كان الرجل من أهل الكوفة، والمسألة بحالها، صلى أربع ركعات؛

стр. 475

لأن الوطن الأهلي لا ينقضه إلا مثله، ولم يوجد إلا إنشاء السفر، وذلك لا يبطله. وإذا خرج الكوفي إلى القادسية، وهو لا يريد أن يجاوزها، ثم خرج منها إلى الحفيرة، وهو يريد أن لا يجاوزها، ثم خرج من الحفيرة يريد الشام، فمر بالقادسية، فإنه يصلي ركعتين؛ لأن وطنه بالقادسية، كان وطن سكنى، فإذا خرج إلى الحفيرة، حدث له وطن مثله، فبطل الأول، وصار مروره بها وسائر البلدان سواء. قال: ولو خرج من القادسية لحاجة له، حتى إذا كان قريبًا من الحفيرة، بدا له أن يرجع إلى القادسية، فيحمل ثِقَله منها، ويرجع إلى الشام، فإنه يصلي أربعًا حتى يرتحل من القادسية، لأنها وطن سكنى، فلا يبطل إلا بوطن مثله، وخروجه منها لا يبطل حكم الوطن، كما لا يبطل حكم سائر الأوطان. ٤٣٩ - [فَصْل: في دخول المسافر في صلاة المقيم] قال أبو الحسن: وإذا دخل المسافر في صلاة مقيم، صلى أربعًا. وقال مالك: إن أدرك معه ركعة فما فوقها، أتمها أربعًا، وإن كان أقل من ذلك، صَلَّى ركعتين (١). ومن الناس من يقول: لا يلزمه الإتمام في جميع الأحوال. لنا: قوله ﵊: "فلا تختلفوا على أئمتكم" (٢)، وهذا يوجب متابعته في

стр. 476

جميع الأحوال، في جميع الصلاة، وعن ابن عباس: إن صلينا معكم، صلينا أربعًا، وإن صلينا في بيوتنا، صلينا ركعتين؛ ولأنه اجتمع في الصلاة حكم السفر والإقامة، فكان الحكم للإقامة، كمن افتتح الصلاة في سفينة، فانحدرت. وأمّا الكلام على مالك؛ فلأن مشاركة الإمام لما ألزمته الائتمام، استوى فيها أوّل الصلاة وآخرها، كنية الإقامة. ٤٤٠ - [فَصْل: المسافر يقتدي بمقيم في الظهر، ثم يفسد الإمام الصلاة] قال أصحابنا: في المسافر يقتدي بمقيم في الظهر، فيخرج الوقت، ثم يفسد الإمام صلاته، قال: على المسافر ركعتان، وقال الشافعي: أربع (١). لنا: أن أصل الفرض عندنا ركعتان، وإنما لزمته الزيادة بحكم المتابعة، فإذا زالت المتابعة، عاد إلى أصل فرضه؛ ولأن ما لزم المسافر بحكم المتابعة، يبطل عنه بالإفساد، كما لو دخل في الجمعة. ٤٤١ - : [فَصْل: المسافر يدخل في صلاة المسافر] قال أصحابنا: في المسافر يدخل في صلاة المسافر، ثم يحدث الإمام، فيستخلف مقيمًا، لم يلزم المسافر الإتمام؛ لأن فرضه في الأصل ركعتان، وإنما يلزمه الإتمام بنية الإقامة، أو بالتزام تحريمة مقيم، ولم يوجد واحد منهما، فبقي على أصل فرضه.

стр. 477

٤٤٢ - [فَصْل: مسافر صلى بمسافر ركعة، ثم نوى الإقامة] قالوا: في مسافر صلى بمسافرين ركعة، ثم نوى الإقامة، أتمَّ صلاته والقوم؛ لأن المؤتمين نووا صلاة الإمام ونية الإقامة توجب إتمام الصلاة بموجب التحريمة، فصار كأنهم اقتدوا ابتداء بمقيم. ٤٤٣ - : [فَصْل: فيمن خرج مسافرًا ثم عاد إلى مكانه] وقد قالوا: فيمن خرج من مصره مسافرًا، فافتح الصلاة، ثم أحدث، فعاد إلى مصره، فتوضأ، وعاد إلى مكانه، صَلّى أربع ركعات؛ لأن دخوله وطنه يبطل حكم السفر، فصار كنية الإقامة، ومن خرج من مصره مسافرًا، فلم يتمم ثلاثة أيام حتى ينوي الإقامة، بطل حكم سفره؛ لأن السفر مراعًى، فإذا أبطل بنية الإقامة، عاد إلى الأصل. [فإن إمام] أتم [صلاته] (١) ثلاثة أيام، ثم نوى العود إلى مصره، فإن نية السفر وإن بطلت، فهو بالعود مستأنف لسفر صحيح، فيتعلق به حكم الرخصة. قال: فإن أئتم في الصلاة الفائتة في السفر بإمام مقيم، لم يجز ذلك؛ وذلك لأن القعدة الأولى فرض للمؤتم، نفل للإمام، والمفترض لا يجوز أن يقتدي بالمتنفل، وليس هذا كالمقيم يقتدي بمسافر؛ لأن القعدة الأولى فرض في حق الإمام، نفل في حق المؤتم، والمؤتم يجوز أن يقتدي في نفله بمفترض. ٤٤٤ - [فَصْل: المرأة تتبع زوجها إقامةً وسفرًا] قال: والعبد إذا كان مع مولاه، أو امرأة مع زوجها، فالعبد مقيم بإقامة

стр. 478

مولاه، ومسافر بسفره، وكذلك المرأة مقيمة بإقامة زوجها، ومسافرة بسفره؛ ولذلك كل تبع للإنسان يلزمه طاعته من إمام أو أمير جيش، فهو كذلك؛ وذلك لأن إقامة هؤلاء لا يقف على اختيارهم، وإنما يتبعون من يلزمهم الإقامة بإقامته، والسفر بسفره، فاعتبر فيه المتبوع. وقد روي: أن ابن مسعود أنكر على عثمان لمّا صَلّى بمنًى أربعًا، وصَلَّى معه؛ لأنه جوّز أن يكون نوى الإقامة؛ لأنه كان من جنده، فلزمه اتباعه. ٤٤٥ - [فَصْل: المسافر يصلي أربعًا] قال أبو حنيفة ﵀: إذا صلى المسافر أربعًا، فقد أساء، وخالف السنة؛ لقول ابن عمر: "من خالف السنة كفر"؛ ولأنه يزيد على الفريضة، والزيادة على الفرض لا يجوز إلا من جهة الله تعالى، كمصلي الصبح أربعًا. ٤٤٦ - [فَصْل: نية المسافر الإقامة في الصلاة] قال: وإذا نوى المسافر الإقامة وهو في الصلاة، أتم الصلاة أربعًا، وحده صلى أو خلف الإمام، إلا أن يكون قد أدرك أول الصلاة وأحدث، أو نام، فتوضأ وجاء، أو انتبه، أو انتبه وقد فرغ الإمام، فإنه إن نوى الإقامة عند ذلك، لم يكن مقيمًا؛ لأن الإمام في غير الصلاة، وإن كان مسبوقًا ببعض الصلاة، فهو مقيم في تلك الصلاة، نوى ذلك خلف الإمام أو بعدما قام يقضي؛ وذلك لأنه إذا نوى الإقامة، صار مقيمًا، فلزمه الإتمام كما نوى في أول الصلاة. وأما إذا كان مدركًا لأول الصلاة، وقد فرغ الإمام، فإن نيته لا تؤثر؛ لأنه في حكم من خلف الإمام، فكما أن الإمام لو نوى في هذه الحالة الإقامة، لم

стр. 479

يلزمه الإتمام، كذلك هذا. وأما المسبوق، فإنه في حكم المنفرد، ولهذا يلزمه القراءة، والمنفرد إذا نوى الإقامة، صحت نيّته. ٤٤٧ - [فَصْل: سهو المسافر في الظهر، ثم ينوي الإقامة] وقال محمد في "الأصل": في مسافر صلى الظهر ركعتين، وسها، وسَلَّم، ثم نوى الإقامة، سقط عنه سجدتا السهو في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يلزمه أن يتمم صلاته، وهذا مبني على اختلافهم: أن بقاء سجدتي السهو، هل يمنع الخروج بسلامه عن صلاته؟ فمن أصلهما: أنه خرج، فبنيّة الإقامة خارج الصلاة، لا يتعلق بها حكم، ولا يجوز أن يؤمر بفعل السجدتين ليلزمه الإتمام؛ وذلك لأنه متى عاد إليهما، يلزمه رفضهما إلى آخر صلاته، من جهة أنّ محلهما خارج الصلاة، وليس في الأصول: أن يؤمر بفعل شيء يلزمه رفضه في الحال، فبطل أن يؤمر بالعود إلى الصلاة لفعلها. وأما محمد وزفر: فمن أصلهما أنه في التحريمة، فيصير كمن قعد قدر التشهد، فيؤدي إقامة. ٤٤٨ - فَصْل: [نية المسافر أثناء الصلاة الإقامة] قال: وإذا نوى المسافر الإقامة وهو في الصلاة، [أتمّ الصلاة] (١) أربعًا، وحده [صلّى] أو خلف الإمام، إلّا أن يكون قد أدرك أول الصلاة فأحدث أو نام، فتوضّأ وجاء، أو [انتبه] وقد فرغ الإمام، فإنه إن نوى الإقامة عند ذلك

стр. 480

لم يكن مقيمًا؛ لأن الإمام في غير الصلاة. فإن كان مسبوقًا ببعض الصلاة فهو مقيم في تلك الصلاة، نوى ذلك خلف الإمام أو بعد ما قام يقضي؛ وذلك لأنه إذا نوى الإقامة صار مقيمًا فلزمه الإتمام، كما لو نوى ذلك في أول الصلاة. وأما إذا كان مدركًا لأول الصلاة وقد فرغ الإمام، فإن نيَّته لا تؤثر؛ لأنه في حكم من خلف الإمام، فكما أن الإمام لو نوى في هذه الحالة الإقامة لم يلزمه الإتمام، كذلك هذا، وأما المسبوق فإنه في حكم المنفرد، ولهذا يلزمه القراءة، والمنفرد إذا نوى الإقامة صحّت نيّته. ٤٤٩ - فَصْل: [مسافر صلَّى الظهر ركعتين وسلّم ونوى الإقامة] وقد قال محمد في الأصل: في مسافر صلَّى الظهر ركعتين وسها وسَلَّم، ثم نوى الإقامة، سقطت سجدة السهو في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد وزفر: يلزمه أن يتم صلاته. وهذا مبني على اختلافهم أن بقاء [سجدتي السهو] (١) هل يمنع الخروج من صلاته بسلامه؟. فمن أصلهما: أنه قد خرج من صلاته، فنيّة الإقامة خارج الصلاة لا يتعلق بها حكم، ولا يجوز أن يؤمر بفعلها (٢) ليلزمه الإتمام؛ وذلك لأنه متى عاد إليهما، لزمه رفضهما وتأخيرهما إلى آخر صلاته من جهة أن موضعهما خارج الصلاة،

стр. 481

وليس في الأصول أن يؤمر بفعل شيء يلزمه رفضه في الحال، فيبطل أن يؤمر بالعود إلى الصلاة لفعلهما. وأما محمد وزفر، فمن أصلهما أنه باق في التحريمة، فيصير كمن قعد بقدر التشهد، فنوى الإقامة. ٤٥٠ - فَصْل: [مسافر صلّى بمسافرين ونوى الإقامة] قال: وإن صلَّى مسافر بمسافرين ونوى الإقامة، أتمَّ وأتمَّ القوم؛ وذلك لأنه لمَّا نوى الإقامة لزمه الإتمام، فصار كمقيم في الابتداء صَلَّى بمسافرين. فإن صَلَّى مسافر بمقيمين، صَلَّى ركعتين وسَلَّم، وأتم القوم؛ لأنه ﷺ صَلَّى بمكة ركعتين وأمر بلالًا فنادى: "أتموا يا أهل مكة، فإنا قوم سفر" (١). ولا قراءة عليهم فيما يقضون إذا كانوا قد أدركوا أول الصلاة؛ لأن فرض القراءة في ركعتين من الصلاة، وقد تعينت في الأولين، فلم يلزمه [فيما] بعد ذلك إذا لم يتغير حكم الائتمام. ٤٥١ - فصل: [المسافر العاصي في قصر الصلاة] قال: والمسافر في الطاعة والمعصية في قصر الصلاة سواء، لا تغير المعصية الفرض. وقال الشافعي: العاصي في سفره لا يترخص. أما جواز صلاته ركعتين؛ فلقوله ﷺ : "صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب

стр. 482

إلى أهله" (١)؛ ولأنه مسافر مسافة تقصر الصلاة في مثلها، فجاز له القصر كالتاجر؛ لأن كل ما جاز له استباحته في السفر المباح، جاز للعاصي في سفره استباحته، أصله: إذا [افتتح] الصلاة بالتيمم. وأما جواز الفطر في رمضان فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ ولأنّ كل حالة جاز الإفطار فيها لغير العاصي، جاز للعاصي في سببه، أصله حال المرض. وأما جواز المسح على الخفين؛ فلقوله ﵊: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" (٢)؛ ولأن كل مَنْ جاز له استيفاء رخصة الإقامة حال الإقامة، جَاز له استيفاء رخصة السفر، كالمرأة من غير محرم. وأما جواز الصلاة على الراحلة إذا خاف؛ فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ ولأنه خائف على نفسه من النزول، فكان له الصلاة على الراحلة كالمطيع؛ ولأنه خارج المصر، فكان له التنفل على الراحلة كالمطيع. وأما جواز أكل الميتة؛ فلقوله ﵊: "ما لم تَصْطَبِحُوا (٣)، أو تَغْتَبِقُوا، أو

стр. 483

تَحْتَفُّوا (١) بقلًا فشأنكم بها" (٢)؛ ولأنه خاف على نفسه التلف، فجاز له الانتفاع بالميتة كحال الإقامة، وأصله: مَنْ أنشأ السفر وهو مطيع، ثم جعله للمعصية. ٤٥٢ - فَصْل: [الصلوات التي تقصر فيها] وقد قالوا: إنه يقصر في السفر في كل صلاة: وهي أربع ركعات، فأما ما هي ركعتان أو ثلاث، فإن السفر لا يغيرها، والدليل على ذلك: حديث عائشة: "إن الصلاة فرضت ركعتين، فزيدت في الحضر، وأقرت في السفر على ما كانت عليه" (٣)، فهذا يدل على أنّ التغيير وقع في الصلوات التي جعلت أربعًا في الحضر؛ ولأن ذلك نُقِل من فِعْل رسول الله ﷺ نقلًا مستفيضًا، فلا يجوز مخالفته.

стр. 484

بَاب الصلاة على الراحلة قال أبو الحسن: للمسافر أن يصلي على راحلته [تطوعًا] أينما كان وجهه في غير مصر، مسافرًا كان أو غير مسافر إذا كان في صحراء، ويكره هذا بين البيوت، وفي هذا المعنى خلاف رواية عن أبي يوسف. والأصل في جواز الصلاة على الراحلة في [حالة] السفر: ما رواه نافع عن عبد الله قال: "كان النبي ﷺ يُومئُ إيماءً بوجهه على راحلته" (١)، قال نافع: كان عبد الله يفعل ذلك. وعن ابن عمر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر" (٢). وعن أبي سعيد: كان رسول الله ﷺ يصلي على بعيره أينما توجه، سجوده أخفض من ركوعه (٣). وعن جابر: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي على الراحلة نحو المشرق تطوعًا، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة، صَلَّى على الأرض" (٤).

стр. 485

ولأن المسافر يركب في عامة أحواله، والإنسان يتنفل في عامة الأحوال، فلو لم يجز له أن يتنفل راكبًا، أدَّى ذلك إلى منعه من النوافل، وهذا لا يَصِحُّ؛ ولأن النافلة قد يجوز أن يفعلها على الأرض قاعدًا مع القدرة على القيام، فدَلَّ على تخفيف حكمها، فجاز أن يفعلها الراكب في السفر. ٤٥٣ - فَصْل: [استقبال القبلة في الصلاة على الراحلة] وقد قال أصحابنا: إن استقبال القبلة في [ابتداء] الصلاة على الراحلة غير واجب، وقال الشافعي واجب. لنا: حديث ابن عمر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يُصَلِّي على راحلته حيث توجَّهَت به" (١)، وهذا بيان لصفة الصلاة، فلو اختلف الابتداء والانتهاء لبيّنه؛ ولأن استقبال القبلة لو كان شرطًا في الابتداء، لاعتبر حال البقاء [مثل حال] النزول. وأما الذي روي عن أنس قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يصلِّي على راحلته: استقبل القبلة، وكَبَّر، وصَلَّى حيث توجَّهَتْ به" (٢)، لا يدلّ على الوجوب؛ لأن مجرد فعله ﵊ لا يدل على الوجوب. ٤٥٤ - فَصْل: [الصلاة على الراحلة بالإيماء] وقد قالوا: إنه يُؤْمِئُ إِيماءً؛ لحديث نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يومئُ إِيماءً؛ بوجهه على راحلته (٣)، وفي خبر أنس: "كان رسول الله ﷺ

стр. 486

يُصَلِّي على حمارٍ وهو متوجه إلى غير القبلة، يركع ويسجد، يومئُ إيماءً من غير أن يضع وجهه على شيء" (١)؛ ولأنه لا يتمكن من السجود كالمريض. قالوا: ويجعل السجود أخفض من الركوع؛ لما رواه عطية العوفي عن أبي سعيد قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي على بعيره أينما توجَّه، وسجوده أخفض من ركوعه"؛ ولأن السجود أخفض من الركوع في موضعه، فمتى أومأ [بها] لزمه الإيماء على الوجه الذي وقع وضعهما عليه، ألا ترى أن الإيماء بالركوع جزء منه، والإيماء بالسجود جزء من الأصل، فوجب اعتباره بأصله. ٤٥٥ - فَصْل: [ما لا يصلّى على الراحلة من الصلوات] وأما قوله في التطوع؛ فَلِمَا رُوي في حديث جابر: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي على الراحلة نحو المشرق تطوَّعًا، فإذا أراد المكتوبة صَلَّى على الأرض" (٢)؛ ولأن الأركان فريضة في المكتوبة، فلم يجز تركها مع القدرة، والراكب قادر على النزول، فلم يجز له ترك الأركان، كما لو كان على الأرض. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة قال: لا يصلي على الراحلة المكتوبة [راكبًا]، ولا الوتر، ولا ركعتي الفجر. قال ابن شجاع: لأن الوتر فريضة عنده، ومن جعل الوتر سنة، فكذلك قوله أيضًا؛ لتأكُّدها على النوافل. وأما ركعتا الفجر، فيؤمر بفعلهما، وينهى عن تركهما، فأشبها الواجبات.

стр. 487

وما قاله ابن شجاع يجوز أن يكون لبيان الأول دون الواجب، ويجوز أن يقال: إن ما لا يؤدَّى على الأرض قاعدًا من غير عذر، لا يفعل على الراحلة بإيماء، وركعتا الفجر من هذا الخبر. ٤٥٦ - فَصْل: [صلاة النافلة على جميع الدواب] وقالوا: يجوز أن يُوْمِئَ على أي الدوابِّ شاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ولم يفصل، وصلاة النفل على الراحلة معتبرة بصلاة الفرض على الراحلة حال الخوف، وقد روي (أن النبي ﷺ صَلَّى على حماره وعلى بعيره)، وهذا يدل على أنه لا فرق بين أجناس الدواب. ٤٥٧ - فَصْل: [الصلاة على الدواب مطلقًا] وأما قوله: "مسافرًا كان أو غير مسافر"، فقد قال في الأصل: إذا خرج المقيم من المصر فرسخين أو ثلاثة، فله أن يصلي على دابته، وروى ابن سَمَاعة عن أبي يوسف: أن للمسافر أن يصلي التطوع وهو راكب أينما توجهت به راحلته، وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يصلي على الراحلة [في المصر وغيره] (١). وجه الرواية التي شرط فيها السفر: أن القياس ينفي جواز النفل على الراحلة من غير ضرورة؛ لأنه يصلي بالإيماء من غير عجز، فأشبه المصلي على الأرض، وإنما ورد الخبر عن رسول الله ﷺ : يفعلها على الراحلة في السفر، فما سواه مبني على أصله، ولأنه إنما جاز في حالة السفر؛ لأنه إذا نزل انقطع عن سفره

стр. 488

ورفيقه، وهذا لا يوجد في المقيم؛ ولأنها رخصة، فيختلف فيها السفر والحضر كسائر الرُّخَص. وأما وجه الرواية التي جوّز فيها للمقيم خارج المصر [وهي الصحيحة]؛ فلحديث ابن عمر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يُصَلِّي على حماره وهو متوجه إلى خيبر" (١)، والتوجه [من المدينة] إلى خيبر ليس بسفر؛ ولأن السائر خارج المصر يلحقه المشقة في النزول؛ لانقطاعه عن طريقه، فصار كالسفر؛ ولأن الركوب خارج المصر غالب حال (٢) الإنسان كالمسافر. وأما ذكره للفرسخين أو الثلاثة في بُعْده من المصر؛ فلأن ما يقرب من المصر بمنزلة المصر، بدلالة امتناع التيمم [فيه]؛ ولأن ما قرب إلى المصر لا يقصد (٣) فيه الركوب كداخل المصر. ٤٥٨ - فَصْل: [التوجه في الصلاة للماشي] [قال]: ولا يجوز للماشي أن يصلي أين كان وجهه عندهم جميعًا؛ لأنه فاعل لما ينافي الصلاة بنفسه، فصار كالكلام [فيها والأكل؛ ولأن الماشي لا يلحقه المشقة في الوقوف كالقاعد؛ ولأن القياس يمنع جواز الصلاة مع الانتقال، وإنما تركوا القياس للخبر، فوجب اعتبار ما نقل عن فعله [﵊]. وعلى هذا، قالوا في السابح في البحر: أنه لا يصلي مع السباحة؛ لأنه فاعل بنفسه لما ينافي الصلاة، فصار كالماشي.

стр. 489

٤٥٩ - فَصْل: [أداءُ سجدةِ التلاوة على الدَّابَّة] [قالوا]: وكذلك سجدة التلاوة إذا تلاها على الأرض؛ لأن من أصلنا: أنها واجبة، وإذا وجبت على الأرض لم يجز أن يؤديها على الراحلة كالفرائض. وأما إذا تلا آية سجدة وهو راكب، فله أن يُومئ بها؛ لأَنَّ سبب وجوبها وجد من جهته وهو راكب، فصار كدخوله في نافلة؛ ولأنها تتعلق بالحال عقيب التلاوة، فجاز أن يؤديها على الصفة التي [وجبت] عليه. قال: وإن أوجب صلاة وهو راكب، جاز أن يؤديها راكبًا. وقد ذكر محمد في الأصل: أن من نذر أن يُصَلِّي ركعتين تطوعًا، فصلاهما على دابته، لم يُجْزِه؛ لجواز أن يحمل هذا على من أوجبها على الأرض؛ لأنه أوجبها على هذه الصفة، فلم يجز أن يؤديها أنقص منها. وإن جعلنا ذلك [على] روايتين: فوجه ما ذكره في الأصل: أن الصلاة عبارة عن أركان بصفة، فمتى أوجبها بنذره، لزمته بأركانها، فلا يجوز له تركها مع القدرة؛ ولأن الصلاة التي وضعت في الشرع ما كان بأركان، والإيماء بما أقيم مقامه، والنذر ينصرف [إلى موضع الشرع] (١) كما ينصرف إلى الصلاة بوضوءٍ وإن جازت الصلاة بالتيمم بحال، وليس النذر راكبًا كالدخول فيها [قاعدًا]؛ لأن الدخول إيجاب من طريق الحكم، وإن تعلق بالذكر الذي هو من قوله، فلزمه ما يصح فعله على أي وجه كان. وأما النذر: فهو عبارة من طريق اللفظ عن جميع الأركان، فلزمه ذلك

стр. 490

بإيجابه على نفسه. ووجه ما ذكره أبو الحسن: أن إيجابها في هذه الحالة من جهته كدخوله فيها، فجريا مجرًى واحدًا؛ ولأن النذر يتعلق بالحال التي هو عليها، فصارت كالسجدة التي تلاها في هذه الحالة، [فإن كان راكبًا أخّر فعلها راكبًا، وإن كان على الأرض فعلى الأرض، كذا الصلاة] (١). ٤٦٠ - فَصْل: [صلاة ركعة على الدابة وركعة على الأرض] قال: وإذا صَلَّى المسافر على دابته ركعة ثم نزل بنى على صلاته، فإن ابتدأ على الأرض ثم ركب، استقبل. ورُوي عن أبي يوسف: أنه يستقبل في الوجهين جميعًا. وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجزئه في الوجهين. أما إذا افتتحها نازلًا ثم ركب؛ فلأن الركوب عملٌ كثير؛ لأنه يحتاج إلى المعالجة الكثيرة في العادة، والعمل الكثير بغير عذر يوجب فساد الصلاة إذا لم يكن من أفعالها؛ ولأن الصلاة وجبت على الحال التي هو عليها، فصار كمن نذر صلاة على الأرض ثم أدَّاها راكبًا. وأما إذا افتتحها راكبًا ثم نزل، فإن النزول عمل يسيرٌ؛ بدلالة أن المعالجة التي تحتاج إليها يسيرة، فصار كمن نزل من دكّة إلى صَحْن المسجد، والعمل اليسير لا يفسد الصلاة؛ ولأن الدخول يختص بالحال، والدخول إيجاب بالقول،

стр. 491

فصار كمن قال: لله عليَّ أن أصلي راكبًا، فله أن يصلي نازلًا. وجه رواية الحسن: أنه جعل كل أحد من النزول والركوب عملًا كثيرًا، فتفسد الصلاة، وهذه طريقة الاجتهاد؛ ولأنه بنى صلاة بركوع وسجود على تحريمة بإيماء، مثل المريض إذا افتتحها بإيماء ثم قدر على الركوع. ٤٦١ - فَصْل: [الصلاة على الدابة في المصر] قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز أن يصلي على دابته في المصر، وقال أبو يوسف: يجوز أن يصلي (١) استحسانًا. وجه قولهما: (أن القياس مع جواز الصلاة على الراحلة؛ لأنه يؤديها بالإيماء مع القدرة، وإنما تركوا القياس للخبر، ولم ينقل أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في المصر، فيقع على أصل القياس؛ ولأن من كان في المصر، فالغالب من حاله النزول، ولا عذر له في أداء الصلاة راكبًا. وجه قول أبي يوسف) (٢): ما روي عن أنس: "أنه كان يتنفل على حماره في سكك المدينة"، ولا يعرف له مخالف، فترك القياس لفعله. وقد قال أصحابنا: في رجلين في محمل افتتح أحدهما الصلاة واقتدى به صاحبه، أجزأه؛ لأن صحة الاقتداء يقف على تساويهما في الفرض، إذا لم يكن بينهما نهرٌ ولا طريق، وهذا المعنى موجود في مسألتنا.

стр. 492

٤٦٢ - فَصْل: [الصلاة جماعة على الرواحل] قالوا: ولو كان كلُّ واحد على دابة، وصَلَّى أحدهما مؤتمًا بصاحبه، لم تجز صلاة المؤتمين، وقال محمد: إذا كانوا صفًا واحدًا والإمام في وسطهم أجزأتهم صلاتهم [ركبانًا]. أما صلاة الإمام؛ فلأنه غير مقيد بغيره، فصار كمن صَلَّى منفردًا، وأما المؤتمون، فإن كان الإمام متقدمًا عليهم، فقد حصل بينه وبينهم طريق ليس بمكان للصلاة، فأشبه الطريق الفاصل بينه وبين المؤتمين، وليس كذلك إذا صلوا على الأرض؛ لأن ما بين الصفين موضع الصلاة، فأشبه بقاع المسجد. وجه ما ذكره محمد: [هو أنهم] إذا وقفوا صفًا واحدًا، أن وقوفهم لا يمكن إلا على هذا الوجه]، فلا يعتد بتلك البقعة في الفصل، مثل ما بين الصفين إذا كانوا يصلون على الأرض، وليس كذلك إذا تقدم الإمام؛ لأنه لا ضرورة في الائتمام به على هذا الوجه، فأشبه الطريق. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في الراكب يؤمّ الركبان، لم يجزهم إلا [صلاة] الإمام. قال ابن شجاع: وهذا إذا كانوا يسيرون، وأما إذا كانوا وُقوفًا ليس بينهم طريق يقطع، ولا يحول بين الإمام والمؤتم، فإنه يجزئهم، وظاهر الأصل يقتضي خلاف هذا (١).

стр. 493

بَاب الصلاة في السفينة قال أبو الحسن: وإذا سافر الرجل في سفينة، فحضرت الصلاة، فإن كان يقدر على الخروج إلى الشَّطِّ، فأحبّ إلينا أن يفعل، فإن لم يفعل وصَلَّى في السفينة، أجزأه، وإن كانت موثقة في الشَّطّ، لم يجزئه إلا أن يصلي قائمًا، وكذلك إن كانت على قرار الأرض. وإنما كان الخروج إلى الشَّط أفضل؛ لأنه يتمكن من القيام والركوع والسجود، فكان ذلك أولى من غيره. وقوله: وإن صَلَّى في السفينة أجزأه - يعني: قائمًا -؛ لأنه مستقر من أرض السفينة يأتي بالأركان، فيجوز صلاته، ولا يؤثر في ذلك سير السفينة؛ لأنه غير متعلق بفعله، فوجوده وعدمه سواء، ولا خلاف في ذلك. وأما شرط الاستقرار (١) في ذلك، فإن الصلاة مع عدم الاستقرار لا يجوز للمقيم كالصلاة على الراحلة. وأما المربوطة، فلا يصلي فيها إلا قائمًا؛ لأنه لا يعذر في ترك القيام إذا كان يقدر عليه من غير ضرر، فصار كالقيام على الأرض. قال: فإن استدارت السفينة وهي [سائرة] (٢)، استدار إلى القبلة حيث

стр. 494

كانت؛ لأنه يقدر على الاستقبال من غير مشقة، فلا تسقط عنه كالمصلي على الأرض، وليس كذلك الراكب؛ لأن الاستقبال لا يقدر (١) عليه إذا كان يقطعه عن طريقه، فسقط عنه للعذر. ٥٦٣ [¬*]- فَصْل: [الصلاة قعودًا في السفينة] قال: وإن صَلَّوا قعودًا في السفينة وهي سائرة، وهم يقدرون على القيام، أجزأهم عند أبي حنيفة وقد أساؤوا، ولم يجزئهم عند أبي يوسف ومحمد. وجه قوله: ما روي عن أنس بن سيرين قال: "خرجنا مع أنس بن مالك إلى أرض في سيرين (٢)، فأمَّنا بنهر معقل وهو على بساط [السفينة] جالس ونحن جلوس، ولو شاء أن يخرج إلى الجُدِّ لخرج"، ومثله عن جنادة بن أمية، ولا نعرف لهما مخالف. ولأن القيام لو وجب لكان الاستقرار مستحقًا، ولا تجوز الصلاة وإن أتى بالقيام، فلما جازت صلاته مع السير، دَلَّ على أن القيام ليس بواجب (٣)؛ ولأن الغالب من راكب السفينة أن القيام يتعذّر عليه، والغالب كالعادة، والقيام يسقط بالأعذار كالراكب على البعير. وجه قولهما: أن القيام ركن، فلا يسقط من غير عذر كسائر الأركان. قال محمد: ولو صَلَّى على عِجْل لا يسير، أو على بعير لا يسير، أجزأه في

стр. 495

العِجْل، ولم يُجزئه في البعير؛ وذلك لأن العجل مستقرّ من الأرض، فالصلاة عليه كالصلاة على الدكان، والبعير غير مستقر، وإنما يجوز عليه الصلاة للمشقة التي تلحقه في النزول، وذلك لا يوجد عند قيام البعير، فلم تجز الصلاة عليه (١).
следующие страницы →