← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فصار كمن قال: لله عليَّ أن أصلي راكبًا، فله أن يصلي نازلًا. وجه رواية الحسن: أنه جعل كل أحد من النزول والركوب عملًا كثيرًا، فتفسد الصلاة، وهذه طريقة الاجتهاد؛ ولأنه بنى صلاة بركوع وسجود على تحريمة بإيماء، مثل المريض إذا افتتحها بإيماء ثم قدر على الركوع. ٤٦١ - فَصْل: [الصلاة على الدابة في المصر] قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز أن يصلي على دابته في المصر، وقال أبو يوسف: يجوز أن يصلي (١) استحسانًا. وجه قولهما: (أن القياس مع جواز الصلاة على الراحلة؛ لأنه يؤديها بالإيماء مع القدرة، وإنما تركوا القياس للخبر، ولم ينقل أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في المصر، فيقع على أصل القياس؛ ولأن من كان في المصر، فالغالب من حاله النزول، ولا عذر له في أداء الصلاة راكبًا. وجه قول أبي يوسف) (٢): ما روي عن أنس: "أنه كان يتنفل على حماره في سكك المدينة"، ولا يعرف له مخالف، فترك القياس لفعله. وقد قال أصحابنا: في رجلين في محمل افتتح أحدهما الصلاة واقتدى به صاحبه، أجزأه؛ لأن صحة الاقتداء يقف على تساويهما في الفرض، إذا لم يكن بينهما نهرٌ ولا طريق، وهذا المعنى موجود في مسألتنا.

стр. 492

٤٦٢ - فَصْل: [الصلاة جماعة على الرواحل] قالوا: ولو كان كلُّ واحد على دابة، وصَلَّى أحدهما مؤتمًا بصاحبه، لم تجز صلاة المؤتمين، وقال محمد: إذا كانوا صفًا واحدًا والإمام في وسطهم أجزأتهم صلاتهم [ركبانًا]. أما صلاة الإمام؛ فلأنه غير مقيد بغيره، فصار كمن صَلَّى منفردًا، وأما المؤتمون، فإن كان الإمام متقدمًا عليهم، فقد حصل بينه وبينهم طريق ليس بمكان للصلاة، فأشبه الطريق الفاصل بينه وبين المؤتمين، وليس كذلك إذا صلوا على الأرض؛ لأن ما بين الصفين موضع الصلاة، فأشبه بقاع المسجد. وجه ما ذكره محمد: [هو أنهم] إذا وقفوا صفًا واحدًا، أن وقوفهم لا يمكن إلا على هذا الوجه]، فلا يعتد بتلك البقعة في الفصل، مثل ما بين الصفين إذا كانوا يصلون على الأرض، وليس كذلك إذا تقدم الإمام؛ لأنه لا ضرورة في الائتمام به على هذا الوجه، فأشبه الطريق. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في الراكب يؤمّ الركبان، لم يجزهم إلا [صلاة] الإمام. قال ابن شجاع: وهذا إذا كانوا يسيرون، وأما إذا كانوا وُقوفًا ليس بينهم طريق يقطع، ولا يحول بين الإمام والمؤتم، فإنه يجزئهم، وظاهر الأصل يقتضي خلاف هذا (١).

стр. 493

بَاب الصلاة في السفينة قال أبو الحسن: وإذا سافر الرجل في سفينة، فحضرت الصلاة، فإن كان يقدر على الخروج إلى الشَّطِّ، فأحبّ إلينا أن يفعل، فإن لم يفعل وصَلَّى في السفينة، أجزأه، وإن كانت موثقة في الشَّطّ، لم يجزئه إلا أن يصلي قائمًا، وكذلك إن كانت على قرار الأرض. وإنما كان الخروج إلى الشَّط أفضل؛ لأنه يتمكن من القيام والركوع والسجود، فكان ذلك أولى من غيره. وقوله: وإن صَلَّى في السفينة أجزأه - يعني: قائمًا -؛ لأنه مستقر من أرض السفينة يأتي بالأركان، فيجوز صلاته، ولا يؤثر في ذلك سير السفينة؛ لأنه غير متعلق بفعله، فوجوده وعدمه سواء، ولا خلاف في ذلك. وأما شرط الاستقرار (١) في ذلك، فإن الصلاة مع عدم الاستقرار لا يجوز للمقيم كالصلاة على الراحلة. وأما المربوطة، فلا يصلي فيها إلا قائمًا؛ لأنه لا يعذر في ترك القيام إذا كان يقدر عليه من غير ضرر، فصار كالقيام على الأرض. قال: فإن استدارت السفينة وهي [سائرة] (٢)، استدار إلى القبلة حيث

стр. 494

كانت؛ لأنه يقدر على الاستقبال من غير مشقة، فلا تسقط عنه كالمصلي على الأرض، وليس كذلك الراكب؛ لأن الاستقبال لا يقدر (١) عليه إذا كان يقطعه عن طريقه، فسقط عنه للعذر. ٥٦٣ [¬*]- فَصْل: [الصلاة قعودًا في السفينة] قال: وإن صَلَّوا قعودًا في السفينة وهي سائرة، وهم يقدرون على القيام، أجزأهم عند أبي حنيفة وقد أساؤوا، ولم يجزئهم عند أبي يوسف ومحمد. وجه قوله: ما روي عن أنس بن سيرين قال: "خرجنا مع أنس بن مالك إلى أرض في سيرين (٢)، فأمَّنا بنهر معقل وهو على بساط [السفينة] جالس ونحن جلوس، ولو شاء أن يخرج إلى الجُدِّ لخرج"، ومثله عن جنادة بن أمية، ولا نعرف لهما مخالف. ولأن القيام لو وجب لكان الاستقرار مستحقًا، ولا تجوز الصلاة وإن أتى بالقيام، فلما جازت صلاته مع السير، دَلَّ على أن القيام ليس بواجب (٣)؛ ولأن الغالب من راكب السفينة أن القيام يتعذّر عليه، والغالب كالعادة، والقيام يسقط بالأعذار كالراكب على البعير. وجه قولهما: أن القيام ركن، فلا يسقط من غير عذر كسائر الأركان. قال محمد: ولو صَلَّى على عِجْل لا يسير، أو على بعير لا يسير، أجزأه في

стр. 495

العِجْل، ولم يُجزئه في البعير؛ وذلك لأن العجل مستقرّ من الأرض، فالصلاة عليه كالصلاة على الدكان، والبعير غير مستقر، وإنما يجوز عليه الصلاة للمشقة التي تلحقه في النزول، وذلك لا يوجد عند قيام البعير، فلم تجز الصلاة عليه (١).

стр. 496

بَاب الصلاة في الماء والطين قال محمد في القوم يصيبهم المطر فيكثر الطين، قال: إن لم يستطيعوا أن ينزلوا أومؤوا على دوابهم، وإن استطاعوا النزول أومؤوا قيامًا على الأرض؛ وذلك لأنهم إذا لم يقدروا على النزول سقط كما يسقط عن الخائف، وإذا جاز لهم أن يصلوا ركبانًا كان فرضهم الإيماء؛ لأن الراكب لا يقدر على الركوع والسجود. وإن قدروا على [النزول] (١) لزمهم؛ لأنهم يصلون مع الاستقرار، فلم تجز لهم الصلاة ركبانًا من غير استقرار. وأما قوله: يصلون قيامًا [بالإيماء]، فهو محمول على أنهم لا يقدرون على القعود والسجود لأجل الطين، فيجزئهم الإيماء. قال محمد: وإن أومؤوا والدواب تسير، لم يجزئهم إن قدروا أن يوقفوها؛ لأن السير فيه انتقال واختلاف، وذلك لا يجوز في الصلاة من غير حاجة، فإذا صَلّى واقفًا، أدَّى (٢) الصلاة في موضع واحد، فوجب ذلك عليهم مع القدرة. وأما إذا تعذّر الوقوف، جازت صلاتهم مع السير، كما يجوز صلاة الخائف.

стр. 497

قال: وإن صَلَّوا جماعة، فوقف أحدهم بجنب الآخر، أجزأهم، وإن كان بينهم طريق، لم يجزهم، وهذا قول محمد خاصة. وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: فلا تجوز صلاة الركبان جماعة؛ لأنه يحول بين كل راكبين موضع ليس بمكانٍ للصلاة: وهو ما بين البعيرين، فصار كما لو حال بينهما طريق. وجه قول محمد: أن الإمام إذا وقف في وَسَط الصف، فلم يحل بينهم إلا ما يحول بين القائمين على الأرض، جازت الصلاة، وإذا تقدم الإمامُ، وحال بينه وبين المؤتمين مكانًا ليس بموضع للصلاة، لم يجز. قال: وإذا كانوا لا يقدرون على الانحراف إلى القبلة، أجزأهم أن يصلوا إلى غير القبلة؛ لأن التوجه يسقط بالعذر كما تسقط سائر شروط الصلاة. قال: وإن قدروا على النزول، ولم يقدروا على السجود، صلوا قعودًا يومئون إيماءً، وإن لم يقدروا على القعود أومؤوا قيامًا؛ وذلك لأن العاجز عن السجود لا يلزمه فرض القيام، فلزمه أن يُؤْمِئ إيماءً (قاعدًا، وإذا تعذر القعود لزمه أن يُومئ) (١) قائمًا؛ لأنه لا يقدر على السجود ولا على القعود، فلزمه أن يُومئ بحسب حاله.

стр. 498

[٨] بَاب الجمعة ٥٦٤ - [فَصل: وجوب الجمعة] قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب الجمعة قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ووجوب السعي إلى الشيء يدل على وجوبه، وترك البيع المباح يدل على وجوبها. وروى سعيد بن المسيب عن جابر قال: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وتقربوا بالعمل الصالح قبل أن تشغلوا، وتحببوا إليه بالصدقة في السر والعلانية، تحبروا وتنصروا وترزقوا، واعلموا أن الله تعالى كتب عليكم الجمعة في يومي هذا، في مقامي هذا، في شهري هذا، فريضة واجبة إلى يوم القيامة، فمن تركها جحودًا بها واستخفافًا بحقها في حياتي أو بعد موتي، وله إمام عادل أو جائر، فلا جَمَعَ الله شمله، ولا أتَمَّ له أمره، ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا صوم له، ألا لا حج له إلا أن يتوب، فمن تاب، تاب الله عليه" (١).

стр. 499

وعن ابن عباس وابن عمر أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهينَّ أقوامٌ عن ترك الجمعة، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، وليكوننَّ من الغافلين" (١). وقد دلَّ على ذلك إجماع الأمة من غير خلاف. ٥٦٥ - فَصْل: [مَن تجب عليه الجمعة] وأما من تجب عليه الجمعة، قال أبو الحسن: والجمعة فريضة على كل حُرٍّ، مسلمٍ، بالغٍ، صحيح العقل، مقيم، من الرجال دون النساء، وليس على النساء، والعبيد، والصبيان، والمسافرين، والمرضى، والزمني جمعة. قال ﵀: وجملة هذا أن الجمعة تفتقر إلى شرائط في المُصَلِّي، وشرائط في غيره. فالتي في المُصَلِّي: أن يكون ذكرًا، بالغًا، حرًا، عاقلًا، مسلمًا، صحيحًا، مقيمًا. والتي في غيره: المصر، والجماعة، والسلطان، والخطبة، والوقت. فأما البلوغ والعقل؛ فلقوله ﵊: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى

стр. 500

يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم" (١)؛ ولأن عدم التكليف يمنع وجوب الجمعة كما يمنع سائر الواجبات. وأما الحرية؛ فهي شرط لما روى محمد بن كعب القرظي عن رجل من بني وائل قال: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة على كل مسلم، إلا امرأة، أو صبيًّا، أو مملوكًا" (٢). وروى طارق بن شهاب عن النبي ﷺ قال: "الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة: عبدًا، أو صبيًا، أو مريضًا، أو امرأة" (٣). وروى أبو الزبير عن جابر عن رسول الله ﷺ مثله (٤). ولأن الجمعة لا يقدر العبد على أدائها إلا على وجه ينقطع عن خدمة المولى انقطاعًا يلحق به ضرر؛ لأنها تحتاج إلى سعي، وانتظار الإمام، فصارت

стр. 501

كالحج والجهاد، وليس كذلك الصلاة المفروضة؛ لأنه يؤديها بنفسه في زمان يسير لا يضر بالمولى تركه الخدمة فيه، وكذلك الصوم؛ لأنه يجمع بينه وبين خدمة المولى، ولا ينقطع عنها، [وكذلك المرأة]. ٥٦٦ - فَصْل: [اشتراط الإقامة للجمعة] وأما اعتبار الإقامة، فالجمعة لا تجب على المسافر. وقد روي عن عَلِيّ وابن مسعود أنهما قالا: لا جمعة على مسافر (١). وعن الزهري قال: إذا سمع الأذان، وهو في دار جمعةٍ فليحضر معهم (٢). لنا حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على مسافر جمعة" (٣). وروى أبو الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه بالجمعة، إلا على امرأة، أو مسافر، أو صبي، أو عبد، أو مريض، فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة، استغنى الله عنه، والله

стр. 502

غني حميد" (١). وفي حديث تميم الداري: أن رسول الله ﷺ قال: "الجمعة واجبة، إلا على صبي، أو مريض، أو عبد، أو مسافر" (٢). ولأن النبي ﷺ كان يسافر، ولم ينقل عنه أنه فعل الجمعة في سفره؛ ولأن المسافر تلحقه مشقة بأداء الجمعة؛ لأنه ينقطع بدخول المصر وانتظار الإمام عن سفره، فسقطت عنه كسقوط الصوم. ٥٦٧ - فَصْل: [الجمعة للنساء] وأما النساء، فلا جمعة عليهنَّ؛ لقوله: "الجمعة على كل مسلم، إلا امرأة، أو مسافرًا، أو صَبيًّا، أو مملوكًا" (٣) ولأن المرأة ممنوعة من حضور الجماعة، فلم تجب عليها؛ ولأن حضورها يقف على إذن الغير كالعبد. وأما المرضى والزَّمْنَى (٤)، فلا جمعة عليهم؛ لقوله ﵊: "لا جمعة على صبي ولا مريض" (٥).

стр. 503

ولأن المريض يلحقه المشقة بحضور الجمعة، فلم يلزمه مع المشقة (١). ٥٦٨ - فَصْل: [الجمعة على الأعمى] قال أبو حنيفة: لا جمعة على الأعمى وإن وجد قائدًا. وقال أبو يوسف ومحمد: عليه الجمعة (٢)، وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الأعمى: هو ممن لا يجد سبيلًا إلى جمعة ولا حج ولا جماعة. وقال أبو يوسف: إن كان موسرًا وله من يقوده لزمه. وجه قول أبي حنيفة: أن الأعمى لا يمكنه فعل السعي بنفسه غالبًا، فأشبه الزمن؛ ولأن الضرر الذي يلحقه بالسعي كالضرر [الذي يلحق] المريض، فإذا سقطت عن المريض الجمعة، فكذلك الأعمى. وجه قولهما: أن الأعمى يقدر على السعي بنفسه، وإنما لا يهتدي كالضالّ. ٥٦٩ - فَصْل: [حضور المعذورين الجمعة] قال: ومن حضر من هؤلاء الجمعة أجزأته، وكانت فريضة.

стр. 504

وقد روي عن الحسن قال: "كنّ نساء المهاجرين يصلين الجمعة مع رسول الله ﷺ ، ثم يحتسبن بها من الظهر" (١). وروي عنه: "كُنّ النساء يُجمِعن مع رسول الله ﷺ ، وكان يقال: لا تَخرجن إلا تَفِلات، لا يوجد منكن ريحُ طيب" (٢). ولأن كل صلاة جازت من الرجال، جاز فعلها من النساء كالظهر؛ ولأنَّ من صَحّ منه فرض الأصل الذي هو الظهر، صَحّ منه ما أقيم مقامه كالحر المقيم؛ ولأن العبد والمسافر والمرأة والمريض من أهل الفرض، وإنما رخّص لهم للعذر، فإذا حضروا زال العذر وصاروا كالمسافرين إذا صاموا [جاز]. ٥٧٠ - فَصْل [اشتراط المصر للجمعة] ولا تجوز الجمعة إلا في مصر أو خارجٍ منه قريب منه: نحو الموضع الذي جعل مُصَلًّى لصلاة العيد ونحو ذلك، وقد بيّنا من تجب عليه الجمعة، والكلام بعد ذلك في شرائطها: [فمن شرائطها]: المصر عندنا، فلا تجب على أهل السواد، قال ابن سَمَاعة عن أبي يوسف: لا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار والأرباض المتصلة بها، فمن كان في قرية ليست متصلة بالرَّبَض، فلا جمعة عليه، وهذا قول عَلِيٍّ وحذيفة، وهو قول الحسن، ومحمد وأبي بكر بن محمد، والنخعي. وقال الشافعي: إذا كان في القرية أربعون، وجبت عليهم الجمعة (٣).

стр. 505

لنا: قوله ﵊: "لا جمعة، ولا تشريق، ولا فطر، ولا أضحى، إلا في مصر جامع" (١). ولأنها لو وجبت في القرى كوجوبها في البلاد، لبيّنَ ذلك رسول الله ﷺ والأئمة بعده، ولو فعل ذلك لنقل نقلًا مستفيضًا؛ ولأن كل بقعة لا يجب على أهلها الجمعة إذا كانوا أقل من أربعين، لم تجب وإن زادوا على أربعين كالبوادي؛ ولأنه ليس بمكان لإقامة السلطان غالبًا، فلا تجب على أهله الجمعة كالبادية. فإذا ثبت أن الجمعة لا تجب إلا في مصر، فقد ذكر أبو الحسن في صفة المصر: ما أقيمت فيه الحدود، ونفذت فيه الأحكام. وعن أبي يوسف: إذا اجتمع في القرية من لا يسعهم مسجد واحد بنى الإمام لهم جامعًا، ونصب لهم من يصلِّي بهم. وقال في موضع آخر: ولو كان في القرية عشرة آلاف أو أكثر، أمرهم بإقامة الجمعة فيها. وقال أبو يوسف في الإملاء: تفسير المصر الجامع: كل مصر فيه منبر وقاضٍ، ينفذ الأحكام ويقيم الحدود. (وقال ابن شجاع: أحسن ما قيل في ذلك: أن يكون أهل البلدة لو اجتمعوا في مسجدٍ من مساجدهم لم يتسع لهم.

стр. 506

ومن أصحابنا من قال: المصر ما يتهيَّأ فيه كل صانع بصناعته) (١). ٥٧١ - فَصْل: [الجمعة على من كان خارج المصر] ومن فروع هذا الأصل: أن من كان خارج المصر، لا يجب عليه دخول المصر للجمعة. وقال الشافعي: إذا كانت القرية فيها أقل من أربعين رجلًا فعليهم دخول المصر للجمعة إذا سمعوا النداء (٢). وقد روي عن حذيفة أنه قال: "ليس على أهل القرى جمعة"، ولا من هو على رأس ميل" (٣). وقال سعيد بن المسيب: تجب على من كان في المصر (٤). وقد روي أن سعد بن أبي وقاص وأبا هريرة كانا بالحَرَّة، فربما (تركا الجمعة) (٥). وعن أبي هريرة وابن عمر وأنس: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله (٦)،

стр. 507

وهو قول الحسن (١). وعن معاوية وعمرو بن العاص: تجب الجمعة على من كان على رأس أربعة فراسخ (٢). وقال الزهري: تؤتى الجمعة من ستة أميال (٣). وقال مالك: تلزم الجمعة [على من كان] (٤) على ثلاثة أميال. وقال الأوزاعي: من آواه الليل إلى أهله عند انصرافه منها.؟ وقال الشافعي: [تجب الجمعة] على من سمع النداء. لنا: أن كل موضع لا تجب على أهله إقامة الجمعة، لا يجب عليهم دخول المصر، لإقامتها كأهل البادية؛ ولأنه مكان واحد إذا وصل إليه الخارج من المصر جاز له أن يقصر الصلاة، فلم يجب على أهله دخول المصر للجمعة كما لو بعدوا. ٥٧٢ - فَصْل: [إقامة الجمعة بمنى] وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تجوز إقامة الجمعة بمنى، فمن أصحابنا من

стр. 508

قال: لأنها من توابع مكة، فصارت كرَبَض المِصْر، ومنهم من قال: إنها مصر في نفسها؛ لأن فيها جامعًا وأسواقًا مرتبة، وسلطانًا يقيم الحدود في أيام الموسم كسائر الأمصار. وقال محمد: لا جمعة بها؛ لأنها منزل من منازل الحاج كعرفة. ٥٧٣ - فَصْل: [اشتراط الجماعة للجمعة] وأما الجماعة فهي شرط في الجمعة؛ لأنها سميت بهذا الاسم (١) لأجل الاجتماع؛ ولأنه لا خلاف في اعتبار الجماعة، وإنما اختلفوا في [عدد] (٢) ذلك على ما سنبيّنه. ٥٧٤ - فَصْل: [اشتراط السلطان للجمعة] والسلطان شرط فيها، فلا يجوز أن تقام إلا بأمره. وقال الشافعي: يجوز لكل أحد إقامتها (٣). لنا: أن الجمعة تفوت على الناس إذا سبق إليها من يؤديها، فلو جوزنا للعامة إقامتها، لسبقت طائفة إلى الجامع وقدموها لغرض، ففاتت (٤) على أهل المصر، فجعلت إلى السلطان الذي يسوي بين الناس حتى لا تفوتها على بعضهم؛ ولأنها تفعل مع اجتماع الجماعات، ولكل واحد غرض في التقدم، فلا يتفقون على واحد، فيؤدي تنازعهم إلى بطلانها بخروج الوقت.

стр. 509

٥٧٥ - فَصْل [اشتراط الخطبة للجمعة] والخطبة من شرائطها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والسعي لا يجب إلى ما ليس بواجب، وأمر النبي ﷺ باستماعها، ونهى عن التشاغل عنها، وما ليس بواجب لا يجب استماعه، وهذا لا خلاف فيه. وإنما اختلفوا هل تقوم مقام ركعتين من الصلاة أم لا؟ فقال أبو بكر الرازي: لا تقوم مقام شيء من الصلاة؛ لأنه لا يعتبر فيها استقبال القبلة، ولا يبطلها (١) الكلام. ٥٧٦ - فَصْل: [اشتراط الوقت والجماعة للجمعة] قال: والوقت شرط فيها، فلا يجوز تقديمها على زوال الشمس، ولا فعلها في وقت العصر. وقال مالك: يجوز في وقت العصر. لنا: حديث أنس قال: كنا نصلي الجمعة مع رسول الله ﷺ إذا مالت الشمس (٢). ولأنها لو لم تختص بالوقت، لم تختص بهذا اليوم كالظهر؛ ولأنها صلاة وضع لها خطبة، فكان من شرطها الوقت كالعيد. والذي روي عن ابن مسعود: "أنه صَلَّى الجمعة ضحًى" (٣)، فمعناه:

стр. 510

ما قرب من ذلك. ٥٧٧ - [فَصْل: اشتراط العدد لانعقاد الجمعة] قال أبو حنيفة: لا تصح الجمعة إلا بجماعة: هم ثلاثة سِوى الإمام، ويكون الإمام والثلاثة ممن يجوز أن يؤم في غير الجمعة، ولم يحك خلافًا؛ والخلاف مشهور، عند أبي يوسف: ينعقد باثنين سوى الإمام. وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن الاثنين عدد لم يتفق على تقدم الإمام عليهما، فلم تنعقد بائتمامهم الجمعة، كالواحد؛ ولأن الجمعة سميت بهذا الاسم للاجتماع، فاحتمل أن يكون من شرطها الجمع مع الإمام، ويحتمل الجمع سواه، فلم يجب أن تنعقد بالشك. وجه قول أبي يوسف: أن الاثنين في الجماعة كما لو زاد عليهما، بدلالة جواز تقدم الإمام. ٥٧٨ - فَصْل [انعقاد الجمعة بأربعين] وقد قال الشافعي: إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين سِوَى الإمام (١). وهذا فاسد؛ لأن النبي ﷺ بعث مصعب بن عمير إلى المدينة، فصَلَّى في بيت سعد بن معاذ الجمعة باثني عشر رجلًا (٢)، ومثله لا يخفى على رسول الله ﷺ . وروى جابر: أن النبي ﷺ : "كان يخطب في يوم الجمعة فقَدِمت عِيْرٌ، فنفر

стр. 511

الناس إليها، حتى بقي في المسجد اثنا عشر رجلًا، منهم أبو بكر وعمر" (١)، ولم ينقل أنه ترك الجمعة منذ دخل المدينة، فدلَّ على أنه صَلّى بهم، وقد روي في بعض الأخبار: أنه صَلَّى بهم؛ ولأن اعتبار الأربعين لا دلالة عليه، فكان هذا العدد وما زاد عليه سواء. ٥٧٩ - فَصْل: [إمامة المسافر في الجمعة] وقد قال أصحابنا: أن الإمام في الجمعة يجوز أن يكون عبدًا، أو مسافرًا، وشرطوا فيه مَنْ يجوز أن يكون إمامًا للرجال في الصلوات المفروضات. وقال زفر: لا بد أن يكون حرًا مقيمًا. لنا: أنه يجوز أن يكون إمامًا للرجال في الصلوات المفروضات، فجاز أن يكون إمامًا في الجمعة كالحر المقيم. وجه قول زفر: أن الجمعة لا تجب عليه، فلا يكون إمامًا فيها كالصبي والمرأة. ٥٨٠ - فَصْل: [الاعتداد بالمعذورين في الجمعة] قال أصحابنا: تنعقد الجمعة بائتمام العبيد والمسافرين والمرضى. وقال الشافعي: يجوز أن يكونوا أئمة، ولا يعتد بهم في العدد (٢). لنا: أن كل مَنْ جاز أن يكون إمامًا في الجمعة، اعتد به في عدد المؤتمين كالحُرِّ والمقيم؛ ولأن الإمامة يعتبر فيها من الاحتياط ما لا يعتبر في الائتمام،

стр. 512

فمن جاز أن يكون إمامًا، أولى أن يعتد بائتمامهم (١). ٥٨١ - فَصْل: [إذن الإمام في إقامة الجمعة] قال أبو الحسن لا تجوز الصلاة إلا بإذن إمام المسلمين ما أمكن استئذانه في ذلك، فإن منع منه مانع لغيبة أو موت قبل أن يلي أمره غيره، فلا بأس أن يجتمع الناس على رجل [يصلي بهم]. أما اعتبار إذن الإمام مع الإمكان، فقد بيّناه، فإذا تعذر ذلك اعتبرنا اتفاق المسلمين؛ لأن عثمان لما حصر، قدّم الناس عليًّا فصلى بهم الجمعة؛ ولأنه لا يتوصل إلى استئذان الإمام، وإنما جاز للإمام التصرف برضا المسلمين، فإذا رضوا في هذا الحال، قام من رضوا به مقامه. ٥٨٢ - فَصْل: [الذكر في خطبة الجمعة] قال: ويُجزئ في الخطبة قليلُ الذكر وكثيره، فإن قال: سبحان الله والحمد لله، أجزأه عند أبي حنيفة، وأن يزيد على هذا إلى أن يصير خطبة أحب. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز من ذلك إلّا أن يأتي بكلام يسمى خطبة. وقال الشافعي: لا بد من خطبتين بينهما جَلْسَة خفيفة (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهذا يدل على [وجود] (٣) الذكر، وإن لم تكن خطبة؛ ولأنه ذِكر [جعل] شرطًا في صِحّة

стр. 513

الصلاة، فاعتبر فيه ما يتناوله الاسم كالتحريمة. وقد روي أنّ عثمان خطب حين بويع فقال: "الحمد لله"، ثم أُرتج عليه، فقال: إنكم إلى إمام فَعّال أحوج منكم إلى إمام قَوَّال، وإن أبا بكر وعمر كانا يعِدّان لهذا المقام مَقالًا، وستأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله لي ولكم، ونزل وصَلَّى الجمعة (١)، وهذا بحضرة الصحابة من غير نكير. وجه قولهما: ما روي عن عمر وعائشة أنهما قالا: "إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة" (٢)، فوجب اعتبار ما تسمى خطبة، وهذا لا يوجد في التسبيحة الواحدة. وأما إيجاب الخطبتين، فليس بصحيح، لما روي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يخطب خطبة واحدة، فلما ثقل وأسنّ، جعلها خطبتين، يقعد بينهما قعدة (٣)، فهذا يدل على أن القعود للاستراحة، فلا تجب. وقد قال الشافعي: إن القعدة شرط في الخطبة. وهذا ليس بصحيح؛ لأنها للفصل كالقعدة الأولى (٤).

стр. 514

٥٨٣ - فَصْل: [تخفيف خُطبة الجمعة] قال أبو الحسن: ولا يطوّل الخطبة؛ لما روي: "أن النبي ﷺ أمر بإقصار الخطب" (١). وقد قال الحسن عن أبي حنيفة: يخطب خطبة خفيفة، يفتتح بحمد الله ويثني عليه، ويتشهد ويصلي على رسول الله ﷺ ، ويعظ ويُذكِّر، ويقرأ سورة ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب أخرى، فيحمد الله ويثني عليه، ويتشهد ويصلي على رسول الله ﷺ ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتكون قدر الخطبتين، قدر سورة من طِوَال المُفَصَّل. ٥٨٤ - فَصْل: [القراءة والطهارة في الخطبة] وقد قال أصحابنا: إن القراءة في الخطبة مسنونة. وقال الشافعي: واجبة (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ولم يفصل؛ ولأنه ذِكْرٌ يتقدم الصلاة، فلم تجب فيه القراءة كالأذان والشهادتين. وإنما قلنا: إن السنَّة أن يقرأ فيها؛ لما روي: أن النبي ﵊ قرأ في خطبته: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] (٣).

стр. 515

وروي أنه قرأ في خطبته: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] (١). والذي قالوا: إنه قرأ فيها سورة، فمعناه مقدار سورة، ثلاث آيات قصار (٢). قال: وينبغي أن يخطب الإمام على طهارة وهو مستقبل القوم، مستدبر القبلة، وينبغي للقوم أن ينصتوا للخطبة، ويستقبلوا الإمام بوجوههم. أما الطهارة فهي من سنن الخطبة عندنا، فإن خطب محدثًا أو جنبًا، جاز، وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز في الوجهين، وهو قول الشافعي (٣). وإنما اعتبرت الطهارة في الخطبة؛ لأن الجنب ممنوع من دخول المسجد لغير الخطبة، فكذلك للخطبة. وأما المحدث؛ فلأنه يفصل بين الصلاة والخطبة بالطهارة، والسنة أن لا يفصل بينهما. وإنما قلنا: ليست الطهارة شرطًا؛ لأن الخطبة ذِكْر يتقدم الصلاة كالأذان. وجه قول أبي يوسف: ما روي عن عمر أنه قال: "إنما قصرت الصلاة لأجل

стр. 516

الخطبة" (١)، وهذا يدل على أنها تقوم مقام بعض الصلاة، فشرط فيها الطهارة. وإنما قالوا: إن الإمام يخطب قائمًا؛ لِمَا روى جابر بن سمرة: (أن النبي ﷺ خطب خطبتين قائمًا) (٢)، وكذلك خطب أبو بكر وعمر. وقد قال أصحابنا: إن القيام سنة وليس بشرط؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو عام؛ لأنه ذِكْرٌ يتقدم الصلاة كالأذان، وقد روي أن عثمان لما أسنَّ كان يخطب قاعدًا، ولم ينكر ذلك منكر. وإنما يستقبل القومَ ويستدبر القبلة؛ لأن النبي ﷺ هكذا خطب؛ ولأنها مخاطبة لهم، فالواجب أن يقبل عليهم بها، فأما القوم، فيستقبلون الإمام إذا بدأ بالخطبة؛ لأنهم قد أُمِروا بالاستماع، وذلك لا يكون إلا مع الإقبال على الإمام. وقد روي أن أبا حنيفة كان لا يستقبل حتى يفرغ المؤذن من الأذان، فإذا أخذ في الخطبة انحرف إليه. ٥٨٥ - فَصْل: [الصلاة والكلام أثناء الخطبة] ويكره أن يصلَّيَ الرجل أو يتكلم من حين يقوم الإمام للخطبة إلى أن يفرغ الصلاة عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يتكلم قبل الخطبة وبعدها ما لم يدخل

стр. 517

الإمام في الصلاة. وقد روي عن عَلِيّ وابن عباس: "إذا خرج الإمام فلا كلام ولا صلاة" (١)، ولأنه إذا ابتدأ بالصلاة دخل الإمام في الخطبة، فلا يقدر على قطع الصلاة فيها بعد الدخول فيها، فيؤدي ذلك إلى ترك استماع الخطبة [فلا يجوز]. وأما الكلام فوجه أبي حنيفة: أن هذه الحالة لما منع فيها من الصلاة لأجل الخطبة، منع من الكلام كحالة [الصلاة] (٢). وجه قولهما: أن الصلاة إنما منع منها؛ لأنها تمتد، فلا يقدر على [قطعها] (٣)، والكلام يقطعه إذا أخذ الإمام في الخطبة، فلم يمنع منه في حالة لا يشتغل به عن سماع الخطبة. ٥٨٦ - فَصْل: [ما يجتنب في الخطبة من الأعمال] قال: وينبغي أن يجتنب المستمع للخطبة من الكلام وغيره ما يجتنب في الصلاة؛ لقوله ﵊: "إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت" (٤). وروي في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، أنه

стр. 518

في حال الخطبة (١)، ولأن سماع الخطبة واجب، وما يمنع من الواجب لا يجوز فعله. وقد اختلف أصحابنا المتأخرون: فيمن كان بعيدًا من الإمام لا يسمع الخطبة، فاختار له محمد بن سلمة السكوت، وقال نصير بن يحيى: يقرأ القرآن، وقال الحكم بن زهير: ينظر في الفقه. وقد قال أصحابنا: يكره رَدُّ السلام في حال الخطبة؛ لأنه يتشاغل به عن سماعها، فهو كالكلام. فإن قيل: رد السلام فرض، فلم قدَّم الاستماع الواجب عليه؟. [قلنا: لأن] الاستماع [يفوت] ولا يستدرك في غير هذه الحالة وردّ السلام مستدرك؛ ولأن رَدَّ السلام يجب إذا كان السلام غير منهي عنه، والسلام في هذه الحالة منهي عنه، فلم يجب رَدُّه. وقد قال أبو حنيفة: إذا ذكر الخطيب النبيَّ ﷺ استمعوا ولم يُصَلُّوا عليه؛ لأن الصلاة ليست بواجبة [عندنا]، فلا يشتغل بها عن استماع الواجب؛ ولأنها تستدرك في غير هذه الحالة، والسماع يفوت. ولهذا المعنى قال أصحابنا: إن الطواف بمكة للغريب أفضل من الصلاة؛ لأنه يستدرك الصلاة في بلده، ويفوته الطواف. وقال أبو يوسف: إذا صَلَّى الخطيب على النبي ﷺ ، صَلَّى عليه الناس في نفوسهم؛ لأن ذلك لا يشغلهم عن سماع الخطبة.

стр. 519

٥٨٧ - فَصْل: [أداء صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة] ولا يُصَلَّى يوم الجمعة في مصر جماعة، ولا يؤذِّنون، ولا يقيمون (١)، ولا يصلون جماعة في السجن، ولا في غيره، وإنما يعني بهذه: صلاة الظهر، فأما غيرها من الصلوات، فيصلي جماعة. وأما الظهر، فإن كان المُصَلِّي لها من أهل الجمعة، فهو يتشاغل بها عن فريضة الجمعة، وذلك لا يجوز، وإن كان المُصَلِّي لها معذورًا لمرض، أو سِجنٍ، أو سَفَرٍ، لم يجز أن يصلي أيضًا؛ لأن المسلمين في سائر الأمصار يغلقون أبواب المساجد في وقت الظهر، ومعلوم أن الأمصار لا تخلو من معذور، فلو جازت لفعلوها؛ ولأنا لو جوّزنا ذلك، لصَلَّى معهم من ليس بمعذور، فأدّى ذلك إلى ترك الجمعة [رأسًا]. قال: وأما أهل القرى ومَن هو في موضع لا جمعة فيه، فينبغي أن يجمعوا كما يجمعون في سائر الصلوات؛ لأن الجمعة لا تلزمهم، ولا يشاركهم في فعل الظهر مَنْ هو مِنْ أهل الجمعة، فصاروا في هذه الصلاة كهم في غيرها. ٥٨٨ - فَصْل: [تعدد الجمعة في المصر] قال: ولا بأس بصلاة الجمعة في الموضع والموضعين والثلاثة عند محمد. وأجاز أبو يوسف في موضعين إذا كان المصر عظيمًا، ولم يُجِزْ في ثلاثة. وقال في موضع آخر: أستحسن إذا كان في [مصر] (٢) له جانبان.

стр. 520

وجه قول أبي يوسف: أن الجمعة لو جاز فعلها في أكثر من مكان واحد، [لجاز] في كل مسجد كالظهر؛ ولأن إقامتها إلى السلطان، وسلطان المصر واحد، وأما إذا كان للمصر جانبان، وبينهما نهر عظيم كبغداد، فكل واحدٍ منهما كمصر منفرد عن الآخر، وقد كان يأمر مَنْ يقطع الجسر يوم الجمعة حتى تنقطع الواصلة بين الجانبين. وأما الرواية الأخرى: فلِمَا روي أن عليا كان يخرج إلى الجبّانة (١) يوم العيد، ويستخلف في المصر من يصلي بضَعَفة الناس (٢). فإذا جاز العيد في موضعين وهي مختصة بالمصر، كذلك الجمعة. وقد روي أن أبا حنيفة لما أسنَّ، كان يصلي العيد في الجامع. وأما محمد فقال: إن المصر إذا عظم وبعدت أطرافه، شَقَّ على أهل المصر (٣) في طرف منه السعي إلى آخره، فجَوَّزها في ثلاثة مواضع للحاجة إلى ذلك، وما زاد على ذلك فلا حاجة [بنا] إليه. ٥٨٩ - فَصْل [تعيين سورة في الجمعة] قال: ويقرأ في الجمعة بأيّ سورة شاء، ولا يتعين سورة بعينها يديم قراءتها، فإنه يكره أن يجعل شيئًا من القرآن حتمًا.

стр. 521

والأصل في ذلك: ما روى أبو هريرة: "أن النبي ﷺ قرأ في الجمعة سورة الجمعة، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ " (١) [المنافقون: ١]. وروى النعمان بن بشير: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الجمعة والعيدين بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢). فلما خالف بين السور، دلّ على أنها لا تختص بسورة؛ ولأنا لو خصصناها بسورة، لاعتقد الناس وجوبها، وذلك لا يجوز. ٥٩٠ - فَصْل: [إدراك صلاة الجمعة] قال: وفي أي حال أدرك المأمومُ الإمامَ فكَبَّر ودخل معه في الفعل أجزأه، وإن دخل معه في سجدتي السهو وهو قاعد فيهما، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يجزئه حتى يدرك ركعة [من الجمعة] كاملة، فيعتد بها. قال [معلى عن] محمد: إذا أدركهم جلوسًا، دخل [معهم] ونوى الجمعة، فإذا سَلَّم الإمام صَلَّى أربعًا، فإن لم يجلس في الركعتين الأوليين، فصلاته تامة، وإن دخل ينوي الظهر، فصلاته فاسدة.

стр. 522

وجه قولهما: قوله ﵊: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" (١)، والذي فاته الجمعة [يقضيها]. وقد روي عن ابن مسعود ومعاذ: "فمن أدرك التشهد، فقد أدرك الصلاة" (٢). ولأن هذه المشاركة يتغير بها الفرض مع الاعتداد بما تقدم، فاعتبر فيها مقدار التحريمة كدخول المسافر في صلاة المقيم. وقول محمد: بعيد على أصولهم؛ لأنه يبني الظهر على تحريمة الجمعة، وهما فرضان مختلفان. وقد حكى الطحاوي عنه: وجوب القَعْدة الأولى كوجوبها على الإمام. وحكى مُعلى عنه: أنها لا تجب؛ لأنه صار في حال البناء مصليًا للظهر. وإنما عدل محمد عن القياس؛ لحديث الزهري عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام، فقد أدركها، ومن أدرك ما دونها صَلَّى أربعًا" (٣).

стр. 523

(وهذا خبر مضطرب، وقد روي فيه: "فإن أدركهم جلوسًا صَلَّى أربعًا" (١). وروي (٢) "من فاتته الركعتان صلَّى أربعًا" (٣). وروي: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها" (٤). قال الزهري: ما أرى الجمعة إلّا من الصلاة إن أدرك منها ركعة فقد أدركها، وإن أدرك ما دونها صَلَّى أربعًا (٥). ولو كان عنده نَصٌّ في الجمعة لم يحتج (٦) إلى الرأي.

стр. 524

٥٩١ - فَصْل: [الغسل والتطيب للجمعة] قال: وينبغي لمن حضر الجمعة أن يدَّهن، ويمس طيبًا إن كان عنده، ويلبس من أحسن ثيابه، وإن اغتسل فحسنٌ، وإن ترك فلا بأس، والغسل أفضل. والأصل في ذلك: ما روي عن ابن عباس أنه قال: "أنا أخبركم بأصل ذلك: كان الناس عمّال أنفسهم، وكانوا يلبسون الصوف، وكان مسجدهم صغيرًا قريب السقف، إنما هو الجريد، فخرج رسول الله ﷺ يومًا وقد عرقوا في الصوف، فبدت روائحهم، فقال ﵊: "من حضر في هذا اليوم فليغتسل، وليمس من الطيب إن كان عنده"، فلما كان بعد ذلك اتسع المسجد، واتسع الأمر، فلبسوا غير الصوف، واستغنوا عن العمل (١). وقالت عائشة ﵂: كان الناس عمال أنفسهم، فتأذى بعضهم بروائح بعض، فقال ﵊: "من أتى الجمعة فليغتسل" (٢). وقد قال أصحابنا: إن الغسل مستحب، وحكيَ عن مالك: أنه واجب (٣).

стр. 525

والدليل عليه قوله ﵊: "من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل" (١). ولأن هذا الغسل لم يوضع لحدث، وإنما هو للنظافة، وذلك مسنون وليس بواجب. وقد قال أبو يوسف: إن غسل الجمعة للصلاة. وذكر ابن كاس عن أبي حنيفة مثله. وقال الحسن بن زياد: [هو] لليوم. ويظهر الخلاف بينهم فيمن اغتسل قبل الفجر ولم يحدث حتى صَلَّى الجمعة، قال أبو يوسف: قد فعل السنة، وقال الحسن: لم يغتسل للجمعة. وكذلك من اغتسل بعد طلوع الفجر ثم أحدث وتوضَّأ وحضر الجمعة، قال أبو يوسف: لم يأت بغسل الجمعة، وقال الحسن: قد فعل. وجه قول أبي يوسف: أن الطهارة إنما يؤمر بها للصلاة، فإذا أديت بغيرها لم يقع موقعها. وجه قول الحسن: أن الغسل وضع للنظافة حتى لا يستضر الناس عند الاجتماع [فيه]، وهذا موجود إذا اغتسل في اليوم، وإن لم يبق على غسله إلى وقت (٢) الصلاة.

стр. 526

٥٩٢ - فَصْل: [توجه المعذور إلى الجمعة بعد أداء الظهر] قال: ومن صَلَّى من معذور أو غير معذور الظهر في منزله، ثم توجَّه إلى الجمعة في حال يدركها، فقد بطلت الظهر، فإن صَلَّى الجمعة أجزأته، وإن لم يصل الجمعة أعاد الظهر. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل الظهر إلا (١) أن يدخل في الجمعة. قال رحمه الله تعالى: وهذه الجملة تشتمل على مسائل منها: أن فرض الوقت ما هو؟ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: إن فرض الوقت: الظهر، وقد أمرنا بإسقاطه بالجمعة، وقال محمد: الفرض هو الجمعة، وله أن يسقطه بالظهر، وروي عنه أنه قال: لا أعلم فرض الوقت ما هو؟ إنما الفرض ما يستقر فعله، وقال زفر: الفرض الجمعة، والظهر بدل. وجه قولهما: قوله ﵊: "وأول وقت الظهر حين تزول الشمس" (٢)، وهو عام في سائر الأيام. ولأن الجمعة إذا فاتته بخروج الوقت، نوى الظهر قضاءً، فلو لم تكن وجبت في الوقت، لم ينو القضاء بعد خروج الوقت، وليس يمتنع أن يكون الفرض الظهر، ويؤمر بتقديم غيره [عليه]، كما يؤمر بتخليص المال والغريق في الصلاة (قبل الصلاة) (٣). وجه قول محمد: أنه مأمور بفعل الجمعة، منهي عن فعل الظهر، والفرض

стр. 527

هو المأمور به، إلا أنه إذا صَلَّى الظهر سقط الفرض [عنه] (١)؛ لأن الفرض يسقط به بعد الوقت، كذلك في الوقت. وقال في الرواية الأخرى: إن كل واحدة من الصلاتين إذا فعلها سقط الخطاب، يدلُّ على أن الفرض أحدهما بغير عينه، وأنه يتعيَّنُ بفعله. وجه قول زفر: أنه مأمور بالجمعة، منهي عن فعل الظهر، فإذا فاتت الجمعة أمر بفعل الظهر، وما نهي عنه مع القدرة على غيره، وأمر به عند العجز عنه، فهو بدل. ٥٩٣ - فَصْل: [شهود الجمعة بعد صلاة الظهر] وقد قال أصحابنا: في المعذور إذا صلى الظهر، ثم شهد الجمعة، كانت فرضه [الجمعة]، وقال زفر: فرضه الظهر. وجه قولهم: أنه لو فعلها ابتداءً كانت فرضه، فإذا فعلها بعد الظهر، كانت فرضه كالصحيح. وجه قول زفر: أن فرضه الظهر؛ لأن الجمعة غير واجبة عليه، فوقعت الظهر موقع الفرض من غير مراعاة، وإذا فعل الجمعة بعدها لم تفسخ، كمَنْ صَلَّى الظهر في جماعة بعدما صلاها وحده. ٥٩٤ - فَصْل: [توجه الرجل إلى الجمعة بعد صلاة الظهر] قال أبو حنيفة: إذا صَلَّى الرجل الظهر، ثم توجه إلى الجمعة، بطلت الظهر

стр. 528

بالسعي، وقالا: لا تبطل حتى يكبر للجمعة. وجه قول أبي حنيفة: أن السعي فرض من فروض الجمعة يختص بها؛ لأن الله تعالى أمرنا بالسعي إليها (١)، ونهى النبي ﷺ عن السعي إلى الصلاة (٢)، والفرض المختص بالجمعة إذا اشتغل به بطلت الظهر كتحريمة الجمعة. لهما: أن السعي سبب من أسباب الصلاة، كالطهارة وستر العورة. ٥٩٥ - فَصْل: [استخلاف الإمام للصلاة بعد الخطبة] وإذا أحدث الإمام بعد الخطبة [قبل] (٣) دخوله في الجمعة، فقدّم رجلًا يصلي بالناس، أجزأهم إن كان المقدَّمُ شهد الخطبة أو بعضها، فإن لم يكن شهد الخطبة، لم يجزئهم؛ وذلك لأن الإمام لا بدّ أن تثبت الخطبة في حقه، وإنما تثبت بفعلها أو سماعها، وإذا لم يوجد واحد منهما، فكأنّه صَلَّى بغير خطبة. وليس كذلك إذا أحدث الإمام بعد الدخول في الجمعة، فقدَّم من لم يشهد الخطبة، فإنّ الصلاة جائزة؛ لأن الجمعة قد انعقدت، ولا يحتاج إلى الخطبة في حال البقاء (٤).

стр. 529

[٩] بَاب صلاة العيدين قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في العيدين: ما روي عن أنس قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال النبي ﷺ : قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى"" (١). وأما صلاة العيد، فقال الحسن عن أبي حنيفة: وتجب صلاة العيد على أهل الأمصار كما تجب الجمعة. وقال محمد في الأصل: ولا تصلّي نافلة في جماعة إلا صلاة الكسوف وقيام رمضان [والعيدين]، وهذا يدل على وجوب صلاة العيد. وقال أبو الحسن في المختصر: وتجب صلاة العيد على من تجب عليه صلاة الجمعة. وقال في الجامع الصغير: إذا اجتمع العيدان في يوم واحد، فالأول سنة، وقال أحمد بن العباس، وعياش الرازي: أجمع الناس أن العيد سنة. وقال أبو موسى الضرير في مختصره: هي فرض على الكفاية، فإن قلنا بوجوبها؛ فلأنها صلاة تختص بالجماعة كالجمعة؛ ولأنها صلاة وضع لها خطبة كالجمعة، وإن قلنا: إنها سنة؛ فلِمَا روي: أن الأعرابي قال للنبي ﷺ في

стр. 530

الصلوات الخمس: هل عليّ غيرهن؟ قال: "لا، إلَّا أن تتطوع" (١). وجه قول أبي موسى الضرير: أنها تسقط في حق من لم يفعلها وما يقوم مقامها بفعل غيره لها، فصارت كصلاة الجنازة. ٥٩٦ - فَصْل: [وقت صلاة العيد] قال أبو الحسن: وقت صلاة العيد من حين تبيض الشمس إلى أن تزول؛ وذلك لما روي: "أن النبي ﷺ كان يصلي العيدَ والشمس قدر رمح أو رمحين" (٢). وروي: "أن قومًا شهدوا عند النبي ﵇ في آخر يوم من رمضان برؤية الهلال، فأمر بالخروج إلى المصَلَّى من الغد" (٣)، ولو جاز فعلها بعد الزوال، لم يكن لتأخيرها إلى الغد معنى. ٥٩٧ - فَصْل: [فوات وقت العيد لعذر] قال: فإن لم يُصَلِّ لعذر، فوقتها من الغد كوقتها يوم الفطر، فإذا زالت الشمس في اليوم الثاني، لم يصل بعد ذلك، وإن تركها في اليوم الأول لغير عذر
следующие страницы →