← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

فسقط ولد الولد، ولم يستحق البنات شيئًا؛ لأن اسم البنين لا يتناولهم على الانفراد، فبطلت الوصية إلى الفريقين. وعلى أصلهما: تحمل الوصية على ولد الولد والولد إذا لم يجز [انفراد] الولد بهما، فإذا تناو [لهما] على الاشتراك صاروا كالبطن الواحد، فيشترك ذكورهم وإناثهم. قال محمد في أصل الوصايا، عطفًا على هذه المسائل: لو قال: لولد فلان، وله امرأة حامل، دخل ما في بطنها في الوصية؛ وذلك لأن الوصية استحقاق يتعلق بالموت، كالمواريث، فكما يجوز أن يستحق الحمل الميراث، فكذلك يدخل في الوصية. قال: وإن كان له بنات وبنو ابن، فالوصية لبناته دون بني ابنه؛ وذلك لأن البنات بانفراد (١)، فلم يتناولهم اسم الولد، فكان حمل الاسم على الحقيقة أولى. قال: ولو لم يكن له إلا ولد واحد، فإن الثلث كله له؛ لأن اسم الولد تناول الواحد فما زاد عليه فلا يختص بالجمع. قال هشام: وسألت محمدًا عن رجل قال: أوصيت بثلث مالي لبني فلان ولإخوة فلان، وفيهم ذكور وإناث، فأخبرني أن أبا حنيفة قال: هو للذكور دون الإناث. قال محمد: هو بينهم بالسوية، لا يزاد الذكر على الأنثى، وهذا على ما قدمنا: أن اسم الذكور إنما يتناول الإناث إذا اجتمع [مع] الذكور على وجه

стр. 4657

المجاز، ومن حكم الاسم أن يحمل على الحقيقة. وعلى قول محمد: اسم الذكور يطلق غالبًا على الإناث، فيتناولهم الاسم جميعًا. قال هشام: قلت: فإن مات رجل وله ابن وبنت، فقال: قد أوصيت بنصيب أحد ابني فلان، فلم يجعل للموصى له، قال: ذلك للورثة: إن شاؤوا أعطوه أقل الأنصباء، قلت له: فإن كان له ابنتان وابن؟ قال فكذلك أيضًا، قلت: فإن كان [له] ابنان وبنت، أو ابنان وابنتان، أو بنون وبنات، فقال: قد أوصيت لفلان بنصيب أحد بني، فقال: يعطى الموصى له في هذا بنصيب ابن؛ لأن قوله: أحد بني، فيكون ابنان، والثلاثة بنون دون البنات. وهذا صحيح؛ لأنه إذا خلف بنتًا وابنًا، فقال: أحد بنيّ، فقد علم أنه [سمَّى] الانثى ابنًا؛ لاجتماعها مع الذكر، فدخلت في الكلام، فجاز للورثة أن يحملوا الوصية على نصيبها. فإن كان له بنون وبنات فقال: أحد بني، فالاسم حقيقة للذكور على الانفراد، فحملت الوصية على نصيب واحد منهم دون نصيب البنات. قال محمد: فإذا كان له ابن وبنت، أو ابن وبنتان [أو ابن وبنات، فالابن وحده لا يكون بنين] (١). هذا صحيح؛ لأن اسم الجمع لا يتناول الواحد، فلا بد من إدخال الإناث معه، فحملت الوصية على نصيب أحدهم.

стр. 4658

بَاب: الوصية للموالي قال: وإذا أوصى رجل فقال: ثلث مالي لمواليّ، فإنه يدخل في الوصية جميع من أعتقه في صحته، ومن أعتقه في مرضه جازَ عتقه، وإن كان أعتقهم قبل الوصية أو بعدها، فهو سواء؛ وذلك لأن الوصية عقد يتعلق بالموت، وكل واحد من هؤلاء قد ثبت له الولاء عند الموت، فاستحق الوصية لوجود الاسم فيه. وأما المدبرون وأمهات الأولاد؛ فروى [بشر] عن أبي يوسف: أنهم يدخلون في الوصية. قال بشر عن أبي يوسف: أنه قال بعد ذلك: لا يدخل في الوصية إلا من عتق قبل موته، وكذلك قال محمد في الجامع الكبير: إذا قال: أوصيت بثلث مالي لمواليّ، وله مدبرون وأمهات أولاد، فإنهم لا يدخلون في الوصية؛ (لأنهم إنما صاروا مواليه بعد موته. قال: ولو كان أعتق عبيدًا بعد وصيته في حياته، دخلوا مع مواليه في وصيته) (١). وجه قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد: أن الوصية لما كانت عقدًا يتعلق بالموت، استحقت عقيبه، وفي ذلك الحال تعتق أمهات الأولاد والمدبرون، ويثبت [لهم] الولاء بعدها، فحال ثبوت الوصية ليسوا بموالي، فلا يدخلون فيها.

стр. 4659

وجه قول أبي يوسف الأول: أنهم يستحقون الحرية على وجه لا يلحق الفسخ، فنسبوا إلى الولاء كالمعتقين. قال محمد: ولو كان قال لعبده: إن لم أضربك فأنت حر، فمات قبل ضربه، دخل في الوصية. وهذا صحيح؛ لأنه يعتق عند عجزه عن الضرب في ذلك في آخر جزء من أجزاء حياته، فيستحق اسم المولى عقيب الموت، فيدخل في الوصية. قال: فإن أوصى لمواليه، وله موال أعتقهم، وموال أعتقوه، ولم يبين أي الفريقين أراد، فالوصية باطلة في قولهم؛ وذلك لأن اسم [الموالي] (١) يتناول المعتَق والمعتِق بجهتين مختلفتين؛ لأن المعتِق مُنْعِمٌ، والمعتَق مُنْعَمٌ عليه، وليس في اللفظ ما يبين له أحد الأمرين من الآخر، فلم يجز حمل الاسم عليهما؛ لأن الاسم لا يحمل على المعاني المختلفة، ولا يجوز تخصيصه بإحدى العلتين؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر، فبطلت الوصية. وليس هذا كالوصية للأخوات، [أنه] يدخل فيها الإخوة المفترقون؛ لأن الاسم يعبر به عن كل واحد منهم، وهذا [معنى] (٢) يجمعهم، وهو الانتساب إلى أحد الأبوين؛ فلذلك جاز أن يحمل على جميعهم. وليس هذا كمن حلف لا يكلم موالي فلان، أن اليمين على الموالي الأعلى والأسفل؛ لأن النكرة في النفي تتناول المختلفين، وإن كان الإثبات لا يجوز أن يتناول المختلف (٣).

стр. 4660

قال أبو يوسف: ولو كان الموصي من العرب وله موالي عتاقة وموالي أسلموا على يديه [ووالوه]، قالوا: فهم في الوصية شركاء. وقال محمد في الجامع الكبير: الوصية للمعتقين وأولادهم دون موالي الموالاة، أستحسن ذلك، وأدع القياس فيه (١). وجه قول أبي يوسف: أن المعتق والمعاقد تناولهما اسم المولى، ولهما [معنى] معتبر [يجمعهما] (٢)، وهو كونهما تبعًا للمولى، فوجب أن يحمل الاسم عليهما. وجه قول محمد: أن الاسم يتناول المعتق بالنعمة، ويتناول [المعاقد] (٣) بالعقد، فهما معنيان مختلفان، فلا يجوز أن يحمل عليهما، كما لا يحمل على الأعلى والأسفل، وليس هذا عنده كالموالي وأولادهم؛ لأنهم ينسبون إليه بولاء واحد، فلذلك دخلا في الوصية. قال محمد: إذا أوصى الرجل لمواليه، وهو من العرب، وله موال أعتقهم، [وأولاد موال نساء ورجال حرائر لم يملكوا] مواليه الذين أعتقهم، فالثلث للموالي الذين أعتقهم وأولادهم من الرجال والنساء، ولا يكون لموالي مواليه من ذلك شيء؛ وذلك لأن المعتقين وأولادهم ينسبون إليه بحقيقة الولاء؛ لأنهم قد جرى عليهم ولاء لغيرهم، فصاروا كولد الولد الذين لا يدخلون في الوصية للولد مع وجود ولد الصلب؛ لأنهم ليسوا بأولادهم في الحقيقة، وقد حصل لهم

стр. 4661

أولاد من غيره، فأما أولاد الموالي فإنما ينسبون [بالمعتق] الأول، وليس عليهم ولا لغيره. قال: فإن لم يكن له موال أعتقهم ولا أولادهم، فالثلث لموالي مواليه الذين أعتقهم مواليه؛ وذلك لأنه لما لم يوجد من ينسب إليه بالولاء على الحقيقة، حمل على من ينسب إليه على وجه المجاز، كالوصية للأولاد إنما يحمل على ولد الصلب ما وجدوا، فإن لم يكونوا فعلى ولد الولد. قال: فإن كان له من مواليه الذين أعتقهم أو من أولادهم ابنان فصاعدًا، وله موالٍ أعتقهم مواليه، فالوصية للابنين الباقيين خاصة دون موالي مواليه الذين أعتقهم؛ لأنّ اسم الجمع في الوصايا يحمل على الاثنين فصاعدًا، فإذا وجد من الموالي على الحقيقة من يستحق اسم الجمع لم يحمل على المجاز. فإن كان له من المعتقين واحد، فأوصى الثلث لمواليه، فللواحد النصف، ويرد نصف الثلث إلى الورثة؛ وذلك لأن الاسم يتناول المعتقين على الحقيقة، ويتناول معتق المعتق على وجه المجاز، فإذا بقي من المعتقين واحد، فالحقيقة مراده، فلم يحمل على المجاز، واسم الجمع لا يتناول أقل من اثنين، فاستحق الواحد النصف، وبطلت الوصية في الباقيين، وهذا كالوصية للولد إذا لم يكن ولد الصلب إلا واحد، استحق نصف الوصية، ولم يستحق ولد الولد شيئًا. قال محمد: فإن كان له ابن، وله موال أعتقهم ابنه، فأوصى بالثلث لمواليه ولم يكن له موال ولا موال غير موالي ابنه، لم يكن لموالي ابنه وصية؛ لأن هؤلاء موالي ابنه في الحقيقة، وإنما يستحق ميراثهم؛ لأنه عصبة كالابن؛ [لا] لأنه مولاهم، وليس كذلك معتق معتقه.

стр. 4662

بَاب: ما يكون رجوعًا في الوصيةِ قال في الأصل: إذا أوصى رجل لرجل بثوب ثم قطعه وخاطه قميصًا، أو بقطن فغزله، أو بغزل فنسجه، أو بحديد فصنعه إناء أو سيفًا، أو بفضة ثم صاغ منها خاتمًا، أو بزيت ثم لتَّه، أو بدار لا بناء فيها ثم بنى فيها، فهذا كله رجوع. قال رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب: أن الموصي يملك الرجوع من الوصية؛ لأنها تبرّع لم يتم، فجاز الرجوع فيها كالهبة؛ ولأن [قبولها] (١) موقوف على الموت، فما لم يوجد الموت يجوز الرجوع، كالإيجاب بغير قبول. وإذا ثبت أن الموصي يملك [الرجوع] عن الوصية، فكل فعل يستدل به على رجوعه يقوم مقام قوله: قد رجعت؛ لأنه مخيّر بين تبقية العقد وبين إبطاله، فإذا فعل ما دل على الإبطال قام مقام قوله: قد أبطلت. أصله: البيع المشروط فيه الخيار [إذا فعل] المشتري ما يدل على إبطال خياره. وإذا ثبت هذا قلنا: كل فعل لو فعله الإنسان في ملك غيره يسقط حق المالك عن العين، فإن الموصي إذا فعله كان رجوعًا؛ لأن تعلق حق المالك بملكه أبلغ من تعلق حق الموصى له بالوصية، فإذا كان هذا الفعل يسقط حق المالك؛ فلأن يبطل الوصية أولى، وهذا قد دخل فيه من قطع ثوبًا ثم خاطه، أو [أوصى] بقطن ثم غزله، أو بغزل ثم نسجه، أو بحديدة ثم صنع منها إناء.

стр. 4663

وأما ما لا يسقط حق المالك من العين، فهو على ضروب: فكل موضع اتصلت العين بزيادة لا يمكن تسليم العين إلا بها فهو رجوع، فهذا كالسَّوِيْق إذا لَتَّه؛ لأن السمن زيادة من مال الموصي لم يدخلها في الوصية، ولا يمكن تسليم الزيت دون السويق، فقد تعذر تسليم العين الموصى بها بفعل الموصي، فبطلت الوصية. فعلى هذا: إذا بنى في الدار؛ لأن البناء وقع بحق، وكانت العين على ملك الموصي، فلا يجوز أن يكلف نقضه، ولا يمكن تسليم العين الموصى بها دون البناء، والبناء لم يستحق بالوصية، فبطلت الوصية. وأما إذا أوصى بقطن ثم حشا به، أو ببطانة [ثم بطن بها قَبَاء (١)، أو بظهارة ثم ظهر بها ثوبًا] (٢)؛ فلأن العين اتصلت [بما لم] (٣) يتعلق الوصية بها غير مستحق؛ لأن الموصي تصرف في مِلْكِهِ، فتعذر التسليم، فمنع [من] الرجوع. وكل تصرف أوجب زوال مِلْكِ الموصي فهو رجوع، كمن أوصى بعين ثم باعها ثم اشتراها؛ لأن البيع أوجب زوال الملك، ويستحيل أن تبقى الوصية في حكم ملك العين، فلم يبق إلا أن يكون أبطلها ببيعه (٤)، فلا يعود إلى الوصية مستقبلة. وأما إذا أوصى بشاة ثم ذبحها بطلت الوصية؛ لأنه تصرف في نفس العين الموصى بها، فيستدل به على الرجوع، ألا ترى أن الملك في الوصية يقع بالموت، والشاة المذبوحة لا تبقى في العادة، فدل الذبح على أنه رجوع؛ ولأنها

стр. 4664

لا تصلح بعد الذبح لما كانت تصلح له قبله، فصار تغييرها دلالة على الرجوع. وأما إذا أوصى بقميص [ثم نقضه] فجعله قَبَاءً، فهذا رجوع؛ لأن الخياطة لو حصلت في ثوب غير منقوض كانت رجوعًا، فإذا حصلت مع النقض فهو أولى. وأما إذا نقضه ولم يخطه، فيحتمل أن يقال: ليس برجوع؛ لأن العين باقية تصلح لما كانت تصلح له من قبل النقض، فلا تنتقض الوصية، كما قالوا في نقض بناء الدار. قال: ولو أوصى له بثوب ثم غسله، أو بدار ثم جَصَّصَها (١)، أو هدمها، فليس [هذا] برجوع؛ [لأن غسل الثوب ليس بتصرف في عينه، وإنما هو] لإزالة الوسخ منه، فالوسخ لا يتعلق به الوصية، فكذلك التجصيص ليس بتصرف في نفس ما أوصى به؛ لأن البناء [تبع] (٢) للدار، والتصرف مع التبع لا يسقط الحق عن المتبوع. وأما إذا نقض البناء؛ فلأن البناء في الوصية تبع للعَرْصَةِ، والعقد [وقع] على الأصل، [فزوال التبع] (٣) لا يوجب بطلان العقد في المتبوع. قال: ولو أوصى لرجل أن يشتري له عبدًا بعينه، ثم رجع إلى الموصي بهبةٍ أو بميراث أو وصية، فهو جائز له من ثُلُثِهِ؛ لأن الوصية لم تقع بالثمن، وإنما وقعت بعين العقد، وإنما ذكر الشراء ليتوصل به إلى تحصيله بتنفيذ الوصية فيه، فإذا حصل له بغير الشراء وجب تنفيذ الوصية [فيه].

стр. 4665

قال: وإذا أوصى بعبد يخرج من ثلثه لفلان؛ ثم أوصى بذلك لفلان آخر، قال: العبد بينهما نصفان؛ وذلك لأنهما تساويا في سبب الاستحقاق [فيه، فوجب أن يتساويا في نفس الاستحقاق]؛ ولأن عقد الوصية إذا جاز أن يشرك بينهما فيه، لم يكن العقد [الثاني] بَيَّنَّا في دلالته على الرجوع؛ لاحتماله الاشتراك، فكان بينهما. فإن قال: العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان، كان هذا رجوعًا عن الوصية الأولى، والوصية [للآخر] (١) منهما، وكذلك إذا قال: العبد الذي أوصيت به لفلان؛ (قد أوصيت به فلانًا) (٢)، كان هذا رجوعًا [عن الوصية الأولى]، ونفذ [الوصية للآخر] (٣) منهما؛ وذلك لأنه لما أعاد الوصية ثم أوصى [بها] للثاني، [دلَّ] (٤) على الرجوع؛ لأنه لو لم يرد ذلك لذكر لفظ الشرك. ولو قال: العبد الذي أوصيت به لفلان فقد أوصيت به لفلان، لم يكن هذا رجوعًا؛ لأنه ذكر لفظًا يدل على الاشتراك، والاشتراك ضد الرجوع. ٢٨٠٢ - فَصْل: [الرجوع من الوصية] قال مُعَلَّى عن أبي يوسف في نوادره: قال أبو يوسف: في رجل أوصى بوصية، ثم عرضت عليه من الغد فقال: لا أعرف هذه الوصية، قال: فهذا رجوع منه، قال: وكذلك لو قال: لم أوص بهذه الوصية.

стр. 4666

قال: وسألت محمدًا عن ذلك، فقال: لا يكون الجحود رجوعًا، وقال في الأصل: إذا جحد الوصية فهو رجوع، ولم يُضِفْه إلى أحد، وقال في الجامع الكبير: إذا أوصى بثلث ماله لرجل، ثم قال بعد ذلك: اشهدوا أني لم أوص لفلان بقليل ولا كثير، لم يكن هذا رجوعًا منه عن وصيته لفلان. ولو أوصى لفلان بالثلث، ثم قال: [كل وصية] (١) أوصيت بها لفلان فهي باطلة، فهذا كرجوع منه (٢). قال ﵀: فيجوز أن يكون ما في الأصل قول أبي يوسف، وما في الجامع قول محمد. وجه قول أبي يوسف: أن الجاحد نافٍ للوصية في الحال وفيما مضى، فالرجوع نفي لها في الحال، فإذا نفاها في الحالين فهو أولى أن يكون رجوعًا. وقد قالوا في المرتد إذا جحد الردة: كان توبة؛ لأن التوبة نفي الكفر في الحال، فإذا نفاه في الحال وفيما مضى فهو أولى. وجه قول محمد: أن الرجوع إثبات الوصية فيما مضى، وإبطالها في الحال والجحود نفي لأصل العقد؛ ولذلك لا يصح معه رجوع؛ ولهذا [قالوا]: إن جحود النكاح لا يكون طلاقًا. فأما إذا قال: كل وصية أوصيت بها لفلان [فهي] حرام، أو فهي ربًا، فليس هذا برجوع، والوصية له نافذة؛ لأن التحريم قد يجتمع مع بقاء الوصية، ألا ترى أنه قد يوصي بما دخل فيه من الربا فتنفذ الوصية، وهو ربا.

стр. 4667

ولو قال: [كلُّ] وصية أوصيت بها لفلان فهي لفلان [ولدي]، أرى: كانت الوصية [لولده] (١)، فإن شاءت الورثة أجازوا، وإن شاؤوا ردّوا، وقد رجع عن وصيته لفلان؛ لأن إعادة الوصية الأولى وإثباتها لغير الأول رجوع على ما قدمناه، والوارث يستحق الوصية بالإجازة. ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي لعمرو، وكان عمرو وحيدًا يوم قال هذا القول، ولكنه مات قبل الموصي، فالوصية ميراث لورثة الموصي، وليست لفلان ولا لورثة عمرو؛ لأنه لما أعاد الوصية الأولى وأثبتها للثاني فقد رجع عن الوصية الأولى، وصحت الثانية ثم بطلت بموت الموصى له. قال: فلو كان هذا القول وعمرو ميت، فالوصية نافذة لفلان على حالها؛ لأنا نبطل الوصية بإثباتها للثاني، فإذا كان الميت ممن لا يستحق الوصية، ألغيت الوصية له، وبقيت الوصية (٢) الأولى على حالها. قال: ولو كان قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي لعقب عمرو، وعمرو حي، [ثم مات عمرو قبل الموصي وله عقب، فهي لعقبه] (٣)، [وإن] مات الموصي قبل موت عمرو، ثم مات عمرو، فإن الوصية لفلان [على حالها]، ولا يكون لعقب عمرو وصية. فإن مات عمرو (ثم مات الموصي بعد ذلك) (٤)، فالوصية ميراث لورثة

стр. 4668

الموصي، فقد رجع عن الوصية؛ وذلك لأنه إذا بقي عمرو بعد الموصي فلا عقب له عند الوصية، والرجوع إنما يثبت بإثبات الوصية لغير الموصى له، فإذا لم يثبت بقيت الأولى بحالها. فأما إذا مات عمرو [قبل الموصي، وله عقب باقٍ - أي: حين موت الموصي - فالوصية لعقب عمرو؛ لأنه لما أعاد الأولى وأثبتها للعقب، صحّت الثانية] (١) وبطلت الأولى، وإن هلك عقبه قبل موت الموصي فقد صَحَّ الرجوع عن الوصية الأولى؛ لأنه أثبتها لعقب عمرو، وهم موجودون، ثم بطلت بموتهم، فلم تعد الوصية الأولى. وقال ابن رستم عن محمد: لو أن رجلًا أوصى بوصية إلى رجل (٢)، فقيل له: إنك ستبرأ، فأخّر الوصية، فقال: أخّرتها، فليس هذا برجوع، ولو قيل له: اتركها، فقال: قد تركتها، فهذا رجوع؛ لأن تأخير الحق ليس بإسقاط له، وتركه إسقاطه، ألا ترى أنه لو أَخَّرَ الدين لوجب ذلك التأخير، ولو كان تركه كان براءة. قال بشر عن أبي يوسف: في رجل أوصى بثلث ماله لرجل مسمّى وأخبر الميت: أن ثلث ماله ألف، أو قال: وهو هذا، فإذا ثلث ماله أكثر من ألف، فإن أبا حنيفة قال: له الثلث من جميع ماله، والتسمية التي سمّى باطلة، لا ينقض الوصية، خطؤه من ماله، إنما غلط في الحساب، ولا يكون هذا رجوعًا عن الوصية، وهذا قول أبي يوسف؛ وذلك لأنه أوصى بالثلث، وبيّن الثلث المبلغ الذي ذكره، وصحة الوصية لا تقف على ذكر المبلغ، فلم يوجب إسقاط بعض الوصية، وحمل [هذا] على الغلط في القدر؛ ولأنه لما احتمل أن يكون هذا رجوعًا

стр. 4669

عما زاد على القدر المذكور، واحتمل أن يكون غلطًا، فلم تبطل الوصية بالشك. قال: ولو قال: أوصيت بغنمي كلها، وهي مائة شاة، فإذا هي أكثر، وهي تخرج من الثلث، فالوصية جائزة في جميعها؛ لما بَيَّنَّا أنه أوصى بجميع الغنم ثم غلط في العدد، حين ظن أنها مائة شاة، فلا يسقط بذلك ما أوصى به. قال: ولو قال: قد أوصيت له بغنمي، وهي هذه، وله غنم غيرها تخرج من الثلث، فإن هذا في القياس مثل ذلك، ولكني أدع القياس في هذا، وأجعل له الغنم التي سمّاها من الثلث؛ وذلك لأنه لما أوصى بالغنم على الإطلاق وعيّنها بما أشار إليه، فالوصية تتعين بما عيّنه، فكانت الإشارة من باب التعيين أقوى من الإضافة، فلم يجز استحقاق ما لم تقع الإشارة إليه. وليس هذا كقوله: أوصيت له بثلث مالي، وهو هذا؛ لأن التعيين لم يقع فيما تعلقت به الوصية حتى تكون أولى (١) من الإضافة، وإنما وقعت الإشارة إلى جملة المال، وذلك لا يمنع أن يكون ما سواه من ماله؛ فلذلك تعلقت الوصية بالأمرين، وفي مسألتنا أشار إلى ما علّق الوصية به وما سواه. وإن كان من غنمه فقد يجوز أن لا تتعلق الوصية به؛ فلذلك تعلق الحكم بالإشارة. قال: وكذلك لو قال: قد أوصيتُ برقيقي وهم ثلاثة، فإذا هم خمسة، جعلت الخمسة كلهم له من الثلث، وهذا مثال الباب الأول؛ لأنه أوصى له بالرقيق وغلط في عددهم، فالغلط لا يمنع من استحقاق جميعهم (٢).

стр. 4670

بَاب: فيمن أوصى لرجل بسيفه ذكر الحسن عن زفر أنه قال: فيمن أوصى لرجل بسيفه: أنه له بجفنه وحمائله، وإن أوصى له بسَرْج فله السَّرْجُ واللِّبْدُ والرَّفادَة والصِّفَة. وقال أبو يوسف في السيف: له النَّصْل دون الجَفْن، وفي السرج: يكون له الدَّفتان والرِّكابان واللَّبَب والميثرة، ولا يكون له اللبد والرفادة، ولا الصفة. وقال محمد في الأصل: إذا أوصى له بسيف، أعطيته السيف بجفنه وحليته، ولو أوصى له بسرج، أعطيته السرج ومتاعه. وجه ما ذكره في الأصل، وهو قول زفر: أن السيف في العادة اسم لأمرين، [فصار] (١) بالجفن بائعًا للسيف، فيدخل في الوصية، وكذلك السرج اسم للعود ولما تبعه مما لا ينتفع بالسرج [إلا به، فدخل] (٢) الجميع في الوصية. وأما أبو يوسف: فجعل له ما اتصل بالسرج دون ما انفصل عنه، [فلذلك] (٣) لم يجعل له الجفن؛ لأنه منفصل عن السيف ولم يدخل في الوصية، كمن أوصى بدار، لا يدخل ما فيها من المتاع. وأمّا إذا أوصى له بمصحف وله غلاف، قال أبو يوسف: له المصحف دون

стр. 4671

الغلاف، وهو قول أبي حنيفة. وقال زفر: له المصحف والغلاف. أما أبو يوسف: فمضى على أصله: أن الغلاف منفصل عن المصحف، فلا يدخل في الوصية إلا بالتسمية. وأما زفر فقال: إن الغلاف تابع للمصحف، كجفن السيف. وقال أبو يوسف: إذا أوصى له بميزان، فإن له الكِّفَتين، والعمود الذي به الكفتان، واللسان، وليس له الطرزدان والصنجات، وأما الشاهين: فله الكفتان والعمود، وليس له الصَّنْجَات والتَّخْت. وقال زفر: إذا أوصى له بميزان: له الطرزدان والصنجات [والكفتان، وإن أوصى له بشاهين، فله التخت والصنجات]. وأما أبو يوسف: فذهب إلى أن الصنجة والطرزدان والتخت منفصل مما أوصى به، فلا يدخل في الوصية إلا بالتسمية. وأما زفر: فجعل ذلك من توابع الميزان؛ لأن الانتفاع لا يحصل إلا بالجميع، فصار كتوابع السرج، وأما القبّان والقرسطون فله العمود والحديد والرمانة والكفة التي يوضع فيها المتاع في قولهم جميعًا؛ لأن اسم القبان يتناول هذه الجملة، وإذا تناولها الاسم فالانفصال والاتصال سواء. قال محمد في الأصل: وإذا أوصى لرجل بحنطة في جوالق، فله الحنطة دون الجوالق؛ لأن الحنطة يعقد عليها دون ظرفها في العادة، بدلالة البيع، وكذلك الوصية.

стр. 4672

ولو أوصى له بجراب ثياب (١) هو فيه، فله الثياب والجراب؛ لأن ذلك يدخل في بيعه [بطريق التبع في العادة] (٢)، فكذلك الوصية؛ ولأن اسم الجراب يتناول الظرف وإن عبّر به عما فيه في العادة، فلا يخرج من الوصية ما يتناوله الاسم في الحقيقة. [قال]: وعلى هذا لو أوصى له بهذا الدَّنّ (٣) من [الخَلّ]، كان له الدَّنّ بما فيه؛ لأن اسم الدَّنِّ حقيقة في الظرف، فإذا حمل على ما فيه لم يخرج من العقد ما يتناوله الاسم. قال: ولو أوصى له بقوصرة (٤) تمر، أعطيته القوصرة وما فيها؛ لأن الظرف يدخل في العقود على طريق التبع في العادة، بدلالة [البيع]؛ ولأن الاسم يختص الظرف، فلم يخرج من الوصية. قال: ولو أوصى له بقبّة أعطيته عيدانها دون كسوتها؛ لأن القبة اسم للخشب دون الثياب، والثياب منفصلة منها، فلم تدخل في الوصية إلا بالتسمية. قال: ولو أوصى له بقبة [تركية] (٥)، وهذا إنما يراد به الخركاه، أعطيته

стр. 4673

العيدان واللبود (١)؛ لأن الاسم يتناولها بلبودها، فدخلت في الوصية. ولو أوصى له بحجلة، أعطيته الثياب دون الخشب؛ لأن الاسم يتناول الثياب والخشب منفصلة عنها، فلا يدخل في الوصية بها. قال: ولو أوصى له بسَلَّة (٢) زعفران، أعطيته الزعفران دون السلة، وهذا إنما أجاز فيه على عادة شاهدها في وقته أن السلة تنفرد عن الزعفران في البيع، فلا يتبعه، فأما الآن فالعادة أن الزعفران يباع بظرفه كما يباع التمر بظرفه، واسم السلة يتناوله الظرف خاصة، فلم يجز إخراجه من الوصية. قال: ولو أوصى له بهذا العسل، وهو في زِقٍّ (٣)، أعطيته العسل دون الزق، وكذلك السمن والزيت؛ لأن الزق لا يسمى عسلًا، فلا يدخل في الوصية إلا ما سمّاه دون غيره.

стр. 4674

بَاب: من لا تصحُّ إليه الوصيةُ قال: وإذا أوصى الرجل إلى عبد غيره، فالوصية باطلة لا تجوز، وإن أجازها مولى العبد؛ وذلك لأن منافع العبد مستحقة لمولاه، فلا يجوز له صرفها إلى ورثة الموصي. وإذا أجاز الوصية المولى فله أن يَرجع ويمنع العبد من التصرف، فلم تصح الوصية، وهو محمول على أن القاضي لا يصحح الوصية ويخرجه منها، فأما إن تصرَّف العبد قبل أن يخرجه القاضي فهو جائز؛ وذلك لأن تصرف العبد بالوصية كتصرفه بالوكالة؛ وكذلك إذا تصرف على وجه الوصية، وإنما يخرجه القاضي؛ لأن منافعه لمولاه، فإذا أقره على الوصية وهو لا يقدر على القيام بأمر الميت، كان في [ذلك] تضييع للورثة، فإذا أخرجه منها له ذلك (١). وأما إذا أوصى الرجل إلى عبده، فإن كان ورثته كبارًا، أو كان فيهم [كبير] (٢)، فالوصية باطلة، وإن كانوا صغارًا جازت الوصية عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز. وجه قول أبي حنيفة: أن العبد ليس في الورثة من يلي عليه، وهو يقدر على التصرف والقيام بمصالحهم، ومنافعه مستحقة لهم، فجازت الوصية إليه كالحر.

стр. 4675

وليس كذلك عبد غيره؛ لأن منافعه لمولاه، فلا يقدر على صرفها إلى الورثة؛ فلذلك لم يقره القاضي على الوصية. وأما إذا كان في الورثة كبير، فإنه يلي على العبد؛ بدلالة (١) جواز بيعه [لنصيبه منه] (٢)، ويستحيل أن يثبت للعبد الولاية [عليه] بالوصية، ويثبت له الولاية على العبد بالملكية؛ فلذلك لم تجز الوصية. فإن قيل: فالصغير وإن لم يملك بيع عبده، فإن القاضي يملك بيعه بولايته على الصغير، قلنا: ولاية القاضي على الوصي لا يمنع جواز الوصية إليه؛ بدلالة ولايته على الأحرار، وإن جازت الوصية إليهم. وجه قولهما: أن [مَن] لا تجوز الوصية إليه إذا كانت الورثة كبارًا، لا تجوز مع صغرهم، كالكافر والفاسق، ولأن الوصي يتصرف بالولاية، والعبد [ليس] من أهل الولايات. [قال]: فإن أوصى إلى مكاتبه أو مكاتب غيره، فالوصية جائزة؛ وذلك لأن المكاتب مالك لمنافع نفسه كالحر؛ ولأنه يتصرف له بالوكالة، فكذلك بالوصية، فإن عجز صار حاله كحال العبد على ما قدمنا. قال: ولو أوصى مسلم إلى ذمي، فالوصية باطلة، وذكر في كتاب القسمة ما يدل على جواز الوصية ما لم يخرجه القاضي. فإن حملنا المسألة على رواية واحدة، كان قوله أن الوصية باطلة، أن

стр. 4676

القاضي يبطلها، ويقيم [غيره] مكانه مسلمًا. وإن حملنا هذه الرواية على ظاهرها، كان فيها (روايتان. والوجه) (١) في بطلانها: أن الوصي يتصرف بالولاية، والكافر لا تثبت له على المسلم ولاية، ولأنه متهم في حقه؛ فلذلك لم تقبل شهادته عليه، فكذلك وصيته إليه. وأما وجه الرواية الأخرى: فإنه يجوز أن يتصرف بالوكالة، فكذلك بالوصية كالمُسلم، إلا أن القاضي يخرجه للتهمة التي تلحقه في حق المسلمين. قال: ولو أوصى ذِمِّيٌّ إلى ذمي جاز؛ لأن أهل الذمة يثبت لبعضهم على بعض الولاية، [وتقبل شهادة بعضهم على بعض، فكذلك وصيّتهم. ولو أوصى ذمي إلى حربي لم يجز؛ لأنه لا يثبت لبعضهم على بعض ولاية] (٢)، ولا يتوارثون، فصاروا كالمسلمين وأهل الذمة، ولو أوصى ذمي إلى مسلم جاز؛ لأن المسلم تثبت له الولاية على الكافر. ولو أوصى رجل إلى امرأة جاز، وكذلك المرأة إلى الرجل؛ لأن المرأة من أهل الولاية كالرجل؛ ولأن شهادتها عليه مقبولة، فجاز أن تكون الوصية [إليها صحيحًا] (٣). ولو أوصى إلى أعمى جاز؛ لأن الأعمى من أهل الولاية كالبصير.

стр. 4677

قال: ولو أوصى إلى محدود في قذف جاز، وإنما يعني بهذا المحدود التائب؛ لأنه إذا لم يتب فهي مسألة الوصية إلى الفاسق، وسنذكرها، فأما المحدود التائب فهو من أهل الولاية كغير المحدود؛ ولأنه عدل ناهض (١) بالتصرف كسائر الناس (٢)، وليس إذا لم تقبل شهادته لم تثبت ولايته؛ لأنه يلي على أولاده مع وجود هذا المعنى. قال: ولو أوصى إلى فاسق مُتَّهَمٍ مَخُوف في ماله (٣)، فالوصية إليه باطلة؛ وذلك لأن الفاسق متهم في التصرف، فلم تجز الوصية إليه كالكافر، وكان أصحابنا يقولون: إن الوصية جائزة، ويخرجه القاضي منها؛ لأنه متهم على الورثة، فإن تصرف قبل أن يخرجه القاضي نفذ تصرفه؛ لأنه يتصرف بأمره كالوكيل. وذكر ابن رستم عن محمد في هذه المسألة قال: إن وجدته ثقة أجعله وصيًّا؛ إلا أنه محتاج فإني أجعله وصيًا ولا أسلم المال إليه؛ وذلك لأن المحتاج لا يؤمن أن تدعوه الحاجة إلى تناول المال، فجاز للقاضي أن يستعين (٤) بتصرفه، ولا يُثبت يده في المال حتى يأمن عليه. وجملة هذا: أن الوصي إذا كان من أهل الولاية، وكان عدلًا ناهضًا بالتصرف، فإن القاضي لا يجوز له الاعتراض عليه؛ لأنه لو أقام غيره مقامه أقام

стр. 4678

من هو في مثل صفته، فإذا تساويا فمن رضيه الميت أولى، وإن كان فاسقًا متهمًا أخرجه من الوصية، ونصب للميت وصيًّا؛ لأنه غير مؤتمن (١) على المال، والموصي إنما أوصى إليه لأنه لم [يجرب] (٢) حاله، ولو علم ذلك لم يوصِ [إليه]، وقد عجز الآن عن [استدراك] (٣) حقه، فقام القاضي مقامه. وأما إذا كان عدلًا مأمونًا إلا أنه ضعيف لا ينهض بالتصرف، فإن القاضي لا يخرجه؛ ولكنه يضم إليه غيره؛ لأنه لو تركه لم ينتفع به الورثة لعجزه، ولا يجوز إخراجه؛ لأنه غير متهم، فوجب على القاضي أن يكمل تصرفه، فيضم إليه غيره (٤).

стр. 4679

بَاب: مقاسمةِ الوصيِّ للورثةِ أو عليهم وما يجوزُ من التصرف عليهم وما لا يجوز من ذلك قال: وإذا أوصى رجل إلى رجل، وأوصى بالثلث وترك ورثة صغارًا وقاسمَ الوصي أهل الوصية، وأعطاهم الثلث، وأمسك الثلثين للورثة، فهذا جائز، فإن هلكت حصة الورثة من يديه لم يرجع على أهل الوصية بشيء؛ وذلك لأن الوصي قائم مقام الصغار لولايته عليهم، والموصى له خصم له، والقسمة تصح بين المتخاصمين، فكأن الصغار كانوا كبارًا، فقاسموا الموصى له، صحت القسمة، ولم يرجع واحد منهم على الآخر بشيء. قال: فإن كان الوارث كبيرًا أو صاحبُ الوصية كبيرًا غائبًا، وأعطى الوارث الثلثين، وأمسك الثلث لصاحب الوصية، ثم هلك الثلث، فإن لصاحب الوصية أن يرجع على الوارث بثلث ما بقي في يده؛ لأن الوصي لا ولاية له على الموصى له، فلم يصح أن يقاسم عنه، فصار وجود هذه القسمة كعدمها، فما هلك هلك على الحقين، وما بقي بقي عليهما. قال: وإن كان الوارث هو الغائب فأعطى الوصية صاحب الثلث وأمسك الثلثين، فهلك الثلثان، فإن القسمة جائزة؛ وذلك لأن الوصية (١) تثبت له ولاية على الكبير الغائب فيما أدّى إلى حفظ المال، وفي المقاسمة وإفراد (٢) حقه حفظ

стр. 4680

له، فجاز مقاسمته عنه. وإذا صحت المقاسمة لم يرجع أحدهم على الآخر. قال: وإن كان الوارث (١) صغيرًا أو كبيرًا فقاسم الموصي الكبير؛ فأعطاه حقه، فهو جائز؛ وذلك لأنه يلي على الصغير، فقام مقامه في القسمة، والكبير يلي على نفسه، فصار كالكبيرين إذا تقاسما. ولو كانت الورثة صغارًا، فقسم الوصي بينهم، لم تجز القسمة؛ وذلك لأن العقد إنما تمّ به وحده والقسمة فيها معنى التمليك، وكأنه باع حق أحد الصغيرين لحق الآخر، وهذا لا يجوز. وإن كانوا كبارًا وبعضهم غائب فقاسم الحاضر، وأمسك نصيب الغائب جاز؛ لما بَيَّنَّا أن الوصي يلي على الغائب في حفظ ماله، والقسمة تؤدي إلى الحفظ، فجازت مقاسمته عن الغائب. ولو كانوا كلهم كبارًا غيبًا، أو كان فيهم صغير، فيقسم الوصي [وأفرز] (٢) نصيب كل واحد، لم يجز؛ لأن القسمة لا تصح إلا بين المتقاسمين، فلم يجز أن يليها الوصي بنفسه. قال: ولو كانا وصيين ليتامى، فقاسم أحدهما، لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن من أصلهما أن تصرف أحد الوصيين لا يجوز إلا في الأشياء المخصوصة التي قدمناها، فلم تجز قسمته.

стр. 4681

فأما على قول أبي يوسف: فقسمة كل واحد منهما جائزة، كما يجوز بيعه وتصرفه. قال: فإن كانا وصيين فمات أحدهما، وأوصى بوصية الميت إلى صاحبه، فهو جائز؛ وذلك لأنه فوض الرأي إليه، فنفذ العقد برأيهما، فكأنه [وكلّه] (١) في حال الحياة. وقد روي عنهم: أن ذلك لا يجوز حتى يقيم القاضي مقام الميت وصيًا آخر؛ لأن الميت لم يرض برأي هذا الباقي (٢) وحده. قال: ولو أوصى إلى رجل وعليه دين، فقضاه الوصي بشهود، فلا ضمان عليه؛ وذلك لأنه فعل ما هو مستحق، ألا ترى أن القاضي يجبره على ذلك، ولأنه قام مقام الميت في مصالحه، ومن مصالحه تعجيل قضاء دينه. قال: فإن كان قضى بغير أمر (٣) قاض، فلَحِقَ الميت بعد ذلك دين، فهو ضامن لحصة من لحق؛ وذلك لأن حقوق الغرماء متعلقة بالتركة، فإذا دفع الوصي إلى أحدهم، فقد دفع [إليه] ما تعلق حق غيره به، فلزمه الضمان. وأمّا إذا قضى بأمر الحاكم، فلا ضمان عليه، ولكن الغريم الثاني يشارك الأول؛ وذلك لأن [الوصي] زالت يده عما قضاه بغير اختياره، فصار ذلك كالهلاك في يده، فلا يلزمه الضمان. قال: ولو كان أوصى إلى رجلين، فدفعا إلى رجل دينًا وشهدا له به على

стр. 4682

الميت، ثم لحق الميت دين بشهادة غيرهما، فهما ضامنان لجميع ما دفعا. ومعنى هذا: أنهما [دفعا إلى رجل] (١) شيئًا بدعواه، ولم يثبت له ذلك، ثم شهدا عند الحاكم بذلك الدين، فشهادتهما لا تقبل؛ لأنهما ضمنا بالدفع، ثم شهدا ليسقطا الضمان عن أنفسهما بشهادتهما، فلم تقبل. ولو كانا شهدا عند القاضي للغريم، فقضى بشهادتهما، وأمرهما بالدفع، ثم قامت الشهود بعد ذلك بدين لم يلزمهما ضمان؛ لأنهما لا يدفعان بهذه الشهادة مغرمًا، ولا يحصلان بها مغنمًا، فصارا كغيرهما، فإذا جازت الشهادة صَحّ القضاء، فلم يلزمهما الضمان. قال: وإذا شهد وارثان من الورثة [بدين] (٢) على الميت، فهو جائز؛ فإنهما لا يتهمان في هذه الشهادة، ألا ترى أنهما يسقطان بها حقًا لهما، وإذا لم يتهما قبلت شهادتهما. قال: والوصي مُصَدَّقٌ في كفن الميت فيما يكفن فيه مثله، يعني أنه إذا قال: قد كفنته من ماله، أو كفنته من مالي وأراد الرجوع، صدق؛ لأن الكفن مستحق، فإذا فعله [فقد] فعل ما جعل له فعله، فقبل قوله فيه. قال: ولو اشترى الوصي الكفن من ماله كان له أن يَرجِع في مال الميت؛ وذلك لأنه لو اشتراه مطلقًا، [ثبت] (٣) الثمن دينًا في ذمته، فإذا اشتراه ابتداءً بماله فقد فعل مقتضى العقد المطلق المأذون فيه، فجاز، ولم يكن متبرعًا.

стр. 4683

وكذلك لو كفنه الوارث من ماله رجع بالكفن؛ لأن الوارث [مأمور] (١) بالتكفين، وله حق في المال؛ لأن الفاضل منه له، فإذا فعل ذلك تعجيلًا لأمر الميت لم يكن متبرعًا. [قال]: ولو قضى الوصي أو الوارث دينًا من ماله بشهودٍ، كان له أن يرجع في مال الميت، يعني أن الدين ثابت بشهادة، فالوصي مطالب به، فإذا عَجَّلَه من ماله ليتخلّص من المطالبة التي أدخله الموصي فيها لم يكن متبرعًا. وكذلك الوارث؛ لأن [الفاضل من التركة] (٢) له، وقد يختار تبقية أعيانها لنفسه، فيقدم الدين بهذا المعنى، وله في ذلك حق [من قبل أنه هو المأخوذ بالمخاصمة في دين الميت]، فلم يكن بذلك متبرعًا. قال: وإذا اشترى الوصي لليتيم الطعامَ والكسوة بشهادة الشهود حتى يرجع به في مالهم، جاز؛ وذلك لأنه لو أطلق الشراء ثبت الدين في ذمته، وكان هو بقاء المطالبة بقضائه، فإذا دفع من ماله فقد فعل مقتضى العقد المأذون فيه، وإنما اعتبر أن يكون اشترى لهم بشهادة؛ لأن قول [الوَصِيّ] (٣) يقبل فيها [إن] زعم أنه أنفقه من مالهم؛ لأنه مؤتمن فيه، [فلا يقبل] (٤) قوله في الرجوع بالدين عليهم، فلا بد من بينة يشهد بثبوت الأصل. وكذلك لو شهد على أداء خراجهم؛ لأن الخراج مستحق كالنفقة.

стр. 4684

قال: ولو كان للميت عنده مال، فقال: أنفقت عليهم منه، جاز؛ لأنه مأذون في الإنفاق، وهو مؤتمن في الحال، فكان القول قوله. قال في الجامع الكبير: إذا مات وفي يده ودائع لقوم شتّى، وترك مالًا، وعليه دين يحيط بماله، وأوصى إلى رجلين، فعمد أحد الوصيين فقبض المال والودائع من منزل الميت بغير أمر [صاحبه] (١)، [أو قبض ذلك بعض الورثة بغير أمر الوصيين] وبغير أمر [بقية الورثة] (٢)، فهلك ذلك في يده، فلا ضمان عليه؛ وذلك لأن أحد الوصيين يملك الانفراد برد الودائع وقضاء الديون، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بقبض المال، فكان مأذونًا فيه. وكذلك الوارث يملك رد الودائع وقضاء الدين، فإذا قبض المال ليتوصل بقبضه إلى دفع ماله (أن يدفعه) (٣) لم يضمن. قال: ولو لم يكن على الميت دين، فقبض (٤) أحد الوصيين تركته، فضاعت في يده، لم يضمن شيئًا؛ وذلك لأن أحد الوصيين يملك دفع نصيب الورثة إليهم، فإذا قبض ليتوصل بالقبض إلى دفع ما يجوز له دفعه لم يضمن. قال: فإن قبض أحد الورثة، ضمن حصة أصحابه من الميراث؛ وذلك لأنه [لا] يملك التصرف في نصيبهم، وإنما جوّزوا له بالقبض لما يتوصل به إلى دفع الديون، فإذا لم يكن هناك دين ولا وديعة لم يجز قبضه على شركائه؛ إذ لا ولاية له عليهم.

стр. 4685

قال: وإن كان المال في موضع يخاف عليه الضياع استحسنت أن لا يضمن؛ لأنه يخاف تلف نصيبه، ولا يمكنه حفظه إلا بحفظ الجميع، فكان مأذونًا فيه. قال: وإذا مات الرجل وله عند رجل ودائع من ماله ومال أودعه غيره، فأراد وارثه - وليس له وارث غيره - قبض ذلك، وعليه دين كثير يحيط بماله، فدفع ذلك المستودع إلى الوارث بغير إذن القاضي، فضاع في يد الوارث، فالمستودع ضامن لما دفع إلى الوارث، والوارث ضامن لما قبض، ويُضَمِّن الغرماء وأصحاب الودائع أيّ الرجلين شاؤوا؛ وذلك لأن المال هاهنا في يد صحيحة، والوارث لا يملك التركة لوجود الدين، فلم يستحق القبض. وليس كذلك (١) المسألة الأولى؛ لأن التركة في منزل الميت، فليس في يد صحيحة غير يد الورثة، فإذا أخذها الوارث [واليد له] لم يضمن. قال: وإن كان المستودع إنما غصب ذلك غصبًا من الميت بعد موته، كان بهذه المنزلة؛ لأن يد الغاصب يد صحيحة، فلم يجز له القبض منها. وكذلك لو كان الميت أوصى إلى وصِيَّيْن، فدفع المودع إلى أحدهما، ضمن؛ لأنه ليس لأحدهما أن [يتسلم] (٢) الودائع؛ لأنها في يد صحيحة، وليس كذلك إذا أخذ من منزل الميت؛ لأنه في حكم يد الميت، فلم يأخذه من يده، فلم يضمن. قال: وإن ارتفعوا إلى القاضي، وأحد الورثة مأمون، أخذ القاضي المال من يد الغاصب، وتركه في يد الوارث حتى يقضي منه الديون؛ لأن القاضي لا يجوز [له] أن يقر اليد المُتَعَدِّيَة، فلا بد له من نقل المال إلى يد مأمونة، فإن كان

стр. 4686

الوارث مأمونًا وله حق في فاضل المال، كان بالحفظ أولى. وأما إذا كانَ المال في يد المودع وهو لذلك أهل، لم ينقله القاضي من يده؛ لأنه لو نقله (١)، نقله إلى [يد] من هو في مثل حاله، فمن رضي به الميت أولى. [والله أعلم] (٢).

стр. 4687

بَاب: الوصيةِ بالنفقةِ قال: وإذا أوصى أن ينفق على رجل من ثُلُث ماله عشرة دراهم كل شهر، فإنه يوقف (١) عليه الثلث كله، فينفق عليه في كل شهر عشرة حتى يموت، فإذا مات رجع (٢) إلى ورثة الموصي [ما بقي]، وكذلك لو أوصى بنفقة درهم في كل شهر. وقال أبو يوسف: ينظر مقدار ما يعيش الموصى له غالبًا، فيوقف له من الثلث بحساب ذلك، والباقي للورثة. وجه قولهما: أن الوصية يجوز أن تستغرق جميع الثلث، بأن يمتد عمر الموصى له أو يهلك بعض الثلث، فتتعلق الوصية بالباقي، وإذا جاز أن تستغرق الثلث وقف عليه جميع ذلك، كما لو كان [أوصى بنفقته] (٣) مدة عمره. وجه قول أبي يوسف: أن أكثر ما يعيش الإنسان إليه معلوم بالعادة، فكأنه أوصى له بذلك القدر، [فيوقف] (٤) عليه. قال: ولو أوصى أن ينفق على زيد خمسة دراهم في كل شهر، وعلى عمرو عشرة دراهم في كل شهر، حبس الثلث عليهما نصفين؛ وذلك لأن كل واحد

стр. 4688

منهما لو انفرد بوصيته وقف عليه (١) جميع الثلث، فإذا اجتمعا، كان الثلث بينهما، كما لو أوصى لكل واحد منهما بالثلث، وأما قوله إنّ الموصى له إذا مات رجع الفاضل إلى الورثة؛ فلأن الوصية بطلت فيه، وما لا وصية فيه من مال الميت لورثته. [والله أعلم] (٢). تم كتاب الوصايا والحمد لله على دفع البلايا، وصلى الله على محمد النبي وآله كثيرًا

стр. 4689

[٧٣] كتابُ الوكالةِ قال [الشيخ]﵀: الوكالة (١) في اللغة: هي الحفظ، ومنه قولهم: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، معناه: نعم الحافظ. قال أصحابنا: إذا قال: وكّلتك في كذا، فهو وكيل في حفظه؛ لأن اللفظ يقتضي الحفظ، فلا يثبت ما زاد عليه إلا بلفظ يقتضيه. والأصل في جواز الوكالة قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ حكاية إلى قوله: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]. وروي "أنَّ النبي ﷺ أعطى عروة البارقي دينارًا، [وأمره أن] يشتري به أضحيةً" (٢)، وروي عن حكيم بن حزام "أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري [له شاة] " (٣)، وروي أن رجلًا طلب من رسول الله ﷺ شيئًا وأخذ هدبة من ثوبه، وقال: "إنه وكيلي بخيبر، وقل له بعلامة هذه فليعطك" (٤)، ووكَّل علي بن أبي طالب أخاه عقيلًا، ثم وكل بعده عبد الله بن جعفر ﵃، وهذه بحضرة الصحابة، من غير نكير ولا خلاف في هذا بين الأمة.

стр. 4690

بَابْ: جملة ما تجوزُ فيه الوكالةُ قال أبو الحسن: الوكالة جائزة في كل ما يجوز تمليكه، وأن [يكون] يوجب فيه الحقوق، وما لا يجوز تمليكه وإيجاب (١) الحقوق، فالوكالة فيه لا تجوز. قال: وهذا الذي قاله صحيح في الوكالة وإسقاط الحقوق واستيفائها؛ لأن ما جاز تمليكه وإيجاب الحق فيه، جاز التوكيل ببيعه وشرائه وقبضه، وأما الخصومة في [الحدود] (٢) فلا يدخل في هذا الحد؛ لأن الحد لا يجوز تمليكه ولا إيجاب الحق فيه. وتجوز الوكالة بالخصومة فيه عند أبي حنيفة ومحمد. والوجه [فيه] أن يقال: ما جاز تمليكه وإيجاب الحق فيه جاز التوكيل به، ويعني بذلك: أن التوكيل يجوز تمليكه، وتملكه، واستيفاؤه، والخصومة [فيه]. وما لا يجوز تمليكه ولا إيجاب الحق فيه، لا يجوز التوكيل في استيفائه، ويجوز بالخصومة فيه عند أبي حنيفة ومحمد. وإنما جاز التوكيل بما جاز إيجاب الحق فيه؛ لأن التوكيل إيجاب لحق الوكيل فيما وكّل فيه؛ ولأن الناس يوكلون في البيع والشراء والصلح والقبض والخصومة في الأموال في سائر الأعصار من غير نكير.

стр. 4691

وأما ما لا يجوز تمليكه ولا إيجاب الحق فيه كالحدود والقصاص، فلا يجوز التوكيل في استيفائها عندنا مع غيبة الموكل، وقال الشافعي: يجوز (١). لنا: أنه استيفاء الحد بما قام مقام [الغير] (٢)، فصار [كاستيفاء الحدّ] (٣) بالشهادة على الشهادة؛ ولأن [الوكيل] (٤) يستوفي مع الشبهة؛ لجواز أن يكون الموكِّل قد عفا، والقصاص لا يجوز استيفاؤه مع الشبهة. وقد كان القياس [ينبغي]: أن لا يجوز التوكيل بالاستيفاء مع حضور الموكل في المجلس؛ لأنه استيفاء بما قام مقام الغير، وإنما استحسنا؛ لأنا لو لم نجوّز النيابة فيه لبطل الحد والقصاص؛ لأن المستحق لا يحسن الاستيفاء، فلا بد من أن يستنيب (٥) من يقدر على ذلك؛ ولأنه استوفى مع الشبهة، ألا ترى أن الموكل لو عفا لأظهر العفو؛ ولأن ما يستوفيه الوكيل بحضرة موكله، فكأنّ الوكيل فعله؛ بدلالة ما قالوا: إن الوكيل بالبيع لا يجوز أن يوكِّلَ، فإن وكّل من باع (٦) بمشهد منه جاز، فكأنّه باع بنفسه. وكذلك قالوا في الولي إذا حضر مع الزوج وشاهدين فقال لأحد الشاهدين:

стр. 4692

زوّج، [فقد] (١) صَحَّ العقد، وكان العاقد شاهدًا تقبل شهادته في إثبات النكاح؛ لأنهم جعلوا عقده كعقد الولي. وأما الوكالة في إثبات الحدود والقصاص والخصومة فيها، فيجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يجوز (٢). وجه قولهما: أنها وكالة في إثبات حق كالوكالة في إثبات الديون؛ ولأن [المانع] (٣) من التوكيل بالاستيفاء أنه لا يستدرك بعد استيفائه، فلا يجوز أن يفعل مع الشبهة، وهذا غير موجود في الإثبات؛ لأن استدراكه ممكن، فصار كسائر الحقوق. ولأبي يوسف: أن إثبات الحدود بما قام مقام الغير لا يجوز، كالشهادة على الشهادة؛ ولأن الإثبات يحتاج (٤) إليه الاستيفاء، فإذا لم يجز الاستيفاء بالوكالة، فكذلك الإثبات (٥). ٢٨٠٣ - فَصْل: [الوكالة في العقود التي تتعلق بها الحقوق] قال أبو الحسن: ومن هذه الوكالات الجائزة: ما لها حقوق تلزم، فمنها ما يكون حقوقه للوكيل وعليه، ومنها ما يكون حقوقه للموكل وعليه، وإذا كانت وكالة [يعقد] (٦) فيه بدل فهو على وجهين: ما كان يستحقه كل واحدٍ من

стр. 4693

المتعاقدين يجوز أن يقلد (١) إلى غيره، فالحقوق التي يوجبها [ذلك] العقد للوكيل وعليه. وإذا كان مما وقع عليه العقد ما لا يجوز أن يقلد (٢) مستحقه إلى غيره، ولا أن يوجب فيه حقًا لغيره، فحقوق ذلك العقد للموكل وعليه. وإنما قال أبو الحسن: إن من الوكالات ما لها حقوق تلزم؛ لأن [منها ما لا حقوق له] (٣) إلا ما أمر به، كالوكالة بتقاضي الدين، والوكالة بالملازمة لا تقتضي الحقوق، وأكثر ما سمي فيها. ومن الوكالة ما يتعلق بها حقوق كالوكيل بالبيع الذي يلزم التسليم، ويستحق قبض الثمن، ويخاصم في العيب. ثم العقود التي تتعلق بها حقوق تنقسم إلى القسمين اللذين ذكرتهما، فهذا القسم [الذي] خصّه بالوكيل حتى لا يدخل فيه القاضي وأمين القاضي. ولم يحترز عن توكيل الصبي والعبد والمحجور؛ لأنه جعل التقسيم للعقد، ولم يجعله للعاقد، وعقد البيع في الجملة يتعلق حقوقه بالعاقد، وإذا كان في العاقدين من هو لا يتعلق به الحقوق لمعنى يختص به. والدليل على أن هذه العقود تتعلق حقوقها بالعاقد: أنه أضاف العقد إلى نفسه، وهو ممن يلزمه الضمان بعقده، وإيجاب الضمان عليه لا يبطل السبب الذي ملك به التصرفَ، فصار كالعاقد لنفسه، ولا يلزم على هذا الصبي المحجور

стр. 4694

[والمجنون]؛ لأن الضمان لا يتعلق بعقودهما، ولا القاضي و [لا] أمينه؛ لأنّ إيجاب الضمان عليهما يبطل السبب الذي ملكا به التصرف، وهو العطاء (١)؛ ولأن عقد التصرف يجوز بين الوكيلين مع غيبة الموكلين. فلولا أن الحقوق تتعلق بهما لم يجز العقد، كما لا يجوز بالرسول، ولا يقال عقد التصرف ينعقد بالصبي المحجور، وأمين القاضي، وإن لم تتعلق الحقوق بهما؛ لأنه لا يتعلق بهما الضمان، وإن تعلقت بهما الحقوق، بدلالة أنهما يجبران على التسليم والتسَلُّم، وهذا من حقوق العقد. وهذا القسم قد اشتمل على هذه البياعات، والأشربة، والإجارات، والصلح الجاري مجرى البيع. وأما (ما لا يجوز أن [ينقله] (٢)) مستحقه إلى غيره، ولا أن يوجب فيها حقًا لغيره، فحقوقه تتعلق بالمعقود له: كالنكاح، والخلع، والطلاق على مال، والصلح من دم العمد، [والعفو] (٣) على مال، والصلح للإنكار. والدليل على أن حقوق هذه العقود لا تتعلق بالعاقد: أن الوكيل لا يضيف العقد إلى نفسه، وإنّما يضيفه إلى موكله، فصَار كالرسول له، فلا تتعلق به الحقوق؛ لأن القائل أحد قائلين: إما من قال: إن الحقوق تتعلق بالموكل بكل حال. أو من قال: إنها تتعلق بالوكيل في العقوبة التي يضيفها إلى نفسه، فصار

стр. 4695

هذا موضع إجماع. وقد كان أبو الحسن يقول: إن الملك في الشراء ينتقل إلى الوكيل، ومن جهته ينتقل إلى الموكِّل. وقال أبو طاهر الدبّاس: ينتقل الملك ابتداءً إلى الموكل. وجه قول أبي الحسن: أن الوكيل إذا خالف لزمه الشراء، فلو كان الملك لا ينتقل إليه لم يلزمه بالمخالفة، كما لا يلزم الوكيل بالنكاح إذا خالف، فلما انتقل الملك في الشراء إذا خالف، دل على أنه ينتقل [إليه] وإن لم يخالف، ولا يلزم [العبد] والصبي والمحجور؛ لأنهما إذا خالفا لم ينتقل الملك إليهما، ولا يلزم القاضي إذا عقد على وجه لا يجوز على الصغير، أن المعقود عليه ينتقل إليه، وإن كان لو لم يخالف لم ينتقل؛ لأن من أصحابنا من قال: إن الملك ينتقل إلى القاضي، وإما لا يلزمه الضمان. ويجوز أن يقال: إن القاضي إذا [عقد] (١) العقد على وجه لا يجوز، خرج من القضاء، فصار عقده كعقد الوكيل، فإن فعل ذلك ساهيًا لم يخرج من الولاية، فلم ينقل الملك إلى الوكيل (٢)، كما لا ينتقل إلى المحجور إذا خالف. فأما أبو طاهر فقال: لو انتقل [الملك] (٣) إلى الوكيل لعتق ذوو أرحامه، وذوو محارمهم إذا اشتراهم بالوكالة؛ لأنه ملكهم. والجواب: أنهم لا يعتقون؛ لأن ملك الوكيل لا يستقر، ألا ترى أن السبب
следующие страницы →