← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

وأما ما لا يجوز تمليكه ولا إيجاب الحق فيه كالحدود والقصاص، فلا يجوز التوكيل في استيفائها عندنا مع غيبة الموكل، وقال الشافعي: يجوز (١). لنا: أنه استيفاء الحد بما قام مقام [الغير] (٢)، فصار [كاستيفاء الحدّ] (٣) بالشهادة على الشهادة؛ ولأن [الوكيل] (٤) يستوفي مع الشبهة؛ لجواز أن يكون الموكِّل قد عفا، والقصاص لا يجوز استيفاؤه مع الشبهة. وقد كان القياس [ينبغي]: أن لا يجوز التوكيل بالاستيفاء مع حضور الموكل في المجلس؛ لأنه استيفاء بما قام مقام الغير، وإنما استحسنا؛ لأنا لو لم نجوّز النيابة فيه لبطل الحد والقصاص؛ لأن المستحق لا يحسن الاستيفاء، فلا بد من أن يستنيب (٥) من يقدر على ذلك؛ ولأنه استوفى مع الشبهة، ألا ترى أن الموكل لو عفا لأظهر العفو؛ ولأن ما يستوفيه الوكيل بحضرة موكله، فكأنّ الوكيل فعله؛ بدلالة ما قالوا: إن الوكيل بالبيع لا يجوز أن يوكِّلَ، فإن وكّل من باع (٦) بمشهد منه جاز، فكأنّه باع بنفسه. وكذلك قالوا في الولي إذا حضر مع الزوج وشاهدين فقال لأحد الشاهدين:

стр. 4692

زوّج، [فقد] (١) صَحَّ العقد، وكان العاقد شاهدًا تقبل شهادته في إثبات النكاح؛ لأنهم جعلوا عقده كعقد الولي. وأما الوكالة في إثبات الحدود والقصاص والخصومة فيها، فيجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يجوز (٢). وجه قولهما: أنها وكالة في إثبات حق كالوكالة في إثبات الديون؛ ولأن [المانع] (٣) من التوكيل بالاستيفاء أنه لا يستدرك بعد استيفائه، فلا يجوز أن يفعل مع الشبهة، وهذا غير موجود في الإثبات؛ لأن استدراكه ممكن، فصار كسائر الحقوق. ولأبي يوسف: أن إثبات الحدود بما قام مقام الغير لا يجوز، كالشهادة على الشهادة؛ ولأن الإثبات يحتاج (٤) إليه الاستيفاء، فإذا لم يجز الاستيفاء بالوكالة، فكذلك الإثبات (٥). ٢٨٠٣ - فَصْل: [الوكالة في العقود التي تتعلق بها الحقوق] قال أبو الحسن: ومن هذه الوكالات الجائزة: ما لها حقوق تلزم، فمنها ما يكون حقوقه للوكيل وعليه، ومنها ما يكون حقوقه للموكل وعليه، وإذا كانت وكالة [يعقد] (٦) فيه بدل فهو على وجهين: ما كان يستحقه كل واحدٍ من

стр. 4693

المتعاقدين يجوز أن يقلد (١) إلى غيره، فالحقوق التي يوجبها [ذلك] العقد للوكيل وعليه. وإذا كان مما وقع عليه العقد ما لا يجوز أن يقلد (٢) مستحقه إلى غيره، ولا أن يوجب فيه حقًا لغيره، فحقوق ذلك العقد للموكل وعليه. وإنما قال أبو الحسن: إن من الوكالات ما لها حقوق تلزم؛ لأن [منها ما لا حقوق له] (٣) إلا ما أمر به، كالوكالة بتقاضي الدين، والوكالة بالملازمة لا تقتضي الحقوق، وأكثر ما سمي فيها. ومن الوكالة ما يتعلق بها حقوق كالوكيل بالبيع الذي يلزم التسليم، ويستحق قبض الثمن، ويخاصم في العيب. ثم العقود التي تتعلق بها حقوق تنقسم إلى القسمين اللذين ذكرتهما، فهذا القسم [الذي] خصّه بالوكيل حتى لا يدخل فيه القاضي وأمين القاضي. ولم يحترز عن توكيل الصبي والعبد والمحجور؛ لأنه جعل التقسيم للعقد، ولم يجعله للعاقد، وعقد البيع في الجملة يتعلق حقوقه بالعاقد، وإذا كان في العاقدين من هو لا يتعلق به الحقوق لمعنى يختص به. والدليل على أن هذه العقود تتعلق حقوقها بالعاقد: أنه أضاف العقد إلى نفسه، وهو ممن يلزمه الضمان بعقده، وإيجاب الضمان عليه لا يبطل السبب الذي ملك به التصرفَ، فصار كالعاقد لنفسه، ولا يلزم على هذا الصبي المحجور

стр. 4694

[والمجنون]؛ لأن الضمان لا يتعلق بعقودهما، ولا القاضي و [لا] أمينه؛ لأنّ إيجاب الضمان عليهما يبطل السبب الذي ملكا به التصرف، وهو العطاء (١)؛ ولأن عقد التصرف يجوز بين الوكيلين مع غيبة الموكلين. فلولا أن الحقوق تتعلق بهما لم يجز العقد، كما لا يجوز بالرسول، ولا يقال عقد التصرف ينعقد بالصبي المحجور، وأمين القاضي، وإن لم تتعلق الحقوق بهما؛ لأنه لا يتعلق بهما الضمان، وإن تعلقت بهما الحقوق، بدلالة أنهما يجبران على التسليم والتسَلُّم، وهذا من حقوق العقد. وهذا القسم قد اشتمل على هذه البياعات، والأشربة، والإجارات، والصلح الجاري مجرى البيع. وأما (ما لا يجوز أن [ينقله] (٢)) مستحقه إلى غيره، ولا أن يوجب فيها حقًا لغيره، فحقوقه تتعلق بالمعقود له: كالنكاح، والخلع، والطلاق على مال، والصلح من دم العمد، [والعفو] (٣) على مال، والصلح للإنكار. والدليل على أن حقوق هذه العقود لا تتعلق بالعاقد: أن الوكيل لا يضيف العقد إلى نفسه، وإنّما يضيفه إلى موكله، فصَار كالرسول له، فلا تتعلق به الحقوق؛ لأن القائل أحد قائلين: إما من قال: إن الحقوق تتعلق بالموكل بكل حال. أو من قال: إنها تتعلق بالوكيل في العقوبة التي يضيفها إلى نفسه، فصار

стр. 4695

هذا موضع إجماع. وقد كان أبو الحسن يقول: إن الملك في الشراء ينتقل إلى الوكيل، ومن جهته ينتقل إلى الموكِّل. وقال أبو طاهر الدبّاس: ينتقل الملك ابتداءً إلى الموكل. وجه قول أبي الحسن: أن الوكيل إذا خالف لزمه الشراء، فلو كان الملك لا ينتقل إليه لم يلزمه بالمخالفة، كما لا يلزم الوكيل بالنكاح إذا خالف، فلما انتقل الملك في الشراء إذا خالف، دل على أنه ينتقل [إليه] وإن لم يخالف، ولا يلزم [العبد] والصبي والمحجور؛ لأنهما إذا خالفا لم ينتقل الملك إليهما، ولا يلزم القاضي إذا عقد على وجه لا يجوز على الصغير، أن المعقود عليه ينتقل إليه، وإن كان لو لم يخالف لم ينتقل؛ لأن من أصحابنا من قال: إن الملك ينتقل إلى القاضي، وإما لا يلزمه الضمان. ويجوز أن يقال: إن القاضي إذا [عقد] (١) العقد على وجه لا يجوز، خرج من القضاء، فصار عقده كعقد الوكيل، فإن فعل ذلك ساهيًا لم يخرج من الولاية، فلم ينقل الملك إلى الوكيل (٢)، كما لا ينتقل إلى المحجور إذا خالف. فأما أبو طاهر فقال: لو انتقل [الملك] (٣) إلى الوكيل لعتق ذوو أرحامه، وذوو محارمهم إذا اشتراهم بالوكالة؛ لأنه ملكهم. والجواب: أنهم لا يعتقون؛ لأن ملك الوكيل لا يستقر، ألا ترى أن السبب

стр. 4696

الموجب لانتقال ملكه قائم، والعتق يقع عقيب الملك [المستقر]، وفي تلك الحال الملك [منتقل] (١) غير ثابت، فلذلك لا يعتق عليه. وهذا كما قال أصحابنا: إنّ من تزوج أمةً، ثم تزوج حُرَّةً على رقبتها، فأجاز مولاها جاز، وصارت مهرًا للحرة، ولا ينفسخ النكاح بينها وبين الزوج، وإن كان الملك منهما ينتقل إلى الزوج ثمّ ينتقل منه إلى الحرة؛ إلا أنه لما انتقل انتقالًا غير مستقر لا يفسد النكاح بينه وبينها (٢).

стр. 4697

بَابْ: الوكالةِ في الهباتِ والصدقاتِ والعَوَاري والوَدَائع والشِّرَاء والرَّهن وما في معناها مِمَّا ليس له أبْدَال قال أبو الحسن: وإذا وَكَّلَ رَجُلٌ رجلًا بأن يهب عبده لرجل بعينه، أو يتصدق به عليه، أو يعيره إياه، أو يودعه، أو يرهنه، فقبض الوكيل العبد، ففعل فيه ما أمره به الموكل، فذلك جائز على الموكل، [وليس للوكيل المطالبة بردّ شيء من ذلك إلى يده، ولا يقبض شيء منه، وذلك إلى الموكِّل]، وليس للوكيل في الهبة أن يرجع فيها، ولا أن يقبض الوديعة من المودع، ولا العارية من المستعير، ولا القرض ممن هو عليه، ولا الرهن من المرتهن. وإن كانت هذه الوكالة من الملتمس لذلك من المالك، فوكّل رجل رجلًا أن يرتهن عبد فلان بدينه، أو يستعير دابة له، أو يستقرض له ألفًا، فإن الوكيل في ذلك يضيفه إلى يد موكله، ولا يضيف إلى نفسه، فيقول: إن زيدًا يستقرض منك ألفًا، أو يستوهبك عبدك، أو يستوهبك ما لك عليه من الدين، أو يستعير منك. وإنما لم تتعلق حقوق هذه العقود بالعاقد؛ لأنه لا يضيفها إلى نفسه، ألا ترى أنه يقول: وهب لك موكلي كذا، أو رهنك أو أعارك، أو أودعك، وإذا لم يضف العقد إلى نفسه لم يتعلق [حقوقه] (١) به، كما لا يتعلق بالرسول. وكذلك وكيل الملتمس، يضيف العقد إلى موكله [دون نفسه]، فلا تتعلق

стр. 4698

حقوقه به. فإن أضافه إلى نفسه فقال: هب لي، أو أعرني، أو أقرضني، أو تصدق علي، فذلك كله للوكيل دون الموكل؛ لأن إضافةَ العقد في الهبة إلى نفسه يقتضي انتقال الملك إليه، فلا يجوز أن ينتقل بالوكالة بعد ذلك إلى موكله (١)؛ لأنها إنما تنتقل في الشراء بالضمان من الموكل للثمن، ولا ضمان في الهبة ينتقل به الشيء إلى الموكل. وأما القرض، [فالمقبوض] (٢) تابع بما في ذمته بما يأخذ، ولا يجوز أن يستحق بالعوض غيره بالوكالة، كما لو قال: وكلتك بأن تبيع مالك على أن ثمنه لي، لم تجز. قال: وكذلك [الوكالة] بالشركة والمضاربة؛ لأنه لا يضيف العقد إلى نفسه، وإنما يضيف إلى موكله، فحقوقه لا تتعلق به (٣).

стр. 4699

بَابْ: الوكالة في الخصومة قال أبو الحسن: الوكالة في الخصومة جائزة في جميع الحقوق التي تجوز المطالبة بها، كان الطالب الموكل بذلك أو المطلوب في قول أبي حنيفة ومحمد، وكذلك قال أبو يوسف، إلا الخصومة في الحدود والقصاص واللعان، فإنه لم يجز الخصومة في ذلك. والأصل في جواز التوكيل بالخصومة: ما روي أن عليًا ﵁ وكَّلَ عقيلًا بالخصومة، ثم وكَّل بعده عبد الله بن جعفر، وكان لا يحضر الخصومة ويقول: إن لها [قُحَمًا] (١) وإن الشيطان يحضرها. وأما الخصومة في الحدود والقصاص فقد بَيَّنَّا الكلام فيها، واللعان من مقتضى القذف، كالحد. قال: وكان أبو حنيفة لا يقبل الوكالة في الخصومة من حاضر في المصر صحيح، فإن كان مريضًا أو غائبًا عنه قبل وكالته في الخصومة. قال معلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا تقبل الوكالة في الخصومة من رجل ولا امرأة بكر وإن كانت شريفة إلا من عذر مرض أو غيبة. وقال أبو يوسف ومحمد: ذلك جائز.

стр. 4700

وجه قول أبي حنيفة: قوله ﵊: "من وليَ القضاء بين اثنين فليسوِّ بينهما في مجلسه والنظر"، وقال [لعليّ]: "لا تسمع من أحد الخصمين حتى يحضر الآخر" (١)؛ ولأن الخصومة حق يلزم المطلوب يختلف باختلاف من يتولاه، ولا يجوز أن يحيل به على غيره إلا برضا صاحب الحق، كالدين. وجه قولهما: ما روي أن عليًّا ﵁ وكّل في الخصومة، ولم ينقل أنه طلب رضا الخصم؛ ولأنه توكيل في حق، فصار كالتوكيل باستيفاء الدين، فأما الخصم المريض الذي لا يقدر على الحضور (٢)، فيجوز توكيله؛ لأن الحضور (٣) لا يلزمه مع تعذره، وإذا أسقط الحضور عنه انتقلت الخصومة إلى ما قامَ مقامه (كالميت) (٤). فأما الغائب على مسافة يقصر فيها الصلاة، فالحضور لا يلزمه؛ لأن في تكلف السفر مشقّةً، وإذا أسقط الحضور عنه جاز أن يوكل. فأما المرأة، فكان أبو بكر الرازي يقول: إذا كانت غير برزة جاز لها أن توكل؛ لأنها لم تألف خطاب الرجال، فإذا حضرت مجلس الحكم انقبضت، فلم تنطق بحجتها، ويلحقها بذلك ضرر. وقال أبو بكر: وهذا شيء استحسنه المتأخرون من أصحابنا، فأما ظاهر الأصل فيقتضي خلاف ذلك، وقد كان ابن أبي ليلى يقول: يجوز توكيل البكر؛ لأن البكر تستحي في العادة، ولا يجوز توكيل الثيب؛ لأنها لا تستحي.

стр. 4701

قال: وإذا صَحَّت الوكالة بالخصومة، جاز إقرار الوكيل على موكله، كما يجوز إقرار الموكل على نفسه إذا [كان] إقراره بذلك عند الحاكم [الذي يخاصم إليه، فإن كان إقراره] عند غير الحاكم، لم يجز ذلك على موكله، وخرج من الوكالة بعد إقراره، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عند الحاكم وغيره، وهو قوله الآخر. وقال زفر: لا يجوز [إقراره] بحال. وجه قولهما: أن الموكل أقامه مقام نفسه في الخصومة، فإذا كان [هو] يملك الإقرار والإنكار فكذلك وكيله؛ ولأنّه وكّله بالجواب، وذلك يكون تارة بالنفي، وتارة بالإثبات، فإذا ملك أحدهما بمطلق الوكالة، كذلك الآخر؛ ولأنه إقرار يسقط به الحق، فإذا أقر به الوكيل جاز أن يلزم الموكل، كما لو قال: قبضت أنا. وجه قول زفر: أن إقرار الوكيل لا يجوز بحال؛ لأنه أقامه مقام نفسه في الخصومة، والإقرار ضد الخصومة؛ ولأنه لو وكّله بالإقرار لم يصح مع التصريح به، فلأن لا يملك ذلك من غير تصريح أولى. وقد قال الطحاوي: إنهم لا يختلفون أن الخصم لو قال: ما أقرَّ به فلان عليّ فقد التزمته، لم يصح إقراره عليه. وهذا غير مُسلَّم؛ لأن محمدًا ذكر في آخر الوكالة أنه إذا وكّله بالإقرار عليه جاز. وإن التزم على ما قدمنا إقرار الوَصِيِّ، قلنا: هو قائم مقام الصغير، فلا يجوز

стр. 4702

إقراره، كما لا يجوز إقرار الصغير، أو قائم مقام الميت، وإقرار الميت على الصغير لا يجوز. فإن التزم الوكيل بالخصومة في القصاص إذا أقرّ أن موكله [قتل] (١)، قلنا: إقراره جائز عليه، إلا أنه قام مقام إقراره، والقصاص لا يثبت بما قام مقام الغير. وإذا ثبت جواز إقرار [الوكيل]، قال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز بغير حضرة الحاكم؛ لأنه وكله بالخصومة، [والخصومة] ما كان بحضرة القاضي، وما لم يكن بحضرته فليس بخصومة؛ ألا ترى أن المدعي لو استحلف المدعى عليه عند غير القاضي لم تنقطع الخصومة، فإذا لم يكن [وكيلًا] (٢) بغير حضرة القاضي، فقد أقر في حالة لم يوكل فيها، فلا يجوز إقراره. لأبي يوسف: أنه أقامه مقام نفسه، وهو يملك الإقرار بحضرة القاضي وبغير حضرة القاضي، فكذلك وكيله في الوجهين، وكل من لم يُجَوّز إقرار الوكيل، أبطل وكالته بإقراره؛ لأن الإقرار قد تضمن أمرين: أحدهما: إسقاط حق الموكل، فالوكيل لا يملك ذلك. والآخر: إسقاط [حق] الوكيل من الخصومة، وهو يملك ذلك. فإن قيل: أليس لو وكَّله على أن [لا] (٣) يقر عليه جاز، فلو كان الإقرار من مقتضى الوكالة لم يجز استثناؤه، كما لا يجوز إذا وكله بالبيع على أن لا يتعلق به الحقوق.

стр. 4703

قيل له: إن الإقرار ليس بحق للوكيل، وإنما يملكه بإطلاق الوكالة، فصار التوكيل بالخصومة، كالوكالة بالخصومة والإقرار، فإذا استثنى أحدهما جاز. وأما حقوق البيع، فهي حق للوكيل يملكها بمقتضى عقده، حتى لا يصحَّ عزله عنها بعد البيع؛ فلذلك لم يجز استثناؤها من العقد، وبه قال محمد في الزيادات. ولو وكله واستثنى (١) الإقرار جاز [ولم يفصل، وروى ابن سماعة عن محمد: أن الطالب] لو وكل المطلوب واستثنى الإقرار لم يجز؛ لأن الطالب لا يجبر على الخصومة، فله أن يوكل بشيء دون شيء، والمطلوب يجبر عليها، فلا يملك التوكيل بما فيه إضرار بالطالب. ٢٨٠٤ - فَصْل: [الوكيل في الخصومة في المال وكيل في القبض] قال: وإذا وكل رجل رجلًا بالخصومة في مال، فهو وكيل في قبضه، وقال زفر: لا يملك القبض. وجه قولهم: أن المقصود بالخصومة الاستيفاء، ومقصود الوكالة من حقوقها، ومن وَكّل بشيء فهو وكيله بحقوقه، كالوكيل بالبيع أنه وكيل بالرد بالعيب. وجه قول زفر: أنه قد يوكل بالخصومة من لا يُؤتمن على القبض، فلم يكن التوكيل بأحدهما توكيلًا بالآخر. وأما الوكيل [بتقاضي الدين] (٢) فله القبض؛ لأن المقصود بالتقاضي القبض، فصار من حقوقه.

стр. 4704

وأما الوكيل بقبض الدين فهو وكيل بالخصومة عند أبي حنيفة، وقالا: ليس بخصم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. لأبي حنيفة: أنه موكل بأخذ الشيء من ملك الغير، فصار كالوكيل بالأخذ بالشفعة. وجه قولهما: أنه قد يصلح للقبض من لا يصلح للخصومة، فلم يكن [رضاه بقبض الدين] (١) رضًا بخصومته. وأما الوكيل بقبض العين، فليس بوكيل في الخصومة في قولهم؛ لأنه موكل بالنقل، فصار كالوكيل بنقل الزوجة. وقد قالوا في الوكيل بالملازمة: إنه لا يملك القبض، وقد قالوا في الوكيل بطلب الشفعة وبالرد بالعيب والقسمة: إنه يملك الخصومة؛ لأن الشفعة والقسمة لا تتوصل إليهما إلا بالخصومة، وكذلك الرد بالعيب، فصار ذلك من حقوقها. وقد قالوا في الوكيل بقبض العين: إذا أقام الذي في يده العين البينة أن الموكل باعه إياها، سُمعت البينة في منع الوكيل من القبض، ولا يثبت بها [البيع] (٢)؛ لأن الوكيل بقبض العين ليس بخصم، فلا يقوم مقام الموكل في سماع البينة؛ إلا أن بهذه البينة تتضمن إسقاط حق الوكيل من النقل، فجاز سماعها في إسقاط حقه من ذلك. ٢٨٠٥ - فَصْل: [شهادة الوكيل بالخصومة لموكله بعد العزل] قال: وإذا وكّل رجلٌ رجلًا بخصومة في شيء ثم عزله موكله عن الخصومة

стр. 4705

فيه، ثم شهد الوكيل للموكل بذلك الشيء، فإن ابن سماعة روى عن محمد في نوادره: في رجل [وكّل رجلًا في] طلب كل حق له قِبَل فلان، ثم أخرجه [موكله] (١) من الوكالة، ويخاصم هو والمطلوب، فشهد له الوكيل، قال: شهادته جائزة. وقال أبو يوسف: إذا شهد [له] بالوكالة (٢) وقَبِلَ الوكيل، ثم أخرجه من الوكالة لم تجز شهادته، وهذا فرع على مسألة الإقرار. فعند أبي حنيفة ومحمد: أن الوكيل لا يصير خصمًا إلا بحضرة القاضي؛ فلذلك لا يجوز إقراره بغير حضرته، فإذا لم يصر خصمًا حتى عزل صار كالأجنبي، فتقبل شهادته. فأما على قول أبي يوسف: فهو خصم [خاصم أو] (٣) لم يخاصم، فلم تجز شهادته فيما هو خصم فيه. قال: وإذا خاصم إلى القاضي ثم أخرجه الطالب، لم تجز شهادته له بحقٍّ قد كان له عليه يوم وكله أو حدث له بعد ذلك عليه؛ لأنه موكل في طلب كل الحقوق، فإذا أجاز له القاضي الوكالة، فهو خصم فيما خاصم فيه وما لم يخاصم فيه]، فلا تقبل شهادته. قال: فإن أخرجه بعدما خاصم، ثم حدث للموكل حق بعد إخراج الوكيل من الوكالة، فشهادة الوكيل تجوز عليه؛ لأن هذا الحق لم يكن هذا الوكيل فيه خصمًا، فشهادته [فيه] مقبولة.

стр. 4706

قال: ولكل من الخصمين أن يعزل وكيله من الوكالة بعد وكالته، وليس لخصمه منعه من ذلك، إلا أن يكون خصمه طالبه بإقامة وكيل في خصومته فأجابه إلى ذلك، فلا يكون له أن يخرجه إلا بمحضر من خصمه؛ وذلك لأن الوكالة حق للموكل، فإذا لم يتعلق بها حق غيره فهو بالعزل يسقط عن نفسه، فجاز له ذلك، فإذا تعلق به حق غيره مثل من وكّل في الخصومة بمطالبة خصمه، فليس له أن يعزله إلّا بحضور خَصمه؛ لأن في ذلك إسقاط حق الخصم، ألا ترى أنه يعزله ويغيب، فلا يقدر خصمه إلى إثبات حقه. وعلى هذا قالوا في الوكالة المشروطة في عقد الرهن: إن الراهن لا يملك عزل الوكيل لما في ذلك من إسقاط حق المرتهن. قال: وَكُلُّ خصومة وجبت للمضارب أو لشريك شركة عِنَان، أو مُفَاوَضَة، أو لعبد مأذون له في التجارة، أو لمكاتب، فإنّ لكل واحد من هؤلاء أن يوكل في خصومة من له [في] قِبَلِهِ خصومة؛ لأنهم [يملكون] (١) الخصومة فملكوا التوكيل بها، كما ملك الإنسان في حق نفسه. والذِّمِّي بمنزلة المسلم في ذلك؛ لأن الوكالة من حقوق الملك، والذمي يملك ما يخاصم فيه، فملك أن يوكل. قال: وتوكيل المرتد في حال ردته موقوفة، فإن أسلم جازت، وإن قُتِلَ أو لَحِقَ بدار الحَرْبِ وحُكِمَ بلِحَاقِه بطلت. وقال أبو يوسف ومحمد: وكالته جائزة حتى يُقْتل أو يَمُوت، أو يُحْكَمَ بلحاقه.

стр. 4707

وهذا فرع على اختلافهم في أملاك المرتد، فعند أبي حنيفة: أنها تزول في آخر جزء من أجزاء إسلامه (١)، وذلك مراعىً حتى يقتل أو يلحق [بدار الحرب]، وكذلك توكيله؛ لأن التوكيل تصرفٌ في ماله، فهو كسائر وجوه التصرف. فأما على قولهما: [فلان] أملاكه باقية، وتصرفه جائز، (وتوكيله جائز) (٢). وأما إذا وكل المسلم مرتدًا جاز؛ لأن الوكيل لا يتصرف في ملك نفسه، وإنما يتصرف في منافعه، ولا حق لورثته فيها. وأما المرتدة فتوكيلها جائز في قولهم؛ لأن ردتها لا تغير حكم ملكها فهي كالمسلمة. قال: وإن ارتد [الوكيل] ولحق بدار الحرب، انقطعت وكالته ما دام في دار الحرب، فإن عاد لم يعد حتى يجددها في قول أبي يوسف. وقال محمد: تعود الوكالة إذا عاد إلى دار الإسلام مُسلمًا. وإنما لم يجز تصرفه بعد لحاقه؛ لأن اختلاف الدارين يمنع من ثبوت الأحكام بينهما، فتعذر التصرف. وأما إذا عاد فوجه قول أبي يوسف: أن الوكالة عقد، فإذا أبطل باللحاق لم يعد كالنكاح؛ ولأن لحاق المرتد كموته، فتبطل وكالته، فلا يعود بعد ذلك. لمحمد: أن الردة لا تنافي الوكالة، وإنما لم يجز تصرف الوكيل لتعذر ذلك دار الحرب، فإذا عاد أمكن التصرف، فجاز، فصار هذا كمن وكل رجلًا أن

стр. 4708

يبيع له عبدًا بالكوفة، فخرج الوكيل إلى البصرة، ليس له أن يبيع العبد، فإذا عاد إلى الكوفة كان على وكالته. وأمّا إذا ارتد الموكل ولحق بدار الحرب، ثم عاد مسلمًا لم تعد الوكالة في قولهم المشهور، وروي عن محمد: أنها تعود. وجه قولهم: أن اللحاق كالموت، ولو مات بطلت الوكالة ولم تعد، كذلك هذا؛ ولأن الأملاك زالت بالحكم بلحاقه، فبطلت الوكالة المتعلقة بها. لمحمد: أن الوكالة بطلت بزوال الأملاك، فإذا عاد مسلمًا عادت أملاكه، فعادت لحقوقها، كما قالوا فيمن وكّل رجلًا ببيع عبده، ثم باع الموكل العبد، انعزل الوكيل، فإن رد العبد بعيب بقضاء، عادت الوكالة؛ لأن الملك الأول عاد، ويرد (١) بحقوقه. وقال الحسن عن أبي حنيفة: في رجل وكّل رجلًا بقبض ألف في صَكٍّ على رجل، وغاب الطالب فجاء الوكيل فأثبت الوكالة، والمطلوب مقر بالألف يدَّعي أنه قد أوفاها الطالب: لم يكن على الوكيل أن يجيء بالطالب حتى يحلف، ولم يكن عليه أن يجيء ببينة، ولكن يقال للمطلوب: ادفع [إليه] هذه الألف، واتبع [الطالب] (٢) باليمين، فإن حلف، وإلا رجعت عليه. وذلك لأن عقد المداينة قد أوجب القضاء، وذلك حق ثبت للوكيل، فإذا ادعى المطلوب الإيفاء فهو يسقط حقًا ثابتًا بأمر يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، ولا يجوز ذلك.

стр. 4709

وعلى هذا قالوا في الوكيل بطلب (١) الشفعة: إذا ادعى المشتري أن الموكل [نزل] (٢) عنها، قيل له: سَلِّم الدار إلى الوكيل واتبع أنت الشفيع [باليمين]؛ لأن عقد البيع لا يقع إلا موجبًا للشفعة، فلم يصدق في إسقاط حق ثابت بالدعوى. فأما الوكيل بالرد بالعيب: إذا ادعى البائع أن المشتري قد رضي، فإنه لا يرد السلعة حتى يحضر الموكل، فيحلف؛ ولأن عقد البيع قد يقع غير موجب للرد، بأن يشتري ما قد علم بعيبه، فلم يتيقن ثبوت الحق، فوجب أن تقف الخصومة على يمين المشتري. قال: فإن أراد المطلوب أن يحلف الوكيل ما يعلم أن الطالب قد استوفى الألف منه، لم يكن له أن [يحلفه] (٣) في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر: أحلفه على علمه، فإن أبى أن يحلف خرج من الوكالة، ولم يبرأ المطلوب، وكان الطالب على حجته. وجه قولهما: أن الدعوى وقعت على الموكِّل، فلو استحلف الوكيل كان ذلك نيابة في اليمين، والنيابة لا تصح في الأيمان. وليس هذا كما لو مات الطالب، فادعى المطلوب أن الميت استوفى، استحلف الوارث؛ لأن اليمين هاهنا تثبت حقًا للطالب في مال المطلوب، فصار الاستحلاف حقًا عليه لا على وجه النيابة. وجه قول زفر: أن اليمين يسقط بها حق الوكيل من المطالبة إذا نكل، فصار

стр. 4710

كما لو ادعى أنه عزله عن الوكالة. قال: ولو كان المطلوب ادّعى أنه قد أوفاها الطالب وجاء ببينة على ذلك، والوكيل وكيل بالقبض دون الخصومة، قبلت بينته، وكان ذلك دفعًا له عن الخصومة، ولم يكن ذلك قضاء على الطالب، والطالب على حجته. وهذا عطف على رواية الحسن: أن الوكيل بالقبض ليس بوكيل بالخصومة، فالبينة [تسمع] (١) عليه في إسقاط القبض الذي هو حق له، ولا تسمع في إسقاط حق موكله. فأما على الرواية المشهورة: أنَّ الوكيل بقبض الدين وكيل بالخصومة، [فالبينة مسموعة عليه]، ويقضي بها على الموكل، ويبرأ من الحق. قال: وكذلك لو أقام بينة أنه أعطاه بالألف دنانير، أو باعه [به] متاعًا، أو جارية، أو دارًا، أو لأن الطالب قد قبض ذلك، أو لم يقبضه، كان ذلك دفعًا عن المطلوب، والطالب على حجته، وهذا ظاهر على رواية الحسن؛ لأنه ليس بوكيل في الخصومة، فلا تُسمع البينة في أخذ عوض الدين، كما لا تُسمع البينة في أخذ نفس الدين، إلا أن خصومة الوكيل تسقط لأنها حق له، والبينة تقتضي سقوطها. فأمّا على رواية الأصل: أن الوكيل بالقبض وكيل بالخصومة، فيجب أن تسمع البينة على دفع العوض عن الدين، كما تسمع على دفع نفس الدين. وقد روى محمد: أن بينة المطلوب لا تقبل إذا ادعى أنه باعه جارية أو غير ذلك عن أبي حنيفة.

стр. 4711

ووجهه: أنه خصم في الدين وما يتعلق به، وليس بخصم في البياعات، وهذه بينة بعقد مبايعة، فلم يكن الوكيل بالقبض خصمًا فيها، فلم يسمع عليه (١).

стр. 4712

بَابْ: الوكالة بقبض الدين قال أبو الحسن: وإذا وجب لرجل على رجل دين بأي وجه وجب، وبما كان سببه، فوكَّل صاحب الدين رجلًا بقبضه، فذلك جائز؛ لأنه يملك القبض، وهو مما لا يسقط بالشبهة، فملك التوكيل به كما [يملك أن] يوكل في سائر حقوقه؛ ولأن الإنسان قد تجب له الديون المختلفة، فلا يستطيع أن يقبض جميعها بنفسه، فلو لم يجز له التوكيل في قبضها أدّى ذلك إلى وقوف حقوقه. ولا فرق في ذلك بين رأس مال [السَّلم] (١)، وبين الصرف وغيرهما؛ لأن التوكيل بذلك جائز في المجلس، وإنما لا يجوز (٢) بعد المجلس؛ لأن الموكل لا يملك القبض بعد المجلس، وهو إنما يوكل بما يملك دون ما لا يملك. قال: وإذا قبض الوكيل برئ الذي عليه الأصل منه، فكان ما قبضه الوكيل مِلْكًا لصاحب الدين وأمانة في يد الوكيل، يضمن بما يضمن به الوديعة؛ لأن الوكيل قام مقام المُوَكِّل في القبض، فكما لو قبض الموكل برئ المطلوب، كذلك قبض الوكيل. وإنما كان المقبوض ملكًا للموكل؛ لأن يد الوكيل كيد الموكل، فكما لو قبض الموكل كان المقبوض ملكًا له، كذلك قبض وكيله. وإنما كان المقبوض أمانة؛ [وذلك] لأنه قبضه بأخذ مالكه، لا على طريق

стр. 4713

البدل والوثيقة. قال: والقول قول الوكيل مع يمينه في أنه دفعهُ إلى الطالب، وفي كل ما يبرأ به المودع عن الوديعة؛ لأنه أمانة، والقول قول الأمين في براءة نفسه. قال: فإن جحد الغريم أن يكون للموكل عليه شيء، فأراد الوكيل أن يقيم البينة، فقد بَيَّنَّا الخلاف في ذلك، قال أبو حنيفة: تقبل بينته، وروى الحسن عنه: أنها لا تقبل، وهو قولهما. قال: وليس للوكيل بالقبض أن يوكل بقبضه غيره؛ لأن المالك رضي برأيه، والقبض يختلف باختلاف الأداء، ورضي بيده، وحكم اليد مختلف. قال: فإن فعل ذلك، وقبض الوكيل الثاني الألف لم يبرأ الغريم من الدين، إلا أن يصل ما قبض إلى الوكيل الأول؛ لأن التوكيل لم يصح، فصار قبض الوكيل الثاني كقبض الأجنبي، فلا يسقط به حق الطالب، فإن وصل الدين إلى [يد] الوكيل الأول فقد حصل القبض بيد قائمة مقام [يد] المالك، فكأنه قبضه ابتداءً، وكأنه أرسل رسولًا فحمل الدين إلى الوكيل. قال: فإن [هلك] (١) في يد القابض قبل ذلك، ضمنه الذي قبضه، ولم يبرأ الدافع من الدين الذي عليه، وكان للطالب أن يأخذ الغريم بدينه، فإذا أخذه منه رجع الغريم على من دفعه إليه، ورجع الوكيل الثاني على الأول إن [كان] هلك ما قبض في يده، روى ذلك الحسن بن زياد عن أبي حنيفة؛ وذلك لأن قبض الوكيل الثاني بغير حق. فإذا هلك في يده كان مضمونًا عليه، ويرجع الطالب على المطلوب؛ لأن

стр. 4714

قبض الوكيل الثاني في حقه كلا قبضٍ، ويرجع المطلوب إذا ادعى على الوكيل؛ لأنه دفع إليه ليملك ما في ذمته بما دفع، فإذا لم يملك بالقبض كان له الرجوع عليه. ولا يقال: إن المطلوب دفع إليه باختياره؛ لأنه وإن كان كذلك، فإنما دفع على وجه العِوَض، فيتعلق بالقبض الضمان. وإنما رجع الوكيل الثاني على الأول؛ لأنه تصرف له، فما يلحقه من الضمان يرجع به عليه. ولا يقال: فلمَ ضَمَّنَ أبو حنيفة الوكيل الثاني؟ وهو لا يرى تضمين مودع المودع؛ لأن هناك قد وجب بذلك القبض الضمان على المودع الأول، فلا يجب به الضمان على المودع الثاني؛ لأن القبض الواحد لا يوجب ضمانًا في حق اثنين، فضمن كل واحد منهما كل المقبوض. وأما في مسألتنا: فالضمان وجب على الوكيل الثاني بقبضه، وعلى الأول بحكم الغرور والأمر، فلم يجب بقبض واحد ضمان على اثنين. قال أبو الحسن: لو أن الطالب حين وكّل الموكل بقبض المال جعل أمره فيه جائزًا، أو قال: ما صنعت في ذلك فهو جائز، كان للوكيل أن يوكل في قبضه من شاء، وليس للوكيل أن يقبض عن الدين شيئًا غيره مما للموكل أن يمتنع من قبضه من الغريم؛ وذلك لأنه فَوّض إليه الرأي في القبض، فإذا وكل فقد فعل ما رأى، فجاز له ذلك. وأما إذا أخذ عوضًا عن الدين لم يجز؛ لأن تفويض الرأي في القبض

стр. 4715

يقتضي [تجويز] (١) الحقوق المتعلقة بالقبض، فأما أخذ العوض فهو عقد معاوضة لا يتعلق بالقبض، فلم يكن من حقوقه. وقال أبو يوسف: في رجل وَكَّل رجلًا بقبض دين له فأبى أن يقبل، ثم ذهب الوكيل فقبضه، فإن الغريم لا يبرأ منه (٢)، والدين على حاله؛ لأنه لما أبى فقد ردّ الوكالة، فلا يعود إليها إلا بتوكيل جديد، فإذا قبض صار قبضه كقبض الأجنبي. قال: وإذا كان لرجل على رجل دين، فقال: إن الطالب أمرني بقبضه منك، فدفعه، ثم جاء الطالب فأنكر أن يكون أمره بذلك، فهذا على ثلاثة أوجه: إن كان المطلوب صدق الوكيل بالوكالة ودفع إليه، قيل له: ادفع الدين إلى الطالب، ولا حق لك على الوكيل؛ لأن تصادق المطلوب لمدعي الوكالة لا ينفذ في حق صاحب الدين، فالقول قوله إنه لم يوكل، ولا يرجع المطلوب على الوكيل؛ لأنه صَدَّقَهُ على الوكالة، ففي زعمه أنه أمين في القبض، وأن الدين سقط بما أعطاه، وأن الموكل ظلمه فيما طالبه به، فيقبل إقراره على نفسه. وأما إن صدقه وضمّنه ما دفعه إليه ثم حضر الموكل، فرجع عليه، ثم رجع هو على القابض؛ لأنه وإن اعترف أنه قبض بحق، وأن الطالب ظالم في المطالبة، فقد ضمنه ما يطلبه الطالب بغير حق، فيصح الضمان، كما لو قال: ما [غصبك] (٣) فلان فهو علي. وأما إن كان المطلوب كذّب الوكيل في دعواه، أو قال: لا أعلم أصِدقًا ما

стр. 4716

تقول أم لا، ودفع إليه، ثم حضر الطالبُ فأخذ منه، رجع على الوكيل؛ لأنه لما كَذَّبَه فقد اعترف أنه أخذ بغير حق، فلما لم يملك ما في ذمته رجع عليه. وإذا لم يصدقه ولم يكذبه، فله حق التصديق، وله حق التكذيب، فإذا طالبه فقد كذبه. قال: وكُلُّ من وكَّلَ بوكالة في جميع ما ذكرناه، ثم أخرجه الموكل من الوكالة بغير محضر منه، فإخراجه باطل، وهو على وكالته؛ وذلك لأن العزل نهي، فلا يثبت حكمه إلا بالعلم كنهي صاحب الشريعة؛ ولأنه فوض إليه القبض من غير ضمان يلحقه، فلو جوزنا العزل من غير علم الوكيل ضمن ما يتصرف فيه، وذلك غرور، فلا يجوز. قال: فإن أتى الوكيلَ رجلٌ فأخبره أن الموكل قد أخرجه من الوكالة، فإن كان جاءه برسالة من الموكل، خرج عن الوكالة في قولهم؛ وذلك لأن الرسول قائم مقام المُرسِلِ، فكأن المُرسِل شافهه القول، فلا يعتبر صفاته (١). وأما إذا جاءه على وجه الخبر، لم ينعزل عند أبي حنيفة حتى يخبره رجل عدل أو اثنان على أي صفةٍ كانا. وقال أبو يوسف ومحمد: ينعزل بإخبار الواحد عدلًا كان أو غير عدل (٢). لأبي حنيفة: أن هذا الخبر يوجب ضمانًا على الوكيل بالتصرف، فهو كالشهادة الموجبة حقًا على المشهود عليه، وهذا يقتضي اعتبار العدد والعدالة، وكونه [خبرًا] (٣) يقتضي أن لا يعتبر واحد من الشرطين، فاعتبر أبو

стр. 4717

حنيفة الشبهين ويشترط أحد شَرْطَي الشهادة، إما العدد، وإما العدالة. وجهُ قولهما: أن هذا الخبر من أخبار المعاملات، فلا يعتبر فيه العدالة كسائر أخبار المعاملات. قال: وإذا وكّل صاحب الدين رجلين بقبض دينه، فليس لأحدهما أن يقبض دون صاحبه، فإن قبض لم يبرأ الغريم حتى يصل ما قبض أحدهما إلى صاحبه، فيقع ذلك في أيديهما جميعًا، أو يصل إلى الموكل؛ لأنه رضي برأيهما ولم يرض برأي أحدهما، والشيء مما يختلف باختلاف الآراء، فلم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، فإذا قبض صار قبضه كقبض الأجنبي، فإن وصل إلى صاحبه أو إلى الموكل برئ المطلوب؛ لأن المقصود بالقبض قد حصل، فكأنهما قبضاه ابتداءً. قال: وإذا وكل رجل رجلًا بقبض دينه الذي على زيدٍ، أو بقبض دينه بالشام، أو بمصر من الأمصار، فليس له أن يتعدى ذلك إلى غيره، وهو وغيره من الناس في قبض غير ما سمى له سواء؛ لأن الوكيل يتصرف من طريق الأمر، فاختص تصرفه بما أمر به، وما هو من حقوقه دون غيره. قال: وإذا قبض الوكيل [الدين] فوجده معيبًا، فما كان للموكل رده فللوكيل رده وأخذ بدله؛ لأن يده قائمة مقام يد الموكل، فكأنّ الموكل قبض؛ ولأن الوكيل يقبض [دين الموكل] (١) بالتمليك، فله الرد بالعيب كالوكيل بالشراء (٢).

стр. 4718

بَابْ: الرجل يُوكِّل بقَضَاءِ دَيْنٍ عليه وإذا قال رجل لآخر: اقض زيدًا ما له عليّ من الدين، فقضاه، فهو جائز، وقد برئ الآمر، وللمأمور أن يرجع عليه بما قضاه عنه. قال: والأصل في جواز التوكيل بقضاء الدين: أن الموكِّل يملك، وهو مما لا يسقط بالشبهة، فملك التوكيل به. وإنما رجعَ المأمور بما أدّى على الآمر؛ لأنه أمره أن يملك ما في ذمته لما يعطي، فصار كالوكيل بالشراء أنه يرجعُ على الآمر بالثمن وإن لم يشترط الرجوع. وكذلك الكفيل إذا قال [له]: تكفل عني، فكفل [وأدّى، رجع] (١) عليه، وإن لم يشترط الرجوع؛ لما ذكرنا من العلة. وليس هذا كما لو قال: عوض [عنِّي هِبتي] أو تصدَّق عن كفارتي؛ لأنه لما أمره بالعوض [عنه] وهو غير واجب عليه، لم يتعلق به وجوب لحق الوكيل أيضًا، وأما الإطعام في الكفارة وإن كان واجبًا على الآمر؛ فلأن الوكيل لو رجع بغير شرط لرجع بأكثر مما أسقط عن الآمر، ألا ترى أن الوجوب كان من أحكام الآخرة دون الدنيا، فلو ثبت الرجوع بمطلق الأمر لحق بالمضمون (٢) في الدنيا والآخرة، فلا يجوز أن يرجع بأكثر مما أسقط عن ذمته.

стр. 4719

قال: فإن دفع إليه مالًا، فقال: اقضه عني زيدًا، جاز ذلك، والمأمور أمين فيما دفع إليه، إن هلك في يده لم يضمنه؛ لأنه قبضه بإذن مالكه لا على طريق البدل أو الوثيقة. [قال]: فإن قال الوكيل: قد قضيت صاحب الدين المال الذي دفعته إليّ، وأنكر الذي له الدين أن يكون قبض منه شيئًا، فالقول قول الوكيل في براءة نفسه مع يمينه، ولا ضمان عليه، ولا يصدق على الغريم فيما ادّعى عليه من دفع المال إليه؛ لما بَيَّنَّا أنه أمين [في المال]، والقول قول الأمين في براءة نفسه، فلا يقبل في إيجاب الضمان على غيره؛ لأنه شاهد في حق الغير، فلا تقبل شهادته بفعل نفسه؛ ولأنا جعلنا القول قوله في البراءة؛ لأن الموكل ائتمنه على المال، ولم يأتمنه، فلم يقبل قوله في حقه. قال: فإن كان الذي عليه المال دفع إلى الوكيل ألفًا ليقضي دينه [بها]، فدفع الوكيل إلى الغريم ألفًا من ماله، وقبض له الألف الذي دفع إليه، جاز ذلك؛ لأنه وكّله بتمليك ما في ذمته بما أعطاه، فلا يتعين (١) المدفوع كما لو وكله بالشراء بهذه الألف، فاشترى بألف من مال نفسه، ثم أخذها عوضًا عنه. قال: فإن كان لم يدفع إليه شيئًا وقال: اقض زيدًا عني ما له علي، وادّعى المأمور أنه (٢) دفع، لم يُصدق على الغريم ولا على الآمر، وعلى كل واحد منهما اليمين، يحلف للطالب: بالله ما قبض المأمور دينه، ويحلف الآمر للمأمور: بالله ما يعلم أن المأمور قضى عنه الدين؛ وذلك لأن الوكيل يدعي إيجاب الضمان على وكيله، وقول الوكيل مقبول في براءة نفسه، غير مقبول في

стр. 4720

إيجاب الضمان على غيره. وإنما استحلف المطلوب؛ لأن الوكيل يدعي الإيفاء، واليمين على البتات؛ لأنها يمين على فعله. وإنما استحلف الآمر؛ لأنه يدعي إيجاب الضمان عليه، وهُوَ مُنْكِرٌ، واليمين على العلم؛ لأنها يمين على فعل الغير. قال: فإن أقام المأمور بالقضاء البينة أنه قضى صاحب الدين، قبلت بينته، وبرئ الآمر من الدين، ورجع المأمور على الآمر بما قضى عنه؛ لأن القضاء يثبت بالبينة، فيسقط الدين من ذمة (١) الطالب، ويثبت الرجوع للوكيل؛ لأنه أدّى دينه بأمره. قال: فإن كان المأمور لما ادَّعَى أنه قضى الغريم، فصدَّقه الآمر وكذَّبه صاحب الدين، فإن الآمر مُصدق على نفسه، ويرجع المأمور عليه بما قضى، ويغرم ألفًا أخرى للذي له الدين؛ لأنه اعترف بوجوب الضمان للوكيل، وادعى سقوط الدين عن ذمته، فما كان حقًا عليه قبل قوله فيه، وما كان حقًا له على الغريم لم يثبت بدعواه. قال: وكذلك وكالة للعبد التاجر، والمُكَاتَب، والصَّبِيِّ المأذون له في التجارة، يوكل أحدهم بقضاء دينه بمال دفعه أو بغير مال؛ لأن هؤلاء يملكون القضاء، فملكوا التوكيل به كغيرهم. قال: وكذلك [هذا في] كل من لزمه دين ممن يجوز له أن يودع ماله، فله أن يدفع (٢) إلى من يقضيه؛ لأن الدفع يقتضي الأمانة؛ لأن من ملك الإيداع ملك

стр. 4721

الدفع للقضاء. وبعكسه الصبي والمجنون، إذا لزمه دين لم يملك أن يوكل بالقضاء، ولا يدفع لما يقضى به؛ لأنه لا يملك الإيداع، والمدفوع في حكم الوديعة. قال: وإذا دفع رجل إلى رجل دينًا ليقضي به غريمًا له، ثم أن الذي عليه الدين قضى صاحب الدين دينه، ثم لقيه الوكيل، فقضاه ما كان قد دفعه إليه، فإن كان الوكيل لا يعلم بقضاء الآمر دينه فلا ضمان على الوكيل، ويرجع دافع المال على الغريم فيأخذ منه ما قبض من الوكيل، وإن كان يعلم بذلك الوكيل، فالوكيل ضامن بما دفع إلى الغريم، وله أن يرجع على الغريم بما قبضه منه؛ وذلك لأنه إذا لم يعلم بقضاء الموكل، فقد تصرف على الوجه المأمور به، فلا يلزمه ضمان فيه. ولا يقال: إنه انعزل عن الوكالة بتصرف الموكل فيما وكله، والعزل من طريق الحكم لا يقف على العلم، كموت الموكل؛ وذلك لأن تصرف الموكل ليس بعزل للوكيل، ألا ترى أنهم قالوا لو وكله ببيع عبده ثم باعه الموكل، لم يجز للوكيل أن يبيعه؛ ليس لأنه [انعزل] (١)، ولكن لأن العبد في ملك غير موكله. يُبين هذا أنهم قالوا: لو رد العبد على الموكل بعيب بقضاء، فإن (٢) للوكيل بيعه، فدل على أن تصرف الموكل لا يُوجبُ [عزل] (٣) الوكيل. ولا يقال: فقد قال أبو حنيفة في المتفاوضين: إذا أذن كل واحد منهما للآخر أن يؤدي زكاته، فأدّيا، فالثاني منهما ضامن علم [بأداء الأول] (٤) أو لم

стр. 4722

يعلم؛ [هذا لا يقال] (١) لأنه في الزكاة، وإنما أمره بأداء الزكاة، والمؤدى ثانيًا ليس بزكاة؛ بدلالة أنه يقع موقع [النفل] (٢)، وفي مسألتنا إنما أمره بدفع يصير مضمونًا على الآمر، وذلك حاصل وإن كان قد استوفى. وإنما يفترقان في ثبوت المفاوضة، [والمفاوضة إنما] تثبت بفعل الوكيل، وإذا ثبت أن الوكيل لا يضمن، رجع المُوَكِّلُ على الطالب؛ لأن يد الوكيل كَيَدِ موكله، فكأنه دفع الدين مرتين، فيرجع بأحدهما. وأما إذا علم الوكيل أن الموكل قد قضى فدفع المال، فهو ضامن لما دفع، وله أن يرجع على الغريم بما قبضه منه؛ لأنه تعدى في الدفع بعد العلم بسقوط الدين، فلذلك ضمن، فيرجع على القابض؛ لأنه أعطاه [عوضًا عمَّا له في ذمة الموكل، فإذا لم يكن هناك دين يتعوض عنه، رجع بما أعطاه]. قال: والقول قول الوكيل أنه لم يعلم في نفي الضمان مع يمينه؛ لأن [الأصل] (٣) عدم العلم، ومن ادّعى الأصل فهو متمسك بالظاهر، فالقول قوله. قال: وكذلك إن مات الآمر والوكيل لا يعلم بموته، فدفع المال، فهو مثل ذلك، بمعنى أنه لا ضمان عليه؛ لأنه مؤتمن في المال، وقد دفع على الوجه المأمور به، فلم يلزمه ضمان (٤).

стр. 4723

بَابْ: الوكالةِ بالشراءِ والبيع قال أبو الحسن: الوكالة بالشراء والبيع يجوز مع الجهالة اليسيرة، فإذا كَثُرَتْ بطلت الوكالة، وكان القياس أن لا يجوز، وأن يمنع من جوازها ما يمنع من جواز البيع. وجه القياس: أن المبيع ينتقل إلى الوكيل، ومن جهته إلى الموكل، فصار الوكيل كالبائع، وكما أن المبيع لا يجوز أن ينتقل مع الجهالة، فكذلك لا يجوز التوكيل. وقد قال أصحابنا: إن الوكالة على ضربين: وكالة عامة (١): فيصح مع الجهالة، كقوله: اشترِ ما شئتَ، وما رأيتَ؛ لأنه قد فَوّضَ إليه الرأي، فصار كالمبضع والمضارب. ووكالة خاصة (٢): فالقياس أن لا يجوز حتى يذكر جنس ما وكّله فيه، وصفته، وقدر الثمن. إلا أنهم استحسنوا إذا ذكر مع الجنس أحد أمرين، إما الصفة، أو مقدار

стр. 4724

الثمن، أن يجوز؛ لما روي أن النبي ﷺ أعطى عروة البارقي دينارًا وأمره أن يشتري شاةً، فذكر الجنس وقدر الثمن، وسكت عن الصفة؛ ولأن الثمن إذا عُلِم صارت الصفة معلومةً، فإذا ذكرت الصفة صار الثمن معلومًا، فأجزأ ذكر أحدهما عن الآخر. وقد حصل أبو بكر الرازي هذا تحصيلًا آخر فقال في الوكالة الخاصة: إذا كان الاسم يجمع أجناسًا مختلفة، أو ما هو في حكم الأجناس، فإن الوكالة لا تجوز حتى يبين الصفة أو الثمن، كقوله: اشتر لي ثوبًا؛ لأن ذلك يقع على أجناس مختلفة، فلا بد من ذكر جنس منها. فكما لو قال: اشتر لي دارًا؛ لأن الدور وإن كانت جنسًا واحدًا فقد صارت في حكم الأجناس لكثرة تفاوتها. وإن كان الاسم يقع على جنس واحد جاز وإن لم تذكر الصفة ولا الثمن، كقوله: اشتر لي حمارًا، أو بغلًا، وتصير الصفة معلومة بحال الموكل. وعلى هذا قالوا: لو أن رجلًا وكل رجلًا أن يشتري له عبدًا أو شاة فلم يذكر لذلك صفة ولا ثمنًا أن الوكالة باطلة، وما اشتراه الوكيل فهو لازم له دون موكله؛ لأن العبد يقع على أجناس كثيرة، [فتكثر] (١) الجهالة فيمنع من صحة الوكالة، والشاة وإن كانت اسمًا لجنس واحد، فصفتها (٢) مختلفة، ولا تتخصص بحال الآمر، فلا بد من الصفة أو ذكر الثمن. فلو قال: اشتر لي عبدًا بألف، جازت الوكالة؛ لأن مقدار الثمن يصيّر صفة

стр. 4725

العبد به معلومة. ولو وصف العبد فقال: اشتر لي عبدًا حبشيًّا، ولم يذكر ثمنًا جازت [الوكالة]؛ لأن الثمن معلوم بالصفة، ويرجع في ذلك إلى حال الموكل فيما يشتري به أمثاله. فإن اشترى له ما يخرج عن عادة أمثاله لم يلزمه؛ لأن الوكالة اختصت بما هو من عادة مثله، فلا يلزمه ما يتفاوت في عادته. قال بِشر: سمعت أبا يوسف قال في رجل قال لرجل: اشتر لي خادمًا من جنس كذا وكذا، ولم يسم شيئًا، فهو جائز، وهو على ما يتعامل الناس من ذلك الجنس، وإن جاء من ذلك وهو شيء [مشتبه] كثير الثمن لا يتعامل به العامة، لم يجز على الآمر. [قال]: ولو أن بدويًا أمر رجلًا أن يشتري له خادمًا حبشيًّا أو حلاشيًّا، ولم يسم ثمنًا جاز، وذلك إذا اشترى من الضرب الذي يتعامل عليه أهل البادية، يشترونه ويشترى لهم، فإن تعداه إلى غيره مما لا يشتريه أهل البادية فإنه لا يجوز، وهذا استحسان وليس بقياس؛ وهذا على ما قدمنا أن الصفة معلومة، ومقدار الثمن يعلم بها، ويخصَّصُ ذلك بحال الموكل، فإذا اشترى له ما لا يشتريه أمثاله، فإنه لا يجوز (١).

стр. 4726

بَابْ: شراء المعيب قال: وإذا أمر رجل رجلًا أن يشتري له جاريةً أو عبدًا، فإن هذا لا يجوز؛ [لما قدمنا] (١) أنّ الاسم يقع على أجناس مختلفة، وكثير الجهالة (٢) يُبطله. قال: فإن وكّله بشراء جارية سمّى جنسها أو ثمنها، فاشترى له عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليَدَيْن، أو الرِّجْلَيْنِ، أو إحداهما، فإن أبا حنيفة قال في ذلك: هو جائز على الآمر. وقال أبو يوسف: تجوز العمياء، ولا المُقْعَدة، ولا المقطوعة اليدين والرجلين، وتجوز القطعاء، والعوراء. لأبي حنيفة: قوله: اشترِ لي جارية، يقتضي ما يتناوله الاسم، والاسم موجود في الصحيح والمعيب؛ لأن عقد الوكالة لو اقتضى الصحة منع من لزومها اليسير من العيب والكثير، كعقد البيع، ولا يقال قد قلتم في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إن ذلك يقتضي [بقاء] منفعة الجنس، حتى لا تجوز العمياء، فهلَّا قلتم في الوكالة كذلك؛ لأن من أصحابنا من قال: إنا لو خلينا وظاهر اللفظ لجوّزنا عتق العمياء، وإنما عدلنا عن الظاهر بدليل، وهو أن المقصود إخراج الرقبة من الرق لتنتفع بنفسها في العمل، وذلك لا يوجد في العمياء، فأما الوكالة

стр. 4727

فقد يقصد الإنسان شراء العمياء [ابتغاء الثواب، كما يقصد] (١) الصحيحة، فلما لم يختص، حملت الوكالة على الأمرين. ومن أصحابنا من قال: إن الله تعالى أوجب عتق رقبة، وذلك يقتضي [كمال الأجزاء] (٢)، ولو وكله بشراء رقبة لم تجز العمياء، فلما وكله بشراء عبد أو جارية، وذلك يقتضي (٣) سلامة الأجزاء، حمل على [الجميع] (٤). وجه قولهما: أن الوكالة محمولة على العادة، وفي العادة أن الناس لا يشترون العمياء، ولا المقعدة، وقد [يشترون] (٥) المعيب [و] الصحيح، فإذا كان العيب لا [يفوت] (٦) منفعة الجنس جاز، وإذا فَوّت منفعة الجنس لم يجز. قال: وإذا قال: اشتر لي جارية تخدمني [أو للخدمة]، أو عبدًا [للخدمة] (٧)، أو لعمل من الأعمال، فاشترى له عمياء، أو مقطوعة اليدين، أو الرجلين، لم يجز في قولهم [جميعًا]؛ لأنه بيّن ما يصلح للعمل، وما لا يصلح للعمل لا يدخل في الوكالة، ولو قال: اشتر لي جارية أطؤها، فاشترى له أخت الآمر، لم يجز؛ لأنه بين الوكالة فيما يحل وطؤها، فما هو حرام على التأبيد لا يدخل فيه.

стр. 4728

بَابْ: الوكالة بشراء الغنم والبقر واللُّحْمَان والفاكهة والأطعمة قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول في رجل أعطى رجلًا عشرة دراهم فقال: اشتر لي بها طعامًا: فإنه لا يجوز له أن يشتري بها إلا الحنطة والدقيق، ولو اشترى بها فاكهة أو لحمًا لم يلزم الآمر، وكذلك الخبز لا يجوز. ولو كان دفع إليه درهمًا جاز في الخبز إذا جاء بالدرهم ونحوه، جاز في الخبز والحنطة والدقيق، وإذا كثرت الدراهم لم يجز إلا على الحنطة والدقيق. وجملة هذا: أن الطعام في الإطلاق اسم للحنطة ودقيقها، وقد يستعمل في سائر ما يستطعم، فالوكالة فيه محمولة على دلالة الحال، فإذا دفع الرجل [إليه] مالًا كثيرًا فقال: اشتر لي به طعامًا، ففي العادة أن ذلك القدر لا يشترى به الخبز والفاكهة دفعة واحدة، فحملت الوكالة على الحنطة والدقيق المدخر للأوقات. وإذا دفع درهمًا واحدًا، فهذا القدر لا يشترى به الحنطة في العادة، فحمل ذلك على الخبز وما يؤكل في الحال. [قال]: وإذا دفع إليه دراهم كثيرة وهناك وليمة، فقال: اشتر بها طعامًا، فاشترى الخبز، جاز؛ لأن الولائم يُحتاج فيها إلى الخبز الكثير، [والحنطة] (١) لا تحتاج إليها فيها. فأما ذِكْرُ أبي يوسف للعشرة؛ فعلى عادة أهل زمانه، وشدة الرخص

стр. 4729

عندهم، فالعشرة لا يشترى بها الخبز دفعة واحدة، فأمّا الآن: فقد يشترى بها ذلك، فاعتبر فيه العادة بحسب الوقت. قال: لو أمره أن يشتري له كَبْشًا، فاشترى له نَعْجَةً، لم يلزمه، وكذلك لو قال: اشتر لي عَنَاقًا، فاشترى جَدْيًا؛ لأن الكبش عبارة عن الذَّكَرِ، فإذا اشترى النعجة فقد اشترى غير ما وكَّله به، والعَنَاق عبارة عن الأنثى، فإذا اشترى الجَدْيَ فقد اشترى غير ما وكّله فيه. قال: ولو أمره أن يشتري له فَرَسًا، أو بِرْذَوْنًا (١)، وسمى له الثمن، فاشترى له رَمَكَة (٢) من الخيل والبَرَاذِيْن، فإن هذا لا يجوز على أهل الأمصار، ويجوز في البلدان التي تتخذ فيها والحُجُور (٣) والرِّمَاك؛ لأن الفرس والبِرذَون اسم للذكر، فلا يدخل فيه الأنثى، فأما للبادية والذين يولدون الخيل فغرضهم الإناث دون الذكور، فحمل الأمر فيهم على العادة. فأما البغال (٤) فيجوز فيها الذكر والأنثى في الأمصار وغيرها، ما لم يسم [له] أنثى [فيخالفه] (٥) إلى الذكر أو ذكرًا فيخالفه إلى الأنثى؛ لأن البغال اسم جنس، فيتناول الذكر والأنثى، وأما البغل فهو اسم للذكر، والبَغْلة [اسم] للأنثى، فلا يدخل فيها غيرها.

стр. 4730

[قال]: ولو قال: اشتر لي عشرة من البَراذين، لم يلزمه أنثى إذا كان في مواضع لا يتخذ فيها الحُجور والرِّمَاك؛ لأن البِرذَون ليس باسم جنس، وإنما هو اسم للذكر، فجمعه [لا] (١) يدخل فيه الأنثى كالرجال. ولو قال: اشتر لي من البقر عشرًا، جاز في الذكور والإناث؛ لأن البقر اسم جنس، فيتناول الذكر والأنثى. ولو قال: اشتر لي بقرة، فاشترى ثورًا لم يجز؛ لأن البقرة اسم للأنثى. [قال]: فإذا قال: اشتر لي عشر بقرات، لم يكن فيها ذكر؛ لأن التاء للتأنيث. ولو قال: اشتر لي ثورًا فاشترى بقرة، لم يجز؛ لأن الثور اسم للذكر. [قال]: ولو أمره أن يشتري جنسًا من الطير فسَمّاه، جاز في ذلك الذكر والأنثى؛ لأن الواحد من ذلك والجماعة سواء، وهذا كالعصفور والحمام؛ لأن الاسم للجنس فيتناول الذكر والأنثى كالإنسان. [قال]: ما خلا الدجاج، فإنه يجوز في الجماعة الذكر والأنثى، فإذا سمى الدجاجة لم يجز إلا الأنثى (٢)؛ لأن اسم الجمع في الدجاج يصلح للذكور. وقال الشاعر (٣):
следующие страницы →