← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

بَابْ: شراء المعيب قال: وإذا أمر رجل رجلًا أن يشتري له جاريةً أو عبدًا، فإن هذا لا يجوز؛ [لما قدمنا] (١) أنّ الاسم يقع على أجناس مختلفة، وكثير الجهالة (٢) يُبطله. قال: فإن وكّله بشراء جارية سمّى جنسها أو ثمنها، فاشترى له عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليَدَيْن، أو الرِّجْلَيْنِ، أو إحداهما، فإن أبا حنيفة قال في ذلك: هو جائز على الآمر. وقال أبو يوسف: تجوز العمياء، ولا المُقْعَدة، ولا المقطوعة اليدين والرجلين، وتجوز القطعاء، والعوراء. لأبي حنيفة: قوله: اشترِ لي جارية، يقتضي ما يتناوله الاسم، والاسم موجود في الصحيح والمعيب؛ لأن عقد الوكالة لو اقتضى الصحة منع من لزومها اليسير من العيب والكثير، كعقد البيع، ولا يقال قد قلتم في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إن ذلك يقتضي [بقاء] منفعة الجنس، حتى لا تجوز العمياء، فهلَّا قلتم في الوكالة كذلك؛ لأن من أصحابنا من قال: إنا لو خلينا وظاهر اللفظ لجوّزنا عتق العمياء، وإنما عدلنا عن الظاهر بدليل، وهو أن المقصود إخراج الرقبة من الرق لتنتفع بنفسها في العمل، وذلك لا يوجد في العمياء، فأما الوكالة

стр. 4727

فقد يقصد الإنسان شراء العمياء [ابتغاء الثواب، كما يقصد] (١) الصحيحة، فلما لم يختص، حملت الوكالة على الأمرين. ومن أصحابنا من قال: إن الله تعالى أوجب عتق رقبة، وذلك يقتضي [كمال الأجزاء] (٢)، ولو وكله بشراء رقبة لم تجز العمياء، فلما وكله بشراء عبد أو جارية، وذلك يقتضي (٣) سلامة الأجزاء، حمل على [الجميع] (٤). وجه قولهما: أن الوكالة محمولة على العادة، وفي العادة أن الناس لا يشترون العمياء، ولا المقعدة، وقد [يشترون] (٥) المعيب [و] الصحيح، فإذا كان العيب لا [يفوت] (٦) منفعة الجنس جاز، وإذا فَوّت منفعة الجنس لم يجز. قال: وإذا قال: اشتر لي جارية تخدمني [أو للخدمة]، أو عبدًا [للخدمة] (٧)، أو لعمل من الأعمال، فاشترى له عمياء، أو مقطوعة اليدين، أو الرجلين، لم يجز في قولهم [جميعًا]؛ لأنه بيّن ما يصلح للعمل، وما لا يصلح للعمل لا يدخل في الوكالة، ولو قال: اشتر لي جارية أطؤها، فاشترى له أخت الآمر، لم يجز؛ لأنه بين الوكالة فيما يحل وطؤها، فما هو حرام على التأبيد لا يدخل فيه.

стр. 4728

بَابْ: الوكالة بشراء الغنم والبقر واللُّحْمَان والفاكهة والأطعمة قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول في رجل أعطى رجلًا عشرة دراهم فقال: اشتر لي بها طعامًا: فإنه لا يجوز له أن يشتري بها إلا الحنطة والدقيق، ولو اشترى بها فاكهة أو لحمًا لم يلزم الآمر، وكذلك الخبز لا يجوز. ولو كان دفع إليه درهمًا جاز في الخبز إذا جاء بالدرهم ونحوه، جاز في الخبز والحنطة والدقيق، وإذا كثرت الدراهم لم يجز إلا على الحنطة والدقيق. وجملة هذا: أن الطعام في الإطلاق اسم للحنطة ودقيقها، وقد يستعمل في سائر ما يستطعم، فالوكالة فيه محمولة على دلالة الحال، فإذا دفع الرجل [إليه] مالًا كثيرًا فقال: اشتر لي به طعامًا، ففي العادة أن ذلك القدر لا يشترى به الخبز والفاكهة دفعة واحدة، فحملت الوكالة على الحنطة والدقيق المدخر للأوقات. وإذا دفع درهمًا واحدًا، فهذا القدر لا يشترى به الحنطة في العادة، فحمل ذلك على الخبز وما يؤكل في الحال. [قال]: وإذا دفع إليه دراهم كثيرة وهناك وليمة، فقال: اشتر بها طعامًا، فاشترى الخبز، جاز؛ لأن الولائم يُحتاج فيها إلى الخبز الكثير، [والحنطة] (١) لا تحتاج إليها فيها. فأما ذِكْرُ أبي يوسف للعشرة؛ فعلى عادة أهل زمانه، وشدة الرخص

стр. 4729

عندهم، فالعشرة لا يشترى بها الخبز دفعة واحدة، فأمّا الآن: فقد يشترى بها ذلك، فاعتبر فيه العادة بحسب الوقت. قال: لو أمره أن يشتري له كَبْشًا، فاشترى له نَعْجَةً، لم يلزمه، وكذلك لو قال: اشتر لي عَنَاقًا، فاشترى جَدْيًا؛ لأن الكبش عبارة عن الذَّكَرِ، فإذا اشترى النعجة فقد اشترى غير ما وكَّله به، والعَنَاق عبارة عن الأنثى، فإذا اشترى الجَدْيَ فقد اشترى غير ما وكّله فيه. قال: ولو أمره أن يشتري له فَرَسًا، أو بِرْذَوْنًا (١)، وسمى له الثمن، فاشترى له رَمَكَة (٢) من الخيل والبَرَاذِيْن، فإن هذا لا يجوز على أهل الأمصار، ويجوز في البلدان التي تتخذ فيها والحُجُور (٣) والرِّمَاك؛ لأن الفرس والبِرذَون اسم للذكر، فلا يدخل فيه الأنثى، فأما للبادية والذين يولدون الخيل فغرضهم الإناث دون الذكور، فحمل الأمر فيهم على العادة. فأما البغال (٤) فيجوز فيها الذكر والأنثى في الأمصار وغيرها، ما لم يسم [له] أنثى [فيخالفه] (٥) إلى الذكر أو ذكرًا فيخالفه إلى الأنثى؛ لأن البغال اسم جنس، فيتناول الذكر والأنثى، وأما البغل فهو اسم للذكر، والبَغْلة [اسم] للأنثى، فلا يدخل فيها غيرها.

стр. 4730

[قال]: ولو قال: اشتر لي عشرة من البَراذين، لم يلزمه أنثى إذا كان في مواضع لا يتخذ فيها الحُجور والرِّمَاك؛ لأن البِرذَون ليس باسم جنس، وإنما هو اسم للذكر، فجمعه [لا] (١) يدخل فيه الأنثى كالرجال. ولو قال: اشتر لي من البقر عشرًا، جاز في الذكور والإناث؛ لأن البقر اسم جنس، فيتناول الذكر والأنثى. ولو قال: اشتر لي بقرة، فاشترى ثورًا لم يجز؛ لأن البقرة اسم للأنثى. [قال]: فإذا قال: اشتر لي عشر بقرات، لم يكن فيها ذكر؛ لأن التاء للتأنيث. ولو قال: اشتر لي ثورًا فاشترى بقرة، لم يجز؛ لأن الثور اسم للذكر. [قال]: ولو أمره أن يشتري جنسًا من الطير فسَمّاه، جاز في ذلك الذكر والأنثى؛ لأن الواحد من ذلك والجماعة سواء، وهذا كالعصفور والحمام؛ لأن الاسم للجنس فيتناول الذكر والأنثى كالإنسان. [قال]: ما خلا الدجاج، فإنه يجوز في الجماعة الذكر والأنثى، فإذا سمى الدجاجة لم يجز إلا الأنثى (٢)؛ لأن اسم الجمع في الدجاج يصلح للذكور. وقال الشاعر (٣):

стр. 4731

[لما مررتُ بالدَّيرين أرَّقَنِي … صوتُ الدَّجاج وقَرْعٌ بالنَّواقيس] فأما الدجاجة قالها فيها للتأنيث، فلا يتناول الذكر (١). [قال]: ولو قال: اشتر لي بعيرًا، فاشترى [له] ناقة، لم يلزمه، ولو قال: اشتر لي ناقة، فاشترى بعيرًا لم يلزمه؛ لأن البعير اسم للذكر، والناقة للأنثى. ولو قال: اشتر لي [بُخْتِيَّة] (٢)، لم يلزمه إلا أن يكون في بلده لا يشترى فيها العِرَابُ؛ لأن البُختَ عبارة عن ضرب من الإبل يشتد سيره؛ وذلك من العراب خاصة، فيحمل الاسم عليه، وإن كان في بلد لا يباع العراب فيه حمل ذلك على ما يتناوله الاسم عندهم. وقد قالوا: إن ذلك في بلاد العجم، يحمل ذلك على الحمارة؛ لأنها في معنى البخت، وهذا لو كانوا يتعارفون التسمية فيها. ولو (٣) قال: اشتر لي بقرة، فاشترى جاموسة، لم يجز؛ لأن الاسم لا يتناولها على الإطلاق. قال: ولو أن رجلًا أعطى رجلًا درهمًا فقال: اشتر لي به لحمًا، فاشترى [به] من لحم المعز أو الضّأن على ما يشتري الناس، فهو جائز، وكذلك لحم

стр. 4732

البقر والإبل، هذه لحمان الناس التي تباع في الأسواق، وهذا صحيح، والمعتبر في ذلك عادةُ كل بلد، فإن كانوا يعتادون في الأسواق شراء جميع ذلك حُمِلَ عليه؛ لأن الاسم عام فيه، فأما الآن فالإبل غير معتادة، فلا يحمل الاسم عليها، فكذلك الضأن والمعز على حسب العادة. قال: ولو اشترى بطونًا لم يلزم الآمر وإن كانت لحمًا، وكذلك الأكباد والكروش والأكارع والرؤوس؛ لأن هذه الأشياء لا تشترى كما يشترى اللحم وإن كانت لحمًا، والوكالة تحمل على العادة دون الاسم. ولو حلف لا يأكل لحمًا، فأكل هذه الأشياء حَنِث؛ لأنها تصنع كما يصنع اللحم، فهي لحم، وإن لم يعتاد شراؤها كما يشترى اللحم، وليس يمتنع أن تختلف اليمين والوكالة، ألا ترى أن الطعام في الوكالة اسم للحنطة ودقيقها، ولو حلف أن لا يأكل طعامًا فأكل سكرة حَنِثَ. قال: ولو أن رجلًا أمر رجلًا أن يشتري له لحمًا بدرهم، فاشترى له كبدًا، لم يلزمه، إلا أن يكون في بلد لحمها الذي يباع في أسواقها الكبود؛ لأن الوكالة محمولة على ما يباع في العادة دون ما يتناوله الاسم، ألا ترى أنه لو اشترى قديدًا (١) لم يجز وإن كان الاسم يتناوله؛ لأنه ليس هو اللحم الذي يباع في العادة. وكذلك لو اشترى صفيف الوحش فهو لحم ولا تتناوله الوكالة. قال: ولو اشترى [له] لحمًا مطبوخًا أو مشويًا لم يجز ذلك على الآمر؛ لأن شراء اللحم في الإطلاق إنما يراد به ما لم يعمل منه، فإذا أرادوا المعمول قالوا: شِوَاء، فإذا اشترى لحم الطير أو الوحش، فإن كان في بلده يباع ذلك في أسواقها

стр. 4733

ومنه يشتري الناس جاز؛ لاجتماع الاسم والعادة فيه. [قال]: ولو أمره أن يشتري له لحمًا بعشرة دراهم، فاشترى شاةً حيَّةً، لم يلزمه؛ لأن اسم اللحم لا يتناولها، فإن اشترى شاة مذبوحة غير مسلوخة، لم يلزم الآمر؛ لما بَيَّنَّا أن الوكالة تحمل على ما يتبايعه الناس، والناس لا يبيعون المذبوح قبل السلخ. فإن اشترى مسلوخة، جاز؛ لأنه لحم يعتاد الناس بيعه على هذه العادة والصفة. قالوا: ولو أن رجلًا مسافرًا نزل خانًا مِن الخانات، فأمر رجلًا أن يشتري له لحمًا بدرهم، وإنما يباع [في] ذلك [البلد] المطبوخ والمَشْوي، فأيهما اشترى له جاز، وهذا إنما خصه بدليل الحال؛ لأن الغريب لا ينتفع باللحم إلا أن يكون معمولًا، فحمل الوكالة على العادة. قال: ولو [أن رجلًا أمر رجلًا أن يشتري] (١) له سمكًا [بدرهم]، فهذا على الطَّرِي الكبار دون المالح والصغار، إلا أن يقول مالِحًا أو صِغارًا، إلا أن العادة في شراء السمك هو الطري الكبار، فأما المالح فله اسم يختصه، والصغار له اسم يختصه، فحمل الاسم على الظاهر. قال: ولو ألزمته المالح لألزمته [الصِّحْنَاء (٢) من الصبر]؛ لأنها من السمك. قال: ولو أن رجلًا أمر رجلًا أن يشتري له رأسًا، فهذا على رؤوس الغنم دون رؤوس البقر والإبل، وهو على المشوي منها دون النِّيء.

стр. 4734

ولو حلف لا يأكل من رأسٍ شيئًا، فأكل من رأس بقرة أو بعير أو شاة حَنِث، وإن كان رأس سمكة أو طائر [أو جرادة] لم يحنث، وهذا يعتبر فيه العادة أيضًا، وكان قول أبي حنيفة الأول: أنه إذا حلف لا يشتري رؤوسًا، حمل على الإبل والبقر والغنم، ثم رجع فقال: على البقر والغنم. وقال أبو يوسف ومحمد: على الغنم. وهذا ليس بخلاف، وإنما اليمين محمولة على ما يعتاده الناس كبسه (١) [في التنانير]؛ لأنهم يريدون ذلك، وكان في الكوفة يكبس الإبل والبقر والغنم، ثم تركوا الإبل، فرجع أبو حنيفة عن ذلك. وأما هما [أجابا على عصرهما] (٢) فقد ترك الناس كبس البقر، فقالا ذلك على الغنم خاصة. والباب كله محكي عن أبي يوسف، ومذهبه: أن الاسم يختص الغنم، إلا أنه قال ذلك في الشراء، وقال في الحلف بالأكل: إنه محمول على الإبل والبقر والغنم، لأنها قد يكبس في [التنانير] (٣)، وإن لم يعتاده، فالاسم يتناولها، فيحنث بها، ولا يتناولها الوكالة كما قال في الوكالة باللحم: إنها لا تحمل على البطون، واليمين تحمل على ذلك. فأما رؤوس العصافير والجراد والسمك، فلا تكبس بحال، فلا تحمل عليها الوكالة و [لا] اليمين، وإنما خَصَّ الوكالة بالمكبوس دون النِّيء؛ لأنها محمولة

стр. 4735

على العادة، وفي العادة أن الناس إنما يشترون في الأمصار الرؤوس المعمولة، ولا يشترون النِّيء منها، فحملت الوكالة على ذلك. وقال [بشر] في نسق روايته عن أبي حنيفة: وليس للوكيل ولا للمأمور أن يوكل غيره، ولا بأمر غيره، إلا بمحضر منه، فإن أمر غيره أو وكّل غيره فاشترى بغير محضر منه لم يلزم [الآمر]، وقد [بَيَّنَّا هذه المسألة، وذكرنا أن الموكِّل رضي برأيه، ولم يرض برأي غيره. وأما إذا باع الوكيل الثاني بمحضر الوكيل الأول، فقد نفذ العقد برأيه، وهو مقصود الموكِّل. قال: ولو قال الآمر للمأمور: ما صنعت من شيء فهو جائز، فللمأمور أن يوكل في ذلك من أحبّ؛ لأنه فوّض إليه الرأي، ومن رأيه التوكيل] (١). قال: ولو أمره أن يشتري له لحمًا بدرهم، فاشترى له شحمَ البطن والألية، لم يلزم الآمر، ولزم المأمور؛ لأن هذا ليس بلحم، ولا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم، فلم يدخل تحت الأمر. [قال: ولو أمره أن يشتري له أَلْيةً، فاشترى له شحمًا، أو أمره أن يشتري شحمًا، فاشترى ألية، لم يلزمه؛ لأن كل واحد منهما لا يتناوله اسم الآخر، ويقصد منه ما لا يقصد من الآخر] (٢). قال: ولو أمره أن يشتري له اللبن، فاشترى لبن البقر أو الغنم [جاز]، فإن

стр. 4736

كان في أيام لبن البقر [أو غيره]، فهو على لبن الغنم دون لبن البقر، إلا أن يسمي البقر، أو يكون في بلده الغالب منها لبن البقر [أو يتساويان]. وكذلك [السَّمن] وهذا محمول على العادة، فإن كان في العادة يباع هذا وهذا في الأسواق على حدّ واحد، والاسم يتناولهما، والعادة جارية بهما، فيلزم الموكل، وإن كان في العادة يغلب ابتياع لبن الغنم فالوكالة عليه، إلا أن يسمي البقر. ولو أن رجلًا حلف لا يذوق لبنًا، فهذا [محمول] على لبن الإبل والبقر والغنم؛ لأن الأيمان لا يعتبر فيها العرف في البياعات، وإنما يعتبر العرف في التسمية، وكل واحد من هذه الأنواع يتناوله الاسم في العادة، ولو ذاق لبن آدمية لم يحنث؛ لأن ذلك لا يعتاد تسميته لبنًا على الإطلاق، ولا يشربه الناس في الغالب حتى يمتنعوا منه بأيمانهم. ٢٨٠٦ - فَصْل: [احتمال الآمر على المعتاد بيعه في الأسواق] ولو أمره أن يشتري له بيضًا كان هذا على بيض الدجاج دون ما سواه؛ لأن البيض الذي يعتاد بيعه في الأسواق هو بيض الدجاج دون ما سواه. ولو حلف لا يأكل بيضًا، كان على بيض الطير دون [بيض السمك] (١)؛ لأن بيض الطير (٢) يعتاد تسميته بيضًا، (وقد بَيَّنَّا أن اليمين محمولة على ما يعتاد بالتسمية، فأما بيض السمك فلا يعتاد تسميته بيضًا) (٣) على الإطلاق.

стр. 4737

قال: ولو حلف لا يأكل لحمًا، فأكل شحم بطن لم يحنث، وكذلك إن أكل أليةً؛ لأن [كل] واحد منهما لا يتناوله اسم اللحم، وإن أكل صفيف (١) وحش مكسودًا كان أو قديدًا، أو لحم طير، أو شحم الظهر (٢)، فإنه يحنث؛ لأن الأيمان تحمل على ما يعتاد بالتسمية، وهذا كله يسمى لحمًا. فأما شحم الجنب فهو لحم سمين، ألا ترى أنه يتخذ منه ما يتخذ من اللحم، ولا يفرد عن اللحم بالبيع]. [قال: ولو أكل مُخًّا أو دماغ الرأس، لم يحنث؛ لأنّ هذا لا يتناوله الاسم، ولا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم، فلا يحنث بتناوله]. قال بشر: سمعت أبا يوسف قال في رجل أمر رجلًا أن يشتري له ثوبًا ولم يسم جنسه ولا ثمنه، ودفع إليه الدراهم أو لم يدفع، قال: هذا لا يجوز. وكذلك لو قال: اشتر لي مملوكًا أو مملوكة، أو قال: اشتر لي دابةً؛ لأن الثوب مجهول الجنس، وكذلك الدابة مجهولة الجنس، يتناول اسمها الخيل والحمير والبغال، وكذلك المملوك، وإذا جهل الجنس، كثرت الجهالة فلم تصح الوكالة وإن سمى الثمن. وكذلك لو قال: اشتر لي دارًا؛ لأن الدور تختلف باختلاف البلدان والمواضع من كل بلد، فصارت كالأجناس. وكذلك لو قال: اشتر لي جوهرًا؛ لأنه اسم لأجناس مختلفة.

стр. 4738

قال: [ولو سمّى جنس الثوب ولم يُسم ثمنه، كان جائزًا، فإن جمعهما فهو أجوز، وكذلك] لو سمَّى جنس الجارية ولم يسم الثمن، جاز، وإن سمَّى الثمن مع ذلك فهو أجوز؛ وذلك لأنه إذا سمَّى الجنسَ والصفةُ معلومة بحال الأمر، فكأنه ذكر الجنس والصفة، وأما إذا بيّن الثمن فقد بيّن الصفة نطقًا (١)، فهو أولى من الرجوع إلى دلالة الحال فيها. ولو قال: اشتر لي دارًا (٢) في موضع كذا، أو حبّة لؤلؤ، أو فص ياقوت أحمر، ولم يسم الثمن، فإن ذلك لا يلزم الآمر؛ لأن الجنس هاهنا معلوم، وهو يتفاوت تفاوتًا كثيرًا، لا يدل عليه حال الآمر، فلم يكن بد من بيان الثمن. وقال الحسن: قال أبو حنيفة: إذا وكّل الرجل رجلًا أن يشتري له جارية أو خادمًا أو غلامًا، ولم يسم ثمنًا ولا جنسًا، فالوكالة باطلة، وإن قال: بألف، فهي جائزة، وهذا على ما بيّناه. قال: فإن اشترى جاريةً بَيْضَاء، أو سَوْداء، أو أندلسية، أو بها عَيْبٌ، أو عَوَر، أو عَمْيَاء، أو قطعاء اليدين والرجلين، بعد (٣) أن يكون مثلها يشترى بمثل ذلك الثمن، جاز على الآمر في قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف: ليس له أن يشتري العمياء، ولا قَطْعَاء اليدين ولا الرِّجلين، وله أن يشتري العَوْرَاء، أو من بها عيب فاحش، بعد أن يكون مثلها تعمل أو ينتفع بها وتشترى بمثل ذلك الثمن، وهذا على ما قدمنا من الخلاف.

стр. 4739

وإنما يشترط أن يكون مثلها تشترى بمثل ذلك الثمن؛ لأن الوكيل بالشراء لا يجوز عقده إلا بمثل القيمة أو بزيادة يسيرة. وقال أبو حنيفة: لو وكله أن يشتري له جارية بيضاء، أو حبشية، أو خراسانية، أو سندية، ولم يسم ثمنًا، فاشتراها على الصفة التي وصف له بثمن قليل أو كثير لزم ذلك الآمر، بعد أن يكون مثلها تشترى بمثل ذلك؛ لأنه بيّن الجنس والصفة، فَقَلّت الجهالة. ولو أمره أن يشتري له جارية بألف، فاشترى له جارية بثمان مائة، ومثلها تشترى بألف، جاز ذلك على الآمر؛ لأنه حصل له الصفة المقصودة وزاده خيرًا بنقصان العوض. قال أبو الحسن: وإن وكله أن يشتري له جارية بعينها (١) بمائة دينار، فاشتراها بأقل من مائة دينار، جاز؛ لما قدمنا (٢). وإن اشتراها بدراهم تكون قدر مائة دينار أو أقل، جاز على الآمر، وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال زفر: لا يلزم الآمر أن يشتريها بمثل ما سمى له من النوع الذي سمَّى. قال أبو الحسن: والمشهور من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أنه لا يجوز أن يشتريها بالدراهم كما قال زفر؛ لأن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان، وإذا أمره بالشراء بالدراهم لم يجز أن يشتري بالدنانير (٣)، كما لو

стр. 4740

اشتراها بحنطة أو شعير. وجه رواية الحسن: أن الدراهم والدنانير أجْريا مجرى الجنس الواحد، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة. وقال أبو حنيفة: إذا اشترى شيئًا بدراهم نسيئًا، لم يجز أن يبيعه من بائعه بدنانير أقل من ذلك. وقالوا في الشفيع إذا بلغه أن الدار بيعت بألف، فسلم ثم علم أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف، صَحّ تسليمه. وإذا أجريا في هذه المسألة مجرى الجنس الواحد، فكذلك الوكالة؛ ولأن نقل أحد الجنسين إلى الآخر يَتَسَهَّل، فصار الشراء بأحدهما كالشراء بالآخر. وليس هذا كما لو اشتراها بحنطة، أو شعير، أو مكيل، أو موزون؛ لأن ذلك لم يجر مجرى الدراهم في شيء من الأصول؛ ولأن نقل ذلك إلى الدراهم يَصعب، فلو ألزمناه المُوَكِّل لألحقنا به الضرر. قال الحسن: قال أبو حنيفة: ولو أمره أن يشتري له طيلسانًا (١) بمائة درهم، ولم يسم جنسه، أجوّز (٢) ذلك، وكذلك لو أمره أن يشتري له ثوب خزّ بمائة درهم، جاز ذلك، وهذا محمول على أن جنس الطيلسان معلوم بحال الآمر، وذكر الثمن يقوم مقام الصفة.

стр. 4741

قال: وإن أمره أن يشتري له حنطة ولم يسم كيلًا ولا ثمنًا بطلت الوكالة؛ لأنه لا يعلم مقدار ما يشتري منها، فكثرت الجهالة لجهالة القدر (١). قال: فإن سمى كيلًا جاز، سمى ثمنًا أو لم يسمِّ، وكذلك الدقيق والسمن والعسل والزيت والبزر؛ وذلك لأن القدر يعلم ببيان قدر الثمن، والجنس معلوم، [فقلّت] (٢) الجهالة. قال أبو حنيفة: إن قال: اشتر لي دُهْنًا بدرهم، فأيّ دُهْنٍ اشترى جاز، وإن قال: اشتر لي فاكهة، فأي فاكهة اشترى مما يباع في الأسواق جاز؛ لأن هذا وإن اختلف جنسه فهو معلوم بالعادة، فكأنه خيّره في الأنواع. ولو قال: اشتر مما يباع في الأسواق، جاز؛ لأن هذا وإن اختلف جنسه، فهو معلوم بالعادة، فكأنه خيّره في الأنواع. [قال]: ولو قال: اشتر لي لحمًا بدرهم، فاشترى لحم غنم أو لحم إبل أو بقر من الذي [ينصب] (٣) في الأسواق، جاز، وقد بَيَّنَّا هذا فيما تقدم. وقال زفر - نسق روايته عن أبي حنيفة -: وليس للوكيل ولا للمأمور أن يوكل غيره، ولا يأمر غيره إلا بمحضر منه، فإن أمر غيره فاشترى بغير محضر منه لم يلزم الآمر، وقد بَيَّنَّا هذه المسألة، (وذكرنا أن الموكل رضي برأيه ولم يرض برأي غيره.

стр. 4742

فأما إذا [اشترى] (١) الوكيل الثاني بمحضر من الوكيل الأول فقد انعقد العقد برأيه، وهذا مقصود الموكل. قال: ولو قال الآمر للمأمور: ما صنعت من شيء فهو جائز، فللمأمور أن يوكِّلَ بذلك من أحب؛ لأنه فوّض إليه الرأي، ومن رأيه التوكيل. [والله أعلم] (٢).

стр. 4743

بَابْ: الوكالةِ في البيعِ قال: وإذا وَكَّلَ [رجلٌ] رجلًا ببيع شيء له كائنًا ما كان، فوكالته جائزة، وله عند أبي حنيفة أن يبيعه بأي قدر من الثمن شاء، قليلًا كان أو كثيرًا، أو بأي شيء كان الثمن عينًا أو دينًا، وهذه رواية أبي يوسف ومحمد. وقال الحسن عن أبي حنيفة وزفر: إذا باعه بشيء (١) بعينه يساوي ما باعه جاز. وأما جواز الوكالة بالبيع؛ فلِمَا قدّمنا أن الإنسان لا يقدر أن يتصرف في أمواله بنفسه [لكثرتها]، فلو لم يجز له التوكيل؛ أدّى إلى الإضرار به، ولأنه يملك البيع، وهو مما لا يسقط بالشبهة، فملك أن يوكل به. فأما مقدار الثمن فعند أبي حنيفة: إذا أطلق الوكالة جاز بيع الوكيل بالقليل والكثير، وقالا: لا يجوز بيعه إلا بمثل قيمته أو بنقصان يسير. لأبي حنيفة: أن الأمر متعلق بالعين التي وكل ببيعها، بدلالة أنه لو لم يسمها لم تصح الوكالة، والأمر عام في جميع الأثمان، فوجب اعتبار عمومه إلا أن يمنع منه مانع؛ ولأنه سمّى ما يجوز أن يكون ثمنًا، فكأنَّه سمّى ثمن المثل. وليس كذلك الوكيل بالشراء؛ لأن الأمر لا يتناول الثمن المشترى به؛ لأن صحة الوكالة لا تقف على تسميته، فلا تتعلق بالعين المأمور بشرائها، لأنها على ملك الغير، فلم يجز اعتبار عموم الأمر، وليس هناك مال تعلق به الأمر، فلم يبق إلا

стр. 4744

أن ينفذ تصرف الوكيل حكمًا، فلا يجوز إلا بالنقصان اليسير، كبيع الأب والوصي. وجه قولهما: أن الوكالة مخصوصة بالعادة، وفي العادة أن الإنسان لا يبيع بالثمن اليسير، فلم يحمل الأمر عليه؛ ولأن النقصان الكثير في معنى الهبة، بدلالة أنه يكون من الثلث، وهبة ملك الغير لا تجوز. وأما إذا باع بغير الأثمان، جاز عند أبي حنيفة؛ لأن الأمر بالبيع ينتظم (١) الجميع، ولأنا لو اعتبرنا الأمر فهو عام، وإن اعتبرنا العادة فالناس يبيعون تارة بالأثمان، وتارة بغيرها. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الوكيل إلا بالأثمان؛ لأن إطلاق البيع يقتضي مبيعًا (٢) وثمنًا، وما سوى ذلك يقال فيه [مقايضة] (٣)، فلم يدخل تحت إطلاق البيع. فأما رواية الحسن إذا باع بِعَرْضٍ (٤): فهو مخالفة للرواية المشهورة؛ لأن الظاهر من قول أبي حنيفة: أن بيع الوكيل يجوز بالقليل والكثير، سواء بالأثمان أو بالأعيان. ووجه رواية الحسن: أن البيع إذا وقع بالأعيان، فالوكيل مشتر لها بالسلعة التي وكل ببيعها، والوكيل بالشراء لا يجوز أن يعقد مع الغَبْنِ الكثير (٥).

стр. 4745

وأما إذا باع الوكيل بعض ما وكل ببيعه فهو على وجهين: إن كان مما لا ضرر في تبعيضه: جاز في قولهم، مثل أن يوكله ببيع كُرّ حنطة، فيبيع بعضه، أو يوكله ببيع عبدين فيبيع أحدهما؛ لأن قوله: بِعْ، عام في (١) بيع الجملة صفقة واحدة، وفي بيعها صفقتان، وليس في تفريق ذلك ضرر، [وأما إذا كان في التفريق ضرر]: مثل أن يوكله ببيع عبد فيبيع نصفه، فذلك جائز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيعه للنصف إلا أن يجيزه الآمر. لأبي حنيفة: أن قوله: بع، ينتظم الجملة وبعضها؛ بدلالة أنه إذا وكله في بيع الحنطة جاز أن يبيع بعضها، فإذا باع بعض العبد فقد فعل ما اقتضاه الأمر، فجاز. ولأن من أصله: أنه لو باع الجميع بالثمن الذي باع به النصف جاز، فإذا باع به النصف فقد زاد الآمر خيرًا، وليس هذا كما لو وكّلَه بشراء عبد، فاشترى نصفه؛ لأن الشركة في العبد عيب فاحش، وقد أدخل الضرر فيما عقد عليه بالوكالة، فلم يلزم الآمر. وفي مسألتنا: أدخل الضرر فيما لم يبعه، ومخالفة الوكيل فيما لا يقع عليه العقد لا يمنع من جواز عقده في غيره. وجه قولهما: أن الشركة عيب فاحش، فإذا باع النصف ألحق بالموكل الضرر في الباقي، فلم ينفذ عقده، ووقف على إجازة الآمر. وقد اختلف أبو يوسف ومحمد: في الوكيل يشتري عبدًا إذا [اشترك

стр. 4746

بنصفه] (١)، قال أبو يوسف: إن أعتقه الآمر جاز، وإن أعتقه الوكيل لم يجز. [وقال محمد: إن أعتقه الوكيل جاز، وإن أعتقه الموكِّل لم يجز]. لأبي يوسف: أن الوكالة إذا تعلقت بعين لم يملك الوكيل أن يشتريها لنفسه، فلما اشترى نصف العبد وفي ذلك ضرر، وقف على إجازة الآمر، فإذا أعتقه فقد أجاز الشراء؛ ولأن العقد لو لم يقف على الآمر لم ينفذ بإجازته، وللزم الوكيل؛ لأن الشراء لا يقف. وجه قول محمد: أن الوكيل لما ابتاع على وجه خالف به الآمر، لزمه الشراء كما لو وكّله أن يشتري بقدرٍ فاشترى بأكثر منه، إلا أنه لا يقف؛ لأن الوكيل يقدر بحكم الوكالة أن يشتري الباقي فتزول المخالفة، فوقف لهذا المعنى على الوكيل، فإذا أعتقه الآمر لم يجز. فإن قيل: فهلا قال محمد: أنه إذا أمره أن يشتري بألف، فاشترى بألفين، أن الشراء واقف في حق الوكيل؛ لأن المخالفة يجوز أن تزول بأن يحطّ البائع الفضل. قيل له: حطّ البائع ليس بمعنى مستفاد بالوكالة، فلا يقف العقد عليه، وشراء النصف الباقي من العبد مستفاد بالوكالة؛ فلذلك جاز أن يقف الشراء [عليه]. ومن هذا النوع قال أبو حنيفة: إذا وكَّله أن يشتري له عبدين بأعيانهما بألف قيمتهما سواء، فاشترى أحدهما بستمائة، لم يلزم الآمر إلا أن يشتري الآخر ببقية الألف. وقالا: يلزمه إذا كانت الزيادة يتغابن في مثلها، وكان يمكن أن يشتري العبد

стр. 4747

الباقي ببقية الألف. لأبي حنيفة: أنه لما وكّله بشرائهما بألف وقيمتهما سواء، فكأنّه وكّله أن يشتري كل واحد بخمسمائة، فإذا زاد على ذلك لم يجز، قَلَّت الزيادة أم كثرت. وجه قولهما: أنه إذا ازداد زيادة يتغابن في مثلها، ويمكن أن يشتري الباقي ببقية الألف، فلم يحصل الخلاف؛ لأن القسمة تقع بالحزر (١) والظن، فإذا لم [يتحقق] (٢) الخلاف جاز الشراء. قال أبو الحسن: إذا سمّى الموكل جنسًا من الثمن، أو قدرًا منه، فباع بخلاف ذلك الجنس، أو بأقلَّ من القدر لم يجز البيع في قولهم؛ لأن الوكيل يتصرف من جهة الآمر، فإذا خالف الآمر فكأنّه ابتدأ التصرف، وإن باع بأكثر من القدر لم يجز البيع في قولهم، وإن باع بأكثر من القدر الذي سمى له وبجنسه، جاز عندهم؛ لأنه عقد على القدر الذي أذن له في العقد فيه، وزاد الموكّل خيرًا. قال: وكل ما كان خلافًا في البيع، فالسلعة على ملك صاحبها، لا تزول عن ملكه إلا بإجازته؛ لأن الخلاف في الأمر يجعل الوكيل كالمبتدئ بالبيع بغير وكالة، فيقف على إجازة الموكل. قال: وكل ما كان خلافًا في الشراء، فالشراء لازم للوكيل المشتري في ملكه دون الآمر، ولا يقف الشراء على إجازة من اشترى له، وإن أجازه الموكل لم يلزمه إلا أن يسَلِّمه المشترى له، فيكون عند تسليمه بيعًا مستقلًا بينه وبين الآمر.

стр. 4748

قال: وجملة هذا: أن العقود عندنا تقف على إجازة مجيزها، ولا فرق في ذلك بين [البيع والشراء] (١)؛ وذلك لأن البيع إذا نفذ لم يقف، وإذا لم ينفذ وقف، [وكذلك الشراء عندنا إذا نفذ لم يقف، وإذا لم ينفذ وقف]، فإذا خالف الوكيل [الموكِّل] فهو مشترٍ في ذمة نفسه، والمبيع عندنا ينتقل إلى ملكه (٢)، [ثم] (٣) ينتقل منه إلى موكله بالأمر، فإذا خالف الآمر بقي نافذًا في ذمته، فلم يقف، وإن لم ينفذ وقف. وقد قالوا: إن الشراء يقف في مسائل: منها: مشتري العبد المحجور، والصبي المحجور، وشراء المرتد، ومَنْ وكَّل بشراء عبد فاشترى نصفه، وإذا وكله بشراء عبد فاشترك (٤) - يعني في ملك الموكل -، وقف العقد على إجازة الموكل. والمعنى في هذه المواضع: أن العقد لا ينفذ فيها، فوقف، وفيما سواها ينفذ في ذمة المشتري، فلا يقف، فإذا أجاز الآمر وسلم المأمور قام ذلك مقام البيع المبتدأ فيما بينهما؛ لأن صحة البيع لا تقف على لفظ البيع. قال: وإذا أجاز البيع على الموكل بوكالته أو بإجازته، فحقوق البيع كلها للوكيل وعليه قبض الثمن، وعليه تسليم المبيع دون الآمر، وهو خصم في العيب إن وجده المشتري في المبيع دون الآمر، وعليه الضمان إن استحق العبد دون

стр. 4749

الآمر، وهذا قول أصحابنا جميعًا، وقد بَيَّنَّا هذه المسألة فيما مضى. قال: فإن أبرأ الوكيل المشتري من الثمن، أو أحال به على غير المشتري، أو أحاله بالثمن على المشتري في غيره، أو ارتهن الوكيل بالثمن، أو أقرّه (١) على المشتري، أو أخذ به عوضًا كائنًا ما كان، جاز ذلك على الوكيل للمشتري بعد أن يكون العوض يجوز أن يشتريه بالثمن، وكذلك إن صالحه من الثمن على شيء، فذلك كله جائز على الوكيل للمشتري، ليس للآمر إبطال شيء من ذلك ولا فسخه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، غير أنهما قالا: الوكيل ضامن للثمن في ذلك كله للآمر. وقال أبو يوسف: لا يجوز ما فعل الوكيل من ذلك، كله على الآمر، والثمن على المشتري كما كان، استحسن هذا أبو يوسف، والقياس ما قالا. وجه قولهما في جواز البراءة: أن الثمن في الذمة [يثبت له] حق المطالبة، والمطالبةُ من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالوكيل، وهو يملك إسقاط حق نفسه، وإذا أسقطه سقط، كمن باع لنفسه. لأبي يوسف: أن الثمن ملك للموكل، فإذا أبرأ الوكيل فقط أسقط حق غيره، والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره، إلا أن على الوكيل الضمان؛ لأنه بالبراءة منع أن يتعين حق الموكل في الثاني، ومنع (٢) تعيين الملك كإتلاف الملك، بدلالة ضمان المغرور؛ لأنه [منع] من وقوع الرق. وإذا ثبت أن البراءة جائزة، فكذلك الحط؛ لأنه براءة عن بعض الثمن،

стр. 4750

وكذلك التأخير؛ لأنه إسقاط حق المطالبة في مدة مخصوصة، والوكيل يملك إسقاط المطالبة على التأبيد وكذلك في مدة، ويضمن؛ لأنه أخر تغيير الحق عن مستحقه، ولا فرق بين إتلاف الملك وبين تأخير إيصالها إلى مستحقيها، ألا ترى أن الغاصب إذا أتلف العين ضمن، وإذا [غيَّبَها] (١) ضمن؛ لتعذر [الوصول إليها] (٢) وإن جاز أن يصل إليها في الثاني. وأما أن يشتري الوكيل بالثمن شيئًا، جاز؛ لأن ذلك يوجب سقوط الثمن حكمًا، وهو يملك إسقاطه قولًا، ويضمن؛ لأن عقد المعاوضة يقتضي ضمان العوضين. وكذلك إذا صالح من الثمن، جاز؛ لأن الصلح موضوع لإسقاط الحق كالبراءة، ويضمن؛ لأنّ الصلح وإن لم يقتض الضمان فقد منع من تغيير حق الموكل. قال: وللوكيل أن يوكل في الحقوق التي يُوجبها العقد له وعليه من شاء، وإن وكَّل الموكل في ذلك لم تجز وكالته؛ لأنّها ليست حقوقًا له ولا عليه؛ وذلك لما قدمنا أن حقوق العقد تثبت للوكيل بعقده لا بالوكالة، وكذلك لا يملك الموكل عزله عنها، فصار كحقوق نفسه، فجاز له التوكيل فيها. [والله أعلم] (٣).

стр. 4751

بَابْ: ما يخرجُ الوكيل من الوكالةِ قال [أبو الحسن]: وإذا وكّل رجلٌ رجلًا ببيع أو شراء أو غير ذلك، ثم أخرج الموكل الوكيل من الوكالة [بغير محضر من الوكيل]، فإخراجه باطل، وهو على وكالته حتى يشافهه الآمر بذلك، أو يرسل به إليه رسولًا. فإن أخبر الوكيل بإخراج الموكل له من الوكالة رجل على غير رسالةٍ من الموكل، وكان المخبر رجلًا حرًا عدلًا أو غير عدل، أو امرأة حرة، أو عبدًا، أو أمةً، أو صبيًا، خرج الوكيل من الوكالة عند أبي يوسف ومحمد إذا علم أن الخبر صدق. وقال أبو حنيفة: لا يكون ذلك إخراجًا حتى يخبره رجل عدل أو امرأة عدلة، أو يخبره رجلان وإن كانا غير عدلين، وقد بَيَّنَّا هذه المسألة فيما مضى. قال: وإذا مات الموكل أو جُنَّ جُنُونًا مُطْبَقًا خرج الوكيل من الوكالة؛ وذلك لأن الوكيل يتصرف بالأمر، وموت الموكل وجنونه يبطل أمره، فأبطل تصرف وكيله. ولا يقال: لو جُنَّ الراهن أو مات جاز بيع العدل، وإن كان يتصرف بأمره؛ لأن الوكالة هناك تعلق بها حق الغير، حتى لا يملك الراهن العزل، وتعيّنت في العين، فتعلقت بها كتعلق الإمساك، فلذلك لم يبطل بالموت والجنون.

стр. 4752

فإن قيل: فقد قالوا في المُدَّعِي إذا طالب المُدَّعى عليه [توكيلًا] (١) بحضرة الحاكم، فوكَّل، لم يجز له عزله بغير حضور خصمه، ولو مات أو جُنَّ بطلت وكالته. قلنا: هناك قد تعلق بالوكالة حق الغير؛ إلا أنها لم تتعلق [بالعين] (٢)، فلذلك بطلت ببطلان الأمر وإن لم يبطل بالعزل (٣). قال: وكذلك إذا ارتد الموكل عند أبي حنيفة، وهو رجل، فإن الوكيل تقف وكالته، فإن أسلم جازت وكالته الأولى، وإن قتل أو لحق بدار الحرب خرج الوكيل من الوكالة إذا حكم بلحاقه. وقال أبو يوسف ومحمد: وكيل المرتد على وكالته ما لم يقتل أو يموت أو يلحق [بدار الحرب] فيحكم بلحاقه، وقد بَيَّنَّا هذا فيما مضى، وهو فرع على اختلافهم في وقوف تصرف الوكيل. [قال]: فإن كان الموكل امرأة فارتدت، فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق فيحكم بلحاقها، إلا أن ردة المرأة لا توجب زوال أملاكها، فلم يؤثر ذلك في تصرفها. قال: وحَدُّ الجنون المُطْبَق عند أبي حنيفة شَهْرٌ، وقد كان محمد يقول [بهذا] ثم رجع فقال: حولًا كاملًا، وقد حكي عنه أكثر الحول، وحكى أبو بكر الرازي عن أبي يوسف: أكثر من يوم.

стр. 4753

ووجهه: أن الجنون إذا زاد على يوم وليلة أسقط فرض الصلاة، وزال التكليف، فصار كالموت. وجه الرواية التي اعتبرت الشهر: لأنه يسقط الصلاة والصوم. [ووجه الرواية التي اعتبرت الحول: أنه يسقط كل العبادات: الصلاة، والصوم]، والزكاة، والحج. قال: وإن جاء المرتد في دار الحرب مسلمًا قبل أن يحكم بلحاقه، فالوكيل على وكالته؛ لأن أملاكه موقوفة، [فتصرفه كذلك] (١)، فإذا عاد مسلمًا قبل الحكم، فكأنه لم يزل كذلك. وإن جاء مسلمًا بعد الحكم بلحاقه لم يعد الوكيل في الوكالة الأولى أبدًا، [وقد بَيَّنَّا هذا الفصل، وذكرنا ما رُوي عن محمد: أن الوكالة تعود]. قال: وإن ارتد الوكيل وخرج إلى دار الحرب (٢) انقطعت وكالته، فإن عاد لم يعد في قول أبي يوسف، وقال محمد: يعود، وقد قدمنا هذا. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل أمر رجلًا ببيع عبده، ثم أخرجه من الوكالة وهو لا يعلم، ثم باع وقبض الثمن، فهلك في يد الوكيل، أو مات العبد في يد الوكيل قبل أن يسلمه: أن للمشتري أن يرجع بالثّمن على الوكيل، ويرجع الوكيل على مولى العبد؛ لأنه لم ينعزل عن الوكالة، فما يلزمه من الضمان يرجع به على موكله.

стр. 4754

قال: وكذلك إن كان مولى العبد باعه ولم يعلم الوكيل؛ وذلك لأن [البيع] (١) إن زال به مِلْكُ المُوَكِّل فقد غُرِّرَ الوكيل في التصرف حين لم يعلم بالعزل، فرجع عليه بحكم الغرور. وكذلك لو دبّره أو أعتقه؛ لأنّ الملك قد زال في العتق، وتعذر البيع بالتدبير، وذلك لا يمنع من بقاء الغرور. ولو أن العبد استحق، وكان حرًا في الأصل، كان مثل ذلك؛ لأنه قد [غَرّه] (٢) بالأمر ببيعه. قال: ولو [كان] وكّله بقبض دين على رجل ثم إن رب المال وهب المال للذي عليه الدين، والوكيل لا يعلم، فقبض الوكيل المال، فهلك في يده، فإن لدافع الدين أن يأخذ به الموكل، ولا ضمان على الوكيل؛ [لأنّ] (٣) قبض الوكيل كقبض الموكل، ويده قائمة مقامَ يده، فكأنَّه قبض الدين مرّتين، فيرجع إليه بأحدهما. قال: ولو كان العبد الذي أمر الوكيل ببيعه مات، أو مات الموكل، والوكيل لا يعلم بذلك، فباع وقبض الثمن بعد موت الآمر، فإن المشتري يرجع على الوكيل، ولا يرجع المشتري على الآمر في تركته إن كان هو الميت. قال أبو يوسف: خرج الأمر من الغرور بالموت، وموته وموت العبد سواء؛ وذلك لأن الوكالة بطلت بالموت، وإنما كان يجبُ الضمانُ بالغرور، فإذا

стр. 4755

مات استحال أن يكون غارًّا بعد موته، فلم يلزمه الضمان، وإذا مات العبد فالعقد [عليه] لم ينصرف [إلى غيره]، فهو عقد باطل، فلا يدخل تحت الأمر حتى يثبت الغرور لأجله، وليس كذلك بيع الحر؛ لأن هناك [عينًا] (١) تقع الإشارة بالعقد إليها، فيثبت حكم الغرور لأجلها. وقال أبو يوسف: إذا وكل رجل رجلًا بطلاق امرأته، ثم طلقها الزوج، فقد خرج الوكيل من الوكالة، وهذا محمول على أن الموكل طلقها ثلاثًا، أو طلقها واحدة، وانقضت عدتها؛ لأنه لم يبق هناك طلاق يقع تصرف الوكيل فيه. فأما إذا طلقها الموكل واحدة، فتَصَرُّفُ الوكيل غير متعذر بأن يطلق بقية الطلاق. قال: وكذلك لو قال: اخلعها، ثم خلعها؛ لأنّ الخلع بعد الخلع لا يَصِحُّ، فيتعذر التصرف على الوكيل. وكذلك لو وكّله بعتق عبده ثم أعتقه، أو [بمكاتبة] (٢) ثم كاتبه، أو بتزويج امرأة فتزوجها، أو شراء شيء ثم اشتراه؛ لأن الموكل لما تصرَّف فيما وكَّل فيه، تعذر التصرف على وكيله، فلم يصح تصرفه. قال ابن سماعة عن محمد: في رجل وكّل رجلًا ببيع عبده فباعه ثم ردّ عليه بعيب: فله أن يبيعه مرة أخرى، ولو وكله أن يهب عبده، فوهبه ثم رجع في هبته، لم يكن للوكيل أن يهبه ثانيةً.

стр. 4756

قال: لا يشبه البيعُ الهبةَ؛ وذلك لأن الوكيل إذا باع لم ينقض وكالته؛ بدلالة أنه يقبض الثمن بحكمها، ويخاصم في العيب، وإذا بقيت الوكالة ثم انفسخ بيعه، جاز أن يبيع بحكمها، وأما إذا وهب فقد انقضت وكالته، بدلالة أنه لا يملك الرجوع، ولا يصح تسليمه، فإذا رجع الموكل في الهبة ولا وكالة، لم يجز للوكيل أن يهب. قال محمد: في رجل وكَّل رجلًا ببيع عبد له فباعه الآمر، فرُدَّ على الآمر بعيب: كان للوكيل أن يبيعه، ولا يكون بيعه إخراجًا له من الوكالة. وكذلك لو وكّل كُلّ واحد من الرجلين فباعه أحدهما، فرُدَّ عليه بعيب، فلكل واحد منهما أن يبيعه. وقال أبو يوسف: ليس للوكيل أن يبيعه. وجه قول أبي يوسف: أن الموكل لما تصرف فيما وكّل فيه صار ذلك منعًا للوكيل من التصرف، فهو كالعزل، فلا يعود الأمر إلا بوكالة مستقلة. لمحمد: أنّ الموكل لم يتلفظ بالعزل، وإنما تعذر على الوكيل البيع لخروج العبد من ملك الموكل، فإذا عاد على حكم الملك الأول عادت حقوقه [فيه]، فجاز البيع. قال محمد: ولو وكّل رجلًا بكتابة عبد، فكاتبه، ثم عجز، لم يكن له أن يكاتبه مرة أخرى؛ لأن حقوق الكتابة لا تتعلق بالعاقد، فإذا عقدها [فقد] انقضت وكالته، فلا يجوز [له] بعد ذلك أن يكاتب، قال: وكذلك لو كان المولى كاتبه، خرج الوكيل من الوكالة.

стр. 4757

وكذلك لو وكل رجلًا أن يزوجه امرأة بعينها، ثم تزوجها وطلقها تطليقة بائنة، لم يكن له أن يزوجها من الزوج مرة أخرى؛ لأن حقوق هذه العقود لا تتعلق بالعاقد، فإذا عقدها انقضت وكالته، فلم يجز بعد ذلك عقده، وإذا كان لو عقد هو لم يجز له أن يعقد، فإذا عقد موكله لم يجز له أن يعقد بعده، ألا ترى أن عقد البيع لما كان عقده [له] لا يمنعه من العقد بعده إذا انفسخ، كان كذلك عقد موكله. وقال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف يقول في رجل وكل رجلًا ببيع عبد له، ثم إن المولى باعه، فرد عليه بعيب بقضاء [قاضٍ]: فليس للوكيل أن يبيعه؛ لأن بيع المولى إخراج للوكيل من الوكالة، وقد بَيَّنَّا وجه ذلك. قال: ولو كان الوكيل باعه، ثم رد عليه بعيب بقضاء، فإن الوكيل على وكالته؛ لما قدّمنا أن بيعه لا يبطل وكالته، بدلالة أنه يتصرف بحكم الوكالة في حقوق العقد الأول، فكذلك يملك أن يبيع ثانيًا. [والله أعلم] (١). تم كتاب الوكالة والحمد لله وحده وصلواته على محمد الهادي من الضلالة، وآله الطاهرين

стр. 4758

[٧٤] كتابُ الكفالةِ والحوالةِ قال رحمه الله تعالى: الكفالة (١) في اللغة عبارة (٢) عن الضم، ومنه الكفل للخشبة التي يُعَمّد بها الحائط، وقال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، يعني ضمّها إلى نفسه. وإنما سميت الكفالة كفالة؛ لأنّه ضَمُّ إحدى الذمتين إلى الأخرى في التوثق، وهو عقد جائز، والدليل عليه قوله ﵊: "الزعيم غارم" (٣)، وبُعِث [النبي ﷺ ] والناس يتكفلون، فأقرّهم على ذلك كما أَقرَّهُم على سائر العقود. وقال أصحابنا: الكفالة لا توجب براءة المكفول عنه، وقال ابن أبي ليلى: يبرأ. لنا: أن الكفالة ضم إحدى الذمتين إلى الأخرى، فلو برئ المكفول عنه لم [يوجد] (٤) معنى الضم؛ ولأن العقود تختلف أسماؤها لاختلاف معانيها، فلو اقتضت الكفالة البراءة لصارت حِوالة، واتفق معنى العقدين، وهذا يمنع من

стр. 4759

اختلاف اسمها؛ ولأنه يقال إن صاحب الحق له مال واحد، فلو ثبت كله (١) في ذمة كل واحد منهما لثبت له مالان، وهذا لا يصح. [قيل له: هذا] (٢) باطل بالغاصب وغاصب الغاصب أن الضمان ثابت في ذمة كل واحد منهما، وإن لم يكن للمغصوب إلا مال واحد؛ ولأن الدَّين ثبت في ذمتهما على طريق البدل، ألا ترى أن المضمون له لا يستوفي منهما، وإنما يستوفي من أحدهما، ويسقط حقه من الآخر، فلم يكن في ذلك إثبات مالَين. قال أبو الحسن: كل دين ثبت في ذمة امرأة أو رجل، حر أو عبد، صغير أو كبير، مأذون له أو محجور عليه، فكفل بذلك عليه رجل يجوز تبرعه في ماله: جازت كفالته، ولزمه ما كفل به من ذلك، وهذا صحيح؛ لأن كل دين صحيح فضمانه جائز؛ لأن الكفيل يلزمه ما في ذمة المكفول عنه، فإذا كان في ذمته دين صحيح لزم كفيله، وهذا موجود فيما ذكره من دين الرجل والمرأة والحر والعبد؛ ولأن العبد المحجور يلزمه الديون، وإنما تتأخر مطالبته، فالكفالة بدينه جائزة، كما يجوز بالدين المؤجل. وأما مال الكتابة فلا يجوز الكفالة به؛ لأنه ليس بدين صحيح، ألا ترى أنه دين المولى على عبده، فلا يثبت ثبوتًا صحيحًا؛ فلذلك لم يجز الكفالة به. يبيّن ذلك: أن الكفالة لو صحّت لم يخل أن يثبت الدين في ذمة الكفيل ناقصًا أو كاملًا، ولا يجوز أن يثبت كاملًا؛ لأنّ الكفيل لا يلزمه (٣) أكثر مما لزم

стр. 4760

المكفول عنه، ولا يجوز أن يثبت ناقصًا؛ لأنَّ النقص في ذمة المكاتب إنما هو لأن دين المولى عليه، وهذا المعنى لا يوجد في حق الكفيل، و [قد] قالوا: إن الكفالة لا تصح؛ لأن من حكم مال الكتابة أن تثبت في ذمة عبد، فإذا تكفل الحرّ به لم يجز ثبوته مع الحريّة. فأما مال السعاية فلا تجوز الكفالة به عند أبي حنيفة على أصله: أن المستسعى مكاتب، فأما على قولهما فهو حُرٌّ، فتجوز الكفالة بدينه، كما تجوز بدين سائر الأحرار. فأما ما شرطه أبو الحسن من كون الكفيل ممن يصح تبرعه في ماله؛ فلأن الكفالة عقد تبرع، فمن لا يصح تبرعه لا تصحُّ كفالته، فمن ذلك الصبي المحجور، لا تصح كفالته كما لا يصح قرضه، والعبد المحجور لا يطالب بحكم الكفالة في الحال، ويطالب بها بعد الحرية، والمريض كفالته من الثلث، كما أن تبرعه من الثلث، والمكاتب لا تصح كفالته كما لا يصح تبرعه. قال: والمكفول له بالخيار: إن شاء طالب بذلك الكفيل، وإن شاء طالب المكفول عنه؛ لما ثبت (١) أن الدين ثابت في ذمة كل واحد منهما، فجاز للطالب أن يستوفي من أيهما شاء. وقد قالوا: إن الطالب [إذا اختار مطالبة الكفيل، فإن له بعد ذلك مطالبة المكفول عنه]، وإذا اختار مطالبة المكفول [عنه]، كان له مطالبة الكفيل، وقالوا في الغاصب وغاصب الغاصب: إذا اختار المالك تضمين أحدهما لم يكن له تضمين الآخر؛ وذلك لأن اختيار التضمين يتضمّن نقل الملك إلى الضامن في

стр. 4761

العين المغصوبة، ويستحيل أن يملك العين لاثنين كل واحد منهما جميعًا، وفي مسألتنا: ليس في المطالبة تمليك للطالب؛ فلذلك لم يمنع من المطالبة. وقد قال أبو حنيفة: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو موسر، فشريكه بالخيار: إن شاء ضمنه، وإن شاء استسعى، فإن اختار أحد الأمرين لم يكن [له] اختيار الآخر؛ لأن في اختياره الضمان نقلًا لنصيبه إلى شريكه، ويستحيل أن ينقل نصيبه ثم يختار سعايته بعد ذلك. قال: وإن أخذ الطالب المكفول عنه بالمال فأَدَّاه، برئ الكفيل، ولا يرجع المكفول عنه عليه بشيء؛ وذلك لأن أداء المكفول عنه تبرئة من الدين، وبراءة المكفول براءة لكفيله، ألا ترى أن الكفيل إنما يضمن ما في ذمته، فإذا سقط ما في ذمته بالأَدَاءِ لم يجز إبقاء الضمان على كفيله، وإنما لا يرجع المكفول عنه على الكفيل؛ لأن حاصل الضمان عليه، فلو رجع على كفيله لرجع كفيله عليه، فلم يكن للرجوع فائدة. قال: وإن أخذه الكفيل فأداه إليه، رجع بما ضمن (١) على المكفول عنه إذا [كان] كفل عنه بأمره، وهو ممن يجوز إقراره على نفسه بالدين؛ وذلك لأن الكفيل يملك ما في ذمته بالأداء، فرجع على المكفول عنه بحكم الآمر؛ لأن الكفالة طلب للقرض، والكفيل إذا أدى مقرضًا للمكفول عنه فيرجع عليه بما أقرضه. وأما إذا كان المكفول عنه ممن لا يلزمه إقراره، لم يرجع عليه كفيله بشيء، كالصبي المحجور إذا أمر رجلًا أن يتكفل عنه؛ لأن الأمر بالكفالة طلب للقرض،

стр. 4762

واستقراض الصبي لا يتعلق به ضمان عليه. وأما العبد المحجور عليه إذا أمر رجلًا أن يتكفل عنه، فإنه لا يرجع عليه [بشيء] حتى يعتق؛ لأن قوله صحيح في حق نفسه، غير ثابت في حق مولاه، فلم يلزمه ضمان في الحال، فإذا أعتق لم يبق إلا حق نفسه، فيلزمه الضمان. وأما إذا كانت الكفالة بغير أمر المكفول عنه لم يرجع الكفيل عليه عندنا، وقال مالك: يرجع (١). لنا: أنه تبرّع بقضاء دين غيره، فصار كمن تبرع بالإنفاق على أهله أو داره، فلا يرجع به عليه، ولا يقال: إن صاحب الدين ملّكه الدين بما أخذ منه؛ لأن تمليك الدين عندنا لا يجوز لغير من في ذمته. قال: وإذا طولب الكفيل بأداء ما عليه من المال، فله أن يطالب المكفول عنه لخلاصه مما يطالب به، فيقول للمكفول عنه أدِّ المال إلى الطالب، وليس له أن يقول أدّ المال إليّ، فإن لم يؤدّه حتى أدّاه الكفيل رجع بما أدّى على المكفول عنه إن كان أمره بالكفالة. وجملة هذا: أن الكفيل ليس له أن يطالب بالمال قبل أن يؤدّي؛ لأنه في حكم المقرض، ومن سأل رجلًا أن يقرضه فلم يفعل لم يكن له أن يرجع عليه بشيء، إلا أنه إذا طولب طالب المكفول عنه بالخلاص، فإن حبس كان له أن يحبس المكفول عنه؛ لأنه هو الذي أدخله في هذه المطالبة، فكان عليه خلاصه منها، ألا ترى أنه لو أدّى رجع؛ لأنه هو الذي ألزمه [الأداء] (٢)، فلزمه خلاصه

стр. 4763

منه، فكذلك المطالبة والحبس. قال محمد في إملائه: إذا قال رجل لرجل له على رجل مال: دعه وأنا ضامن ما عليه، أو كفيل بذلك، أو قبيل، أو زعيم بذلك، أو هو عليّ، أو إليّ، أو هو لك عندي، فهذا كله ضمان صحيح جائز، و [كذلك] لو قال: هو لك قِبَلِي، ولا يبرأ صاحبُ الأصل في هذه الوجوه، ولصاحب المال أن يطالب أيّهما شاء. [وأما قوله: وأنا ضامن لما عليه، فهذا صريح الضمان، وذلك معنى الكفالة، وذِكر معنى العقد كذِكر العقد]. وأما قوله: وأنا كفيل، فهذا اللفظ صريح بالعقد، فيلزمه حكمه، وأما القبيل فهو في اللغة الكفيل، ومعناه القابل للضمان، فذكر أحد اللفظين كذكر الآخر، وأما الزعيم فهو الكفيل، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، أي: ضمين، قال النبي ﷺ : "الزعيم غارم" (١). وأما قوله: فهو عَليّ، [فعليَّ] (٢) من ألفاظ الوجوب، وقوله (إليَّ) يفيد الضمان، الدليل عليه: قول رسول الله ﷺ : ["أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا فإليّ" (٣)، وروي من حديث قتادة: (أن رجلًا من الأنصار مات، فلما وضع ليصلى عليه، فقال رسول الله ﷺ :] "هل على صاحبكم من دين؟ " فقالوا: نعم، ديناران، فتأخر النبي ﵊ وقال: "صلّوا على صاحبكم" (٤)، فقال أبو قتادة: هما إليّ والميت منهما بريء، فصلّى عليه ﷺ )،

стр. 4764

فدل هذا على أن هذا لفظ ضمان. وأما قوله: هو لك عندي و [قِبَلي]، فظاهر هذا اللفظ يفيد اليد، ألا ترى أنهم قالوا فيمن أَقرَّ أن لفلان عنده أو قِبَله ألفًا، أنها عنده وديعة، [وجعلوا] (١) ذلك في مسألتنا ضمانًا في الذمة؛ لأنه لما أشار إلى الدين فقال هو عندي، فالدين لا يوصف بثبوته (٢) في اليد، فلم يبق إلا أن يراد به الذمة، [وقد] (٣) يعبّر بهذا اللفظ عمَّا في الذمة، وإن لم يكن ظاهرًا؛ فلذلك حمل عليه في مسألتنا لما لم يمكن حمله على حقيقته. قال: فإن وهب الذي له المالُ المالَ لأحدهما، فهذا [وأداء المال] (٤) سواء، وكذلك لو مات الطالب فورثه أحدهما؛ لأن الهبة يملك بها ما في الذمة، وكذلك الميراث، فإن كان الموهوب له والوارث كفيلًا فقد ملك ما في ذمته بالهبة والميراث، فيرجع على صاحب الأصل، كما لو ملك ذلك بالأداء، فإن الموهوب له [أو] الوارث [هو] المكفول عنه برئ الكفيل؛ لأن المكفول عنه ملك ما في ذمة نفسه، فكأنه أدّى (٥). قال: ولو أبرأ الطالب أحدهما، فقال: قد أبرأتك من المال، فإن كان المبرأ الذي عليه الأصل فقد برئا جميعًا، فلا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء، فإن كان المُبْرَأ هو الكفيل برئ [خاصة] (٦) والمال على صاحب الأصل على

стр. 4765

حاله، وسواء ضمن بأمره أو بغير أمره. أما براءة صاحب الأصل فهي براءة الكفيل؛ لأن الضمان لا يجب إلا فيما هو مضمون على صاحب الأصل، فإذا سقط الضمان من ذمته بالبراءة سقط عن كفيله؛ لاستحالة بقاء الفرع مع زوال أصله، ولأن سقوط الدين عن ذمة صاحب الأصل بالبراءة كسقوطه بالأداء، فكما برئ الكفيل بأحدهما، فكذلك الآخر. وأما براءة الكفيل فإنها لا توجب براءة صاحب الأصل؛ لأن سقوط الدين عن ذمة الكفيل لا يمنع بقاءَه على صاحب الأصل كالابتداء، ألا ترى أن قبل الكفالة كان الدين ثابتًا على صاحب الأصل دون الكفيل، كذلك بعد (١) البراءة. قال: ولو قال لأحدهما: برئت إلي من المال، فهو إقرار بالقبض، وهو بمنزلة الأداء، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولنا؛ لأنه ذكر براءة مضافة إلى فعل المطلوب، وهو [لا] يملك أن يبرئ نفسه [إلّا بالأداء] (٢)، فكأنه قال: أديت إلي. وقال أبو يوسف: إذا قال لأحدهما: قد برئت من المال، فهو إقرار بالقبض، وقال محمد: هذا بمنزلة قوله: قد أبرأتك من المال. لأبي يوسف: أنه ذكر براءة مضافةً إلى المطلوب، وذلك يكون بالأداء، فكأنه قال: برئت إِلَيَّ. لمحمد: أنه يحتمل أن يكون برئت؛ لأنك أديت، ويحتمل أن [يكون]
следующие страницы →