← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

العين المغصوبة، ويستحيل أن يملك العين لاثنين كل واحد منهما جميعًا، وفي مسألتنا: ليس في المطالبة تمليك للطالب؛ فلذلك لم يمنع من المطالبة. وقد قال أبو حنيفة: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه وهو موسر، فشريكه بالخيار: إن شاء ضمنه، وإن شاء استسعى، فإن اختار أحد الأمرين لم يكن [له] اختيار الآخر؛ لأن في اختياره الضمان نقلًا لنصيبه إلى شريكه، ويستحيل أن ينقل نصيبه ثم يختار سعايته بعد ذلك. قال: وإن أخذ الطالب المكفول عنه بالمال فأَدَّاه، برئ الكفيل، ولا يرجع المكفول عنه عليه بشيء؛ وذلك لأن أداء المكفول عنه تبرئة من الدين، وبراءة المكفول براءة لكفيله، ألا ترى أن الكفيل إنما يضمن ما في ذمته، فإذا سقط ما في ذمته بالأَدَاءِ لم يجز إبقاء الضمان على كفيله، وإنما لا يرجع المكفول عنه على الكفيل؛ لأن حاصل الضمان عليه، فلو رجع على كفيله لرجع كفيله عليه، فلم يكن للرجوع فائدة. قال: وإن أخذه الكفيل فأداه إليه، رجع بما ضمن (١) على المكفول عنه إذا [كان] كفل عنه بأمره، وهو ممن يجوز إقراره على نفسه بالدين؛ وذلك لأن الكفيل يملك ما في ذمته بالأداء، فرجع على المكفول عنه بحكم الآمر؛ لأن الكفالة طلب للقرض، والكفيل إذا أدى مقرضًا للمكفول عنه فيرجع عليه بما أقرضه. وأما إذا كان المكفول عنه ممن لا يلزمه إقراره، لم يرجع عليه كفيله بشيء، كالصبي المحجور إذا أمر رجلًا أن يتكفل عنه؛ لأن الأمر بالكفالة طلب للقرض،

стр. 4762

واستقراض الصبي لا يتعلق به ضمان عليه. وأما العبد المحجور عليه إذا أمر رجلًا أن يتكفل عنه، فإنه لا يرجع عليه [بشيء] حتى يعتق؛ لأن قوله صحيح في حق نفسه، غير ثابت في حق مولاه، فلم يلزمه ضمان في الحال، فإذا أعتق لم يبق إلا حق نفسه، فيلزمه الضمان. وأما إذا كانت الكفالة بغير أمر المكفول عنه لم يرجع الكفيل عليه عندنا، وقال مالك: يرجع (١). لنا: أنه تبرّع بقضاء دين غيره، فصار كمن تبرع بالإنفاق على أهله أو داره، فلا يرجع به عليه، ولا يقال: إن صاحب الدين ملّكه الدين بما أخذ منه؛ لأن تمليك الدين عندنا لا يجوز لغير من في ذمته. قال: وإذا طولب الكفيل بأداء ما عليه من المال، فله أن يطالب المكفول عنه لخلاصه مما يطالب به، فيقول للمكفول عنه أدِّ المال إلى الطالب، وليس له أن يقول أدّ المال إليّ، فإن لم يؤدّه حتى أدّاه الكفيل رجع بما أدّى على المكفول عنه إن كان أمره بالكفالة. وجملة هذا: أن الكفيل ليس له أن يطالب بالمال قبل أن يؤدّي؛ لأنه في حكم المقرض، ومن سأل رجلًا أن يقرضه فلم يفعل لم يكن له أن يرجع عليه بشيء، إلا أنه إذا طولب طالب المكفول عنه بالخلاص، فإن حبس كان له أن يحبس المكفول عنه؛ لأنه هو الذي أدخله في هذه المطالبة، فكان عليه خلاصه منها، ألا ترى أنه لو أدّى رجع؛ لأنه هو الذي ألزمه [الأداء] (٢)، فلزمه خلاصه

стр. 4763

منه، فكذلك المطالبة والحبس. قال محمد في إملائه: إذا قال رجل لرجل له على رجل مال: دعه وأنا ضامن ما عليه، أو كفيل بذلك، أو قبيل، أو زعيم بذلك، أو هو عليّ، أو إليّ، أو هو لك عندي، فهذا كله ضمان صحيح جائز، و [كذلك] لو قال: هو لك قِبَلِي، ولا يبرأ صاحبُ الأصل في هذه الوجوه، ولصاحب المال أن يطالب أيّهما شاء. [وأما قوله: وأنا ضامن لما عليه، فهذا صريح الضمان، وذلك معنى الكفالة، وذِكر معنى العقد كذِكر العقد]. وأما قوله: وأنا كفيل، فهذا اللفظ صريح بالعقد، فيلزمه حكمه، وأما القبيل فهو في اللغة الكفيل، ومعناه القابل للضمان، فذكر أحد اللفظين كذكر الآخر، وأما الزعيم فهو الكفيل، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، أي: ضمين، قال النبي ﷺ : "الزعيم غارم" (١). وأما قوله: فهو عَليّ، [فعليَّ] (٢) من ألفاظ الوجوب، وقوله (إليَّ) يفيد الضمان، الدليل عليه: قول رسول الله ﷺ : ["أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا فإليّ" (٣)، وروي من حديث قتادة: (أن رجلًا من الأنصار مات، فلما وضع ليصلى عليه، فقال رسول الله ﷺ :] "هل على صاحبكم من دين؟ " فقالوا: نعم، ديناران، فتأخر النبي ﵊ وقال: "صلّوا على صاحبكم" (٤)، فقال أبو قتادة: هما إليّ والميت منهما بريء، فصلّى عليه ﷺ )،

стр. 4764

فدل هذا على أن هذا لفظ ضمان. وأما قوله: هو لك عندي و [قِبَلي]، فظاهر هذا اللفظ يفيد اليد، ألا ترى أنهم قالوا فيمن أَقرَّ أن لفلان عنده أو قِبَله ألفًا، أنها عنده وديعة، [وجعلوا] (١) ذلك في مسألتنا ضمانًا في الذمة؛ لأنه لما أشار إلى الدين فقال هو عندي، فالدين لا يوصف بثبوته (٢) في اليد، فلم يبق إلا أن يراد به الذمة، [وقد] (٣) يعبّر بهذا اللفظ عمَّا في الذمة، وإن لم يكن ظاهرًا؛ فلذلك حمل عليه في مسألتنا لما لم يمكن حمله على حقيقته. قال: فإن وهب الذي له المالُ المالَ لأحدهما، فهذا [وأداء المال] (٤) سواء، وكذلك لو مات الطالب فورثه أحدهما؛ لأن الهبة يملك بها ما في الذمة، وكذلك الميراث، فإن كان الموهوب له والوارث كفيلًا فقد ملك ما في ذمته بالهبة والميراث، فيرجع على صاحب الأصل، كما لو ملك ذلك بالأداء، فإن الموهوب له [أو] الوارث [هو] المكفول عنه برئ الكفيل؛ لأن المكفول عنه ملك ما في ذمة نفسه، فكأنه أدّى (٥). قال: ولو أبرأ الطالب أحدهما، فقال: قد أبرأتك من المال، فإن كان المبرأ الذي عليه الأصل فقد برئا جميعًا، فلا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء، فإن كان المُبْرَأ هو الكفيل برئ [خاصة] (٦) والمال على صاحب الأصل على

стр. 4765

حاله، وسواء ضمن بأمره أو بغير أمره. أما براءة صاحب الأصل فهي براءة الكفيل؛ لأن الضمان لا يجب إلا فيما هو مضمون على صاحب الأصل، فإذا سقط الضمان من ذمته بالبراءة سقط عن كفيله؛ لاستحالة بقاء الفرع مع زوال أصله، ولأن سقوط الدين عن ذمة صاحب الأصل بالبراءة كسقوطه بالأداء، فكما برئ الكفيل بأحدهما، فكذلك الآخر. وأما براءة الكفيل فإنها لا توجب براءة صاحب الأصل؛ لأن سقوط الدين عن ذمة الكفيل لا يمنع بقاءَه على صاحب الأصل كالابتداء، ألا ترى أن قبل الكفالة كان الدين ثابتًا على صاحب الأصل دون الكفيل، كذلك بعد (١) البراءة. قال: ولو قال لأحدهما: برئت إلي من المال، فهو إقرار بالقبض، وهو بمنزلة الأداء، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولنا؛ لأنه ذكر براءة مضافة إلى فعل المطلوب، وهو [لا] يملك أن يبرئ نفسه [إلّا بالأداء] (٢)، فكأنه قال: أديت إلي. وقال أبو يوسف: إذا قال لأحدهما: قد برئت من المال، فهو إقرار بالقبض، وقال محمد: هذا بمنزلة قوله: قد أبرأتك من المال. لأبي يوسف: أنه ذكر براءة مضافةً إلى المطلوب، وذلك يكون بالأداء، فكأنه قال: برئت إِلَيَّ. لمحمد: أنه يحتمل أن يكون برئت؛ لأنك أديت، ويحتمل أن [يكون]

стр. 4766

برئتُ؛ لأني أبرأتك، فلا يجوز إثبات الأداء بالشك. وليس كذلك إذا قال: برئت إلي؛ لأنه ذكر براءة ابتداءً، وهذا في المطلوب، وغايتها الطالب، وذلك لا يكون إلا بالأداء. قال أبو الحسن: فإن لم يؤد المكفول عنه المال حتى أبرأه الكفيل مما ضمنه عنه قبل أدائه، أو وهبه له، أو تصدق به عليه، جاز ذلك، فإن أدى الكفيل المال بعد ذلك لم يرجع به على المكفول عنه، وهذا في إملاء أبي سليمان عن محمد. والوجه فيه: أن العقد يثبت للكفيل في ذمة المكفول عنه مثل ما يثبت في ذمة الكفيل للمكفول له، وإن كان لا يطالب إلا بعد الأداء فقد صار العقد سببًا في ثبوت الحق، فجازت البراءة عند وجود سبب الحق، كما يجوز من الدين المؤجل، وكما يجوز من الأجرة مع (١) العقد، فإذا أدّى الكفيل بعد البراءة لم يرجع كما لو أبرأه بعد أدائه (٢).

стр. 4767

بَابْ: كفالةِ الرجلين عن الرجلِ قال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا إملاءً قال: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم من قرض أو غيره، فكفل بها عنه رجلان، ولم يكفل كل واحد [منهما] عن صاحبه، فالكفالة جائزة، وعلى كل واحد منهما خمسمائة، ليس [عليهما] (١) غيرها، فأيهما أدّى شيئًا مما عليه لم يرجع على صاحبه بشيء، ورجع على الذي عليه الأصل بما أدّى عنه إن كان كفل بأمره؛ وذلك لأنهما لما ضمنا فقد دخلا في إطلاق العقد على وجه واحد، والضمان ينقسم، فكان على كل واحد منهما النصف، كالمشتريين [للعبد] (٢) من واحد، يملك كل واحد منهما نصفه. وإذا لزم كل واحد منهما نصف الدين لم يرجع عليه المكفول له بأكثر من ذلك، ولا مطالبة لأحدهما على الآخر؛ لأنه ليس بكفيل له، ويرجع على صاحب الأصل؛ لأنه أمره بالضمان. قال: فإن لقي صاحبُ المال أحد الكفيلين فأخذه حتى كفل له بما على صاحبه من الكفالة، فذلك جائز؛ لأن الكفالة عن الكفيل جائزة، بدلالة أن الدين ثابت في ذمته، فجاز أن يتكفل عنه كما يتكفل عن صاحب الأصل. قال: فإن أخذ الكفيل الذي كفل المال، فأدّى إليه منه خمسمائة، فالقول قوله من أي المالين أدّاه، إن قال: أدّيته عن كفالة صاحب الأصل، قُبل ذلك منه،

стр. 4768

وإن قال: أدّيته عن صاحبي الذي كفل معي، صُدق أيضًا، وسواء قال ذلك قبل الأداء أو بعده؛ لأن هذا الكفيل لزمه الدين من وجهين مختلفين: خمسمائة بالكفالة الأولى عن صاحب الأصل، وخمسمائة بالكفالة الثانية عن الكفيل، وحكم [المالين] (١) مختلف؛ لأن كل واحد منهما يثبت به الرجوع على غير من يثبت من الرجوع في الآخر، فإذا أدّى وأبهم الأداء فالقول قوله، كمن عليه ألف من ثمن [مبيع] (٢)، وألف من قرض، إذا أدّى ألفًا كان القول قوله في أي المالين أدّى. وإنما كان كذلك لأنه هو [المملك لما] (٣) أدّى، والقول قول المملك (٤) في صفة ما ملكه؛ بدلالة قوله ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع" (٥)؛ ولأنه لا يعلم ما قصده بالأداء إلا من جهته، فالمرجع فيه إلى قوله. قال: فإن لم يأخذ صاحب المال شيئًا من المال حتى لقي صاحب المال الكفيل الآخر، فكفل له عن شريكه بماله عليه، فذلك جائز. فإن أخذ صاحب المال أحدَهما بشيء من المال فأداه، فما أدّى من ذلك عن صاحب الأصل دون الكفيل حتى يؤدي خمسمائة، وإن أدّى أكثر من خمسمائة كانت عن شريكه. ولو قال ابتداءً: أؤدّي عن شريكي، لم يقبل [ذلك] منه، وكان عن صاحب

стр. 4769

الأصل؛ وذلك لأن الكفيلين كل واحد منهما قد لزمه خمسمائة، خمسمائة بالكفالة عن صاحب الأصل، وخمسمائة بالكفالة عن شريكه، فما أدّاه عن صاحب الأصل يرجع به على شريكه، وما أداه عن شريكه لا يرجع به على صاحب الأصل. فإذا أدّى خمسمائة، فلو لم نجعلها عن صاحب الأصل وجعلناها عن الشريك، لكان للشريك أن يجعلها عن شريكه ويرجع بها عليه، فلم يكن في ذلك فائدة. وإذا أدّى أكثر من خمسمائة فالزيادة على الخمسمائة إذا رجع بها على شريكه لم يكن لشريكه أن يرجع بها عليه؛ لأنها لا تجوز أن تكون إلا من الكفالة. وعلى هذا قال أصحابنا: في رجلين اشتريا من رجل عبدًا بألف، وضمن كل واحد منهما جميع الثمن، فإن أدّى أحدهما نصف الثمن لم يرجع به على شريكه، وإنما يكون ذلك من نصيبه؛ لأنه لو رجع علي شريكه به، لجاز لشريكه أن يرجع به عليه. فإذا أدّى أكثر من النصف رجع على شريكه بالزيادة؛ لأنه لا يقدر أن يرجع عليه بها إذا كان قد بقي (١) في نصيبه للبائع. وكذلك قالوا في المتفاوضين: إذا افترقا وعليهما دين، فلصاحب الدين أن يطالب به كل واحد منهما، فإن أدّى أحدهما النصف لم يرجع على شريكه بشيء، وإن أدّى [أكثر] (٢) من النصف رجع بالزيادة على شريكه؛ لما ذكرنا. قال: فإن كان الكفيلان لم يؤدّ (٣) واحد منهما شيئًا حتى لقيهما الطالب

стр. 4770

وصاحب الأصل، فكفل الثلاثة جميعًا بعضهم عن بعض بجميع المال الذي له على الذي عليه المال، فقد نقضت هذه الكفالة الكفالة الأولى، فإن أخذ صاحب المال أحد الكفيلين فأخذ شيئًا قليلًا كان أو كثيرًا، فله أن يرجع بجميعه على الذي عليه الأصل، وإن شاء رجع بنصفه على شريكه، ولا يغرم أحدهما شيئًا إلا غرم صاحبه مثله، ثم يرجعان بما غرما على الذي عليه الأصل؛ وذلك لأنه لما كفل [عن] كل واحد منهما [بجميع المال، وكفل عن صاحبه، فصار ما لزم كل واحد منهما] هو الذي لزم الآخر لتساويهما في الكفالة، فما أدّاه كل واحد منهما من قليل أو كثير رجع على صاحبه بنصفه حتى يساويه في الأداء، كما يساويه في الضمان. وليس كذلك المسألة الأولى؛ لأن كل واحد منهما لزمه الدين من وجهين مختلفين، فلم يتساوى دَيْنَهُما؛ فلذلك لم يجب (١) أن يتساويا في الأداء. وأما قوله: إنّ الكفالة الثانية نقضت الأولى؛ فلأن حكمها مخالف للحكم الأول، وكل واحد منهما عقد على ما يعود (٢) عليه وأَخَذَ، فالثاني من العقدين [نقض للأول] (٣). قال: فإن لم يأخذ من واحد منهما شيئًا، ولكنه أخذ من الذي عليه الأصل كل المال أو بعضه، فليس له أن يرجع على واحدٍ منهما بشيء؛ لما قدّمنا أن حاصل الضمان عليه، فلو رجع عليهما لرجعا عليه (٤).

стр. 4771

بَابْ: أداء الكفيل عن المكفول عنهُ المال قال: وإذا كفل رجل عن رجل بألف درهم صِحَاحٍ، ثم أدّاها إلى الطالب، فله أن يرجع بها، فإن أدَّى عنه مكسرةً أو بهرجة أو زيوفًا وتجاوز بها الطالب، أو أدّى إليه عنها ثوبًا أو عرضًا من العروض كائنًا ما كان، وقَبِلَه الطالب، جاز. وكذلك لو أدّى شيئًا من الكيل أو الوزن، فإنه يبرأ الكفيل ويرجع الكفيل على المكفول عنه بمثل ما ضمن، يرجع بألف صحاح، ولا يرجع بشيء مما أدّاه إلى الطالب. وكذلك لو أعطاه عن الألف دنانير (١)؛ وذلك لأن الكفيل ملك ما في ذمته بما أدّى، [فكأنّه أدّى نفس المضمون والدراهم الجياد تملك بالزيوف، والصحاح تملك بالمكسور] فكأنه أعطى [نفس] (٢) الحق، وليس كذلك إذا صالحه عن الألف على خمسمائة، [إنه] لا يرجع بأكثر منها؛ لأن الألف لا تملك بخمسمائة، وإنما تملك بمثل وزنها، فلم يجز أن يرجع بأكثر مما أعطاه. قال: ولو أمره بأداء المال عنه بغير ضمان، فأدّى إلى الطالب دون ما عليه، أو أدّى مما عليه، فإن المأمور يرجع بمثل ما أدّى، ولا يرجع بمثل ما [أمر] (٣)، وهو قول أصحابنا الثلاثة؛ وذلك لأن المأمور لم يثبت في ذمته دين ليملكه بما

стр. 4772

يعطي، وإنما هو وكيل بالقضاء، فلم يجز أن يرجع بأكثر من المؤدى، وليس كذلك الضامن؛ لأن الدين ثابت في ذمته، وهو يملكه بما يؤدي. فلذلك رجع به. قال ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل له على رجل خمسة دنانير، وله بها كفيل، فصالح الطالب الكفيل على ثلاثة دنانير، فدفعها إليه، ولم يقل صالحتك على أن تبرئني، فإن هذا الصلح عن الذي عليه الأصل وعن الكفيل، وقد برئا، ويرجع الكفيل على الذي عليه الأصل بثلاثة دنانير؛ لأنه لما أطلق الصلح عن المال، وهو ثابت في ذمتهما، انصرف العقد إلى الذمتين، فبرئا جميعًا بما أدّى من ذلك، ويرجع الكفيل بثلاثة دنانير لما بَيَّنَّا أن المكفول عنه برئ مما زاد على ذلك؛ ولأنه لا يملك بثلاثة دنانير أكثر منها. ولو قال: أصالحك على ثلاثة دنانير على أن تبرئني، فإن ذلك عن الكفيل وحده، وهو جائز، ويرجع الطالب [على] الذي عليه الأصل بدينارين، ويرجع عليه الكفيل بما أدّى [عنه]، وهو ثلاثة دنانير؛ لأنه لما شرط [عليه] في الصلح براءة الكفيل، دلّ على أنه لم يبرأ صاحب الأصل، وقد بَيَّنَّا أن براءة الكفيل لا توجب براءة المكفول عنه، فيبرئ الكفيل مما زاد على المؤدي، ويرجع بما أدّاه على صاحب الأصل، وبقي في ذمة صاحب الأصل ديناران، وإن لم يبرأ منها فلا كفيل بها فيؤد بهما إلى الطالب. [والله أعلم].

стр. 4773

بَابْ: ضمانِ الأعيانِ قال أبو الحسن: الأعيان تكونُ في يد مَن هي في يديه على وجهين: أمانة أو مضمونة. فما كان منها أمانة: فضمنها ضَامنٌ عمن هي في يديه لصاحبها، فالضمان باطل، ولا يجب على الضامن تسليمها إن كانت قائمة، ولا ضمان في قيمتها إن هلكت. وما كان منها مضمونًا: فتكفل به كفيل، أو ضمنه ضامن، وجب عليه تسليمه في حال قيام عينه إلى صاحبه، أو تسليم قيمته إليه إن هلك. وقال: والأعيان الأمانة: الودائع، والعواري، وأموال المضاربة، والشركة، وما كان مستأجرًا في يد مستأجره. والمضمون: الغصب، والبيع [الفاسد، وما كان مقبوضًا على سوم البيع]. والأصل في هذا: أن الكفالة عقد ضمان، [والضامن] (١) إنما يلزمه ما هو مضمون على المكفول عنه، والأمانات ليست بمضمونة على من هو في يديه، ولا يجوز أن يضمنها ضامن عنه. وأما العارية، فعينها غير مضمونة، وتسليمها مضمون، فإن ضمن ضامن تسليمها جاز، وما سواها ليس بمضمون العين، ولا مضمون الرَّد.

стр. 4774

وكذلك لو ضمن ضامن تسليمها عن المؤجر: تسليم العين التي أجّرها جاز؛ لأن العين وإن لم تكن مضمونة فتسليمها [مضمون] (١) عليه. وأما الأعيان المضمونة، فهي على ضربين: مضمون بنفسه، ومضمون بغيره. فما كان مضمونًا بنفسه: فالكفالة جائزة فيه كالمغصوب، والمقبوض على وجه بيع فاسد، وسوم البيع، فالضمان يلزمه ما يلزم المضمون عليه فيه: وهو رَدّ العين حال بقائها، ودفع قيمتها بعد هلاكها. فأمّا المضمون بغيره فكالمبيع في يد البائع، فإن ضمنَ ضامن تسليمه جاز؛ لأن التسليم مستحق على البائع، فإن هلك لم يجب على الضامن شيء؛ لأن البيع انفسخ، ووجب على البائع رد الثمن، ولم تجب قيمة العين؛ فلذلك لم يلزم الضامن. ومن ذلك الرهن في يد المرتهن، فهو مضمون بغيره: وهو الدَّين، فإن ضمن ضامن تسليمه بعد الفِكاك جاز؛ لأن التسليم واجب على المرتهن، فإذا هلك الرهن سقط الضمان؛ لأن المرتهن يصير مستوفيًا لدينه، ولا يلزمه حق، فكذلك لا يلزم الضامن. قال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل قال له رجل: إن فلانًا غصبني عبدًا، فقال الرجل: أنا ضامن للعبد الذي تدعي، قال: فهو ضامن للعبد حتى [يلزمه أن] يأتي به ويقيم عليه البينة، فإذا لم يأت به واستحقه ببينة فهو ضامن لقيمته؛ وذلك لأن [الواجب] (٢) بالدعوى على الذي في يده العبد

стр. 4775

إحضاره مجلس القضاء، فلزم ذلك كفيله، فإذا هلك العبد وقامت عليه البينة على استحقاق المدعي إياه؛ فالواجب ضمان قيمته، ولزم ذلك الضامن. قال: ولو كان قال: إن فلانًا غصبني ألف درهم، ثم استهلكها، أو قال: غصبني عبدًا ثم مات في يده، فقال رجل: أنا ضامن للمال أو لقيمة العبد، قال: هو ضامن للمال أو لقيمة العبد، يأخذ بذلك المدعي [من ساعته]؛ وذلك لأن الدعوى في المستهلك إنما هي القيمة، فإذا ضمنها ضامن لزمه ذلك، وليس كذلك العبد القائم؛ لأن ضمانه يقتضي الإحضار والتسليم، ولا يقتضي وجوب القيمة إلا بعد هلاكه وثبوت الدعوى فيه؛ فلذلك لم يلزمه ضمان القيمة حتى يثبت الاستحقاق، فأما المستهلك فضمان الضامن لقيمته يدل على اعترافه بوجوب الضمان، فلم يقف ذلك على إقامة البينة. قال: وإذا ادّعى شيئًا [قائمًا] لم يستهلك، فإنما عليه أن يأتي به حتى يقيم عليه البينة، وقد بَيَّنَّا هذا. قال: ولو ادّعى رجل على رجل أنه غصبه ألف درهم، وهي في يده أو في منزله، أو ادّعى شيئًا مما يكون دينًا من طعام أو نحوه، فضمن له رجل ما ادعى، فإن على الضامن أن يأتي بذلك الشيء بعينه، فإن لم يأت به لم يضمنه حتى يستحقه المدعي. وإن ادّعى ألفًا مستهلكا أو كُرًّا مستهلكًا، فضمنه له رجل، فهو ضامن من ساعته، وإن لم يقم المدعي بينة عليه، وهذا على ما بَيَّنَّا أن العين ما دامت باقية فالضمان ينصرف إلى إحضارها وتسليمها، فلا يلزمه قيمتها إلا بعد الاستحقاق، وإذا كانت هالكة فالضمان لا يتعلق إلا بقيمتها، فصار ضمانه دلالة على

стр. 4776

الاعتراف بالضمان. قال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا قال: قال أبو حنيفة في رجل قال لرجل: إن قتلك فلان فأنا ضامن لِدِيَتِك، أو قال: إن شَجَّك موضحة أو قطع يدك، أو غصبك ألف درهم، أو قتل عبدك، فأنا ضامن لقيمة ذلك، فقال المضمون له: قد رضيت، وخاطبه على ذلك، فهو جائز. قال: وهذا كقوله: إن غصبك ألف درهم فأنا لها ضامن، أو أقرضته ألفًا فأنا ضامن، ورضي المضمون له، فهو جائز؛ وذلك لأن الضمان يجوز تعليقه بالشرط والخطر، خلاف ما قال الشافعي (١)، والدليل عليه إجماع الأمة على جواز ضمان الدَّرَك، وهو ضمان متعلق بشرط الاستحقاق. فكلُّ ضمان متعلق بشرط هو سبب في الضمان أو في وجوب المطالبة مَقِيس عليه، ولا يقال: إن ضمان الدَّرَك ليس بمتعلق بشرط في الثاني، وإنما يتبيّن بالاستحقاق أن المضمون كان ثانيًا، فهو ضمان ما كان لازمًا للبائع عند العقد؛ وذلك لأن الضمان صحيح في الحال. وإن كنا لا نعلم بوجوب الضمان، فيجوز أن يستحق، ويجوز أن لا يستحق، فلو لم يجز تعليقه بشرط يحدث؛ لم يجز انعقاده مع التجويز [كما لا ينعقد عقد البيع مع التجويز] لما لم يجز تعليقه بالخطر. وإذا ثبت أن الضمان يتعلق بالشروط، وكل واحدة من هذه الأشياء (٢) سبب لثبوت الضمان، فجاز أن يضيف الكفالة إليه.

стр. 4777

قال محمد: إن قال: إن غصبك فلان ضيعتك، أو غصبك عبدك، أو دابتك، فأنا [لذلك] (١) ضامن، فرضي المضمون له وقبل ذلك، فهو جائز، وهذا [على] قول محمد خاصة على أصله في ضمان العَقَار بالغصب. فأما على قول أبي حنيفة: فإنه لا يضمن، فالكفالة به لا تصح. قال محمد: قال أبو حنيفة: إذا قال: قتلك من من الناس، أو مَنْ غصبك من الناس، أو مَنْ بايعت من الناس، فأنا لذلك ضامن، فهذا باطل، ولا يجوز إذا عمّ، ويجوز إذا خصّ على ما وصفتُ لك؛ وذلك لأن هذا ضمان عن مضمون [عنه] (٢) مجهول، والضمان لا يصحُّ إلا عن معلوم؛ ولأنه إذا لم يبيّن المضمون عنه كثرت الجهالة، [وإذا بيّن] (٣) ذلك قلّت الجهالة، وقد يجوز العقد مع قلة الجهالة، ولا يجوز مع كثرتها. قال محمد: قال أبو حنيفة: إن لم يكن المضمون له حاضرًا فيقول: قد رضيت ذلك وقبلت، فإنه لا يجوز. قال: وكذلك لو قال: قد كفلت لفلان بمَا لَه على فلان، والمكفول له غائب، فإنه لا يجوز، وإن بلغه فقال: قد قبلت ورضيت، لم يجز إلا في خصلة [واحدة، وهي]: أن يقول المريض عند موته لورثته: اضمنوا ما علَيَّ من الدَّيْن لغرمائي، ففعلوا ذلك، فهو جائز، وهو يلزمهم. قال أبو حنيفة: هو بمنزلة [المُقِرِّ على غرمائه] (٤)، وقال أبو يوسف: المريض

стр. 4778

[وغيره في هذا سواء] (١). وإذا ضمن رجل لرجل غائب عنه فبلغه ذلك فرضي، فهو جائز، يعني أن الضامن خاطب المكفول عنه في الضمان عنه للغائب. وقال محمد: بقول أبي حنيفة: [نأخذ]. لأبي حنيفة ومحمد: أن الكفالة [عقد] يتعلق به حق للمكفول له، فوقف على قبوله كعقد المبيع. وإنما لا يقف عنده على الإجازة؛ لأن قول الكفيل: تكفلت بكذا، شطر (٢) العقد، وذلك لا يقف على غائب عن المجلس، وهذا هو القياس عنده في مسألة المريض. وإنما استحسن؛ لأن المرض يوجبُ تعلق الديون بالمال، وقد يثبت في المال حق الورثة، فكان الدَّين عليهم، وصار قول المريض قائمًا مقام قول صاحب الدين في مسألة الكفالة، فينعقد ذلك بينهما. فإن قيل: فهلّا قلتم في الصحيح: إذا قال لرجل: تكفل عني لفلان الغائب، ففعل، أن الكفالة تنعقد، ويقوم قول الذي عليه الدين مقام قول الذي له الدين. [قيل له: وذلك] (٣) لأن الصحيح لا تتعلق الديون بماله، ولا يتعلق بماله حق غيره، فلم يصر فيه كالأجنبي، حتى يقوم مقام صاحب الدين في قبول

стр. 4779

الكفالة، وأما المريض فقد [تناول] (١) تعلق حق الغرماء بماله، وانتقال الديون إليه؛ فلذلك كان كالأجنبي في القبول. وأما أبو يوسف فقد قال: إن الكفالة جائزة إذا أجازها المكفول له، وهذا يدل على أن العقد عنده واقف، وقد ذكر قول أبي يوسف في الأصل في موضعين، فشرط الإجازة في أحدهما دون الآخر. فإن قال: إن الكفالة جائزة من غير إجازة؛ فلأن الكفالة إيجاب مال في الذمة بقوله كالإقرار، فلا يقف على القبول. وإن قال: إن الكفالة موقوفة؛ فعلى أصله: أن قوله تكفلت لفلان العقد، فيقف على غائب عن المجلس، كما قال في المرأة إذا قالت: زوّجت نفسي من فلان، أن ذلك يقف على غائب عن المجلس. وأما على قولهما: فهذا شطر العقد، فلا يقف، وقد ذكر الطحاوي في هذه المسألة أنّ محمدًا مع أبي يوسف، والصحيح ما ذكره أبو الحسن. قال بشر عن أبي يوسف: في رجل في يده عبد مقر له بالرق، فخاف المولى العبد، وأخذ منه كفيلًا بنفسه، فأبق العبد، أو كفله كفيل بعد إباقه منه: [فإنه] لا ضمان على الكفيل قبل الإباق و [لا] بعده. أما قبل الإباق: فهو ملكه، ويده ثابتة عليه، فلا يصحُّ أن يضمن له وليس بمضمون في نفسه. وأما بعد الإباق: فيد المولى ثابتة عليه ما دام في دار الإسلام في قولهم،

стр. 4780

فلا يجوز أن يضمن له - كما قيل - الإباق؛ ولأن العبد لا يكون مضمونًا على نفسه بالإباق، فلا يصير مضمونًا على غيره. وقال ابن سماعة، عن أبي يوسف: في رجل ادّعى على رجل أنه عبده، وأنكر المُدَّعَى عليه، زعم أنه حُرٌّ، فكفل رجل بنفس العبد المدعى عليه، فأقام المُدَّعِيْ البَيِّنَةَ أنه عبده، فمات المدعى عليه، فلا شيء على الكفيل؛ وذلك لأن الحر ليس بمضمون، وهو يدعي الحريّة، ولا يد لغيره عليه يتعلق الضمان بها، فلا يصحّ أن يضمنه الكفيل. ولو قال: أنا ضامن لك قيمة هذا إن استحققته، فضمن له قيمته، فأقام المدعي البينة، ومات المدعى عليه، قال: فالكفيل ضامن، وهذا محمول على أن هذا المدعى عليه في يد غيره، وإن كان يدعي الحرية، فإذا ضمن الضامن قيمته [وثبت] (١) الاستحقاق، كان صاحب اليد غاصبًا؛ فلذلك صَحَّ ضمان القيمة، فأما إذا كان في يد نفسه فلا ضمان عليه بجحود الرق، فلا يلزم الضمانَ الكفيلُ. قال: ولو كان صبي في يد رجل فادّعاه آخر، وزعم أنّه عبده، وقال الذي هو في يديه: هو ابني وهو حرّ، فكفل به رجل للمدعي، أو ضمنه له، فأقام المدعي البينة، ومات المدعى عليه، ومات الصبي، فالكفيل ضامن، وهذا صحيح؛ لأن الصَّبي تثبت عليه اليد، فإذا ادّعى من هو في يده أنه ابنه، وقامت البينة بالرق، تبيّنّا أن صاحب اليد غاصب، فصح ضمان الكفيل عنه (٢).

стр. 4781

بَابْ: الكفالةِ بالمالِ إلى أجلٍ معلومٍ أو مجهولٍ قال أصحابنا جميعًا - أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد -: إذا كفل رجل لرجل بمال إلى العطاء، أو إلى الحصاد، [أو إلى الجذاذ (١)]، أو إلى الدياس (٢)، أو النيروز (٣)، أو المهرجان (٤)، أو صوم النصارى، أو [فطر اليهود] (٥)، أو إلى الرزق، فالكفالة جائزة. قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن كل شيء يدل على طريق التأجيل إذا علق وجوب المال في الكفالة به، صحّ ذلك وإن كان مجهولًا. وما يذكر على طريق الشرط دون الأجل على ضربين: إن كان الشرط سببًا لوجوب الحق أو مكان الاستيفاء، جاز أن تتعلق الكفالة به، وإن كان بخلاف ذلك لم يجز. والدليل على جواز الآجال المجهولة في الكفالة، أن المعقود عليه فيها يجوز دخول الجهالة فيه مثل أن يقول: ما بايعتَ فلانًا فهو على فلان، تَصِحّ

стр. 4782

الجهالة في الأجل أولى، وليس كذلك البيع؛ لأن الجهالة لا يجوز [دخولها] (١) في المعقود عليه، فكذلك في أجله. فإن قيل: فما تقولون في المهر إذا أجله إلى الحَصَاد، أو الدِّيَاس؟ قلنا: لا تعرف الرواية في ذلك، ويحتمل أن [يقال] إنه جائز؛ لأن المهر يثبت مع ضرب من الجهالة، فكذلك التأجيل يجوز أن يثبت مع الجهالة، وإن قلنا: لا يجوز ذلك؛ فلأن المعقود عليه في النكاح هو الاستباحة، وذلك لا يصح فيه الجهالة، فصار من هذا الوجه كالبيع [والمهر لأجنبي من] (٢) العقد، فلا يعتبر فيه جواز الجهالة. وأما الشرط، فإن كان سببًا لوجوب الحق، مثل أن تقول: إذا قدم زيدٌ، أو استحق المبيع، فالكفالة جائزة؛ لأن الاستحقاق سَببٌ لوجوب الحق، وقدوم زيد سبب يتسهل (٣) به الأداء؛ لأنه يجوز أن يكون مكفولًا عنه، فجاز تعلق الكفالة بذلك. فأما إذا قال: إذا جاء المطر، أو هَبَّت الريح، أو دخل زيد الدار، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن هذا [لا يدرك] (٤) على طريق التأجيل، ولا هو سببٌ لوجوب الحق، ولا لتسهيل الاستيفاء والأموال، ولا يجوز أن يتعلق وجوبها بالشروط. قال: وكذلك [لو] كانت الكفالة حالّة فأخّر إلى شيء من هذه الآجال، فهو

стр. 4783

جائز؛ لأنّ ما جاز أن يكون أجلًا في العقد، جاز أن يلحق (١) به كالأجل المعلوم في البيع. قال: وإذا كفل رجل عن رجل إلى أجل مجهول لا يشبه آجال الناس، مثل: المطر، والريح، وأشباه ذلك، فالكفالة جائزة، والشرط باطل، والمال حالّ على الكفيل. أما بطلان الشرط فقد بيّناه، وإنما لا تبطل الكفالة؛ لأن ما جاز أن يتعلق بالشروط لم تبطله الشروط الفاسدة: كالطلاق والعتاق إذا بطل الشرط، بقي المال على حلوله بإطلاق العقد. قال ابن سماعة عن محمد: في رجل له على رجل ألف درهم، فقال [له]: قد أخّرتك بها إلى الحَصَاد، أو إلى الدِّياس، فهذا بمنزلة [كفيل كَفل] (٢) بها إلى هذا الوقت. قال: وإنما يفسد هذا في البيع إذا جعل محله إلى الحصاد والدِّياس، فإذا وجب عليه ثم أخّره إلى هذا الوقت فهو جائز؛ وذلك لأن الدَّين إذا أخّره إلى أجل مجهول، فهو أجل لم يشرط في عقد معاوضة، فيصح ثبوته مع الجهالة، كالأجل في الكفالة. وليس كذلك إذا شرط في البيع؛ لأن الجهالة تؤثر في إفساد العقد، فيمنع من ثبوت الثمن.

стр. 4784

وهذه المسألة من أفراد المسائل؛ لأنهم ألحقوا التأجيل بالبيع على وجهٍ لو كان في العقد لم يجز. وقد قال أبو حنيفة في الشروط الفاسدة إذا لحقت بالعقد: لحقت وأفسدت كما لو شرطت في العقد. [وقال أبو يوسف ومحمد: لا تلحق، ثمَّ ألحق محمد الأجل المجهول ولم يفسد به العقد؛ لأنه إنما يفسد إذا شرط فيه الجهالة الموجودة في العقد]، فإذا العقد عنها ثم لحقت على وجه لو كان يثبت في الديون لم يفسد العقد. قال: ولو أخذ منه خمسمائة، وأخّر خمسمائة إلى قدوم الرجل الذي [عليه أصل المال] (١)، قال: هو جائز. وكذلك لو قال للطالب الذي عليه الأصل وللكفيل: قد أخّرتكما بالمال [إلى] قدوم فلان، فهو ضامن عنهما، قال: وإذا أخرهما إلى قدوم رجل هو منهما بسبب في المال فهو جائز؛ وذلك لأن قدوم فلان يجوز أن يكون سببًا لإيجاب (٢) الحق، ألا ترى أنه يكون مكفولًا عنه، فيمكن الاستيفاء بقدومه، أو يكون ضامنًا، أو يكون الذي عليه الدين مفلسًا وليس له إلا دين على فلان الغائب، فإذا حضر أمكن الاستيفاء منه، فجاز التأخير إلى ذلك. قال: وإن كان لرجل على رجل مائة درهم إلى أجل مسمّى، فكفل بها رجل عنه كفالة مُبْهَمَةً، ولم يُسَمِّ أجلًا ولا حالًّا، فإنها (٣) على الكفيل إلى ذلك الأجل؛

стр. 4785

لأن الكفيل يضمن ما على صاحب الأصل فلزمه الدين بصفته، إلا أن يشرط خلاف ذلك. قال: وكذلك لو ضمنها الكفيل إلى أجل قد سماه دون ذلك الأجل، أو أكثر منه، أو مثله، فإنه (١) على الكفيل إلى الأجل الذي سمّاه؛ وذلك لأن الكفيل يجوز أن يشترط في الكفالة ما يخالف الأصل، بأن يكون المال مؤجلًا فيضمنه حالًا؛ لأنه تبرع بإسقاط الأجل، ويجوز [أن يكون المال] (٢) حالًا فيضمنه مؤجلًا؛ لأنّ التأجيل يجوز في حق صاحب الأصل، فكذلك في حق كفيله، فإذا كان [المال] في الأصل مؤجلًا بمدّة، فتكفل بأكثر منها أو بأقل جاز، كما لو كان المال حالًا فتكفل به مؤجلًا، أو مؤجلًا فتكفل به حالًا. قال: فإن كان [أصل] المال حالًّا وأخذ الطالب المطلوب حتى أقام له به كفيلًا إلى سنة، فإنه جائز، والتأخير عنهما، هذه رواية الأصل (٣). وقال في موضع آخر من الأصل: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم ثمن مبيع، فتكفل بها رجل إلى سنة، فهو جائز إلى ذلك الأجل، وليس للطالب أن يأخذ صاحب الأصل بها حتى يحل ذلك الأجل. وقال بشر عن أبي يوسف: لو أن رجلًا عليه ألف درهم إلى سنة، وبها كفيل، فمات الذي عليه الأصل قبل السنة، فالمال عليه حَالّ، وهو على الكفيل إلى أجله.

стр. 4786

ولو مات الكفيل ولم يمت الذي عليه الأصل، فإن المال يحل في مال الكفيل بموته، ولا يحل على الذي عليه الأصل. أما إذا تكفل بالمال مؤجلًا فقد جعل الأجل متعلقًا بالمال، فيتعلق به من أصله، وذلك يوجب ثبوت الأجل في حق الكفيل والمكفول عنه (١). فأما المسألة التي ذكرها أبو يوسف فليس من هذا في شيء؛ لأن المال مؤجل في حقهما، فإذا مات أحدهما حَلّ دينه لحق ورثته، ألا ترى أنه لو لم يحلّ لم يقدروا على التصرف في التركة، فلم يجز أن يحل (٢) في حق غيرهم؛ لأن هذا المعنى لم يوجد فيهم. قال أبو يوسف: ألا ترى لو أن رجلًا أقرض رجلًا مالًا فكفل به عنه رجل إلى وقت، كان على الكفيل إلى وقته، وكان على المكفول (٣) عنه حالًّا (٤). وهذا المعنى [الذي] استشهد به مفارقًا لغيره؛ لأن القرض لا يجوز التأجيل فيه، ويجوز التأجيل في الكفالة به؛ لأن الكفيل لم يلزمه الدين بعقد القرض، فلذلك تأجل الدين في حقه دون حق صاحب الأصل. قال أبو يوسف: ولو كان المال من ثمن مبيع، والمسألة على حالها، جاز ذلك في القياس؛ ولكني أستحسن وأجعلها إلى الأجل على الكفيل والمكفول عنه.

стр. 4787

أما وجه القياس: فلأنه ذكر الأجل في حق الكفيل، ويجوز أن ينفرد بالأجل عن صاحب [الأصل]، فلم يكن التأجيل في حقه تأجيلًا في حق غيره. وأما [وجه] الاستحسان: فلأن الأجل يصح أن يثبت في حقهما، فإذا أَجَّلَ المالَ وأطلق، انصرف التأجيل إلى الأصل، وأما القرض فلو صرح بالتأجيل في حق المكفول عنه (١) لم يثبت، فكذلك إذا أطلق لا يثبت. وقال ابن سماعة في نوادره عن محمد: في رجل له على رجل ألف درهم حالّةٌ، فأعطاه المطلوب بالمال الذي عليه كفيلًا إلى سنة، قال: فالكفيل كفيل بالمال إلى الوقت الذي وُقّت، وهو على صاحب الأصل حالّ. وهذا مخالف لرواية الأصل. ووجه ما قدمنا في وجه القياس: أن الأجل يجوز أن يثبت في حق أحدهما دون الآخر، فلم يكن ثبوته في حق الكفيل يوجب ثبوته في حق المكفول عنه. قال: فإن مات الكفيل أخذ الطالب المال من ماله حالًا، ولم يرجع ورثته على الذي أمره بأن يتكفل عنه [حالًا] إلى الوقت الذي وقّت له؛ لأن المال وإن كان حالًّا على صاحب الأصل، فهو مؤجل على الكفيل، فلم يثبت له حق الرجوع إلا بعد الأجل، وإنما حَلَّ الدين بموته لحق ورثته ولمنفعتهم، فلا يجوز له الرجوع قبل الوقت الذي ثبت الرجوع فيه. وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل قال لرجل: قد ضمنت لك ما لك على فلان، إن نوى فذلك جائز، فإن مات فلان ولم يَدَعْ شيئًا فهو ضامن.

стр. 4788

وكذلك لو قال: قد ضمنت ما لك على فلان إن خرج من المصر ولم يعطك، فهذا جائز؛ لأنه علّق الضمان بالشرط، وقد دللنا على جواز تعليق الكفالة بالشرط. قال ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل [قال لرجل]: قد كفلت لك بما لك على فلان حالا، على أنك متى طلبته مني فإلى أجل شهر، فهذا جائز منه، فمتى طلب منه فله أجل شهر، فإذا مضى شهر كان له أن يأخذه متى شاء بالطلب الأول. قال: ولو كفل بالمال حالا فلم يشترط أنه متى طالبه به فله أجل شهر، [ثمّ إن المكفول له لقيه بعد ذلك، فقال: متى طالبتك بهذا المال فلك أجل شهرٍ]، كان قوله هذا باطلًا، وكان له أن يطالبه بالمال متى شاء؛ وذلك لأنه إذا شرط هذا في أصل الكفالة فقد علقها بشرط، وابتداء الكفالة يجوز تعليقها بالشروط، وإذا لم يشرط في العقد فهذا تأجيل عليه بالشرط، والتأجيل لا يصح تعليقه بالشروط. وقد استشهد على ذلك بمن قال: تكفلت لك بهذا المال عن فلان إلى قدومه، جاز، وكأنه علق الضمان بالقدوم، ولو أطلق الكفالة ثم قال: قد أخرتك إلى قدومه، لم يجز ذلك، وبطل التأخير؛ لأنه تأخير علقه بشرط (١).

стр. 4789

بَابُ الكفالةِ بالنفس قال أبو الحسن: الكفالة بالنفس جائزة عند أصحابنا جميعًا، في كل ما يلزم المكفول بنفسه، كالحضور فيه لخصومة من يدعي قِبَله حقًّا، وسواء كان الحق المدعى مالًا، أو حقًّا [في] (١) مال، أو غير ذلك من سائر الحقوق والمطالبات. قال: والأصل في جواز الكفالة بالنفس ما روي أن عبد الله بن مسعود كفل أصحاب عبد الله بن رواحة بعشائرهم ونفاهم إلى الشام، وذلك بحضرة الصحابة من غير خلاف؛ ولأن الحكام يفعلون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، ولأن الحضور مستحق على المطلوب، [ويمكن] (٢) استيفاؤه من الكفيل، فجاز [عقد الكفالة] به كالمال. [وقد قال أصحابنا: إن الكفالة بالنفس تجوز بأمر المكفول عنه وبغير أمره، كما تجوز في المال]؛ لأنه يقدر على إحضاره وقد التزم ذلك. فإن قيل: إذا تكفل بغير أمره لم يقدر على إحضاره؛ لأن للمطلوب أن يمتنع عليه. قلنا: [هو] يقدر على إحضاره، ولكن لا يلزم ذلك المطلوب، وجواز الكفالة موقوف على إمكان الأداء دون استحقاقه.

стр. 4790

فأما ما يصح دخول الكفالة بالنفس فيه: قال أبو الحسن: الكفالة بالنفس جائزة في كل ما يلزم المكفول بنفسه الحضور فيه للخصومة [مع] مَنْ يدعي قِبَله حقًّا، وسواء كان الحق المدعى مالًا، أو حقًّا في مال أو غير ذلك من سائر الحقوق والمطالبات. وقال في موضع آخر: إذا ادعى رجل على رجل حقًّا في قذف، فأنكر وسأل الطالب القاضي أن يأخذ له كفيلًا بنفسه، وقال: بَيِّنَتِي حاضرة، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يأخذ له كفيلًا بنفسه، ولكن يقول له: ألزمه ما بينك وبين قيامي، فإن أحضر شهوده قبل أن يقوم [القاضي] وإلا خلى سبيله. فإن أقام شاهدين [غير عدول]، أو شاهدا عدلًا يعرفه القاضي، فإن القاضي يحبسه حتى يسأل عن الشهود، أو يأتي بشاهد آخر، ولا يكفله. وإن ادعى قصاصًا في نفس أو دونها، فكذلك أيضًا لا يأخذ منه كفيلًا بنفسه. قال: ويجوز أن يأخذ الحاكم كفيلًا بالنفس في التعزير، أما ما ابتدأ به أبو الحسن في حد الكفالة [فيقتضي] جواز الكفالة بالنفس في الخصومة في الحد أو القصاص، وفي كُلِّ حق، وما بني به يعارض ذلك الحد، وأما الحد فيقتضي أن لا تجوز الكفالة. وقد كان أبو الحسن يقول: إن الكفالة بالنفس في الحد والقصاص جائزة في قولهم إذا بذلها المطلوب. وأما ما قال أبو حنيفة: لا يطلبها القاضي منه. وقالا: يؤخذ منه كفيل بالنفس في جميع ذلك.

стр. 4791

فعلى هذا التأويل: الحد الأول صحيح لا يحتاج فيه إلى الاستثناء، وإنما جازت الكفالة في جميع ما ذكر؛ لأن الحضور مستحق عليه للخصومة في جميع ذلك، والكفيل إنما يضمن الإحضار المستحق [عليه]. وإنما قال أبو حنيفة: إن القاضي لا يلتمس الكفالة بالحدود والقصاص؛ لأنها للتوثق، وهو مأمور بدرء الحدود وترك التوثق فيها، فإذا ابتدأ بذلك المطلوب [جازت] الكفالة. ولا يقال: فقد قال أبو حنيفة: إنه يحبس، والتوثق بالحبس أعظم من التوثق بالكفالة؛ لأنه ليس يحبس للتوثق، وإنما يحبس للتهمة، ألا ترى أن الشهود قد أخبروا: أنه يفسد في الأرض، يقتل الناس، ويهتك الأعراض؟ والحبس في التهمة واجب. وجه قولهما: أن الحضور مستحق لسماع البينة، فجازت الكفالة به [كالحضور] (١) في الأموال. فأما نفس الحد والقصاص، فلا تجوز الكفالة به في قولهم؛ لأن ذلك لا يمكن استيفاؤه من الكفيل، فلا تصح الكفالة به. فأما التعزير فتجوز الكفالة به؛ بمعنى أنه يجوز للقاضي الابتداء بطلب ذلك؛ لأنه لا يؤمن بدرئه ولا بإسقاطه؛ ولأنه من حقوق الآدميين كالديون. قال أبو الحسن بعد ذلك: وكذلك إن كفل رجل بنفس رجل، والطالب يدعي قِبَله دم عمد، أو قصاصًا فيما دون النفس، أو حدًّا في قذف أو سرقة،

стр. 4792

فالكفالة بالنفس في جميع ذلك جائزة، وهذا محمول على الكفالة المبتدأة، وقد بَيَّنَّا أن ذلك يجوز في قولهم. قال أبو الحسن: ويؤخذ الكفيل بالنفس بإحضار المكفول عنه بنفسه ما كان إحضاره ممكنًا مقدورًا عليه فإن صار بحال لا يقدر على إحضاره بوجه من الوجوه سقطت الكفالة [عن الكفيل وبرئ منها، مثل أن يموت المكفول بنفسه، وإنما وجبت مطالبة الكفيل] بالإحضار إذا كان ممكنًا؛ لأن الإحضار مضمون في ذمته، وما كان مضمونًا على الإنسان وهو يقدر على إيفائه فإنه يؤخذ به، فأما إذا مات المطلوب وقد سقط الحضور عنه، فسقط عن الكفيل؛ لأن براءة المكفول عنه من الحق المضمون يوجب براءة كفيله. قال: فأما ما دام (١) المكفول بنفسه حيًّا يُرجى إحضاره على وجهٍ من الوجوه، فالكفالة بنفسه قائمة، غير أنه إن كان إحضاره متعذرًا لغيبة أو ما أشبه ذلك، فتأخرت المطالبة بإحضاره عن الكفيل، ولا يحبس الكفيل به، ولكن [يؤجل] (٢) الكفيل به أجلًا إذا كان المكفول به غائبًا [مقدار] (٣) المسافة في ذهابه ورجوعه، فإن أحضره وإلا حُبِس؛ وذلك لأن الغائب يرجى إحضاره وإن تعذر في الحال واقتضى ذلك تأخير المطالبة إلى حين الذهاب والمجيء، ألا ترى أنا لو طالبناه وحبسناه لحبسناه بما لا يقدر على دفعه، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز حبس المُفْلِس (٤).

стр. 4793

قال: وإن تعذر الإحضار على الكفيل إذا لم يقدر عليه، وعلم بذلك الحاكم [من حاله]، أو شهدت بينة مثل تعذر المال على الكفيل به إذا أعسر، وعلم بذلك الحاكم، أو قامت به بينة، فلا تبرئ العسرة من المال، وينظره الحاكم إلى حال الميسرة، وكذلك الإحضار. وهذا صحيح؛ لأن الإحضار حق مضمون، فإذا تعذر استيفاؤه في الحال تأخر الحبس إلى [حين] الإمكان، كالإفلاس بالدين، إلا أنه يجب أن لا يحال بين المكفول له وبين الكفيل قبلها فيلازمه ويطالبه، ولا يحول بينه وبين أشغاله. وعلى هذا الاختلاف في المفلس إذا أخرجه القاضي من الحبس، أن لا يحول بينه وبين غرمائه. قال أبو الحسن: وأحكام الكفيل بالنفس جارية (١) على مثل أحكام الكفالة بالمال، وهي متفقة في المعنى، وأن النفس ظاهرها: مثل أن يموت المكفول بنفسه، فيبرأ الكفيل، وموت المكفول عنه بالمال مفلسًا لا يسقط الضمان عن الكفيل؛ وذلك لأن الموت يسقط الحضور، وهو الحق المضمون، فيسقط عن الكفيل، والموت لا يسقط الدين إذا كانت هنا كفالة أو تركة، وكذلك لا يسقط الضمان عن الكفيل. قال: وكذلك ثلاثة رهط كفلوا بنفس رجل كفالة واحدة، وأحضره أحدهم، برئوا جميعًا، وإن كانت الكفالة متفرقة، لم يبرأ الباقون؛ لأن الكفالة إذا كانت واحدة فالإحضار المستحق واحد، فإذا سَلَّمه أحدهم لم يبق هناك إحضار أحد مكفول به.

стр. 4794

وإذا تفرقت الكفالة، فكل عقد أوجب إحضارًا آخر، فالإحضار الواحد لا يسقط إحضار غيره. ولو تكفل ثلاثة رهط بمال كفالة واحدة أو متفرقة، فأدى أحدهم جميع المال، برئ الباقون؛ وذلك لأن المال المكفول به مال واحد، فإذا أدى أحدهم لم يبق على غيره مال يؤديه بالكفالة، والحضور لأجل الخصومة ليس لواحد بل يلزم الخصم حضور بعد [حضور] (١)؛ فلذلك افترقت الكفالتان. قال أبو الحسن: كل شرط جاز أن يتعلق به الكفالة في المال، جاز [أن يتعلق] بالنفس، وما جاز في التأجيل في أحدهما جاز في الأخرى، والشرط الذي لا يجوز أن تتعلق به إحدى الكفالتين لا يجوز أن تتعلق به الأخرى؛ لأن كل واحد منهما عقد ضمان، والجهالة التي يحتملها أحد العقدين يحتملها الآخر، وما لا يحتملها أحد العقدين لا يحتملها الآخر. [قال]: والتسليم في الكفالة بالنفس، كالتسليم في الكفالة بالمال؛ لأن المضمون في أحد الموضعين المال، وفي الآخر الإحضار، فإذا خلّى بينه وبين الخصم فهو كالتخلية بينه وبين المال (٢).

стр. 4795

بَابُ الألفاظ التي تكون عبارةً عن الكفالة بالنفس قال في الأصل: إذا تكفل رجل برأس رجلٍ، أو بوجهه، أو برقبته، أو بجسده، أو ببدنه، أو بنصفه، أو بثلثه، أو بجزءٍ منه، أو بروحه فهو جائز، وهو كفيل به كله، وإن كفل بغير ذلك في جسده فهو باطل لا يجوز (١)؛ وذلك لأنا قدمنا أن هذه الأشياء يعبر بها عن الجملة، فذِكْرُها كذِكْرِ الذات، وأما الجزء الشائع؛ فلأن الكفالة تتعلق بالخطر، كالطلاق والعتاق، وإذا صح إضافة الطلاق إلى جزء شائع، وسرى إلى الجميع، فكذلك الكفالة. قال: ولو قال: هو إليَّ، أو عَليَّ، أو أنا كفيل به، أو ضامن له، أو قبيل به، أو زعيم به، كان هذا كله جائزًا يؤخذ به الكفيل (٢)؛ لأن هذه الألفاظ قد بَيَّنَّا أنها تفيد الكفالة بالمال، وحكم الكفالة بالنفس كحكم المال فيما ضمن به أحدهما ضمن به الآخر. قال أبو يوسف: وكذلك لو قال: هو عليَّ، حتى يجتمعا أو يوافيا أو يلتقيا، فهو جائز؛ لأن قوله: هو عليّ، ضمان مضافٌ إلى الغير (٣)، وجعل الالتقاء غاية الضمان، وهذا معنى الكفالة. فإن قال: أنا ضامن لك حتى يجتمعا أو يلتقيا، فهو غير ضامن؛ لأنه لم

стр. 4796

يبيّن المضمون، هل هو المال أو النفس أو غيرهما، ولو قال: أنا ضامن لوجهه، فإنه يؤخذ به؛ لأن الوجه يعبر به عن الجملة، فكأنه قال: ضامن له، فإن قال: أنا ضامن بمعرفته فهو باطل؛ لأن ضمان المعرفة أن يدله عليه، ويعرفه مكانه، وهذا المعنى لا يصح ضمانه (١).

стр. 4797

بَاب الكفالة بالنفس إذا شرط الكفيل أنهُ إن لم يواف به إلى أجلِ كذا فعليه المال قال: وإذا كان لرجل على رجل دين دراهم أو دنانير، أو شيء ممَّا يكال أو يوزن، إلى أجل أو حَالٌّ، سَلَم أو قَرْض، أو ثيابٌ مَعلومة بذرع معلوم من سلم، أو كفالة، أو غصب، أو وديعة جحدها، فكفل في جميع ذلك على أنه إن لم يوافِ به غدًا فعليه ما عليه، وهو كذا وكذا، وسمّى الدَّيْنَ، ومضى غد فلم يواف به، فهو ضامن للمال الذي سمّى في قولهم؛ لأنه تكفل بالنفس، وضمن المال بشرط [ترك] (١) الموافاة، والضمان تعلق بالشروط، فإذا لم يواف به غدًا فقد وجد شرط الضمان، فيلزمه المال. وكذلك لو كفل لامرأة بنفس زوجها، فإن لم يواف به غدًا، فعليه صداقها، وهو وصفان، فهو جائز مثل الأول؛ لأن الوصف يثبت في ذمة المكفول عنه بالعقد، فيثبت في ذمة الكفيل بالكفالة. قال: وإذا لم يسم المال، وقال: أنا كفيل لك بنفسه، فإن لم أوافك به غدًا فعلي ما لك عليه، ولم يسم [كم هو]، فمضى غد، ولم يواف به، فالمال عليه في قولهم؛ وذلك لأنها كفالة علقها بشرط، وقد بَيَّنَّا جواز ذلك، [وأنه] كفالة مال مجهول، فالجهالة لا تمنع من صحة الكفالة. قال محمد [مستشهدًا على ذلك]: ألا ترى أنه لو قال: ما لك على فلان من

стр. 4798

الدراهم، فهو عليّ، كان جائزًا. ولو قال: كفلت لك بما أصابك من هذه الشَّجَّة التي شجّك فلان وهي خطأٌ، كان جائزًا وإن تلفت النفس، وهذا صحيح؛ لأنه ليس فيه أكثر من جهالة المقدار، فأما الشَّجَّة فقد تكفل بالسراية عند وجود سَببها، فتصحُّ. قال: فإن كفل بالمال الذي عليه وسمّاه، وقال: إن وافيتكَ به غدًا فأنا بريء من هذا المال، فوافاه به من الغد، فهو بريء من المال، وهذه براءة الكفيل متعلقة بخطر، فيجوز ذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه إسقاط حق ليس فيه معنى التمليك، ألا ترى أن الكفيل إذا أبرئ لم يرجع، فصار كالطلاق والعتاق. والرواية الأخرى: أن البراءة لا تجوز؛ لأنها براءة من مال، فلا يتعلق بشرط كالبراءة من صاحب الأصل. قال: وإذا كفل رجل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدًا فعليه المال الذي عليه، وهو ألف درهم، فمضى غد ولم يواف به، فإن المال قد لزمه ولا يبرأ من الكفالة بالنفس أيضًا؛ لأنه يضم إلى الكفالة الأولى كفالة، فلم يشرط البراءة من الأولى، فبقيت بحالها. قال: وإذا كفل بنفس رجل، وقال: إن لم أوافك به غدًا فعلي ألف درهم، ولم يقل التي لك [عليه] (١)، فمضى غد ولم يواف به، وفلان ينكر أن يكون عليه شيء، والطالب يدَّعِي ألفًا عليه، فالمال لازم للكفيل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يلزمه. وجه قولهما: أن قوله: فإن لم أوافك به فعليَّ أَلفٌ، يحتمل أن يكون ألفًا

стр. 4799

اعترف أنها على المكفول به، ويحتمل [أن يكون] ألفًا أوجبها على نفسه ابتداءً، ومن حكم المتعاقدين أن يحمل أمرهما على الصحة، وذلك لا يكون إلا أن يكون يضمن الألف [التي عليه] (١) عنه. وأما أن يوجبها ابتداءً على نفسه، فذلك لا يجوز، فكأنَّه قال: فعليّ الألف التي عليه. وجه قول محمد: أن قوله: فعليّ ألف، ظاهره يقتضي إيجاب ما في ذمته ابتداءً، وذلك مخاطرة، والمال لا يجب بالخطر. قال: وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فكفل رجل بنفسه على أن يوافي به إذا دعاه به، فإن لم يفعل فعليه الألف التي عليه، فسأله الرجل أن يدفعه إليه بنفسه، فدفعه مكانه، فإنه يبرأ من المال، وإن لم يدفعه إليه فالمال عليه؛ لأنه علق الكفالة بشرط الدفع، فإن دفعه فلم يوجد شرط الضمان، فلا يلزمه، فإن لم يدفعه فقد وجد شرط الضمان، فيلزمه المال. قال: فإن قال: ائتني به العشيّة أو غدوة، فلم يواف به على ما قال، فالمال له لازم؛ لأن شرط الضمان قد وجد. ولو قال: ائتني به [غدوةً]، فقال الكفيل آتيك به بعد غدٍ، فأبى الطالب أن يفعل، فلم يواف به الوكيل غدوة، فإن المال عليه؛ لِما بَيَّنَّا أنه أخر دفعه إليه عند مطالبته به. قال: وإن أخّره الطالب إلى بعد الغد كما قال، فوافاه به، فهو بريء من المال، فإن مضى بعد الغد ولم يواف به، فهو عليه؛ وذلك لأنه لما أخره بالإحضار

стр. 4800

صار الشرط ترك الموافاة في الوقت الثاني، فإذا لم يواف به لزمه المال. قال: فإن كان شرط عليه في الكفالة أن يوافي به غدًا عند مكان القاضي، فدفعه الكفيل في السوق، [فهو] بريء من المال، وكذلك الكِنَاس (١)، وناحية (٢) المسجد. قال: والأصل في هذا: أنه إذا سَلَّمه في مكان يقدر أن يحضره منه إلى القاضي، فهو كتسليمه في مجلس القاضي؛ لأن الغرض في شرطه مكان القاضي المحاكمة، وذلك ممكن إذا سلَّمه في نواحي المصر. فأما إذا سلمه في موضع لا يقدر على إحضاره إلى الحاكم كالصحراء أو البرية (٣)، فليس بتسليم؛ لأن الغرض لا يوجد به، فوجوده وعدمه سواء. قال: ولو شرط أن يدفعه في مصر فدفعه في مصر آخر، فهو بريء عند أبي حنيفة، وإن دفعه في السواد (٤) أو كُوْرَة (٥) ليس فيها قاضٍ ولا سلطان لم يبرأ. وقالا: إذا سَلَّمه في بلدٍ آخر لم يبرأ. وجه قول أبي حنيفة: أن المقصود [من] إحضاره في البلد للمحاكمة، وذلك موجود عند كل قاض، فصار التسليم في هذا البلد وغيره سواء. وجه قولهما: أن الطالب يجوز أن يكون له بينة في بلد يتمكن من إقامتها فيه،
следующие страницы →