← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

يبيّن المضمون، هل هو المال أو النفس أو غيرهما، ولو قال: أنا ضامن لوجهه، فإنه يؤخذ به؛ لأن الوجه يعبر به عن الجملة، فكأنه قال: ضامن له، فإن قال: أنا ضامن بمعرفته فهو باطل؛ لأن ضمان المعرفة أن يدله عليه، ويعرفه مكانه، وهذا المعنى لا يصح ضمانه (١).

стр. 4797

بَاب الكفالة بالنفس إذا شرط الكفيل أنهُ إن لم يواف به إلى أجلِ كذا فعليه المال قال: وإذا كان لرجل على رجل دين دراهم أو دنانير، أو شيء ممَّا يكال أو يوزن، إلى أجل أو حَالٌّ، سَلَم أو قَرْض، أو ثيابٌ مَعلومة بذرع معلوم من سلم، أو كفالة، أو غصب، أو وديعة جحدها، فكفل في جميع ذلك على أنه إن لم يوافِ به غدًا فعليه ما عليه، وهو كذا وكذا، وسمّى الدَّيْنَ، ومضى غد فلم يواف به، فهو ضامن للمال الذي سمّى في قولهم؛ لأنه تكفل بالنفس، وضمن المال بشرط [ترك] (١) الموافاة، والضمان تعلق بالشروط، فإذا لم يواف به غدًا فقد وجد شرط الضمان، فيلزمه المال. وكذلك لو كفل لامرأة بنفس زوجها، فإن لم يواف به غدًا، فعليه صداقها، وهو وصفان، فهو جائز مثل الأول؛ لأن الوصف يثبت في ذمة المكفول عنه بالعقد، فيثبت في ذمة الكفيل بالكفالة. قال: وإذا لم يسم المال، وقال: أنا كفيل لك بنفسه، فإن لم أوافك به غدًا فعلي ما لك عليه، ولم يسم [كم هو]، فمضى غد، ولم يواف به، فالمال عليه في قولهم؛ وذلك لأنها كفالة علقها بشرط، وقد بَيَّنَّا جواز ذلك، [وأنه] كفالة مال مجهول، فالجهالة لا تمنع من صحة الكفالة. قال محمد [مستشهدًا على ذلك]: ألا ترى أنه لو قال: ما لك على فلان من

стр. 4798

الدراهم، فهو عليّ، كان جائزًا. ولو قال: كفلت لك بما أصابك من هذه الشَّجَّة التي شجّك فلان وهي خطأٌ، كان جائزًا وإن تلفت النفس، وهذا صحيح؛ لأنه ليس فيه أكثر من جهالة المقدار، فأما الشَّجَّة فقد تكفل بالسراية عند وجود سَببها، فتصحُّ. قال: فإن كفل بالمال الذي عليه وسمّاه، وقال: إن وافيتكَ به غدًا فأنا بريء من هذا المال، فوافاه به من الغد، فهو بريء من المال، وهذه براءة الكفيل متعلقة بخطر، فيجوز ذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه إسقاط حق ليس فيه معنى التمليك، ألا ترى أن الكفيل إذا أبرئ لم يرجع، فصار كالطلاق والعتاق. والرواية الأخرى: أن البراءة لا تجوز؛ لأنها براءة من مال، فلا يتعلق بشرط كالبراءة من صاحب الأصل. قال: وإذا كفل رجل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به غدًا فعليه المال الذي عليه، وهو ألف درهم، فمضى غد ولم يواف به، فإن المال قد لزمه ولا يبرأ من الكفالة بالنفس أيضًا؛ لأنه يضم إلى الكفالة الأولى كفالة، فلم يشرط البراءة من الأولى، فبقيت بحالها. قال: وإذا كفل بنفس رجل، وقال: إن لم أوافك به غدًا فعلي ألف درهم، ولم يقل التي لك [عليه] (١)، فمضى غد ولم يواف به، وفلان ينكر أن يكون عليه شيء، والطالب يدَّعِي ألفًا عليه، فالمال لازم للكفيل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يلزمه. وجه قولهما: أن قوله: فإن لم أوافك به فعليَّ أَلفٌ، يحتمل أن يكون ألفًا

стр. 4799

اعترف أنها على المكفول به، ويحتمل [أن يكون] ألفًا أوجبها على نفسه ابتداءً، ومن حكم المتعاقدين أن يحمل أمرهما على الصحة، وذلك لا يكون إلا أن يكون يضمن الألف [التي عليه] (١) عنه. وأما أن يوجبها ابتداءً على نفسه، فذلك لا يجوز، فكأنَّه قال: فعليّ الألف التي عليه. وجه قول محمد: أن قوله: فعليّ ألف، ظاهره يقتضي إيجاب ما في ذمته ابتداءً، وذلك مخاطرة، والمال لا يجب بالخطر. قال: وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فكفل رجل بنفسه على أن يوافي به إذا دعاه به، فإن لم يفعل فعليه الألف التي عليه، فسأله الرجل أن يدفعه إليه بنفسه، فدفعه مكانه، فإنه يبرأ من المال، وإن لم يدفعه إليه فالمال عليه؛ لأنه علق الكفالة بشرط الدفع، فإن دفعه فلم يوجد شرط الضمان، فلا يلزمه، فإن لم يدفعه فقد وجد شرط الضمان، فيلزمه المال. قال: فإن قال: ائتني به العشيّة أو غدوة، فلم يواف به على ما قال، فالمال له لازم؛ لأن شرط الضمان قد وجد. ولو قال: ائتني به [غدوةً]، فقال الكفيل آتيك به بعد غدٍ، فأبى الطالب أن يفعل، فلم يواف به الوكيل غدوة، فإن المال عليه؛ لِما بَيَّنَّا أنه أخر دفعه إليه عند مطالبته به. قال: وإن أخّره الطالب إلى بعد الغد كما قال، فوافاه به، فهو بريء من المال، فإن مضى بعد الغد ولم يواف به، فهو عليه؛ وذلك لأنه لما أخره بالإحضار

стр. 4800

صار الشرط ترك الموافاة في الوقت الثاني، فإذا لم يواف به لزمه المال. قال: فإن كان شرط عليه في الكفالة أن يوافي به غدًا عند مكان القاضي، فدفعه الكفيل في السوق، [فهو] بريء من المال، وكذلك الكِنَاس (١)، وناحية (٢) المسجد. قال: والأصل في هذا: أنه إذا سَلَّمه في مكان يقدر أن يحضره منه إلى القاضي، فهو كتسليمه في مجلس القاضي؛ لأن الغرض في شرطه مكان القاضي المحاكمة، وذلك ممكن إذا سلَّمه في نواحي المصر. فأما إذا سلمه في موضع لا يقدر على إحضاره إلى الحاكم كالصحراء أو البرية (٣)، فليس بتسليم؛ لأن الغرض لا يوجد به، فوجوده وعدمه سواء. قال: ولو شرط أن يدفعه في مصر فدفعه في مصر آخر، فهو بريء عند أبي حنيفة، وإن دفعه في السواد (٤) أو كُوْرَة (٥) ليس فيها قاضٍ ولا سلطان لم يبرأ. وقالا: إذا سَلَّمه في بلدٍ آخر لم يبرأ. وجه قول أبي حنيفة: أن المقصود [من] إحضاره في البلد للمحاكمة، وذلك موجود عند كل قاض، فصار التسليم في هذا البلد وغيره سواء. وجه قولهما: أن الطالب يجوز أن يكون له بينة في بلد يتمكن من إقامتها فيه،

стр. 4801

ولا يمكنه إقامتها في بلد آخر، فلا يوجد الغرض [من التسليم في غير البلد المشروط. والجواب: أنه يقدر على محاكمته في بلد آخر]، ويتنجز (١) كتاب القاضي بالشهادة، فكأنه سلَّم في البلد الذي فيه البينة. وأما إذا سَلَّمه في قرية ليس فيها قاضٍ ولا سلطان، فليس بتسليم؛ لأنه لا يحصل الغرض بالمخاصمة. قال: ولو شرط له أنه يدفعه [إليه] عند الأمير، فدفعه عند القاضي، أو شرط أن يدفعه إليه عند القاضي، فدفعه إليه عند الأمير، أو عزل هذا القاضي، فاستعمل الأمير قاضيًا غيره: برئ في قولهم؛ لأن الغرض المحاكمة، وذلك موجود عند كل القضاة، وكل الأمراء، فلذلك لم يتعين المسمى دونه غيره. قال: ولو كفل له بنفس رجل أو بما عليه، وهو مائة دينار، فوقعت الكفالة له على هذا، كان جائزًا، [فعليه أي ذلك شاء] الكقيل: فإن كفل بنفس فلان أو بما عليه، أو بنفس فلان آخر أو بما عليه، فهو جائز في أي ذلك ما [دفع] (٢) فهو بريء؛ وذلك لأن هذه الجهالة لا تنفي الكفالة، وليس هذا أكثر من جهالة المعقود عليه؛ ولأن هذه الجهالة تصح عندنا في البيع إذا باعه أحد هذين العبدين على أن المشتري بالخيار، فكذلك يصحّ في الكفالة. فإذا ثبت صحة الكفالة، كان الخيار للكفيل؛ لأن الضمان لزمه في مجهول، [فالتعيين] (٣) إليه. قال: وإذا ادّعى رجل على رجل ألف درهم، فأنكرها، [فقال رجل] (٤):

стр. 4802

إن لم أوافك [به] غدًا، فهي عليّ، فلم يواف به من غدٍ، فليس عليه شيء؛ وذلك لأن المكفول عنه ما لمعترف بوجوبِ المال، ولا اعترفَ الكفيل به، فصار هذا مالًا متعلقًا بخطر، فلا يجوز. قال: وإذا كفل بنفس رجل، فإن لم يواف به غدًا، فعليه المال الذي عليه، وهو ألف [درهم]، فلم يواف به الكفيل، ولكن الرجل لقي الطالب، وخاصمه وتلازما في المسجد (١) إلى الليل، فإن المال لازم للكفيل؛ لأنا قد قدمنا أن المكفول به (٢) لا يلزمه حضور واحد، وإنما يلزمه حضور بعد حضور، فإذا سَلَّم نفسه إلى الطالب لم يقع ذلك موقع الإحضار المضمون، فبقي بحاله، فوجب المال لعدمه. قال: ولو كان الرجل قال للطالب: قد دفعت نفسي إليك من كفالة فلان، برئ الكفيل من المال، وكذلك لو دفعه الكفيل؛ لأنه وإن لزمه حضور مختلف، فقد تبيّن أن جعل هذا الحضور ما تعلق الضمان به، فيبرأ الكفيل منه. قال: وإذا ضمن رجل رجلًا بنفسه لفلان، فإن لم يواف به إلى شهر، فعليه ما عليه، وهو ألف درهم، فمات الكفيل قبل الشهر، وعليه دين، ثم مضى الشهر قبل أن يدفع ورثة الكفيل المكفول به إلى الطالب، فإن المال يلزم الكفيل، ويضرب الطالب مع الغرماء؛ وذلك لأنه لم يوجد الموافاة، وهي شرط في وجوب الضمان، ويستند ذلك إلى حين الكفالة، فكأنّ المال لزمه عند العقد، فيتساوى الغرماء. قال: وكذلك لو مات المكفول به، ثم مات الكفيل قبل الشهر؛ لأن موت المكفول به يتأكد به تعذّر الحضور، فيوجد الشرط الموجب لضمان [المال] (٣).

стр. 4803

قال: وإذا كفل رجل بنفس رجل على أن يوافي به غدًا، فإن لم يفعل فعليه ما ادعى الطالب، [وإن] لم يواف به الغد، وادعى الطالب ألف درهم، وأقر المطلوب بها، أو جحدها، فإنهما لا يتصدقان على الكفيل، ويسأل الكفيل، فإن أقر بشيء كان القول قوله مع يمينه على علمه، وإن لم يقر بشيء حلف على دعوى الطالب على علمه؛ لأن الضمان لا يجوز أن يتعلق به الدعوى؛ لأنه مال متعلق بخطر، فلم يبق إلا أن يصير بعد (١) يوم على ما يدعيه إن ثبت، والمال لا يثبت بالدعوى، فوجب أن يقف على الاعتراف أو البينة. وإذا كفل رجل بنفس رجل (على أن يوافي به غدًا) (٢)، فإن لم يواف به غدًا فعليه المال الذي عليه، فلم يواف به، ولزمه المال، وأدّاه وأخذه الطالب بكفالة النفس، وقال: لي عليه مال آخر، أو لي قِبَله خصومة، أو حق في يده، فإنه كفيل بنفسه لا يبرأ منه حتى يدفعه [إليه]؛ لما بَيَّنَّا أنه ضم إلى الكفالة بالنفس الكفالة بالمال؛ وذلك لا يبرئه في الكفالة بالنفس، فإذا أدّى المال بقي الحضور بحاله، فكان عليه أن يسلمه. قال: وإذا كفل رجل بنفس رجل على أنه متى طلبه الطالب فلم يواف به فعليه المال الذي هو عليه، وهو كذا أو كذا، فطلبه منه فلم يدفعه إليه، فإن طلبه غدوة فلم يدفعه إليه حتى العشي فعليه المال، إلا أن يدفعه من ساعته؛ لأن الكفالة بالمال شرطها ترك الدفع عند المطالبة، وقد يوجد ذلك، فلا فرق بين تأخر الدفع في الوقت اليسير أو الكثير (٣). تمت الكفالة ولله الحمد والمنة

стр. 4804

[٧٥] كتابُ الحِوَالةِ قال: وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فأحاله بها على رجل له عليه مال، أو ليس له عليه مال، وقَبِلَ المحال عليه الحِوَالَة (١)، فهو جائز، وقد برئ الذي كان عليه المال منه، وصار للطالب المال على المحال عليه. قال رحمه الله تعالى: الأصل في جواز الحوالة قوله ﵊: "من أُحيل على مَلِيء فليتبع" (٢)؛ ولأنه عقد ضمان كالكفالة، ولأنه للتوثق كالشهادة. وإذا صحت (٣) الحوالة؛ قال أصحابنا: يبرأ المحيل من الدَّين، وقال زفر: لا يبرأ. وجه قولهم: أن الحوالة مأخوذة من التحويل، وذلك لا يكون مع بقاء الدين في الذمة الأولى؛ ولأن العقود تختلف أسماؤها لاختلاف معانيها، ولو لم يبرأ

стр. 4805

المحيل صارت الحوالة والكفالة عقدًا واحدًا، وهذا خلاف الظاهر. وجه قول زفر: أنه عقد ضمان كالكفالة، وكذلك لو كفل عن صاحب الأصل (١) كفيل أو ضمن عنه ضامن، على أن صاحب الأصل بريء مما عليه، كان ذلك جائزًا، وبرئ الذي عليه الأصل؛ وذلك لأنه أتى بمعنى الحوالة، وعبّر عنها بالضمان والكفالة، والمعتبر معنى العقود دون ألفاظها. قال: وليس للمحال أن يرجع على المحيل إلا أن يتوي المال، والتوي عند أبي حنيفة: أن يجحد المحال عليه الحِوالة، ويحلف، أو يموت مُفْلِسًا. وقال أبو يوسف ومحمد: التوي [كل] واحد من هذين الوجهين، ووجه ثالث: وهو أن يفلس في حال الحياة، ويحكم الحاكم [بتفليسه] (٢). أما جواز الرجوع عند التوي - خلاف ما قاله الشافعي (٣)؛ لقوله ﵊: "من أحيل على مليء فليتبع" فجعل الملاء شرطًا في الإتباع، وإذا عدم الشرط ينتف الإتباع؛ ولأنه نقل الحق من الذمة إلى غيرها (بشرط أن يسلم له البدل)، فإذا لم يسلم [له] رجع بما في الذمة الأولى، كمن اشترى بالدين ثوبًا فهلك قبل القبض. فإذا ثبت أنه يرجع عند التوي: فإذا جحد وحلف، ولا بينة للمحال عليه، فقد توى الحق، ألا ترى أنه لا يقدر على المطالبة بعد اليمين، وكذلك إذا مات

стр. 4806

مفلسًا؛ لأنه ليس هناك ذمة يتعلق الحق بها، ولا تركة، فلم يبق للدين محل، فسقط. وأما إذا قضى القاضي بتفليسه في حال الحياة، فعند أبي حنيفة: أن الفلس لا يقضى به، فلا تغير الذمة، فيبقى الحق على ما كان عليه. وعندهما: أن القضاء بالتفليس صحيح، وتصير الذمة معينة، فيثبت له حق الرجوع لذلك. قال: وقالوا جميعًا: إن نقد المحيل بهذا المال الذي كان له المال، كان هذا جائزًا، ولم يكن متبرعًا فيما تقدم من ذلك؛ لأن الدين في ذمة المحيل عندنا من طريق الحكم وإن برئ في الظاهر؛ ألا ترى أن الرجوع مترقب، فهو بالقضاء يقصدُ أن يُسقط عَن نفسه [حق الرجوع ولا يكون متبرعًا كالوارث إذا قضى دين الميت، وليس كذلك الأجنبي؛ لأنه لا يُسقط عن نفسه] حقًّا بالأداء، فكان متبرعًا. قال: فإن كان الذي عليه المال أحال صاحب المال على رجل عليه مال حوالة مطلقة، ولم يقل: أحلته عليك بما لي عليك، أو على أن تعطيه مما لي عليك، فقَبِلَ، فعلى المحال عليه ألفان، ألف للمحال، وألف للمحيل، ولكل واحد منهما أن يطالبه بالألف؛ لأن صحة الحوالة لا تقف على ثبوت مالٍ على المحال عليه، فلم تتعلق الحوالة بنفس الدين؛ لأنه لم [يعلقها به] (١)، وإنما تعلقت بذمته، فيبقى الدين، وصار كما لو أحال عليه بألف [درهم]، وفي يده ألف وديعة، لم تتعلق الحوالة بها، وكان له أن يطالبه بها، فكذلك [إذا]

стр. 4807

كان عليه دين. وأما إذا أحاله عليه بالألف الذي عليه، فليس له أن يطالبه بها؛ لأنه علق بها حق المحال، وتعلق حق الإنسان بمال غيره يمنعه من التصرف [فيه] كالمرتهن. قال: فإذا أدّى المحال عليه المال إلى المحيل، أو وهبه له، أو تصدق به عليه، أو مات المحال فورثه المحال عليه، رجع في ذلك كله على المحيل؛ لأنه ملك ما في ذمته بالأداء، أو الهبة والصدقة والميراث، فإذا كان يرجع في الأداء فكذلك في كل سبب ملك به. وإن أبرأ المحيل المحال عليه من المال، برئ، ولا يرجع على المحيل؛ لأن البراءة إسقاط، وليست بتمليك، ومتى لم يملك ما في ذمته لم يرجع. وإن نقد المحال عليه دنانير عن الدراهم، أو عروضًا، فهو بمنزلة الأداء؛ لأنه ملك ما في ذمته بالعوض، فكأنه ملكه بالدفع. قال: وكل دين يجوز فيه الكفالة، فالحوالة أيضًا جائزة به؛ لأن الحوالة عقد ضمان كالكفالة، فما صَحَّ في أحدهما صَحَّ في الآخر. قال: وإن كان لرجل على رجل ألف درهم، فأحاله بها على رجل، فأداها المحال عليه إلى المحتال، فقال المحيل: قد أحلتك بألف كان لي على المحال عليه، وأنت وكيل في قبضه، وقال المحتال: بل أحلتني بألف كان لي عليك، فإن القول قول المحيل مع يمينه، فإذا حلف أخذ الألف الذي قبضها المحتال، ولا يصدّق المحتال على ما ادّعى من الدين على المحيل إلا ببينة؛ وذلك لأنه قد يحيله بدين عليه، وقد يحيله ليستوفي له المال، فلم يكن في الحوالة ما يوجب

стр. 4808

الاستحقاق للمال، فلم يجز إثبات الاستحقاق بالشَّكِّ؛ ولأن الميحل هو المملك للقبض، والقول قوله كيف ملك وما ملك. فإن قيل: قد قلتم إن المحيل لا يملك إبطال الحِوالة، فلو لم يجعل مستحقه لملك إبطالها؛ لأنّه يملك فسخ التوكيل بالقبض. [قيل له]: فأما الحوالة فقد صحّت وهي محتملة أن يكون بمال هو دين على المحيل، ويحتمل أن يكون أقامه مقام نفسه في القبض، ولا يجوز إبطال الحِوالة بالاحتمال (١). تمت الحوالة بحمد الله ومنته

стр. 4809

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٧٦] كتابُ الصلحِ قال رحمه الله تعالى: الأصل في جواز الصلح (١) قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وقال ﵊: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحًا أحَلّ حرامًا أو حرّم حلالًا" (٢)، وقال عمر بن الخطاب ﵁: "ردوا الخصوم لكي يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن". والصُّلْح على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون المدعى عليه مُقِرًّا بالمال، فيجوز الصلح بإجماع الظواهر التي قدمناها؛ ولأن المدعى عليه إذا أقرَّ وصَالَحَ فيما يعطيه، عوض عما أقرّ به، فهو كالبيع. والنوع الثاني: الصُّلْح مع السكوت، وهو أن يقول الخصم: لا أقِرُّ ولا أنكر، وصَالَحَ، فالصلح جائز عندنا، وهو قول ابن أبي ليلى، وقال الشافعي: لا يجوز، وقد دل على ذلك ما قدمنا من الظواهر؛ ولأن الساكت يجوز أن يكون مقرًّا، ويجوز أن يكون منكرًا، فالعقود إذا احتملت الصحة والفساد وجب حملها على الصحة.

стр. 4810

[والنوع] الثالث: الصلح على الإنكار (١)، يجوز عندنا، وقال ابن أبي ليلى والشافعي: لا يجوز (٢). وقد دلَّ على جوازه ما قدّمنا من الظواهر. ولا يقال: إن قوله ﷺ : "إلا صلحًا أحَلَّ حرامًا" يتناول الصلح على الإنكار؛ لأن مال المدَّعى عليه حرام على المدَّعِي مع إنكاره؛ وذلك لأن هذا القول لو تناول ما كان حرامًا قبل الصلح وحَلّ بالصلح لوجب أن لا يَصِحَّ الصلح مع الإقرار إذا وقع على غير جنس الحق؛ لأن ذلك كان حرامًا على المدعي، فلم يبق إلا أن يحمل على ما يتأوله أصحابنا، وهو أن قوله ﷺ : "إلا صُلحًا أحَلَّ حرامًا" هو الصلح على الخمر. وقوله ﷺ : "أو حَرَّمَ حَلالًا" هو الصلح على عبد أن لا يبيعه ولا يستخدمه، فيُحَرِّمُ الصلحُ الاستخدام الذي [أحَلّه العقد] (٣)؛ ولأن عقد الصلح إذا جاز مع إقرار المدّعى عليه، جاز مع إنكاره. أصله: إذا صالَحَه المتبرع وهو مُقِرٌّ، والخصم مُنْكِرٌ. قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: وأجود ما يكون الصلح على الإنكار، و [معنى] ذلك: أن الصلح مع الإقرار بالبيع أشبه، وأحكامه أحكام البيع، وانفراد

стр. 4811

العقد باسم يقتضي انفراده بحكم، وما ذلك الحكم إلا جواز هذا العقد مع الإنكار حتى يخالف جواز البيع. قال: وذكر أبو الحسن حديث عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنّة متبعة … " ثم ذكر الحديث إلى قوله: "والصلح جائز بين المسلمين، إلا صُلْحًا أحلَّ حرامًا أو حرّم حلالًا" وهذا الخبر الذي أورده دلالة على جواز الصلح، وهذا كتاب مشهور ظهر في الصحابة، ولم يخالف فيه مخالف، فيَصحُّ الاستدلال به، كما يستدل بالإجماع. وذكر حديث أبي جعفر محمد بن علي: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد داعيًا ولم يبعثه مقاتلًا … "، فذكر القصة إلى قوله: "ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: "اخرج إلى هؤلاء القوم، فادِّ دماءهم وأموالهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك"، فخرج عليّ وقد أعطاه رسول الله ﷺ مالًا فوداهم، حتى أنه ليعطيهم ثمن ميلغة الكلب، فبقيت مع عليّ بقية من مال، فقال: "أعطيكم هذا احتياطًا لرسول الله ﷺ فيما لا يعلم وفيما لا تعلمون"، فأعطاهم إياه، ثم قدم على رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، فقال: "أحسنت وأصبت"، ثم ذكر ما في القصة (١). وهذا الخبر أورده ليتبين جواز الصلح في الجملة، وبيان الصلح عن المجهول؛ لأن قوله: "هذا عما لا يعلمونه ولا يعلمه رسول الله ﷺ " وهذا صُلْح عن مجهول، وقد أجاز ذلك.

стр. 4812

ورُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين، والمسلمون عند شروطهم" (١)، وهذا دلالة على جواز الصلح. وذكر حديث صالح بن إبراهيم، وقال: صولحت امرأة عبد الرحمن من ثُلُث الثُّمُن على [ثمانين ألفًا] (٢)، وهذا يدل على جواز الصلح، ويدل على أن الورثة يجوز لهم أن يخرجوا أحدهم بمال يدفعونه إليه ليسلم لهم التركة. ٢٨٠٧ - فَصل: [صلح المدعى عليه المُدَّعِي على تسليم ما ادَّعَاه] قال أبو الحسن: وإذا ادعى رجل على رجل مالًا عينًا، أو عقارًا وعروضًا، كائنًا ما كان العرض، فأقرّ به المدعى عليه، ثم صالح المدعى عليه المدَّعِي على أن يسلم له ما ادعاه بمال شرطت عليه عين أو دين، فهذا جائز بعد أن يكون الدين الذي وقع به الصلحُ معلوم القدر والصفة. فإذا كان كذلك، فما وقع عليه الصلح مما [ادّعاه] فهو [مبيع] (٣)، وما وقع به الصلح [عنه] فهو ثمن (٤). والأصل في هذا ما قدمنا: أن الصلح إذا وقع عن الإقرار فهو في حكم البيع، فالواجب اعتباره بالبياعات.

стр. 4813

فإذا كانت الدعوى في عَين والصلح على [حق] (١) في البيع وفي الذمة مكيل أو موزون، فهو ثمن؛ لأن المكيلات والموزونات إذا ثبتت في الذمة [وصحبها حرف الباء] وفي مقابلتها الأعيان، فهي ثمن يعتبر فيها ما يُعتبر في الأثمان، فما صَحَّ أن يكون ثمنًا في البيع، جاز [في مسألتنا] أن يكون بدلًا في الصلح. وما لا يجوز أن يكون ثمنًا، لم يجز أن يكون بدلًا. وإذا كان ثمنًا اعتبر فيه ما يعتبر في الأثمان من العلم بالقدر والصفة، فإن وقع الصلح على عين من الأعيان، فالعقد في حكم البيع إذا وقع على عوض (٢) بعوض، أو عين بعين. قال: وإن كان المدعى عليه جحد دعوى المدعي، فصالحه المدعى عليه من دعواه على عين أو دين، فذلك جائز إذا كان ما وقع به الصلح معلومًا عينًا ومعلومًا دينا، قدرًا وصفةً. فالدين من ذلك في حكم الثمن، والعين في حكم المبيع، والعين المدعاة متروكة، ليس لها حكم المبيع، ولا حكم الثمن. والأصل في هذا ما قدمنا: أن الصلح على الإنكار جائز، كما يجوز على الإقرار، إلا أن العقد في حق المدعي معتبر بالبيع، وفي حق المدعى عليه براءة وإسقاط، وليس ببيع ولا معاوضة؛ وإنما كان كذلك لأن المدعي يزعم أنه محق في دعواه، وأن الذي أخذه عوضًا عنها، لولا ذلك لم يصح له الأخذ، فوجب أن يعامل في حقه بما لمقتضاه إقراره، وأما المدعى عليه ففي زعمه أنه مالك لما في

стр. 4814

يده، وأن المدعي مبطل في دعواه، وإنما دفع المال إليه ليسقط الخصومة عن نفسه، فوجب أن يعامل بما اقتضاه إقراره. وليس يمتنع أن تختلف أحكام العقد في حقهما كما اختلف أحكام الإقالة بين العاقدين وبين غيرهما، فقال أبو حنيفة: الإقالة: فسخ في حق المتبايعين (١) بيعٌ في حق غيرهما، وكما قال الشافعي: إن من ادعى حرية عبد في يد غيره فاشتراه جاز الشراء، وكان العقد في حق البائع [بيعًا] ينفذ، وفي حق المشتري فداء للعبد وتخليصًا له. ولهذا [المعنى] قال أصحابنا: إذا وقع الصلح على دار وجبت الشفعة فيها؛ لأن [مدعي الدار] (٢) بالصلح يزعم أنه ملكها بعوض، فيلزمه الشفعة بحكم اعترافه به. ولو كانت الدعوى في دار فَصُولح منها [عن إنكار] لم تجب فيها الشفعة؛ لأن المدعى عليه يزعم أنه [لم] يتملكها بالصلح، وأنها لم تزل على ملكه، وإنما دفع العوض لافتداء اليمين، فلم يصدق المدعى عليه؛ فلذلك لم تجب الشفعة. قال: فإن ظهر بالدار عيب، لم يرجع بعيبها، [يعني الدار المدّعاة؛ لأن في زعم المدعى عليه أنه لم يملكها من جهة المدّعي، فلا يرجع بعيبها]. [قال]: فإن استحقت الدار وقد بنى فيها المدعى عليه [بناءً]، أو كانت جارية فأولدها المدعي، لم يكن المدعى عليه مغرورًا في الرجوع على المدعي بقيمة الولد، ولا بقيمة البناء إذا نقض، ويكون مغرورًا بالجارية في إثبات نسب

стр. 4815

الولد منه، وفي كون الجارية أم ولد؛ وذلك لأن المدعى عليه يزعم أنه لم يملك المدعي بالصلح، فلا يكون المدعي غارًا له في الوطء، ولا في البناء؛ فلذلك لم يرجع عليه. ويكون مغرورًا في ثبوت النسب والاستيلاد؛ لأنه وطئها وهي على ملكه في الظاهر، وهذا المعنى لا تعلق له بالصلح؛ لأنه إذا وطئها قبل الصلح ثبت نسبُ الولد والاستيلاد، إن لم يكن هناك [غار غيره] (١). فأما الرجوع بقيمة الولد والبناء فلا يكون إلا على غار، ولم يوجد ذلك، فإن قيل: السر إذا استحقت الدار، رجع المدعى عليه على المدعي بما أخذ منه، وإن كان في زعمه أنه لم يملك الدار من جهته. قيل له: إنما يرجع؛ لأنه دفع المال ليسقط عن نفسه الخصومة واليمين، فلما استحقت الدار، تبيَّنَّا أنه لم يكن للمدعي حق الخصومة ولا الاستحلاف (٢)، فقد أخذ العوض عن غير شيء، فلذلك لزمه رده. قال: فإذا أقرَّ المدعى عليه بعد الصلح بدعوى المدعي وصدقه فيها، أو أقام المدعي البينة على صحة دعواه، فإن الحكم بينهما كما بينت لك، إذا أقر المدعى عليه بدعوى المدعي في الابتداء قبل وقوع الصلح؛ وذلك لأنه إذا أقر فالظاهر أنه صادق في إقراره، فكأنه أقر ابتداءً، ولا [يفسخ] (٣) الصلح؛ لأن المدعي كان أخذ العوض في زعمه عن الدار، فإذا أقر المدَّعى عليه فقد بان أن

стр. 4816

المدفوع عوض عنها، فلم يتغير الحكم عما كان عليه؛ فلذلك لم ينفسخ الصلح. فأما قوله: إذا أقام المدعي البينة بعد الصلح على حقه، فإنما يصح ذلك إذا طالب المدعي بحقوق الصلح على الإقرار، فمنع المدعى عليه ذلك، مثل أن يجد بما صالح عليه عيبًا يسيرًا فيريد ردّه، فلا يجوز [له] ذلك إلا أن يقيم بينة على حقه، وإلا فلا معنى لإقامته البينة؛ لأنه أسقط حقه عن الدار التي ادعاها بصلحه، فالبينة التي لا يثبت بها المدعي حقًّا لا تقبل، فإذا أراد الرد بالعيب اليسير فهو يثبت بهذه البينة حقًّا، فلذلك سمعت، وحينئذٍ يعلم أن دعواه كانت صحيحة، فيصير ما أخذه عوضًا عنها، فتعامل بما يعامل به لو كان الصلح عن إقرار. [والله أعلم] (١).

стр. 4817

باب الصلح في الدين قال: وإذا ادعى رجل على رجلٍ دينًا كائنًا ما كانَ، فأقر به المدعى عليه، أو قامت له عليه بيّنة، ثم إن المدعى عليه صالح المدّعي على بعض ما ادعاه، فهو جائز، والمأخوذ من الدين هو الذي كان وجب له بالمداينة. فإن كان بعضه دون جميعه، وذلك البعض هو ملكه الأول، لم يحدث له فيه ملك بعقد الصلح، فلا يكون ذلك بمنزلة البيع ولا المعاوضة؛ وذلك لأنه إذا ادعى ألفًا فصالحه على خمسمائة، فقد وقع الصلح على ما كان مستحقًا لعقد المداينة، فكأنه أخذ بعض حقه وأبرأه عن الباقي، وكل واحد من الأمرين جائز. ولا يجوز الحمل على المعاوضة؛ لأنه يصير يبيع ألفًا بخمسمائة، وذلك لا يجوز؛ ولهذا القول أنه لو ادّعى عليه ألفًا حالة له، فصالحه على خمسمائة مؤجلة، جاز، وكأنه أجَّلَ الدين الأول، ولو جعل ذلك عوضًا لم يصح بيع الدراهم بالدراهم [نسيئًا] (١). قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل ادعى على رجل ألف درهم ومائة دينار، فصالحه (٢) من جميع ذلك على مائة درهم دفعها إليه، أو [أجلها] إلى شهر، قال: هو جائز، وقد أبرأه من الدنانير، وحَطَّ عنه الدراهم إلا

стр. 4818

مائة؛ وذلك لأن المائة مستحقة بالمداينة، فإذا أخذها وقعت عن مستحقها، وصار مسقطًا لحقه عما بقي (١). [وإذا حُمِلَ] على ذلك، جاز التأجيل فيها؛ لأنها ليست بعوض، وإنما هي نفس ما كانت في الذمة، فإذا أجّله جاز. قال: ألا ترى أنه لو كانت له عليه ألف درهم وكُرّ سَلَم، فصالحه منهما على مائة درهم، فإن هذه المائة من الألف ليس فيها للكر من الطعام حصة؛ وذلك لأنا لو جعلناها عن السلم والدراهم بطل العقد؛ لأنه لا يصح أخذ العوض عن المسلم فيه، فلم يبق إلا أن يكون أخذ بعض حقه من الدراهم، وأبرأ عن بقيتها وعن الكُرّ. قال: ولو كان لرجلين على رجل ألف درهم ومائة دينار، الألف لأحدهما، والمائة الدينار لآخر، فصالحهما من جميع ما لهما [عليه] على مائة، دفعها إليهما فهذا جائز، والمائة بينهما على قيمة الدنانير والألف، فما أصاب قيمة الدنانير فهو لصاحب الدنانير، وما أصاب الألف فهو لصاحب الألف؛ وذلك لأن الصلح لا يمكن أن يجعل عن الدراهم خاصة؛ لأن مستحقها غير مستحق الدنانير، [فلا بد أن يجعل عوضًا عنها] (٢) فيقسم على قيمتهما، فما أصاب الدنانير فهي عوض عنها، وبيع الدراهم بالدنانير جائز كيفما كان، وما أصاب الدراهم فهو محمول على استيفاء بعض الحق وإسقاط باقيه، ولا يحمل على المعاوضة؛ [لأنَّ المعاوضة] لا تجوز في ذلك لما فيه من الربا.

стр. 4819

٢٨٠٨ - فَصل: [وقوع الصلح من الدين على جنس غير الدين] قال أبو الحسن: وإن وقع الصلح من الدَّيْنِ على جنس غير الدين مما لم يوجبه عقد المداينة، فهو بمنزلة البيع في جميع وجوهه، وكذلك إن أخذ عن الدين عينًا، فهو أيضًا بمنزلة الدين في جميع وجوهه؛ وذلك لأن الصلح إذا وقع على ما لم يكن مستحقًا بالمداينة، فلا بد من حمله على المعاوضة فيعتبر فيه ما يعتبر في المعاوضات، فإن وقع العقد على دنانير عن دراهم فهو معتبر بعقد الصرف، فما جاز في ذلك جاز في الصلح، وما بطل فيه بطل في الصلح. فإن وقع على عين من الأعيان فهو معتبر بعقد البيع، ما جاز في عقد البيع جاز فيه، وما بطل في عقد البيع بطل فيه. قال: وإن أخذ من الدين من جنسه ما هو أقل من الدين قدرًا أو صفةً، فهو جائز، أما إذا أخذ أقل من قدره: فقد بينا. وأما إذا أخذ أقل من صفته - مثل أن يصالحه عن ألف بيض على خمسمائة سود -: فذلك جائز؛ لأن المستحق للخيار كمستحق لما دونها؛ بدلالة أنه لو أخذ السود من مال غريمه بغير أمره لم يجبر على ردها، والصلح وقع على المستحق، وقد أبرأه عن الصفة فجاز ذلك، وعلى هذا إذا صالح من الدين الحال على المؤجل، لم يحمل على المعاوضة؛ لأنه لو حمل عليها بطل، فلم يبق إلا أن يكون [أخذ] (١) نفس المستحق. قال: وإن كان الدين مؤجلًا فصالح عن بعضه عاجلًا: كان الصلح باطلًا؛ وذلك لأن من له دين مؤجل لا يستحق المعجل، فإذا صالح على ما لم يكن

стр. 4820

مستحقًا بعقد المداينة صار عوضًا، وبيع خمسمائة بألف لا يجوز (١). وعلى هذا قالوا: لو كان عليه ألفان سود، فصالحه على خمسمائة بيض، لم يجز؛ لأن مستحق السود لا يستحق البيض، وهي أجود منها، فلم يبق إلا أن يكون البيض عوضًا، وبيع [ألف سود] (٢) بخمسمائة بيض لا يجوز. قال: فإن صالح على أكثر من الدين وهو مثل الدين في الصفة، أو أجود منه، أو دون منه، فالصلح باطل. وإن صالحه على قدر الدين، وهو أجود، فهو جائز إذا قبض ذلك قبل أن يتفرقا، فإن افترقا قبل القبض بطل الصلح؛ وذلك لأن الدين إذا كان ألفًا بيضًا، فصالحه على ألفين بيض، فالزيادة على الألف مال مأخوذ بالباطل؛ لأنه لا يجوز أن يملك ما في ذمته من الدراهم بأكثر منها. وإن صالحه على ألفين سود، لم يجز؛ لأنه جعل الزيادة بإزاء الجودة، وذلك لا يجوز في الشريعة. فأما إذا صالحه من ألف سودٍ على ألف بيضٍ، فسلمها في المجلس، جاز؛ لأنهما من جنس واحد، وقد سمح المطلوب بالصفة وتبرع بها، فيجوز ذلك، فإن افترقا لم يلزمه؛ لأنه وعد بأن يعطي أجود مما عليه، فإن شاء وفّى بعهده، وإن شاء رجع عنه. [والله أعلم] (٣).

стр. 4821

بَاب الصلح من الحقوق التي ليست بمالٍ قال: وإذا وجب لرجل على رجل قصَاصٌ في نفسٍ أو فيما دونها، وصالح صاحب الحق من ذلك على مال، فذلك جائز قليلًا كانَ المال أو كثيرًا، كان ذلك دون دية النفس أو أرش الجراحة أو أكثر، فهو حَالٌّ في مال الجاني، ولا يكون ذلك في مال العاقلة. والأصل في جَوازِ الصلح من دم العمد قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولأن دم العمد حق يجوز أن يفضي إلى مال؛ بدلالة أنه لو دخلته شبهة انتقل مالًا، فجاز الصلح منه على مال، كالرد بالعيب. وإنما جاز الصلح على مقدار الدية وما زاد عليها؛ لأن الحق ليس بمال فيقدر العوض عنه، فإنما هو عقوبة، والعوض عنه لا يتقدر. وليس هذا كقتل الخطأ أن الصلح عنه لا يجوز بأكثر من الدية؛ لأن الواجب بقتل الخطأ الدية، وقد بينا أن المال لا يجوز أن يصالح عنه بأكثر [منه] من جنسه. وإنما كان البدل في الصلح حالًا؛ لأنه مال وجب بالعقد، وكل مال وجب بالعقد فهو حال، إلا أن يشترط فيه التأجيل، كعقد البيع، فلا يلزم ذلك العاقلة؛ لأنه وجب بعقد القاتل، فكان عليه؛ ولأن العاقلة لا تتحمل ما يجب بالعمد،

стр. 4822

وإنما تتحمل [ما يجب] بالخطأ وشبه العمد (١). قال: وكل ما سمّينا في عقد الصلح عن القصاصِ مما بينت لك [في كتاب النكاح أنه يكون المال مهرًا مسمّى، فهو كذلك في الصلح عن القصاص، وكلّ ما بينت لك]: أنه لا يكون مسمّى صحيحًا في النكاح، وأن تسمية ذلك يوجب للمرأة مهر المثل، فهو كذلك في الصلح من القصاص، لا يصح أخذه للولي، وعلى القاتل فيه دية النفس إن كانت نفسًا، وأرش الجراحة إن كانت جرحًا في مال الجاني حالًا، ولا يجب شَيء من ذلك على العاقلة، وما كان يكون في النكاح إذا سمّاه الزوج على الوسط منه، وكذلك هو في الصلح عن القصاص. وإنما اعتبر البدل في الصلح عن الدم بالمهر؛ لأن كل واحد منهما يثبت بالعقد بدلًا عما ليس بمال، فما جاز أن يثبت في أحدهما جاز أن يثبت في الآخر. فإذا صالح على عبد غير موصوفٍ، أو حيوانٍ غير موصوف، فيجوز الصلح عليه، ويجب منه الوسط، كما يجب في المهر. وما لا يصح تسميته في المهر لجهالته، فكذلك لا يصح في الصلح، مثل أن يصالح على ثوب غير موصوفٍ؛ لأن هذه الجهالة كثيرة؛ ولذلك تمنع صحة التسمية في النكاح، فكذلك في الصلح، إلا أن القصاص يسقط؛ لأن من شرط سقوطه القبول، وقد وجد، فإذا سقط القصاص من غير عفو وجب بدل النفس، وهو الدية وأرش الجرح، كما لو تزوجها على ثوب بطلت التسمية ووجب لها مهر المثل. ثم يفترق النكاح والصلح من وجه: وهو أنه لو تزوجها على خمر، وجب

стр. 4823

لها مهر المثل، ولو صالح على خمر وقع العقد ولم يجب له شيء؛ وذلك لأنها لا تملك أن [تبيح بُضعها بغير عوض] (١)، فإذا رضيت بالخمر مهرًا، فقد رضيت بما ليس بمال، فكأنها تزوّجت بغير شيء، فيجب لها مهر مثلها، فأما في الصلح [فالولي يملك] (٢) العفو من غير عوض، فإذا صالح على خمر فقد رضي بما لا قيمة له، فكأنه عفا من غير بدل، فلا يجب له شيء. وقول أبي الحسن: كل ما كان تسميته من النكاح يُوجب مهر المثل للمرأة، وكذلك في الصلح، وهذا لا ينتقض بمسألة الصلح على الخمر؛ لأنها إذا تزوجت على خمر لم يجب لها مهر المثل بحكم التسمية، وإنما يجب بأن النّكاح لا يخلو من عوض، فلذلك لم تجب هاهنا الدية. قال: وكذلك الخلع والعتق على مال، والكتابة، فهذا كله في حكم واحد، يعني: أن البدل يثبت فيه مع الجهالة؛ لأنه بدل عمّا ليس بمال، وإن كان الخلع يفارق النكاح والصلح؛ لأنه يحتمل من الجهالة ما لا [يحتملان] (٣)، ألا ترى أنهم قالوا: لو خالعها على ما في بطن جاريته من الولد، جاز، ولو تزوّجها على ذلك لم يجز. ولو عفا من الدم على ذلك لم يجز؛ لأن النكاح [والعفو] وإن كان البدل يثبت عما ليس بمال، فهو معنى متقوم، بدلالة أنه يجوز أن يجب العوض فيه حكمًا، فكذلك اعتبر في بدله ما يُعتبر في المعاوضات، ولا يصحُّ في الحمل، فأما الخلع والعوض فيه عوض عن خروج البضع من ملك الزوج؛ وذلك لا

стр. 4824

يتقوم، فلم يعتبر بالمعاوضات، فاعتبروه بالوصايا. وفرق آخر: وهو أن الأحكام المعلقة بالحمل موقوفة على الولادة، بدلالة الميراث والوصية، والنكاح والصلح لا يجوز أن يتعلقا بشرطٍ، فلم يجز أن يكون البدل عنهما متعلقًا استحقاقه بالولادة، فأما الخلع فيجوز تعلقه بالشروط، فلذلك جاز أن يكون العوض فيه ما يقف استحقاقه على شرط الولادة. قال: وللمصالح أن يُبرئ [عن بدل الصلح] (١) قبل قبضه، وأن يملكه قبل القبض ببيع أو هبة أو غير ذلك؛ وذلك لأنه مملوك بسبب لا ينفسخ [بهلاكه] (٢)، فجاز التصرف فيه قبل القبض كالميراث والوصية. قال: فإن صالح من القصاص على ما لا يحل من ميتة أو دم أو خمر أو خنزير، وهو يعلم ذلك، فذلك عفو، ولا شيء على القاتل من دية ولا أرش الجراحة، وقد بيّنا هذا. قال ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل صالح من دم عمد على عبد وسط، فذلك جائز، وإن لم يسم له أجلًا، فإن باعه قبل أن يقبضه، جاز، ألا ترى أنه لو هلك لم ينفسخ الصلح، ورجع بقيمته، فكل مملوك لسبب لا ينفسخ بهلاكه، فالتصرف فيه قبل القبض جائز. أما جواز الصلح على عبد وسط أو مطلق، فقد بيناه، وأما جواز التصرف فيه قبل القبض، فكما ذكرنا. وإنما قلنا: إنه إذا هلك رجع بقيمته؛ لأن تسليمه واجب، والسبب الموجب

стр. 4825

لتسليمه لا ينفسخ بهلاكه، فصار كالعين المغصوبة إذا هلكت، وجبت قيمتها. ولم يذكر أبو الحسن: إذا صالح على خمر أو خنزير وهو لا يعلم ذلك، مثل أن يقول: صالحتك على هذا الخل، فإذا هي خمرٌ، والواجب في ذلك على قول أبي حنيفة: الدية؛ [لأن التسمية لا يتعلق بها حكم مع التعيين والإشارة، فكأنه قال: صالحتك على هذا الخمر، فلا تصح التسمية، إلا أنه قد غرّه بتسمية ما له قيمة، فإذا لم يسلم له، وجبت الدية. وأما على قوله: فالواجب مثل تلك الخمر خلًا؛ لأن تسمية الخل صحيحه، فتعلق العقد بها، وبطلت الإشارة إلى الخمر. وأما إذا صَالَح على عبدٍ، فإذا هو حُرٌّ، فالواجب في ذلك على قول أبي حنيفة: الدية] (١)؛ لما قدمنا. وقال أبو يوسف: استحقاق العبد لنفسه بالحرية كاستحقاق أجنبي له، فتجب قيمته. وقال محمد: تجب الدية؛ لأنه لما أبطل الحر أن يكون تسمية، أبطل ما هو من جنسه، وهذا مبني على الاختلاف في النكاح (٢). * نوع آخر: في الصلح من الحقوق التي ليس فيها استبدال بمالٍ قال: وإذا وجبَ لرجل على رجل شفعة في دار اشتراها، فصالح المشتري الشفيع على مال معلوم على أن يسلم له الدار، فالصلح باطل عند أصحابنا

стр. 4826

جميعًا، ولا يجب المال على المشتري، وتبطل الشفعة؛ وذلك لأن ملك المشتري في الدار بعد الصلح على الوجه الذي كان قبله، والعوض مأخوذ عن غير شيء، فيكون أخذ مال بباطل (١). ولا يلزم على هذا الصلح من دم العمد؛ لأن ملك القاتل في الدم بعد الصلح مخالفٌ لما كان قبله؛ بدلالة أنه كان مباح الدم للولي، ألا ترى أنه على أي وجه قتله لم يلزمه شيءٌ، فإذا صالح زالت الإباحة؛ فلذلك جاز الصلح. ولأن حق الشفعة ليس بمال، ولا فيه معنى المال، ألا ترى أنه إذا أسقط حكمًا لا ينتقل إلى مال، فليس له إزالة ملك الشفيع عن شيء يجوز تصرفه فيه، فلم يجز أخذ العوض عنه، كحق الوكالة والمضاربة؛ ولأن الشفيع يثبت له خيار إن شاء، فلا يجوز أن يتعوض عنه [كخيار الشرط والرؤية] (٢). وإنما سقطت الشفعة، وإن لم يسلم العوض؛ لأن إسقاط الشفعة لا يقف على عوض، والحق غير مُقوّم، فإذا بطل العوض فيها حكمًا لم يرجع إلى شيء كالطلاق، وليس هذا كما لو صالح المشتري الشفيع على أن يأخذ شفيعه شيئًا من الدار بحصته من الثمن، أن الصلح باطل، والشفعة بحالها في كل الدار؛ لأنه لم يصالح على إسقاط شفعته، وإنما صالح على أخذ بعض حقه، فإذا لم يسلم له ما صالح عليه بقي حقه بحاله (٣). فأما الكفالة له بالنفس إذا صالح الكفيل المكفول له على مال أعطاه على

стр. 4827

أن يبرئه من الكفالة، فالمال باطل؛ لأن الكفالة بالنفس حق ليس بمال، ولا يؤول إلى مال، وليس فيه إسقاط المكفول له حقه عن ملك لم يتصرف فيه، فلم يجز أخذ العوض عنه، كإسقاط الشفعة. وإذا بطل العوض، فهل تبطل الكفالة؟ فيه روايتان: إحداهما: أنها تبطل؛ لأن إسقاط الحق عنها لا يقف على عوض، فإذا بطل العوض عنها من طريق الحكم سقطت. والرواية الأخرى: أن الكفالة بحالها؛ لأن الكفالة بالنفس أقوى في الثبوت من الشفعة، بدلالة أنها لا تبطل بموت المكفول له، ولا بموت الكفيل، ويطالب الورثة بالإحضار. وليس كذلك الشفعة؛ لأنها تبطل بموت الشفيع؛ فلذلك (١) بطلت بالصلح وإن بطل العوض. قال بشر عن أبي يوسف: إذا ادَّعَتْ المرأة على رجل أن هذا الصَّبِيَّ الذي في يدها ابنه منها، وجحد الرجل ذلك، فلم تَدَّع المرأة النكاح وقالت: قد طَلَّقَنِي، وأَقَرَّ الزوج أنه كان طلقها وبانت [منه]، فصالح من النسب على مائة درهم، فالصلح باطل وإن لم تقم بينة؛ لأن النسب حق للصغير، فلا يجوز صلح أمه في إسقاطه؛ ولأن النسب الثابت لا يصح إسقاطه بعوض. قال: ولو ادّعت نكاحًا بغير ولد، فصالحها على مائة درهم، فإن الصلح باطل وإن لم تقم بينة على النكاح، ويرجع في المال؛ وذلك لأنها إذا ادعت أنه

стр. 4828

زوجها، وصالحها على عوض أعطاها لتترك النكاح، فإن جعلنا هذا فُرْقَةً فالزوج لا يعطي العوض في الفرقة، وإن لم تكن فرقة، فالحال على ما كانت عليه في الدعوى، فلا يكون العوض عن شيء. قال بشر عن أبي يوسف: لو كان لرجل ظُلَّة على طريق نافذ، أو كنيف [على] شارع، فخاصمه رجل فيه، وأراد طرحه، فصالح على دراهم، فالصلح باطل، ويخاصمه في طرحه متى شاء؛ وذلك لأن الحق في منع الظلة والكنيف لجماعة المسلمين، فإذا صالح [الواحد] (١) على تركها فلبقية المسلمين الخصومة فيها والمطالبة لقلعها، ولم يستفد صاحب الظلة بدفع العوض فائدة، فلا يصح الصلح. قال: ولو كان على طريق غير نافذ، فخاصمه رجل من أهل الطريق، فصالحه على دراهم مسمّاة، كان الصلح جائزًا؛ وذلك لأن الطريق إذا لم ينفذ فهو ملك لأهله، وكل واحد منهم يملك جزءًا منه، فإذا صالحه فقد أسقط حقه عن ملك مشاع، فيجوز الصلح (٢). فإن قيل: أليسَ صاحب الظلة لا يستفيد بهذا الصلح فائدة؛ لأن لبقية أهل الدار أن يخاصموا فيها. قيل له: بل له فائدة؛ لأنه يجوز أن يصالح بقيتهم، فيستفيد بالصلح الأول، والثاني (٣) ببقية الظلة، وليس كذلك الطريق الشارع؛ لأنه لا يقدر على صلح جميع المسلمين، فلا يستفيد بصلح الواحد منهم فائدة.

стр. 4829

وكان أبو بكر الرازي يقول: هذا محمول على أنه بنى في الطريق بناء ووضع عليه الظُّلَّة، وزعم أن موضع البناء ملكه، والظلة له قديم (١)، وزعم المدعي: أن موضع البناء مشترك، [فإذا صَالَح] (٢) فقد أسقط حقه عن [بقعة بعينها] (٣) فيجوز ذلك كما لو باع. فأما إذا لم يكن هناك بناء وإنما أسقط حقه عن الهواء، [وذلك] لا يجوز أخذ العوض عنه. قال: ولو صالحه المصالح عن مائة درهم على أن يطرح هذه الظلة عن هذه الطريق، كان جائزًا؛ لأن هذا منفعة لأهل الطريق (٤). وهذا موضع على أن صاحب الظلة يقول: بنيتُها بحق، ويقول المنازع: بنيتها بغير حق، فإذا دفع المنازع إلى صاحبها مالًا [لينقضها] (٥) فهو مسقط للخصومة عن نفسه وعن شركائه في الطريق، فيصير متبرعًا عليهم في الصلح، فيجوز. قال: وإذا ادعى رجل على رجل مائة درهم، فأنكرها المدعى عليه، فصالحه المدَّعِي على أنه إن حلف المدعى عليه فهو بريء، فحلف المدعى عليه: ما لفلان [عليه] (٦) قليل ولا كثير، فإن أبا حنيفة قال: الصلح باطل لا يجوز، والمدعي على دعواه، فإن أقام بينة أخذه بها، وإن لم يكن [له] بينة فأراد

стр. 4830

استحلافه عند القاضي فله ذلك؛ لأن هذه براءة متعلقة بشرط، وبراءة صاحب الأصل لا يجوز تعليقها بالشروط. وأما قوله: إنّ له أن يستحلفه ثانيًا، فهو على وجهين: إن كانت اليمين الأولى عند غير القاضي، فله أن يستحلفه عند القاضي؛ لأن اليمين عند غير القاضي لا تقطع الخصومة، ألا ترى أنها لا تجب على المدعى عليه، وإنما بذلها باختياره. وإن كانت اليمين الأولى عند القاضي لم يكن له استحلافه ثانيًا؛ لأن اليمين لا تتكرر عند القاضي في مال واحد. قال: وإذا اصطلحا على أن يحلف المدعي، فمتى حلف فالدعوى لازمة للمدعى عليه، ضامن لها، فحلف المدعي على ذلك، فإن الصلح لا يجوز، ولا يلزم المدعي قبله بهذا شيء؛ وذلك لأنه علق استحقاق (١) المال بشرط وهو اليمين، والأموال لا يتعلق استحقاقها في حال الحياة بالشروط. قال: وإذا ادعى رجل قبل امرأة تزويجًا، فجحدت، فصالحها على مائة درهم على أن تقِرَّ بذلك، وأقرت بالنكاح، فهو جائز، والذي جعل لها لازم؛ وذلك لأن إقرارها بالنكاح محمول على الصحة، فإذا أعطاها مائة درهم جعل ذلك زيادة في مهرها (٢). قال: ألا ترى أن رجلًا لو ادّعى عبدًا في يده فجحده، فصالحه على مائة درهم، على أن يقر له بالعبودية، أن ذلك جائز؛ وذلك لأن العبد في زعم المدعي ملكه، وإنما بذل المال [لقطع] الخصومة فيه، وفي زعم صاحب اليد أن العبد

стр. 4831

ملكه، وأنه أخذ العوض عنه، وذلك جائز. قال: ولو ادّعى ألف درهم، فقال: أقر لي بها على أن أعطيك مائة درهم، كان هذا باطلًا؛ لأنه إن كان له عليه ألف، فلا معني لأخذ المائة [منه] (١)، وإن لم يكن له، فلا يجوز أن يوجب على نفسه ألفًا بمائة. قال: وكذلك لو قال: أعطيكِ مائة درهم على أن تكوني امرأتي، فهو جائز إذا قبلت ذلك بمحضر من الشهود؛ لأن هذا كناية في النكاح، فإذا حضره الشهود جاز. وكذلك لو قال: تزوجتك أمس على ألف، فقالت: لا، فقال: أزيدك مائة على أن تقري لي بالنكاح، فأقرت، كان لها الألف ومائة، والنكاح جائز، لأنها إذا أقرت حمل بذل المائة على الزيادة في المهر على ما قدمنا (٢). قال: وإذا ادّعى رجل على رجل أنه عبده وهو مجهول، فأنكر المدعى عليه ذلك، [ثم صالحه المدعى عليه من ذلك على مائة درهم، فهو جائز، وإن أقام المدَّعي البيّنة بعد ذلك] أنه عبده، لم يقبل منه، وهذا بمنزلة العتق، غير أنه ليس له الولاء إذا لم يقم البينة (٣)؛ وذلك لأن في زعم المدعي أنه يأخذ المائة لإسقاط الرق، وإسقاط الحق عن الرق جائز، وفي زعم المدعى عليه أنه حر الأصل، وإنما يسقط الخصومة عن نفسه بما يعطى من العوض، وذلك جائز، فإن أقام المدعي البينةَ فلا شيء له إلا الولاء؛ لأن رضاه بأخذ العوض من عبده عتق على

стр. 4832

مال، وإن لم تقم له بينة فلا ولاء له؛ لأنه غير مصدق في الدعوى. قال: وكذلك لو قال: أصالحك من دعواي على وصيف إلى أجل، أو على كذا وكذا من الغنم إلى أجل، كان جائزًا، وكل ما جاز في الكتابة من ذلك فهو جائز في هذا؛ لأنه إنما يأخذ العوض عن الرق، فهو في حكم المعتق والمكاتب، إلا أنه إن أخذ بهذا المال كفيلًا جاز، ولو أخذ بمال الكتابة لم يجز؛ لأن العتق هاهنا في زعم المدعي قد وقع بنفس الصلح، فالكفالة [وقعت] عن حر فتجوز، والكتابة لم يقع العتق فيها بالعقد، فيبقى الدين على نقصانه، فلا تصح الكفالة به. قال: وإذا ادعى الرجل قِبَل الرجل قذفًا، فصالحه المدعى عليه على دراهم مسمّاة على أنه أعفاه منه، فالصلح باطل، وله أن يرجع بالدراهم إن كان نقدها، وهو على حجّته؛ لأن حد القذف عندنا حق الله تعالى، فلا يجوز للمطالب إسقاطه، ولا أخذ العوض عنه. قال: وكذلك رجل أخذ زانيًا أو سارقًا سرق من غيره، فأراد رفعه إلى السلطان، أو أخذه في شرب خمر، أو سكر، فصالحه على أن لا يرفعه إلى السلطان، فالصلح باطل، ويرجع بما دفع. وكذلك لو صالحه عنه غيره، أو أعطاه [بذلك] كفيلًا؛ لأن المطالبة بالحدود وإقامتها حق لله تعالى، ولا يملك أحد من الناس إسقاطها، ولا أخذ العوض عنها. قال: وإذا صالح رجل شاهدًا عليه لحق من حقوق الله، على أن لا يشهد

стр. 4833

عليه، فالصلح باطل، ويرد ما أخذ على ذلك، وإذا أثبت ذلك عند الحاكم أبطل شهادته في ذلك وفي غيره، إلا أن يحدث توبة؛ لأن إقامة الشهادة عبادة، فتلزم الشاهد لحق الله تعالى، ولا يجوز أخذ العوض على إسقاطها كسائر العبادات، ويكون هذا جرحًا في الشهادة، فمنع من قبول شهادته في ذلك الحق وفي غيره (١).

стр. 4834

باب الصلح في قتل الخطأ قال ابن سماعة عن محمد: في رجل قتل رجلًا خطأً فصالح وليه القاتل على مائة بعير، أو مائتي بقرة، أو ألفي شاة، أو مائتي حلة، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، فذلك جائز؛ لأن هذه الأنواع هي التي فرض الديات منها، فإذا صالح على أحدها فقد أخذ نفس المستحق (١). وفائدة الصلح: كان التعيين في أحد الأنواع إلى الحاكم، فإذا تراضيا بالتعيين لم نحتج إلى [الحاكم] (٢). وإن صالحه على شيء أقل من هذه الأنواع، جاز؛ لأن المستحق مقدار الدية من أحد هذه الأجناس، فإذا صالحه على بعضها فقد أخذ بعض حقه وأسقط باقيه. قال: فإن صالح على شيء من هذه الأنواع على أكثر مما سُمّي من الدية لم تجز الزيادة؛ لأنه إذا صالحه على نوع تعيّن الوجوب فيه فقد صالح على أكثر من حقه، فالزيادة باطلة. قال: وإن صالحه على شيء مما لم يفرض فيه الدية، فهو جائز إذا دفعه إليه؛ وذلك لأن ما لم تفرض فيه الدية عوض عنها، فيجوز قليلًا كان أو كثيرًا؛

стр. 4835

إلا أنه يعتبر فيه القبض في المجلس؛ لأنه بدل عن الدية، وهي دين، فإذا لم يعجله صار دينًا بدين، وقد (نهى النبي ﵊ عن الكالي بالكالئ)، وهو الدين بالدين. قال: وهذا كله إذا لم يكن القاضي قضى على القاتل بالدية، فإن قضى عليه بالدية بمائة بعير فصالح القاتل الولي من مائة بعير على أكثر من مائتي بقرة، وهي، عنده، ودفع ذلك إليه، جاز؛ لأن قضاء القاضي [عين] (١) الوجوب في الإبل، وإذا صالح على البقر فالبقر الآن ليست مستحقة، وبيع البقر بالإبل جائز بغير تقدير. قال: وإن صالح بعدما [قضى القاضي] بالإبل على شيء من الكيل والوزن سوى الدراهم والدنانير إلى أجل، لم يجز؛ لأن [الإبل] (٢) دين في الذمة، فإذا صالح منها على مكيل أو موزون مؤجل فقد عاوض دينًا بدين، فلا يجوز. قال: وإن صالحه من الإبل على مثل قيمة الإبل أو أكثر من ذلك مما يتغابن الناس فيه، فهو جائز؛ وذلك لأن القيمة مستحقة، ألا ترى أن من قضي عليه بالإبل مخير بين دفعها أو دفع قيمتها، فإذا صالح على القيمة جاز. قال: وإن صالح على أكثر من القيمة مما لا يتغابن الناس [فيه]، لم يجز؛ وذلك لأن القيمة كالمستحقة، فإذا صالح بزيادة يتغابن في مثلها، لم يتيقن بحصول الزيادة؛ لأنها تدخل بين تقويم المقومين. وإذا صالح على زيادة كثيرة، فقد تيقَّنَّا أنه صَالَح على أكثر من المستحق، فلا يجوز. قال: فإن قضى عليه القاضي بالدنانير أو بالدراهم، فصالحه القاتل على
следующие страницы →