ملكه، وأنه أخذ العوض عنه، وذلك جائز.
قال: ولو ادّعى ألف درهم، فقال: أقر لي بها على أن أعطيك مائة درهم، كان هذا باطلًا؛ لأنه إن كان له عليه ألف، فلا معني لأخذ المائة [منه] (١)، وإن لم يكن له، فلا يجوز أن يوجب على نفسه ألفًا بمائة.
قال: وكذلك لو قال: أعطيكِ مائة درهم على أن تكوني امرأتي، فهو جائز إذا قبلت ذلك بمحضر من الشهود؛ لأن هذا كناية في النكاح، فإذا حضره الشهود جاز.
وكذلك لو قال: تزوجتك أمس على ألف، فقالت: لا، فقال: أزيدك مائة على أن تقري لي بالنكاح، فأقرت، كان لها الألف ومائة، والنكاح جائز، لأنها إذا أقرت حمل بذل المائة على الزيادة في المهر على ما قدمنا (٢).
قال: وإذا ادّعى رجل على رجل أنه عبده وهو مجهول، فأنكر المدعى عليه ذلك، [ثم صالحه المدعى عليه من ذلك على مائة درهم، فهو جائز، وإن أقام المدَّعي البيّنة بعد ذلك] أنه عبده، لم يقبل منه، وهذا بمنزلة العتق، غير أنه ليس له الولاء إذا لم يقم البينة (٣)؛ وذلك لأن في زعم المدعي أنه يأخذ المائة لإسقاط الرق، وإسقاط الحق عن الرق جائز، وفي زعم المدعى عليه أنه حر الأصل، وإنما يسقط الخصومة عن نفسه بما يعطى من العوض، وذلك جائز، فإن أقام المدعي البينةَ فلا شيء له إلا الولاء؛ لأن رضاه بأخذ العوض من عبده عتق على
стр. 4832
مال، وإن لم تقم له بينة فلا ولاء له؛ لأنه غير مصدق في الدعوى.
قال: وكذلك لو قال: أصالحك من دعواي على وصيف إلى أجل، أو على كذا وكذا من الغنم إلى أجل، كان جائزًا، وكل ما جاز في الكتابة من ذلك فهو جائز في هذا؛ لأنه إنما يأخذ العوض عن الرق، فهو في حكم المعتق والمكاتب، إلا أنه إن أخذ بهذا المال كفيلًا جاز، ولو أخذ بمال الكتابة لم يجز؛ لأن العتق هاهنا في زعم المدعي قد وقع بنفس الصلح، فالكفالة [وقعت] عن حر فتجوز، والكتابة لم يقع العتق فيها بالعقد، فيبقى الدين على نقصانه، فلا تصح الكفالة به.
قال: وإذا ادعى الرجل قِبَل الرجل قذفًا، فصالحه المدعى عليه على دراهم مسمّاة على أنه أعفاه منه، فالصلح باطل، وله أن يرجع بالدراهم إن كان نقدها، وهو على حجّته؛ لأن حد القذف عندنا حق الله تعالى، فلا يجوز للمطالب إسقاطه، ولا أخذ العوض عنه.
قال: وكذلك رجل أخذ زانيًا أو سارقًا سرق من غيره، فأراد رفعه إلى السلطان، أو أخذه في شرب خمر، أو سكر، فصالحه على أن لا يرفعه إلى السلطان، فالصلح باطل، ويرجع بما دفع.
وكذلك لو صالحه عنه غيره، أو أعطاه [بذلك] كفيلًا؛ لأن المطالبة بالحدود وإقامتها حق لله تعالى، ولا يملك أحد من الناس إسقاطها، ولا أخذ العوض عنها.
قال: وإذا صالح رجل شاهدًا عليه لحق من حقوق الله، على أن لا يشهد
стр. 4833
عليه، فالصلح باطل، ويرد ما أخذ على ذلك، وإذا أثبت ذلك عند الحاكم أبطل شهادته في ذلك وفي غيره، إلا أن يحدث توبة؛ لأن إقامة الشهادة عبادة، فتلزم الشاهد لحق الله تعالى، ولا يجوز أخذ العوض على إسقاطها كسائر العبادات، ويكون هذا جرحًا في الشهادة، فمنع من قبول شهادته في ذلك الحق وفي غيره (١).
стр. 4834
باب الصلح في قتل الخطأ
قال ابن سماعة عن محمد: في رجل قتل رجلًا خطأً فصالح وليه القاتل على مائة بعير، أو مائتي بقرة، أو ألفي شاة، أو مائتي حلة، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، فذلك جائز؛ لأن هذه الأنواع هي التي فرض الديات منها، فإذا صالح على أحدها فقد أخذ نفس المستحق (١).
وفائدة الصلح: كان التعيين في أحد الأنواع إلى الحاكم، فإذا تراضيا بالتعيين لم نحتج إلى [الحاكم] (٢).
وإن صالحه على شيء أقل من هذه الأنواع، جاز؛ لأن المستحق مقدار الدية من أحد هذه الأجناس، فإذا صالحه على بعضها فقد أخذ بعض حقه وأسقط باقيه.
قال: فإن صالح على شيء من هذه الأنواع على أكثر مما سُمّي من الدية لم تجز الزيادة؛ لأنه إذا صالحه على نوع تعيّن الوجوب فيه فقد صالح على أكثر من حقه، فالزيادة باطلة.
قال: وإن صالحه على شيء مما لم يفرض فيه الدية، فهو جائز إذا دفعه إليه؛ وذلك لأن ما لم تفرض فيه الدية عوض عنها، فيجوز قليلًا كان أو كثيرًا؛
стр. 4835
إلا أنه يعتبر فيه القبض في المجلس؛ لأنه بدل عن الدية، وهي دين، فإذا لم يعجله صار دينًا بدين، وقد (نهى النبي ﵊ عن الكالي بالكالئ)، وهو الدين بالدين.
قال: وهذا كله إذا لم يكن القاضي قضى على القاتل بالدية، فإن قضى عليه بالدية بمائة بعير فصالح القاتل الولي من مائة بعير على أكثر من مائتي بقرة، وهي، عنده، ودفع ذلك إليه، جاز؛ لأن قضاء القاضي [عين] (١) الوجوب في الإبل، وإذا صالح على البقر فالبقر الآن ليست مستحقة، وبيع البقر بالإبل جائز بغير تقدير.
قال: وإن صالح بعدما [قضى القاضي] بالإبل على شيء من الكيل والوزن سوى الدراهم والدنانير إلى أجل، لم يجز؛ لأن [الإبل] (٢) دين في الذمة، فإذا صالح منها على مكيل أو موزون مؤجل فقد عاوض دينًا بدين، فلا يجوز.
قال: وإن صالحه من الإبل على مثل قيمة الإبل أو أكثر من ذلك مما يتغابن الناس فيه، فهو جائز؛ وذلك لأن القيمة مستحقة، ألا ترى أن من قضي عليه بالإبل مخير بين دفعها أو دفع قيمتها، فإذا صالح على القيمة جاز.
قال: وإن صالح على أكثر من القيمة مما لا يتغابن الناس [فيه]، لم يجز؛ وذلك لأن القيمة كالمستحقة، فإذا صالح بزيادة يتغابن في مثلها، لم يتيقن بحصول الزيادة؛ لأنها تدخل بين تقويم المقومين.
وإذا صالح على زيادة كثيرة، فقد تيقَّنَّا أنه صَالَح على أكثر من المستحق، فلا يجوز.
قال: فإن قضى عليه القاضي بالدنانير أو بالدراهم، فصالحه القاتل على
стр. 4836
طعام [شعير] (١) أو بعير، أو بقر أو إبل، مما ليس عنده، فإنه لا يجوز وإن دفعه إليه قبل أن يفارقه؛ وذلك لأن الحق هو للدراهم التي قضي لها، فإذا صالح منها على الأعيان صارت مبيعة، وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا في السَّلَم.
قال: وإذا كان ما قضى به القاضي إبلًا أو بقرًا، فصالحه من ذلك على شيء من الطعام أو غيره، وليس عنده، ثم دفعه إليه قبل أن يفارقه، فهو جائز؛ وذلك لأن الطعام إذا ثبت في الذمة في مقابلة الأعيان فهو ثمن، فجاز العقد به وإن لم يكن في ملك العاقد.
قال: فإن لم يدفع إليه الطعام أو الشعير حتى فارقه، لم يجز؛ لأنه يصير دينًا بدَيْنٍ، وذلك لما بينا أن الدين بالدين معفو عنه مقدار المجلس، فإذا افترقا قبل قبضه بطل البيع فيه.
قال: ولو لم يقض على شيء حتى صالحه القاتل على مائة كُرٍّ من الطعام، وذلك أكثر من قيمة ما فرضت فيه الدية، فإنه جائز إذا دفع الطعام إليه قبل أن يفارقه؛ وذلك لأن الطعام ليس بمستحق، فإن صالحه عليه فهو عوض عما فرض فيه الدية، فيجوز ذلك، ولا يضره أن لا يكون عنده؛ لأنه يمكن أن يحمل العقد فيه على الصحة، وهو أن يجعل عوضًا عن الإبل والبقر والغنم دون الدراهم والدنانير، فيكون ثمنًا، فيجوز العقد به وإن لم يكن عنده.
قال بشر عن أبي يوسف: لو صالح من الدية على أكثر منها لم يجز، [وإن صَالحَ على أقل جاز، وقد بيّنَّا ذلك].
وإن صَالَح على ثياب قيمتها أكثر من الدية جاز؛ لأنه صلح على غير
стр. 4837
المستحق، فلا يعتبر فيه التقدير.
قال: وإذا قتل رجل رجلًا خطأً، فلم يقض على عاقلته بالدية حتى صالحه غيره على صلح وضمن ذلك، وإن كان صالح على خمسة عشر ألف درهم، والقاتل من أهل الوَرِق، أو على ألف دينار، والقاتل من أهل الورق، قضى على المصالح بالضمان، إن كان صالح على وَرِقٍ بعشرة ألف، وإن كان صالح على ذهب بألف دينار؛ [وذلك] لأن المتبرع بالصلح يجوز عقده فيما يجوز عقد الذي عليه الحق، وصلح القاتل على أكثر من الدية لا يجوز، وكذلك الذي يتبرع عنه.
قال: ألا ترى أن رجلًا لو كان له على رجل ألف درهم، [فصالح عنه رجل على ألفين درهم] وقبضها، إني أجيز من ذلك ألفًا وأبطل ألفًا، ولو صالح على مائتي دينار ودفعها إليه أجزت ذلك، فإن افترقا قبل أن يقبضها أبطلت الصلح؛ وذلك لأنه إذا صالح من الألف على ألفين، فالزيادة على الألف مأخوذة بغير حق، فيجب ردها.
فإذا صالح على دنانير فهي عوض عنها، فيجوز بالقليل والكثير، إلا أن التقابض [معتبر]؛ لأنّه عقد صرف.
فأمّا الدية فإن كان لم يقضِ بالدراهم، لم يجز الصلح على أكثر من ألف دينار؛ لأن الدية مستحقة من كل واحد منهما، فالصلح بالدنانير يقع عن المُستحق، لا على وجه العوض، فلا (١) تجوز الزيادة فيه
فإذا قضى بالدراهم فصالح منها على ألفي دينار، جاز إذا قبضها في المجلس؛
стр. 4838
لأن [الحق تعيّن] (١) في الدراهم، والدنانير عوض عنها، فيجوز بغير تقدير.
وكذلك لو صالحه على مائتي بعير بأعيانها؛ لأن المستحق (٢) هو الدراهم وفي مقابلتها الإبل، وهي مبيعة، فيجوز بغير تقدير.
وأما إذا لم يقض القاضي بالدراهم فصالحه على مائة بعير بعينها أو بغير عينها، أجزت من ذلك مائة؛ لأن المستحق لم يتعيّن، والإبل نفس الحق، فلا تجوز [الزيادة] عليها.
قال: وإن لم يكن بأعيانها جعلت الدية من الإبل المائة على أسنان الإبل في الدية؛ لأنا بيّنا أن هذا صلح على نفس المستحق، فوجب الرجوع فيه إلى الأسنان المستحقة.
قال: وإذا كانت بأعيانها أجزت المائة من ذلك، وجعلت التخيير إلى الطالب، وإن شاء أنفذ الصلح، وإن شاء رَدَّهُ إن كان في أسنان الإبل نقصان من أسنان الإبل المسماة في الدية؛ لأن الطالب لم يرض بنقصان السن إلا ليسلم له زيادة العدد، فإذا لم يسلم له بعيوب صفة العقد، فكان الخيار: إن شاء أمضاه، وإن شاء فسخه.
قال: ولو صالحه على مائة بعينها على أسنان الدية وضمنها، أو بغير عينها وضمنها، فهذا جائز لازم للطالب والمطلوب، لا خيار للطالب في ذلك؛ لأن الصلح وقع على نفس المستحق، فجاز عن مستحقه ولا خيار للطالب؛ لأنه استوفى ما ثبت في الأصل (٣).
стр. 4839
بَابْ الصلحِ في المنافعِ
قَال: وإذا ادّعى رجل على رجل دَارًا أو عبدًا في يده، أو حقًّا في عين؛ فجحدَ المدّعى عليه الدعوى، فصالحه من ذلك على خدمة [عبدٍ]، أو سُكنى دار، أو مزارعة أرض، وذلك كله بعينه مدةً معلومةً، وبين ما يزرع في الأرض، فالصلح جائز (١).
وكذلك لو صالحه على ركوب دابة بعينها وقتًا معلومًا، أو إلى مسافة معلومة، فالصلح جائز.
ويصح جميع ذلك بما تصح به الإجارة، وينقض الصلح بما تنتقض به الإجارة، ويجري ما وقع به الصلح مجرى إجارته فيما يصحُّ فيه وما يبطل، وما بطل في الإجارة فأوجب بطلانه الرجوع بالأجر كله رجع في الصلح إذا بطل على جميع دعواه.
وما أوجب في الإجارة بطلان بعض الأجر وصحة بعضه، فهو كذلك الصلح يبطل قدر ما بطل فيه، ويعود على دعواه في ذلك القدر، وما صَحَّ فيه الصلح بطل من الدعوى قدر ذلك.
والأصل في هذا: أن الصلح فرع للعقود، فالواجب اعتباره بنظيره منها، فإذا وقع عن عين أو دين بمنافع فهو في حكم الإجارة؛ فلذلك صحّحوه بشروط
стр. 4840
الإجارة، وأبطلوه بما أبطلوا به الإجارة.
ولهذا قالوا في الصلح: إذا وقع على عين أنّه معتبر بالبيع، وإذا وقع عن الدراهم [بالدنانير] (١) فهو معتبر بعقد الصرف.
قال أبو الحسن: وتفسير ذلك أن أحد المتصالحين لو مات انتقض الصلح بموته، كما يبطل الإجارة بموت أحد المتعاقدين لها، فإن كان ذلك قبل الانتفاع [بما وقع به الصلح]، رجع المدّعي على دعواه، وإن كان المدعي قد انتفع بما وقع به الصلح نصف المدة أو ثلثها أو ربعها، بطل من حقوق دعوى المدعي قدر ذلك، ورجع على دعواه فيما بقي.
وكذلك لو تلف ما وقع به الصلح، فكان عبدًا فمات، أو دابة فنفقت، أو دارًا أو أرضًا فغرقت، أو كان بناء فانهدم، فهو مثل ذلك ينتقض الصلح في ذلك كله؛ وذلك لما بيّنا أن العقد معتبر بالإجارة، فيبطل بموت أحد المتعاقدين، كما تبطل الإجارة، فإذا بطل بهلاك العين التي تستوفي المنفعة منها كما تبطل الإجارة، وإذا بطل العقد قبل الانتفاع فوجب الرجوع بما في مقابلته.
فإن كان الصلح عن إقراره رجع بحقه، وإن كان عن إنكار رجع بالدعوى، وكذلك إن استوفى بعض المنافع ثم انتقض العقد رجع ببقية حقه إن كان عن إقرار، وبقدر ذلك من الدعوى إن كان عن إنكار.
قال: ولا يعتبر ما وقع عليه الصلح معلومًا كان أو مجهولًا، مُقِرًّا كان أو مجحودًا؛ وذلك لأن المدّعي لا يفتقر إلى التسليم والجهالة، إنما كان يمنع التسليم، فما كان مسلمًا لم يعتبر كونه معلومًا، فأما المصالح به فيفتقر إلى
стр. 4841
التسليم، والجهالة تؤثر فيه.
ولهذا قالوا: لو ادَّعَى كل واحد من المتخاصمين حقًّا على [الآخر] وتجاحدا، ثم اصطلحا على أن يجعل ما ادعاه هذا صلحًا عمّا ادعاه الآخر، جاز، وإن [كان] كل واحد من الدعويين مجهولة؛ لأن كل واحد منهما لا يفتقر [إلى التسليم] فالجهالة لا تؤثر فيه.
قال: ولو كان الصلح وقع على خدمة عبدٍ سَنَةً، فقُتِلَ العبد خطأً، [فغرم القاتل] (١) من قيمته، فإن شاء صاحب الخدمة: اشترى له [بها] عبدًا يخدمه باقي المدة، وإن شاء ترك ذلك، وكان على دعواه.
وقال محمد: إذا قُتِلَ العبد، أو انهدم البيت، انتقض الصلح.
لأبي يوسف: أن المنافع ليسَ في مقابلتها مال مستقر، فصارت كالمنافع الموصى بها.
وقد قالوا فيمن أوصى لرجل بخدمة عبد فقتله قاتل: اشترى بقيمته عبدًا آخر لخدمة الموصى له، فكذلك هذا.
فإن قيل: إذا كان عند أبي يوسف أن هذا معتبر بالوصية، فلم جوّز للمصالح إجارة العبد، وهلّا [منع الإجارة] (٢) كما يمنع الموصى له بالخدمة.
قيل له: إن هذا العقد لما كان فرعًا لكل العقود اعتبره أبو يوسف، وإذا قتل العبد بالوصايا لتصحيحه، واعتبره بالإجارات إذا آجر العبد ليصح العقد في الوجهين.
стр. 4842
وكان أبو علي الشاشي يقول: إن المنافع ليس في مقابلتها مال مستقر، إلا أنها مأخوذة على طريق العوض، فصارت كالعبد الذي تزوجت عليه المرأة أو خالعت به، فإذا قتل لم ينتقض العقد، وإذا آجرت جازت الإجارة.
وجه قول محمد: أنه عقد على منافع بعوض فيبطل بالموت كالإجارة، ولهذا جوز للمصالح أن يؤاجر العبد كما للمستأجر أن يؤاجره.
قال: وكذلك لو هدم البيت رجل، أو انهدم من غير ذلك، فقال صاحب البيت: أنا [أبنيه] (١) لك، فإن صاحب السكنى بالخيار: إن شاء رضي بذلك، وإن شاء [كان] على حجته، وهذا على قول محمد (٢) اعتبارًا بالإجارة؛ لأن انهدام البيت لا يوجب بطلان العقد؛ لأن [المنفعة] (٣) باقية يمكن الانتفاع بها، وإنما ثبت الخيار للمستأجر بين الرضا بالصبر حتى يبني البيت، وبين [الفسخ] (٤)، فكذلك في الصلح.
قال: ولو كان عبدًا فأعتقه المصالح [عنه]، جاز عتقه وكان صاحب الخدمة على حجته، وكذلك لو قتله، وهذا على أصل محمد.
فأمّا على قول أبي يوسف: فيلزم القيمة [حتى] يشتري بها عبدًا آخر، كما لو قتل الوارثُ العبدَ الموصى بخدمته، وإنما جاز العتق؛ لأن العبد على ملكه، وإن ثبت لغيره فيه حق كالمرهون والمؤجر.
стр. 4843
قال: وإن أعتقه صاحب الخدمة لم يجز عتقه؛ لأنّه لا يملكه، وقد قال ﵊: "لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم" (١).
قال: ولو قتله كان القول فيه كالقول في العبد المقتول؛ لأن الضمان يجب عليه بالقتل؛ لأنه أتلف ملك غيره، فتقوم القيمة [فيه] مقام العبد، ويشتري بها عبدًا آخر على قول أبي يوسف.
قال: ولو أنّ ربّ العبد ورب البيت باع العبد والبيت، لم يجز ذلك؛ لأن حق المصالح متعلق بالمنفعة، فيمنع ذلك من التسليم، وتعذر التسليم يمنع من جواز البيع.
قال: ولصاحب الخدمة أن يخرج بالعبد من المصر إلى أهله، وقد ذكر في الإجارة: أن من استأجر عبدًا ليخدمه لم يجز (٢) أن يخرج به من المصر؛ لأن خدمة السفر مخالفة لخدمة الحضر.
وكان أبو بكر الرازي يقول: [إنّ] مسألة الصلح محمولة على أن المدعي كان يتأهب للسفر ويخاصم، فصالح على الخدمة، فيصير ذلك دلالة على أن [ربّ] العبد رضي بإخراجه، وكأنه شرط ذلك.
وكان غيره من أصحابنا يقول: إن المستأجر ليس له أن يخرج بالعبد؛ لأن رد العبد المستأجر على المؤجر، فلو جوّزنا للمستأجر السفر به، لجاز أن يلزم المؤجر أضعاف ما أخذه من الأجرة على ردّه؛ فلذلك لم يجز السفر به.
стр. 4844
ولهذا قالوا: إن المرتهن يسافر بالعبد؛ لأن رده عليه على الراهن، فلا يؤدي السفر به إلى التزام غرم لم يرض به.
قال: وللعبد المصالح بخدمته ليس في مقابلة الخدمة مال مستقر، فهو في حكم المرتهن؛ فلذلك جوّزوا السفر به.
قال: وله أن يؤاجر العبد، وهذا ظاهر على أصل محمد؛ لأنه يعتبره بالإجارة، وأمّا أبو يوسف فكان ينبغي أن لا يُجَوِّز ذلك، اعتبارًا بالوصايا، وقد بيّنا ما نفرق به بينهما.
قال: وإذا ادعى رجل على رجل دارًا في يديه، فأنكر الدعوى ثمّ صالحه على أن يسكن [الدار] التي في يديه سنة، ثم يدفعها إلى المُدَّعِيْ، فهذا جائز.
وكذلك لو كانت أرضًا فصالحه المدعي على أن يزرعها الذي هي في يديه خمس سنين على أن رقبتها للذي ليست في يديه، فإن هذا جائز؛ وذلك لأن في زعم المدعي بأنه مالك لهذه الأرض والدار، وإذا بذل منافعها لصاحب اليد، فقد رضي بإسقاط حقه عن بعض ما ادعى، وهو المنافع في المدة المشروطة، وأخذ بقية حقه، وذلك جائز.
فأمّا في حق صاحب اليد فهو مشكل؛ لأنه يزعم أنه مالك للدار والأرض، وأنه يستوفي منافعها بحق ملكه، ثم قد شرط إزالة ملكه عنها بعد استيفاء المنافع، وذلك تعليق للملك بخطر، فلا يَصِحُّ.
ويجوز أن يقال: إن الأمر محمول على أن صاحب اليد سلم الملك إلى المدّعي افتداءً للخصومة، وبَقَّى المنافع في المدة المشروطة على ملكه، لم يزل
стр. 4845
ملكه عنها، ويجوز أن يفتدي [عنه] (١) بتسليم الدار بمنافعها، فكذلك يجوز تسليم الدار دون المنفعة.
ولا يقال: فكيف يصح أن ينتقل الملك في دار إلا منافعها؟
قلنا: يجوز إذا كانت المنفعة معلومة المدة، كمن آجر دارًا، ثم باعها والمستأجر يعلم.
قال: وإذا صالح رجل رجلًا من دعواه في عين أو دين (٢) على مَسِيْل أو على شِرْبِ يوم من هذا النهر، على أنه لا حق فيه في رقبة النهر، أو على أن يحمل كذا وكذا أجذعًا على هذا الحائط، وعلى مسيل ميزابه في داره أيامًا معلومة، فإن هذا فاسد لا يجوز؛ وذلك لأن المسيل مجهول، ألا ترى أنه لا يعلم مقدار ما يسيل في الأرض من الماء، والشرب مجهول؛ لأنه إذا لم يعقد على ملك نفس الشرب، فالعقد على الماء، وذلك مجهول، وكذلك مسيل الميزاب؛ لأنه يختلف بقلة الماء وكثرته، وأما حمل الجذوع على الحائط، فلا يجوز أن يستحق بالعقود؛ لأنه إجارة بقعة لا يمكن سكناها، فلم يجز الصلح (٣) عليه.
قال أبو الحسن: وكل صلح وقع بمجهول أو بما لا يجوز بيعه أو الشراء به، فإن الصلح فاسد؛ لما بيّنا أن ما يقع الصلح به معتبر بالبيع (٤)، فلا يجوز العقد عليه مع الجهالة (٥).
стр. 4846
بَابْ الرجلِ يتبرع بالصلح عن المدعى عليه
قال: وإذا ادعى رجل في دار في يد رجل دعوى في أرضه، وصالحه [عنه] أجنبي بأمره أو بغير أمره بإنكار أو بإقرار، أو بغير إقرار ولا إنكار، فإن ذلك جائز.
أمّا إذا صالح بأمر المطلوب فهو وكيله في الصلح، وعقده لعقد الموكل، فكما جاز للمطلوب أن يصالح، فكذلك توكيله.
وأما إذا صالح بغير أمره، فقد تبرّع بإسقاط الحق عن المطلوب، والإنسان يجوز أن يتبرع بإسقاط حق غيره، كما يتبرع بقضاء دينه، وكما لو تبرع ببذل ما للزوج ليخلع امرأته، أو للمولى حتى يعتق عبده، أو للولي حتى يعفو عن القاتل، جاز في جميع ذلك؛ لأنه تبرع بإسقاط الحق عن الغير، وكذلك في مسألتنا.
ويستوي فيه الإقرار والإنكار؛ لأنه إن كان مُقِرًّا فقد تبرع بإسقاط الدين (١)، وإن كان منكرًا فقد تبرع بإسقاط الخصومة، وكل واحد من الأمرين يجوز للمطلوب فعله، وكذلك يجوز للمتبرع عنه.
قال: ولا يكون من حق المدعي للمصالح شيء، إنما يكون ذلك للذي في يده الدار؛ لأن المصالح لم يبع الحق المدعى، وإنما صالح عن المطلوب، وذلك يفيد إسقاط الحق دون نقل الملك، فكان الحق المدعى للمطلوب خاصة.
стр. 4847
قال: ولا يكون على المصالح من المال الذي صالح عليه شيء إلا أن يضمن ذلك للذي صالحه، وهذا على وجوه:
إن صالح على مال مطلق، فالصلح موقوف، فإن أجازه المطلوب جاز، ولزمه المال، وإن رده بطل ذلك؛ [وذلك] لأن العاقد قد تبرع بالعقد ولم يتبرع بالمال، فلا يجوز أن يلزمه زيادة على مال التزمه، وسقوط الحق موقوفٌ على سلامة المال للطالب، فإذا أجاز المطلوب لزمه المال، وإن كان العاقد صالح بأمره، فيتم العقد بسلامة العوض للمدّعي، وإن لم يجز فلم يسلم العوض فبطل العقد.
والوجه الثاني: أن يقول صالحتك من دعواي على فلان على ألف دينار، على أني ضامن لها، فتم العقد، ويلزمه الضمان؛ وذلك لأن العقد وإن لم يوجب الضمان عليه، فضمانه للمال يلزمه ذلك، ويسلم (١) العوض بضمانه للمدعي، فيتم العقد.
ولا يقال: كيف يصح ضمانه والعقد لا يوجب الضمان عليه؟
قلنا: هو متبرع بالعقد، متبرع بالضمان وإن لم يلزمه بالعقد، كالوكيل بالنكاح إذا ضمن المهر.
والوجه الثالث: أن يقول: صالحتك على ألفِيْ هذه، أو على عبدي هذا، فيتم العقد، ويلزمه التسليم؛ لأن إضافة المال المعقود عليه إلى نفسه يقتضي التزامه لتسليمه وإتمام العقد به، لولا ذلك لم يكن لإضافته إلى نفسه معنى، وإذا
стр. 4848
لزمه التسليم فتم العقد.
والوجه الرابع: أن يقول: صالحتك على هذه الألف، أو هذا العبد، ويُسَلِّم ذلك من غير ضمان، فيتم العقد؛ لأن التسليم يوجب سلامة العوض للمدعي، وإذا سلم له العوض وهو مقصوده في العقد صَحَّ العقد.
قال: فإن كان إنما صالحه علي عبد بعينه، فوجد به عيبًا أو استحق لم يكن لصاحب الدعوى على المصالح شيء، فكان المدعي على دعواه في الدار، وكذلك كل عوض صالحه عليه؛ لما بيّنا أن العاقد للصلح بغير أمر المطلوب متبرع بالعقد، وإنما يلزمه الضمان بالتزامه، ولم يضمن في مسألتنا، وإنما تبرع ببذل العين من غير ضمان، فإن سلمت تم الصلح، وإن استحقت لم يجب أن يلزمه عوضها؛ [لأنه لم يتبرع بغيرها، وكذلك إذا وجد بها عيبًا]؛ لأنه لم يرض أن يلتزم إلا العين، فلو ألزمناه نقصان العيب لألزمناه ما لم يلتزمه، إلا أن المدعي يرجع بدعواه؛ لأن البدل متى استحق لم يسلم له عوض مقصود، وكذلك إن رَدَّهُ بعيب، وإذا تم ما يسلم له الفسخ للعقد وعاد بدعواه.
قال: ولو صالح على دراهم مسمّاة وضمنها، فدفعها إليه، فاستحقت، أو وجد فيها زيوفًا، أو ستوقة، فله أن يرجع بذلك على الذي صالحه دون الذي في يده الدار؛ لأن إطلاق الدراهم يقتضي الجياد، وضمانه لها يوجب عليه التسليم، فإذا استحقت فلم يوجد التسليم فكان عليه العوض عنها، وكذلك إن ردت عليه بعيب.
قال: ولو صالحه على دراهم وضمنها، ثم قال: لا أدفعها إليك، أجبرته على أن يؤديها إليه؛ وذلك لأنه التزمها بالضمان، فلزمه تسليمها كما يلزمه سائر
стр. 4849
الأموال الواجبة بالعقود.
قال: ولو أن رجلًا في يديه دار، فادّعى فيها رجل حقًّا، فصالحه الذي في يديه الدار على دراهم مسمّاة ودفع إليه الدراهم، ثم إن الدار استحقت، كان له أن يرجع بدراهمه.
قال: ولو كان صالح عنه غيره، رجع بدراهم ذلك الرجل؛ لأنه هو الذي أداها؛ وذلك لأن استحقاق الدار تبين له أنه لا حق للمدعي، فقد أخذ العوض من غير حق، فوجب أن يرجع به.
وأما إن صالح عنه رجل متبرع ثم استحقت الدار، رجع المتبرع بما أعطى؛ لأنه إنما تبرع ليسقط الحق عن المطلوب، فإن بان أن لا حق عليه، وجب أن يرجع بما أعطى، وليس للمطلوب أن يرجع بشيء؛ لأن الصلح ينفسخ بالاستحقاق، فكأنه لم يكن، ويعود المال إلى الذي تبرع به؛ لأنه لا يملكه المطلوب.
قال: ولو لم يستحق الدار، ولكن استحق بعضها، نصفها أو ثلثها أو ربعها، لم يرجع على المدعي بشيء، وكذلك لو استحق منها ثلث معلوم؛ لأني لا أدري لعل [أن يكون] دعواه فيما بقي دون ما استحق، وهذا على وجهين:
إن كان ادّعى حقًّا في الدار غير معين فصالحه عنه، ثم استحق بعض الدار، لم ينقض الصلح على ما ذكرت؛ لأنه يجوز أن يكون الحق ما بقي في الدار، فلم يجز فسخ الصلح بالشك.
وأما إن ادعى جميع الدار، فصالحه من دعواه، ثم استحق بعضها، رجع
стр. 4850
بحصة المستحق؛ لأنه لم يبذل العوض إلا ليسلم له الدار، ولم يسلم إلا بعضها، فيرجع بقدر ذلك.
وقال في باب آخر: إذا كان لرجل على رجل دين ألف درهم، والمطلوب يقِرُّ به أو ينكره، فصالحه عنه رجل بغير أمره على مائة درهم، حالٍّ أو إلى أجل، ثم إن المصالح أبى أن يدفع المال، وأراد الطالب أخذ المال من المصالح، ولم يضمن له شيئًا، فإنه لا يلزم من ذلك شيء، وإنما المصالح هاهنا طالب المعروف، وهذا على ما بيّنا أن عقد الصلح لا يوجب الضمان على المتبرع، إلا أن يضمن ذلك.
قال: وإن كان المصالح صالح الطالب بأمر المدعى عليه، فالصلح جائز إذا كان المدعى عليه مقرًّا بالحق، ويلزم المدعي قبله الصلح، وإن كان جاحدًا للحق ولم يأمر بالصلح لم يلزمه شيء، إلا أن يجيز الصلح أو يضمن المصالح.
وهذا على ما قدمناه: أنه إذا صالح عنه بأمره فكأنه عقد الصلح بنفسه، فيلزمه الضمان دون الوكيل؛ لأن حقوق عقد الصلح لا تتعلق بالعاقد.
وإن كان الصلح بغير أمره لم يضمن العاقد، ووقف على إجازته.
وبقيّة الباب مبنيّة على ما قدمنا.
стр. 4851
بَابْ الرجل يصالح على بعض دينهِ على أن يعطي الباقي منه إلى وقتٍ
قال: وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فقال له: أصالحك على أن أحطَّ عنك خمسمائة، على أن تعطيني اليومَ خمسمائة، فصالحه على ذلك، فإن أبا حنيفة ومحمدًا قالا: إن أعطاه خمسمائة في ذلك اليوم برئ من الخمسمائة الأخرى، وإن لم يعطه حتى مضى اليوم انتقض الصلح، وكان عليه ألف.
وقال أبو يوسف: إنما عليه خمسمائة، وهو بريء من الخمسمائة.
وإن قال له: أصالحك على خمسمائة تعجلها اليوم، فإن لم تعجلها فالألف عليك، فلم يعجل له، يبطل الصلح، وكان عليه الألف في قولهم.
قال: والأصل في ذلك: أن الخمسمائة التي شرط تعجيلها مستحقة بعقد المداينة، فهو إنما شرط أخذ بعض حقه وإبراء عن باقيه، وجعل ترك التعجيل شرطًا في فسخ البراءة، والصلح من العقود المحتملة بشرط الخيار كالبيع.
وقد قالوا -فيمن قال: أبيعك هذا العبد بألف على أن تعجلها اليوم، فإن لم تعجلها فلا بيع بيننا-: إنّ البيع جائز، وجعل ترك التعجيل شرطًا في الفسخ، فالفسخ يتعلق بالشروط، وكذلك في مسألتنا، ولا يجوز أن يكون تعجيل الخمسمائة شرطًا في البراءة في الباقي؛ لأن براءة [صاحب] الأصل لا تتعلق بالشروط.
فأما إذا لم يقل: فإن لم تعجلها فلي الألف؛ فوجه قول أبي حنيفة ومحمد:
стр. 4852
أن شرط تعجيل الخمسمائة لا معنى له، وهي مستحقة قبل الشرط، إلا أن يكون جعل الفسخ متعلقًا بترك التعجيل، فكأنه قال على أنك إن لم تعجلها فلا صلح بيننا.
لأبي يوسف: أنه صلح عن عوض بشرط تعجيله، فإذا لم يقع الوفاء بالتعجيل لم ينفسخ، إلا أن يكون شَرَطَ الفسخ، كمن قال: بعتك هذا العبد بألف على أن تعجلها لي اليوم.
قال محمد: إن صالحه على أن يعطيه خمسمائة إلى شهر، على أن يحطَّ عنه خمسمائة الساعة، وإلا فإن لم يعطه إلى شهر فعليه ألف، فهو كما شرط؛ وذلك لأنه أبرأه في الحال وجعل ترك الدفع في الشهر شرطًا في الفسخ، فإذا لم يعجل في الشهر انفسخ العقد، وهذا ظاهر على أصل محمد؛ لأن من أصله أن الخيار يجوز أن يشرط أكثر من ثلاثة أيام.
قال: فإن أخذ منه كفيلًا وشرط على الكفيل أنه إن لم يوفه خمسمائة إلى رأس الشهر، فعليه الألف فهو جائز، والألف لازمة للكفيل إن لم يوفّه خمسمائة إلى رأس الشهر، فعليه الألف، والألف لازمة للكفيل إن لم يوفه؛ وذلك لأنه تكفل بخمسمائة في الحال، وخمسمائة متعلقة بالشرط، وهو تأخير الأداء، فإذا حصل الشرط وجب الألف.
قال: ولو ضمن الكفيل الألف ثم قال: قد حططت عنك خمسمائة على أن توفيني رأس الشهر خمسمائة، فإن لم توفني فالألف عليك، فهذا أوثق من الباب الأول؛ لأن هاهنا ضمن جميع الألف في الحالّ، ثم حَطَّ عنه خمسمائة،
стр. 4853
[وجعل] (١) ترك التعجيل في الباقي شرطًا في فسخ البراءة، فهو أوثق؛ لأنه ليس فيه إيجاب متعلق بالشرط.
قال: وكذلك لو جعلها نجومًا بكفيل، أو غير كفيل، وقال: إن (٢) لم توافني كل نجم عند محله فالمال حال عليك، وما حططت عنك فهو عليك، فإن أبا حنيفة ومحمدًا قالا: هذا جائز على ما (اشترط، وكذلك قال أبو يوسف؛ وذلك لأنه جعل ترك التعجيل في النجوم) (٣) شرطًا في فسخ البراءة، وقد بيّنا أن الفسخ على هذا الوجه يجوز أن يتعلق بالشرط.
قال: وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم، فقال متى أديت إِلَيَّ خمسمائة منها فأنت بريء عن الباقي، فأدّى إليه خمسمائة، فأبى الطالب أن يفي له بذلك [الشرط]، فإن أبا حنيفة قال: له ذلك، ولا يبرأ مما بقي.
وكذلك لو قال: قد صالحتك على أنك متى أديت إليّ خمسمائة (فأنت بريء عن الباقي، فأدّى إليه خمسمائة، فأبى الطالب أن يفي له بذلك، فإن أبا حنيفة قال: له ذلك، ولا يَبْرَأ مما بقي.
وكذلك لو قال: قد صالحتك على أنك متى أديت إلى خمسمائة، فأنت بريء من خمسمائة) (٤)، فهذا باب واحد، ذكر فيه الصلح أو لم يذكر فيه صلحًا؛ لأن هذه براءة متعلقة بشرط، وبراءة صاحب الأصل لا يجوز تعليقها بالشروط؛
стр. 4854
لأن فيها معنى التمليك، ألا ترى أنها تبطل بالرد، كما يبطل به التمليك، وما فيه معنى التمليك لا يجوز تعليقه بالشروط.
قال: وأهل الذمّة وأهل الإسلام في ذلك سواء؛ لأنهم محمولون على حكم الإسلام إلا ما استُثْنِيَ لهم بعقد الأمان.
قال: وكذلك كل ذي رَحِم مَحْرَم يقول هذه المقالة، وكذلك المرأة تقول لزوجها هذه المقالة في مهرها؛ لأن العقود لا تختلفُ بالقريب والبعيد، فأحكامها في الجميع سواء.
قال: وكذلك الرجل يقول هذه المقالة لمكاتبه: إذا أديت إلي خمسمائة فأنت بريء مما بقي من مكاتبتك صلحًا، قال ذلك، أو غير صلح، ثم أبى أن يفي له بعدما أدّى، [فذلك له] (١)، ولا تجوز البراءة.
ولو قال: إذا أديت إلي خمسمائة فأنت حُرٌّ، فأدى إليه خمسمائة عتق؛ وذلك لأن مال الكتابة دين للمولى، فإذا علق البراءة من بعضه بشرط، لم يجز لما في ذلك من معنى التمليك، وليس كذلك إذا قال له: إذا أديت إليّ خمسمائة فأنت حُرٌّ؛ لأن هذا عتق معلق بشرط، والبراءة المتعلقة [بالعتق] من طريق الحكم لا تشترط به. [والله أعلم] (٢).
стр. 4855
بَابْ الصلح من العيوب
قال: وإذا اشترى الرجل من الرجل عبدًا بألف درهم، وتقابضا، ثم وجد بالعبد عيبًا، فخاصم البائِعَ فيه، فصالح المشتري من العيب على شيء دفعه إليه أو حطّ عنه من ثمنه شيئًا، فإن كان العبد يجوز رده على البائع، أو له المطالبة بأرش عيبه دون ردّه، فالصلح جائز؛ فإن كان العبد قد صار في حال لا يجوز للمشتري ردّه ولا المطالبة بأرش عيبه، فالصلح باطل لا يجوز؛ لأنه لا خصومة له قِبَلَ البائع ولا حق؛ وذلك لأن حق الرد إذا ثبت للمشتري فصالح، فهذا إسقاط حق [يفضي] (١) إلى مال بعوض، فيجوز كالصلح من دم العمد.
وأما إذا أسقط الرد فحقه إنما هو الأرش، فإذا صالح عنه فقد صالح عن مال المدعي على مال، فيجوز.
وأما إذا كان المبيع لا يقدر على رده ولا يجوز المطالبة بأرشه، فالصلح باطل، وهذا مثل أن يكون المشتري قد باع العبد وأخرجه من ملكه، أو قتله؛ وذلك لأنه لا يثبت له الخصومة هاهنا في الرد، ولا في الأرش، فإذا صالح فقد صالح عن غير حق، فلا يجوز صلحه.
قال: وإذا ظهر المشتري على عيب بما اشتراه فصالح البائع على دراهم أخذها منه، أو على غير ذلك، أو على أن يحط البائع عنه بعض الثمن ثم زال
стр. 4856
ذلك [العيب بأن] (١) كان بياضًا في العين فذهب، أو حبلًا ظهر [بالجارية، ثُمَّ] (٢) تبيّن أنه كان ريحًا فتفشى، فإن البائع يرجع على المشتري بما أخذ منه، وبما حط عنه من الثمن؛ وذلك لأن العيب إذا زال سلم [المبيع] (٣) للمشتري من غير نقص، وهو إنما أخذ العوض عن النقص، فثبت (٤) أنه أخذ عوضًا عن غير معوض، فوجب رده.
قال: وهذا في كل بيع يجوز التفاضل فيه بين المبيع وبين ثمنه، وإن كان بيعًا لا يجوز التفاضل فيه، فإنه لا يرجع بأرش عيب ولا يحط أحدهما عن صاحبه شيئًا.
وهذا مثل أن يبيع ما فيه الربا بجنسه، ولو حَطَّ لأجل العيب (٥) أو صالح على شيء، صار العوض ما بقي، فيؤدي ذلك إلى الربا.
قال: وإذا ظهر (٦) المشتري بعيب فصالحه البائع على إن أبرأه من ذلك العيب ومن كل عيب، فهو جائز، ولو لم يظفر المشتري بعيبٍ فصالحه، ولكن البائع خاف [اطلاع] المشتري على ذلك، فصالحه من كل عيب على شيء دفعه [إليه]، فالصلح جائز؛ لأن عقد البيع [سبب] لثبوت الخصومة في العيب، فإذا صالح بعد العقد من العيوب، فقد صالح عند وجود السبب الحق، وإسقاط الحقوق عند وجود أسبابها جائز.
قال: وإن صالحه من ضرب من العيوب، فقال: صالحتك من الشجاج أو
стр. 4857
القروح أو الشَّمط، فهو جائز، وهو بريء من ذلك الصنف خاصة، فإن ظهر عيب غيره كان له أن يخاصم فيه؛ لأنا قد بيّنا أن الصلح يجوز من كل العيوب، فإذا صالح من نوع منها فهو أقل جهالة، فأولى أن يجوز.
قال: ولو اشترى شيئًا من امرأة فظهر على عيب، فصالحته من ذلك أن تزوجته، كان النكاح جائزًا، وكان هذا إقرارًا منها بالعيب، فإن كان أرش العيب تبلغ عشرة دراهم فهو مهرها، وإن كان أقل من ذلك أكمل لها عشرة؛ وذلك لأن العيب يجوز الصلح منه على مال على ما بيّنا، فإذا تزوجت عليه فقد جعلت الأرش مهرًا، وذلك مال من الأموال، فيجوز تسميته في العقد.
وإنما جعل التزويج إقرارًا بالعيب؛ لأنه عقد معاوضة، فلما دخل البائع فيه كان ذلك إقرارًا منه بحصول العوض.
وكذلك لو اشترى شيئًا بأرش العيب، كان إقرارًا بالعيب؛ لأن عقد الشراء يقتضي ثبوت العوضين، فالدخول فيه اعتراف بثبوتها، وليس هذا كالصلح؛ لأنه ليس بمعاوضة، وإنما هو من عقود [التبرع] (١)، فلا يتضمن الاعتراف، وإنما يتضمن إسقاط الحق.
ولا يقال: هلا جعلتم العيب كدم العمد إذا تزوجت عليه أن القصاص يسقط، ويجب [لها] المال (٢)؛ لأن القصاص حق ليس بمال، فلا يجوز أن يكون مهرًا، والعيب حق هو مال، ألا ترى أنه نقصان جزء من المبيع، والمال يجوز أن يكون مهرًا، وإنما قال إنه يكمل لها عشرة؛ لأن الأرش متى كان أقل من عشرة فذلك لا يجوز أن يكون مهرًا، فتسميته تسمية العشرة عندنا، فلذلك لزم إتمامها.
стр. 4858
قال: وإذا اشترى الرجل ثوبين كل واحد منهما بعشرة، فقبضهما، ووجد بأحدهما عيبًا، فصالحه على أن يَردّه بالعيب إن زاده في ثمن الآخر درهمًا، فالرد جائز وزيادة الدرهم باطلة في قول أبي حنيفة ومحمد.
وفي قول أبي يوسف: لا يجوز شيء من ذلك؛ وذلك لأن الرد مستحق، فإذا صالحه على أن يزيده في الآخر إذا قبل المعيب، فقد علق الزيادة بشرط الرد، والزيادة عوض، فلا يجوز أن يتعلق بالشرط؛ إلا أن الرد جائز؛ لأنه مستحق، فوقع عن مستحقه، ولأنه [لا] (١) يفتقر إلى عوض، فبطلان العوض فيه لا يوجب بطلانه، كالطلاق.
وأما أبو يوسف فقال: إنه جعل استحقاق الدراهم شرطًا في الفسخ، فإذا لم يسلم بطل الفسخ، وهذا على أصله: أن الإقالة بيع في [حقهما] (٢)، فإذا علقت بشرط لم يسلم بطلت.
فأما على قول أبي حنيفة: فهي فسخ، فلا يبطلها الشرط.
قال: وكل ما يثبت لك أن الصلح لا يجوز به في الأموال أو في الحقوق المدّعاة منها، فإنه لا يجوز أيضًا في الصلح من العيب، وما جاز في دعاوي الأموال ودعاوي الحقوق [فيه] فهو جائز في العيوب، وهذا صحيح؛ لأن العيب [إما أن] يقتضي الرد [فالصلح صلح على حق، أو لا يقتضي الرد] (٣)، فهو يوجب النقصان، وذلك مال؛ فلذلك اعتبره بالصلح عن الحقوق والأموال (٤).
стр. 4859
بَابْ صلح الوالد على ولده
قال: وإذا ادّعى رجل على صبيّ دعوى في شيء من ملكه أو في يَده، كائنًا ما كان، فصالحَ أبو الصبي المدعي من دعواه على مال الصبي، فإن كان للمدّعي بينة فما أعطى الأب (من مال الصبي مثل الحق أو زيادة يتغابن في مثلها فالصلح جائز.
وإن لم يكن له بينة لم يجز الصلح على الصبي في ماله؛ وذلك لأن المدّعي إذا كانت له بينة فالحق مستحق للمدعي، ويجوز أن يكون دفع العوض عنه، أنفع للصبي من دفعه، والأب غير متهم عليه؛ فلذلك جاز صلحه عنه بمثل القيمة أو بزيادة يتغابن (١) في مثلها؛ لأن ذلك يدخل بين [تقويم المقومين] (٢)، فلا تتعين (٣) الزيادة، وإن كانت الزيادة كثيرة فكأنه اشترى ذلك الحق) (٤) على وجه المغابنة، فلا يجوز في حق الصبي.
وأما إذا لم يكن للمدعي بينة لم يجز الصلح من مال الصبي؛ لأن الأب يبذل ماله من غير شيء، ألا ترى أن المدعي لا يستحق أكثر من اليمين (٥)، والصبي لا يستحلف، فلا يجوز أن يبذل ماله بغير شيء في مقابلته.
قال: وإن كان الأب صالح من مال نفسه فهو جائز؛ لأنه متبرع بإسقاط الحق
стр. 4860
عن ابنه، [ببذل ماله من غير شيء في مقابلته] (١)، فجاز ذلك في جميع الوجوه.
وأما إذا ادّعى الأب للصبي حقًّا فصالح منه، فهو على وجهين: إن كانت له بينة جاز صلحه.
وإذا أخذ مثل القيمة أو نقصانًا يسيرًا؛ لأنّ الحق يثبت للصبي، ويجوز أن يكون أَخْذ العوض أنفع له، والأب غير متّهمٍ عليه، فكأنّه باع، فيجوز بيعه بمثل القيمة أو بنقصانٍ يسير.
وأما إذا لم يكن له بيّنةٌ جاز صلحه بالقليل والكثير؛ لأنّه ليس في يده أكثر من استحلاف المُدّعى [عليه]، ولا فائدة للصبيّ في ذلك، فإذا أخذ [عنه] (٢) عوضًا كان قليلًا أو كثيرًا جاز.
قال: ولا يجوز صلح أحدٍ على الصغير إلا أبٌ، أو جدٌّ أبو الأب، [إذا لم يكن أبٌ]، ولا وصيّ الأب، [أو وصيّ الجدّ] إذا لم يكن [الجدّ] (٣).
وكلّ من لا يجوز بيعه على الصبي ولا شراؤه، فإنّ صلحه لا يجوز عليه؛ وذلك لأنّ صلحه عقدٌ من العقود ولا يملكه فى حقّه إلا من له ولايةٌ عليه، وهذا إذا صالحوا بماله، وأمّا إذا تبرّعوا بأموالهم فالصلح جائزٌ في حقّ الصغير كما يجوز في حقّ الكبير.
قال: ولا يجوز حطّ الأب من مال الصغير على رجل وإبراؤه منه على وجه الصلح ولا غيره، وهذا إذا لم يكن ولي العقد؛ لأنّه يسقط حقًّا للصغير من غير
стр. 4861
عوضٍ، وذلك تبرعٌ، ولا يجوز في حقّه، وأما إذا كان الأبُ هو الذي وَلِيَ العقد فحطّه وإبراؤه جائزٌ [منه على وجهٍ]، ويضمن عند أبي حنيفة ومحمدٍ، كما يجوز حطّ الوكيل، ولا يجوز عند أبي يوسف (١)، وقد بيّنا [ذلك] في الوكالة.
قال: وكذلك حقوق الصغير لا يجوز البراءة منها إلا في الشُّفعَة، فإنّ تسليم الأب على ابنه الصغير جائز، وكذلك سكوته عن المطالبة بها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمدٌ وزفر: لا يجوز، وقد مضت هذه المسألة في كتاب الشُّفعَة.
قال: وصلح الوصيّ على اليتيم مثل صلح الأب عليه؛ لأنّه قام مقام الأب فعقده كعقد الأب (٢).
قال: ولا يجوزُ صلح أحدٍ على حَمْلٍ، أبًا كان المصالِح أو غيره، وإن وُلِد بعد ذلك حيًّا ورث، وجازت له الوصايا؛ وذلك لأنّ الحمل لا يُعلَم حياته، وكذلك لا يكمل أرشه، ومتى لم يكن حيًّا لم يثبت له الحقّ ولا عليه، ولا يجوز (٣) الصلح، ولأنّا قدّمنا أنّ حقوق الحمل تقف على الولادة، والصلح لا يجوز أن يقف على شرطٍ.
قال: وما كان من صلحٍ له أو عليه بعد ولادته فهو جائزٌ، كما يجوز على الصغير؛ لأنّ الحقوق تثبت له، وعليه، وصحّت الولاية، فجاز الصلح.
قال: وإذا وجب لصغيرٍ على رجلٍ قصاصٌ في نفسٍ أو دونها، فإن محمدًا
стр. 4862
روى عن أبي حنيفة في إملائه أنّه قال: صلح الوصيّ للقاتل من الدم على الديَة أو أكثر جائزٌ بمنزلة الوالد، وإن صالح على أقلّ من الديَة لم يجز، وكان على الجاني تمام الديَة.
والأصل في ذلك: أنّ الأب يملك استيفاء القصاص الواجب للصغير في النفس وفيما دونها؛ وذلك لأنّه يلي عليه بنفسه كما يلي على حقوق (نفسه؛ ولأنّ الصبي عاجزٌ عن استيفاء القصاص لنفسه، فانتقل الاستيفاء إلى أقرب الناس إليه، وذلك) (١) الأب؛ ولهذا قال أبو حنيفة: إنّ القصاص إذا ثبت لصغيرٍ وكبيرٍ استوفاه الكبير؛ لأنّ القصاص ثابتٌ للميت، وقد عجز الصبي عن استيفائه، فيثبت الاستيفاء للكبير، ولذلك قالوا: إنّ من قتل رجلًا (٢) ولا وارث له، فللإمام أن يقتصّ؛ لأنّ الدم ثبت لجماعة المسلمين، وقد عجزوا عن استيفائه، فقام الإمام مقامهم.
وإذا ثبت أنّ الأب يجوز استيفاؤه للقصاص جاز صلحه عنه؛ لأنّ المال أنفع للصبيّ من الدم، والأب غير متهمٍ، فجاز أن يُجعَل الحقّ الذي ليس بمالٍ مالًا.
فأمّا الوصيّ فلا يملك القصاص في النفس، ويملك فيما دون النفس، والقياس أن يملك الجميع؛ لأنّه قائمٌ مقام الأب، [إلا أنّه لما قام مقامه] بعقد الوصيّ، صار كالوكيل، فلم يجز له استيفاء النفس استعظامًا لها.
ولا يقال: فهلّا قلتم: (إن الإمام لا يستوفي القصاص في النفس بهذه العلّة) (٣)؛ لأنّ الإمام لا يلي على المسلمين بعقدٍ، وإنما يلي عليهم حكمًا؛ بدلالة أنّ المتخاصمين إليه يحكم بينهما، ولو كان يتصرّف بعقدهما لم يجز حكمه عليهما.
стр. 4863
وأمّا ما دون النفس فقد أجري مجرى الأموال؛ بدلالة أنه يكون عمدًا محضًا لا شبهة فيه، ويجب فيه المال، كالمشتركين في قطع يدٍ، وقطع اليد من نصف الساعد، فيتبعّض (١) في الوجوب كما يتبعّض المال، بدلالة القاطعين ليدٍ واحدةٍ، وللوصيّ أن يتصرّف في المال كما يتصرّف في القصاص الجاري مجرى الأموال.
وإذا ثبت هذا: فلا شبهة في صلحه عمّا دون النفس؛ لأنّه يملك الاستيفاء، فيملك الصلح كالأب، فأمّا في النفس فإذا لم يملك الاستيفاء، لم يملك الصلح.
وقد ذكر محمدٌ (٢) في بعض نسخ الأصل: أنّ صلحه في النفس لا يجوز، وفي أكثرها أنّه جائز؛ وذلك لأنّ القياس كان يقتضي جواز استيفاء القصاص، وإنما سقط لشبهةٍ، والمال لا شبهة فيه، فيملك العقد عليه؛ ولأنّه يجعل (٣) الحقّ الذي ليس بمالٍ مالًا، وذلك أنفع للصبيّ فجاز.
وأمّا إذا صالح الأب أو الوصيّ على أقلّ من الدية، لم يجز؛ لأنّ الصلح أوجب سقوط القصاص، فوجب المال، وهو مقدّرٌ، كما يجب إذا تعذّر القصاص حكمًا، فإذا حطّ منه فقد حطّ من حقّ الصغير، فلا يجوز، والحطّ اليسير والكثير سواءٌ؛ لأنّ ذلك متيقّنٌ، وليس هذا كبيعه بنقصانٍ يسيرٍ؛ لأنّ العوض هناك غير مقدّرٍ، وإنّما يتقدّر بالتقويم، والحطّ اليسير يدخل بين التقويمين، فلا يجوز أن يتيقّن بالحطّ، فلذلك جاز؛ (لجواز أن لا حطّ فيه) (٤).
стр. 4864
بَابْ الصلح في الوديعة وما في معناها
قال: إذا أودع رجلٌ رجلًا وديعةً ثم جاء يلتمس أخذها، فقال المُودَع: قد هلكت أو [قد] رددتها عليك، أو ادّعى وجهًا مما يكون القول قوله فيه مع يمينه، وكذّبه الطالب، وادعى أنّه استهلكها، ثم اصطلحا بعد هذا القول على شيء، فالصلح باطلٌ في قول أبي يوسف.
وقال محمدٌ: الصلح جائز إذا ادّعى ربّ الوديعة ما يوجب الضمان على المُودَع.
لأبي يوسف أنّ دعوى المُودَع للردّ أو الهلاك تبرئه من الدعوى، كما يبرأ بإبراء صاحب الدين من الدين، فكما لا يجوز الصلح في الديون بعد البراءة، فكذلك لا يجوز في الوديعة بعد دعوى الهلاك.
ولا يقال: لو برئ بقوله لم يجب عليه اليمين؛ لأنّ اليمين إنّما هي لتأكيد البراءة؛ لا أنّ البراءة تقف عليها، ولأنّ المالك لما ائتمن المُودَع وأقامه مقام نفسه في الحفظ، صار دعواه للهلاك كاعتراف المودع بذلك، فيمنع [من جواز] الصلح (١).
وجه قول محمدٍ: أن المدّعي يدّعي وجوب الضمان على المُودَع بالاستهلاك، فجاز الصلح كما يجوز في سائر الدعاوي؛ ولأنّ دخولها في عقد
стр. 4865
الصلح اعترافٌ منهما بصحته، وذلك لا يكون مع براءة المُودَع، فوجب أن يُحمَل العقد على الجواز ما أمكن.
قال: وإن كان الصلح قبل دعوى المُودَع ما يوجب براءته، فالصلح جائزٌ في قولهما؛ لأنّ البراءة لم تحصل، فالمطالبة ثابتةٌ، فجاز الصلح عنها كما يجوز عن سائر الحقوق.
قال: فإن اختلفا بعد وقوع الصلح، فقال المُودَع: كان الصلح بعدما [ادّعيته] (١) من البراءة، وقال الطالب: كان قبل ذلك، فالقول قول الطالب، إلا أن يقيم المطلوبُ البيّنة أن الصلح وقع بعد دعواه البراءة، وإن لم يكن له بيّنةٌ فله أن يستحلف الطالب على ذلك، فهذا إنّما يجيء على قول أبي يوسف.
فأما على قول محمدٍ: فلا فائدة لهذا الاختلاف؛ ولأنّ الصلح عنده جائزٌ قبل دعوى البراءة وبعدها.
وأمّا على قول أبي يوسف: فالأمر مختلفٌ، إلا أنّه جعل القول قول المدّعي؛ لأنّ المودِع (٢) يدّعي بطلان العقد الذي دخل فيه، فلا يُصدّق على ذلك.
وأمّا إن أقام البيّنة بطل العقد عنده؛ ولأنا بيّنا أنّه صالح بعدما برئ من الحقّ، ولا يقال: كيف تُسمَع بيّنته بفساد العقد بعد دخوله فيه؟ لأنّه تبيّن أنّه لم يكن بينهما عقدٌ، فتُقبَل البيّنة على ذلك، كما تُقبَل بيّنة المرأة بعد الخلع: أن الزوج كان طلقها ثلاثًا.
قال: فإن كان المُودَع جحد الوديعة، وقال: لم تودعني [شيئًا] ووقع
стр. 4866
الصلح بعد جحوده، فالصلح جائزٌ أيضًا (١)؛ لأنّ الجحود سببٌ لضمان الوديعة لو كانت، وليس بسببٍ للبراءة؛ فلذلك جاز الصلح.
والعارِية والمُضَارَبة كالوديعة؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما أمانةٌ يبرأ منها بقوله (٢).
стр. 4867
بَابْ صُلْحِ المُرْتَدَّ
قال ﵀: الأصل في هذا الباب: أنّ عند أبي حنيفة رِدّة الرجل تُوجب زوال ملكه زوالًا مراعًى، فإن قُتِل أو مات على ردّته، أو لحق بدار الحرب وحُكِم بلحاقه، زالت المراعاة، وحكمنا بانتقال (١) الملك في آخر جزء من أجزاء إسلامه، فإن أسلم، حكمنا ببقاء أملاكه على ما كانت عليه.
وعقوده [عنده] (٢) على الأموال موقوفة أيضًا، وهذه المسألة تأتي في كتاب السِّيَر، فإذا صالح وقف عقده، كما تقف سائر العقود.
فأمّا على قول (٣) أبي يوسف: فحكم المرتدّ حكم من وجب عليه القِصَاص؛ لأنّ دمه مُستَحقٌّ، فإذا صالح جاز صلحه.
وعند محمدٍ: هو كالمريض؛ لأنّ حاله مخوفةٌ، فيجوز صلحه فيما يجوز صلح المريض عليه.
فأمّا المرتدّة فصلحها جائزٌ في قولهم؛ لأنّ ردتها لا تزيل ملكها عن مالها (٤)، كما لا تبيح دمها، فإذا عقدت جاز عقدها.
стр. 4868
قال: فإن لحقت بدار الحرب، وحُكِم بلحاقها، بطل ما وقع من صلحها في دار الحرب، كما يبطل بصلح الحربية؛ لأنّ الحكم بلحاقها يوجبُ زوال أملاكها، ويجعلها في حكم أهل الحرب (١).
стр. 4869
بَابْ صلح المكاتب
[قال]: وإذا كان للمُكَاتَب على رجلٍ دينٌ، فصالحه على أن يحطّ [عنه] بعضه، أو أخّر بعضه، أو جميعه، فإن الحطّ لا يجوز إذا كان مِن دينٍ له [عليه] بيّنةٌ، وإن لم يكن عليه بيّنةٌ جاز حطّه؛ وذلك لأنّ الحطّ تَبرّعٌ ومعروفٌ، والمُكاتَب لا يملك التبرّع، وإذا كان له بيّنةٌ فالحقّ ثابتٌ، [فلا يجوز إسقاطه لشيءٍ منه، وإن لم يكن له بيّنةٌ، جاز صلحه؛ لأنّ الحقّ ليس بثابتٍ]، وإنّما يثبت له اليمين، والمال له أنفع من ذلك.
قال: وتأخيره جائزٌ، [سواءٌ] كانت له بيّنةٌ أو لم تكن؛ وذلك لأنّه مَلَك أن يقبض الحقّ ثمّ يبيعه بالتأجيل (١)، فإذا أجّل ابتداءً جاز.
قال: وصلح المُكاتَب في التجارات جائزٌ ما لم يحطّ شيئًا من مالٍ قد ثبت بالبيّنة ما خلا العيب، فإني أستحسن أن أجيز الحطّ فيه؛ لأنّ الردّ بالعيب مستحَقٌّ، ويجوز أن يكون الثمن مع الحطّ أنفع من أخذ السلعة، فلم يكن في ذلك تبرعٌ.
قال: فإن عجز المكاتب، فادّعى رجلٌ قِبَله دينًا، واصطلحا على أن يأخذ بعضها ويؤخّر بعضًا، فإن هذا لا يجوز إلا أن يكون عليه بيّنةٌ؛ لأن العجز حجرٌ عليه، فلا يجوز تصرّفه مع الحجر.
وأمّا إذا كانت عليه بيّنةٌ فهو الخصم في ديونه بعد العجز، وإذا صالح على إسقاط بعضها فهذا تبرعٌ عليه، فيجوز (٢).
стр. 4870
بَابْ صلح العبد التاجر
قال: وإذا كان للعبد دينٌ له بيّنةٌ (١) فأسقط بعضه، لم يجز؛ لأنّ ذلك تبرّع، والعبد لا يملك التبرّع، فإن لم يكن له بيّنةٌ جاز لما ذكرنا في المُكاتَب، ويجوز حطّه لأجْل العيب استحسانًا؛ لأنّ ذلك مُستحَقٌّ على ما بيّنّاه.
قال: ولو ادّعى رجلٌ عليه دينًا، فجحده، أو أقرّ به، ثمّ صالحه على أن يحطّ الثلث ويؤدي الثلث ويؤخّر عنه الثلث إلى أجلٍ، كان ذلك جائزًا؛ لأنّه يملك الاعتراف مع بقاء الإذن، فإذا صالح فقد تبرّع المُستحِقّ عليه (٢)، والتبرّع على العبد جائزٌ.
قال: ولو حجر مولى العبد على العبد، فادّعى رجلٌ عليه دينًا، وليس في يد العبد مالٌ، فصالح العبد على مالٍ ضمنه على أن يحطّ عنه طائفةً، فإن الصلح لا يجوز، فإن عتق يومًا جاز عليه؛ لأنّ الحجر يمنع من جواز العقود في حقّ المولى، فالصلح عقدٌ من العقود، فإذا أعتق جاز عليه؛ لأنّ له قولًا صحيحًا، وإنّما لم (٣) ينفذ صلحه بحقّ المولى؛ وقد زال حقّ المولى، ولم يبق إلا حقّ العبد، فينفذ عقده على نفسه.
قال: ولو كان في يده مالٌ جاز صلحه في قول أبي حنيفة، ولا يجوز في