стр. 4866
← Фикх ханафи следующие страницы →
Фикх ханафи · id 30052
شرح مختصر الكرخي
القدوري
Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4867
بَابْ صُلْحِ المُرْتَدَّ
قال ﵀: الأصل في هذا الباب: أنّ عند أبي حنيفة رِدّة الرجل تُوجب زوال ملكه زوالًا مراعًى، فإن قُتِل أو مات على ردّته، أو لحق بدار الحرب وحُكِم بلحاقه، زالت المراعاة، وحكمنا بانتقال (١) الملك في آخر جزء من أجزاء إسلامه، فإن أسلم، حكمنا ببقاء أملاكه على ما كانت عليه.
وعقوده [عنده] (٢) على الأموال موقوفة أيضًا، وهذه المسألة تأتي في كتاب السِّيَر، فإذا صالح وقف عقده، كما تقف سائر العقود.
فأمّا على قول (٣) أبي يوسف: فحكم المرتدّ حكم من وجب عليه القِصَاص؛ لأنّ دمه مُستَحقٌّ، فإذا صالح جاز صلحه.
وعند محمدٍ: هو كالمريض؛ لأنّ حاله مخوفةٌ، فيجوز صلحه فيما يجوز صلح المريض عليه.
فأمّا المرتدّة فصلحها جائزٌ في قولهم؛ لأنّ ردتها لا تزيل ملكها عن مالها (٤)، كما لا تبيح دمها، فإذا عقدت جاز عقدها.
стр. 4868
قال: فإن لحقت بدار الحرب، وحُكِم بلحاقها، بطل ما وقع من صلحها في دار الحرب، كما يبطل بصلح الحربية؛ لأنّ الحكم بلحاقها يوجبُ زوال أملاكها، ويجعلها في حكم أهل الحرب (١).
стр. 4869
بَابْ صلح المكاتب
[قال]: وإذا كان للمُكَاتَب على رجلٍ دينٌ، فصالحه على أن يحطّ [عنه] بعضه، أو أخّر بعضه، أو جميعه، فإن الحطّ لا يجوز إذا كان مِن دينٍ له [عليه] بيّنةٌ، وإن لم يكن عليه بيّنةٌ جاز حطّه؛ وذلك لأنّ الحطّ تَبرّعٌ ومعروفٌ، والمُكاتَب لا يملك التبرّع، وإذا كان له بيّنةٌ فالحقّ ثابتٌ، [فلا يجوز إسقاطه لشيءٍ منه، وإن لم يكن له بيّنةٌ، جاز صلحه؛ لأنّ الحقّ ليس بثابتٍ]، وإنّما يثبت له اليمين، والمال له أنفع من ذلك.
قال: وتأخيره جائزٌ، [سواءٌ] كانت له بيّنةٌ أو لم تكن؛ وذلك لأنّه مَلَك أن يقبض الحقّ ثمّ يبيعه بالتأجيل (١)، فإذا أجّل ابتداءً جاز.
قال: وصلح المُكاتَب في التجارات جائزٌ ما لم يحطّ شيئًا من مالٍ قد ثبت بالبيّنة ما خلا العيب، فإني أستحسن أن أجيز الحطّ فيه؛ لأنّ الردّ بالعيب مستحَقٌّ، ويجوز أن يكون الثمن مع الحطّ أنفع من أخذ السلعة، فلم يكن في ذلك تبرعٌ.
قال: فإن عجز المكاتب، فادّعى رجلٌ قِبَله دينًا، واصطلحا على أن يأخذ بعضها ويؤخّر بعضًا، فإن هذا لا يجوز إلا أن يكون عليه بيّنةٌ؛ لأن العجز حجرٌ عليه، فلا يجوز تصرّفه مع الحجر.
وأمّا إذا كانت عليه بيّنةٌ فهو الخصم في ديونه بعد العجز، وإذا صالح على إسقاط بعضها فهذا تبرعٌ عليه، فيجوز (٢).
стр. 4870
بَابْ صلح العبد التاجر
قال: وإذا كان للعبد دينٌ له بيّنةٌ (١) فأسقط بعضه، لم يجز؛ لأنّ ذلك تبرّع، والعبد لا يملك التبرّع، فإن لم يكن له بيّنةٌ جاز لما ذكرنا في المُكاتَب، ويجوز حطّه لأجْل العيب استحسانًا؛ لأنّ ذلك مُستحَقٌّ على ما بيّنّاه.
قال: ولو ادّعى رجلٌ عليه دينًا، فجحده، أو أقرّ به، ثمّ صالحه على أن يحطّ الثلث ويؤدي الثلث ويؤخّر عنه الثلث إلى أجلٍ، كان ذلك جائزًا؛ لأنّه يملك الاعتراف مع بقاء الإذن، فإذا صالح فقد تبرّع المُستحِقّ عليه (٢)، والتبرّع على العبد جائزٌ.
قال: ولو حجر مولى العبد على العبد، فادّعى رجلٌ عليه دينًا، وليس في يد العبد مالٌ، فصالح العبد على مالٍ ضمنه على أن يحطّ عنه طائفةً، فإن الصلح لا يجوز، فإن عتق يومًا جاز عليه؛ لأنّ الحجر يمنع من جواز العقود في حقّ المولى، فالصلح عقدٌ من العقود، فإذا أعتق جاز عليه؛ لأنّ له قولًا صحيحًا، وإنّما لم (٣) ينفذ صلحه بحقّ المولى؛ وقد زال حقّ المولى، ولم يبق إلا حقّ العبد، فينفذ عقده على نفسه.
قال: ولو كان في يده مالٌ جاز صلحه في قول أبي حنيفة، ولا يجوز في
стр. 4871
قولهما (١).
لأبي حنيفة: أنّ إقرار المأذون موقوفٌ على ثبوت يده على المال، لا على الإذن؛ بدلالة أنّ المولى إذا أخذ من يده بعض اكتسابه لم ينفذ إقراره فيما أخذه مع بقاء الإذن لعدم اليد، واليد باقيةٌ، فجاز إقراره، وإذا جاز الإقرار جاز الصلح؛ لأنّه إسقاط بعض المُستَحَقّ عليه.
وجه قولهما: أنّ الإقرار يتعلّق بالإذن، وقد زال الإذن، فلم ينفذ إقراره، وكذلك الصلح (٢).
стр. 4872
بَابْ صلح الصبي التاجر
قال محمدٌ في الأصل: كلّ شيء من التجارة [الصلح فيه] (١) يجوز على الرجل التاجر، فهو يجوز على الصبيّ [التاجر]، إلا الحطّ خاصةً من غير عَيْبٍ (٢)؛ وذلك لأنّ الصلح عقدٌ من العقود، فإذا لم يكن تبرع بماله [جاز كعقود التجارات، وأمّا الحطّ فهو تبرّعٌ بماله]، فلا يجوز.
قال: وإن صالح من سَلَمٍ أَسْلَمه على رأس ماله، كان جائزًا؛ وذلك لأنّ الصلح على رأس المال إقالةٌ، والإقالة معاوضةٌ، فملكها الصبيّ التاجر كما يملك البيع.
قال: ولو ابتاع سلعةً، [فظفر] (٣) بعيب، فصالحه البائع على أن قَبِلها (٤) كان جائزًا؛ لأنّ الثمن أنفع له من [المبيع] (٥) المَعِيب.
قال: ولو كان عليه مالٌ فحطّ بعضًا وأخّر بعضًا، كان جائزًا؛ وذلك لأنّ هذا تبرّعٌ [عليه]، والممتنع التبرّع منه، فأمّا عليه فلا. (٦).
تم كتاب الصلح بالأمثال والحجج
стр. 4873
[٧٧] كتابُ المزارعةِ
قال ﵀: المزارعة (١) في اللغة مفاعلةٌ من الزرع: وهي عبارةٌ عن العقد على الزراعة ببعض الخارج، وقد سمي هذا العقد مخابرةً.
وقيل في اشتقاقه: الهاء مأخوذةٌ من الزراعة؛ لأنّ الزارع خبيرٌ، وقد قيل: إنّه مشتقٌ من عقد النبي ﷺ مع أهل خيبر.
وهو عقدٌ فاسدٌ عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هو جائزٌ (٢).
لأبي حنيفة: ما روى رافع بن خديج: (أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة) (٣)؛ ولأنّه عقدٌ على المنافع بما يحدث من الزرع، والعقد ببدلٍ معدومٍ لا يجوز، وليس هذا كالمضاربة؛ لأنّ الربح [فيها] ليس ببدلٍ عن العمل، وإنّما هو في مقابلته؛ ولذلك لا يفتقر إلى ذكر المدّة.
وجهُ قولهما: "أنّ النبي ﵇ نصب عاملًا على أهل خيبر على نصف ما يخرج من تمرٍ وزرعٍ" (٤)؛ ولأنّ الحاجة داعيةٌ إلى هذا العقد؛ ولأنّ مالك الأرض
стр. 4874
لا يجد أجرةً يستعمل بها، (وما دعت إليه الحاجة) (١) والضرورة في العقود فهو جائزٌ، كعقد الإجارة على منافع معدومةٍ.
وذكر أبو الحسن حديث رافع بن خديج قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، نهى إذا كان لأحدنا أرضٌ أن يعطيها ببعض خراجها؛ بثلث أو نصف، وقال: "من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه" (٢).
وهذا الخبر أورده حجّةً لأبي حنيفة في امتناع المزارعة، وهو متأخرٌ عما كانوا يعقدونه، فيقتضي ذلك فسخ جواز العقد.
وذكر عن زيد بن ثابت قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة"، قال: قلت: وما المخابرة؟ قال: تأخذ أرضًا بثلثٍ أو نصفٍ أو ربعٍ (٣)، وهذا دلالة لأبي حنيفة أيضًا.
وذكر عن رافع بن خديجٍ: "أن النبي ﷺ نهى عن [الحَقل] (٤)، وقال: " [الحقل] الثلث والربع" (٥)، و [الحقل] في اللغة: الزرع (٦)، فكأنّه نهى عن العقد به.
وذكر عن ثابت بن الضحاك أنّه سئل عن المزارعة، فقال: "نهى عنها
стр. 4875
رسول الله ﷺ " (١)، [وذكر عن رافع بن خديج، قال: نهى رسول الله ﷺ ] عن المحاقلة والمزابنة، وقال: "إنما يزرع ثلاثةٌ: رجلٌ له أرض فيزرعها، أو رجلٌ مُنح أرضًا فهو يزرع ما مُنح، أو رجلٌ اكترى أرضًا بذهب أو فضة" (٢)، وهذا الخبر دلالةٌ لأبي حنيفة؛ لأنّه لم يذكر استئجار الأرض ببعض الخارج، وهذا يمنع المزارعة بذلك.
فأمّا المُحاقلة: فهي مفاعلةٌ من الزّرع، فيحتمل ذلك بيع الزرع بالزرع، ويحتمل العقد على المنافع بالزرع (٣).
فأمّا المُزابنة: فهو بيع الرّطب على رؤوس النخل بخرصها تمرًا (٤).
وذكر حديث ابن عمر قال: (كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا، يعني بالثلث والربع، حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة) (٥)، وهذا يدل على أنّه ترك ما كان يعتقده بروايته؛ لأنّه جعل الرواية عامّةً (٦) لما كانوا يفعلونه، وذكر في خبرٍ آخر عنه أنّه قال: "فتركناه من أجل قوله" (٧).
وذكر عن حنظلة بن قيس: أنّه سأل رافعًا عن [كراء] (٨) الأرض، فقال:
стр. 4876
"نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وسأله عن كرائها بالذهب والفضة، فقال: لا بأس بكرائها بالذهب والفضة" (١)، وهذا الخبر يدلّ على بطلان المزارعة؛ لأنّه [منع العقد على] (٢) الأرض بما يخرج منها، ولا حجّة لمالكٍ في هذا الخبر؛ لأنّه يقول: [لا يجوز] استئجار الأراضي بما تُنبته الأراضي (٣)، واحتجّ بهذا الخبر، فلا حجّة فيه؛ لأنه إذا استأجر بحنطةٍ مطلقةٍ، فلم يستأجر الأراضي بالخارج منها، وإنما استأجرها بذلك: أن يشترط [عليه] من طعامها، وذلك لا يجوز عندنا (٤).
المسّائل
٢٨٠٩ - [اشتراط أحدهما قُفزانًا معلومة]
قال أبو الحسن: وإذا تعاقد رجلان على زراعة أرض على أنّ الخارج بينهما؛ لكُلّ واحدٍ منهما جزءٌ مشاعٌ من جميع ما تخرج الأرض، فهي المزارعة، وهي فاسدةٌ في قول أبي حنيفة، وجائزةٌ في قول أبي يوسف ومحمدٍ، وقد بيّنا الكلام في ذلك، والتفريع [الآن] على قولهما، وتارةً يقع (٥) التفريع على قول
стр. 4877
أبي حنيفة لو كان يرى جواز المزارعة.
قال: وإن اشترط أحدهما شيئًا معلومًا قَدْرُه مما تخرجه الأرض أيّهما كان، لم تجز المزارعة في قولهم، فهي والمضاربة في هذا الوجه سواءٌ، وهذا مثل أن يشترط أحدهما قُفْزانًا معلومةً، أو شرط جزءًا مشاعًا وقُفْزانًا معه، فلا يصحّ العقد [معه]؛ لأنّ القياس يمنع من جواز المزارعة، وإنما أجازوه للأثر، وذلك [ورد] (١) في الشَّركة في جميع الخارج؛ ولأنّه روي: "أنهم كانوا يزرعون ويشترطون لأحدهما ما على الماذيانات والربيع الساقي، [فأبطل] النبي ﷺ ذلك" (٢)، وكأنّ المعنى فيه قطع الشركة [عن] بعض الخارج؛ ولأنّ الأرض يجوز أن لا تخرج إلا المقدار المسمّى، فيستحقه أحدهما دون الآخر، وذلك يؤدّي إلى قطع الشركة، [فلا يصحّ].
وعلى هذا المضاربة: لو شرط أحدهما دراهم مسمّاةً، أو شرط جزءًا مشاعًا ودراهم مسمّاةً معه، لم يجز العقد؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى قطع الشركة عن بعض الربح.
قال: وإن شرط أحد المزارعين البذر لنفسه، وأن يكون الباقي بينهما، فهذه مزارعةٌ فاسدةٌ؛ لما بيّنا أن جواز المزارعة يثبت بالأثر، وذلك ورد من غير استثناء البذر؛ ولأنّ الخارج كلّه نماءٌ، والبذر قد تلف، فلو شرط ردّ مثل البذر، أدّى إلى قطع الشركة عن بعض النماء.
فأما المضاربة: فإن شرط فيها قسمة جميع [المال]، فسدت حتى يشترط
стр. 4878
الشركة فيما زاد على رأس المال؛ لأنّ رأس المال ليس بمُتلَفٍ، وإنما تثبت الشركة في النماء، والنماء هو الربح دون رأس المال، فهذا الوجه تفارق المضاربةُ فيه المزارعةَ.
قال: وإذا وقع العقد بين المتعاقدين على زراعة أرضٍ على أنًّ الخارج بينهما، فإنّك تنظر إلى واقع البذر ممن هو منهما؟ فإن كان البذر من قِبَلِ صاحب الأرض، [فهو مستأجرٌ للعامل، وإن كان البذر من قبل الذي أخذ الأرض] فهو مُستأجِرٌ للأرض، ومن كان من قبله البذر فما يَستحقه من الزرع فهو يأخذه ببذره لا بالشرط، ومن لم يكن من قبله البذر فإنّما يستحق ما شُرط له بالشرط لا بغيره؛ وذلك لأنّ صاحبَ الأرض إذا أعطى البذر فالعامل مِن جهته المنافع [بعوضٍ]، وهذا معنى (من آجر نفسه، وإذا كان البذر للعامل فزرع الأرض أعطى منافع أرضه بعوضٍ، فهذا معنى) (١) إجارة الأرض.
وإنما قال: إن صاحب البذر يستحقّ الخارج ببذره لا بالشرط؛ لأنّ الخارج نماءٌ من البذر، فهو لصاحب الأصل إلا أن يملكه غيره، ومَن ليس له بذرٌ إنما يستحقّ [من] ملك غيره، ولا يستحقّه إلا بالشرط.
قال: وما كان الجواب فيه: إن المزارعة فاسدةٌ، فالزرع كله لصاحبِ البذر، كان العامل أو صاحب الأرض؛ وذلك لأنّ العقد الفاسد لا يُستحَقّ فيه التسمية، ومن لا بذر له إنّما يستحقّ بعض الخارج بالتسمية، وإذا بطلت التسمية بالفسادِ بقي النماء كلّه على ملك صاحب البذر.
قال: فإذا كان المُستَحِقّ للزرع العامل، [فعليه مثل أجر الأرض، فإن كان
стр. 4879
المستحقّ للزرع ربّ الأرض]، فعليه للعامل أجرُ عمله؛ وذلك لأنّ العامل قد استوفى منافع الأرض بعقدٍ فاسدٍ، فوجب عليه رَدّها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فأوجب في الربا ردّ رأس المال، والمنافع لا مثل لها، فيجب ردّ قيمتها، وإن كان البذر لصاحب الأرض، فقد استوفى منفعة العامل بعقدٍ فاسدٍ، فيجب عليه رَدها، ولا مثل لها، فيردّ قيمتها.
قال: وإنّ كان المستحِقّ للزرع ربّ الأرض، فعليه للعامل أجر عمله، فيأخذ ربّ الأرض من الزرع مثل بذره، وما غرم من الأجر للعامل، ولا يتصدّق بما فضل عن ذلك؛ لأنّ الخارج نماءٌ من ماله في أرضه، والفساد حصل في منافع العامل، والنماء غير متولّدٍ (١) من ذلك، فلم يحصل له من وجهٍ محظورٍ، فلا يتصدّق بشيءٍ.
قال: وإن كان المستحِقّ للزرع العامل، أخذ من الزرع قدر بذره، وقدر أجر الأرض، ويتصدّق بالفضل؛ لأنّه أخذ فضل زرعٍ خرج في أرض غيره بإجارةٍ فاسدةٍ، وإنّما رفع مقدار بذره؛ لأنّ ذلك ليس بنماء، ورفع أجر الأرض؛ لأنّ ذلك قد أدّى عوضه
ولا يرفع أجر مثل عمله؛ لأنّ المنافع لا قيمة لها إلا بعقدٍ، ولم يعقد على منافعه، وإنما هو العاقد على منفعة الأرض، ويتصدّق بالفضل؛ لأنّه حصل [له] متولّدًا (٢) من أرض قبضها بعقدٍ فاسدٍ، فهو مال حصل له من وجهٍ محظورٍ لم يؤدّ بدله، فصار كشاة الأنصار.
стр. 4880
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى رجل أرضًا وبذرًا وبقرًا، على أن يعمل المدفوع إليه الأرض بنفسه، على أنّ ما يخرج منها من شيء فهو بينهما، فهذا جائزٌ.
قال: وجملة هذا على قولهما: إنّ المزارعة على أربعة أوجه: إمّا أن يكون الأرض والبذر من واحدٍ، والعمل والبقر من الآخر، [أو يكون الأرض والبقر والبذر من واحدٍ، والعمل من الآخر]، أو يكون البذر والبقر والعمل من واحدٍ، والأرض من الآخر، أو يكون الأرض والبقر من واحدٍ، والبذر والعمل من الآخر، [فإن] كان البذر والأرض [من واحدٍ]، فالعقد جائزٌ؛ لأنّه استأجر العامل ببعض الخارج، والبقر ليست مستأجرةً، وإنما [هي] تابعةٌ لعمل العامل المعقود عليه، فلا يكون في مقابلتها (١) عوضٌ، كما لو استأجر خيَّاطًا كانت الإبرة تابعةً لعمله، ليسَ في مقابلتها أجرةٌ.
وأمّا إذا كان البذر والأرض والبقر لواحدٍ، جاز؛ لأنّه مستأجرٌ العامل، والبقر ليست مستأجَرةٌ، ألا ترى أنّ ربّ الأرض يستحيل أن يستأجر بقره ليعمل في أرضه، وأمّا إذا كان البذر والبقر للعامل، جاز؛ لأنّ العامل مستأجرٌ للأرض، وهو مستعملٌ لبقره في عمل نفسه، فلا تكون مستأجَرة.
وأمّا إذا كانت الأرض والبقر لواحدٍ، والبذر والعمل لآخر، فالعقد فاسدٌ على رواية الأصل؛ لأنّ البقر هاهنا مستأجَرةٌ ببعض الخارج، ألا ترى أنّها لا تكون تابعةً للعمل؛ لأنّها لم تُشترط على العامل، واستئجار البقر ببعض الخارج لا يجوز (٢) ; والدليل عليه قوله: روي: "أن أربعة نفر اشتركوا على عهد رسول الله ﷺ : من قِبَل
стр. 4881
أحدهم الأرض، ومن قبل الآخر البذر، ومن قبل الآخر البقر، ومن قبل الآخر العمل، فأبطل النبي ﵇ المزارعة عليه" (١).
وروي عن أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنّ هذا العقد جائزٌ؛ لأنّ العامل كالمضارِب، وصاحب الأرض كربّ المال، ولو دفع في المضاربة مالًا ودابّةً يحمل عليها ما يشتريه، جاز [ذلك]، فكذلك في المزارعة.
وقد قال أصحابنا في المشهور عنهم: إنّ المزارعة بالبذر لا تجوز، ومعناه: إذا دفع بذرًا إلى رجل ليزرعه في أرضه بنصف (٢) الخارج، فالمزارعة فاسدةٌ، وعن أبي يوسف: أنها جائزةٌ.
وجه قولهم: ما روي: "أن أربعةً اشتركوا على عهد رسول الله ﷺ ، من أحدهم الأرض، ومن الآخر العمل، ومن الآخر، البقر، ومن الآخر البذر، فأبطل النبي ﷺ المزارعة" (٣)، ولأنّها تشبه الشركة بالعروض، والشركة بالعروض فاسدةٌ.
لأبي يوسف: أنّ استئجار الأرض ببعض الخارج جائز، واستئجار العامل ببعض الخارج جائز، وفي مسألتنا صاحب البذر استأجرهما جميعًا، فإذا جاز استئجار أحدهما، فكذلك استئجارهما، وإذا شرط عملهما جميعًا في المزارعة فهي فاسدةٌ؛ لأنّ البذر [إن كان من قِبل العامل، فهو مستأجرٌ للأرض، فإذا شرط
стр. 4882
عمل صاحبها، فلم يُسَلّم ما آجر]، وإن كان البذر من قبل صاحب الأرض، وشرط عمله، فلم يُخلِّ بين المزارع وبين الأرض، ومن شرط المزارعة التخلية، كالمضاربة إذا شرط فيها عمل ربّ المال، لم يجز؛ وذلك لأنّها عقد أمانةٍ، فإذا لم تحصل التخلية وانفرد المؤتمن باليد، لم يصحّ، كالوديعة.
قال: وإذا لم تخرج الأرض شيئًا في المزارعة الصحيحة، فلا شيء لواحد منهما؛ لأنّ العقد الصحيح يجب فيه المسمَّى، ولم يُوجد المُسمَّى، فلم يستحق عوضًا.
وأمّا إذا كانت المزارعة فاسدةً، ولم تخرج الأرض شيئًا، فأجرُ المثل واجب؛ وذلك لأنّ الإجارة الفاسدة لا يجبُ فيها المسمَّى، وإنّما يجب أجر المثل في الذمة، ففوات الخارج لا يمنع من وجوبه، وقد قال في كتاب المزارعة: إنّ الواجب في الفاسد أجرُ المثل، ولم يفصّل، والمسألة على الخلاف (١).
عند أبي يوسف: يجب للعامل أجرُ مثله، لا يجاوز به مقدار ما سُمّي له من الخارج.
وعند محمدٍ: له أجر المثل بالغًا ما بلغ.
وهذا الخلاف مذكورٌ فى باب شركة الاحتطاب من كتاب الشركة.
لأبي يوسف: أن الإجارة الفاسدة يَجبُ فيها الأقل من المُسمَّى ومن أجر المثل، والمُسمّى (٢) نصف الخارج، فلا يجوز إيجاب ما زاد عليه.
стр. 4883
لمحمدٍ: أنّ الزيادة على المُسمَّى إنّما لا تجوز؛ لأنّ العاقد رضي بذلك بدلًا عن منافعه، ونصف الخارج غير معلوم القدر، حتى يكون رضي بإسقاط ما زاد عليه، فوجب إيجاب الأجر بالغًا ما بلغ.
ولو دفع أرضًا وبذرًا وبقرًا على أن يعمل العامل عند أصحاب الأرض، فما أخرج الله تعالى من ذلك فلصاحب العمل الثلث، ولصاحب الأرض والبذر الثلث، ولعبد ربّ الأرض الثلث، كان هذا جائزًا على ما [شرطوا] (١)، ونصيب العبد لصاحب الأرض؛ لأنّ صاحب الأرض أزال يده عنها، وخلّى بين [المزارع] (٢) وبينها، وأعانه بعمل عبده، فهو كمعونته ببقره، والمشروط للعبد في حكم المسكوت عنه؛ لأنّ المزارعة تفتقر إلى التسمية، وقد سمَّى له، وما بقي بعده لا يفتقر إلى التسمية، فكأنّه سكت عن ذكره، فيكون لصاحب الأرض.
قال: ولو كان البذر من عند صاحب العمل، والمسألة بحالها، كان هذا فاسدًا، والخارج لصاحب البذر، وعليه أجر مثل الأرض والبقر والعبد؛ لأنّ صاحب الأرض آجر عبده وبقره ببعض الخارج، وقد بيّنا أن إجارة البقر يفسد المزارعة، وكذلك لو اشترط على رب الأرض أن يعمل معه بنفسه، كان له أيضًا أجرُ مثله فيما عمل على صاحب البذر؛ لأنّه استوفى منافعه بعقدٍ فاسدٍ، ولو كان البذر من قبل صاحب الأرض وشرط عمله، وعَمل العامل في الأرض، كان العقد فاسدًا؛ لما [بيّنا] أنّ رب الأرض لم يخلّ بينها وبين المزارع.
قال: وإن دفع رجلٌ أرضه إلى رجلٍ على أن يَزرعهَا بيده وبقره،
стр. 4884
ومعه هذا الرجل الآخر، فما أخرج الله منها من شيءٍ: فالثلث ذلك لربّ الأرض، والثلث لصاحب البذر والعمل، والثلث لصاحب العمل الآخر، فهذا فاسدٌ (١)، والثلث [من] الخارج لربّ الأرض، والثلثان لصاحب البذر، وعلى صاحب البذر أجر مثل صاحب العمل الذي عمل معه، ولا يتصدّق واحدٌ منهم بشيءٍ؛ وذلك لأنّ المزارعة تنعقد على أحد وجهين: إمّا على استئجار الأرض، أو على استئجار العامل، فإن (٢) كان البذر لأحد العاملين فهو مستأجرٌ للأرض ومستأجرٌ للعامل الآخر، وهذا خلاف [موضوع] (٣) المزارعة؛ لأنّها تتضمّن استئجار أحد الأمرين دون الآخر، فإذا لم يصلح استئجار العامل، فالمزارعة صحيحةٌ بين صاحب الأرض وصاحب البذر، فاسدةٌ في حقّ صاحب العمل؛ لأنّ الفساد جاء بدخوله، فوجب أن يعتبر في حقّ صاحب الأرض والبذر حكم العقد الصحيح، فيجب لصاحب الأرض الثلث الذي سمِّي له، ولصاحب البذر ما بقي؛ لأنّه خارجٌ من بذره، ولا يتصدّق واحدٌ منهما بشيء؛ لأنّ العقد صحيحٌ في حقهما، فأمّا صاحب العمل فقد استوفى عمله بعقدٍ فاسدٍ، وله أجر المثل.
قال: ولو كان البذر من صاحب الأرض والمسألة على حالها، كانت هذه مزارعةً جائزةً، والثلث مما أخرجت الأرض لصاحب الأرض، والثلثان للعاملين؛ لأنّ ربّ الأرض يستأجر العاملين، فيجب لها ما سمِّي لها.
* * *
стр. 4885
بَابْ امتناع المزارعين من الزراعة
قال: وإذا تعاقد الرجلان على زراعة أرض سنةً، ثمّ بدا لأحدهما أن لا يزرع، فقال: لا أزرع هذه الأرض ولا غيرها، أو قال: لا أريد أن أزرع هذه الأرض، وأريد أن أزرع غيرها، فإنّك تنظر في ذلك: فإن كان الممتنع من قِبَله البذر فله ذلك، وإن كان الممتنع من ليس من قِبَله البذر فليس له أن يمتنع من ذلك، إلا من عذرٍ؛ وذلك لأنّ الذي من جهته البذر لا يتوصّل إلى الوفاء بالعقد (١) إلا بإتلاف ماله الذي هو البذر، ولا يُجبر على ذلك.
كما قالوا فيمن استأجر رجلًا لهدم دارٍ، ثم بدا لصاحب الدار، لم يجبر على الوفاء بها، ولهذا قال أصحابنا فيمن باع ذراعًا من ثوب أو جذعًا في سقف: إنّ البيع فاسدٌ؛ لأنّه لا يقدر على الوفاء إلا بضررٍ [يلحقه] بإتلاف ماله، فلم يُجبر عليه.
وأمّا الذي ليس من جهته بذرٌ، فالوفاء بالعقد ليس بإتلاف مالٍ عليه؛ فلذلك لزمه البقاء على العقد، كما يلزم في سائر الإجارات.
قال: ولو كانت الإجارة للزراعة وقعت بأجرٍ غير ما يخرج منها، ثم أراد المستأجِر أن يدع الزراعة ولا يزرع هذه الأرض ولا غيرها، فذلك له، وإن قال: لا أزرع هذه الأرض وأزرع غيرها، لم يكن له ذلك، وقيل له: اقبض الأرض،
стр. 4886
فإن شئت فازرعها، وإن شئت فلا.
وإن امتنع صاحب الأرض وقال: قد بدا لي أن أؤجر الأرض للزراعة فلم يكن له ذلك، ويجبر على تسليم أرضه؛ إلا أن يكون له عذرٌ في ذلك، والعذر أن يكون عليه دينٌ فادحٌ لا يقدر على أدائه إلا من ثمن الأرض؛ وذلك لأنّ المستأجِر يمكنه الوفاء بالعقد من غير إتلافٍ في مالٍ، ألا ترى أنّه إذا قبض الأرض وجبت الأجرة وإن لم يزرع، فلمّا أمكن الوفاء بالعقد من غير إتلاف مالٍ، لزمه ذلك إلا من عذرٍ؛ لأنّ الإجارات تنفسخ بالعذر عندنا، والعذر أن يختار المستأجِر ترك الزراعة في ذلك العام، فلا يُكلّف البقاء على الإجارة (مع عدوله عن الزرع، والعذر من جهة ربّ الأرض أن يلزمه دينٌ؛ لأنّ في تبقية الإجارة إلحاق ضررٍ به) (١)؛ لأنّه يحبس في الدين.
قال: وإذا دفع أرضًا وبذرًا على أن يزرعها العامل هذه السنة بنفسه وبقره، فما أخرج الله تعالى فهو بينهما نصفان، فلمّا وقع عقد المزارعة قال الذي أخذ الأرض ليزرعها: لا أريد أن أزرع هذه الأرض ولا غيرها، أنا أريد ترك الزرع سنتي هذه، فليس له ذلك، ويُجبر على أن يزرع؛ لأنّه ليس في إلزامه العقد إتلاف مالٍ عليه، وإنّما هو إتلاف منفعةٍ، فصار كمن آجر نفسه.
وليس هذا كالمستأجر للأرض إذا اختار ترك الزراعة؛ لأنّ في تبقية العقد مع اختيار ترك الزراعة (٢) إلحاق ضرر به في إلزامه الأجرة، فلذلك كان عذرًا.
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ نخلًا معاملةً على أن يقوم عليه ويسقيه
стр. 4887
стр. 4888
بَابُ ما يفسد المزارعة من الشروط وما لا يفسده
إذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ أرضًا له سنته هذه على أن يبذرها ويعمل فيها، فما أخرج الله تعالى منها فهو بينهما نصفان، واشترط ربّ الأرض على المزارع الحصاد، فإنّ هذه مزارعةٌ فاسدةٌ؛ لأنّ الحصاد ليس مما يجب على المزارع، إنّما عليه أن يقوم عليه حتى ينتهي إلى الغاية التي يبلغ فيها الزرع وييبس، والحصاد عليهما على قدر مالهما من الزرع، وكذلك لو اشترط مع الحصاد رفعه إلى البيدر، كان قد اشترط عليه ما ليس عليه.
وكذلك لو اشترط عليه [التَّذرية] (١) والدِّياس، وأيّ شرطٍ من هذا فهو يفسد المزارعة، وكذلك لو كان البذر من قبل ربّ (٢) الأرض.
وما كان بعد بلوغ الزرع وتناهيه وجفافه فهو عليهما جميعًا حتى يقتسماه، فإذا اقتسماه لزم كلّ واحدٍ منهما في نفسه خاصّةً الحمل والحفظ دون الآخر، وهو على ثلاثة وجوه:
ما كان قبل بلوغ الزرع ممّا يحصل به الزرع، فهو على العامل، وما كان بعد تناهي الزرع فهو عليهما، وما كان بعد القسمة فهو على كلّ واحدٍ منهما في نصيبه
стр. 4889
خاصّةً دون صاحبه.
وروى ابن سَمَاعة وبِشر عن أبي يوسف: أنهما إذا شرطا الدِّياس والرِّفاع (١) والحصاد من الوسط، فهو جائزٌ، ولو شرطا ذلك على الدخيل كان جائزًا أيضًا، بمنزلة رجلٍ أخذ مالًا مضاربةً، فشَرط النفقة على المال، وكذلك النفقة على الدخيل، وإن شرط على الدخيل حملان الطعام إلى موضعٍ قد سمّاه، أو إلى منزل ربّ الأرض، فإنّ هذا يفسد الإجارة.
أمّا وجه رواية الأصول: فلأنّ عقد المزارعة يقع على عملهما، ومتى تناهى الزرع فلم يبق هناك عملٌ يقع به النماء، وإذا تمّ العقد صار الزرع مشتركًا بينهما، والعمل فيه عليهما، وإذا شرط على أحدهما فقد شرط عليه ما لا يقتضيه العقد، (فيفسد ذلك العقد) (٢)، وإنّما جُعل العمل على ثلاثة أقسام؛ لأنّ ما قبل بلوغ الزرع هو عمل المزارعة، فيختصّ به المزارع، والحصاد والدّياس عملٌ في مالٍ مشترك ليس له تعلّقٌ بالمزارعة، فيكون على قدر المِلْكَيْن، وما بعد القسمة ملك كلّ واحدٍ منهما قد تميّز عن ملك الآخر، فنفقته عليه.
لأبي يوسف -وهو اختيار شيوخنا بخراسان نصير: بن يحيى، ومحمد بن سلمة- أنّ التعارف في المزارعة قد حصل على أنّ الحصاد والدِّياس والتذرية على العامل، واستحسنوا في جوازه لعمل الناس، كما استحسنوا في الاستصناع (٣)
стр. 4890
وأمّا حمل الطعام بعد القسمة فلم يتعارف الناس شرطه على (١) المزارع، فبقي على أصل القياس.
قال عطفًا على رواية الأصل: فإن بلغ الزرع حتى صار قصيلًا (٢) وأجمعا (٣) على أن يقصلاه ويبيعاه قصيلًا، فإنّ حصاد القصيل وبيعه على قدر مال كلّ واحدٍ منهما في الزرع؛ وذلك لأنّهما اتفقا على قطعه، فقد أسقطا ما بقي من عمل المزارعة، فكأنّها انتهت، فيكون القطع كالحصاد بعد التناهي.
وكذلك إذا دفع نخلًا معاملةً، فكلّ عملٍ كان قبل أن يصير التمر تمرًا فهو على العامل، وما كان بعد ذلك فهو عليهما على قدر [ما لكلّ] (٤) واحدٍ منهما من الثمرة؛ لأنّ ما قبل تناهي العمل يحصل به النماء فهو عمل المساقاة، وكان (٥) على العامل، فإذا صار تمرًا فقد انتهى العمل، فما بعد ذلك عليهما.
وهذا على الروايتين: أنّ الجذاذ لا يلزم العامل؛ لأنّ القياس في الحصاد والجذاذ واحدٌ، وإنّما ترك أبو يوسف القياس في الحصاد لعمل الناس، ولم يوجد ذلك في المعاملة؛ لأنّ الثمرة إذا بلغت تولّى صاحب النخل التصرف فيها (٦)
стр. 4891
بَابٌ آخر من الشروطِ في المزارعةِ
قال: وإذا دفع الرجل أرضًا مزارعةً بالنّصف [سنته هذه] (١) على أنّ البذر والعمل من قِبَل (٢) العامِل الذي يعمل، فقال صاحب الأرض: أكرِبْها (٣) ثم ازرعها، وقال الآخر: ازرعها بغير كِراب، فإنّه يُنظر في ذلك: فإن كانت الأرض تُزرع بغير كِرابٍ ويخرج زرعها، إلا أن الكراب أجود، فذلك إلى المزارع: إن شاء كربها، وإن شاء لم يكربها، وإن كانت لا يخرج زرعها إلا بكرابٍ، لم يكن له أن يزرعها إلا بكرابٍ، فإن كانت تخرج شيئًا قليلًا، فإني أنظر إلى ذلك فإن كان مثل ما يخرج للناس أَجزت ذلك للمزارع، وإن كان ممّا لا يعمل الناس، أجبرت المزارع على الكِراب.
وكذلك إن زرع فقال: لا أسقي زرعه حتى تسقيه السماء، نظرت: فإن كان يُسقى بماء السماء، إلا أنّه إن سُقي كان أجود للزرع، لم أجبره على السقي، وإن كان مما لا يكتفي بسقي السماء أجبرته على السقي.
وكذلك لو كان البذر من قبل ربّ الأرض؛ وذلك لأنّ العقد وقع على الزارعة (٤)، ولم يشترط فيها كيفية العمل، فالمستحق أدنى ما يتناوله الاسم، فإذا
стр. 4892
كانت تخرج زرعًا يقصد (١) مثله بغير كرابٍ ولا بسقي، فذلك عملٌ يتناوله اسم المزارعة، فهو المستحَقّ بالعقد، وما زاد على ذلك لا يُعلم استحقاقه، فإن كانت الأرض لا تنبت بغير كرابٍ ولا سقيٍ، أو تنبت شيئًا قليلًا لا يقصده الناس، فذلك ليس بعملٍ للمزارعة، فلا يمكن العامل الاقتصار عليه.
قال: ولو كان شرط في أصل المزارعة الكِراب لزمه في الوجهين؛ لأنّه شرط عقدًا بصفةٍ، فلزمه الوفاء [بها]، وإن كان إطلاق العقد لا يوجبها، وهذا كمن باع عبدًا خبازًا، فوجده المشتري لا يحسن الخَبْز -كان له الخيار، وإن كان إطلاق العقد لم يثبت له الخيار.
وكذلك قال أصحابنا -فيمن أَسْلَم في طعامٍ وشرط تسليمه ببغداد: كان على المُسلَم إليه أن يدفعه في أي أطراف المصر شاء، ولو شرط أن يُسلّمه في منزل ربّ السَّلم، لزمه ذلك وإن لم يقتضه الإطلاق.
قال: ولو شرط في عقد المزارعة أن يكربها أو يُثَنِّيَهَا (٢)، فالمزارعة فاسدةٌ، وقد تكلّم أصحابنا في هذه المسألة فقالوا: إن كان الثُّنيان يُنتفع به في السنة [الثانية]، فقد شرط منفعةً تبقى لربّ الأرض بعد المزارعة، فلا يجوز، كما لو شرط أن يهب له شيئًا، وعلى هذا: لو شرط أن يُسرقِنَها (٣)، وقد أشار محمدٌ إلى هذه العلّة.
стр. 4893
ومن أصحابنا من قال: إنّه أجاب على عادةٍ شاهدها بالكوفة، أنّ منفعة الثُّنيان تبقى للسنة الثانية، وهذا يختلف باختلاف البلاد، فإن كان العقد في بلدٍ لا تبقى منفعة الثّنيان، فشرطه جائزٌ كشرط الكِراب (١)
ومن أصحابنا من قال: معنى هذا أنّه شرط على المزارع أن يثنّيها بعد الحصاد حتى يذرها (٢) مكروبةً، فهذا شرطٌ لا يقتضيه العقد؛ لأنّه عملٌ تبقى منفعته للسنة الأخرى، وليس هو من عمل هذه المزارعة.
فأما إذا شرط الثُّنيان ابتداءً قبل الزراعة، فهذا من عمل المزارعة، فشرطه لا يفسدها.
قال: وكذلك إن شرط [على] العامل عمل الْمُسَنَّيَاتِ (٣)، وكرب الأنهار؛ لأنّ هذا ممّا تبقى منفعته بعد تقضي العقد.
قال: ولو دفع الرجل إلى الرجل أرضًا وبذرًا على أن يعملها سنته هذه على أنّه إن زرعها بغير كراب، فما أخرج اللهُ تعالى من شيء فهو بينهما أرباعًا، لربّ الأرض والبذر ثلاثة أرباعه، وللمزارع ربعه (٤)، [فإن كان كربها ثمّ زرع، فهو بينهما أثلاثًا، لربّ الأرض ثلثاه، وللمزارع ثلثه، فإن كان] كرب وثنّى ثمّ زرع، فما خرج فهو بينهما نصفان، فهذه مزارعة جائزةٌ، وهو على ما اشترطا.
قال ﵀ (٥): وقد طُعن في هذه المسألة، وقيل: إنّ جوابها خطأٌ، والصحيح
стр. 4894
أنّه إن زرعها بغير كراب أو بكِراب فهو على ما اشترطا، وإن كرب وثنّى فالعقد فاسدٌ؛ لأنّه خيّره بين ثلاثة أعمال؛ جائزين وفاسدٍ، فإن اختار الجائز، صحّ، وإن اختار الفاسد، فسد.
ووجه ما في الأصل: أنّ شرط التثنية إنّما يفسد (١)؛ لأنّه أوجب على المزارع عملًا لا تقتضيه المزارعة، وتبقى منفعته، وفي مسألتنا خيّره بين أن يثنّي، وبين أن لا يثنّي، فلم يوجب عليه ذلك؛ فلهذا صحت الشروط الثلاثة.
قال: فإن زرع بعضها بغير كرابٍ، وبعضها بكرابٍ، وبعضها بكرابٍ وثُنيان، فهذا جائزٌ كلّه، وما زرع بغير كرابٍ فهو بينهما أرباع، وما زرع بكراب فهو بينهما أثلاث، وما زرع بثُنيان فهو بينهما نصفان؛ وذلك لأنّه لمّا خيّره بين الأعمال الثلاثة، فقد جوّز له كلّ واحدٍ منها في الأرض، فإذا فعله في بعض الأرض جاز على الشرط.
قال: ولو قال: على أنّ [ما] زرع [منها] بغير كِرابٍ، فللمزارع ربعه، وما زرع بكِرابٍ فله ثلثه، وما زرع بثُنيان فله نصفه، فهذا جائزٌ.
قال ﵀: وقد قيل: إنّ هذا كلّه خطأٌ، والصحيح أن تكون الشروط كلّها فاسدةً؛ لأنّ قوله: "منها" يقتضي التبعيض، فكأنّه شرط أن يزرع بعضها بكذا، وبعضها بكذا، وذلك البعض مجهولٌ، فلا تصحّ المزارعة.
وقد ذكر محمدٌ فيمن دفع أرضًا على أن يزرعها العامل [ببذره] (٢): فما زرع منها حنطةً فله منه الثلث، وما زرع منها شعيرًا فله نصفه، وما زرع منها
стр. 4895
سمْسِمًا فله ثلثاه: إنّ العقد فاسدٌ؛ لأنّه عقد على كل نوعٍ في بعض الأرض، وذلك البعض مجهولٌ.
ووجه المسألة: أنّ المزارعة عقدٌ بُني على المسامحة للحاجة إليه، فإذا شرط الحنطة والشعير، فالجهالة في جنس العِوض، وذلك جهالةٌ كثيرةٌ، فيمنع من صحة العقد.
أمّا إذا قال: على أنّ ما زرعت منها بكِراب فبكذا، فالجنس المزروع للمزارع (١) واحدٌ، وإنّما الجهالة حاصلةٌ في الصفة، فقد خفّت الجهالة، فلم تمنع من صحة العقد.
قال: وإن دفع إليه أرضًا على أن يزرعها سنته هذه ببذره ونفقته، على [أنّه] إن زرعها حنطةً، فالخارج بينهما نصفان، وإن زرعها شعيرًا فللعامل الثلث، وإن زرعها سِمْسِمًا فللعامل الربع، فهي مزارعة جائزة؛ لأنّه خيّره بين أعمالٍ ثلاثةٍ، كلّ واحدٍ منها جعل له بدلًا معلومًا، فصار كقوله: إن خطته روميًّا [فبنصفٍ] (٢)، وإن خطته فارسيًّا فبدرهم.
وليس هذا عند أبي يوسف ومحمدٍ كقوله: آجرتك هذا الدكان، فإن جلست فيه طحانًا فبدرهمٍ، وإن جلست فيه خبازًا فبنصفٍ؛ لأنّ الأجرة تجب بالتخلية بينه وبين الدكان، وهو لا يدري عند التخلية هل يكون طحانًا أو خبازًا، فصارت الأجرة مجهولةً عند وجوبها.
وفي مسألتنا إنّما يحصل البدل بخروج الزرع، وقد تغيّر البذر، فيصير
стр. 4896
[معلومًا] (١) عند الوجوب.
قال: فإن زرع بعضها حنطةً وبعضها شعيرًا وبعضها سمسمًا، كان ذلك جائزًا؛ لأنّه جعل له أن يزرع جميع الأرض كلّ واحدٍ من الأنواع، فإذا زرع البعض، فقد فعل ما يتناوله العقد.
قال: وكذلك لو قال: على إنّ ما زرعت فيها حنطةً أو ما زرعت فيها شعيرًا؛ لأنّ هذا ممَّا لا يقتضي التبعيض، فهو كقوله: على أنك إن زرعتها، قال: وإن قال: على أن تزرع بعضها حنطةً وبعضها شعيرًا وبعضها سمسمًا، فما زرع منها حنطةً فهو بينهما نصفان، وما زرع منها شعيرًا فللمزارع ثلثاه، ولصاحب الأرض الثلث، وما زرع منها سمسمًا فلصاحب الأرض ثلاثة أرباعه، وللمزارع ربعه، فهذا كلّه فاسدٌ، والمزارعة فاسدةٌ.
والوجه في ذلك ما بيّناه: أنّه عقد على بعض الأرض في كلّ نوعٍ، وذلك البعض مجهولٌ.
قال: وكذلك لو قال: خذ هذه الأرض على أنّ ما زرعت منها حنطةً فبكذا، وما زرعت منها شعيرًا فبكذا، وما زرعت [منها] سمسمًا فبكذا؛ لأنّ "من" يقتضي التبعيض، والتبعيض مجهولٌ، وقد بيّنا الفرق بين هذا وبين الكِراب والثُّنيان (٢).
стр. 4897
بَابُ ما يكون عذرًا في فسخ المزارعةِ
[قال]: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ أرضه سَنَتَه هذه على أن يزرعها العامل [ببذره] (١)، فما أخرج الله تعالى من شيءٍ فهو بينهما نصفان، ثم أراد صاحب الأرض أخذ أرضه قبل أن يعمل فيها أو بعدما عمل، فليس له ذلك، إلا أن يكون عليه دينٌ ليس عنده وفاءٌ إلا ببيع أرضه؛ وذلك لما قدّمنا: أنّ الوفاء بالعقد ليس فيه إتلافُ مالٍ لربّ الأرض، فلزمه الوفاء به إلا من عذرٍ، فأمّا الدين فهو عذرٌ؛ لأنّه يستضرّ بالبقاء في الحبس، فكان له الفسخ.
فإن كان العامل قد كرب الأرض وكرى سواقيها وحفر أنهارها، وسوّى مُسَنَّاتِهَا، فقال صاحب العمل: ردّ علي ما أنفقت، لم يكن لصاحب العمل قليلٌ ولا كثيرٌ؛ وذلك لأنّ المنافع لا قيمة لها إلا بالعقد، ولم يقوّماها إلا بالخارج من الأرض، فإذا لم يحصل ذلك لم يتقوّم بغيره؛ ولأنّ العامل عمل فيما هو شريكٌ فيه، والعمل المشترك لا يستحقّ به أجرةً.
قال: فإن زرعها العامل ونبت زرعها فلم يبلغ الحصاد، ثم أراد أخذ الأرض وبيعها في دينه، فليس له أن يبيع الأرض حتى يستحصد الزرع؛ لأنها إن بيعت في دينه أضرّ ذلك بزرع الزارع، فإن كان حبسه القاضي أخرجه حتى يبلغ الزرع، ولا يحول بين أصحاب الدين وبين لزومه.
стр. 4898
فإذا استحصد ردّه القاضي إلى السجن حتى يبيع الأرض ونصيبه من الزرع، ويُوَفِّيَ ما عليه من الدين؛ وذلك لأنّ فسخ العقد إنما يثبت لنفي الضرورة عن صاحب الأرض، ولو فسخت بعد الزراعة ألحقنا الضرر بالزارع؛ ولأنّ الزارع زرع بحقٍّ، فلا يجوز أن نقطع (١) زرعه، بل تبقية العقد فيه منفعةٌ للمزارع وللغرماء؛ لأنّ المال يزيد بحصول الزرع، فلذلك تُرك العقد بحاله.
ولا يُحبس صاحب الأرض؛ لأنّه ممنوعٌ عن [بيع] (٢) الأرض، والحبس إنما يثبت لامتناعه مما يقدر عليه، فأمّا ما لا يقدر عليه فلا يجوز أن يُحبس به، فإذا استحصد الزرع فقد أمكنه البيع، فيحبسُ حتى يبيع.
قال: وإذا دفع إلى رجلٍ أرضًا على أن يزرعها ثلاث سنين ببذره وبقره وعمله، على أنّ ما أخرج الله منها من شيءٍ فهو بينهما نصفان، فنبت الزرع ولم يستحصد حتى مات ربّ الأرض، فأراد ورثته أخذ أرضه، فليس لهم ذلك، ولكنّ الأرض تُترك في يد المزارع حتى يستحصد الزرع، فإذا استحصد قسّموه على شرائطهم، وقد انتقضت المزارعة فيما بقي من السنين؛ ذلك لأنّ موت ربّ الأرض يوجبُ نقل الملك فيها إلى ورثته، ولم يعقدوا على [منافعها] (٣)، فلم يجز أن يستحقّ عليهم منافع ملكهم بغير اختيارهم، فلهذا فسخنا الإجارة بالموت.
إلا أنهم استحسنوا: إذا كان في الأرض زرعٌ؛ لأنّ في تبقية العقد إيفاء الحَقَّين، ألا ترى أنّ الزارع يسلم له الزرع، ويسلم للورثة أيضًا نصيبُ الميت،
стр. 4899
وفي فسخ العقد إلحاق ضرر بأحدهما، فكان نفي الضرر عنهما أولى.
وأمّا ما بقي من السنين فلا حاجة بنا إلى تبقية العقد فيها، فيُحمل على القياس.
قال: ولو مات ربّ الأرض قبل أن يزرع الزارع بعدما كرب وحفر الأنهار وأصلح المسنيّات، انتقضت المزارعة، وأخذ الورثة الأرض، ولم يكن عليهم في نفقة المزارع قليلٌ ولا كثيرٌ؛ لأنّه ليس في الفسخ إتلاف مال للمزارع، فلم يجز أن يبتدئ الزراعة حتى يوفي حقّ المزارع.
وأمّا الكِراب، فقد بيّنا أنّه لم يتقوّم إلا بالخارج من الأرض؛ ولأنّه عملٌ وقع على وجه الشركة.
قال: ولو كانت المسألة على حالها، فأخّر المزارع الزرع حتى زرع في آخر السنة، فانقضت السنة والزرع بَقْلٌ لم يستحصد، فالزرع بين المزارع وصاحب الأرض نصفان، والعمل فيما بقي حتى يستحصد عليهما، وعلى الزارع العامل أجر مثل الأرض [لصاحب الأرض]؛ وذلك لأنّ المدّة لمّا انقضت وجب قطع (١) الزرع، إلا أنّ في قطعه (٢) ضررًا عليهما، وفي تبقيته في الأجر إيفاء حقّهما، فوجَب أن يترك على حاله كما قالوا في مدّة العارية والإجارة إذا انقضت وفي الأرض زرعٌ.
وإنّما كان العمل عليهما وعلى العامل الأجرة؛ لأنّ المزارعة انقضت بذهاب مدّتها، وصارَ هذا عملًا في مالٍ مشتركٍ، فيلزم الشريكين، وليس هذا
стр. 4900
كموت ربّ الأرض؛ لأنّ الموت أوجب فسخ العقد، إلا أنّا أبقيناه للعذر، ألا ترى أنّا نفسخ هذا العقد للعذر، فإذا بقي العقد كان العمل على العامل في المدّة على ما اقتضاه العقد، وهذا كما قالوا في الحمّال إذا مات في بعض الطريق: [أنّ المستأجر] (١) يمضي إلى مكّة بالمسمّى، [فيبقى العقد للعذر، كما فسخوه في العذر] (٢).
قال: فإن أراد ربّ الأرض أن يأخذ الزرع بقلًا، لم يكن له ذلك؛ لأنّه مشتركٌ بينهما، وفي أخذه إسقاط حقّ المزارع، فلم يجز ذلك.
قال: وإن أراد المزارع أخذ الزرع بقلًا، قيل لصاحب الأرض: اقلع الزرع، فيكون الزرع بينكما، أو أعطه قيمة حصّته، أو أنفق أنت على الزرع كلّه، وارجع بما تنفق في حصته؛ وذلك لأنّ المزارع إذا اختار ترك العمل فقد أسقط حقّ نفسه، ولا يجبر على العمل، ويبقى الزرع مشتركًا، ولا سبيل إلى تمييزه إلا بالحصاد، فيحصد حتى يتميّز بالقسمة.
فإن اختاره صاحبُ الأرض إن هلك يغرم له قيمة نصيبه من الزرع، فله ذلك؛ لأنّه قد رضي بأخذ حقّه قصيلًا، فإذا أعطيناه قيمته، حصل له ما رضي به، ولم يضرّ بصاحب الأرض، فإن اختار ربّ الأرض أن ينفق على الزرع ويرجع بالنفقة فيه، فله ذلك؛ لأنّ هذا مالٌ مشتركٌ يتلف بترك الإنفاق، فكان لأحدهما أن ينفق عليه، كالعبد المشترك إذا امتنع أحد الشريكين من الإنفاق عليه وبذل ذلك الآخر.
стр. 4901
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ أرضًا وبذرًا على أن يزرعها ببذره هذه السنة فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو بينهما [نصفان]، وكَربها المزارع وحفر أنهارها، ثم إنّ ربّ الأرض بدا له أن لا (١) يزرعها فله ذلك، ولا شيء للعامل في عمله من الكِراب وغيره.
ولو أراد العامل أن يدع (٢) الأرض ولا يزرع، لم يكن له ذلك، وهذا على ما قّدمنا: أنّ صاحبَ البذر لا يجبر على الوفاء بالعقد، والعامل يُجبر على ذلك.
وأمّا سقوط الأجرة للكِراب، فقد بيّناه، ومن أصحابنا من قال: إنّما تسقط الأجرة فى الحكم، فأمّا فيما بين صاحب الأرض وبين الله تعالى فلا يحلّ له أن يفعل ذلك، بل يجب أن يغرمَ له العِوض؛ لأنّه غرّه في دفع الأرض [إليه] حتى استوفى منافعها، والتغرير بالمسلم حرامٌ، فهو -وإن لم يلزمه ذلك في القضاء- مؤاخذٌ فيما بينه وبين الله تعالى، فعليه أن يسترضي العامل.
قال: وإذا انقضت السنة والزرع لم يستحصد، تُرك على حاله حتى يستحصد، وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض، والنفقة عليهما، وإن أنفق أحدهما بغير إذن صاحبه ولا بأمر قاضٍ فهو متطوعٌ؛ وذلك لأنّه أنفق على ملك غيره بغير أمره (٣)، ولأنّه لا ولاية له عليه، فلم يصر ذلك دينًا.
قال محمدٌ: ولا يتصدّق واحدٌ ممّن ذكرت لك في هذه المسائل بشيءٍ من الزرع، يعني إذا مات صاحب الأرض في بعض السنة، أو إذا انقضت السنة
стр. 4902
والزرع بقلٌ؛ لأنّ: تبقية العقد (١) ليس بمحظورٍ، وإنما يبقى بحكم الحاكم، ومن حصل له المال من وجهٍ غير محظورٍ، لم يلزمه أن يتصدّق بشيءٍ.
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ أرضًا على أن يزرعها ببذره وبقره، فما أخرج الله تعالى من شيءٍ فهو بينهما نصفان، فزرع الأرض، فلما نبت قبل أن يستحصد مات المزارع، فقال: ورثته: نحن نعملها حتى يستحصد الزرع، فأبى ذلك ربّ الأرض، فالأمر في ذلك إلى ورثة المزارع، يعملونها، فما أخرج الله تعالى [من ذلك من شيء]، فهو بينهما على ما شرطا في أصل المزارعة.
ولا أجر عليهم إن عملوها بقضاء قاض أو بغير قضاء؛ وذلك لأنّ المزارع لمّا مات انقضت المزارعة بموته، ألا ترى أنّا لو بقّيناها ألزمنا الورثة العمل، ولم يرضوا به، فإذا اختاروا العمل فلا ضرر في ذلك على ربّ الأرض، وعليهم في قلع الزرع ضررٌ، فوجب تبقية العقد للعذر، فإذا بقي العقد لم تلزمهم أجرةٌ.
قال: فإن أراد الورثة قلع الزرع، لم يجبروا على العمل، وقيل لصاحب الأرض: اقلعه فيكون بينكم، أو أعطهم قيمة حصّتهم، والزرع كلّه لك، أو أنفق على حصّتهم، ويكون نفقتك في حصّتهم، وذلك لأنّا بقّينا العقد لحقهم.
فإذا اختاروا القلع لم يجز أن يجبرهم (٢) على العمل بغير اختيارهم، وبقي الزرع على الشركة، ولا يمكن قسمته إلا بعد الحصاد، وإن اختار صاحب الأرض أن يدفع قيمة حصّتهم أو ينفق جميعه، فله ذلك على ما قدّمنا (٣).
стр. 4903
بَابُ المعاملةِ في النخلِ والشجرِ والكَرْم والرِّطابِ والثمارِ
قال: وإذا دفع [الرجل] إلى رجلٍ نخلًا له معاملةً، على أن يقوم عليه ويلقّحه ويسقيه سنين معلومةً، على أنّ ما أخرج الله تعالى [من شيء] من ذلك فهو بينهما نصفان، أو شرط للعامل الثلث أو الربع، فهو جائزٌ، وهذا على قول أبي يوسف ومحمدٍ.
وأمّا على قول أبي حنيفة: فالعقد فاسدٌ؛ لما روي: "أنّ النبي ﷺ نهى عن المخابرة" (١)؛ لأنّه استئجار [بجزء] (٢) من المعمول [فيه، كنفقة] (٣) الطحّان، ولأنّه جعل في مقابلة (٤) عمل العامل النماء المتولّد (٥) من نخله، فصار كما لو قال: اعمل في هذا النخل بما يُخرج هذا النخل الآخر.
وجهُ قولهما: "أنّ النبي ﷺ عامل خيبر بنصف ما يخرج من تمرٍ وزرعٍ" (٦)؛ ولأنّ الحاجة تدعو إلى المعاملة، فسومح العقد للضرورة، كما جازت الإجارة على المنافع المعدومة لمّا تعذّر [إيجادها] (٧) للعقد عليها.
стр. 4904
وقد قال أبو يوسف ومحمدٌ: إنّ المعاملة في سائر الشجر وفي [الرِّطاب] (١) جائزةٌ.
وقال الشافعي: لا تجوز إلا في النَّخْل والْكَرْم (٢).
وهذا فاسد؛ لأنّه عامل ﷺ أهل خيبر على نصف الثمر، وهي بلادٌ كبيرةٌ، ولا تجوز أن تختصّ بالنخل والكرم خاصّةً؛ ولأنّ سائر الشجر تدعو الضرورة إلى المعاملة فيه، وتحصيل النماء منه بالعمل، فصار كالنخل، والشافعي لا يصح له في هذا الكلام، إلا أن يلتزم تخصيص العلّة، فيقول: القياس يمنع من جواز هذا العقد، وإنما تركت القياس في النخل والكرم لعقد النبي ﷺ ، فما سواه على أصل القياس، وهو لا يرى تخصيص العلة.
قال: فإن أراد صاحب النخل، أو الشجر، أو الكرم، أو الرطبة، أن يخرج العامل من ذلك، لم يكن له ذلك إلا من عذرٍ؛ لما بيّنا: أنّ البقاء على هذا العقد ليس فيه إتلاف مالٍ على واحدٍ منهما، فلزمه الوفاء به.
قال: والعذر ما قدّمناه، ومن العذر أن يكون العامل سارقًا معروفًا بالسرقة، فيخاف على فسادِ النخل، وأَخْذ سعفه، فيكون هذا عذرًا لصاحب النخل أن يخرجه؛ لأنّه لا يقدر على إبقاء (٣) العقد إلا بضررٍ، وإن مرض العامل فهو عذرٌ؛ لأنّ المرض يمنع من تسليم المنافع المعقود عليها.
стр. 4905
قال: وإذا دفع نخلًا، أو شجرًا، أو كرمًا، ولم يذكر سنين معلومةً، فهذا جائزٌ على أوّل ثمرةٍ تخرج أوّل سنةٍ، أستحسنُ ذلك وأدع القياس فيه.
أمّا وجه القياس: فلأنّه عقد إجارةٍ، فلا يصحّ (١) إلا بذكر مدّةٍ معلومةٍ.
وجه الاستحسان: أنّ العقد يقع على العمل في الثمرة، ولكلّ ثمرةٍ وقتٌ معلومٌ تبتدئ فيه [الثمرة] وتنتهي، والثمرة الأولى يتيقّن دخولها [في] (٢) العقد فيجوز فيها، وما بعدها غير متيقّنٍ، فلا يجوز العقد فيه.
قال: وإذا دفع إليه أصول رطبه ثابتة في أرضٍ له معاملةً، ولم يسمّ سنةً ولا أكثر من ذلك، فهذا فاسدٌ، وذلك على وجهين: إن كانت الرطبة ليس لابتداء إنباتها ولا انتهاء جزّها (مدّةٌ معلومةٌ، فالعقد عليها فاسدٌ؛ لأنّه ليسَ للعقد مدّةٌ معلومة.
وإن كان مدّة جزّها) (٣) معلومةً فالعقد جائزٌ، وهو على الجزّة الأولى كما بيّناه في الثمر.
قال: وإذا دفع إليه نخلًا (فيه طلعٌ معاملةً بالنصف، فهو جائزٌ) (٤)، وإن لم يسمّيا شيئًا فهو على المعاملة حتى تبلغ، كذلك [لو دفعه] (٥) وقد صار بُسرًا أخضر أو أحمر، إلا أنّه لم يتناهَ عِظَمُه، فهذه معاملةٌ جائزةٌ.
فإن دفعه وقد انتهى عظمه، وليس يزيد على ذلك قليلًا ولا كثيرًا، إلا أنّه