قال: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ أرضًا وبذرًا على أن يزرعها ببذره هذه السنة فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو بينهما [نصفان]، وكَربها المزارع وحفر أنهارها، ثم إنّ ربّ الأرض بدا له أن لا (١) يزرعها فله ذلك، ولا شيء للعامل في عمله من الكِراب وغيره.
ولو أراد العامل أن يدع (٢) الأرض ولا يزرع، لم يكن له ذلك، وهذا على ما قّدمنا: أنّ صاحبَ البذر لا يجبر على الوفاء بالعقد، والعامل يُجبر على ذلك.
وأمّا سقوط الأجرة للكِراب، فقد بيّناه، ومن أصحابنا من قال: إنّما تسقط الأجرة فى الحكم، فأمّا فيما بين صاحب الأرض وبين الله تعالى فلا يحلّ له أن يفعل ذلك، بل يجب أن يغرمَ له العِوض؛ لأنّه غرّه في دفع الأرض [إليه] حتى استوفى منافعها، والتغرير بالمسلم حرامٌ، فهو -وإن لم يلزمه ذلك في القضاء- مؤاخذٌ فيما بينه وبين الله تعالى، فعليه أن يسترضي العامل.
قال: وإذا انقضت السنة والزرع لم يستحصد، تُرك على حاله حتى يستحصد، وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض، والنفقة عليهما، وإن أنفق أحدهما بغير إذن صاحبه ولا بأمر قاضٍ فهو متطوعٌ؛ وذلك لأنّه أنفق على ملك غيره بغير أمره (٣)، ولأنّه لا ولاية له عليه، فلم يصر ذلك دينًا.
قال محمدٌ: ولا يتصدّق واحدٌ ممّن ذكرت لك في هذه المسائل بشيءٍ من الزرع، يعني إذا مات صاحب الأرض في بعض السنة، أو إذا انقضت السنة
стр. 4902
والزرع بقلٌ؛ لأنّ: تبقية العقد (١) ليس بمحظورٍ، وإنما يبقى بحكم الحاكم، ومن حصل له المال من وجهٍ غير محظورٍ، لم يلزمه أن يتصدّق بشيءٍ.
قال: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ أرضًا على أن يزرعها ببذره وبقره، فما أخرج الله تعالى من شيءٍ فهو بينهما نصفان، فزرع الأرض، فلما نبت قبل أن يستحصد مات المزارع، فقال: ورثته: نحن نعملها حتى يستحصد الزرع، فأبى ذلك ربّ الأرض، فالأمر في ذلك إلى ورثة المزارع، يعملونها، فما أخرج الله تعالى [من ذلك من شيء]، فهو بينهما على ما شرطا في أصل المزارعة.
ولا أجر عليهم إن عملوها بقضاء قاض أو بغير قضاء؛ وذلك لأنّ المزارع لمّا مات انقضت المزارعة بموته، ألا ترى أنّا لو بقّيناها ألزمنا الورثة العمل، ولم يرضوا به، فإذا اختاروا العمل فلا ضرر في ذلك على ربّ الأرض، وعليهم في قلع الزرع ضررٌ، فوجب تبقية العقد للعذر، فإذا بقي العقد لم تلزمهم أجرةٌ.
قال: فإن أراد الورثة قلع الزرع، لم يجبروا على العمل، وقيل لصاحب الأرض: اقلعه فيكون بينكم، أو أعطهم قيمة حصّتهم، والزرع كلّه لك، أو أنفق على حصّتهم، ويكون نفقتك في حصّتهم، وذلك لأنّا بقّينا العقد لحقهم.
فإذا اختاروا القلع لم يجز أن يجبرهم (٢) على العمل بغير اختيارهم، وبقي الزرع على الشركة، ولا يمكن قسمته إلا بعد الحصاد، وإن اختار صاحب الأرض أن يدفع قيمة حصّتهم أو ينفق جميعه، فله ذلك على ما قدّمنا (٣).
стр. 4903
بَابُ المعاملةِ في النخلِ والشجرِ والكَرْم والرِّطابِ والثمارِ
قال: وإذا دفع [الرجل] إلى رجلٍ نخلًا له معاملةً، على أن يقوم عليه ويلقّحه ويسقيه سنين معلومةً، على أنّ ما أخرج الله تعالى [من شيء] من ذلك فهو بينهما نصفان، أو شرط للعامل الثلث أو الربع، فهو جائزٌ، وهذا على قول أبي يوسف ومحمدٍ.
وأمّا على قول أبي حنيفة: فالعقد فاسدٌ؛ لما روي: "أنّ النبي ﷺ نهى عن المخابرة" (١)؛ لأنّه استئجار [بجزء] (٢) من المعمول [فيه، كنفقة] (٣) الطحّان، ولأنّه جعل في مقابلة (٤) عمل العامل النماء المتولّد (٥) من نخله، فصار كما لو قال: اعمل في هذا النخل بما يُخرج هذا النخل الآخر.
وجهُ قولهما: "أنّ النبي ﷺ عامل خيبر بنصف ما يخرج من تمرٍ وزرعٍ" (٦)؛ ولأنّ الحاجة تدعو إلى المعاملة، فسومح العقد للضرورة، كما جازت الإجارة على المنافع المعدومة لمّا تعذّر [إيجادها] (٧) للعقد عليها.
стр. 4904
وقد قال أبو يوسف ومحمدٌ: إنّ المعاملة في سائر الشجر وفي [الرِّطاب] (١) جائزةٌ.
وقال الشافعي: لا تجوز إلا في النَّخْل والْكَرْم (٢).
وهذا فاسد؛ لأنّه عامل ﷺ أهل خيبر على نصف الثمر، وهي بلادٌ كبيرةٌ، ولا تجوز أن تختصّ بالنخل والكرم خاصّةً؛ ولأنّ سائر الشجر تدعو الضرورة إلى المعاملة فيه، وتحصيل النماء منه بالعمل، فصار كالنخل، والشافعي لا يصح له في هذا الكلام، إلا أن يلتزم تخصيص العلّة، فيقول: القياس يمنع من جواز هذا العقد، وإنما تركت القياس في النخل والكرم لعقد النبي ﷺ ، فما سواه على أصل القياس، وهو لا يرى تخصيص العلة.
قال: فإن أراد صاحب النخل، أو الشجر، أو الكرم، أو الرطبة، أن يخرج العامل من ذلك، لم يكن له ذلك إلا من عذرٍ؛ لما بيّنا: أنّ البقاء على هذا العقد ليس فيه إتلاف مالٍ على واحدٍ منهما، فلزمه الوفاء به.
قال: والعذر ما قدّمناه، ومن العذر أن يكون العامل سارقًا معروفًا بالسرقة، فيخاف على فسادِ النخل، وأَخْذ سعفه، فيكون هذا عذرًا لصاحب النخل أن يخرجه؛ لأنّه لا يقدر على إبقاء (٣) العقد إلا بضررٍ، وإن مرض العامل فهو عذرٌ؛ لأنّ المرض يمنع من تسليم المنافع المعقود عليها.
стр. 4905
قال: وإذا دفع نخلًا، أو شجرًا، أو كرمًا، ولم يذكر سنين معلومةً، فهذا جائزٌ على أوّل ثمرةٍ تخرج أوّل سنةٍ، أستحسنُ ذلك وأدع القياس فيه.
أمّا وجه القياس: فلأنّه عقد إجارةٍ، فلا يصحّ (١) إلا بذكر مدّةٍ معلومةٍ.
وجه الاستحسان: أنّ العقد يقع على العمل في الثمرة، ولكلّ ثمرةٍ وقتٌ معلومٌ تبتدئ فيه [الثمرة] وتنتهي، والثمرة الأولى يتيقّن دخولها [في] (٢) العقد فيجوز فيها، وما بعدها غير متيقّنٍ، فلا يجوز العقد فيه.
قال: وإذا دفع إليه أصول رطبه ثابتة في أرضٍ له معاملةً، ولم يسمّ سنةً ولا أكثر من ذلك، فهذا فاسدٌ، وذلك على وجهين: إن كانت الرطبة ليس لابتداء إنباتها ولا انتهاء جزّها (مدّةٌ معلومةٌ، فالعقد عليها فاسدٌ؛ لأنّه ليسَ للعقد مدّةٌ معلومة.
وإن كان مدّة جزّها) (٣) معلومةً فالعقد جائزٌ، وهو على الجزّة الأولى كما بيّناه في الثمر.
قال: وإذا دفع إليه نخلًا (فيه طلعٌ معاملةً بالنصف، فهو جائزٌ) (٤)، وإن لم يسمّيا شيئًا فهو على المعاملة حتى تبلغ، كذلك [لو دفعه] (٥) وقد صار بُسرًا أخضر أو أحمر، إلا أنّه لم يتناهَ عِظَمُه، فهذه معاملةٌ جائزةٌ.
فإن دفعه وقد انتهى عظمه، وليس يزيد على ذلك قليلًا ولا كثيرًا، إلا أنّه
стр. 4906
لم يرطب، فالمعاملة فاسدةٌ، والثمرة لصاحب النخل، [وللعامل أجر] (١) مثله.
وكذلك الثمار كلّها؛ وذلك لأنّ الثمرة ما لم تبلغ فللعمل تأثيرٌ في زيادتها، فصار كالابتداء، ولأنّ العقد على ثمرةٍ موجودةٍ (أنفذ من العُوْد) (٢) فهو أولى بالجواز، وأمّا إذا تناهى عظمها فليس للعامل تأثيرٌ في النماء، وذلك خارجٌ من باب المعاملة، فلم يصحّ العقد.
على هذا قالوا فيمن دفع أرضًا فيها زرعٌ معاملةً (٣): فإن كان لم يستحصد جاز؛ لأنّ العمل له تأثيرٌ في قيمته، وإن [استحصد] (٤)، لم يجز؛ لأنّه ليس للعمل فيه تأثيرٌ، فلم يجز العمل (٥) عليه (٦).
стр. 4907
بَاب المعاملةِ في النخلِ والشجرِ يكونُ بين رجلينِ أو يدفعُ إلى رجلين
قال: وإذا كان النخل بين رجلين فدفعه أحدهما إلى صاحبه [معاملةً] سَنَتَه هذه على أن يقوم عليه ويسقيه، فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو بينهما: للعامل ثلثاه، وللآخر ثلثه: فهذه معاملةٌ فاسدةٌ، فإن عمل العامل على هذا فأخرج النخل تمرًا كثيرًا، فجميع ما أخرج النخل من ذلك فهو بينهما نصفان، ولا يتصدّق واحدٌ منهما بشيء منه، ولا أجر للعامل على شريكه في عمله؛ وذلك لأنّ المساقاة عقد إجارةٍ، والاستئجار للعامل على ما هو شريكٌ (١) فيه لا يصحّ، ولا يجب فيه أجرٌ على ما بينّاه في الإجارة، وإذا لم يصحّ العقد استحقّا الخارج بملكهما، فيكون بينهما على قَدْرِ المِلْكَيْن.
وقد ذكر محمدٌ في المزارعة: في أرضٍ بين شريكين دفعها أحدهما إلى الآخر على أن يزرعها ببذره وله ثلثا الخارج، جازت المزارعة، هكذا في أكثر النسخ.
والفرق بين المزارعة والمساقاة أنّ الشركة في البذر ليست متقدمةً على العقد، فلم يكن ذلك استئجارًا على ما هو شريكٌ فيه، والشركة هاهنا حاصلةٌ في النخل؛ فلذلك لم تصحّ المعاملة عليه، وقد ذكر في بعض نسخ المزارعة: أنّ العقد فاسدٌ، فعلى هذه الرواية لا فرق بينهما.
وإنما لم يَتَصَدَّقْ واحدٌ منهما بشيء؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما حصل له الخارج
стр. 4908
من ملكه، ولم يستحق شيئًا منه بسببٍ محظورٍ؛ فلذلك لا يتصدّق به.
قال: وإن شرط أنّ الخارج بينهما نصفان على قدر مالهما في النخل، كان هذا جائزًا على ما اشترطا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما شرط لنفسه الخارج من ملكه، فصار العامل مُعِيْنًا لشريكه في العمل بغير عِوَضٍ، وذلك جائزٌ.
قال: وإن كان الشريك الذي [لم] يعمل أَمَرَ الآخر أن يشتري ما يلقّح به النخل، فاشتراه، رجع عليه بنصف الثمن في المسألتين جميعًا؛ لأنّ العين التي يؤبّر بها مالٌ، فإذا أذن له في ابتياعها واستعمالها في نخله فقد صار قابضًا لها، فيرجع عليه بثمنها بحكم الوكالة.
قال: وإذا دفع الرجل إلى الرجلين نخلًا له على أن يقوما عليه ويسقياه ويلقحاه بتلقيحٍ (١) من عندهما هذه السنة، فما أخرج الله تعالى من ذلك (٢) فهو بينهما أثلاثٌ، فهو جائزٌ، وكذلك لو شرطوا (٣) لصاحب النخل النصف، وللعاملين النصف بينهما نصفين؛ وذلك لأنّ المعاملة جائزةٌ على قولهما: إنَّ العامل أجيرٌ لصاحب النخل، فلا فرق بين أن يستأجر واحدًا ليعمل، وأن يستأجر اثنين.
وكذلك لو شرطوا (٤) لأحد العاملين بعينه النصف، وللعامل الآخر
стр. 4909
السدس، ولصاحب النخل الثلث، كان هذا جائزًا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما مُستَأجَرٌ ببعض الخارج، ويجوز استئجار الاثنين ويخالفَ بين [أجرتهما] (١).
قال: ولو اشترط لأحد العاملين مائة درهمٍ على ربّ الأرض، وللآخر الثلث ممّا تخرج الأرض، والثلثان لصاحب النخل، كان هذا جائزًا؛ لأنّه يجوز لصاحب النخل أن يستأجر العامل ببعض الخارج، ويجوز أن يستأجر بالدراهم، فإذا جمع بين الأمرين، وجعل أحدهما أجيرًا، والآخر معاملًا ببعض الخارج، جاز.
قال: ولو اشترطوا لصاحب النخل الثلث، ولأحد العاملين بعينه الثلثين، وللآخر أجر مثله (٢) على العامل الذي اشترط الثلثين، كان هذا فاسدًا.
وقد ذكر محمدٌ في المزارعة: في رجلٍ دفع أرضه إلى رجلٍ على أن يزرعها، على أنّ لربّ الأرض الثلث، وللمزارع منه الثلثان، وعلى أن يعمل معه فلانٌ بثلثي الخارج له: فالمزارعة جائزةٌ بين ربّ الأرض والمزارع الأول، فاسدةٌ في حقّ الآخر.
فمن أصحابنا من قال: إنّه وَضَعَ مسألة المزارعة: على أنّ الشرط الفاسد لم يكن في نفس العقد يفسدُ في نفسه، (ولم يفسد العقد، ووضْعُ مسألة المساقاة (٣):
стр. 4910
على أنّ الشرط كان في العقد يفسد) (١)، فأفسد العقد.
ومنهم من قال: إنّما فرّق بينهما؛ لأنّه شرط للعامل في مسألة المزارعة جزءًا من الخارج، وذلك لا يثبت له، وإنّما يستحقّ أجر المثل (٢)، فلم يحصل المعنى المفسد في العقد، وفي مسألتنا شرط للعامل الدراهم، فهي ثابتةٌ له، فلما ثبت الشرط الفاسد أفسد العقد.
ومن أصحابنا من قال: إنّ المساقاة والمزارعة فيهما معنى الشركة ومعنى الإجارة، وإذا قال: على أن يعمل فلانٌ معك بمائة درهمٍ، فقد شرط فيها إجارةً، فغلب معنى الإجارة عليها، [فبطلت] (٣) بالشروط الفاسدة، وإذا شرط ثلث الخارج فقد غلب عليها معنى الشركة، والشركة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وإنّما لم يصحّ ما شرط للعامل في المسألتين؛ لأنّ صاحب الأرض والنخل عَقَد مع المزارع، والعامل عقد أو شرط عليه أن يستأجر رجلًا بعينه يعمل معه، فصار عقد الإجارة مشروطًا في عقد المزارعة، فيبطل العقد بالشرط (٤).
стр. 4911
بَاب المعاملةِ يدفعُ ذلك إلى رجل ويأمرُه أن يعمل في ذلك
قال [أبو الحسن]: وإذا دفع رجلٌ إلى رجلٍ نخلًا معاملةً هذه السنة على أن يقوم عليه ويسقيه ويلقّحه، فما أخرج الله تعالى من ذلك فهو بينهما نصفان، ولم يأمره أن [يعمل] ذلك برأيه، فدفعه إلى رجلٍ آخر على أن يقوم عليه ويعمل به ويسقيه ويلقّحه هذه السنة، فما أخرج الله تعالى من ذلك [فهو لصاحب النخل] (١)، وللعامل الآخر على العامل الأوّل أجر مثله فيما عمل بالغًا ما بلغ، ولا أجر للعامل الأوّل؛ لأنّه خالف حين دفع ذلك إلى غيره؛ وذلك لأنّ العامل إذا دفع نخلًا إلى غيره [بغير أمره]، أوجب له شركةً في مال ربّ المال لم يرض بها ربّ المال، ومن أوجب شركةً في مال غيره بغير أمره، فقد تعدّى، فصار كالغاصب إذا عمل في نخل غيره، ولا يستحق أجرةً، وتكون الثمرة لربّ النخل، وأمّا العامل الثاني فقد استوفى العامل الأوّل منفعته بحكم عقدٍ فاسدٍ، فكان له عليه أجر المثل.
فأما قوله: "بالغًا ما بلغ"؛ فهذا قول محمدٍ، وأمّا على قول أبي يوسف: فيجب له أجر المثل لا يتجاوز به ما شرطه له [من] المسمّى، وهذا على اختلافهم في شركة الاحتطاب.
قال: فإن هلك الثمر في يد العامل الآخر (٢) من غير عمله، وهو في رؤوس
стр. 4912
النخل، فلا ضمان على واحدٍ من العاملين في قولهم؛ لأنّ النخل مغصوبٌ بالتسليم إلى العامل الثاني، والثمر نماءٌ من العين المغصوبة، فإذا هلك في يد الغاصب بغير عمله لم يضمنه، كولد المغصوبة، فإن هلك الثمر من عمل الآخر في أمرٍ خالف فيه ما أمره، فالضمان فيه لصاحب النخل على العامل الآخر، ولا ضمان على العامل الأوّل؛ لأنّه لمّا خالف العامل الأوّل لم يقع عمله له، وإنّما وقع لنفسه، فصار متلفًا للثمر على مالكه، فينفرد بضمانه.
قال: وإن كان الثمر هلك في يد العامل الآخر من عمله من أمرٍ لم يخالف فيه ما أمر به العامل الأوّل، فلصاحب النخل أن يُضمّن أي العاملين شاء، فإن ضمن الأوّل لم يرجع على الآخر بشيء، وإن ضمّن الآخر رجع على الأوّل بما ضمن؛ وذلك لأنّه إذا لم يخالف في العمل فقد وقع عمله للعامل الأوّل، فكأنهما عملا، ويصير الأوّل كالغاصب الأوّل، والثاني كالغاصب الثاني، فيثبت لربّ النخل الضمان على أيّهما شاء، فإن ضمّن الأوّل لم يرجع على الآخر [بشيءٍ]؛ لأنّ حاصل الضمان عليه، وإن ضمّن الآخر رجع على الأوّل؛ لأنّ عمله وقع له.
قال: ولو كان أمره أن يعمل في ذلك برأيه، وقد شرط ربّ النخل للعامل الأول النصف من الثمرة، ودفعه إلى الثاني على أنّ له الثلث ممّا يخرج من النخل، فهو جائزٌ، وما خرج من ثمره فثلثه للعامل الآخر، وسدسه للأوّل، ونصفه لصاحب النخل؛ وذلك لأنّ ربّ الأرض لما فوّض الرأي إلى العامل جاز تسليم العامل إلى غيره وإن أثبت له شركةً، فإذا جاز التسليم فقد شرط للعامل الثاني بعض حقّه، وهو مالكٌ للشرط في حقّه، ويستحقّ العامل الثاني ما شُرط له من نصيب العامل الأوّل، ولصاحب النخل ما شرط له، وما بقي للعامل الأوّل.
стр. 4913
وقد ذكر محمدٌ هذا الباب في الأصل (١)، وزاد في تفريعه، وجعله على أربعة أوجهٍ:
إن كان الشرط [الأوّل والثاني] (٢) جائزين، فالثمر كله لصاحب النخل، فهي مسألة هذا الباب.
وإن كان الأول شرط له شرطًا فاسدًا مثل أن يشرط له قُفزانًا معلومة، وشرط الأوّل للثاني مثل ذلك، فهما فاسدان، ولا ضمان على العامل الأوّل؛ لأنّه لم تثبت الشركة للعامل الثاني في ملك (٣) ربّ الأرض.
وإن كان الشرط الأول جائزًا والثاني فاسدًا، فلا ضمان على المزارع؛ لأنّ الشرط الثاني غير ثابت، فلا تثبت الشركة.
وكذلك إن كان الشرط الأول فاسدًا والثاني جائزًا، لم يضمن العامل الأوّل؛ لأنّه لا يملك بالشرط شيئًا من الخارج [لفساد العقد، فإذا شرط للثاني ثلث الخارج] لم يملك الشرط، فلم تثبت الشركة، فلا يجب الضمان عليه.
* * *
стр. 4914
بَاب مزارعةِ المرتدِّ
قال أبو الحسن ﵀: وإذا ارتدّ (١) الرجل عن الإسلام ثم أعطى أرضًا وبذرًا رجلًا مزارعةً هذه السنة، على أن يزرعها، فما أخرج الله تعالى من ذلك فهو بينهما نصفان، فعمل المزارع على هذا، وأخرجت زرعًا كثيرًا، وقتل المرتدّ على ردّته، فجميع ما أخرجت الأرض للمزارع، وعليه ما نقصت الأرض وبِذْرٌ مثل البذر (الذي قبض) (٢).
وكذلك لو لم تخرج الأرض شيئًا، لم يكن (٣) للمزارع قليلٌ ولا كثيرٌ، وكان عليه مثل البذر الذي زرع، وما نقصت الزراعةُ الأرضَ لورثة المُرتد، وهذا على قياس قول أبي حنيفة في (٤) قول من أجاز المزارعة.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: المزارعة جائزةٌ، وما يخرج من الأرض بين ورثة المرتدّ والمزارع على ما اشترط المزارع والمرتدّ.
وهذا مبنيٌّ على اختلافهم في تصرف المُرتد، فعند أبي حنيفة: أنّ أملاكه تزول بردّته زوالًا مراعًى، فإذا قُتل على ردّته أو مات استقرّ ذلك الزوال، فكأنّه
стр. 4915
دفع أرض الورثة وبذرهم مزارعةً، فلا يصحّ دفعه، ويصير المزارع غاصبًا للأرض والبذر، فيلزمه مثل البذر ونقصان الأرض، ويكون الخارج للمزارع.
(فأمّا على قولهما، فملكه لا يزول بالردّة، وعقوده جائزةٌ، فلذلك كان الخارج على ما شرطا) (١)
قال: ولو كان المرتدّ دفع أرضًا بغير بذر إلى مسلمٍ أو ذميٍّ على أن يزرعها هذه السنة (ببذره وبقره) (٢)، فما أخرج الله تعالى من ذلك من شيء فهو بينهما، فزرعها المزارع، فأخرجت زرعاً كثيرًا، وقُتل المرتدّ على ردّته، أو مات، أو لحق بدار الحرب مرتدًّا، ففي هذا أيضًا قولان:
أما أحدهما: إن كان الزرع نقص الأرض شيئًا، فالمزارع ضامنٌ لما نقصت الأرض، ويكون جميع ما أخرجت الأرض للمزارع، (يستوفي منه بذره ونفقته وما غرم، ويتصدّق بالفضل.
وإن كان الزرع لم ينقص الأرض شيئًا، فهذا والأوّل سواءٌ في القياس، أن يكون جميع ما أخرجت الأرض للمزارع) (٣)، ولا شيء عليه من أجرٍ ولا غيره.
وفي الاستحسان: إذا لم تنقص الأرض شيئًا كان ما خرج بين ورثة المرتدّ والمزارع [نصفين، وهذا قياس قول أبي حنيفة، في قول من أجاز المزارعة، فأمّا في القول الآخر، وهو قول أبي يوسف ومحمد: ما صنع المرتدّ] من ذلك جائزٌ،
стр. 4916
وهو على ما اشترطوا عليه.
أمّا أبو حنيفة فمن أصله: أنّ مِلْكَ المرتد قد زال، فكأنّه سلم ملك الورثة [والمزارع غاصبٌ] (١)، وإذا نقصت الأرض غرم نقصانها، والضمان والأمانة لا يجتمعان، فكان الخارج كلّه للمزارع.
وأمّا إذا لم ينقص، فالقياس مثله؛ لأنّه صار غاصبًا، فكأنّه أخذ أرضهم بغير أمرهم، فزرعها ولم تنقص، وإنّما استحسن؛ لأنّ إبطال عقد المرتدّ إنما يثبت لحقّ الورثة، وليس من حقّهم أن يبطل العقد في هذه المسألة؛ لأنّه لا يحصل لهم شيءٌ، فإذا جوّزنا العقد حصل لهم نصف الخارج، وليس هناك ضمان يمنع من بقاء الأمانة؛ ولأنا (٢) أبطلنا المزارعة للضمان الذي لزم المزارع، فإذا بيّنا أن لا ضمان بقيت الأمانة بحالها، كما قالوا في العبد المحجور إذا آجر نفسه وسلم من العمل: إنّ الأجرة واجبةٌ استحسانًا.
فأمّا على قولهما: فملك المرتدّ بحاله، فشرطه فيه جائزٌ.
قال: وإن كان المرتدّ أسلم بعد ما انقضت المزارعة، فجميع ما صنع المزارع من ذلك جائزٌ، وهو على ما اشترطوا نقصت الأرض أو لم تنقص؛ لأنّ المرتد إذا أسلم فكأنّه لم يزل مسلمًا فيصحّ عقودُه.
قال: وإذا دفع المسلم إلى المرتد أرضًا له مزارعة هذه السنة على أن يزرعها ببذره وبقره، فما أخرج الله تعالى (من شيءٍ) (٣) فهو بينهما نصفان، فعمل على
стр. 4917
ذلك، فأخرجت زرعًا كثيرًا، ثمّ قُتل المرتدّ على ردّته، أو مات، أو لحق بدار الحرب، فجميع ما أخرجته الأرض لورثة المرتدّ، ولا شيء لربّ الأرض.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: الخارج بينهما على ما شرطا.
أمّا أبو حنيفة: فمن أصله أن ملك المرتد زائلٌ، وعقوده على ماله موقوفةٌ، وإذا زرع ببذره فقد شرط لصاحب النماء الحاصل من البذر، وهو لا يملكه، فلا يصحّ شرطه فيه، فيكون الخارج كلّه لورثته.
ولا يقال: فهلا كان المرتد كالمسلم [يغصب] (١) بذرًا ويزرعه في أرض غيره على وجه المزارعة؛ وذلك لأنّ الغاصب يملك البذر بالضمان الذي يلزمه، فيصير كأنّه زرع بذر نفسه، والمرتد لا يضمن لورثته ولا يملك البذر، فلا يصحّ شرطه فيه.
وإنّما لم يجب نقصان الأرض؛ لأنّ المرتدّ زرعها بأمر مالكها، فلم يكن متعدّيًا بالزراعة، فلا يجب عليه الضمان.
وأمّا على قولهما: فعقوده جائزةٌ على ما قدّمنا، فإن أسلم هذا المرتد بعدما استحصد الزرع، فالعقد جائزٌ في قولهم؛ لأنّ المراعاة زالت، فكأنّه لم يزل مسلمًا.
قال: وإذا دفع المسلم إلى المرتد أرضًا وبذرًا بالنصف، فزرعها المرتدّ، فأخرجت زرعًا كثيرًا ثم قُتِل [المرتدّ] على ردّته، أو مات، أو لحق [بدار الحرب]، فجميع الخارج بين ربّ الأرض وبين ورثة المرتدّ نصفان في القولين جميعًا؛ وذلك لأنّ المرتدّ إنّما عقد على منافع نفسه، ولا حقّ للورثة فيها، فجاز
стр. 4918
عقده وصحّ شرطه، فالخارج لورثته.
قال: وإذا دفعت المرتدّة إلى المرتدّة أرضًا وبذرًا مزارعةً بالنصف، فالمزارعة جائزةٌ، وهذا ودفع المسلم (١) سواءٌ، ومن أيّتهما كان البذر فهو كذلك؛ لأنّ المرتدة لا يزول ملكها عن مالها بالردّة، كما لا يزول حظر دمها، فصار عقدها وعقد المسلم سواءً.
قال: ولو كان العقد بين مسلمين، ثمّ ارتدّا أو ارتدّ أحدهما الذي من قِبَله البذر (٢)، [أو الذي من قِبَله الأرض، فإن كان المرتد الذي من قِبَله الأرض] فهو جائزٌ في القولين جميعًا، وما أخرجت الأرض [فهو] بين الزارع وورثة المرتدّ نصفان، فإن كانا ارتدا فهو بين ورثة هذا وورثة هذا نصفان في القولين جميعًا؛ لأنّ العقد وقع في حال الإسلام، والعقود الصحيحة لا [تبطلها الردّة] (٣)، فبقي العقد بحاله (٤).
стр. 4919
بَاب مزارعة العبدِ والصبيِّ المأذون لهما في التجارةِ
قال: وإذا دفع العبد أرضًا اشتراها إلى رجلٍ مزارعةً على أن يزرعها هذه السنة، فما أخرج الله تعالى من شيءٍ فبينهما (١) نصفان، ولو اشترط أحدهما البذر على صاحبه فذلك جائزٌ على ما اشترطا.
وكذلك لو أخذ المأذون [له] لأحدٍ (٢) أرضًا على أن يزرعها هذه السنة بنصف الخارج، واشترط أحدهما البذر على صاحبه، فهذا جائزٌ.
وكذلك الصبيّ الذي يعقل الشراء والبيع يأذن له أبواه، أو وصيّ أبيه؛ وذلك لأنّ الإذن يقتضي التصرّف في التجارات، والإجارة من [التجارات] (٣)، وإذا عقد مزارعةً فقد استأجر وآجر نفسه، والمأذون يملك كلّ واحدٍ من الأمرين؛ ولأنّ هذا العقد في معنى الشركة، المأذون [له] يملك الشركة.
قال: وإذا دفع العبد المأذون إلى رجلٍ أرضًا مزارعةً على أن يزرعها [سنته هذه بنصف الخارج، واشترط البذر على المزارع، ثمّ حجر المولى على عبده] حين وقع العقد قبل أن يَزرعَ المزارع، فإن للمزارع أن يزرع الأرض على حاله، وليس لمولى العبد ولا العبد أن يمنعاه من ذلك؛ وذلك لأنّه (٤) لو أراد الامتناع
стр. 4920
وليس من جهته بذرٌ، لم يملك ذلك، وعلم أنّ العقد قد تمّ (١) من جهته، فلا ينفسخ بالحجرِ (٢) عليهِ وليس كذلك إذا كان البذر من جهة العَبْد فحجر المولى عليه قبل الزراعة؛ لأنّ العبد كان (يملك الامتناع من الزراعة) (٣)، فَعلمت أنّ العقد لم يتمّ في حقّه، فيبطل بالحجر، ولهذا قالوا في المضاربة إذا دفعها المأذون أو أحدهما، ثمّ حجر المولى عليه أنّها تبطل؛ لأنّها ليست بلازمةٍ من الطرفين، فلذلك بطلت بالحجر.
قال: وكذلك لو أخذ العبد المأذون من رجلٍ أرضًا وبذرًا مزارعةً، ثمّ حجر المولى عليه؛ لأنّ العقد قد تمّ [في] حقّه، بدلالة أنّه كان لا يملك الامتناع منه قبل الحجر.
قال: ولو كان المأذون دفع أرضًا وبذرًا مزارعةً، فلم يزرع المزارع حتى حجر المولى على عبده، فللمولى أن يمنع المزارع أن يزرع، وكذلك لو كان المأذون أخذ أرضًا على أن يزرعها ببذره؛ [وذلك أن العبد كان به الامتناع، فلم يتمّ العقد في حقّه، فبطل بالحجر، ولهذا (٤) قالوا] هاهنا: لم يتمّ في حقّ العبد؛ بدلالة أن له الامتناع قبل الحجر، فإذا حجر المولى عليه كان له المنع من العقد
وقد ذكر هذه المسألة فقال: إذا دفع العبد أرضًا، وبذرًا، ثمّ حجر المولى عليه، فله أن يفسخ المزارعة، وإن أخذ أرضًا ليزرَعَها ببذره انفسخت المزارعة، والفرق
стр. 4921
بينهما: أنّه إذا دفع البذر والأرض لم [يتعذّر] (١) العمل بالحجر، وإنّما يثبت للمولى المنع لما في العقد من إتلاف البذر (٢) الذي هو [على] ملكه، فوقف ذلك على فسخه.
وإذا أخذ العبد أرضًا فقد تعذّر عليه بالحجر العمل، ففات المعقود عليه، وفوات المعقود عليه، يوجب فسخ العقد.
قال: وإذا كان للعبد أو للصبيّ نخلٌ فدفعه إلى رجل معاملةً بالنصف هذه السنة، فذلك جائزٌ، فإن حجر المولى على عبده، أو الأب على ابنه فالمعاملة على حالها، لا تنتقض بالحجر.
وكذلك لو كان النخل من قبل الرجل الأجنبيّ دفعه إلى العبد أو الصبيّ؛ لأنّ العقد قد تمّ في حقهما، بدلالة أنّه ليس لهما الفسخ قبل [الحجر] (٣)، فلا يثبت فسخ العقد، بعد تمامه بالحجر.
قال: ولو كان مكان الحجر نهيٌ من المولى عن المزارعة، وفسخٌ لها بعد عقد المزارعة أو قبل ذلك، إلا أنّه لم يحجر عليه، فذلك جائزٌ، والنهي باطلٌ.
وكذلك نهي الأب قبل المزارعة وبعدها؛ وذلك لأنّ المولى لا يملك أن يبعّض الحجر، فيحجر في بعض الأشياء دون بعضٍ، فلا يتعلّق بحجره حكمٌ، ولأنّه إذا حجر في بعض الأشياء بقي الإذن في باقيها، والإذن في بعض الأشياء إذنٌ في جميعها (٤)(٥).
стр. 4922
بَاب الزيادةِ في المعاملةِ والمزارعةِ والحطِّ منها
قال: والأصل في هذا الباب أنّ كلّ حالٍ [جاز] فيها ابتداء المزارعة جازت الزيادة والحطّ؛ لأنّ العقد بحاله، وكلّ موضعٍ لا يجوز ابتداء العقد، فالزيادة لا تجوز، والحطّ يجوز.
وهذا كما قالوا في البيع: إنّ الزيادة جائزةٌ مع بقاء المعقود عليه، فإن هلك المعقود عليه، جاز الحَطُّ، ولم تجز الزيادة.
قال: وإذا دفع الرجل أرضًا مزارعةً بنصف الخارج، فعملها المزارع، فأخرجت زرعًا كثيرًا واستحصد، ثمّ إنّ المزارع زاد ربّ الأرض في حصته السدس، فجعل له الثلثين، ورضي بذلك ربّ الأرض، فهذا باطلٌ، و [الزرع] بينهما نصفان، فلو زاد ربّ الأرض المزارع السدس واصطلحا على ذلك، فهذا جائزٌ؛ لأنّ البذر إذا كان من قبل المزارع، فهو مستأجر الأرض، فإذا استَحْصَدَ الزَّرْعَ فقد انقضى العقد (١) واستوفيت المنافع، فما يبذله المزارع زيادةٌ في الأجرة، والزيادة لا تجوز بعد تقضّي العقد، وما يبذله من الزيادة حطٌّ من الأجرة، وذلك يجوز بعد تقضّي العقد.
قال: ولو كان البذر من قِبَل ربّ الأرض، فلما استحصد الزرع زاد ربّ الأرض المزارع السدس، فهذا باطلٌ، وإن زاد المزارع ربّ الأرض فهذا جائزٌ؛
стр. 4923
لأنّ المزارع هاهنا مستأجرٌ، فما يبذله ربّ الأرض زيادةٌ في أجره، فلا يجوز مع تقضّي العقد، وما يبذله المزارع (١) حطٌّ من الأجر فيجوز بعد تقضي العقد.
ولو دفع رجلٌ نخلًا معاملة بالنصف، فأخرج ثمرًا كثيرًا وبلغ، فإن زاد العامل ربِّ الأرض السُّدُسَ جاز، وإن زاد ربّ الأرض العامل لم يجز؛ وذلك لأنّ العامل هاهنا (٢) أجيرٌ، فما [يبذله] (٣) من الزيادة حطٌّ، فيجوز مع تقضي العقد، (وما يبذله ربّ الأرض زيادةٌ له في الأجر، ولا يجوز مع تقضّى العقد) (٤).
قال: ولو لم يستحصد الزرع في المزارعة حتى زاد أحدهما الآخر السدس، أيهما كان جاز.
وكذلك لو زاد أحدهما الآخر (٥) في المعاملة بعدما صار التمر بُسْرًا (٦) ولم يتناهه عظمه؛ وذلك لأنّ العقد لم ينقض؛ بدلالة أنّ ابتداء المزارعة والمساقاة في هذه الحال جائزةٌ، فالزيادة مع بقاء المعقود عليه والحطّ جائزان، ولو كان البُسْر قد تناهى عظمًا ولم يصر رطبًا جاز أن يزاد لربّ الأرض، ولم تجز الزيادة للعامل؛ لأنّ العقد قد انتهى، بدلالة أنّه يجوز ابتداء المعاملة فيه، فجاز الحطّ،
стр. 4924
ولم (١) تجز الزيادة.
تم كتاب المزارعة ولله الحمد والمنة والصلاة على نبيه محمد وآله يتلوه كتاب الإكراه
* * *
стр. 4925
[٧٨] كتابُ الإكراهِ
قال رحمه الله تعالى: الإكراه (١) معنًى يفعله الإنسان بغيره ينتفي به الرضا، وهو ممّا يغيّرُ الأحكام تارةً ولا يغيرها أخرى، وقد اعتبره أصحابنا في العقودِ بالهَزْل، فقالوا: ما أثّر فيه الهَزْل، أثّر فيه الإكراه، وما لم يؤثّر فيه الهَزْل، لم يؤثّر فيه الإكراه، كالنكاح والطلاق.
ومنهم من جعله كشرط الخيار، فما أثّر فيه شرط الخيار، أثّر فيه الإكراه، [وما لم يؤثّر فيه شرط الخيار، لا يؤثّر فيه الإكراه]، [لأنّ] (٢) الخيار يمنع الرضا كالإكراه المانع من الرضا.
ويُعتبر في الإكراه: صفة المكرِه والمكرَه، والمعنى الذي يُهدّد به، والمعنى الذي أكره (٣) عليه.
فأمّا صفة المكرِه: [فهو] أن يكون قادرًا على إيقاع ما توعّد به؛ ولهذا
стр. 4926
يستوي إكراه السلطان وغيره؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما قد يقدر على فعل ما توعّد (١) به.
وأمّا صفة المكرَه: فأن يغلب على ظنّه أنّ المكرِه يوقع ما توعّد (٢) به، فإن غلب على ظنّه [ذلك] كان مكرَهًا، وإن غلب على ظنه أنّه لا يفعل، لم يكن مكرهًا.
وأمّا صفات (٣) ما يتوعّد بإيقاعه: فتارةً يتوعّد بالقتل، أو بإتلاف (٤) عضوٍ من الأعضاء، أو بالضرب العظيم، أو بالقتل، أو بالحبس، أو القيد، وذلك يختلف بحسب ما أكرهه عليه.
وأمّا صفات ما أكرهه على إيقاعه فتارةً يكون ممّا مُنع منه لحقّ الله تعالى، وتارةً لحقّ المكرَه، وتارةً لحقّ آدمىٍّ آخر. والكلام في تفصيل ذلك بيّن في المسائل.
قال: وإذا أُكره الرجل على فعل شيءٍ لا يحلّ له ذلك في دينه: من شرب خمرٍ، أو أكل ميّتةٍ، أو خنزيرٍ، بقتلٍ أو بتلف عضوٍ من أعضائه (٥)، وكان على ذلك أكثر رأيه، فإنّه يَسَعُه فعل ذلك، وسواءٌ كان العضو من أعضائه: قطع [أذنٍ] (٦) أو أصبع أو غير ذلك، فهذا سواءٌ؛ لأنّ الله تعالى أباح الخمر والخنزير
стр. 4927
والميتة عندَ الضرورة بقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فإذا أُكره بالقتل، أو بإتلاف عضو، فقد اضطر إلى ذلك، فصار كالجائع الذي يخاف التلف، فيجوز له الإقدام على هذه المحرمات، ألا ترى أنّها حُرّمت [بالشرع] (١)، فلم يحرمها [بالشرع] (٢) إلا مع الاختيار، فأمّا مع الضرورة فقد أُبيحت؛ فلذلك جاز تناولها.
قال: وكذلك لو أُكره بضربٍ يخاف منه على نفسه، أو ذهاب عضوٍ من أعضائه، [وكان على ذلك أكثر رأيه، فإنّه يَسَعُه فعل ذلك، وسواءٌ] كان الضرب قدر الحد أو أكثر أو أقلّ، بعد أن يخاف [منه على نفسه] ما ذكرنا، ويكون على ذلك أكثر رأيه؛ وذلك لأنّه إذا خاف من الضرب أو التَّلَف أو إتلاف عضوٍ، فقد صار مضطرًّا، فلا معنى لاعتبار مقدار الضرب.
ومن الفقهاء من قال: إن تُوعّد بقدر الحدّ فما زاد كان مكرهًا، وإن تُوعّد بأقلّ من الحدّ لم يحلّ له شرب الخمر أو أكل الميتة؛ لأنّ ذلك يستوفى في التعزير، فصار كالحبس والاستخفاف.
وهذا ليس بصحيحٍ، لأنّه إذا خاف منه على نفسه أو على أعضائه (٣) فهو كالضرب الكثير، وإن جاز أن يستوفى مقداره في التعزير؛ لأنّ الإمام لا يعَزِّر إذا خاف التلف.
وما لا يخاف منه التلف على النفس ولا عضوٍ من الأعضاء ليس بإكراهٍ على
стр. 4928
شرب الخمر وأكل الميتة.
قال: فإن خوّفه (١) بضربه سوطًا أو سوطين، فلا يسعه عندي أن يفعل شيئًا من ذلك.
ولو قالوا له: لنحبسنّك في السجن سنةً، أو لنقيّدنك أبدًا ولا نخرجنّك من السجن حتى تفعل ذلك، لم ينبغ (٢) له أن يفعل [شيئًا من] هذا؛ لأنّه لا يخاف من هذا تلف نفسٍ ولا غير ذلك؛ لأنّ ضرب السوط أو السوطين والحبس ليس فيه خوف تلفٍ على نفسٍ، ولا عضو من الأعضاء، فلا يبيح ذلك شرب الخمر، ألا ترى أن الفساق إنّما يشربون الخمر لصرف الهمّ عنهم، فلا يجوز أن يُستباح بذلك.
قال: فإن قالوا: لنجوعنّك أو لتفعلنّ [بك بعض ما ذكرنا] (٣)، لم ينبغ (٤) له أن يفعل حتى [يجيء] (٥) من الجوع أمرٌ يخاف منه التلف (٦).
قال محمد: وإنّما يقاس الإكراه في ذلك بالضرورة في هذه الأشياء، وهذا على وجهين: إن كان يعلم أنّه إذا امتنع من الشرب حتّى يأتي من الجوع ما يخاف منه التلف، ثمّ بدا (٧) لهم شربها [أزالوا عنه الإكراه]، لم يجز له أن يتعجّل
стр. 4929
بتناولها؛ لأنّ الضرورة لم تحصل، وإن كان يغلب في ظنه أنّه إن امتنع من شربها ثم جاع فاستدعى منهم شربها لم يمكّنوه من الطعام، جاز له أن يشربها في الحال؛ لأنّ الخوف موجودٌ.
قال: محمدٌ: وكلّ شيء جاز له فيه شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير في الإكراه، فكذلك يجوز له عندنا الكفر بالله تعالى إذا أكره [على ذلك] وقلبه مطمئن بالإيمان؛ وذلك لأنّ الكفر لا يُعلَم تحريمه بالشرع خاصّةً، وإنّما يُعلَم [بالعقل] (١)، فهو آكد في التحريم من الميتة والخمر؛ ولهذا لا تبيحه الضرورة، وإنما تبيح إظهاره مع التوبة، فإذا كان ما أبيح [بالعقل] (٢) وحُرّم بالشرع لا يُستباح إلا عند الخوف على النفس أو على عضوٍ من الأعضاء، فالمحظور [بالعقل] (٣) أولى (٤).
والأصل في جواز إظهار كلمة الكفر عند الإكراه: ما روي أنّ المشركين أخذوا عمار بن ياسر وهدّدوه حتى قال في آلهتهم خيرًا، أو قال في رسول الله ﷺ شرًّا، فلما جاء إلى النبي ﷺ ، قال: "ما وراءك؟ "، فقال: شرًّا، أكرهوني حتى قلت في آلهتهم خيرًا، أو قلت فيك شرًّا، فقال: "كيف وجدت قلبك؟ " فقال: مطمئنًّا بالإيمان، فقال: "إن عادوا فعد" (٥).
стр. 4930
وروي في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، أنها نزلت في عمار بن ياسر، [وقوله]: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، في عبد الله بن أبي سرح (١).
قال محمدٌ: ولو تهدّد بالقتل، أو بقطع يدٍ (٢)، أو بضربٍ يخاف فيه التلف حتّى يشرب الخمر، أو يأكل [لحم] الخنزير أو الميتة، فلم يفعل ذلك حتى قُتل أو يفعل به ذلك، خفت أن يكون آثمًا؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وهذا مضطرٌّ.
وهذا صحيح؛ لأنّ تحريم الميتة والخمر معلومٌ بالشرع، ولم يحرمها الشرع في حال الضرورة، فصار في هذه الحال كالطعام المباح، ومن وجد طعامًا مباحًا فامتنع من أكله حتّى مات كان آثمًا، فكذلك هذا.
قال: ولو أنّ رجلًا أُكره بتهديد بقتلٍ أو بقطعٍ أو بضربٍ يخاف منه تلفًا حتّى يفتري على رجل مسلمٍ، ففعل، رجوت أن يكون في سعةٍ؛ لأنّ هذا ليس بفعلٍ يفعله به؛ وذلك لأنّ الإكراه قد أباح إظهار [كلمة] الكفر، وهو شتمٌ لله تعالى ورسوله ﷺ ، فلأن يبيح شتم المسلم أولى.
قال: ولو أكره على الكفر بالله سبحانه، أو شتم محمدٍ ﷺ ، أو قذف (٣) مسلمٍ فلم يفعل حتّى قتل، كان إن شاء الله مأجورًا، وكان ذلك أفضل من إقدامه عليه وإن كان ذلك واسعًا؛ وذلك لما روي أن المشركين أخذوا خبيبَ بن عديٍّ،
стр. 4931
فباعوه من أهل مكة، فقالوا له: لنقتلنّك أو لتذكرنّ آلهتنا بخيرٍ، ولتشتمنّ محمدًا، فكان يشتم آلهتهم ويذكر محمدًا بخير، حتّى قتلوه، فقال: النبي ﷺ : "هو رفيقي في الجنة" (١)، ولأنّ الكفر لم يبح [له] بحالٍ، وإنّما أُبيح إظهارُ الكفر من غير اعتقادٍ، فإذا صبر ولم يظهر الكفر فقد قصد بذلك إعزاز الدين، فهو أولى من إظهاره.
وكذلك شتم المسلمين (٢) من مظالم العباد، وذلك غير مباحٍ بحال، وتحريمه معلومٌ بالعقل، فهو كالكفر، والصبر فيه أولى من الإقدام عليه.
قال: ولو أنّ اللصوص أو غيرهم قالوا لرجلٍ: لنفعلن بك كذا، بما يكون إكراهًا، والرجل المتهدّد يرى أنّهم لا يقدمون على ذلك ولا يفعلون، لم يجز أن يفعل ما يُكرهونه عليه، وهذا على ما قدّمنا أنّ المعتبر دفع الضرر عن نفسه، فإذا غلب على ظنّه أنّهم لا يفعلون ما هدّد به، لم يحصل هناك ضررٌ، فلم يجز له أن يقدم على الفعل المحرم (٣).
стр. 4932
بَاب الإكراه في الأموال
قال: وإذا أكره الرجل بما ذكرت لك أنّه أكره في شرب الخمر أو أكل الميتة على أن يقرّ بمالٍ لرجلٍ، فأقرّ، فإنّ الإقرار باطلٌ لا يلزمه شيء ممَّا أقرّ به؛ وذلك لأنّ الإقرار ممّا يختلف بالجدّ والهَزْل، ألا ترى أنّ من أقرّ بشيء ثم اتفق المُقِرّ والمُقَرَّ له أنهما كانا هازلين لم يلزمه الإقرار، فالإكراه ينافي القصد كما ينفيه الهزل.
ولا يقال: إنّ الإكراه عندكم يجري مجرى شرط الخيار، ولو شرط الخيار في الإقرار لم يصحّ، فكذلك الإكراه لا يؤثّر فيه؛ وذلك لأنّ الخيار يصحّ دخوله في الإقرار ألا ترى أنّه إذا شرط الخيار في البيع فقد لزمه [الثمن]، وله فيه الخيار، وإنّما لا يُقبل إذا أطلق الإقرار؛ لأنّه لا يُصدّق على إثبات الخيار فيه.
قال: وكذلك لو قال: لنحبسنّك حتى تقرّ (١)، أو لنقيدنّك حتّى تقرّ، [فأقرّ]، فالإقرار باطلٌ؛ وذلك لأنّ الحبس والقيد ينفيان الرضا، ومن شروط صحة الإقرار وجود الرضا.
وذكر عن شُرَيْحٍ أنّه قال: (القيد كرهٌ، والوعيد كرهٌ، والضرب كرهٌ، والسجن كرهٌ) (٢).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: (ليس الرجل بأمينٍ على نفسه إذا
стр. 4933
ضُربت، أو وُثّقت، أو جُوّعت) (١).
قال محمدٌ: ولو كانوا قالوا لنضربنّك سوطًا، أو لنحبسنّك يومًا، أو لنقيدنّك يومًا، أو لتقرّنّ بألف درهمٍ، وهو لا يخاف أكثر من ذلك، فأقرّ به، كان الإقرار جائزًا، وليس هذا بإكراه، وهذا كقولهم: [لنطرقنّك] (٢) طرقةً، أو لنشتمنّك.
قال محمدٌ: وليس في هذا وقتٌ، ولكنه ما يجيء منه الاغتمام البيّن بالحبس والتقييد [ولسنا نعرف] (٣) من هذا الحدّ الذي لا يُزاد عليه ولا يُنقص عنه، وذلك على ما يراه الحاكم إذا رُفع ذلك إليه، وجملة هذا: أنّ الإقرار ينفيه عدم الرضا، [وكلّ] (٤) شيء [لو] توعّد به ممّا يخاف منه الضرر (٥) البيّن، فهو ينفي الرضا، وما كان الضرر فيه أقلّ من الضرر في التزام المال المُقَرّ به فإنّه لا ينفي الرضا، وإنّما لم يحدّد ذلك؛ لأنّه يختلف باختلاف الناس.
وقد كان أصحابنا يقولون بأنّ السوط الواحد والقيد في اليوم الواحد إكراهٌ في حقّ بعض الناس، وليس بإكراهٍ في حقّ بعضهم؛ لأنّ من الناس من لا يستضرّ بذلك، ومنهم من يقدح ذلك في مروءته، فيستضرّ به (٦)؛ لذلك فوّضه محمد إلى اجتهاد الحاكم.
стр. 4934
قال: ولو أنّ رجلًا أكرهه لصٌّ غالبٌ فقال: لأقتلنّك أو لأحبسنّك في السجن، أو لأقيدنّك، أو لتقرّنّ لهذا الرجل بألف [درهمٍ]، فأقر له بخمسمائة، فالإقرار باطلٌ؛ وذلك لأنّه مُكْرَهٌ على ألفٍ، وعلى أبعاضها، فإذا أقرّ بما دخل تحت الإكراه لم ينفذ إقراره.
قال: فإن أكرهوه على أن يقرّ له بألفٍ، فأقرّ له بألفين، [ألزمته] (١) ألف درهمٍ، وأزلت عنه ألفًا؛ لأنّ الألف مكرهٌ عليها، والألف الآخرى لم يكرهوه عليها، فقد ابتدأ الإقرار بها من غير إكراه، فيلزمه ذلك.
[فإن] قيل: فهلا قلتم: إنّه يلزمه ألفان؛ لأنّ عند أبي حنيفة أنّ الشاهدين إذا شهد أحدهما بألفٍ [والآخر بألفين]، لم تقبل شهادتهما على الألف؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما يشهد بغير ما شهد به الآخر، كذلك في مسألتنا أكره على ألفٍ فأقرّ بألفين، وذلك غير ما أكره عليه، يلزمه الجميع (٢).
قيل له: المعتبر في الشهادة عند أبي حنيفة: اتفاق الشهود في اللفظ، والألف غير الألفين في اللفظ، فأما الإكراه: فالمعتبر فيه الموافقة في المعنى دون اللفظ؛ لأنّ غرض المكره أن يتخلّص بإقراره من الإكراه، ويفعل ما أراده المُكرِه، وقد اتفقا في الألف في [المعنى] (٣)، وإن اختلفا في اللفظ.
قال: وإن أقرّ بمائة دينارٍ، فالإقرار جائزٌ، وكذلك إن أقرّ بصنف غير ما أكرهوه عليه؛ لأنّ الدنانير غير الدراهم، فقد ابتدأ الإقرار بغير ما أكره عليه، فلزمه.
стр. 4935
ومن أصحابنا من قال: إنّما لزمته؛ لأنّ مائة [دينارٍ] أكثر من الألف في العادة، فلما خالف في الجنس والعدد (١) لزمه.
قال: فإن أكرهوه على أن يقرّ له (٢) بألفٍ، فقال له ولفلانٍ الغائب عليّ ألفٌ، الإقرار كلّه باطلٌ في قياس قول أبي حنيفة، صدّق الغائب بالشركة أو كذّب.
وأمّا في قول محمدٍ (٣): فإن صدّق الغائب بالشركة، بطل الإقرار، وإن كذّب جاز الإقرار للغائب بالنصف وبطل للحاضر، أمّا إذا صدّق الغائب بالشركة، فإقرار المقرّ للحاضر باطلٌ لأجل الإكراه، فلو صحّ للغائب ثبت مشاركة الحاضر له فاحتجنا إلى إبطال نصف ذلك، فلم يثبت له المشاركة بالنصف، فيبطل نصفه، ثمّ كلّ جزءٍ (٤) يثبت فيه حقّ (٥) المشاركة سقط نصفه.
وأما إذا كذّب الغائبُ بالشركة فالإقرار باطلٌ في قول أبي حنيفة؛ لأنّه [وقع فاسدًا] (٦) لمشاركة المكرِه عليه، والإقرار الفاسد من جهة المقَرّ له، وإنما يصحّ من جهة [المُقِرّ]، فلو صححناه في مسألتنا لصححناه بتكذيب الغائب، وهو لا يملك تصحيح الإقرار؛ ولأنّ المُقِرّ أقرّ بمالٍ مشتركٍ، فلو أثبتنا للغائب الألف من غير شركةٍ، [لأثبتنا] (٧) الإقرار على غير الوجه الذي أقرّ به المِقرّ (٨)،
стр. 4936
وهذا لا يصحّ.
وجه قولهما: أنّ الإقرار للغائب حصل بغير إكراهٍ، وإنما بطل بالشركة، وإذا جحد الغائب شركة الحاضر بقي الإقرار في حقّه، وليس فيه معنًى يفسده، فصحّ.
وهذا الاختلاف فرعٌ على اختلافهم في المريض إذا أقرّ لوارثه وأجنبيٍّ [بمالٍ]، فقال: قال أبو حنيفة: يبطل الإقرار، صدّق الأجنبي بالشركة أو كذّب، وقال أبو يوسف ومحمد: إن صدّق بالشركة بطل الإقرار، وإن كذّب لم يبطل.
قال: ولو أكرهوه على أن يهب جاريته هذه لفلانٍ، أو أن يهب العبد هذا لفلانٍ، ويدفعه إليه، ولم يذكر دفعًا، [ففعل] ودفعه إلى فلانٍ، فالهبة باطلة.
وكذلك لو أكرهوه على البيع والدفع؛ وذلك لأنّ البيع والهبة ممّا يختلف فيه الجِدّ والهَزْل، فكذلك يؤثّر فيه الإكراه؛ ولأنّ شرط الخيار يؤثّر فيه، والإكراه ينفي الرضا كشرط الخيار.
وفرّق بين الهبة والبيع، فقال في الهبة: إذا أكرهوه على الهبة ولم يكرهوه على الدفع فوهب وأقبض [لم تصحّ الهبة، ولو أكرهوه على البيع، ولم يكرهوه على الدفع فباع وأقبض] جاز البيع.
والفرق بينهما: أنّ مقصود المُكرِه أن يُكْرِهَ على ما يتعلّق به الاستحقاق، وعقد الهبة لا يتعلّق الاستحقاق به، فصار الإكراه عليه إكراهًا على القبض الذي لا يتمّ إلا به، ومن أكره على أن يهب ويقبض، ففعل، لم تصحّ هبته، وليس
стр. 4937
كذلك البيع؛ لأنّ الاستحقاق يتعلّق به (١)، فيحصل بالعقد غرض المكره، ولا يحتاج إلى القبض، فلما أقبض البائع وهو غير مكرَهٍ على الإقباض، صار بذلك إجازةً للبيع، ومن أُكره على البيع فأجازه بعد الإكراه وفعل فعلًا يدل على الإجازة جاز بيعه، وكذلك هذا.
قال: ولو أكرهوه على هبة جاريته لعبد الله، فوهبها لعبد الله وزيد، وقبضاها جميعًا بأمره، جازت حصّة زيدٍ، وبطلت حصة عبد الله؛ لأنهم لمّا أكرهوه على هبتها (٢) لعبد الله، فقد أكرهوه على هبة كلّ جزء منها، فالهبة في النصف قد تناولها الإكراه والهبة لزيدٍ لم يتناولها الإكراه، فصحت، وهبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة جائزةٌ.
قال: ولو أكرهوه على هبة ألف لعبد الله، فوهبه جملةً لعبد الله وزيد، ودفعه إليهما بطلت الهبة كلّها في قول أبي حنيفة.
وقال محمدٌ: الهبة أيضًا لا تجوز [عندي] لعبد الله، ولا لزيدٍ.
أما أبو حنيفة: فعنده أنّ هبة الواحد لاثنين من غير إكراهٍ باطلةٌ، فمع الإكراه أولى؛ ولأنّ الهبة لعبد الله لا تصحّ لأجل الإكراه، فتبقى الهبة لزيدٍ في مشاعٍ يحتمل القسمة، فيبطل.
وأمّا على قولهما (٣): فهبة الواحد من الاثنين جائزةٌ، لأنها صفقةٌ واحدةٌ، فإذا كان مكرهًا على أحدهما بطلت الهبة في حقّه، [وبقي] (٤) في حقّ الآخر
стр. 4938
مشاعًا، فلم تصحّ.
وليس هذا عند محمدٍ كالمريض إذا وهب مالًا يخرج من ثلثه ثم مات، فلم تجز الورثة؛ لأنّ هناك وقعت الهبة في الأصل جائزةً في الجميع، ثمّ بطلت في بعضها لمعنىً طارئٍ، والإشاعة في حال البقاء لا تمنع الهبة (١).
قال: وكذلك الإكراه على البيع والشراء والصدقة، فإنّ الإكراه يبطل في ذلك كلّه، وكذلك كلّ ما كان من تمليكٍ يَلحقه فسخٌ؛ وذلك لأنّه لا يختلف بالجِدِّ والهَزْل، والإكراه في حكم الهَزْلِ.
قال: ولو أكره على بيع جاريته من هذا الرجل بألفٍ، وقيمتها عشرة آلاف، فباعها منه بأقلّ من ألفٍ، كان القياس في هذا أنّ البيع جائزٌ، والاستحسان: أنّ البيع باطلٌ.
وجه القياس: أنّه لمّا عدل عن الثمن الذي سمّوه له وسمّى غيره، دلّ على أنّه اختار ذلك [فنفذ] (٢) عليه، كما لو باعها بألفين.
وجه الاستحسان: أنّ غرض المُكرِه بالإكراه إيصال المنفعة إلى المشتري، وغرض المُكرَه أن يفعل ما وافق المُكرِه ليتخلّص من وعيده، وهو إذا [نقص] (٣) ممّا ذكر له من الثمن [كان] أقرب إلى حصول غرضه، فعلم أنّ ذلك ممّا تناوله الإكراه، فلم ينفذ.
стр. 4939
وأمّا إذا باعه بألفين، فذلك غير الثمن (١) الذي سمّاه المكره، ولا هو ممّا يوافق غرضه؛ لأنّه [لا يختار] (٢) الزيادة، فصار ذلك بيعًا مبتدأً لم يتناوله الإكراه، فينفذ.
قال: ولو أكرهوه على بيعٍ فوهبَ، جاز ذلك؛ لأنّ الهبة عقدٌ مخالفٌ للبيع، والإكراه لم يتناوله، فنفذ عليه.
قال: ولو أكرهوه على بيع جاريته، ولم يسمّوا له أحدًا، فباعها من إنسانٍ، كان البيع باطلًا، لأنّ الإكراه إنّما يتناول العقد، وقد وقع بحسب مقتضى الإكراه، فلم ينفذ.
قال: ولو أخذوه بمال يؤديه فأكرهوه على أدائه، ولم يذكروا له جاريته بشيءٍ [فباع جاريته] ليؤدّي ذلك [المال]، وذلك المال أصله باطلٌ فالبيع جائزٌ؛ وذلك لأنّ الإكراه تناول المال، ولم يتناول البيع، وإنّما هو المختار بالبيع ليتخلّص به من الإكراه، فإذا وقع البيع باختياره، فنفذ عليه.
[قال: ولو أكرهوه على أن يبيع جاريته ليؤدّي ذلك المال، وذلك المال أصله باطلٌ، فالبيع جائزٌ].
(قال: ولو أكرهوه على أن يبيع) (٣) من فلانٍ بألف درهمٍ، فباعها منه بقيمة الألف دنانير، كان القياس في هذا: أنّ البيع جائزٌ، والاستحسان: أنّ البيع باطلٌ.
وجه القياس: أنّه لما عدل عن الجنس الذي سمّوه إلى غيره، دل على أنّه
стр. 4940
قصد البيع، ولم يفعل ما تناوله الإكراه، فنفذ (١) البيع، كما لو باع [بعرضٍ] (٢) أو بمكيلٍ.
وجه الاستحسان: أن الدراهم والدنانير في البياعات قد أجريت (٣) مجرى الجنس الواحد، ألا ترى أنهما أثمان الأشياء، فصار (القصد من أحدهما كالقصد من الآخر) (٤)، فالإكراه على أحدهما كالإكراه على الآخر، وليس كذلك العروض والمكيلات؛ لأنها لم تجر مع الدراهم [مجرى] الجنس الواحد، فبقيت على أصل القياس.
فإن قيل: أليس قد قال في أصل (٥) هذا الباب: إنّهم إذا أكرهوه على الإقرار بألف درهمٍ، وأقرّ بمائة دينارٍ جاز الإقرار.
فالجواب: أنّ من أصحابنا من قال: إنّ المكره إذا أقرّ بدنانير قيمتها ألفٌ أو أقلّ لم يجز الإقرار، وإنّما جاز الإقرار؛ لأنّ المائة دينار قيمتها في الغالب أكثر من ألفٍ، [فلمّا] (٦) عدل عن الجنس والقدر لم يكن مكرهًا.
ومن أصحابنا من حمل المسألة على ظاهرها وقال: إنّ الدراهم والدنانير في البياعات أجريا مجرى الجنس الواحد استحسانًا، ولم يوجد ذلك في الإقرار، فبقي على أصل القياس.