← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وهذا لا يصحّ. وجه قولهما: أنّ الإقرار للغائب حصل بغير إكراهٍ، وإنما بطل بالشركة، وإذا جحد الغائب شركة الحاضر بقي الإقرار في حقّه، وليس فيه معنًى يفسده، فصحّ. وهذا الاختلاف فرعٌ على اختلافهم في المريض إذا أقرّ لوارثه وأجنبيٍّ [بمالٍ]، فقال: قال أبو حنيفة: يبطل الإقرار، صدّق الأجنبي بالشركة أو كذّب، وقال أبو يوسف ومحمد: إن صدّق بالشركة بطل الإقرار، وإن كذّب لم يبطل. قال: ولو أكرهوه على أن يهب جاريته هذه لفلانٍ، أو أن يهب العبد هذا لفلانٍ، ويدفعه إليه، ولم يذكر دفعًا، [ففعل] ودفعه إلى فلانٍ، فالهبة باطلة. وكذلك لو أكرهوه على البيع والدفع؛ وذلك لأنّ البيع والهبة ممّا يختلف فيه الجِدّ والهَزْل، فكذلك يؤثّر فيه الإكراه؛ ولأنّ شرط الخيار يؤثّر فيه، والإكراه ينفي الرضا كشرط الخيار. وفرّق بين الهبة والبيع، فقال في الهبة: إذا أكرهوه على الهبة ولم يكرهوه على الدفع فوهب وأقبض [لم تصحّ الهبة، ولو أكرهوه على البيع، ولم يكرهوه على الدفع فباع وأقبض] جاز البيع. والفرق بينهما: أنّ مقصود المُكرِه أن يُكْرِهَ على ما يتعلّق به الاستحقاق، وعقد الهبة لا يتعلّق الاستحقاق به، فصار الإكراه عليه إكراهًا على القبض الذي لا يتمّ إلا به، ومن أكره على أن يهب ويقبض، ففعل، لم تصحّ هبته، وليس

стр. 4937

كذلك البيع؛ لأنّ الاستحقاق يتعلّق به (١)، فيحصل بالعقد غرض المكره، ولا يحتاج إلى القبض، فلما أقبض البائع وهو غير مكرَهٍ على الإقباض، صار بذلك إجازةً للبيع، ومن أُكره على البيع فأجازه بعد الإكراه وفعل فعلًا يدل على الإجازة جاز بيعه، وكذلك هذا. قال: ولو أكرهوه على هبة جاريته لعبد الله، فوهبها لعبد الله وزيد، وقبضاها جميعًا بأمره، جازت حصّة زيدٍ، وبطلت حصة عبد الله؛ لأنهم لمّا أكرهوه على هبتها (٢) لعبد الله، فقد أكرهوه على هبة كلّ جزء منها، فالهبة في النصف قد تناولها الإكراه والهبة لزيدٍ لم يتناولها الإكراه، فصحت، وهبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة جائزةٌ. قال: ولو أكرهوه على هبة ألف لعبد الله، فوهبه جملةً لعبد الله وزيد، ودفعه إليهما بطلت الهبة كلّها في قول أبي حنيفة. وقال محمدٌ: الهبة أيضًا لا تجوز [عندي] لعبد الله، ولا لزيدٍ. أما أبو حنيفة: فعنده أنّ هبة الواحد لاثنين من غير إكراهٍ باطلةٌ، فمع الإكراه أولى؛ ولأنّ الهبة لعبد الله لا تصحّ لأجل الإكراه، فتبقى الهبة لزيدٍ في مشاعٍ يحتمل القسمة، فيبطل. وأمّا على قولهما (٣): فهبة الواحد من الاثنين جائزةٌ، لأنها صفقةٌ واحدةٌ، فإذا كان مكرهًا على أحدهما بطلت الهبة في حقّه، [وبقي] (٤) في حقّ الآخر

стр. 4938

مشاعًا، فلم تصحّ. وليس هذا عند محمدٍ كالمريض إذا وهب مالًا يخرج من ثلثه ثم مات، فلم تجز الورثة؛ لأنّ هناك وقعت الهبة في الأصل جائزةً في الجميع، ثمّ بطلت في بعضها لمعنىً طارئٍ، والإشاعة في حال البقاء لا تمنع الهبة (١). قال: وكذلك الإكراه على البيع والشراء والصدقة، فإنّ الإكراه يبطل في ذلك كلّه، وكذلك كلّ ما كان من تمليكٍ يَلحقه فسخٌ؛ وذلك لأنّه لا يختلف بالجِدِّ والهَزْل، والإكراه في حكم الهَزْلِ. قال: ولو أكره على بيع جاريته من هذا الرجل بألفٍ، وقيمتها عشرة آلاف، فباعها منه بأقلّ من ألفٍ، كان القياس في هذا أنّ البيع جائزٌ، والاستحسان: أنّ البيع باطلٌ. وجه القياس: أنّه لمّا عدل عن الثمن الذي سمّوه له وسمّى غيره، دلّ على أنّه اختار ذلك [فنفذ] (٢) عليه، كما لو باعها بألفين. وجه الاستحسان: أنّ غرض المُكرِه بالإكراه إيصال المنفعة إلى المشتري، وغرض المُكرَه أن يفعل ما وافق المُكرِه ليتخلّص من وعيده، وهو إذا [نقص] (٣) ممّا ذكر له من الثمن [كان] أقرب إلى حصول غرضه، فعلم أنّ ذلك ممّا تناوله الإكراه، فلم ينفذ.

стр. 4939

وأمّا إذا باعه بألفين، فذلك غير الثمن (١) الذي سمّاه المكره، ولا هو ممّا يوافق غرضه؛ لأنّه [لا يختار] (٢) الزيادة، فصار ذلك بيعًا مبتدأً لم يتناوله الإكراه، فينفذ. قال: ولو أكرهوه على بيعٍ فوهبَ، جاز ذلك؛ لأنّ الهبة عقدٌ مخالفٌ للبيع، والإكراه لم يتناوله، فنفذ عليه. قال: ولو أكرهوه على بيع جاريته، ولم يسمّوا له أحدًا، فباعها من إنسانٍ، كان البيع باطلًا، لأنّ الإكراه إنّما يتناول العقد، وقد وقع بحسب مقتضى الإكراه، فلم ينفذ. قال: ولو أخذوه بمال يؤديه فأكرهوه على أدائه، ولم يذكروا له جاريته بشيءٍ [فباع جاريته] ليؤدّي ذلك [المال]، وذلك المال أصله باطلٌ فالبيع جائزٌ؛ وذلك لأنّ الإكراه تناول المال، ولم يتناول البيع، وإنّما هو المختار بالبيع ليتخلّص به من الإكراه، فإذا وقع البيع باختياره، فنفذ عليه. [قال: ولو أكرهوه على أن يبيع جاريته ليؤدّي ذلك المال، وذلك المال أصله باطلٌ، فالبيع جائزٌ]. (قال: ولو أكرهوه على أن يبيع) (٣) من فلانٍ بألف درهمٍ، فباعها منه بقيمة الألف دنانير، كان القياس في هذا: أنّ البيع جائزٌ، والاستحسان: أنّ البيع باطلٌ. وجه القياس: أنّه لما عدل عن الجنس الذي سمّوه إلى غيره، دل على أنّه

стр. 4940

قصد البيع، ولم يفعل ما تناوله الإكراه، فنفذ (١) البيع، كما لو باع [بعرضٍ] (٢) أو بمكيلٍ. وجه الاستحسان: أن الدراهم والدنانير في البياعات قد أجريت (٣) مجرى الجنس الواحد، ألا ترى أنهما أثمان الأشياء، فصار (القصد من أحدهما كالقصد من الآخر) (٤)، فالإكراه على أحدهما كالإكراه على الآخر، وليس كذلك العروض والمكيلات؛ لأنها لم تجر مع الدراهم [مجرى] الجنس الواحد، فبقيت على أصل القياس. فإن قيل: أليس قد قال في أصل (٥) هذا الباب: إنّهم إذا أكرهوه على الإقرار بألف درهمٍ، وأقرّ بمائة دينارٍ جاز الإقرار. فالجواب: أنّ من أصحابنا من قال: إنّ المكره إذا أقرّ بدنانير قيمتها ألفٌ أو أقلّ لم يجز الإقرار، وإنّما جاز الإقرار؛ لأنّ المائة دينار قيمتها في الغالب أكثر من ألفٍ، [فلمّا] (٦) عدل عن الجنس والقدر لم يكن مكرهًا. ومن أصحابنا من حمل المسألة على ظاهرها وقال: إنّ الدراهم والدنانير في البياعات أجريا مجرى الجنس الواحد استحسانًا، ولم يوجد ذلك في الإقرار، فبقي على أصل القياس.

стр. 4941

وهذه المسألة نظيرها ما قالوا فيمن باع شيئًا بدراهم نسيئةً، ثم اشتراه بدنانير أقلّ من تلك الدراهم: أنّه لا يجوز [الشراء]، فأجروها مجرى الجنس الواحد (١). قال: ولو أنّ رجلًا له على رجلٍ حقٌّ من ملكٍ (٢) أو كفالةٍ بنفسٍ أو غير ذلك، فأُكْرِهَ بوعيدٍ بقتلٍ أو حبسٍ حتى أبرأ منه الذي عليه الحقّ، كانت البراءة باطلةً، وكذلك لو وجبت له شفعةٌ، فلما علم بها [أراد] أن يتكلّم بطلبها، فأكره حتى سُدّ فوه ولم يُترك ينطق يومًا أو أكثر من ذلك، لم تبطل شفعته، وكذلك لو أكرهوه على تسليمها بعدما طلبها، كان تسليمه، باطلًا، وكان على شفعته إن زال عنه الإكراه، فإن طلب عند ذلك وإلا بطلت شفعته؛ لأنّ البراءة من الدين إسقاطٌ (٣)، وإسقاط الكفالة والشُّفعَة يختلف فيه الجِدّ والهَزْل، فلا يصحّ مع الإكراه. وكذلك السكوت عن طلب الشُّفعَة [بإكراهٍ] لا يبطل الشُّفعَة؛ لأنّ السكوت إنّما يبطل لدلالته على الرضا بإسقاط الحقّ، فإذا كان بإكراهٍ لم يدلّ على الرضا (٤).

стр. 4942

بَاب الإكراهِ على العتقِ والطلاقِ والنكاحِ وغيرِ ذلك قال: ولو أنّ رجلًا أُكره بوعيدٍ بقتلٍ أو تلف عضوٍ على عتق عبده، أو على طلاق امرأته، أو على تزويجِ امرأةٍ، أو على [عفوٍ من دمٍ] (١) وجب له، فذلك كله جائزٌ عليه، وقال الشافعي: لا يجوز (٢). لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال: "لا قيلولة في الطلاق" (٣)، وقال: "ثلاثٌ جِدُّهن وهزلهن جِدٌّ: الطلاق، والعتاق، واليمين" (٤)، وروي: "الطلاق، والنكاح، واليمين"، فإذا استوى فيه الجِدُّ والهَزْل، فكذلك الإكراه [والطوع]؛ ولأنّه قاصدٌ إلى الإيقاع وإلى العقد، غير راضٍ بأحكامه، فصار كشرط الخيار وكالهَزْل. قال: وإن أكره على عتق عبده، فللمولى أن يرجع بقيمة العبد على المكرِه (موسرًا كان أو معسرًا، والولاء للمولى المُعتِق. وهذه المسألة تتضمّن أحكامًا:

стр. 4943

أوّلها: نفوذ العتق، وقد بيّناه. والثاني: وجوب الضمان على المكرِه؛ لأنّه أتلف ملك الغير على طريق التعدّي، فيلزمه الضمان؛ ولأنّ فعل المكرَه ينتقل إلى المكرِه) (١) فيما يصح أن يفعله الإنسان لغيره، فصار المكرِه هو المُتْلِفُ. والثالث: استواء اليسار والإعسار؛ لأنّ المكره في حكم المباشر للإتلاف، وضمان المباشر يستوي فيه اليسار والإعسار، وإنّما يفترق في العتق اليسار والإعسار في ضمان السراية. والرابع: أنّ العبد لا سعاية عليه؛ لأنّ العتق وقع من جهة المولى، ولا حقّ لأحدٍ في ملكه مع تمام الملك، فصار كالمختارِ للعتق، وليس هذا كعبد الرهن إذا أعتقه الراهن وهو معسرٌ؛ لأنّ تعلّق حقّ الغير بالملك هو الذي أوجب السعاية، وليس هذا كالمحجور عليه إذا أعتق، أنّ السعاية واجبة عند أبي يوسف ومحمدٍ؛ لأنّ الحجر أوجب نقصان تصرفه، ونقصان ملكه. والخامس: ثبوت الولاء للمولى؛ لأنّ العتق صح من جهته، وقال ﵇: "الولاء لمن [أعتق] (٢) " (٣). السادس: أنّ المكرَه لا يرجع على العبد بالضمان؛ وذلك لأنّ الملك في رقبة العبد لا تنتقل إليه، ولا يجوز أن يرجع بالسعاية؛ ولأنّ المضمن (٤) في

стр. 4944

الغير (١) إنّما يرجع على العبد؛ لأنّه قام مقام المولى فيه، وفي ما كان له من السعاية، والمولى في مسألتنا لم يكن له حقٌّ في السعاية، فلا يثبت لمن قام مقامه. قال: ولو كان عبدٌ بين رجلين، أُكرِه أحدهما بوعيدٍ بقتلٍ أو قطعٍ أو ضربٍ يخاف منه تلفًا، حتى أعتقه، كان حرًّا كلّه في قول أبي يوسف ومحمدٍ، والولاء للمعتِق، وهذه المسألة [أيضًا] تتضمّن أحكامًا: منها: نفوذ العتق، وقد بيّناه. ومنها: أنّ الشريك المعتِق لا ضمان عليه لشريكه؛ لأنّ فعله انتقل إلى المكرِه، فكأنّه الفاعل له، والعتق إذا وقع في نصيب أحد الشريكين بغير فعله لم يلزمه ضمان، كما (لو أبرأ أحدهما) (٢). والثالث: وجوب الضمان على المكرِه للمعتِق في نصيبه (٣)، موسرًا كان أو معسرًا؛ لأنّه باشر الإتلاف على ما قدّمنا. والرابع: [ضمانه] (٤) لنصيب الذي لم يعتق، فإن كان المكره موسرًا فللشريك الذي لم يعتق عند أبي حنيفة ثلاثة (٥) خياراتٍ: (إن شاء ضمّن المكرِه) (٦)، وإن شاء أعتق، وإن شاء استسعى، وصار المكرِه كأحد الشريكين إذا أعتق نصيبه، وإن كان المكرِه معسرًا فلا ضمان عليه، وللشريك خياران: إمّا

стр. 4945

أن يعتق، أو يستسعي. وإنّما اختلف الضمان في هذا التصرف باليسار والإعسار؛ لأنّه ليس بمباشرٍ الإتلاف، وإنما يضمنه بالسراية، فهو [كعتق] (١) أحد الشريكين، فإن كان الشريك قد اختار تضمين المكره، (فالولاء بين) (٢) المكرِه والمكرَه؛ لأنّ نصيب الشريك بالضمان انتقل إلى المكرِه، فعتق على ملكه، وإن اختار الضمان أو السعاية، (فالولاء بين) (٣) الشريكين نصفان. فأمّا على قول أبي يوسف ومحمدٍ: فإن كان المكرِه موسرًا، فليس للشريك إلا الضمان، وإن كان معسرًا، فليس له إلا السعاية، على أصلهما: أن العتق لا [يتبعّض] (٤)، وللمكرِه في هذا الفصل إذا ضَمِن أن يستسعي العبد (٥)؛ لأنّه قام مقامَ الشريك، وقد كان له أن يستسعي، فكذلك لمن قام مقامه (٦). قال: وإذا أكره على الطلاق قبل الدخول، فعليه نصف الصداق (٧) الذي سمي، ويرجع الزوج على المكرِه بما غرم من ذلك، وإن كان الزوج لم يسمِّ مهرًا فعليه المتعة للمرأة، ويرجع الزوج على المكره بذلك؛ وذلك لأنّ المكرِه قرّر على الزوج ضمانًا كان يجوز أن [يتخلّص منه] (٨) بذلك، ألا ترى أنّ الفُرقة لو

стр. 4946

كانت بسببٍ من جهة المرأة أسقطت المهر والمتعة، فلمّا وقع الطلاق بإكراهه ألزمه ذلك الضمان، وقرّره عليه، فكأنّه أخذه من ماله فأتلفه. قال: وإن كان الزوج قد دخل بها، فلها المهر كاملًا، ولا ضمان على المكرِه للزوج؛ وذلك لأنّ المهر استقرّ بالتسليم الأوّل، وإن سلم المُبدَل للزوج لم يجز أن يرجع ببدله على غيره؛ ولأنّ المكره لم يقرّر على المكرَه ضمانًا لم يكن؛ لأنّ المهر قد استقرّ بالتسليم، فلم يبق إلا إخراج البضع من ملك الزوج، وذلك لا قيمة له، فلا يضمن. قال: [ولو] أكرهه فتزوجها بألف درهمٍ، ومهر مثلها عشرة آلاف، زوّجها أولياؤها وهم مكرهون، فالنكاح جائزٌ، ولا ضمان على المكرِه، ويقول القاضي للزوج: أنت بالخيار: إن شئت فأتمّ لها مهر مثلها وتكون امرأتك إن كان الزوج كفؤًا لها، وإن أبى فرق بينهما ولا شيء لها، وإن رضي كانت امرأته بمهر مثلها. وهذه المسألة تتضمّن أحكامًا: منها: انعقاد النكاح، وقد قدّمناه (١). ومنها: أنّ المكرِه لا ضمان عليه؛ لأنّه أخرج من ملكها منفعة البضع، وهي لا تتقوّم إلا بعقدٍ، أو شبهةِ عقدٍ (٢). والثالث: أنّ الزوج إن لم يكن كفؤًا فالمرأة بالخيار من وجهين: أحدهما: يقال للزوج: أتمم لها مهر مثلها، وإلا فرّقنا بينكما.

стр. 4947

والثاني: الخيار لعدم الكفاءة وإنّما يثبت الخيار لوجهين؛ لأنّ المال يختلف فيه الجِدّ والهَزْل، ولا تصحّ التسمية مع الإكراه، فيجب مهر المثل. فأمّا الكفاءة فلم ترض المرأة بالعقد، فكأنّ المولى زَوْجَهَا [ظلمًا] (١) بغير كفءٍ، فثبت لها الخيار، وللأولياء الخيار أيضًا من هذين الوجهين؛ لأنّ عند أبي حنيفة لهم أن يعترضوا لعدم الكفاءة، ولنقصان المهر. فأمّا على قولهما: فلهم الاعتراض لعدم الكفاءة، وليس لهم الاعتراض لنقصان المهر، فإن لم يتمم الزوج لها المهر، فُرّق بينهما، ولا شيء عليه؛ لأنّ الفرقة جاءت قبل الدخول من جهة المرأة. قال: فإن دخل بها غير [مكرهةٍ] (٢)، فهذا رضًا منها بالنكاح؛ وذلك لأنّ تمكينها له من نفسها إجازةٌ للعقد، فتصير كقولها رضيت، ويسقط الخياران الثابتان لها، ويبقى الخيار للأولياء. قال: ولو أنّ رجلًا أكرهه أهل الشرك من العدو على أن يكفر بالله تعالى، وله امرأةٌ حرّةٌ مسلمةٌ، ففعل ثم خُليَ سبيله، فأتاها، فقالت: إنك قد كفرت بالله، وقد بِنتُ منكَ، فقال الرجل: إنّما أظهرت ذلك وقلبي مطمئنٌّ بالإيمان، فَالقول قوله مع يمينه على ما ادّعاه، وهذا استحسانٌ، والقياس: أن يفرّق بينهما. وجه القياس: أنّ كلمة الكفر سببٌ لوقوع الفرقة كلفظ الطلاق، فكما

стр. 4948

يستوي لفظ الطلاق للطائع والمكرَه، فكذلك يستوي في الردّة، وإنّما استحسنوا؛ لأنّ كلمة الكفر ليست بفُرقةٍ، وإنّما تقع الفُرقة بحصول الكفر، ووجود الإكراه يمنع من الحكم بكفره، فلم يجز إيقاع الفرقة بحكم الكفر، والكفرُ لم يثبت (١).

стр. 4949

بَاب من الإكراهِ على الإقرارِ بالحدودِ قال: ولو أنّ رجلًا أكرهه سلطانٌ بِضربٍ أو تهديدٍ بذلك، أو بحبسٍ أو قيدٍ حتى يقرّ على نفسه بحدٍّ، أو قصاصٍ، أو بغير ذلك، فإنّ هذا كلّه باطلٌ، لا يؤخذ منه شيءٌ؛ وذلك لأنّ الإقرارَ خبرٌ يحتمل الصدق والكذب، وإنّما يُحمل على الصدق لحسن الظنّ بالمقِرّ، فإذا كان مكرَهًا زال حُسن الظنّ به، فبقي الاحتمال، فلم يجز إلزامه بما أقرّ به؛ ولأنّ الحدود تسقط بالشبهة، فإكراهه على الإقرار شبهةٌ. قال: فإن أكرهه حتى أقرّ ثمّ خلّى سبيله، ثمّ أُخذ بعد ذلك فجيء به، فأقرّ بما كان قد تهدّد عليه بغير إكراهٍ إقرارًا مستقبلًا، أُخذ بذلك؛ وذلك لأنّ المكرَه إذا خُلّي وزال يد المكره عنه حتى صار لا يقدر عليه، فقد انقطع حكم التهديد الأوّل، فإذا عاد إليه أو أُخذ (١) فأقرّ، فقد أقرّ بغير إكراهٍ، فيلزمه ما أقرّ به، وليس كذلك إذا لم يخلّه، ولكن قال له: إنّي لا آخذك بإقرارك، فإن شئت فأقرّ، وإن شئت فلا تقرّ، فأقرّ وهو في يده على حاله لم يجز الإقرار؛ لأنّ اليد ما دامت باقية عليه، فحكم الوعيد لم يسقط عنه، فهو وإن قال له: إن شئت فأقرّ، وإن شئت فلا [تقرّ]، [فهو] (٢) باقٍ على حكم الإكراه الأوّل، فلا ينفذ إقراره (٣).

стр. 4950

قال: فإن خلّى سبيله فلم يتوارَ عن عين (١) المكرِه حتّى بعث من أخذه وردّه إليه، وأقرّ بالذي أقرّ به أوّل مرّةٍ من غير إكراهٍ ولا تهديدٍ، فإنّ هذا ليس بشيءٍ؛ وذلك لأنّ اليد باقيةٌ ما لم يغب عن عينه فتزول يده عنه، فإذا أقرّ مع بقاء حكم يده فالإكراه بحاله. قال: ولو كان حين أقرّ به (٢) [أقامه] (٣) عليه الذي أقرّ [له] (٤) من ذلك، فإن كان المقِرّ معروفًا بما أقرّ بهِ من ذلك إلا أنّه ذلك إلا أنّه لا بيّنة به، فإن القياس في هذا أن يقتص مما يقتصُ من مثله، وما لا يستطاع فيه القصاص ففيه الأَرْش في ماله، ولكنّا نستحسن ونجعل عليه الأَرْش في الجميع، وندرأ عنه القصاص. وإن كان المكرَه لا يُعرف بشيءٍ ممّا أقرّ به، آخذُ فيه بالقياس فيما يستطاع فيه القصاص؛ وذلك لأنّ الإقرار مع الإكراه لا يتعلّق به الحكم، فصار الحاكم كالمبتدئ لإقامة الحدّ من غير بينةٍ ولا إقرارٍ، وإنّما استحسنوا إذا كان المقِرّ معروفًا بما أقرّ [به]؛ لأنّ ذلك شبهةٌ في مثله، والقصاص يسقط بالشُّبَه، والأَرْش لا يسقط، فأمّا إذا كان غير [متهمٍ] (٥)، فلا شبهة فيه، فيؤخذ فيه بالقياس. وهذا كما قالوا في رجلٍ دخل دار رجلٍ فقتله صاحب الدار وقال: إنّه داعرٌ،

стр. 4951

دخل عليّ (ليأخذ مالي، أو ليقتلني) (١)، فدفعته [عن نفسي] فقتلته (٢): فإن كان المقتول معروفًا بالدَّعارة (٣)، فلا قصاص على صاحب الدار؛ لأنّ الظاهر من أهل الدَّعارة أنّهم يدخلون المنازل للفساد، فصار ذلك شبهةً في سقوط القصاص، فوجب الأرش، وإن كان المقتول لا يُعرف بالدَّعارة، اقتُصّ من صاحب الدار؛ لأنّه قتله وزعم أنّه وجد منه ما أباح القتل، فلا يُقبل قوله (٤). وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ المقتول إذا كان معروفًا بالدَّعارة فلا قصاص ولا أرش (٥).

стр. 4952

بَاب الرجل يُكْرهُ على ما يجعلُ الله على نفسِه قال: ولو أنّ لصًا غالبًا أكره رجُلًا حتى جعل على نفسه صدقةً الله تعالى، أو حجًّا، أو عمرةً، أو غزوةً في سبيل الله، أو بدنةً، أو شيئًا مما يُتقرّب به إلى الله، فتهدّد بقتلٍ، أو تلفٍ، أو غير ذلك، حتى أوجب ذلك على نفسه، فهو واجبٌ كلّه، بمنزلة الطلاق والعِتاق. وكذلك إذا (أُكرِه على أن) (١) يجعل على نفسه المشي (٢) إلى بيت الله [الحرام]، أو حلف بذلك على شيءٍ يَقدرُ أن يفعله، أو لا يقدر، أو أكرهه على يمين معصيةٍ، أو طاعةٍ، ثم حنث في يمينه، وجب عليه جميعُ ما أوجبَ على نفسه؛ لأنّ النذر واليمين ممّا يستوي جِدها وهَزْلها، فلا تختلف بالإكراه والطوع. وقد دل على ذلك قوله ﷺ : "ثلاث جدّهن جِدٌّ، وهَزْلِهِنّ جِدٌّ: الطلاق والنكاح واليمين" (٣)، ولمّا قدمنا من حديث حذيفة أنّ المشركين استحلفوه أن لا يعين رسول الله ﷺ ، فقال ﵇: "نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين عليهم بالله" (٤)، والنذر من جنس اليمين لقوله ﵇: "النذر يمين، وكفارته كفارة يمين" (٥)، فلا يختلف بالإكراه وغيره.

стр. 4953

وقد قالوا: إنّ المكره لا يرجع على المكرِه بما لزمه من ذلك؛ لأنّه أوجبَ عليه حقًّا فيما بينه وبين الله تعالى، لا يأخذه به الحاكم، ولا يحبس فيه، ولو أثبتنا له الرجوع، أخذه به الحاكم وحبسه فيه، وذلك إثبات الرجوع بأكثر مما أوجبه المكره، فلا يصحّ. قال: ولو أُكرِه على ظهارٍ من امرأته، كان مُظاهرًا، لا يقربها حتى يُكفِّر؛ لأنّ الظهار يستوي جِده وهَزْله كالطلاق، ولأنّه موجبٌ للتحريم كالطلاق. قال: فإن أجبره على أن يُكفِّر، ففعل، لم يرجع بذلك على الذي أكرهه؛ لِمَا قدّمنا أنّ الكفارة معنًى، يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، ولو رجع بها لثبت رجوعه بأكثر ممّا ألزمه المكرِه، وهذا لا يصحّ. وقد قالوا: إنّه لو أُكره على أن يعتق عبدًا بعينه عن ظهاره، فأعتقه، لم يرجع عليه بشيءٍ إذا كان قيمةُ العبد قيمةً وسطًا (١) [يعتق مثله في الكفارة؛ لأنّ ذلك كان مُسْتَحَقًّا عليه]، وإن كانت قيمة العبد كثيرةً لا يعتق مثلها، فالمكرِه ضامنٌ؛ لأنّه أتلف عليه، وذلك حين ألزمه تعيين العتق فيه، ولم يكن لازمًا له، ولا تجزئ الرقبة عن الكفارة؛ لأنّ وجوب الضمان بالعتق [ينفي] (٢) الجواز عن التكفير (٣).

стр. 4954

بَاب الرجل يُكرهُ على الإقرار بشيء ماضٍ قال أبو الحسن: كلّ شيءٍ أخبرتك (١) أنّه يلزم المكرَه مبتدئًا به على الإكراه، فإنّه إذا أُكرِه على أن يقرّ أنّه قد فَعلهُ أمسِ، أو يوم كذا، فذلك باطلٌ، عِتَاقًا كان أو ظِهَارًا، أو طَلَاقًا، أو نَذْرًا، أو حَلْفًا، والمقرّ يعتقه على ملكه كما كان. وكذلك المُقَرّ بطلاقها زوجةٌ له، وكذلك لو أُكره على أن يقرّ بنسبٍ لم يلزمه؛ لأنّ الإقرار إخبارٌ عن [أمرٍ] ماضٍ، والخبر يحتمل الصدق والكذب، فإذا كان معه إكراهٌ فالظاهر ينفي حمله على الصدق، فلم يلزمه. ولا يقال: إنّ من مذهب أبي حنيفة أنّ من قال لعبده ومثله لا يولد لمثله: هذا ابني، عتق [عليه]، وإن علمنا أنّه كذب في إخباره. وذلك لأنّ الإقرار بالنسب إيقاع حريّةٍ، وذلك لا يحتمل الصدق والكذب، فلذلك أوقع العتق. قال: ولو أنّ نصرانيًا أُكره على الإسلام حتى أسلم، كان مسلمًا، فإن رجع إلى النصرانية لم يُترَك، وأُجبِر على الإسلام، فإن أبى أن يسلم لم يقتل، وحُبس. أما وقوع الإسلام مع الإكراه فلقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 4955

وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقال ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (١)، وهذا إكراهٌ على الإسلام؛ ولأنّ النبي ﷺ قَبِل ظاهر الإسلام من المنافقين الذين أسلموا خوفًا وأبطنوا الكفر، وهذا إنما يكونُ مسلمًا، في الظاهر، فأمّا فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعتقد فليس بمسلمٍ. فأمّا إذا رجع عن الإسلام لا يُقبَل؛ لأنّ فعل المكره ينتقل إلى المكرَه، فيصير كمن أسلم بإسلام غيره، وقد قالوا في الكافر إذا أسلم وله أولادٌ صغارٌ: حكم بإسلامهم، فإن بلغوا كفارًا أجبروا على الإسلام ولم يُقتَلوا؛ لأنّهم لم يسلموا بأنفسهم، كذلك هذا. قال: ولو لم يُكرَه على الإسلام، ولكن أُكرِه على أن يقرّ أنّه أسلم أمس، فأقرّ، لم يُحكم بإسلامه؛ لِمَا بيّنا أنّ الإقرار مع الإكراه لا يتعلّق به حكمٌ، وإن كان المكرَه عليه لا يؤثّر الإكراه فيه (٢).

стр. 4956

بَاب الإكراه على الزنا والقَطعِ وقد أَذِنَ له في ذلك المَفْعُولُ به أَو لَمْ يَأْذَنْ قال محمدٌ: كان أبو حنيفة يقول: لو أنّ سلطانًا أو غيره أكره رجلًا حتّى زنى، كان عليه الحدّ؛ لأنّه لا ينتشر إلا بلذّةٍ، وإن أكرهوا (١) امرأةً لم يكن عليها الحدّ، ثم رجع أبو حنيفة بعد ذلك فقال: إذا أكره الرَّجُلَ سلطانٌ على ذلك فلا حدّ عليه، وإن أكرهه غير السلطان كان عليه الحد، وإذا دُرِئ [عنه] الحدّ وجب [عليه] المهر، وإذا وجب عليه الحدّ بطل المهر. وقال محمدٌ: إذا أكره الرجلَ [قومٌ] غير السلطان، وكانوا في ذلك بمنزلة السلطان، كلصوصٍ أخذوه [في طريق المسلمين]، أو في منزلٍ لا يقدر فيه على منعهم، فقالوا له: لنقتلنّك، أو لنقطعنّ منك عضوًا، أو لتزنينّ بهذه المرأة، فوقع في (غلبة علمه) (٢) أنّهم فاعلون [به] ذلك، فزنى بها فلا حدّ عليه، [وعليه المهر. أمّا قول أبي حنيفة الأول أنّ إكراه السلطان وغيره لا يُسقط الحدّ]، وهو قول زفر؛ لأنّ الوطء لا يمكن إلا بالانتشار، وذلك لا يكون مع الخوف، فلمّا وُجد [ذلك] دلّ على أنه ليس بخائفٍ، فكأنّه زنى بغير إكراهٍ.

стр. 4957

وأمّا وجه قوله الثاني في الفرق بين إكراه السلطان وغيره (١): فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: عند أبي حنيفة لا يكون الإكراه إلا من السلطان؛ وذلك لأنّ السلطان لا يمكن مغالبته، ولا التظلُّم منه إلى غيره، وغير السلطان يُتظلَّم منه إلى السلطان، فيغالب؛ فلذلك تعلّق الحكم بإكراه السلطان دون غيره. ومنهم من قال: إنّه كان في زمن أبي حنيفة لا غلبة إلا للسلطان، ولم يكن غيره يقدر على إجبار (٢) الناس، فأجاب على ما شاهد، وكان في عصرهما قد تكون الغلبة [للسلطان] (٣) ولغير السلطان، فأجابا على ما شاهداه. ومن أصحابنا من قال: إنّه أراد بالسلطان: الإمام؛ لأنه إذا أكره على الزنا فسق وانعزل، فحصل الزنا وليس هناك من يملك إقامة الحدّ. ولا يقال: إنّ خلفاء الإمام لا ينعزلون بعزله؛ لأنّهم إنّما يملكون الولاية بأمره، فإذا لم يملك هو الإقامة (٤)، صار ذلك شبهةً [في إسقاط الحدّ]. ومن أصحابنا من قال: الإمام وغيره من السلاطين سواءٌ؛ لأنّ السلطان مأمورٌ بدرء الحدّ، فإذا أَكره على أسبابها فقد توصل إلى إثباتها، فيلحقه التهمة، ولا يملك [الإقامة] (٥). وجه قولهما: أنّ الانتشار في (٦) طبع الآدميّ يحصل بغير اختياره، ثم يُكره

стр. 4958

على الموافقة فيصحّ الإكراه ويسقط الحدّ، وإنّما وجب المهر (إذا سقط الحد) (١)؛ لأنّ الوطء في ملك الغير لا يخلو من حدٍّ، أو مهرٍ، فإذا سقط [الحدّ] بالشبهة وجب المهر، وإذا وجب الحدّ لانتفاء الشبهة سقط المهر (٢). قال: فإن أذِنَتْ له في ذلك من نفسها حين استكرهوه (٣)، [واستكرهوها استكراهًا]، فهو آثمٌ إن أقدم على ذلك؛ لأنّ في ذلك مظلمةً لها إن استكرهوها (إن كانت مستكرهة) (٤)، وإن لم تكن مستكرهةً فليس يحلّ لها أن تأمره، ولا حدّ عليه في الوجهين [جميعًا]، ولا يرجع على الذي أكرهه بالصدَّاق [إن وجب عليه ذلك]؛ وذلك لأنّ وَطْأَها على وجه الزنا من مظالم العباد التي لا تبيحها الضرورة، فإذا أقدم عليها كان آثمًا، فأما إذا أذِنَتْ له غير مكرهة، فهي لا تملك الإباحة، فوجود إذنها وعدمه سواءٌ. قال: فإن كان [أكره] (٥) بسجنٍ أو قيدٍ أو ضربٍ لا يخاف منه تلفًا على أن يزني بامرأةٍ مطاوعةٍ أو مستكرهةٍ، فليس يحلّ له أن يفعل هذا، فإن فعل فهو آثمٌ، وعليه الحدّ، لا يُدرأ [الحدّ] إلا في الضرورة التي يخاف منها التلف، أو تلف بعض الأعضاء؛ وذلك لأنّ السجن والقيد إكراهٌ في الأموال والعقود، فأمّا المحظورات [فلا إكراه] (٦) فيها [إلا] ما يخشى منه تلف نفسه أو عضوٍ من أعضائه، وذلك لم يوجد.

стр. 4959

قال: ولو أُكره على قطع يد رَجُلٍ، فقال الرجل: قد أذنت لك في القطع، فاقطع! والآذن له غير مكرَهٍ، فإن المكرَه لا يَسَعُه أن يقطع، فإن قطعها فهو آثمٌ، ولا شيء عليه، ولا على المكرِه؛ وذلك لأنّ صاحب اليد لو قطعها بنفسه كان آثمًا، وإذا أمر بقطعها فالمأمور في حكمه، وإنّما يسقط الضمان؛ لأنّه لو وجب لوجب الحقّ للمقطوع (١)، وقد رضي بإسقاط حقّه حين أذن في ذلك. قال: فإن كان صاحب اليد أُكره بقتلٍ (٢) حتى أمره بذلك، فالمأمور بالقطع آثمٌ، فإن فعل كان لصاحب اليد أن يقطع به (٣) الآمر. وهذه مسألة الإكراه على القتل، قال أبو حنيفة ومحمدٌ: يجب القصاص على المكرِه، وقال أبو يوسف: يجب على المكره الدِّيَةُ، وقال زفر: يجب على المكره القصاص. لأبي حنيفة ومحمد: أن فعل المكرَه ينتقل إلى المكره، فيصير كأنّه هو الفاعل له، فكأنّه أخذ بيده وضربه؛ ولأنّه صار [كالآلة] (٤) حين ضربه على اختياره، فوجب القصاص عليه. جه قول زفر: أنّ المأمور لا يحلّ له الإقدام على الفعل بالإكراه (٥)، فصار وجود الإكراه وعدمه سواءً، فكأنه قتله بغير إكراه. لأبي يوسف: أن المكرِه لم يباشر الإتلاف، وإنّما هو سببٌ فيه، وضمان

стр. 4960

الأسباب يتعلّق به الدية دون القصاص. قال: ولو قيل له: لنقتلنّك أو [لتقتلنّ فلانًا] (١)، فقال الذي أُمِر بقتله: [اقتلني] (٢) وأنت في حلٍّ من ذلك، وهو غير مكرَهٍ، فقتله عمدًا بالسيف، فهو آثمٌ ولا شيء عليه، والدِّيَة في مال الآمر. وهذه رواية الأصل: أنّ من أذن لغيره في قتله فقتله فعليه الدّية، فإن أذن له في قطع يده فقطعها فلا شيء عليه، (والدّية في مال الآمر) (٣). وقال أبو يوسف: لا شيء عليه فيهما. وقال زفر: عليه القصاص في النفس. ذكر الاختلاف في اختلاف أبي يوسف وزفر. أمّا وجه رواية الأصل في وجوب الضمان: فلأنّ الواجب بالقتل إنّما يستحقه الورثة، فإذا أذن فيه فكأنّه أسقط حقًّا لهم، والواجب بالقتل أحد أمرين: [إمّا] القصاص، أو الدِّيَة، والقصاص من حقّ المقتول، وإنّما يستوفيه الورثة له، فإذنه يؤثّر فيه، والدّية [حق للورثة] (٤)، فإذنه لا يؤثّر في إسقاطها؛ ولأنّ إذنه في القتل شبهةٌ في سقوط القصاص، [والقصاص] إذا دخلته الشبهة وجبت الدّية، وليس هذا كقطع اليد؛ لأنّ الواجب بها حقّ الآمر دون الورثة، فإذنه يُسقط حقّه.

стр. 4961

وجه قول زفر: أنّ الإذن لا يتعلّق به حكمٌ؛ لأنه أذن فيما لا يملك، فكأنّ القاتل قتله بغير إذنه. وأمّا أبو يوسف فقال: إنّ الواجب بالقتل من الدّية حقٌّ للمقتول؛ بدلالة أنّه يقضى منه ديونه وتنفّذ وصاياه، فإذنه في سببه يُسقطه؛ ولأنّ الإذن في القتل يجري مجرى [العفو] (١)، ولو عفا بعد الجرح سقط القصاص والدّية، فكذلك هذا. قال: ولو أُكره على أن يصنع فيه شيئًا لا يخاف منه تلفًا من ضرب سوطٍ أو نحوه، ففعل به ذلك، رجوت أن لا يكون عليه إثمٌ؛ لأنّ هذا فيه [ضررٌ] (٢) وليس فيه تلفٌ، فصار كأخذ ماله. قال: فإن مات منه، فإن كان المقتول أمره بأن يفعل ذلك، فلا ضمان عليه، ولا على المكره، وإن كان لم يأمره، فعلى الذي أكرهه الدية؛ وذلك لأنّه أذن له في ضربه، وذلك مستباحٌ بالإذن له، ألا ترى أنّه قد يفعل ما دون النفس للحاجة، كقطع اليد عند (٣) الأَكِلَة (٤)، فأَمْر الآمر يُسقط ما يتعلّق بما دون النفس من الضمان، فإن كان لم يأمره فقد قتله بالضرب، فيجب عليه الدية. قال: وإن أكرهه على أن يأخذ من ماله فيرمي به في مهلكةٍ، فأذن له صاحب المال بغير إكراهٍ، فلا شيء فيه (٥)؛ لأنّ حرمة المال إنّما تثبت لأجل المالك،

стр. 4962

وهو ممّا يستباح بالإباحة، وإذا أذن في استهلاكه سقط الضمان، (وإن كان أُكره حتى أذن، فالضمان على المكرِه للمتلَف؛ لأن فعل المتلِف انتقل إليه، وقد أتلف بغير رضا صاحب المال) (١). قال: ولا إثم على المكرَه في المال؛ لأنّ مال الغير يجوز استباحته لدفع الضرر، كما لو خاف على نفسه [عند الجوع] فأكله. قال: والعبد والأمة فيما يأذن به مولاهما كالحرّ والحرّة، يعني أنّ المولى إذا أذن في جماع الأَمَةِ، فهو كإذن حرّةٍ؛ لأنّ المولى لا يملك إباحة ذلك، وكذلك إذا أذن المولى في قطع يدها؛ لأنّه لا يملك ذلك منها، فلا يصحّ إذنه فيه، فكذلك لو أذنت الأمة؛ لأنّها لا تملك ذلك منها (٢)، فإذا أذن له المولى في قتلها، فلا ضمان عليه؛ لأنّ الضمان إنّما يجب لحقّ المولى، وقد رضي بإسقاطه حين أذن في [سيبه] (٣) (٤).

стр. 4963

بَاب الإكراه على البيع والشراءِ فيبيعهُ المشترِي أو يعتقُهُ قال أبو الحسن: لو أنّ لصوصًا غالبين ممتنعين أكرهوا رجلًا على بيع عبدٍ يساوي عشرة آلاف درهمٍ، على أن يبيعه من هذا الرجل بألف درهمٍ، وأكرهوه بوجهٍ من تلف: من قتلٍ، أو قطع عضوٍ، أو ضربٍ يخاف منه تلف بعض ذلك (١)، فأمروه [أمرًا]، وهو يخاف إن لم يفعل ذلك لما [يناله] (٢) من حالهم، فأمروه أن يبيعوه من هذا الرجل بهذا الثمن، ويدفع إليه ويقبض الثمن، ففعل ذلك وتقابضا، والمشتري غير مكرَهٍ، فلمّا تفرّقوا عن المجلس قال البائع المكرَه: قد أجزت ذلك البيع، كان جائزًا. وكذلك لو لم يكن قبض الثمن فقبضه من المشتري بعد ذلك (٣)، كان هذا إجازة للبيع (٤). والأصل في ذلك: أنّ فعل المكرِه ينتقل إلى المكرَه، فصار كأنّه باع، فإذا أجازه المالك، جاز. ويجوز أن يقال: إنّه بمنزلة البيع المشروط فيه الخيار للبائع؛ لأنّ المكرَه لم يرض بخروج الشيء من مِلْكِهِ، فإذا أجاز العقد جاز، كما لو أجازه مَنْ شَرَط

стр. 4964

الخيار لنفسه. ويجوز أن يقال: إنّ العقد انعقد، والإكراه مانعٌ في تمامه، فهو كما لو شرط البائع لنفسه شرطًا فاسدًا، ثم أسقطه. وقد شبّه محمدٌ البيع مع الإكراه تارةً بشرط الخيار للبائع، وتارةً بالشرط الفاسد إذا كان [مُلحَقًا] (١) بالعقد، وإذا ثبت أنّ البيع يتمّ بالإجازة، فكذلك بقبض الثمن؛ لأنّ [الفعل] (٢) الدالّ على الإجازة يجري مجرى القول. وعلى هذا قالوا في البيع الموقوف: إذا قبض المالك الثمن كان ذلك إجازةً للعقد. قال (٣): ولو أنّ البائع لم يجز العقد، ولم يقبض الثمن حتى أعتق المشتري العبد، فعِتْقه جائزٌ، وكذلك لو دبّره، وكذلك لو كانت أمةً فوطئها (٤)، فعلقت منه (٥)؛ وذلك لأنّ [البائع] (٦) قد سلّط المشتري على التصرّف، والإكراه لا يمنع صحة التسلّط على العتق، كما لا يمنع نفوذ العتق لو أكرهوه على إيقاعه، فصار [هذا] العقد في الأحكام التي يلحقها الفسخ كالبيع الموقوف والمشروط فيه الخيار، وهو في الأحكام التي لا يلحقها الفسخ كالبيع الفاسد إذا قبضه المشتري [نفذ] (٧) عتقه فيه، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ التسليط على العتق مع الإكراه صحيحٌ،

стр. 4965

فهو كالتسليط في العقد الفاسد، والتسليط على البيع بالإكراه، لا يصحّ، فصار كالموقوف، ففارق هذا العقد الموقوف؛ لأنّ التسليط لا يوجد هناك من المالك، وقد وجد هاهنا التسليط، فإن كان معه إكراهٌ وفارق البيع المشروط، فيه الخيار؛ لأنّ الخيار هاهنا من طريق الحكم. قال: فإن قال المكرَه بعد ذلك: قد أجزت البيع، كانت إجازته باطلةً؛ لأنّ العقد قد وجبَ للمشتري بالقيمة، فلا يتحوّل عن ذلك، وإنّما لم تجز الإجازة لِمَا قدّمنا (١) أنّ العتق وقع، فصار العبد لا يجوز ابتداء البيع فيه، فلا يلحقه الإجازة، كما لو مات ثم أجاز المالك، لم يجز. قال: ولو لم يكن عتقٌ، ولا تدبيرٌ، ولا استيلادٌ، ولا إجارةٌ، حتى قال المشتري للبائع: قد نقضت البيع فيما بيني وبينك، فقال البائع: لا أجيز نقضك، وقد أجزت [البيع]، لم يكن إجازته بشيء، فقد انتقض البيع؛ وذلك لأنّ القبض إذا لم يوجد فلكلّ واحدٍ منهما فسخ العقد، أمّا البائع فللإكراه، وأمّا المشتري [فحتى] لا يلزمه الضمان، وهذا كمن باع ملك غيره بغير أمره، له أن يفسخ العقد قبل الإجازة ليتحرّر من ضمان العهدة التي تلزمه بالإجازة. فأمّا إذا قبض المشتري، فللبائع أن يفسخ لأجل الإكراه، وليس للمشتري أن يفسخ؛ لأنّ الضمان قد وجب عليه بالقبض، وإنّما جاز له الفسخ ليتخلّص من الضمان، وإذا كان الضمان قد وجب فلا معنى للفسخ.

стр. 4966

وعلى هذا [قالوا]: لو كان المشتري مكرَهًا والبائع غير مكرَهٍ، فإنّ لكلّ واحدٍ منهما الفسخ قبل القبض، فإذا قبض المشتري ثبت الفسخ للمشتري دون البائع؛ لأنّهما إذا لم (١) يتقابضا فللمشتري الفسخ للإكراه، وللبائع الفسخ حتى لا يخرج الشيء (٢) من ملكه، فإذا حصل القبض فللمشتري الفسخ للإكراه (٣)، والبائع ليس له الفسخ؛ لأنّ الشيء خرج من ملكه (٤). وعلى هذا: البيع إذا فسد بشرطٍ ملحقٍ، جاز لكل واحدٍ منهما [فسخه] قبل القبض، وإذا قُبض ثبت الفسخ لمن له الشرط، ولم يثبت للآخر، وإذا ثبت أنّ البيع انفسخ بفسخ المشتري، لم تعمل إجازة البائع من بعدها (٥)؛ لأنّها حصلت ولم يبق هناك عقدٌ. قال: ولو لم يبطل البائع البيع حتى قبضه المشتري بإكراه البائع، فباعه من آخر بغير إكراهٍ، فالبائع على خياره: إن شاء أبطل البيع وأخذ عبده، وإن شاء أجازه، فإن أجاز البيع الأول جاز الثاني، وإن أجاز الثاني جاز الأول، وكذلك لو تفاسخ العقد عشرة بعضهم يبيع من بعضٍ؛ وذلك لأنّ الفسخ ثابتٌ للبائع، وقد بيّنا أنّ تسليطه في باب البيع كلا تسليط، فلا يملك المشتري إسقاط حقّه من الفسخ ببيعه، فصار هذا [كلّه] كالبيع الصحيح. وإذا لم يدفع المشتري الثمن، وقبض [المبيع] (٦) بغير إذن البائع،

стр. 4967

[فباعه] (١)، كان للبائع حقّ الفسخ، وكذلك المشتري إذا باع، فللشفيع نقض بيعه؛ لأنه ثبت له حقّ الأخذ، وليس للمشتري إسقاط ما ثبت له. فأمّا إذا أجاز أحد العقود جازت كلّها: ما قبله وما بعده؛ لأنّ الملك قد وقع للمشتري بالعقد، بدلالة جواز عتقه، فالإجازة تعمل في إسقاط حقّ الفسخ، لا في إفادة الملك، و [سقوط] حقّ الفسخ في البيع لا يتمّ إلا بجواز (٢) البيع الذي قبله، وإذا سقط فيه سقط فيما بعده. وليس هذا كالشراء الموقوف إذا تناسخته أيدٍ، [فأجاز] (٣) المالك أحد العقود بطل ما قبله وما بعده (٤)؛ لأن العقود كلها [وقفت] (٥) على إجازة المالك، فإجازته لأحدها إسقاط لبقيتها، ولأنّ العقد الموقوف وقفٌ للمالك، فإذا أجاز أحد العقود ملك بالإجازة، فطرأ ملكٌ صحيحٌ على ملكٍ موقوفٍ، فأبطله. وفي مسألتنا، الإكراه لم [يوقف] (٦) الملك على ما قدّمنا، وإنّما وقف لإسقاط الحقّ، فهو كالقبض بغير إذن البائع. قال: فإن أعتقه المشتري الآخر قبل إجازة البيع، وقد [تناسخ] (٧) البيع عشرةٌ، كان العتق جائزًا على الذي أعتقه، قبضه أولم يقبضه، وإن سلّم البائع

стр. 4968

المكرَه المبيع بعد ذلك لم يجز تسليمه، وكان له أن يضمّن أيهم شاء: إن شاء ضمّن الذي أكرهه، وإن شاء ضمّن [أيّ] المشتريين شاء (١). أمّا جواز العتق من المشتري الآخر قبل القبض وبعده؛ فلأنّ البائع المكرَه يصحّ تسليطه على العتق، فملك ذلك المشتري منه بتسليطه، وإذا باع فقد سلّط المشتري على ملكه، فصار في حقهما كالبيع الصحيح، فينفذ العتق [من المشتري الآخر] قبل القبض وبعده. وإنّما لم تعمل إجازة المالك بعد ذلك؛ لأنّ العبد قد صار بالعتق بحيث لا يصحّ دخوله تحت العقد، فلا تلحقه إجازةٌ بالقول كالعبد الهالك، وإذا وقع العتق ولم يلحق [العقد] (٢) إجازةٌ، صار كلّ واحد من المكرِه والمشتريين كالغاصب للعبد، فللمالك أن يضمّن أيّهم شاء قيمة عبده. قال: فإن ضمّن المكره كان للمكره أن يرجع على المشتري الأول بالقيمة، وصحّت البياعات كلّها؛ وذلك لأنّ المكره ليس بينه وبين المشتري الأوّل عقد بيع حتى يجوز العقد بينهما بالتضمين، وإنّما أقامه المولى مقام نفسه فيما كان له من تضمينه، فرجع عليه بالقيمة التي ضَمِنها، وقد كان ثبت له حكم الملك بضمان الثمن، فلمّا ضمن القيمة سلم له الملك بها، ويستحيل أن يملك العبد بضمان القيمة والثمن، فبطل ضمان الثمن عنه، وملك العبد من طريق الحكم من وقت قبضه، [فصحّ] (٣) كلّ بيعٍ حصل بعد ذلك.

стр. 4969

وقد فرّقوا بين بين التمليك (١) الواقع بالتضمين، وبين الملك الواقع بالإجازة في العقد الموقوف، فقالوا: لا تصحّ الإجازة بالقول الأوّل لمعقودٍ عليه يصح ابتداء العقد فيه، والإجازة بالتضمين يملك بها بعد العتق. والفرق بينهما: أنّ الإجازة في الموقوف يلحق العقد قولًا، فهي كالعقد، فلا يصحّ فيما لا يصحّ العقد فيه، فأمّا التضمين فيملك به حكمًا، فيصح مع العتق كما يصحّ في المستهلَك. قال: فإن ضمّن البائع المشتري برئ الذي أكرَهه، وصحّت البياعات كلّها؛ وذلك لأنّ تضمين المشتري يملك به المبيع من جهة البائع، فيستحيل أن يثبت له الضمان على غيره كالمالك إذا ضمّن غاصب الغاصب، برئ الغاصب. قال: فإن اختار تضمين أحد المشتريين صحّ كلّ بيعٍ كان بعد ذلك، وبطل كلّ بيعٍ كان قبله؛ وذلك لأنّ الضامن ملك [العبد] (٢) حكمًا، وأُسند ملكه إلى حين القبض، فكأنّه كان مالكًا من ذلك الوقت، فجازت البياعات بعده، ويبطل ما قبله؛ لأنّ بائعه ثبت عليه ضمان الثمن، وفيما ملك المبيع بالقيمة استحال أن يبقى ضمان (٣) الثمن مع ذلك، فبطلت البياعات المتقدّمة على الضمان. قال: ولو أنّ رجلًا أَكْرَهَ رجلًا أن يشتري من رجلٍ عبدًا له يساوي ألفًا بعشرة آلاف، والبائع غير مكرَهٍ، فأكرهه على الشراء والقبض، ودفع الثمن ببعض ما وصفت لك من الإكراه، فلمّا قبض المشتري العبد أعتقه، أو دبّره، أو [كانت] (٤)

стр. 4970

أمة فوطئها، فعلقت أو لم تعلق، أو قبلها بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوةٍ، وأقرّ بذلك، أو قال: قد رضيتها بذلك الثمن الذي أخذت، فذلك جائزٌ عليه كلّه؛ وذلك لأنّ الشراء مع الإكراه واقعٌ، ولم يوجد الرضا من المشتري، فصار بمنزلة شرط الخيار للمشتري، ولأنّ العقد لم يتمّ من جهته، فصار كما لو شرط الخيار ابتداءً، أو اشترى إلى الحصاد ثم أسقط الشرط، أو فعل ما يدلّ على الرضا نفذ العقد عليه، كذلك هذا، وإذا تمّ العقد وقع العتق والتدبير. ولو أعتقه البائع، والمسألة بحالها بعد قبض المشتري، فالعتق باطلٌ؛ لأنّ المشتري ملكه بالقبض (١) فله الخيار، فعتق البائع فيه لا ينفذ. ولو لم يقبضه المشتري والمسألة بحالها فأعتقه البائع، فعتقه فيه جائزٌ؛ لأنّه على ملكه؛ إذ ملك المشتري لا يقع إلا بالقبض أو بالإجازة، فإن أعتقه المشتري، فالقياس: أن لا يقع عتقه؛ لأنّه [يملكه] (٢) بالقبض، ولم يوجد، والاستحسان: أن ينفذ عتقه؛ لأنّ العتق قد تمّ من جهة البائع، وإنّما وقف لعدم الرضا من المشتري، (فإذا أعتقه فقد أجاز البيع ورضي به، فكأنّه أجاز ثمّ أعتق) (٣). (وهذا كالبيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذا أعتق نفذ عتقه وصار العتق إجازةً) (٤)، فأما إذا أعتقاه معًا فعتق البائع أولى؛ لأنّ العبد على ملكه، وملك

стр. 4971

المشتري تأخّر عن القبض أو الإجازة، فصار ملك البائع أقوى، فنفوذ عتقه أولى. قال: ولو كان البائع مكرَهًا، والمشتري غير مكرَه، فأعتقه المشتري قبل القبض، فعتقه باطلٌ؛ وذلك لأنّ العبد على ملك البائع، لم يزل ملكه عنه لعدم الرضا، وقبض المشتري لم يوجد، فلم ينفذ عتقه، كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع، وكالبيع الفاسد إذا أعتق المشتري قبل القبض، فإن أجاز البائع البيع بعد العتق نفذ البيع ولم ينفذ العتق؛ لأنّ المشتري ملك المبيع بالإجازة، وهي متأخّرةٌ عن العتق، فصار كمن أعتق عبد غيره ثمّ ملكه. فإن أعتقاه معًا [نفذ] (١) العتق من البائع وبطل عتق المشتري؛ لأنّ العبد على ملك البائع، فصادف عتقه [ملكه]، وعتق المشتري صادف ملك غيره، فلم ينفذ. قال: ولو كان المشتري قبض العبد فأعتقه البائع والمشتري معًا نفذ عتق المشتري؛ لأنه ملك العبد بالقبض، وزال ملك البائع عنه، فنفذ العتق من المالك، وبطل عتق البائع الذي زال ملكه عنه. قال: ولو كان البائع والمشتري أكرها على البيع والشراء والقبض، [ففعلا] (٢) ذلك، فقال أحدهما بعد ذلك: قد أجزت البيع بغير إكراهٍ، كان البيع جائزًا من قِبَلِه، وبقي الآخر على خياره بمنزلة لو لم يكره عليه؛ لأنّ الإكراه في حقهما كشرط الخيار لهما، فإذا أجاز أحدهما سقط خياره [وكأنه عقد بغير إكراه]، وبقي خيار الآخر بحاله.

стр. 4972

وإن أجازا جميعًا بغير إكراه جاز البيع؛ لأنّ خيار كلّ واحدٍ منهما سقط بإجازته، فكأنّه عقد بغير إكراه. قال: وإن لم يجيزا حتى أعتق المشتري العبد، كان عتقه جائزًا، وكان ضامنًا لقيمته، فإن أجاز الآخر بعد ذلك لم يلتفت إلى إجازته؛ لأنّ عتق المشتري إجازةٌ منه، فسقط خياره، وصار كأن البائع [أكرِه] (١) دون المشتري، فإذا أعتقه بعد القبض نفذ عتقه كالمقبوض على وجه بيعٍ (٢) فاسدٍ. فإن أجاز البائع بعد ذلك لم تعمل إجازته؛ لِمَا بيّنا أنّ الإجازة من طريق القول لا تصحّ إذا كان [المبيع] (٣) لا يصحّ التصرّف فيه. قال: وإن كانا لم يتقابضا وقد (٤) عقد البيع بالإكراه، فأجاز أحدهما بغير إكراه، فالبيع فاسدٌ على حاله، والعبد في ملك البائع حتى يجيز الآخر، وهذا على ما قدّمنا (٥). قال: فإن أعتقا جميعًا معًا [وقد أجاز أحدهما]، فعتق [البائع] (٦) جائزٌ، وعتق المشتري باطلٌ؛ لأنّ المشتري إن كان هو أجاز فقد تمّ البيع من جهته، ووُقِف لحقّ البائع، فصار كالبيع المشروط فيه الخيار للبائع إذا أعتقه البائع والمشتري نفذ عتق البائع، وإن كان البائع أجاز البيع، ثم أعتقا فعتق البائع أيضًا

стр. 4973

أولى، وكأنّ البائع باع بغير إكراهٍ، والمشتري مكرَه، فأعتق البائع والمشتري نفذ عتق البائع؛ لأنّ عتق البائع بعد إجازته فسخٌ للعقد وعتق، وعتق المشتري بعد إجازة البائع إجازةٌ للعقد، ومتى اجتمع ما يوجب فسخ العقد وإجازته وتساويا كان الحكم للفسخ. قال (١): وإن كان البائع أجاز البيع ثم أعتق المشتري وأعتق البائع بعده، نفذ عتق المشتري، وعليه الثمن؛ لأنّ البائع لما أجازه وقف العقد على إجازة المشتري، فعتقه إجازةٌ، فكأنّهما أجازا العقد ثم أعتق المشتري. وإن كان البائع أعتق أولًا ثم المشتري جاز عتق البائع وانتقض البيع، ولا يجوز عتق المشتري؛ لأنّ البائع لمّا أجاز وُقِف العقد على حقّ المشتري، فإذا فسخه البائع قبل إجازة المشتري جاز فسخه، كما لو كان المشتري هو الذي أكره [وحده]، فأعتق المشتري. قال: ولو كان المشتري أجاز البيع وحده، ثم أعتقه البائع، وأعتق المشتري بعده، أو أعتق المشتري، ثم البائع بعده، فعتق البائع أولى؛ لأنّ المشتري لمّا أجاز تمّ العقد من جهته، ووُقِف لحقّ البائع، فكأنّ الخيار مشروطٌ للبائع، وإن أعتق نفذ وانفسخ البيع، وإن أعتق المشتري لم ينفذ العتق من جهته؛ لأنّه لم يملك، فعتق البائع بعده أولى، وقد شبّه محمدٌ هذا برجلٍ اشترى عبدًا على أنّ المشتري بالخيار، ثم أعتقا جميعًا معًا، أو أحدهما بعد الآخر، وقد بيّنا هذا فيما تقدّم (٢).

стр. 4974

بَاب الخيارِ في الإكراهِ قال (١): فلو أنّ لصًا غالبًا أكره رجلًا مسلمًا بوعيدٍ بقتلٍ على أن يعتق عبده، أو يطلّق امرأته ولم يدخل بها، فقال له: لأقتلنّك أو لتعتقنّ عبدك [هذا]، أو لتطلقنّ امرأتك هذه، أيهما شئت، ففعل المكرَه أحدهما فهو واقعٌ، ويغرم الذي أكرهه [الأقلّ] (٢) من قيمة العبد ومن نصف مهر المرأة الذي تزوجها عليه. وأمّا وقوع العتق أو الطلاق؛ [فلأنّ] (٣) الإكراه لا يمنع من وقوعهما، وأمّا الضمان؛ فلأنّ الإكراه لمّا وقع على أحد الأمرين، والمكره لا يتخلّص من الإكراه إلا بفعل أحدهما، صار مكرَهًا على ذلك، فوجب له الضمان على المكرِه (٤). فإن كان الذي أوقعه أقلّهما ضمانًا، فقد تلف عليه بالإكراه، فيجب على المكرِه ضمانه، فإن أتلف أكثرهما، فقد كان يقدر على التخلّص من ضرر الإكراه بفعل الآخر، فلمّا عدل إلى أكثرهما ضمانًا (٥) صار هو المختار لإتلاف الفضل، فلم يرجع به على المكرِه. قال: ولو كان الزوج دخل بالمرأة وفعل المكرَه أحدهما، لم يغرم الذي

стр. 4975

أكرهه في ذلك قليلًا ولا كثيرًا؛ لأنّ المدخول بها لا يجب على المكرَه بطلاقها غرمٌ، ألا تري أنّ (١) وجوب المهر استقرّ بالدخول، فلم يتلف عليه بالطلاق أكثر من منفعة البُضْعِ، وذلك غير متقوّمٍ. فإذا ثبت هذا: فقد كان المكرَه يقدر على التخلّص من ضَررِ الإكراه بفعل ما لا يتلف عليه [به] مالٌ، فلمّا عدل إلى عتق العبد صار هو المختار للإتلاف، فلا يرجع على المكرِه بشيء. قال: ولو كان الإكراه على ذلك بحبسٍ أو قيدٍ، ولم يخف أكثر من ذلك، ففعل أحدهما، ولم يدخل بالمرأة؛ لزمه الذي (٢) فعل، ولم يغرم الذي أكرهه شيئًا؛ وذلك لأنّ الإكراه بالقيد والحبس ليس بإكراه في الأفعال، ولا بإكراهٍ فيما يستوي جِدّه وهزله، ووجوده وعدمه سواءٌ، وكأنّه فعل ذلك [باختياره] بغير إكراهٍ. قال: ولو أُكره بقتلٍ على أن يكفر بالله تعالى، أو يقتل هذا الرجل عمدًا، فإن كفر بالله وقلبه مطمئنٌ بالإيمان فذلك يسعه عندنا، ولا تَبِينُ منه امرأته، وإن أبى أن يكفر حتى يُقتل؛ فذلك أعظم للأجر (٣)، ولا يحلّ له أن يقتل الرجل المسلم. فإن لم يكفر وقتل الرجل المسلم، فالقياس: أن يقتل المكرَه، والاستحسان: أن أدرأ عنه القتل (٤)، وأضمّنه دية المقتول في ماله ثلاث سنين، إن لم يكن عالمًا بأنّ الكفر يَسَعُه في هذا الوجه؛ وذلك لأنّه لما أكرهه على إظهار
следующие страницы →